هل يجب أن تتغيّر المسيحيّة مع الزمن؟

هل يجب أن تتغيّر المسيحيّة مع الزمن؟

رسالة من القدّيس ثوفانيس الحبيس

 إلى شخص يعترض على قوانين الكنيسة*

 

        وصل إلى مسامعي أنّك تعتبر عظاتي صارمة للغاية، وتعتقد أنّ اليوم، أي في هذا العصر، لا ينبغي أن يفكّر أحد على هذا المنوال، ولا أن يعيش على هذا النحو، ولا أن يدرس بهذه الطريقة، مؤكّدًا بأنّ “الزمن قد تغيّر”.

        لقد سررت لسماعي هذا، لأنّه يعني أنّك تصغي بتمعّن إلى ما أقول، وليس فقط تستمع، ولكنّك على استعداد، أيضًا، لتتقيّد بكلامي، وإزاء هذا الأمر ماذا نتمنّى أكثر من ذلك نحن الذين أُمرنا بأن نعظ؟!

        على الرغم من كلّ هذا، لا يمكنني، بأيّ حال من الأحوال، أن أوافقك الرأي، بل أرى من واجبي أن أصحّح لك رأيك، مع إنّه قد يتعارض ورغبتك وقناعتك، فأقول: أن تغيّر المسيحيّة في بعض عقائدها وشرائعها المقدّسة لتأتي موافقة لروح العصر، وأن تكيّف نفسها لتتطابق مع أذواق أبناء هذا الدهر الدائمة التغيير والتبدّل، تكون كما لو أضافت أو حذفت كلّ ما يأتي من الشرّير أو ما يوحي به.

        المسيحيّة ليست هكذا. المسيحيّة ثابتة إلى الأبد، ولا تعتمد أو تسترشد من روح أيّ عصر بأيّ حال من الأحوال. المسيحيّة تهدف إلى توجيه روح العصر إلى طاعة تعاليمها. ولإقناعك بهذا، سوف أطرح بعض الأفكار عساك تأخذها بعين الاعتبار:

        يقول البعض إنّ تعاليمي صارمة. يجب أن تعلم، أوّلاً، أنّ هذه التعاليم ليست تعاليمي، ولا ينبغي أن تكون، إذ لا يستطيع أحد من هذا المنصب المقدّس أن يعظ بتعاليمه. وإذا تجرّأت أنا، أو أيّ شخص آخر، على القيام بهذا، يمكنك، عندئذ، أن تخرجنا خارج الكنيسة.

        نحن نكرز بتعاليم ربّنا ومخلّصنا يسوع المسيح، تعاليم الرسل الأطهار، تعاليم الكنيسة المقدّسة، التي يقودها الروح القدس. وفي الوقت ذاته، نحن على ثقة تامّة، بأن الكنيسة تقوم بكلّ ما هو ممكن للحفاظ على هذه التعاليم كاملة غير منتهكة، حتّى تتغلغل في عقولكم وقلوبكم. ولذلك، فنحن نقدّم كلّ فكرة بدقّة متناهية، ونستعمل كلّ كلمة بحذر شديد، حتّى لا تسود أفكارنا الشخصيّة على هذا التعليم الإلهيّ الرائع بأيّ شكل من الأشكال، ولا يمكن لأحد التصرّف بخلاف ذلك.

        يُطلب من كلّ واعظ في الكنيسة أن يكون “مرسّلاً من الله”، فالنبيّ موسى، بعدما تسلّم الوصايا من الله نفسه، ودفعها إلى شعب إسرائيل، ختم كلامه قائلاً: “لا تزيدوا على الكلام الذي أنا أوصيكم به ولا تنقصوا منه، لكي تحفظوا وصايا الربّ إلهكم التي أنا أوصيكم بها” (تث 2: 4).

        إنّ هذه الوصيّة ثابتة غير قابلة للتغيير لدرجة أنّ الربّ والمخلّص نفسه قال عندما كان يعلّم الشعب على الجبل: “لا تظنّوا أنّي جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمّل، فإنّ الحقّ أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتّى يتمّ الكلّ” (متّى 5: 17-18). كما أعطى الصفات عينها لتعاليمه عندما أضاف: “فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغار وعلّم الناس هكذا فإنّه يدعى صغيرًا في ملكوت السماوات. وأمّا من عمل وعلّم، فهذا يدعى عظيمًا في ملكوت السماوات” (متّى 5: 19). وهذا يعني أنّ أيّ شخص يفسّر وصايا الله بشكل خاطئ، أو يقلّل من صحّتها، يكون منبوذًا في الحياة  الأخرى. وهذا ما أكّده القدّيس يوحنّا اللاّهوتيّ حين كتب في سفر الرؤيا: “لأنّي أشهد لكلّ من يسمع أقوال نبوءة هذا الكتاب إن كان أحد يزيد على هذا، يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب، وإن كان أحد يحذف من أقوال كتاب هذه النبوءة، يحذف الله نصيبه من سفر الحياة، ومن المدينة المقدّسة، ومن المكتوب في هذا الكتاب” (رؤ 22: 18-19).

        أوصى المسيح من بدء ظهوره في العالم، وحتّى المجيء الثاني، الرسلَ الأطهار وخلفاءهم أن: “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به…” (متّى 28: 19-20). وكأنّه يريد أن يقول: “أنت تعلّم ليس ما يمكن أن تتصوّره، بل ما أمرت أنا به، وذلك ثابت إلى نهاية العالم” ، ثمّ يضيف: “لأنّي أنا معكم كلّ الأيّام إلى انقضاء الدهر آمين” (متّى 28: 20).

