ميلادُ المسيح ميلادنا

ميلادُ المسيح ميلادنا

“المجدُ لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسّرة”(لوقا14:2)


ماريَّـا قبارة


عذراء جميلة طاهرة تنتظر وليداً. خطيبها يمسك بمقود الدّابة التي كانت تمتطيها متوجهين إلى بيت لحم. المسافرون كثيرون وفنادق بيت لحم قليلة، فالمدينة ازدحمت بكثرة الوافدين إليها من مختلف نواحي مملكة هيرودس للاكتتاب. الخطيبان فقيران رغم أنهما من أصل ملوكي، وأصحاب الفنادق لا يقدّرون الناس إلاّ بميزان المال. ولمّا لم يجد الخطيبان مكاناً يأويان إليه اضطرا للمبيت في مكان حقير مخصص لمبيت الماشية. وفي سكون ذاك الليل الرهيب البارد، وضعت مريم العذراء وليدها وأضجعته في مذود البقر “وعندئذٍ تمت أيام العذراء لتلد، فولدت ابنها البكر، وقمطته وأضجعته في المذود إذ لم يكن لهما موضع في المنزل” (لوقا7:2). وها التاريخ البشري يسجّل أعظم ولادة في العالم والذي تمركز حول هذه الولادة. فما أروعه من حدث نحتفل به جميعاً في كل مكان، ذكرى ميلاد الفادي يسوع.
و إن كان المسيح لم يجد له مكاناً لائقاً به ليولد فيه فهل نستطيع نحن دعوة وليد بيت لحم ليسكن قلوبنا! لكن، ما أشبه قلوبنا ببرد يوم ميلاد المسيح، وما أشبه الليلة بالبارحة. عالمنا اليوم غافلاً عن المسيح رغم حاجته إليه. بيت لحم كانت منشغلة بزوارها الذين جاؤوا من كل حدب وصوب، ونحن اليوم منشغلون بالزوار وكلينا نسي طفل المذود. وها نحن من كل عام وفي هذا الوقت من السنة نستقبل الأصدقاء و تمتلئ بيوتنا بالناس ولكننا ننسى صاحب العيد. احتفالنا بعيد ميلاد يسوع مجرد زيارات وهدايا وحفلات وطعام وشراب، احتفالنا بعيد الميلاد مجرد أنوار نعلقها على منافذنا، فما أكثرها هي السنوات التي نضيفها إلى حياتنا ولكن ما أحوجنا في هذه الأيام أن نضيف حياة إلى سنواتنا.
يا إخوتي، إنّه الميلاد مرة أخرى، هاهي أجراس ملائكة الله تنثر رنينها على خدود أزهار الأمل في قلوبنا، تلك الأزهار اليانعة أبداً رغم بؤس هذا العالم الذي تستبيحه الحروب والنيران والصعاب والأحزان. إنّه الميلاد، ذكرى قدوم ربنا وفادينا يسوع المسيح مخلصاً، يسوع الذي أطلق سلامه في سموات أرواحنا ليحكي لنا هديلها الأبدي قصة محبة ابن الانسان المفعمة بالتسامح والحكمة والسلام والمحبة.
إنه الميلاد العظيم، فقد أحيل المذود إلى مهدٍ، وأقيم من القش فراشاً، وفوق القش ملك سجد أمامه ملوك الشرق وقدموا له هداياهم ذهباً ولباناً ومراً. ورعاة سمعوا وهم ساهرين على أغنامهم أنشودة السماء فركضوا مسرعين، وإذ رأوا الطفل مقمطاً في المذود سبحوا ومجدوا الله. فهيا بنا جميعاً نجعل من الميلاد مناسبة للغوص في أعماق ذواتنا بحثاً عن لؤلؤة الإنسان الحقيقي؛ القلب الدافئ ليسكن فيه الطفل يسوع ويتربع عليه رغم برودة العالم وفتوره الروحي.
الميلاد هذا العام سيكون مختلفاً، ففي بيتي انتظار لمولود جديد، سأرتدي له محبتي أزهى رداء، وأعدّ له قلبي الدافئ سريراً من طيبة ومحبة وتسامح، سأفتح نوافذي مشرعة ليدخلها الضياء والنور، وسأطرح عني بعيداً حيرتي وترددي ففي بيتي انتظار لوليد مَن بالتواضع يولد وبصليب المحبة يقبل.

الميلاد هذا العام مختلف جداً، فمع المولود المنتظر أنا الذي سوف أولد. “فالمجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة”

Leave a comment