القديس الجديد كالينيكوس مطران إذيسا

القديس الجديد كالينيكوس مطران إذيسا

إعداد أسرة التراث الأرثوذكسي

في اجتماعه في 23 حزيران 2020، أضاف مجمع كنيسة القسطنطينية كالينيكوس أسقف إذيسا، بيللا وألموبيا في اليونان إلى سنكسار القديسين

وُلد القديس في 1919، سيم راهباً في 1957 ثم كاهناً في السنة نفسها، في 1967 سيم مطراناً، رقد في 8 آب 1984. في قرار إعلان قداسته تمّ تحديد عيده في الثامن من آب

بعض الكلمات عنه لإبنه الروحي الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس الذي عاش إلى جانبه خمس عشرة سنة، كان فيها واعظاً في الأبرشية

كان المتروبوليت كالينيكوس أسقفًا زاهدًا، وشخصية كنسية عظيمة، وقائدًا مباركًا وجذابًا، ورجلًا أمينًا شفافًا، عاش اللاهوت ممارسةً في حياته. كرئيس كهنة مصلوب ومُقام، تخلّى عن نفسه من أجل قطيعه وضحى بنفسه من أجل مجد الله. بحبه النبيل، أعطى يقين الحياة الحقيقية. وإذ تجلّى، انتصر على الموت وصار زينة لكنيسة المسيح

فكره الكنسي، روحه الزاهدة، حماسته التبشيرية، إخلاصه لله والكنيسة، كلامه المتجدد ووعظه، خدمته الرعائية بأكملها التي قضاها “بخوف ورعدة”، محبته لله وللآخرين، الطريقة التي واجه بها مرضه، وتسليمه الكامل لنفسه إلى العناية الإلهية، كل هذه أثارت إعجابنا. الكلمات التي قالها قبل وفاته بقليل، “أنا أسقف خاطئ ، لكني أحب الله والكنيسة” تظهر حالته الروحية

لقد كان أسقفًا قديسًا اقتنى كل معايير وشروط القداسة. يبقى موجوداً كما على قيد الحياة حتى بعد وفاته. يشهد العديد من الأساقفة والكهنة والعلمانيين على قداسته. المعجزات التي جرت بصلاته من إخراج شياطين وتدخلاته العجيبة في علاج المرضى توضح أن الله مجّده

كان المتروبوليت كالينيكوس مطران إديسا، بيلا وألموبيا شخصية مقدسة عاشت حياة قداسة وكان له نهاية مقدسة، نافس آباء الصحراء والنساك في نسكه وحبه لله. طوال حياته، حقق انتصارات عظيمة لمجد اسم الله وظهر، كما يعني اسمه، شهيداً منتصراً. شهادات كل الذين عرفوه تقول بأنه كان رئيس كهنة مبدعًا ينجز بهدوء أعمالًا رائعة ومهمة، ويبقيها مخفية كما يخفي نفسه

معجزة جديدة في تخطي العقم للقديس سابا الجديد

معجزة جديدة في تخطي العقم للقديس سابا الجديد

إعداد بول ملكي

روى نيكوس ممكاس قصة معجزة رائعة قام بها القديس سابا الجديد الذي في كاليمنوس. نيكوس هو منتج الراديو للإذاعة الكنسية “اليثيا ف.م. كاليمنوس”، وقد روى هذه القصة في برنامج على راديو كنيسة بيريه (بيراييكي إكليسيا) مع ليكورغس مركوديس صباح الأحد (أحد مريم المصرية) في عيد القديس سابا الجديد كاليمنوس.ـ

يعمل نيكوس في متجر الكتب الكنسية في كاليمنوس كل يوم جمعة. قبل ثلاث سنوات، دخل زوجان سائحان عجوزان المتجر وعند شرائهما لبعض الأشياء، اعطاهما أيقونة صغيرة للقديس سابا الجديد كَبَرَكة.ـ

فسألاه: “من هذا؟” أجاب: “هذا شفيع جزيرتنا، القديس سابا”، ثم سألاه: “لماذا هو قديس؟ ماذا فعل؟”، فأجابهما: “إنه قديس لأنه أحبّ الله كثيراً، وكان ناسكاً عَمِل ولا يزال يعمل المعجزات فيشفي من السرطان، ويساعد الأزواج الذين يعانون من العقم على الإنجاب.” عندما سمعا هذا، خرجا وطلبا من ابنتهما وزوجها اللذين كانا ينتظران في الخارج بأن يدخلا. ثم طلبا من السيد نيكوس بأن يكرر ما قاله قبلاً. فكرر: “القديس سابا يساعد الأزواج الذين يعانون من العقم على إنجاب الأولاد”. فطلبوا منه أن يأخذهم إلى دير القديس سابا، فقبل طبعاً وذهبوا معاً إلى الدير.ـ

المرأة، أي الابنة، لم تكُن أرثوذكسية لكنها كانت تملك الكثير من الاحترام والوقار، وسألت إن كان مسموحاً لها الدخول إلى الكنيسة مع كونها غير أرثوذكسية. فأجيبت بأنه يمكنها الدخول بالطبع. ثم سألت رئيسة الدير إن كان يمكنها أن تصلي أمام النعش الذي يُحفظ فيه جسد القديس سابا غير المنحل، فأجابتها رئيسة الدير بأنه طبعاً يمكنها ذلك.ـ

سجدت أمام القديس وصلَّت بدموع لحوالي عشر دقائق، قائلةً: “أيها القديس سابا، أنا لست أرثوذكسية، ولا أعلم الكثير عن يسوع المسيح، لكني أؤمن بالله، وأؤمن أنه بإمكانك مساعدتنا”. ثم وقفت وأعطتها رئيسة الدير زيتاً من قنديل القديس لترسم إشارة الصليب به على بطنها. وغادر السياح بعدما شكروا الجميع.ـ

بعد سنة، في يوم جمعة، دخل الزوجان العجوزان متجر الكتب فوجدوا السيد نيكوس وسلما عليه بحرارة وفرح، إلا أنه لم يتعرف اليهما مباشرةً بل بعدما ذكّراه بالقصة. طلبا منه أن ينتظر قليلاً وخرجا لنداء ابنتهما وزوجها، فدخلا يحملان طفلةً صغيرة. “هذه سابينا”، قالا.ـ

كانا يحملان طفلةً جميلة، وليس فقط هذا، بل وقد أصبحوا جميعاً أرثوذكسيين واعتمدوا – أهلاً وأولاداً – بمساعدة المتروبوليت المعروف كاليستوس وير في انكلترا. طلبوا من السيد نيكوس أن يأخذهم إلى دير القديس سابا لكي يشكروه. عند وصولهم، تقدمت أم الطفلة بعاطفة جياشة ووضعت ابنتها على نعش القديس سابا مخاطبةً إياه وقائلة: “خذها، فهي لك وليست لي!” وقد احضرت هذه المرأة معها من انكلترا حقيبة ملأى بالفحوصات والإستشارات الطبية من أفضل المستشفيات تفيد بعدم قدرتها على الحبل إذ كانت تعاني من مشاكل في أنابيب الرحم. وقد شددت على السيد نيكوس أن يقرأها ويدرك حجم المعجزة. لقد جربوا العديد من الطرق العلمية وأنفقوا المال الكثير، حتى أنهم أُجبروا أن يبيعوا قطعة أرض… الله حي!ـ

