مختارات من سير مباركة – 4

مختارات من سير مباركة – 4
إعداد راهبات دير مار يعقوب – دده”

أحكام الله

حدث يوما إن شيخاً قدّيساً ابتهل إلى الله لكي يكشف له السّرّ التالي: لماذا معظم الصّديقين والأتقياء فقراء يشقون ويُظلَمون، فيما العديد من الخطأة والظّالمين أغنياء يتنعّمون؟ وكيف تُترجم أحكام الله هذه؟
وإذ أراد الله أن يكشف له سؤل قلبه وضع في نفسه فكراً أن “اذهبْ إلى العالم وسوف ترى تدبير الله”.
لم يبطئ الشّيخ في إطاعة الصّوت الإلهي، بل قام وانطلق للحال باتّجاه العالم. إذ ذاك وجد نفسه يسلك طريقاً واسعاً يعبره النّاس بكثرة، وكان هناك مرج فسيح وصنبور ماء عذب. اختبأ الشّيخ في جوف إحدى أشجار المرج مترقّباً منتظراً.
وبعد هنيهة مرّ بالمكان رجل غني، فترجّل عن حصانه وجلس ليأكل. ثم أخرج كيس نقود يحوي مائة ليرة ذهبيّة وأخذ يعدّها. ولما إنتهى من عدّها ظنّ نفسه أنّه أعادها إلى مكانها بين طيّات ثيابه حيث كانت أوّلاً، بيد أنّها في الحقيقة سقطت على الأرض دون أن يلاحظها لعجلته، ثم امتطى جواده من جديد وانطلق في طريقه مخلّفاً وراءه ذهبيّاته الثّمينة.
لم يمضِ زمن قليل حتى مرّ بالموضع نفسه عابر سبيل آخر، هذا وجد النّقود مطروحة على الأرض فالتقطها وحثّ خطاه مبتعداً.
وبعد ذلك أتى ثالث وكان فقيراً متعَباً ينوء تحت حمله الثّقيل، يسير على قدميه متمهّلاً، فجلس هو أيضاً هناك ليرتاح. وفيما هو يخرج خبزة يابسة ليأكلها، جاء الغني ووقع عليه قائلاً بغضب: “أسرع وأعطني النّقود التي وجدتَها “. فأجاب الفقير بيمين معظّمة بأنّه لم يجد شيئاً من هذا القبيل. حينئذ ابتدأ الغني يضربه بسير الحصان الجلدي. وبضربة على أمّ رأسه أصاب منه مقتلاً فأرداه صريعاً، ثم شرع يفتّش ثياب الفقير وأغراضه كلّها. ولمّا لم يعثر على شيء ذهب والنّدم يتأكّله.
أمّا الأب الشيخ الذي كان يشاهد كلّ شيء، فأخذ ينتحب مدمّى الفؤاد من جرّاء القتل الجائر، متوسّلاً إلى الرّبّ: “يا ترى ما هي مشيئتك يا ربّ، وكيف يحتمل صلاحك هذا الأمر؟!!” للحين حضره ملاك خاطبه قائلاً: “لا تحزن أيّها الشّيخ، لأنّ جلّ ما يحصل إنّما يحصل بحسب مشيئة الله وتدبيره من أجل التّأديب والخلاص. اعلم أنّ الذي أضاع المائة الذّهبيّة هو جار لذاك الذي وجدها. هذا الأخير هو صاحب بستان يساوي مائة ليرة ذهبيّة، وقد أخذه منه الغني الجشع بخمسين فقط وبطريقة غير قانونيّة. وبما إن البستاني الفقير توسّل إلى الرّبّ أن يأخذ العدل مجراه، فشاء الله أن ينال مطلبه مضاعَفاً إذ حصل على مائة بدلاً من خمسين. أمّا ذاك الذي قُتل ظلماً، فكان ارتكب جريمة قتل هو نفسه في الماضي، فإذ أراد الله أن يخلّصه ويطهّره من خطيئة القتل ( لأن قام بأعمال حسنة قد أرضت الله) دبّر أن يُقتل هو ظلماً لتخلص نفسه.
أمّا الجشع الطّمّاع الذي سبّب القتل، فقد كان مزمعاً أن ينتهي أمره في الجحيم بسبب محبّته للفضّة. لذا سمح الله أن يقع في خطيئة القتل لكي تتوجّع روحه فيطلب التّوبة والرّحمة. وها هو الآن قد ترك العالم وذهب يطرق باب أحد الأديار ليترهّب.
أما أنت فعد الآن إلى قلايتك ولا تكثر من فحص أحكام الله لأنّها بعيدة عن الكشف والتّنقيب”.
إنّا نحن معشر البشر نحاول أن نبحث عن أمور لا تُحدَّد تفوق قدراتنا. فحيث يضع الله نقطة مثلاً، لا نستطيع نحن أن نستبدلها بعلامة استفهام. وكخاتمة فلنسمع القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم يدعونا قائلاً: “الأحزان تولّد الصّبر، ومحبّة الله تعرف مقدار تحمّلنا للأحزان. العناية الإلهيّة لا تُفسَّر واهتمامه بنا لا يُدرَك. إنّ أحكام الله عميقة جدّاً “.

