X

بحث في التراث الأرثوذكسي

الصلاة لمجموعة من الآباء القدّيسين

إعداد راهبات دير مار يعقوب، دده – الكورة

إنّ الحياة الروحيّة ليست مجرّد جهاد سلبيّ ضدّ الخطيئة، وإنّما لها عنصر إيجابيّ وهو النموّ في الروح حتّى يصل الإنسان إلى الملء. فمسكين ذاك المجاهد الذي يقضي حياته في صراع مع الخطيئة. يشتهي ويقاوم شهوته، ويقع ثمّ يقوم، ثمّ يقع ليقوم إلى غير استقرار، دون أن ينظر ويذوق ما أطيب الربّ. فالذي لم تدخل محبّةُ الله إلى لبّه لا تنتظر أن يقف على قدميه في طريق الملكوت، فهو متعثّر أبدًا، وبناؤه الروحيّ على غير أساس متين، ولا يحتمل أن يقاوم صدمات الريح وسيول الأمطار. لذلك كان لا بدّ لكلّ أحد أن ينمو في محبّة الله، وتكون هذه المحبّة الأساس الذي يرتكز عليه كلّ عمله الروحيّ. ولكنّ الإنسان لا يمكنه، مطلقًا، أن يسلك في طريق الروح من دون معونة الله ونعمته، إذ يضحي كلّ عمله اتّكالاً باطلاً على قوّته البشريّة. ولمّا كانت للنعمة وسائط روحيّة عن طريقها تقدّم عطاياها لمحبّي الله، لذلك ينبغي لكلّ سائر في طريق الله أن يمارس هذه الوسائط الروحيّة كالصلاة والقراءة الروحيّة والتأمّل والصوم وغيرها.

أمّا الصلاة، فهي أوّل واسطة من وسائط النعمة التي كثيرًا ما نسمع بها ونقرأ عنها وعن ضرورتها للخلاص. فما هي الصلاة يا ترى؟ لا يوجد تعريف واحد للصلاة، فلقد عرّفها كلّ قدّيس تعريفًا خاصًّا كما اختبرها في حياته المقدّسة مع الله. فمن قائل إنّها مفتاح السماء، وشفاء السقماء، إلى قائل بأنّها معين جبّار وسلاح بتّار، إلى ثالث وصفها بأنّها ميناء أمين وكنز ثمين وعمل الروحانيّين.

فالقدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم يقول: “الصلاة سلاح عظيم وأساس بركات لا تحصى”. ويعرّفها القدّيس باسيليوس الكبير بأنّها “التصاق بالله في جميع لحظات الحياة ومواقفها”. أمّا المغبوط أغسطينوس فيعرّفها على أنّها “مصدر لكلّ الفضائل وعمل الملائكة وأساس الإيمان”. وأمّا الربّ يسوع، فقد أعطاها كلّ القوّة والاقتدار إذ قال: “كلّ ما تطلبونه في الصلاة بإيمان تنالونه” (متّى 21: 22). فالصلاة تقتدر كثيرًا في فعلها، لذا لا نعجب إذا كان عملها أسمى من كلّ عمل آخر وأرفع كما يبرهن ذلك القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم بقوله “حينما تصلّي ألا تتحدّث مع الله؟ أيّ امتياز مثل هذا؟!”.

من دون الصلاة لا تستقيم الحياة الروحيّة، لأنّ هناك علاقة وثيقة لا تنفصم بين الصلاة وحياة الروح. فأنا أستطيع أن أكون تحت قيادة الروح بصفة دائمة إذا عشت حياة الصلاة المستمرّة، لذا كانت حاجتنا إليها ضروريّة أكثر من أيّة حاجة أخرى. الصلاة هي كلّ شيء في حياة المؤمن الحقيقيّ، لأنّها شركة مع الخالق، وهي الرباط المتين الذي يربطنا به ويشدّنا إليه. فمن يجسر، إذًا، على القول إنّه ليس بحاجة إلى الصلاة؟ إنّ من يجسر على هذا القول إنّما يُظهر أنّه بغير حاجة إلى الله ذاته، وإلى عونه. فالقدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم يعلّمنا قائلاً: “إذا لاحظت إنسانًا لا يحبّ الصلاة، فاعرف، في الحال، أنّه ليس فيه شيء صالح البتّة، فالذي لا يصلّي لله هو ميت ولا حياة فيه”. وليس أدلّ على لزوم الصلاة للإنسان، وحاجته الماسّة إلهيا، من أنّها كانت جزءًا هامًّا في حياة السيّد المسيح وهو في الجسد مع أنّه لم يكن في حاجة إلى الصلاة، إذ دُفع إليه كلّ سلطان في السماء وعلى الأرض، ولكنّه ترك لنا مثالاً لكي نتبع خطواته.