القديس سابا الجديد الذي في كاليمنوس هو من القديسين الجدد في الكنيسة الأرثوذكسية. وُلِد عام 1862 لأبوين تقيين. في عمر الثانية عشرة انضمّ إلى رهبان إسقيط القديسة حنة في جبل أثوس. من ثمّ تنقّل في عدة أماكن، إلى أن انتهى به المطاف صديقاً للقديس نكتاريوس وخادماً معه لدير الثالوث في آيينا. بعد رقاد القديس نكتاريوس هرب من كثرة الزوار في الدير ومضى إلى كاليمنوس بدعوة من أحد أبنائها حيث قضى ما تبقى من عمره أباً روحياً لراهبات دير جميع القديسين وكاهناً للدير. رقد في السابع من نيسان 1947، وقد أُخرِجَت رفاته بعد عشر سنوات في 1957 ووُجِدَت غير منحلة وهي محفوظة في دير جميع القديسين إلى اليوم.ـ

هو ناسك كبير ومعترف وكاتب أيقونات وصانع عجائب. هو الكاهن الذي قام بتجنيز القديس نكتاريوس وأول مَن رسم أيقونة له. يعيّد له عيدان في السابع من نيسان وفي الأحد الخامس من الصوم مع أمنا البارة مريم المصرية.ـ

في عيده، أردنا التعريف عن هذه المعجزة الجديدة للقديس سابا الجديد في هذا الزمن الذي نحتاج فيه لشفاعته أكثر من أي وقت آخر. لتكُن صلواته وشفاعته مع العالم كله.ـ

***

شهداء سبسطية الأربعون

الأب لاورنس فارلي

نقلها إلى العربية بول ملكي

لو كان أي منا يتمشى على ضفاف بركة ماء باردة في إحدى ليالي العام ٣٢٠ قرب مدينة سبسطية، لرأى مشهداً مذهلاً: أربعين جندياً رومانياً، من الفيلق المعروف بـ”الفيلق الصاعق”، يقفون عراةً في المياه المثلجة طوال الليل، يتجمدون ببطء. بالقرب، جنود رومان آخرون يقفون على الضفة يحرسونهم ويتأكدون من بقاء الرجال المحكومين في المياه المثلجة، ويجهزون حمام ماء ساخن لكل من يقرر الخروج من مياه الموت ليستدفئ ويعيش. كل ما كان على الرجال المحكومين أن يفعلوا هو أن ينكروا المسيح ويتخلوا عن ايمانهم المسيحي. الأربعون كانوا كلهم مسيحيين مؤمنين، واختاروا الموت على إنكار الرب.ـ

إلا أن واحداً وحيداً منهم خسر شجاعته في اللحظة الأخيرة. فأنكر المسيح، وترك رفقاءه من أجل دفء الحمام الساخن. واحد من الحرس، متأثراً بثبات الذين بقوا في البركة، إعترف بأنه مسيحي وتعرّى من ثيابه وإنضم إلى الرجال في المياه، فبقي العدد كاملاً: أربعون شهيداً. عند الفجر، معظمهم كان قد تجمد ورقد. أما أولئك الذين لم يموتوا بعد فقتلوا وأحرقوا ورُمي رماد جثثهم في النهر.ـ

قد نسأل: ما الذي منح الرجال القوة ليبقوا في مياه الموت فيما الحياة تنزف ببطء من أجسادهم؟ أمران: الأول أنهم كانوا يتطلعون إلى ما بعد عذاب تلك الليلة، إلى الملكوت المنير وأكاليل الظفر التي تنتظرهم، والثاني أنهم كانوا يتضامنون ويدعمون ويشجعون بعضهم البعض. كجنود، كانوا يدركون أهمية الوفاء للفيلق، وكإخوة، أن يصمد كل واحدٍ منهم من أجل الآخرين. إن هذه الوحدة العسكرية حفظتهم إذ كانت مسألة شرف أن لا يكسر أحد منهم الرتبة ويخون الآخرين.ـ

نحن أيضاً نعيش في فترة شتاء مميت، حيث “لكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين” (متى ٢٤:١٢). حكام هذا الزمن يعدون بجوائز أرضية لمن يترك الحقيقة، وحمام دافئ ينتظر الكفار/المرتدين. شهداء سبسطية يشجعوننا على أن نبقى ثابتين في الإيمان، على الرغم من برودة هذا الزمن والإضطهاد الذي نقع فيه، إذ انهم بعد ساعات قليلة فقط استُقبلوا بفرح الانتصار في ربوع السموات، ولم يكونوا بحاجةٍ لأي حمام روماني دافئ. الأمر ذاته سيحصل معنا: قريباً يمر هذا الزمن البارد، ونقف أمام ملكنا. إلى حين ذلك، فلنتشجع نحن أيضاً كوننا لسنا المجاهدين الوحيدين في سبيل الحقيقة. فلنقاوم التنازلات المقترحة من الشيطان، ونبقى “راسخين في الإيمان عالمين أن نفس هذه الآلام تجرى على اخوتكم الذين في العالم” (1 بطرس ٥:٩).ـ

أمر أخير: الجندي الذي فقد عزمه وكفر بالله وركض إلى الحمام الدافئ لم ينجُ تلك الليلة. من المؤكد أن حرارة جسمه قد هبطت كثيراً، وحتى دفء الحمام لم ينقذه. لقد مات بكل الأحوال، مع باقي “الفيلق الصاعق”. بكفره لم ينقذ حياته الأرضية بل خسر الحياة الأبدية وإكليل الظفر الذي كان بمتناول يديه. جوائز الكفر لا تبقى. بل تنتهي مع مجيء اليوم الأبدي. جائزة الثبات تبقى إلى الأبد.ـ

