الشيخ والقاضي التركي الصالح

الشيخ إيرونيموس الذي من آيينا والقاضي التركي الصالح

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات


كان الأب إيرونيموس الكبادوكي، الشيخ الشهير في جزيرة آيينا- اليونان، شافياً عَطوفاً للنفوس إلى حد بعيد، وأب روحي صاحب موهبة الرؤيا يفقه أسرار الأفكار في أعماق القلوب، ورجل صلاة لا تنقطع، ارتقى إلى درجة معاينة الله. كان معارفُه يتعجّبون قائلين أنهم في حضرة القديس اسحق السرياني الثاني. وقد رقد سنة 1966.

قبل وقت قصير من الحرب العالمية الأولى، زاره رجل تركي في منسكه المتواضع. أخبر التركيُّ الأبَ بأن سيدَه، وهو قاضٍ، قد أرسله لدعوة الشيخ إلى منزله.

انتاب الشيخَ بعضُ القلق. لم يعتدْ على دعواتٍ ذات طابع “إجتماعي”، فصار يداخلُه شك بأنه سيخوض تجربةً شيطانية ما. رغم ذلك، صلّى إلى الله وتبع الخادمَ التركي.

حين وصلا إلى بيت القاضى الفسيح، استقبله القاضي بنفسِه بكثير من الحرارة. جلسا على ديوان كبير، ثم بدأ القاضي بالحديث:

“إنني تركي مسلمٌ، يا أفندي بابا. أحتفظُ بما هو ضروري لمعيشة عائلتي من الراتب الذي أتقاضاه، أما الباقي فأوزِّعُه صَدَقات. أساعد الأراملَ واليتامى والفقراء، أؤَمّن المهور للفتيات الفقيرات ليستطعن الزواج، وأساعد المرضى. أحافظ على الأصوام بتمامها وأصلي، وبشكل عام أحاول عيشَ حياة تنسجم مع ما أؤمن به. كذلك الأمر، عندما أجلس للمقاضاة أجاهد لأكون عادلاً دون أن آخذ بعين الإعتبار أي مركز لأي شخص مهما علا شأنُه. ما قولُك، هل كل هذا  كافٍ ليكون لي الفردوس الذي تتكلمون عنه أنتم المسيحيين؟”.

كان الشيخ مُعجَباً بكلام القاضي التركي، وسرعان ما خطر على باله كورنيليوس قائدُ المئة الروماني المذكور في أعمال الرسل. لاحَظ أن سيرة كل من القاضي التركي وقائد المئة الروماني متطابقتان. وفهم أن القاضي كان رجلاً عادلاً نبيل المشاعر. فكر الشيخ في نفسِه: “ربما تكون مهمتي مثل مهمة القديس بطرس الرسول الذي بشّر قائد المئة”. لذا، صمم الشيخُ على أن يكون شاهداً لإيمانه.

“قل لي، يا قاضي أفندي، هل لديك أولاد؟”

“نعم، لدي”

“وهل لديك خدام؟”

“نعم، لديَّ خدام أيضاً”

“مَن مِنَ الإثنين ينفذ أوامرك أفضل، أأولادُك أم خدامك؟”

“طبعاً خدامي، لأن أولادي- بسبب الدالّة التي لديهم تجاهي- غالباً من يَعصَون طلباتي ويفعلون ما يحلو لهم، أما خدامي فدائماً ما يقومون بما أطلبه منهم”

“أخبرني، رجاءً، يا أفندي، عندما تموت، من سيرِثُ ثروتَك؟ أخدامك الذين نفّذوا أوامرَكَ بأمانة، أم أبناؤك الذين لم يُطيعوك؟

“طبعاً، أولادي. فهم لهم الحق، فقط، بالميراث، على عكس خدامي”.

“إذاً، يا أفندي، ما تفعله جيد، لكن الأمرَ الوحيدَ الذي يمكن أن تقوم به أعمالُك الحسنة هو أن تضعك في مصَفِّ الخدام الصالحين. أما إذا أردت أن تَرِثَ الفردوس، أي ملكوت السماوات، فحينها عليك أن تصبح ابناً. وهذا ممكن تحقيقُه، فقط، عن طريق المعمودية”.

تأثر القاضي التركي للغاية بمَثَل الشيخ، وتحدَّثا لوقت طويل، بعد ذلك. وفي النهاية، سأل الشيخَ أن يُتلمذَه ويعمِّده. وهكذا، وبمدة قصيرة، اعتمَد القاضي الصالحُ وأصبح مسيحياً.

Leave a Reply