حول الصداقة المسيحية – دروس من باتيريكون (أقوال الآباء) كييف

حول الصداقة المسيحية
دروس من باتيريكون (أقوال الآباء) كييف

يقول أحد الأمثال: لا تمتلك ألف روبل (عملة روسية) بل ألف صديق. هذا الكلام صحيح جداً. على سبيل المثال، كيف يمكننا أن ندخل وطننا السماوي بأنفسنا من دون أصدقاء؟ إنه لصعب جداً. نحن ننتقل على الطريق من أشواك إلى أشواك، ومن حجر إلى حجر. فالعالم وجسدنا والشيطان يحاربوننا، والمحَن تحيط بنا من كل جانب، والأشرار غالباً ما يبقون لنا السلام إذ حين يغرسون العادات السيئة يصيبوننا بالشرور، وغير ذلك. ما الذي ينبغي عمله؟ السير لوحدنا على هذه الطريق، كما ترون، خطير وصعب جداً. مَن يستطيع المساعدة؟ مَن يقدر على تسهيل طريقنا؟ مَن يستطيع أن يوجّهنا على الطريق الضيق العسير؟ اعرفوا أيها الإخوة أنّ، في هذه الحالة، الصديق المسيحي المخلص قادر على إعانتنا أكثر من أي شخص آخر، وقادر على أن يثبِت أنّه ليس ما يضاهيه قيمة في مساعدتنا في رحلتنا إلى الوطن السماوي. سوف نوضح ذلك بقصة.
عاش صديقان في دير الكهوف، فاسيلي وفيودور. كان يُقال أن الأخير، حين كان في العالم، امتلك أملاكاً كبيرة؛ وعندما قرّر أن يصير راهباً أعطى كل ممتلكاته للفقراء. عندما دخل الدير راح العدو ينخسه بالشكوك: لماذا أعطى أملاكه للفقراء؟ كيف سوف يهتمّ بشيخوخته؟ ماذا لو افتقر الدير؟ ..وغيرها من الأفكار الشريرة. وقع فيودور في اليأس لكن صديقه استردّه. عندما علم بحالة فيودور، سعى فاسيلي بشتّى الطرق لإنقاذه. ناشده “أيها الأخ فيودور، لا تتلِفْ مكافآتك! إذا أردتَ فعلاً أن تعود إلى ممتلكاتك التي أعطيتها للفقراء، فسوف أعيدها إليك، لكن عليك أن تعطي كلمتك أمام الله بأنّ المكافأة التي تستحقها بسبب ما وزّعت، لا تعود إليك بل إليّ. لكن فكّر في الأمر. ألن يعاقبك الرب لذلك؟ لقد كان هناك حالة مماثلة في القسطنطينية. أحدهم تخلّى عمّا يملك للفقراء، ثم راح يندم على عمله، فأعاد إليه رجل آخر ممتلكاته شرط أن يقرّ علناً: “أيها الرب، المكافأة التي أستحقها جزاء ما وزّعت لا تعود إليّ بعد الآن بل للذي أعاد إليّ صدقاتي!” التعيس أعلن هذه الكلمات وللحال سقط أرضاً في وسط الكنيسة وأسلم الروح. وكما يُقال، أُتلف الإثنان معاً، الذهب والجسد.
عاد فيودور إلى صوابه بسبب كلمات صديقه. تاب عن طمعه وراح يشكر صديقه بحرارة لإنقاذه إياه من الخطيئة. ومنذ ذلك الحين تطورت المحبة بينهما.
ومرة أخرى هاجم الشيطان فيودور فراح يظهر له بهيئة صديقه فاسيلي. وإذ راح يريه أكواماً من الذهب والفضة، حاول أن يقنعه بجمعها في مكان محدد والهرب من الكهوف إلى بلد آخر، إذ، كما ادّعى الشرير، يستحيل تحقيق الخلاص في الدير. أُغوي فيودور بتصديق هذا الصديق – الشيطان وتهيأ للرحيل، دون أن يعلم إلى أين. لحسن الحظ، صديقه الصدوق، فاسيلي الحقيقي علم بالأمر، فدعا عدداً من الشيوخ معاً ومضوا معاً إلى فيودور حيث كشفوا له أحابيل الشيطان والهاوية المروعة التي كان يقف الراهب البائس على حافتها. انفتحت عينا فيودور ومنذ ذلك الحين سلك في حرب عنيدة ضد عدو خلاصنا وغلبه بشكل حاسم بعيشه حياة مقدسة.
ينبغي أن نضيف أنّه فيما بعد استمرّ فاسيلي بمساعدة فيودور روحياً؛ اقترح عليه بألاّ يخفي عنه أفكاره وأن يحفظا دوماً حواراً مفتوحاً في الأمور المتعلّقة بخلاصهما. انتهت صداقتهما بانضمامهما إلى مصاف القديسين “مكافئين بالمجد والشرف الأبديين، وحاصلين على الإكليل من المسيح صخرة الشرف”.
بالواقع نعم، إن صديقاً مخلصاً وقديساً، هو كنز لا يُقارَن ولا يُستَبدَل، أغلى من كل كنوز هذا العالم. لو لم يكن فاسيلي هناك، لما صار فيودور قديساً. كما رأينا، لقد أنقذه أكثر من مرة من خداع الشيطان، وأكثر من مرة قاده بعيداً عن هاوية الهلاك. حتى أنّه سهر على أفكاره وقاده إلى أن يفتح له قلبه. أليس هذا صديقاً، أليس هذا كنزاً؟ “لاَ نُحِبَّ بِالْكَلاَمِ وَلاَ بِاللِّسَانِ، بَلْ بِالْعَمَلِ وَالْحَقِّ!” (1يوحنا 18:3). لو أن الله يهب لكل منكم صديقاً مثل هذا! لكنتم فهمتم وأنشدتم بفرح كلمات داود: “هُوَذَا مَا أَحْسَنَ وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَسْكُنَ الإِخْوَةُ مَعًا!” (مزمور 1:133). “َإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَوَبِّخْهُ، وَإِنْ تَابَ فَاغْفِرْ لَهُ.” (لوقا 3:17).