القديس ديونيسيوس ووباء الاسكندرية

عن رسالة لإفسابيوس القيصري

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

كان القديس ديونيسيوس الكبير بابا الإسكندرية ما بين عامي 248 و264. في تلك الفترة عانت كنيسة الإسكندرية من اضطهاد مريع. وما أن انتهى الاضطهاد حتى ضرب المدينة وباء مع اقتراب عيد القيامة. وصف القديس ديونيسيوس هذا الوباء وردة فعل الكنيسة في رسالة إلى بعض أبنائه خارج الاسكندرية. إنها رسالة مناسبة في هذه الأيام فيما الكنيسة تحاول التعاطي مع جرثومة الكورونا، وذلك فيما نحن نستعد للقيامة. أورد هذه الرسالة إفسابيوس في تاريخ الكنيسة، الفصل السابع:ـ
“لاحقاً عندما تبع الحربَ الوباء القاسي فيما كان الاحتفال (القيامة) يقترب، تواصل ديونيسيوس كتابةً مع الجماعة المسيحية كاشفاً أهوال الكارثة:ـ
لا يعتقد الآخرون أن هذا وقت للاحتفال… الآن، للأسف! كل شيء هو رثاء، الجميع في حداد، والمدينة صاخبة بالنوح بسبب أعداد الذين ماتوا ويموتون كل يوم. الوضع يشبه ما يخبره الكتاب المقدس عن أبكار المصريين، لذلك هناك صرخة عظيمة الآن: لا يوجد منزل ليس فيه ميت واحد – وكم كنت أتمنّى لو كان واحدًا فقط!ـ
لقد حدثت لنا العديد من الأشياء الفظيعة حتى قبل ذلك. في البداية كنا مُداسين يحاصرنا المضطهدون والقتلة، ومع هذا كنا الوحيدين الذين حافظوا على الاحتفال في ذلك الحين. كل مكان تعرضنا فيه لهجوم أصبح لنا مكانًا للاحتفال، سواء أكان ميداناً أو صحراء أو سفينة أو نزلاً أو سجناً. أبهرُ المواسم على الإطلاق كان احتفال الشهداء الذين عيّدوا. من ثمّ جاءت الحرب والمجاعة التي ضربت المسيحيين والوثنيين على حد سواء. كان علينا وحدنا أن نتحمل الإصابات التي تسببوا بها لنا، لكننا استفدنا مما فعلوه لبعضهم البعض وما عانوه على أيدي بعضهم البعض؛ ولذلك ومن جديد وجدنا الفرح في السلام الذي أعطاه المسيح لنا وحدنا. ولكن عندما سمح لنا ولهم بحيّز صغير للتنفس، جاء هذا المرض من العدم، وهو أمر أكثر رعبًا لهم من أي إرهاب، ومخيف أكثر من أي كارثة مهما كانت، وكما كتب أحد مؤرخيهم (ثوسيديديس) ذات مرة: “الشيء الوحيد الذي تجاوز كل التوقعات”. لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لنا، بل كان تعليمًا واختبارًا قيمًا كمثل جميع تجاربنا السابقة؛ لأنه لم يغلبنا رغم أن تأثيره الكامل سقط على الوثنيين …ـ
غالبية الإخوة المسيحيين أظهروا محبة لا حدود لها والتزاماً، غير موفّرين ذواتهم ومفكّرين فقط ببعضهم البعض. من دون خوف من الخطر، اخذوا المرضى على عاتقهم مهتمّين بكل حاجاتهم وخادمين لهم في المسيح، ومعهم تركوا هذه الحياة فرحين بصفاء؛ لأنهم أصيبوا كالآخرين بالمرض آخذين على أنفسهم مرض إخوتهم مقتبلين آلامهم بسعادة. كثيرون، في تطبيبهم وشفائهم للآخرين، نقلوا موت الآخرين إلى أنفسهم وماتوا في أماكنهم، عاكسين الصيغة المشتركة التي هي بالعادة مجاملة فارغة في الحقيقة: إن عبدك المتواضع يقول لك وداعاً. أفضل إخوتنا خسروا حياتهم بهذه الطريقة، عدد من الكهنة، الشمامسة، والعلمانيين الذين كسبوا ثناءً، حتى أن الموت بهذا الشكل، نتيجة لتقوى عظيمة وإيمان قوي، يظهر بشتّى الطرق مساوياً للشهادة. بأيدي مريدة رفعوا أجساد القديسين إلى أحضانهم؛ أغلقوا أعينهم وأفواههم، حملوهم على أكتافهم وأضجعوهم؛ تعلّقوا بهم، عانقوهم، غسلوهم، ولفّوهم بأكفانهم. وسريعاً بعد ذلك أقيمت لهم الخدمة نفسها لأن الباقين يتبعون السابقين.ـ
الوثنيون تصرفوا بصورة معاكسة تماماً. عند أول ظهور للمرض، أبعدوا الذين يعانون وابتعدوا عن أحبائهم، رموهم في الطرق قبل أن يموتوا وعاملوا الجثث غير المدفونة كالقذارة، معتقدين أنهم يوقفون انتشار المرض القاتل وعدواه؛ ولكن مع كل ما عملوه، وجدوا النجاة عسيرة.”ـ

قديسون معاصرون

الشيخ موسى الأثوسي

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

عن حق أو لا، فالأزمنة التي نعيش فيها عرضة للانتقاد لأسباب عديدة. ومع ذلك، على الرغم من صعوبتها بالتأكيد، ففيها كنوز مخفية، وقد أنتجت قديسين منهم صغارًا ومنهم عظماء. بصرف النظر عن القديسين المعترَف بهم رسمياً، فقد كان هناك أيضا قديسين مخفيين طوال القرن العشرين.

البارة ميثوذيا من كيمولوس (+1908)، القديس يوحنا كرونشتادت (+1908)، آفثيميوس أسقف زيلا (+1921)، بروكوبيوس أسقف أيكونيوم (+1922)، غريغوريوس اسقف سيدونية (+1922)، أمبروسيوس أسقف موسخونيسيا (+1922)، خريسوستوموس اسقف إزمير (+1922)، البار أناتولي الشاب، شيخ دير أوبتينا الرائع (+1922)، وسحابة من الأبرار والشهداء الجدد في روسيا وجورجيا وآستونيا وبولندا وأجزاء أخرى من أوروبا وآسيا وأميركا.

أيضاً في القرن العشرين عندنا القديسون: أرسانيوس الكبادوكي (+1924)، نيكولاوس بلاناس من أثينا (+1932)، سلوان الأثوسي (+1938)، البار سابا في كاليمنوس (+1948)، البار جاورجيوس كارسليذس من ذراما (+1959)، الأرشمندريت أنثيموس فايانوس من خيوس (+1960)، يوحنا ماكسيموفيتش العجائبي رئيس أساقفة شانغهاي وسان فرانسيسكو (+1966)، الأرشمندريت الصربي يوستينوس بوبوفيتش (+1979)، والشهيد فيلومانوس الأورشليمي (+1979).

بعض الشيوخ أيضاً ذاع صيت قداستهم وحياتهم الفائقة الفضيلة: الأرشمندريت ييرونيموس السيمونوبتريتي (+1957)، يوسف الهدوئي قاطن الكهف (+1959)، أمفيلوخيوس ماكريس الرئيس السابق لدير باتموس، فيلوثايوس زرفاكوس رئيس دير لونغوفاردا في باروس (+1980)، يعقوب تساليكيس رئيس دير البار داود في آفيا (+1991)، الشيخ بورفيريوس الكافسوكاليفي الرائي (+1995)، الشيخ الحكيم صوفروني سخاروف (+1993)، الراهب المعروف باييسيوس الأثوسي الذي كان ممتلئاً من النعمة (+1994)، أفرام الكاتوناكي المكرّس بالكلية للطاعة والصلاة (+1998) وغيرهم.

حياة الرهبنة المقدسة تتحدانا وتدعونا إلى موقف بطولي ومزيد من التقشف والبساطة والعفّة والتواضع. نحن ملزَمون بالحفاظ على روح الرهبنة الأرثوذكسية دون مغالطة، نابضةً بالحياة ونقية مهما كان الثمن علينا. نحن مدعوون إلى التدرّب على صبر الأجيال السابقة من الشيوخ.

إن روعة كنيستنا هي في أنها تواصِل إنتاج القديسين حتى يومنا هذا. سيحتاج العالم إلى قداسة أكبر بكثير في القرن الحادي والعشرين. اعتاد الشيخ بايسيوس الأثوسي أن يقول إنه ببساطة لم يكن مسموحًا لنا بالفشل في الحفاظ على الرهبنة كما هي. القداسة ليست حلماً منسياً ولا أملاً باطلاً. إن “الحياة الصالحة”، والدهرية، والتراخي تعيق نمو شجرة القداسة. روح التمتع السائدة اليوم، التسرّع، العمل بلا جهد ولا كدح، والاستهتار تحرم القداسة.