أالقدّيسة إيريني والملاك

جال مرّة في خاطر القدّيسة إيريني رئيسة دير خريسّوفلاندو (القرن التّاسع) فكر أن: “لو يمنّ الرّبّ عليّ بموهبة البصيرة الرّوحيّة لأعرف دواخل الرّاهبات، لكنت قوّمت أخطاءهنّ، ولشدّدت المتراخيات منهنّ في الحياة الرّوحيّة”. وهكذا بدأت تصلّي، باستمرار، إلى الله ذارفة دموعاً غزيرة وضاربة سجدات كثيرة.
فظهر أمامها حينئذ ملاك بهي المنظر أبيض اللباس وقال لها: “افرحي يا أمة الله المؤمنة. لقد استجيبت صلاتك التي ارتفعت كالبخّور إلى العرش الإلهي، وها قد أرسلني الرّبّ لأخدمك وأكون دوماً قربك وأكشف لك الأسرار والخفيّات من أجل خلاص الرّاهبات”.
شكرت القدّيسة الله بحرارة، وصارت تدعو إليها كلّ يوم راهبة وتحضّها على كشف أفكارها لتقوّم لها اعوجاجها. وهكذا عرفت الرّاهبات، يوماً بعد يوم، ما للقدّيسة من موهبة روحيّة، فأخذن يعترفن بخفايا قلوبهن، طالبات منها أن تساعدهنّ على النّمو والتّقدّم في حياتهنّ الرّوحيّة.

