الشيخ ثيوفيل بادوي وبعض أقواله

الشيخ ثيوفيل بادوي وبعض أقواله

المتقدّم في الكهنة بيصاريون سوراسكو

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

في أيامنا هذه، إذ تدعونا ملذات العالم ومتاعبه إلى الابتعاد عن إيماننا وأخلاقنا الأرثوذكسية، من المفيد لنا أن نذكر الشهداء والمعترفين من أجل الإيمان. في الآونة الأخيرة، قبل أقل من 100 عام، كانوا على استعداد لقبول الموت بدلاً من اتخاذ مثل هذه الخطوة. أحد هؤلاء المعترفين بالمسيح كان الروماني الشيخ الأرشمندريت ثيوفيل بادوي الذي رقد في 17 تموز 2017. وُلد الأب تيوفيل (بادوي) في 11 أيلول 1925 ودخل الدير في 20 شباط 1944، وصار راهباً في 30 آذار 1947. رُسِم في 14 تموز من العام نفسه. في عام 1968، بعد أن عَبَر بالفعل بمدرسة المعاناة – سبع سنوات من المنفى من الدير بموجب مرسوم 1951 الشيطاني [1]، سيم كاهناً متبتلاً ـ

أنا في دير سامباتا دي سوس. وقد جئت لرؤية الاب ثيوفيل (برايان) الذي كان خارجاً قليلاً. فقررت أن أتجوّل حول البحيرة خلف الدير. رأيت مجموعةً من الرهبان يستريحون هناك. في وسطهم، كما لو كانوا يحرسونه، وقف راهب شيخ، قصير القامة ذو لحية رمادية رقيقة. وإذ كنتُ فضولياً بطبيعتي ومتشوّقاً إلى الكلام قصدتهم: “الله معكم! من أين أنتم أيها الآباء؟”ـ

أجاب أحد الشبان منهم: “ألله معك! نحن من دير سلانيك من أرجاس”ـ

فقلتُ لهم: “أعرف أحد الآباء هناك، الأب ثيوفيل بادوي”ـ

فجأة التفت إلي الشيخ وقال بكل جدية: “مَن؟! هذا اللص؟ هذا الوغد؟ لقد هرب من الدير. لم يعد معنا!”ـ

نظرت إليه بحَيرة وبعض الخوف. كيف يمكن أن يكون هذا الأب الذي سمعتُ عنه الكثير من الأشياء الجيدة سيءَ الصيت في سلانيك؟ كان الآخرون صامتين، يخفون ابتساماتهم في لحاهم. ثم رأى أحدهم أنني في حيرة شديدة، فجاء إلي وقال بسعادة: “هذا هو الأب ثيوفيل (بادوي)، رئيس دير سلانيك!”ـ

محادثة مع الشيخ ثيوفيل

– آه يا بني، الشباب يمضي في التجارب والشيخوخة في الأسقام. ضعف صوتي. كل شيء ضعيف. بقيت بعين واحدة وسن واحدة. ولكن ماذا يمكنك أن تفعل؟ علينا المضي قدماً. هذا ما اعتاد الشيخ فيتيميون قوله. حتى لو كنت خريج جميع مدارس هذا العالم، حتى أعلى المدارس، فلن تكون واحدة منها مفيدة لي مثل مدرسة المعاناة. طُردتُ من الدير في 15 كانون الثاني 1961. كنت في السادسة والثلاثين من عمري. مكثت في سلانيك مع الشيخ فيتيميون (كنا نناديه يوبانو) فيما الأب يوسف من قرية كوربي والأب نيقوديم والأب جبرائيل  كانوا في السجن. لقد نجوت من السجن بأعجوبة. حفظني الله، وإلا لما تمكنت من تحقيق ذلك. أنا ببساطة كنت لأموت. هذا ما كان الأمر عليه

كنت أعظ حينها في “جيش الرب”[2]. فعلتُ ذلك بمحبة عظيمة. كنت على استعداد لإحضار جميع الشباب إلى الدير. ثم في 14 تشرين الأول 1960، جاء إلى الإسقيط الرفيق بيربوليسكو، مفتش الشؤون الدينية في مقاطعة أرجيو، وهو أشرّ رجل رأيته في حياتي. قال لي: “أتيتُ لمقابلتِك، لأنك الراهب الوحيد الذي لا أعرفه في كل المقاطعة، لمقابلتك والطلب منك المغادرة.” – “أنا لن أذهب إلى أي مكان، أيها الرفيق. لن أغادر هنا حتى الربيع” – “سوف تغادر ، أعدُك.”ـ