القداسة هي غرض الحياة. القداسة هي الأمنية الرئيسية. إن التقرّب من القداسة يجلب السلام والفرح والرصانة والصبر وضبط النفس وهبة النعمة. إن قائمة القديسين الجدد تنمو في القرن الحادي والعشرين. أحيانًا تكون القداسة مخفية حيث لا تتوقعها، في المدن والقرى، وليس فقط في الجبل المقدس. الرهبنة تزدهر اليوم. يحدونا الأمل في أن تستمر في إنتاج القديسين سالكة طريق التقليد. اعتاد القديس ستيليانوس الأثوسي أن يقول مستنداً على تجربته الخاصة: “الرب يحبنا حتى التخمة، وبالصلاة يجعلنا مستحقين للتحدث معه والتوبة وتمجيده. لا أستطيع أن أصف كم يحبنا الرب. بالروح القدس يتمّ التعرف على هذه المحبة وروح الشخص المصلّي تتعرّف على الروح القدس …

من رسالة إلى نقولا رانغوس (حول الوضع الكنسي)

القديس (الجديد*) دانيال الكاتوناكي

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

الثالث من تشرين الثاني، 1926

أحزن كثيرا إذ أتذكر جيل اليوم، كيف بسبب خطايانا سمح الله للشيطان الماكر أن يجد قبضة على جانبين.

من جهة، الرؤساء الذن يقودون كنيستنا، بدلاً من الدفاع عن التقاليد الورعة، يدخِلون ابتكارات وابتداعات؛ بينما من الجهة الأخرى، فإن الأتقياء والمؤمنين، بدلاً من الكتابة بتمييز كبير وبروح من السلام في التعبير عن آرائهم، يحقّرون الرئاسات ويستجمعون كل ما حرّمه الآباء القديسون، لكيما قدر الإمكان يحطون من قدر الرؤساء الآثمين؛ وفي هذا هم يسترضون الناس، وبدلاً من الإفادة يتضرر الجانبان.

لا أشك في أن دراسة أ.ف. قد وصلتكم، وفيها يدحض المجلس الجديد، لكن بلغة مسيئة، لم يستعمل مثلها أي من الآباء القديسين حتى ضد أعظم الهراطقة.

ستشكل دراستي المتواضعة أكبر ضربة بشكل جوهري، موجهة لهؤلاء المبتكرين ابتداءً من ف. ، لأنه سيُعزى إليه الهيجان والعاطفة، ناهيك عن الأنانية، ولكن سوف يكون ثابتاً أن الكنيسة نفسها تتحدث، قالبةً المراجعات التي يعتزم أولئك الراغبون بالمجلس الجديد القيام بها.

* تمّ وصف القديس بالجديد لأن قداسته قد أعلنها البطريرك المسكوني في العشرين من تشرين الأول 2019، أثناء زيارته للجبل المقدس.

مَن هو القديس الجديد دانيال الكاتوناكي؟

هو ديمتريوس المولود في إزمير سنة 1846. منذ صباه كان متميزاً وقد حفظ الفيلوكاليا عن ظهر قلب في مراهقته. التقى القديس أرسانيوس باروس في جزيرته وباركه وأرسله إلى دير القديس بندلايمون في أثوس. هناك صار راهباً باسم دانيال. لاحقاً انتقل إلى دير الفاتوبيذي وبقي لعشر سنوات يعاني من إلتهاب الكلىى إلى أن شُفي عجائبياً في 31 آب أثناء احتفال الدير بعيد وضع زنار والدة الإله. من ثم انتقل إلى كاتوناكيا حيث قضى تقريباً ثلاث سنوات لوحده ومن ثم جاءه طلاب، من سنة 1883، حتى تكونت أخويته. طُلب منه التسقف لكنه رفض مصراً على عدم أهليته.

تمتع الشيخ دانيال بموهبة المشورة الروحية والتعزية في الأحزان. لقد حمى أو شفى من العديد من الرهبان والعلمانيين من الخطأ. ربطته بالقديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس صداقة قوية، كما تبادل الكثير من الرسائل مع القديس فيلوثايوس زرفاكوس وغيره من رهبان دير لونغوفاردا في جزيرة باروس. ساهمت هذه الرسائل في حماية الرهبان من الوقوع في هرطقات اللاهوتي ماكراكيس. كتب حوالي المئتي رسالة إلى الأم ثيوذوسيا في جزيرة تينوس.

في أيلول 1929 أصيب الشيخ بالرشح. عرف مسبقاً موعد رقاده فطلب المناولة المقدسة. في الثامن من أيلول (21 بحسب التقويم المتّبع)، أي في عيد ميلاد السيدة العذراء. بعد القداس الإلهي والمناولة أقيمت له صلاة مسحة الزيت للمدنَف ومن ثم أسلم الروح.

From Contemporary Ascetics of the Holy Mountain vol 1

الشيخ دانيال الكاتوناكي (1846-1929)

الشيخ موسى الأثوسي

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

كان الشيخ دانيال من سميرنا زهرة مقدسة عطرة من إيونيا أرض الشهداء. جلب عطره الفرح للكثيرين، عندما زُرع في حديقة السيدة، إلى جانب ثمار فضائله. هو نجل أبوين شديدي الإخلاص، درس الكتاب المقدس والفيلوكاليا، وتخرج بامتياز من مدرسة سميرنا الإنجيلية. بعد سجوده في الأديرة والكنائس في البيلوبونيز وجزر بحر إيجة، وبناءً على طلب البارّ أرسانيوس (1800-1877) في باروس ، دخل دير القديس بندلايمون في جبل أثوس.

تميزت فترة اختباره بطاعته الثابتة والطوعية. عند سيامته سُمّي دانيال بدلاً من ديميتريوس. سرعان ما عُرِف لمهاراته وأصبح أمينًا للدير الذي كان يضم 250 راهبًا. بسبب الاختلافات بين اليونان والروس، قَبِل النفي الذي أحزنه وأغمّه. استضافه دير القديسة أناستاسيا في فاسيليكا في خالكيديكي لمدة ستة أشهر، وهناك كان مصدر فائدة للآباء. ثم عاش في دير فاتوبيذي خمس سنوات، حيث شفي من مرض إلتهاب الكلىى الشديد. لقد أحب والدة الإله كثيراً طوال حياته. أخيرًا ، ذهب إلى كاتوناكيا الرائعة. هناك أسس منسكاً للآباء الأثينيين الموقرين. بعد سنوات قليلة، جمع أخوية صغيرة. لقد أرشدهم بالفيلوكاليا التي درسها وحفظها بثبات.

ساعدته فضيلته وحكمته وصلواته وتواضعه ودراسته وتجربته في تحديد المغالطات وتصحيح أولئك الواقعين في الضلالة وعلاج الذين يضربهم الشيطان وإعادة مؤيدي ماكراكيس إلى طريق الآباء القديسين. أتباع ماكراكيس آمنوا بالتركيب الثلاثي للإنسان.

لقد ساعد الرهبان الواقعين في تجارب شديدة وكانوا ممتنين له. المرضى والمكتئبون والحزانى والمحبَطون والمضطربون وجدوا العزاء والأمل في كلماته ورسائله. حتّى أنه هو نفسه ترك منسكه من أجل المصالحة بين الإخوة.