الأب المغبوط ديمتريوس الذي من باسارابوف Bassarabov

وُلد القدّيس ديمتريوس في بداية القرن الثّالث، في كنف عائلة قرويّة من منطقة باسارابوف الواقعة جنوبي نهر الدّانوب، وكانت آنذاك تابعة للمملكة البلغاريّة.
دخل القدّيس ديمتريوس، وبشجاعة منذ طفوليّته، في مصارعات وجهادات روحيّة من أجل اقتناء الفضيلة ملتزماً حياة الصّلاة والصّوم.
وبينما كان ذاهباً في أحد الأيّام إلى الحقل لكي يرعى الأبقار، وطأت قدمه عفواً عشّاً للعصافير كان مغطّى بالأعشاب، فسحق الأفراخ الموجودة فيه. تأثّر جدّاً لهذا الفعل وقرّر أن يعاقب ذاته. فترك ساقه التي اعتبرها مسؤولة عن هذا الخطأ عارية، ولمدّة ثلاث سنوات، صيفاً شتاء معتبراً نفسه أنّه اقترف جريمة قتل.
التحق القدّيس، بعد ذلك، بإحدى الشّركات الرّهبانيّة، وبعد أن تدرّب جيّداً على حياة الطّاعة، انعزل في غابة مجاورة، مقيماً داخل مغارة تقع بالقرب من نهر لوموس Lomos ، مجهولاً من النّاس، مقدّما صلواته وساكباً دموعه ليلاً نهاراً أمام الله. علِم مسبقاً بيوم وفاته الذي ما إن أزف حتى تمدّد بين حجرين وأودع روحه بسلام إلى الرّبّ.
مرّت سنوات طوال نسي خلالها العالم كلّه وجود النّاسك ولم يعد أحد يذكره. ولكن وبعد ثلاثة قرون على وفاته، فاضت مياه النّهر فارتفع مستواه حتى المغارة، وجرف التّيّار الحجرين اللذين كانا يحجزان جسد القدّيس، ودفع الجسد إلى الخارج حيث بقي غارقاً في الوحل. بعد مائة سنة من ذلك، ظهر القدّيس في الحلم لفتاة صغيرة شلاّء، وأمرها بأن تطلب من أهلها حملها إلى ضفّة النّهر لكي تنال الشّفاء. ما إن أُذيع الخبر حتى حضرت جموع كثيرة مع إكليريكيي الأبرشيّة يرافقون العائلة حتى الموضع. وكان أهل المنطقة يرون فوق الموضع نوراً عجيباً دون أن يدركوا سبب ذلك. فأخذ العامّة يحفرون المكان حتى وجدوا جسد القدّيس غير مصاب بأذى، سليماً ومشعّاً بنعمة الرّوح القدس. وللحال شُفيت الفتاة المريضة.
نُقل الجثمان باحتفال جنائزي مهيب إلى باسارابوف حيث تمّت بواسطته معجزات شفاء كثيرة، كما أخذت الجموع الغفيرة تؤم المكان من كلّ ناحية وصوب للتّبرك من رفات القدّيس.
أرسل حاكم هونغرو- فالاشي أعيان المدينة والكهنة للتّحقق من هذا الاكتشاف العجيب، وأمر بإشادة كنيسة في القرية تحمل اسم القدّيس ديمتريوس، ووضُعت الرّفات هناك حيث تمّت بواسطتها، ولسنوات عديدة متتالية، عجائب جمّة.
في نهاية الحرب الرّوسيّة التّركيّة سنة 1774 وصلت الجيوش الرّوسيّة إلى حدود منطقة باسارابوف، فأمر الجنرال بطرس سالتيكوف Saltikov نقل ذخائر القدّيس ديمتريوس إلى روسيّا، خوفاً من انتهاك حرمتها أو تدنيسها من قِبَل الأتراك.
عندما وصل الموكب الذي يحمل الرّفات إلى بوخارست، طلب مسيحي تقي اسمه ديمتريوس شاتزي Chatzi وكان صديقاً للجنرال، بأن يُترك جسد القدّيس في رومانيا ليتبرّك الشّعب منه. وافق الجنرال سالتيكوف على هذا الطّلب، وأخذ فقط يد القدّيس وأرسلها إلى لافرا المغاور في كييف للاحتفاظ بها كذخيرة مقدّسة.
وُضع جسد القدّيس ديمتريوس في كاتدرائيّة بوخارست حيث كُرّمت رفاته بسبب العجائب الكثيرة الحاصلة، وغدا القدّيس شفيعاً للمدينة ولكلّ رومانيا.
وفي كلّ عام وفي السّابع والعشرين من شهر تشرين الأوّل، تحتشد جموع غفيرة في بوخارست لكي تحتفل بعيد القدّيس ديمتريوس حيث يتبرّك الشّعب، ولمدّة ثلاثة أيّام، من بقاياه المقدّسة التي يفوح منها شذى طيّب زكي الرّائحة.

