معرفتنا بالثالوث القدوس بحسب الأب يوحنا رومانيدس

معرفتنا بالثالوث القدوس بحسب الأب يوحنا رومانيدس

إعداد الأب أنطوان ملكي

 

هناك فروقات تنشأ من خبرة التألّه. مثلاً كيف نميّز بين الأقانيم؟ كيف نعرف أن الأنوار ثلاثة أو نور واحد؟ لم يتّخذ آباء الكنيسة الكتاب المقدس نقطة انطلاقهم لصياغة العبارات اللاهوتية بل اتّخذوا خبرتهم. لهذا لا نجد عندهم استدعاءً لسلطة الكتاب وحسب بل نجد استدعاءً لسلطة خبرة التألّه التي عاشوها خاصةً عندما يهاجمون الهراطقة بقوة. فبخبرتهم عرفوا ان الله نور وكذلك أنه ظلمة. من أين تعلّموا ذلك؟

من جهة أولى الكتاب المقدس، أنبياء العهد القديم وكامل التقليد اليهودي يعلمون أنّ لا تشابه بين الله والخليقة. لكن من جهة أخرى، خبرتهم علّمتهم، فعندما قرؤوا أن الأنبياء عاينوا الله عرفوا أنهم عاينوا ما جهد الأنبياء لوصفه. يشير الأنبياء في كلامهم عن إعلانات الله لهم، إلى أن ملاك الرب هو الذي كشف لهم نفسه، فسمّوه يهوه أو رب المجد أو ملاك المجمع القديم أو غيرها. الله لم يكشف نفسه في العهد القديم إلا من خلال الملاك أو يهوه. هذا يعني أن في العهد القديم إشارة واضحة إلى أقنومين من الثالوث: الله أي الآب، والملاك أي الابن.

هذا التعليم أساسي عند كل آباء الكنيسة في الشرق والغرب، الذين تكلّموا اليونانية أو اللاتينية، ما عدا أوغسطين. من الأمثلة الآباء الغربيون الذين كتبوا باللاتينية عن الثالوث أمثال كبريانوس القرطاجي وإيلاريون، كما من الكتّاب الكنسيين كترتليانوس ونوفاتوس.

ما نعرفه عن الثالوث من خبرة الآباء هو أن الله ثلاثة أنوار ونور واحد. في دستور الإيمان نقول “أؤمن بإله واحد… وبرب واحد يسوع المسيح… نور من نور…” هذا التعليم ليس من الكتاب المقدس بل من خبرة التألّه التي خلالها يتحقق تعليم الكتاب لأنها تلتقي مع خبرة آباء الكنيسة التي فيها يُغمَر الآباء بالنور بواسطة النور. بتعبير آخر، عندما يكون الآب في الروح القدس يعايَن الآب بالكلمة. تتكرر هذه الخبرة المعرفية في حياة الكنيسة في كل زمان وجيل. إنها مصدر معرفتنا لوجود الأنوار الثلاثة التي هي نور واحد وتحقيق لهذه المعرفة. أحد هذه الأنوار الثلاثة ينبع من طبيعة المسيح البشرية التي تفوق الشمس مجداً.

لكن، عند الحديث عن عقيدة الثالوث نستعمل كلمات ومفاهيم بالرغم من أنها مستعارة من الخبرة البشرية ما يعني أننا نحكي عن أشياء مخلوقة. مثلاً، عند الكلام عن النور لا يمكننا أن نكوّن صورة عن النور غير المخلوق أو اختراع مفهوم له. هذا لأننا إن لم نختبر النور غير المخلوق فإن صورة الشمس المخلوقة تأتي إلى فكرنا أولاً. ما الذي نعنيه بقولنا “النور غير المخلوق”؟ أول ما يخطر في بالنا هو صورة النور المخلوق المحفوظة في ذاكرتنا، فتنتقل أفكارنا إلى نور الشمس أو النار أو غيرها. من ثمّ نفكّر بالظلمة وتضادها مع النور غير المخلوق، فنقول أن النور غير المخلوق ليس ظلاماً بل نوراً وهكذا نربط بين النور غير المخلوق والنور المخلوق. لكن كل هذه التخمينات ليست سوى تلفيق من مخيلتنا يبقينا إلى الأبد عالقين في معرفتنا للنور المخلوق واختبارنا له.

Leave a comment