رسائله غنية إلى الرهبان والراهبات والإكليروس من كل الدرجات والمعلمين والأشخاص الذين يعانون من صعوبات مختلفة. كان على علاقة روحية بالمؤلف ألكساندروس مورايتيدس، المعروف لاحقًا باسم الراهب أندرونيكوس، الذي وصفه بأنه “ليس جباراً متعدد الأغراض ومتعدد الألوان، بل راهب كثير التعب”، يقدّم كحلوى “كلمات تقطّر الحلاوة السماوية”. وقال أيضًا: “عندما جئت إلى الجبل المقدس، ظننت أنني لمست الله، لكن عندما قابلت الشيخ دانيال، أدركت كم هو بعيد عني”.

نشأت بين الشيخ دانيال القديس نكتاريوس (1846-1920) معرفة هامة وصداقة ومراسلات. كتب القديس له بكل تواضع عن راهباته: “هذه الرسالة، التي يمليها التطبيق العملي والنظري(theoria)، هي بالنسبة لهن، كونهن محرومات من هذا التعليم الحي، فرحة روحية ودعم روحي حقيقي”.

بالإضافة إلى رسائله الكثيرة، فإن ثمار حكمته هي ما يقرب من سبعين عملاً حول المسائل الروحية الخطيرة، وخاصةً الروحية ذات التركيبة المعادية للهراطقة. على مدار خمسين عامًا في كاتوناكيا مع كلماته وكتاباته وشروحاته، اشاد بيتًا نبيهاً (famous) للفضيلة ورسم الأيقونات والكتابة والموسيقى والضيافة. كان بابه مفتوحًا دائمًا للجميع كي يجدوا الراحة. لقد صار طبيباً ومرشدًا ومحررًا للأشخاص المتألمين أو الواقعين في الخطأ أو المضطربين أو الواقعين في الضيق. تعب للحفاظ على يقظته طوال الليل لكتابة الرسائل والدراسة لدعم إخوته وتنويرهم.

كانت أعظم سعادة في حياته عندما غادر الأرض في يوم عيد ميلاد والدة الإله المحبوبة. بعد القداس الإلهي والمسحة بالزيت المقدس، ارتسم الفرح بوضوح على وجهه. ختم حياته بمحبته الحارة لوالدة الإله، والتي هي سمة من سمات جميع الأثوسيين الأبرار. ما لا شك فيه أن الشيخ دانيال كان دليلاً مستنيراً وصاحب تمييز بكلماته وأعماله، “ممتلئاً من الروح القدس”. فلتكن صلواته معنا.

إن جمجمته محفوظة بتوقير في علبة خشبية وقد اكتسب لوناً أصفراً بنياً. لقد تبركنا به في الذكرى الثمانين لرقاده المبارك (2009).

القديس صوفروني آسكس

نقلتها إلى العربية بتصرف أسرة التراث الأرثوذكسي

سيرة مختصرة للقديس

وُلد القديس صوفروني ساخاروف سنة 1896 في موسكو. درس الفنون الجميلة وتفرّغ للرسم. من ثمّ درس في معهد القديس سرجيوس اللاهوتي في باريس إلى 1925 حين ترك إلى الجبل المقدس أثوس، حيث ثبت في دير القديس بندلايمون وهناك التقى القديس سلوان الأثوسي وارتبط به. هذه العلاقة كانت أساسية لحياته الروحية وبقي مع القديس حتى رقاده ومن ثم ببركة الدير انتقل إلى صحراء الجبل. هناك خدم كأب روحي لأديار القديس بولس وغريغوريو وسيمونوبترا وكسنوفوندوس كما للكثير من القلالي والأساقيط. في 1948، نشر في فرنسا ما تركه له القديس سلوان من الأعمال ومعها تحليلاً مطولاً لتعليم القديس وبعض السيرة (موجود بالعربية، ترجمة الأم مريم زكا). منذ 1959 سكن في دير السابق البطريركي في آسكس بريطانيا الذي أسسه. رقد بالرب في 11 تموز 1993. كتاباته بالأصل بالروسية لكن تُرجمَت إلى الإنكليزية والعربية والفرنسية والألمانية والإيطالية والصربية والسويدية والفلمنكية (من اشتقاقات الألمانية وتُستعمل في بعض مناطق بلجيكا وألمانيا) والإسبانية، ومقتطفات منثورة في عدة لغات.

الأرشمندريت زخريا زخاريو عن الأيام الأخيرة للقديس صوفروني

قبل أربعة أيام من رقاده، أغمض عينيه ولم يعد يتحدث إلينا من بعد. كان وجهه مضيئًا وغير حزين لكنه مليء بالتوتر؛ كان ذاك نفس التعبير الذي كان يبدو عليه عند إقامته القداس. لم نكن كلنا نمضي لرؤيته، فقط الأب كيريل وأنا والأب نيكولاس والأب سيرافيم. قبل أسبوعين أو ثلاثة من وفاته، دعا جميع الإخوة، واحدًا تلو الآخر، للذهاب والجلوس معه لمدة ساعة تقريبًا في مطبخه، لإجراء آخر محادثة معه. لكننا الأربعة كنا نملك مفتاح بابه ونذهب لرؤيته كل بضع ساعات. كنا ندخل ونقول “بارك يا أب”. لم يكن يفتح عينيه أو ينطق بكلمة، لكنه يرفع يده ويباركنا. باركنا دون كلام ففهمت أنه ماضٍ. أنا شخصياً لم أرغب في احتجازه. سابقاً كنتُ أصلي أن يمدّ الله سنيه، كما نقول في قداس القديس باسيليوس الكبير: “شدّد الشيوخ ( το γήρας περικράτησον)”. لكن في تلك الأيام رأيت أنه ذاهب ولذا بدأت أقول: “يا رب، امنح عبدك بِسِعَةٍ دُخُولاً إِلَى مَلَكُوتِك”. صليتُ مستعملاً كلمات الرسول بطرس كما نقرؤها في رسالته الثانية. لذا، كنتُ أردد: “يا رب امنح عبدك بِسِعَةٍ دُخُول مَلَكُوتِك واجعل نفسَه مع آبائه”، وكنتُ أسمّي كل النساك الذين أعرف أنه رافقهم في الجبل المقدس بدءً من القديس سلوان ومن ثم الآخرين.

في اليوم الأخير، ذهبت لرؤيته عند الساعة السادسة صباحًا. كان يوم أحد، وكان دوري في إقامة القداس باكراً، بينما كان الأب كيريل مع الكهنة الآخرين سقيمون القداس الثاني. (لأغراض عملية، في أيام الأحد نقيم قداسين في ديرنا). أدركت أنه سوف يتركنا في ذلك اليوم. ذهبت وبدأت بصلاة نصف الليل، وبدأت الساعات عند السابعة، ومن ثم القداس الإلهي. في القداس قلت صلوات التقدمة (الأنافورا) فقط، إذ أن العادة عندنا أن نقرأها بصوت مسموع. أما ما تبقى فكانت صلاتي بشكل مستمر: “يا رب امنح عبدك بِسِعَةٍ دُخُول مَلَكُوتِك”. لقد كان ذلك القداس مختلفاً فعلاً عن غيره. لحظة أعلنتُ “القدسات للقديسين” دخل الأب كيريل الهيكل. نظرنا أحدنا إلى الآخر، وراح ينشج ففهمت أن الأب صوفروني قد انتقل. سألت في أي وقت مضى، وعلمتُ أنه أثناء قراءتي الإنجيل. ذهبتُ جانباً لأن الأب كيريل أراد أن يكلّمني فقال لي: “تناول وناول المؤمنين، من ثم أعلن خبر رقاد إلأب صوفروني واعمل تريصاجيون، وسوف أعمل الأمر نفسه في القداس الثاني”. فقطّعتُ الحَمَل، تناولتُ، ناولتُ المؤمنين، ختمتُ القداس، ولا أعرف كيف أتممت كل هذا. من ثم توجهتُ إلى الشعب قائلاً: “أيها الأخوة المحبوبين، الرب يسوع المسيح إلهنا هو علامة الله لكل الأجيال في هذا الزمان، إذ إننا في كلمته نجد الخلاص والحلول لكل مشاكل البشرية. لكن قديسي الله هم ايضاً علامات لزمانهم، ومنهم الأب الذي منحنا إياه الله بشخص الأب صوفروني. بكلمته نجد الحلّ لمشاكلنا، والآن علينا أن نعمل كما تعلمنا الليتورجيا، أي أن “إياه نشكر”، “إياه نسبّح”، و”إليه نطلب”. لهذا، لنعطِ شكراً لله الذي أعطانا أباً كهذا، ولنصلِّ لراحة نفسه. تبارك الله إلهنا…”، وبدأتُ التريصاجيون.