        تلقّى الرسل هذه الوصيّة، وضحّوا بأرواحهم من أجل الحفاظ عليها، وعندما أراد البعض منعهم عن الوعظ، راحوا يعظون تحت تهديد العقاب والموت، قائلين: “إن كان حقًّا أمام الله أن نسمع لكم أكثر من الله، فاحكموا، لأنّنا نحن لا يمكننا أن لا نتكلّم بما رأينا وسمعنا” (أع 4: 19-20).

ولقد تمّ تسليم هذه الوصيّة الواضحة من الرسل إلى خلفائهم، وقد كان لها أيّما تأثير في كنيسة الله، حتّى إنّها أضحت ركيزة الكنيسة وأساس الحقّ. فهل، بعد ذلك، من يملك الجرأة للإخلال في شيء من تعاليم العقيدة المسيحيّة أو قوانينها؟

جاء بعد هذا لوثر، وكان رجلاً ذكيًّا عنيدًا، وقال: “لقد غيّر البابا كلّ شيء، ووفق مراده، فلماذا لا أفعل أنا الشيء نفسه؟”. وهكذا بدأ بتعديل كلّ ما أراد وفق طريقته الخاصّة، وبهذه الطريقة أنشأ الإيمان اللوثريّ الجديد، التي يشبه قليلاً ما أمر به الربّ، وما سلّمنا إيّاه الرسل.

وبعد لوثر أتى الفلاسفة الذين قالوا بدورهم: “بما أنّ لوثر أنشأ لنفسه إيمانًا جديدًا، مدّعيًا أنّه يقوم على أساس الإنجيل، مع أنّه في الواقع، يعتمد على منهجه الخاصّ في التفكير، فلماذا، إذًا، لا نؤلّف، نحن أيضًا، عقائد بحسب طريقتنا الخاصّة بالتفكير، ونتجاهل الإنجيل كلّيًّا؟”. وبدأوا، بالفعل، يفسّروا منطقيًّا كلّ من الله والعالم والإنسان، كلّ فيلسوف على طريقته الخاصّة به. فأتت العقائد خليطًا ومزيجًا يشعر المرء بدوار لدى قراءتها.

وقام، الآن، المجتمع الغربيّ ليقول: “آمن بالذي تعتقد هو الأفضل. عش كما تحبّ وتريد. اخضع لكلّ ما يأسر روحك ويجذبه”. وهكذا بات الناس لا يعترفون بأيّ قانون أو قيود، ولا يلتزمون بكلمة الله وإنجيله. طريقهم واسع، فجميع العقبات أزيحت من دربهم، ولكنّ الطريق الواسع الرحب السهل يؤدّي إلى الهلاك وفقًا لما يعلّمه الربّ. هذا ما أدّى إليه التساهل في التعليم!!

يا ربّ، نجّنا من هذا الطريق الواسع، فمن الأفضل أن نحبّ كلّ صعوبة يسمح بها الربّ لخلاصنا من أن نعتنق السير في الطريق السهل. لنتمسّكنّ بعقيدتنا المسيحيّة، ولنرغم أذهاننا على فهمها والغوص فيها غير مؤثرين غيرها. لنحبّنّ طقوس كنيستنا وخِدَمها التي ترشدنا وتصحّح مسيرتنا وتقدّسنا. ولنتعمقّنّ فيها، لأنّها تحوّل رغباتنا الدنيويّة الفانية إلى أخرى سماويّة خالدة. دعونا نحبّ الأخلاق المسيحيّة ولنجبر إرادتنا على تبنّيها، والتصرّف بموجبها، حاملين نير المسيح الخفيف بكلّ تواضع وصبر.

دعونا نسجن أنفسنا كما لو كنّا في قفص، أو بالأحرى دعونا نجرّ أنفسنا كما لو كنّ!ا نعبر ممرًّا ضيّقًا بحيث لا يمكن لأحد التلفّت إلى اليسار أو إلى اليمين، فإنّه لاشكّ، في المقابل، سوف نحصل على ملكوت السماوات. هذه هي مملكة الربّ، وهذا هو الطريق الضيّق الضاغط الذي قال عنه الربّ: “ادخلوا من الباب الضيّق المؤدّي إلى ملكوت السماوات” (لو 13: 24).

أفهمت، الآن، لماذا الإصرار على الحقّ؟! فلا تقلق، إذًا، إذا كان تعليمنا يبدو صارمًا. الأمر الوحيد الذي يجب أن تتأكّد منه هو أنّه آتٍ من قبل الربّ. وبعد أن تتأكّد، اقبله من كلّ قلبك، مهما كان صارمًا أو متشدّدًا. لا تتجنّب المعاملة الخاصّة والتساهل مع العقيدة والأخلاق، فقط، وإنّما اهرب من هذا كهربك من نار جهنّم. أمّا من يؤكّد لنا بأنّ ما يعتقد بخلاف ما نعلّم به هو صحيح، ويجذب معه الضعفاء روحيًّا ليتبعوه إلى… جهنّم، فليفعل. آمين.  

 

* مقالة مترجمة عن الإنكليزية عن موقع Http: // www.impantokratoros. gr

 

Leave a comment