السلطة والقدوة: الأبوة الروحية مثالاً

ربيع نصور

 

مما لا شك فيه أن الإشكال الكبير القائم في فهم دور السلطة الحقيقية، الزمنية منها والروحية، يكمن في معرفة الإنسان لحجمه الحقيقي وإمكانياته من جهة  ، والدور المنوط به من جهة أخرى. وهذا ما لا نجده في كثيرين ممن أوكلت إليهم مهام مختلفة. فهناك أشخاص مِن مَن يتبوؤون المناصب على اختلافها، يلبسون لبوس الحكمة الظاهرية ويسارعون لتشكيل فصيل عبودية خاص متمحور حول شخصه وليس حول أفكاره وفي أحسن الحالات حول طروحات خاصة لا يقبل الجدال فيها. متناسيا أن يعمل على بناء كيانات مستقلة واعية قادرة على تحمل المسؤولية وحفظ الأمانة الموكلة إليهم، وبتعبير آخر يسعى لبناء مجسمات تقليدية لشخصه أو روبوتات آلية تنفيذية لما يراه وفقط، وهذا ما يجبر الكثيرين على الخروج من جلباب أبيهم ولو بعد حين، والمشكلة تكمن في هذا الخروج غير المنضبط الذي يأخذ صاحبه إلى مكان مختلف عما أراد الدخول إليه أو حتى مناقضٍ له.

وبنظرة أكثر عمقا في روحانية الكنيسة نجد أن هذا الأمر يتضح جليا في مفهوم الأبوة الروحية الذي كتبت عنه مجلدات كثيرة لشرحه وتفسيره التفسير الصحيح ولكن ما من جدوى فالممارسة في وادٍ والكتب في وادٍ آخر، حالها حال الكتاب المقدس وحياة الكثير من المسيحيين.

وقد اجتهد الآباء القديسون على تبيان أن مهمة الأب الروحي هي النصح والإرشاد وأن عليه أن يكون القدوة الحسنة قبل أن يبدأ بمواعظ وتقييمات تعريه أمام طالب المشورة منه. وهذا ما نراه جلياً في قصص بستان الرهبان حيث تظهر حكمة الأب الروحي  في حياته وليس بما يعظ  به فقط.

المسيح لم يعمل يوما على إنشاء مجموعة عبيد، فيها كامل صفات التابعية المطلقة بل كان يقبل الجميع كما هم ويعمل على رقي شخصياتهم بحسب مواهبها الخاصة وليس بحسب ارتباطها بشخصه البشري، فأكد أنهم ليسوا بعد عبيداً بل أبناء وورثة حقيقيون فالعبد لا يرث بل الابن، واجتهد مفسرا لهم الكتب سائرا معهم في مسيرتهم كتلميذي عمواس، لم يأمرهم بقبول كلامه دون فهم، دخل معهم مرارا وتكرارا بحوارات حول شخصه ومجتمعه وأعماله ( وانتم ماذا تقولون إنني أنا؟) متقبلاً آراءهم دون أن ينهرهم إلا عما هو خطيئة. لم يرذل المسيح قائد المائة ذا الأفكار الأخرى، بل وقف إلى جانبه.

هذا هو معلمنا الرب يسوع وهذا ما أراده آباؤنا القديسون وهذا ما يجب أن يكون عليه الآباء الروحيون، فالأبوة الروحية ليست سلطة للفخر بل هي خدمة وهذه الخدمة تتطلب جهدا مضاعفاً من قبل الأب الروحي لكي يساهم في  بنيان شخصية الابن الروحي ليكون يوما ما مسيحا، عاملا صالحا في حقل الرب وليس إنساناً مترددا مهزوز القرار، لا يرى إلا من خلال الثقب الموجود في جلباب معلمه، في هذه الحالة نكون خذلنا الكنيسة ولم نقدم لها جيلاً جديرا بحمل راية المسيح بشكل صحيح.

إن ما قد ذكرته عن الأبوة الروحية ينطبق على كافة الرتب المدنية منها والكنسية، التي يجب أن تجتهد لتعزيز ثقة الإنسان بنفسه وتنمية قدراته لتنشئة جيل واعٍ لما يقوم به، يميز أهدافه الحقيقية، متقنٍ لعمله محبٍّ له متفانٍ من أجله، هكذا نستطيع أن نصرخ “مما لك نقدمها لك “.

Leave a Reply