وضعناه في الكنيسة لمدة أربعة أيام، لأن القبو لم يكن منتهياً بعد ولم يتم بناء القبر. تركناه مكشوفاً في الكنيسة لمدة أربعة أيام، فيما كنا نقرأ باستمرار الأناجيل المقدسة، من أولها إلى النهاية، مراراً وتكراراً، كما هي العادة في جناز الكاهن. قرأنا الأناجيل المقدسة، كما قرأنا الجناز وغيرها من الصلوات. كنا نقيم الخدم والقداس وهو هناك في وسط الكنيسة لمدة أربعة أيام. (لقد كان حقًا مثل باشا، أي جو جميل ومبارك كان!) لم يظهر أحد أي هستيريا. الجميع صلّوا بإلهام. أحد أصدقائي وكان أرشمندريتاً، وكان يأتي إلى الدير كل عام ويقضي بضعة أسابيع خلال فصل الصيف: ييروثيوس فلاخوس الذي كتب “أمسية في بريّة الجبل المقدس”، وهو الآن متروبوليت. هذا جاء حالما سمع أن الأب صوفروني رقد. أحسّ بهذا الجو وقال لي: “إن لم يكن الأب صوفروني قديساً، إذاً لا يوجد قديسين!” هذا صادف وجود بعض رهبان الجبل المقدس الذين كانوا قد جاؤوا لرؤية الأب صوفروني، لكنهم لم يجدوه حياً. كان الأب تيخن من سيمونوبترا أحدهم.

من عادة اليونانيين عندما يأتون إلى إنجلترا لأغراض طبية أن يأتوا إلى الدير لقراءة صلاة الأب صوفروني لأن كثيرين شُفوا بها. إنهم يخبرون أموراً مثل هذه. قام اثنان منهم من باب الامتنان ببناء كنيسة في اليونان مكرّسة للقديس سلوان. بعد رقاد الأب صوفروني بيومين أو ثلاثة، جاءت عائلة مع طفل في الثالثة عشر من العمر. كان يعاني من ورم في الدماغ وقد حُددت العملية الجراحية له في اليوم التالي. جاءني الأب تيخن الذي من سيمونوبترا وقال: “هؤلاء القوم حزينون جداً فقد أتوا ولم يجدوا الأب صوفروني. لمَ لا تقرأ بعض الصلوات للولد؟” فقلت له “لنذهبّن سوية، تعالَ وكنْ قارئي. سوف نتلو بعض الصلوات في الكنيسة الأخرى”. مضينا وتلونا بعض الصلوات للولد وعند النهاية قال الأب تيخن: “لمَ لا ندخِل الفتى تحت كفن الأب صوفروني؟ سوف يشفى.” أجبتُه بأني لا أستطيع أن أعمل ذلك، فالناس سوف يقولون أنه ما أن توفي نحن نحاول التسويق لإعلان قداسته. وقلت له “أنت اقترحْ ذلك. فأنت راهب أثوسي لا يستطيع أحد أن يقول عليك ذلك”. أخذ الطفل بيده، وجعله يمرّ تحت الكفن. في اليوم التالي فحصوا الولد ولم يجدوا شيئاً. أغلقوا الجمجمة وقالوا: “لقد كان التشخيص خاطئاً، لربما كان ذاك مجرد التهاب”. لكن طبيباً يونانياً كان يرافق الولد وكان معه الصور الشعاعية التي تظهِر الورم، فقال لهم: “نحن نعرف تماماً معنى هذا التشخيص الخاطئ”. في الأسبوع التالي، أتت إلى الدير كل عائلة ذلك الطفل وهم من تسالونيكي، ليقدموا الشكر عند قبر الأب صوفروني. الولد صار اليوم في الحادية العشرين من عمره وهو في صحة ممتازة.

دول العائلة في تنشئة المؤمن: من سيرة القديس الجديد ييرونيموس السيمونوبتريتي

الأب أنطوان ملكي

القديس ييرونيموس السيمونبتريتي هو أحد القديسين الجدد في الكنيسة الأرثوذكسية الذين أعلن البطريرك القسطنطينية قرار مجمع الكنيسة المسكونية ضمّهم إلى سنكسار الكنيسة أثناء زيارته للجبل المقدس أثوس مطلع تشرين الأول 2019.

القديس ييرونيموس من مواليد آسيا الصغرى في سنة 1871. دخل دير سيمونوبترا في الجبل المقدس كمبتدئ سنة 1888. رقد بالرب سنة 1957.

تربّى القديس في عائلة مؤمنة كان لها الأثر الكبير في تكوّن شخصيته وتوجهه الإيماني. والداه نيكولاوس وماريا عاشا في قرية ريزدير القريبة من ألاتاستا حيث غالبية الناس مزارعون. في المعمودية سمي يوحنا. في المدرسة تميّز بذكائه ووعيه. منذ حداثته جعل من كنيسة القرية مركزاً لحياته، حيث كان يساعد الكاهن في الهيكل والجوقة في الترتيل. كان يجد الفرح في الاشتراك في السهرانيات ومجالسة الكهنة. كانت كل تصرفاته توحي بأنه أكبر من عمره، خاصةً صمته وجدّيته وتقواه.

هذه الصفات اكتسبها في عائلته الفقيرة، التي ساهم فكرها بتعرفه على الصعوبات منذ صغره، ولكن على احتمالها ومواجهتها بصبر ورجاء. هذا ساعده لاحقاً، كراهب على احتمال الصعوبات طوعياً. كان لأمه أثر مهم على حياته، فمنها قد تعلّم سيَر القديسين، وعلى يدها تعلّم أن يصوم ويصلّي ويحبّ الله. كان يقول أن أوائل أصدقائه كانوا القديسين. لطالما أضاعته العائلة لكن والدته كانت تعرف أن تجده في الكنيسة. أصيب مرة بألم هائل في رجله فترك البيت وسكن في كنيسة القديس ديمتريوس لأربعين يوماً صائماً، فشفاه القديس. وتكرر الأمر نفسه عندما أصيب بجدري الماء. في المرتين كانت عائلته داعمة له بالرغم من صغر سنه.

في إحدى المرات، وكان في السابعة من عمره، سمع أخته تقول أبيات المديح لوالدة الإله. في الصباح سألته إن كان يعرف المديح، وإذ لم يكن يعرفه قالت له أن حان دوره ليتعلّم، وعلّمته. ومن حينه ظهرت محبته الكبيرة لوالدة الإله التي رافقته طوال حياته.

