صلاة يسوع بحسب القديس إيسيخيوس العوسجي

صلاة يسوع بحسب القديس إيسيخيوس العوسجي

إعداد الخورية سميرة عوض ملكي

كتب القديس إيسيخيوس رئيس دير العوسجة في سيناء رسالة إلى راهب يدعى ثيوذولوس حول اليقظة والفضيلة، شَرَح فيها أن في سكينة القلب تصعد وتنزل صلاة يسوع والكيرياليسون فيتحوّل الذهن إلى دعاء ويجيل اسم يسوع في فسحة القلب ويغلّف الجسم. ويدعو إلى إقران اليقظة بصلاة يسوع، مستعملاً لها هذا الاسم ومعدداً مآثرها.

صلاة يسوع المقرونة باليقظة تمحو من أعماق القلب، بطريقة طبيعية، الأفكار المغروسة والمقيمة فيها، وإن على رغمنا. لأنّ اليقظة هي التركيز الدائب لفكر ساهر عند باب القلب، وهي في عقل الإنسان تنبّه متواصل راسخ يسعى إلى وقف نبع الأفكار الذميمة. وهي التي تورّثنا وقت الجهاد، وبطريقة وادعة، المشاهدة الناجمة عن صلاة يسوع المتواصلة، وعذوبة الهدوء، لدى الذهن المُعتَق من كلّ تصوّر وحالة السكون النابعة من يسوع.

من هنا يحذّر القديس إيسيخيوس من أنّ “الشيطان مع قواته يرود مثل أسد زائر يطلب فريسة. لهذا يجب على المصلّي ألاّ يكفَّ لحظة عن تنبه القلب الدائم واليقظة والشجب وصلاة يسوع”. وبدونها لا مجال لطرد العدو: “… يستحيل علينا أن ننقي قلبنا من الأفكار الشهوانية ونطرد منه الأعداء الروحيين إذا لم ندعُ باستمرار يسوع المسيح”. فاسم يسوع هو مصدر الفرح: “بمقدار ما يسقط المطر تلين التربة. كذلك اسم يسوع المقدس يغمر فرحاً وبهجة تربةَ قلوبنا، عندما ندعوه ونبتهل إليه بصورة متواترة”. وهو فعّال مع الأعداء غير الجسديين، وهذا عند كل فئات المصلين: “لنا أعداء لا جسديون، لا منظورون، ماكرون، بارعون في الشر… ونحن لا قِبَل لنا بقهرهم بأيّ بوجه من الوجوه، إلا بفضل يقظة ذهن متواصلة، واستدعاء يسوع المسيح إلهنا وخالقنا. وأمّا المفتقرون إلى الخبرة، فلتكن لهم أيضاً صلاة يسوع المسيح حافزاً لاختبار الخير ومعرفته. وأمّا ذوو الخبرة، فلتكن لهم هذه الصلاة حافزاً للخير ومحكّاً له ومحط راحته، والطريقة الأمثل والمَعْلَم الأفضل”. والصلاة القلبية، أي صلاة يسوع من خلال استدعاء اسمه، تزيد من الانتباه، وعدم ممارستها يقلل منه: “بقدر ما يعمق انتباهك لعمل الفكر في ذهنك تزداد ابتهالاً إلى يسوع بكل شوقك… وكما أن التنبّه ينير دائرة الفكر إنارة قصوى، فمن البديهي أيضاً أن التخلّي عن اليقظة وعن صلاة يسوع العذبة يغرقها في بحر من الظلام”، “الابتهال المتواصل إلى يسوع، عندما يواكب شوقاً فائقاً بالعذوبة والفرح، يضفي على فسحة القلب غمرةً من الفرح والصفاء، بفضل التنبه الأقصى”، “وهكذا فاليقظة وصلاة يسوع تلقيان –كما قلتُ- دعماً متبادلاً، بطريقة طبيعية. فالتنبّه في أقصاه، يدعم الصلاة المتواصلة، وفي المقابل تدعم الصلاةُ داخل الذهن اليقظةَ والتنبّه الأقصى”. “ذكر ربنا يسوع المسيح وابتهالنا المتواصل إليه يبعثان في ذهننا شبه حالة إلهية، أللهم إذا لم نهمل هذه الصلاة المستمرة التي نرفعها إلى الرب داخل ذهننا، ولا اليقظة الصارمة ولا عمل الرقابة. فلندأب إذاً حق الدأب في الابتهال إلى يسوع المسيح ربنا، وهو العمل المتكرر أبداً، ولنهتف إليه بقلب مضطرم، طمعاً بالاشتراك في اسم يسوع الأقدس”. من هنا أن استعمال اسم يسوع ترس ضد الهفوات: “النسيان يطفئ حراسة الذهن كما يخمد الماءُ اللهيب. ولكن صلاة يسوع المتواصلة إذا اقترنت بيقظة مستمرة، فهي تنفي النسيان من القلب نفياً قاطعاً”، وعلى المؤمن أن يلجأ إليه أبداً وبدون انقطاع: “علينا أن نُجيل دوماً اسم يسوع المسيح في فسحة قلبنا، كما يخُدُّ البرق صفحة الفُلك قبل هطول المطر… فلنخُض إذاً الحرب الروحية وفق هذا السياق: التنبّه أولاً… ثم حسر وجه العدو… فلنوسعه ضرباً… وثالثاُ وأخيراً علينا بالصلاة فوراً نتصدى له بها ونستجمع القلب بالابتهال إلى يسوع المسيح، فتتبدد الصورة الشيطانية على الفور..”، “إننا نفعم القلب علقماً، بزعاف الأفكار وخبثها، عندما نقلع طويلاً عن واجب التنبّه وصلاة يسوع، ونخلد إلى التهاون الناجم عن النسيان”، “النَفَس العابر في منخريك، ضمّ إليه اليقظة واسم يسوع والتأمل المتواصل في الموت والتواضع. ولسوف تجد في كليهما، كما هو معلوم، إزراً عظيماً”.

