الشر

الشر

الراهب موسى الأثوسي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

بالإجمال، يبدو أن الشر يسود في العالم اليوم. يرى البعض أن سبب الشر هو الله. إنهم يؤمنون بأنه ذو أهواء بشرية، شرير، منتقِم، معاقِب. لمَ يسمح بالشر؟ لمَ يمنحه الإذن؟ لمَ لا يقتلعه لأنه يؤلم خليقته بهذا المقدار؟ كما هو معلوم، الإنسان حر بالكامل في اختيار الشر أو الصلاح. والله ليس مسؤولاً عن اختيار الشر، ولا نستطيع أن نلومه لأنه خلقنا أحراراً بالكامل. الله هو صلاح ولم يفعل أيّ شر أبداً.

نحن مدعوون لأن لا نصنع الشر، ولأن نمقته ونحتمله من الآخرين. التجارب في حياة الإنسان ليست من إله شرير، بل من معلّم ممتاز يحاول أن يساعدنا بطرق نافعة تصحيحية، حتّى خلال المصائب المختلفة. كلّ مَن يؤمن بأنّ الله هو المسؤول الوحيد عن الشر مخطئ بشكل خطير. يقسّم القديس باسيليوس الكبير الحكيم الشرّ إلى طبيعي ومادي، ويقول أن الشر الحقيقي هو الظلم والحسد وغيرها من الأهواء الخاطئة. الشر هو أيضاً ما يزعجنا: الخديعة، المرض، موت الأحباء… نحن المسؤولون عن الخطيئة وليس الله. الصعوبات، الآلام، ومشاكل الحياة موجودة لتعيدنا إلى رشدنا، لتنضجنا وتساعدنا على النمو.

وحيداً، يعيش الإنسان في الخطيئة لسنوات ويزداد ضعفاً، يتهالك، يفقد مقاومته للشر وطاقته على عمل الخير. مع هذا، هناك دوماً هامش متروك للتحوّل. عادة الغرور الجذاب عادة شريرة لا تسمح له بأن يُقاد إلى عدم الشر. فالشر، بحسب آباء الكنيسة، لا مادة له. الحياة غير الطبيعية تخلق أمراضاً مختلفة، لا يمكن لوم الله الكلي الصلاح بسببها. أتى الشر إلى الحياة البشرية بابتعادها عن الله مصدر كل خير. الإرادة الحرة منحة من الله والله لا يريد عبيداً. لا يحب الله الحياة الملأى بالعذاب، بل حرية الفضيلة. اختار البشر شرور حياتهم لأنفسهم وفضّلوها. الشياطين تكره الله وتبقى في خبثها بشكل دائم. إنهم معادون للناس ويشيرون عليهم بأساليب تستعبدهم في أعمالهم الكافرة المظلمة. الإنسان مدعو إلى أن يكون مستعداً للمعركة ضد أدوات مكائد الشر الشيطاني. في كل سقطة بشرية يوجد تآزر مع الشر الشيطاني، لكن الإنسان مسؤول عن نفسه إذ يسمح لنفسه الانجراف بعيداً.

الخطيئة شر خطير والفضيلة خير عظيم. على المسيحيين أن يخشوا الخطيئة، لأنها تجرّدهم من السلام والفرح الحقيقي. لا ترفضوا التجارب من الله، لأنها قد تصير نقطة انطلاق نحو شفائنا وتوبتنا وخلاصنا. الموت المروّع بحسب اللاهوت الأرثوذكسي ليس عقاباً من الله، بل هو ابتعاد الإنسان عن الله. نؤمن أن الموت الروحي أكثر سؤاً من الموت الجسداني، وهو يأتي عند تنقطع الشركة مع الله.

إن الكراهية غير الواعية لدى البعض تحوّلهم إلى مديرين لخطاياهم الذاتية. للأسف، يسود الشر في كل حياتهم. هذا لا يعني أنهم ربحوا. الكثيرون من الغارقين في الخطيئة مشوشون ويتألمون بقوة إلى أن يكرهوها. حتّى من الشر يأتي الخير في بعض الأحيان. الشر يمنح القلق والخوف والذعر. الضلاح يهدئ ويفرّح ويريح. عدد قليل من الأشخاص يعيشون غالباً في ملء الحق والحرية. الشر يفسد ويلطّخ ويفسد الألوان وويفقِر. الصلاح يقيم وينير ويغني ويقوّي. طوبى لصانعي الصلاح.

Leave a Reply