في سن الثانية عشرة ذهب مع ثلاثة من رفاقه إلى خيوس ليقابلوا الشيخ برثانيوس (القديس) المعروف في حينه بتمييزه، والذي كان يسلك في النسك في مغارة بالقرب من الدير الذي أسسه. عند وصولهم استقبلهم مسمياً بأسمائهم، ثم قال لكل منهم عن الدرب التي سوف يسلكها في حياته، وقد فرح يوحنا عندما أخبره بأنه سوف يكون راهباً.

يحكي الأب ييرونيموس عن أن أكبر همومه في مراهقته كان إرضاء الله، وهذا ما جعله يختار حياة الرهبنة غير خائف إذ إن الرب قال “تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم”. أعطته عائلته البركة للذهاب إلى جبل أثوس. في وداعه، قال له أبوه “إذهبْ ولا تعدْ” لأنه أراد منه أن يثبت في الطريق الذي اختاره، إذ إن البعض كانوا يمضون إلى الأديار ثم يعودون منها متخلين عن ما اختاروه في مسيرتهم.

لاحقاً، دخلت والدته ماريا الدير وصارت الراهبة ميلاني محققة ما كانت تتمناه منذ صباها ومظهِرة إيمانها بشكل أكثر فعالية. أخوه صار راهباً أيضاً متّخذاً اسم ماكسيموس. كما أن راهبتين، مجدلينا وكاسياني، خرجتا من العائلة نفسها كانتا متزوجتين قبلاً، بعد أن كبر أبناؤهما.

إن عائلة القديس الجديد ييرونيموس، كمثل عائلات أخرى لقديسين كثيرين نعرفهم كالقديس غريغوريوس بالاماس والذهبي الفم والشهيد بندلايمون وغيرهم، بالإضافة إلى عائلات كثيرة لا نعرفها، كلها شهادات على أن الجو العائلي هو أهم العوامل التي تفعل في تحديد التزام الأبناء وسلوكهم نحو الله. ليس الهدف في هذه العجالة التركيز على كثافة الرهبان في عائلة القديس ييرونيموس ولا القول بأن الحياة الرهبانية هي الطريق الوحيد إلى الله، إنما الهدف هو التركيز على دور العائلة، لأن هذا أمر نفتقده في أيامنا. إن وقوف العائلات في أيامنا بوجه طالب الرهبنة هي دليل على خفتان روح الالتزام حيث أن البيوت غير مستعدة لأن تقدّم لله. من الضروري الانتباه إلى مجمل الجو الذي تهيئه العائلات والذي، للأسف في أيامنا، لا تأتي الكنيسة والإيمان على رأس اهتماماته. فهموم العائلة الرئيسية غالباً ما هي الأكل والملبس والعلم، مع أن هذه أمور تُزاد للعائلة المؤمنة التي تطلب ملكوت الله وبرّه (متى 33:6).

فبشفاعة قديسك الجديد ييرونيموس أيها الرب يسوع المسيح ارحمنا وخلصنا. آمين.

الشيخ فيلاريت ناسك كاروليا العظيم

القديس الشيخ دانيال الكاتوناكي

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

الحذاء وسيلة للاتضاع

قرأت في “Ευεργετινός” بلاديوس (بالعربية: كيف نحيا مع الله) عن حياة القديس أوارس: “في البداية عاش في الصحراء وكان يأكل الأعشاب والجذور الحلوة، ويشرب الماء حين يستطيع إيجاده، ويقضي كلّ وقته في الصلاة والترنيم”. أظن أن هذا الوصف ملائم تماماً لحياة الأب فيلاريت النسكية. فهو قد كان صديقاً حقيقياً للفضيلة بكونه إحدى الأزهار العطرة التي تنمو على صخور كاروليا.

لقد كان يمشي دائماً حافي القدمين. في إحدى المرات، اراد شيخنا الأب يرونديوس أن يمتحن ما إذا كانت محبته وبساطته من الله أو من الأنانية. فناداه: “أيها الأب فيلاريت”

“بارك أيها الشيخ”

“أنت مخادع! أنت تتنقل حافياً بغنباز قديم، عارضاً تواضعك”.

أجاب الأب فيلاريت باتضاع مخفضاً نظره: “نعم، أنا مخادع! ماذا عليّ أن أفعل لأنقذ نفسي من هذه الوضاعة؟”

“من اليوم تتنقل لابساً حذاءً”

“حسناً أيها الشيخ. فليكن مباركاً”.

وبعد أن انحنى أمامه مضى. وجد زوجاً من الأحذية في أحد الأمكنة، وحملهما بين يديه وعاد إلى منسكه. لبسهما قبل أن يدخل. لقد كان الأمر مؤلماً جداً. من بعد سنوات طويلة من السير حافياً اعتادت قدماه الحرية وببساطة لم تحتملا الحصر في حذاء. لكن الطاعة والتواضع، كما تعلمون، تعملان المعجزات! حضور الفضيلة يثبت عندما يتحكّم فيكم أحد الإخوة، وأنتم تطيعون باتضاع. هذا التصرف هو بمثابة النار المحرقة للشيطان!

قال له الشيخ: “كل شيء حسن الآن! أنت راهب متواضع”

فأجاب الشيخ فيلاريت: “فيكن مباركاً ياروندا فليكن مباركاً”

وبعد أن عمل سجدة، مضى في طريقه، متعثراً في سيره الحذِر، كمثل طفل صغير… بالقرب من المنسك كان ينمو الكثير من الأعشاب البرية. كان الأب فيلاريت يقتلع ما يؤكل منها ويجلبه إلينا قائلاً: “كلوا ايها الآباء. هذا من الله. هذه الأعشاب يجب أن يأكلها الذين يعملون من أجل الله وليس تنبل (متكاسل) مثلي”.

لا أستطيع أن اُقسِم

جاءه مرة رجل يلبس جبة مسمياً نفسه شماساً. وإذ رأى كتب الشيخ وضع عينه عليها ثم أخذها بالسر وهو ماضٍ. لم يكن يعلم أن في دافني، نقطة الخروج من الجبل المقدس، هناك شرطة وتفتيش لكل ما هو محمول. هناك أُوقِف وسُئِل: “من أين لك هذه الكتب”. فكذب ليبرر نفسه قائلاً: “من الأب فيلاريت في كاروليا، لقد باعها لي” وأكمل افتراءه بقوله: “إنه يبيع الكتب بشكل غير قانوني”.

وصلت الشرطة إلى المنسك وابتدأ التحقيق. وإذ كانوا مصدقين الشماس الأثيم، سطّروا دعوى ضد الأب فيلاريت. وما لبث أن وصل الاستدعاء. معظم الآباء لا يعرفون ما هو هذا؛ فهذه الإجراءات الدنيوية غير معروفة لديهم. شرحنا له معنى ذلك فقال”ولكن كيف أصل إلى هناك؟ رجاءً خذوني”.

قمنا بكل ما هو ضروري. وجدنا بعض الثياب التي كانت أجدد من غيرها لأن غنبازه كان قديماً جداً ومهترئاً. أيضاً طلبنا من أحد معارفنا وهو محامٍ أن يرافق الأب فيلاريت إلى المحكمة وجمعنا بعض المال ليصل الأب إلى تسالونيكي ويُحاكَم، وهو برأينا المتواضع لن يدينه الرب “في ذلك اليوم” (متى 22:7). لقد كان رجلاً من السماء وزهرة عطِرة في الصحراء!