إنّ احتياجاتنا الجسديّة والروحيّة توضح بأجلى بيان حاجتنا إلى الصلاة، أمّا خبرتنا الروحيّة، فتُظهر لنا بأنّه من المستحيل السير في الطريق الروحيّ من دون الصلاة، وما أكثر ما قاله الآباء القدّيسون في هذا الصدد. فالمغبوط أغسطينوس يقول: “ليس أحد من المدعوّين يقدر أن يفوز بخلاصه من دون معونة الله، ولا أحد يستحقّ هذه المعونة إلاّ بالصلاة”. أمّا القدّيس بولس الرسول، فبعدما ذكر أنواعًا مختلفة من الأسلحة الروحيّة في رسالته إلى أهل أفسس، أضاف: “مصلّين بكلّ صلاة وطلبة كلّ وقت في الروح” (أف 6: 18)، وهكذا أوضح أنّ خوذة الخلاص وترس الإيمان وسيف الروح الذي هو كلمة الله لا تغني كلّها عن الصلاة. ودوّن القدّيس يوحنّا السلّمي: “إنّ سرّ دوام النعمة والفضيلة هو في دوام الصلاة. فكلّ من يتوكّأ على عكّاز الصلاة لا تزلّ قدماه. وحتّى إن زلّت، فهو لن يقع تمامًا، لأنّ الصلاة سند للسائرين في طريق التقوى”.

بالصلاة يسكن خوف الله في قلبنا. بالصلاة ننال بركات روحيّة لا تحصى، فهي تؤهّلنا لحلول الروح القدس فينا. الصلاة تنجّينا يوم الدينونة العظيم، وتؤهّلنا لرحمة الله ومعونته ونعمته. بالصلاة نقتني النقاوة والفرح الكامل، لأنّه لا فرح يعادل فرح شركتنا مع الله أثناء الصلاة. فلنتمسّك، إذًا، بالصلاة قدر ما نستطيع، لأنّها السلاح الأقوى الذي به نحارب وننتصر. وحتّى تكون لصلاتنا هذه القوّة وهذه الفاعليّة وجب أن تكون:

1)    من قلب طاهر، لأنّ الشهوات الكامنة في القلب تعيق الصلاة. ولا نقصد هنا بالقلب الطاهر هو ذاك الذي تطهّر من الخطيئة، فقط، بل القلب غير المنقسم على ذاته، أي الذي لا يعرج بين محبّة الله ومحبّة العالم كما يقول المرنّم: “بكلّ قلبي طلبتك” (118: 10).

2)    أن تكون بحسب مشيئة الله أي أن نسأله ما يتّفق مع محبّته وحكمته مردّدين دومًا: لتكن لا إرادتي بل إرادتك. فلنقدّم، إذًا، ما شئنا من الطلبات مشفوعة، دومًا، بروح التسليم الكامل، وهذا ما دعانا إليه الربّ في الصلاة الربّانيّة إذ نقول: “لتكن مشيئتك”. أي من الممكن أن ننال الطلبة ومن الممكن، أيضًا، ألاّ ننالها البتّة، أو ننالها بعد حين. ويؤكّد هذا القول القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم قائلاً: “إنّ الصلاة بركة كبيرة سواء نلنا طلباتنا أو لم ننلها، لأنّ الله فيما يعطي أو لا يعطي إنّما يفعل ذلك لخيرنا”. فلا تحزن إن لم تنل، أو إن تأخّرت استجابة الطلب، فلست أنت أحكم من الله. فلربّما تكون طلبتك ليست لصالحك، أو إنّ الله يريد أن يعلّمك المثابرة في السؤال واللجاجة في الطلب.

3)    أن تكون الصلاة، أيضًا، بإيمان كامل، فالرسول بولس يقول: “لنتقدّم إذًا بثقة إلى عرش النعمة لكي ننال رحمة ونجد عونًا في حينه” (عب 4: 16). فالصلاة بدون إيمان باطلة ولا قوّة لها، لأنّ “الإيمان هو جناح الصلاة وبدونه تعود الصلاة إلى حضن الإنسان ثانية” على حدّ قول القدّيس يوحنّا السلّميّ. أمّا القدّيس يوحنّا كاسيان فيتساءل: “من هو البائس؟ هو الذي يصلّي ولا يؤمن أنّه سيحصل على جواب”.