ولئن بَدَت اليقظة على جانب كبير من الأهمية في تعليم هذا القديس، إلاّ أنها وحدها لا تكفي: “كما أن الثلج لا يولّد اللهب أبداً، ولا الماء النار، وكما أن العوسج لن يؤتي التين يوماً، كذلك قلب كل إنسان لن يعرف سبيلاً إلى التحرر من الأفكار والأقوال والأفعال الشيطانية، ما لم يتطهر من الداخل، ويقرن اليقظة بصلاة يسوع…”. وهي لا تكتمل إلاّ بصلاة يسوع: “متى ابتدأنا نمارس في حياتنا التنبّه الذهني ونقرن التواضع باليقظة ونضم الصلاة إلى الشجب، أصبح بوسعنا أن نسير كما يجب على طريق الندامة… مستعينين بمشعل النور، أي باسم يسوع المسيح المعبود والقدوس. أمّا إذا عوّلنا فقط على يقظتنا أو على تنبهنا، فسوف يدحرنا الأعداء سريعاً ويطيحون بنا فنسقط… لأننا عُزَّل من الحربة القوية: أي اسم يسوع المسيح…”، وكما أنّ “المركب لا يذهب بعيداً إذا لم يكن له عمق ماء. كذلك حراسة القلب لن تتقدم البتة إذا أعوزتها كلياً اليقظة المقرونة بالتواضع وبصلاة يسوع المسيح”. فينبغي إذاً على النفس ألاّ تتهاون بصلاة يسوع: “النفس المتهاونة في اليقظة ودعاء اسم يسوع المسيح، سوف يبتلعها الأبالسة بسهولة أكبر، عندما تراودها الوساوس”، إذ “كما يستحيل على الشمس أن تتلألأ ولا تفيض نورها، كذلك القلب لا يستطيع أن يتنقى من دنس الأفكار الوبيلة من دون صلاة اسم يسوع. فإذا صحّ ذلك، وهذا ما أراه، فلنتكّل على الاسم اتكالنا على تنفسنا بالذات. فالاسم نور، وأما الأفكار فديجور. الاسم إله ومعلّم، وأمّا الأفكار فعبيد الشياطين”، “وحده الدعاء إلى اسم الله، يبيد خدعهم ويحوّلها رماداً. فيسوع الإله وابن الله، إذا دعوناه دعاءً مستمراً دؤوباً لن يأذن لهم البتة بأن يبيدوا الذهن…”. في نهاية رسالته الطويلة يغبّط الملتصق بصلاة يسوع: “مغبوط حقاً الملتصق بصلاة يسوع بكل ما لديه من تفكّر ذهني، يدعوه دعاءً مستمراً في قلبه، مثله مثل الهواء المتّحِد بأجسادنا واللهب والشموع. عندما تمر الشمس فوق الأرض تصنع النهار؛ كذلك اسم الرب يسوع، الاسم الأقدس والأكرم، عندما يتلألأ في التفكّر الذهني، يولّد ما لا يحصى من الأفكار النيّرة كالشمس”.

Leave a Reply