قال الأب فيلاريت: “سوف أطيع الدولة وأذهب ليحاكموني”. ومضى إلى تسالونيكي. لم يكن قد ترك الجبل المقدس منذ ثماني وخمسين سنة قضاها في كاروليا، مقتاتاً الأعشاب البرية والماء الممنوحَين من الله هناك. رجل مبارَك بلغ مرتبة عالية من الفضيلة كان في المحكمة كمتّهم. لا أعرف كيف تسير الأمور هناك ولم أطأ عتبة تلك المؤسسة. أذكر فقط الشيخ يقول لنا أن رئيس المحكمة سأله: “الراهب فيلاريت؟”

فأجاب الأب باتضاع ورأسه مطأطأ “نعم هو، غير المستحق”!

“لمَ بعتَ هذه الكتب؟”

“أنا لم أبِعْها! أتى أخ إلي وأخذها ليقرأها. على أن يعيدها لاحقاً. هذا ما ظننتُه…”

“أيها الأب، عليك أن تعطي شهادة بقسَم لكي نصدقك. هذا هو ترتيب إجراءات المحكمة”

“أنا لا أستطيع! يقول في الإنجيل: لا تحلف (متى 34:5).”

“لكن عليك أن تُقسِم أيها الأب”

“كيف يكون ذلك؟”

“عليك أن تضع يدك على الإنجيل.”

فإذ بالأب فيلاريت يقوم بثلاث مطانيات ويقبّل الإنجيل بورع… “أهذا يكفي؟”

“لا، أيها الأب. عليك أن تضع يدك على الإنجيل وتقول: ’أقسم…’”

“لا أستطيع أن أُقسِم”

“لكن إن لم تقسِم فسوف تذهب إلى السجن لتسعة أشهر”

“وألف مرة أقبل الذهاب إلى السجن! أنا أنتظر من الرب الحكم الأبدي على خطاياي! أأهتمُّ بتسعة أشهر في السجن؟”

كان الشماس الكاذب حاضراً في القاعة لابساً جبّة غالية، متصرفاً بزهو وغطرسة. محاميه أخبر مجموعة من الأَكَاذِيب، منها بشكل خاص: “أهو ممكن سيدي القاضي أن هذا الإكليريكي الباهر قد يسرق كتباً من صعلوك كهذا؟”

في النهاية ، القذف وإخفاء الحقيقة أمالا القاضي إلى جانب اللص الخدّاع، والراهب الناسك، الواقف أمامهم بقلنسوة قديمة، الذي لا يجيد فن الكذب والذي لم ينطق بأداء اليمين من قبل، فقد وُجد مذنباً. وصدر الحكم وأخذت الشرطة الأب فيلاريت إلى السجن.

لم يأبه القاضي بما سيحدث للراهب، لكن القوم العاديين لم يفعلوا ذلك. لقد جمعوا المبلغ اللازم من المال لدفع الكفالة وإطلاق سراح الشيخ من السجن. الأب فيلاريت ببساطته المعتادة، بعد أن شكر الجميع يمّم شطر كاروليا، مكان اعتزاله لسنوات عديدة. لقد شَكَرنا لأننا قدمنا له كل المساعدة التي يمكننا تقديمها أيضًا. “شكراً لكم أيها الآباء… صلوا لكي يخلصني الرب من السجن الأبدي!”

بالمناسبة، كان سعيدًا جدًا بمحامينا الذي دافع عنه في المحكمة. هذا الناسك القديس دائماً يفكّر بالجميع بلطف. فقد قال لنا بحماس: “إن روح الله يسكن في هذا المحامي! لقد وصف كل شيء بالطريقة التي حدث بها بالضبط!”

فقلت له: “ياروندا، ببساطة، هذا عمله”، فأصرّ الشيخ: “لا، إن فيه روح الله”.

سألته: “ياروندا، لقد عشتَ بعيداً عن العالم لثماني وخمسين سنة، كيف رأيت الوضع هناك؟” كما ذكرنا سابقاً، إنه شخص صالح لا يرى سوى الصلاح في كل شيء. أجابني: “ماذا استطيع أن أقول أيها الآباء؟ كل الناس هناك في العالم صالحون جداً. جميعهم يركضون هنا وهناك، إلى الأمام وإلى الوراء، من أجل خلاصهم. كلهم، ما عداي أنا الخاطئ الكسول المستلقي على هذه المنحدرات الصخرية ولا أقوم بأي عمل، ولا أتمم مشيئة الله!”

بعد هذا الكلام انسحب إلى قلايته، ممجداً الله الذي أرسل إليه هذه التجربة في آخر حياته من أجل خلاص نفسه.

الرقاد المبارَك

عندما تقدم في الشيخوخة، دعانا مرة، أنا والأب أكاكيوس إلى قلايته وقال لنا بفرح: ” لِتَبقوا بخير يا أبنائي. من الجيد أنكما أتيتما، لأنني لن أراكم مجددًا! سأغادر الليلة… لكن قبل أن يحدث ذلك، أود منكما أن تعزّياني”. سألناه: “كيف، ايها الشيخ؟”

“اقرءا لي المزامير، شيئاً يهدئ النفس”. قرأنا عدداً من المزامير المتنوعة، فيما كانت دموع الفرح تنهمر على خديه، وكان يرسم إشارة الصليب طوال الوقت. بعد أن توقفنا، قال: “أريد أن أطلب منكم شيئاً أخيراً: رتّلا لي ’بواجب الاستئهال’، لكن دعونا نقف، كما نفعل عند إنشادنا نشيد بلادنا الوطني”.

نهض بصعوبة إذ كان مرهقًا جدًا وقد صارت بشرته شبه شفافة في اللون. بعد أن انتهينا، قال الشيخ، وفي عينيه دموع الفرح، وهو يعانقنا ويقبلنا: “أبنائي، أراكم هنا للمرة الأخيرة! سامحوني ، سامحوني!”

الجميع بكى. كان الأب فيلاريت يهدئنا. تركناه متأثرين بعمق. في الصباح، علمنا أنه رقد! تماما كما تنبأ …

دفنّاه بين الصخور بطريقة لائقة وجديرة بالاحترام. سوف أقول التالي بكلمات مؤمن عادي: نجمٌ من النسك الرهباني خرج في سماء جبل آثوس، لكنه ترك وراءه درباً مشرقاً، يبيّن لنا كيفية الجهاد والبقاء ثابتين في النسك. ليكن ذكره مؤبداً! صلّي لي يا أبتي!.

غالبًا ما يحدث أن في نهاية حياتنا، يرسل لنا الرب القدوس نوعًا من التجارب التي تجعلنا أفضل، ويستفيد مَن حولنا أيضًا. هكذا ما جرى مع الاب فيلاريت الذي عمل بتواضع وكافأه الله. لقد سمعت (يا سيد ميلينوس: الرجل الذي يتوجّه إليه القديس دانيال في رسالته؛ المترجم) كيف حاول الشيطان أن يزعج رجلاً ذا فضيلة وجهاد نسكي؛ لكن الرب الإله قد حفظه بنعمته، ولم تتأثر روح النسك، بل تعززت في محبتها للرب. هذه المحبة ازدادت جيشاناً، ومع ارتفاع الغيرة مجّد الشيخ الله.