في الحديقة

حبيب ابراهيم


نهار جديد مقبل، نور من وراء الجبال مطلّ. خطرت لي فكرة رائعة، فقلت: أزور الحديقة ساعة، أو ربما دقائق تكفي. فمناظرها للعين متعة وألحانها للمريض تشفي.
ما هي إلا ثوان حتى وقفت أمام مشهد يفرض ذاته عليك. مشهد يفهمه عقلك من دون أن تأذن له. مشهد تنسى جمال ممثليه إذ يجذبك وتستفيد من المعاني والعبر التي تفيض منه. بين يديك أترك باختصار ما شعرت أنّ من واجبي نقله إليك لكي تشاركني هذه الخبرة البسيطة.
فراشة صغيرة هوت التنقل في حديقتنا. عشقت ألوان الحديقة أكثر من ألوان جناحيها. صادقت الأزهار وجعلت منها حديثها، تتطاير من واحدة إلى أخرى وتنشر وراءها عبير شذى صديقاتها متجاهلة سيئاتهّن. تتوقف هنا وهناك لترتاح بل لتريح الآخرين بأقوالها المطمئنة.
هي مخلوق صغير له صديقات كثر منها صغيرات وأخرى كبيرات. تقضي النهار كلّه من واحدة إلى أخرى. تعرف ما تقول فقد تعلمت هذا بالتكرار. هذا التكرار جعل كلامها يتغلغل إلى الداخل أصبح يصدر عن فهم، أصبح يخرج من القلب. لقد تعلّمت أن تعطي صديقاتها ما تحتجن إليه وأن تأخذ منهنّ حاجتها.
مخلوق صغير؟! نعم، ولكن الله أنعم عليه بالكثير. لقد وصلت إلى غاية وجودها. اختبرت الحياة فعلمت أن الخدمة تحتاج الى أقوياء لا يعرفون الكلل. سعت دائماً إلى الأفضل فوجدت أنّ حياتها أيضاً تتغذى من الآخر. رذلت اللامبالاة التي تؤدّي إلى الضجر وبنشاطها كلّلت عملها. تعلّمت في حياتها ألا تستهين بمحبة الآخرين، بقدرات الآخرين، باجتهاد الآخرين، بسعيهم المتواصل لتطوير ذواتهم، فهم دائماً يسعون لتحقيق ما يظنوه خيراً للجميع.
أما أنت من يقرأ هذه السطور فلا تحسب نفسك بعيداً عن المشهد. فهو مشهد يتكرّر في حياتك. هل فكرت يوماً أن تكون تلك الفراشة أو حتى أولئك الأصدقاء؟ أنت يا صديقي كليهما معاً، إذ إنّك في علاقتك مع الآخر إمّا تكون المبادر كالفراشة أو المتلقي كالزهرة وفي كلا الحالتين عليك بالسعي لتحقيق خيرك الشخصي وخير الجميع.

Leave a Reply