4)    أن تكون الصلاة مقرونة بالصفح عن خطايا القريب، فلقد قال الربّ يسوع: “ومتى وقفتم تصلّون فاغفروا إن كان لكم على أحد شيء” (مر 11: 25). والقدّيس نيلس السينائيّ يقول: “إنّ من يصلّي وفي نفسه حقد يشبه من يصبّ ماء في دلو مثقوب”.

5)    أن تكون، أيضًا، مقترنة بالشكر، فتزداد لك بذلك البركات والعطايا، فالقدّيس إسحق السوريّ يذكّرنا بأنّ “من لا يشكر على القليل هو كاذب إن قال إنّه يشكر على الكثير”.

6)    يجب أن تعرف أنّ كلّ معدة مثقلة بالأطعمة لا تدع صاحبها عقلاً متجمّعًا أثناء الصلاة، لأنّ الامتلاء يسبّب كسلاً واسترخاء.

ليست الصلاة سهلة كما تظنّ، إذ هي تحتاجإلى أعراق وأتعاب وجهاد كبير مع تغصّب وصبر جزيل. فها هوذا القدّيس مكاريوس الكبير يقول: “إنّ من يلازم الصلاة يحتاج إلى جهاد أكثر من سائر الأعمال، لأنّ الشرّير يناصبه العداء، محاولاً إبطال الصلاة. لذلك يلزم من يصلّي  الجهاد حتّى الدمّ مقابل أولئك الذين يسعون لإبعاد النفس عن الله”.  بقدر ما للصلاة من بركات بقدر ما تحتاج إلى جهاد. فالقدّيس إسحق السوريّ يوضّح لنا هذا بقوله: “إنّ جهاد الصلاة مرير وشاقّ، ولكنّ المؤمن يُقبل إليه من أجل البركات المقترنة به”. لذلك علينا أن نعرف كيف يجب أن نصلّي، ليكون جهادنا مثمرًا، ولتسهل علينا صلاتنا. فمثلاً الوضع الجسديّ له دخل كبير في انتباه الفكر، ويخطئ من يظنّ أنّه لا علاقة بين الصلاة والوضع الجسديّ للمصلّي. فأوضاعنا الجسديّة أثناء الصلاة تدلّ على مدى توقيرنا للربّ، وتذلّلنا أمامه، وخشيتنا له ما يسبّب في استجابة الصلاة، ونوال بركات ونعم روحيّة إلهيّة.

ولا يفوتنا في هذا المقام أن نشير إلى بعض خدع الشيطان والجسد: فقد يحدث أحيانًا أن يشعر المرء بالضعف الجسديّ وبثقل الأعضاء كما حصل لأحد المجاهدين الذي كان يشعر بصداع عند بدء الصلاة. أمّا هو، فكان يقول لنفسه: “يا شقي لعلّك تموت في هذه الساعة، فاغتنم فرصة صلاتك قبل موتك”. وهكذا كان يتمّم صلاته، وبمجرّد فراغه كانت يسكن الصداع. لهذا يجب الحذر جيّدًا في جهادنا، غاصبين أنفسنا وأجسادنا إلاّ في حالات المرض الحقيقيّ والضعف الجسديّ الظاهر.

وما يساعدنا على الصلاة، أيضًا، التمهيد للصلاة والإعداد لها بفترة من الصمت والهدوء، محاولين أثناءها رفع عقولنا وقلوبنا عن كلّ ما هو دنيويّ، ناسين كلّ أشغالنا واهتماماتنا، لأنّ القدّيس يوحنّا كاسيان يعلّمنا بقوله: “إنّ الأشياء التي يكون عقلنا يفكّر فيها قبيل ساعة الصلاة ستعاودنا بالضرورة أثناء الصلاة”. لذلك من المهمّ جدًّا أن نُشعر أنفسنا أنّنا في حضرة الله، وأنّه يرانا ويسمعنا، وهو قريب منّا ينظر إلينا. فبمثل هذه الأحاسيس والمشاعر هيّئْ ذاتك قبل الصلاة لتحسّ بالحرارة والدفء يتسرّبان إليك، إذ لا يليق أن تنتقل من الأشياء التي كنت منهمكًا فيها إلى الصلاة مباشرة، لأنّك إن فعلت هذا لن تحسّ بفاعليّة الصلاة، ويكون بالتالي فكرك مشتَّتًا.