* * *

عاش في دير الكهوف في كييف صديقان: الكاهن تيطس والشماس إفاغريّوس. بمسعى من الشرير فسدت صداقتهما ونما في قلب كل منهما حقد على الآخر، حتى إذا ما كان أحدهما يبخّر الكنيسة كان الآخر يدير وجهه إلى الجهة الأخرى. وحتى إذا اختيرا ليخدما معاً، كانا يرفضان أن يتسالما. ولم يستطع أي من الإخوة أن يحرّكهما نحو المصالحة.
في النهاية، بمشيئة الله، وقع تيطس مريضاً. راح يبكي على خطاياه وطلب إفاغريّوس ليسأله المغفرة. رفض الأخير أن يأتي واضطر الإخوة إلى جلبه بالقوة. ركع تيطس المريض أمامه بدموع وسأله: “سامحني يا أبتي، وباركْني”. أدار إفاغريّوس ظهره باستخفاف: “أنا لا أريد أن أسالمه، لا في الحياة ولا في التالية”. ما أن نطق بهذه الكلمات المرعبة حتى سقط ميتاً. كان جسده صلباً كما لو أنه كان مضى على موته بعض الوقت، حتى أن الإخوة لم يتمكنوا من إغلاق عينيه أو فمه ولا أن يثنوا ذراعيه. في الوقت نفسه، نهض تيطس وكأنه لم يكن مريضاً أبداً، وأخبر الإخوة أنّه فيما كان مريضاً رأى ملائكة يبتعدون عنه وينوحون على خراب نفسه، بينما رأى الشياطين يبتهجون للحقد الذي كان يكنّه لأخيه إفاغريّوس. هذا ما أعاد تيطس إلى رشده وحرّكه إلى أن يدعو إفاغريوس ليطلب منه المغفرة. عندما ركع أمام إفاغريوس واستدار الأخير عنه، رأى تيطس ملاكاً غاضباً يضرب إفاغريوس بحربة نارية. والملاك نفسه أعطى يده لتيطس وأقامه من فراشه وشفاه من مرضه.
منذ ذلك الحين جاهد تيطس بشكل خاص لكي يكون في سلام دائم ومحبة مع كل الإخوة. وهكذا بقي سالكاً بإيمان في الجهادات الروحية إلى أن أسلم روحه للرب. تعيّد الكنيسة لتذكاره في السابع والعشرين من شباط.

Leave a Reply