تذكار نقل رفاة الشّهيدة فيلوثاي الجديدة التي من Tirnovo إلى Curtea de Arges

وُلدت القدّيسة الشّهيدة فيلوثاي في تيرنوفو البلغاريّة من عائلة قرويّة بسيطة. ما إن زرعت الوالدة التّقيّة في نفس ابنتها أولى مبادئ الفضيلة حتى غادرت الحياة، وهي لا تزال في ريعان الصّبا، إلى الأخدار السّماويّة.
بعد مرور وقت قصير تزوّج الوالد امرأة أخرى كانت تُنزل بالفتاة شتّى التّعذيبات، إلا أنّ فيلوثاي كانت تتحمّل هذه الآلام والأحزان بصبر عجيب كان سبباً لنموّها في حياة الفضيلة والتّقوى.
عندما بلغت فيلوثاي سنّ الثّانية عشرة من عمرها، راحت زوجة أبيها ترسلها إلى الحقول حيث كان يعمل والدها لكي تحمل له الزاد. بيد أن الفتاة كانت، وهي في طريقها، تلتقي بالفقراء وتوزّع عليهم الحصّة الكبيرة من الطّعام التي كانت بحوذتها.
عاد والدها ذات مساء جائعاً منهوك القوى، وأخذ يستفسر من زوجته عن سبب إرسالها القليل من الطّعام له، فأجابته بأنّها تؤمّن له كمية كافية، وبأنّ فيلوثاي هي المسؤولة عن ذلك. وبما إن هذا الأمر كان يتكرّر يوميّاً، أراد الوالد التّأكّد من صحّة كلام زوجته، فأختبأ ذات يوم وراء إحدى الأشجار ليرى ما تفعله ابنته بالزّاد. وما إن رآها توزّع القوت على الفقراء الذين كانوا يقتربون منها بفرح، لم يستطع أن يكظم غيظه، فانقضّ عليها وأوثقها بحبل وأخذ يضربها بآلة زراعيّة كان يحملها في منطقته، فجرح لها ساقها وأخذ دمها يسيل بغزارة حتى أسلمت فيلوثاي روحها لله.
حاول الأب القاتل أن يرفع الجسد لكي يواريه عن الأنظار، إلاّ أنّه لم يفلح لأنّ الجسد غدا أثقل من الرّصاص، وكان محاطاً بنور سماوي ساطع. ما إن رأى الأب هذا المشهد حتى أخذ ضميره يؤنّبه على فعلته هذه، وراح يركض مسرعاً إلى تيرنوفو لكي يسلّم نفسه للسّلطات. علم الأسقف بما جرى، فحضر للحال إلى المكان الذي تمّت فيه الحادثة، يرافقه جمع غفير من الإكليريكيّين والعلمانيّين، لكي يدفن جسد الشّهيدة الشّابّة في الكاتدرائيّة التّابعة لأبرشيّته. ذهبت كلّ الجهود والمحاولات في إزاحة الجثمان من مكانه أدراج الرّياح. فقرّروا حينئذ بأن يذكروا أسماء كلّ الهياكل الكبيرة في العالم المسيحي وفي بلغاريا، على أمل أن تبدي القدّيسة إشارة إلى المكان الذي تفضّل أن يُدفن جسدها فيه. وهكذا أخذ رجال الدّين يذكرون أسماء كنائس رومانيا، وعندما ذكروا اسم كنيسة مبنيّة حديثاً في Curtea de (Arges) في فالاشي (رومانيا) حتى خفّ للحال ثقل جسد القدّيسة، فتأكّدت للجميع إرادتها، فوجّهوا رسالة إلى حاكم المنطقة هناك وهو رادو الأوّل (1375-1377) الذي حضر للحال مع كلّ حاشيته وجموع كثيرة إلى ضفاف الدّانوب لاستقبال رفات القدّيسة، ولكي ينقلوها إلى كنيستها التي أصبحت فيما بعد، وما زالت حتى اليوم بفضل عجائب القدّيسة، إحدى أبرز وأهم مراكز الحج في رومانيا. يُعيَّد للقديسة فيلوثاي الجديدة في السّابع من شهر كانون الأوّل. فبشفاعاتها أيّها الرّبّ يسوع المسيح ارحمنا وخلّصنا آمين.

Leave a Reply