وحينما تبدأ صلاتك جاهد أن تتبع بفكرك كلّ كلمة يلفظها لسانك، فالقدّيس يوحنا التبايسي ينبّهنا قائلاً: “لا تظنّ، يا أخي، أنّ الصلاة هي مجرّد كلام. إن الله روح، فصلّ أمامه بالروح”. أشركْ عقلك وقلبك ولسانك، لأنّ كثيرًا ما يحدث أنّ اللسان يتلو كلمات الصلاة في حين أنّ العقل والقلب لا يشعران بما يُتلى. فلا تنشغل بأيّ أمر عن الصلاة، وأغلقْ نوافذ حواسّك حتّى لا يدخل ما يشتّتها. تغافل عن ضروريّات الجسد عند وقوفك للصلاة “حتّى ولو لدغك برغوث أو بعوضة أو ذبابة، فلا تنشغل بها لئلا تخسر الربح العظيم الذي للصلاة” كما قال أحد آباء البرّيّة. ويُحكى عن أخ أنّه كان يمشي، ذات يوم، في البرّيّة مصلّيًا، فظهر له ملاكان وسارا معه عن يمينه ويساره. أمّا هو، فلم يحوّل انتباهه إليهما حتّى لا يخسر ثمرة الصلاة، متذكّرًا قول الرسول بولس: لا ملائكة ولا رؤساء ولا قوّات تستطيع أن تفصلنا عن محبّة المسيح” (رو 8: 39).

فلنتمسّك، إذًا، بالصلاة قدر ما نستطيع، ولا نتعلّلن، قطّ، بقولنا إنّنا لا نعرف كيف نصلّي، أو إنّه لا قوت لدينا، فأشغالنا ومسؤوليّاتنا كثيرة. أمّا عدم المعرفة، فالروح القدس كفيل بأن يعلّمنا كيف نصلّي إنّما المهمّ أن نبدأ نحن، وأن نبدي استعدادنا. وأمّا عدم توفّر الوقت، فالمسألة تحتاج، في الواقع، إلى تنظيم وقت، لكي نوفّق بين واجباتنا نحو الله وواجباتنا الأخرى، وذلك يحتاج إلى إلغاء الوقت الضائع في المحادثات الباطلة، مثلاً، والزيارات غير المجدية. إذن، الأمر يرجع في الحقيقة إلى إهمالنا وتهاوننا، أو إلى استثقالنا للصلاة، أو لشعرونا بأنّ الصلاة هي للرهبان وحسب. إنّ هذا التفكير خاطئ، فالملك داودكان ملكًا وقائدًا للجيش وقاضيًا للشعب وله أسرة كبيرة، وعلى الرغم من هذا كان يقول: “سبقت عيناي وقت السحر لأتلو جميع أقوالك” (مز 118: 148). وكذلك: “سبع مرّات في النهار سبّحتك” (مز 118: 164). إذن من يشتعل قلبه بمحبّة الله لا شكّ أنّه سيجد وقتًا للربّ، وسيعرف كيف ينظّم أوقاته، ويلغي ما يمكن إلغاؤه.

وتبقى صلاة يسوع الصلاة السهلة الاستعمال في كلّ مكان وزمان، لأنّ القدّيس كلميندس الإسكندريّ يعرّف المسيحيّ الحقيقي بأنّه الشخص “الذي يصلّي في كلّ مكان، ماشيًا، متحدّثًا، قارئًا، منفردًا، أو مع الناس”. إنّ صلاة يسوع لا تحتاج إلى تنظيم وقت إن لم تملكه، لأنّك تستطيع تردادها كلّ وقت، فهي لا تحتاج إلى مجهود بل إلى حبّ وعزم. إنّها صلاة قصيرة، ولكنّها تحفظ للقلب حرارته المقدّسة. ردّدها في أي وقت كنت فيه، أو في أيّ ضيق تمرّ به، أو شدّة تجتازها، لأنّها كفيلة بزحزحة حجر الحزن عن قلبك. فاسم الربّ ذو اقتدار وقوّة عظيمين. ردّدها حينما تأوي إلى فراشك، وحينما تستيقظ، أو عندما تأكل. اجعلها باكورة تفكيرك، واجعلها تتبعك طيلة يومك، ولا تحتجّ بعدم توفّر الوقت. ردّد ولا تملّ: “يا ربّي يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ”. وهكذا، شيئًا فشيئًا، يستنير فكرك، ويشتعل قلبك بحرارة محبّة الله، وتستطيع، حينئذ، أن تهتف مع المرنّم: “ذوقوا وانظروا ما أطيب الربّ” (مز 34: 8).

admin:
Related Post