تبيّن لاحقاً أنه على حق. ذات ليلة، اقتحم بيربوليسكو وثلاثة أو أربعة من العاملين الأمنيين[3]. كان الأب بوبوك مخبأ في إحدى الغرف عندي. كان الفقير مريضاً وكنت أعتني به. “أين بوبوك؟” سأل. “ما لك يا سيدي؟ اتركه. انه مريض.” وفجأة وجدوه، آه! ما سمعته أذني … أيّ قذارة ، وأي إساءات قُذفت عليه!ـ

“هل ضربوه؟” – “لا. لم يضربوه. احتجزوه وطردوني من الدير. سألني المحقق: “أين تمضي الآن” – “إلى كوربي” – “ولمَ ليس إلى فلاديستي؟”[4] لم أشأ أن أعود إلى قريتي، إذ كَراهبٍ لا أستطيع أن أعود إلى مسقط رأسي، هذا ما لم يفهموه. “ليس لي أحد أعود إليه في فلاديستي. أهلي توفوا”. فتركوني أمضي إلى كوربي. جعلوني أوقّع على تصريح أطلب فيه رميي بالرصاص إذا وجدوني في الإسقيط

“كم قضيتَ في الإقامة الجبرية في كوربي؟” – “خمس سنوات حتى تشرين الثاني 1966”. – “هل كنت هناك لوحدك؟” – “بالطبع لا! كانوا يدعونني بشكل ثابت إلى الشرطة. وعندما أعود من هناك بالكاد أستطيع الوقوف على رجليّ. كنت أترنح كالسكران. كانوا يعتبرونني قاطع طرق ويسألونني دوماً: “يا قاطع الطريق لماذا لستَ متزوجاً؟” – “اسمع أنت! مَن هم مثلك يتزوجون لكنهم يعيشون بعيداً عن زوجاتهم. ماذا تقول عن ذلك؟” – “أنا أقول أن على المتزوجين أن يحفظوا قوانين الزواج.” – “أعلم ذلك. ومَن ليس متزوجاً عليه احترام قوانين حياة العزوبية” ـ

في مرة أخرى، سألتُ المحقق: “أنت أيضا أقسمت اليمين في الجيش ، أليس كذلك؟” – “نعم فعلت.” – “هكذا إذاً، هل كسرته؟” – “لا أبداً!” – “وأنا قد اتخذتُ أيضًا نذوراً رهبانية. ولا يمكنني كسرها لأي شيء في العالم. هل تتوقع ماذا قال؟ من الأفضل ألا تكسرها. هل يمكنك أن تتخيل؟”ـ

“إذاً حفظتَ نذورك الرهبانية حتى في العالم كمواطن عادي؟”

“لقد أبقيتُها مقدِّسة بعون الله أيها الأب! تعرّضت لإغراءات من خدام الشيطان. كانوا يراقبونني، كل خطوة خطوتها وكل ما فعلته. وبسبب هذا التوتر، لم أستطع النوم طوال تلك السنوات الخمس التي كنت أعيش فيها في كوربي، إلا إذا بعد تناولي حبوبًا. لكن الشيطان قاتلني شخصيًا أيضًا. إذا كان بإمكانك أن تتخيل ما كنت أبدو عليه حينها، جِلداً وعظاماً. كنت لتذرف علي دموع الشفقة. وقد حمل شيطان الشهوة السلاح ضدي في هذه الحالة المؤسفة. صلّيتُ كثيرًا يا ابتي لكي ينقذني الله منها، حتى أن الدموع التي ذرفتها صارت بِركة على الأرض. سألتني الأخت فيتا لماذا أبكي، فقلت إنني أبكي من الشوق إلى الدير. لم أستطع أن أخبرها بالسبب

ثم رأيت أن الأمنيين أسوأ من الشياطين. يمكنك أن تصلي إلى الله وتتخلص من الشياطين، ولكن من الأمنيين… كنت أبكي حتى أفقد الوعي. قالت الأم غابرييلا في وقت لاحق: ’لو كنت تعرف كم مرة صفعت قدسِك!’ ’ماذا تعنين؟’ ’كانت هذه الطريقة الوحيدة لإحيائك.’”ـ

***

أخبر الشيخ ثوفيل: “عند سيامتي، صليتُ إلى الله: ’يا رب نجِّني من الحسد والجشع! هذه تفسد العلاقات الجيدة مع الناس. لم أدّخر أي نقود وكلّ ما قمتُ به فعلته من أجل الدير. اشتريت الكثير من الكتب. هذا هو الإرث الذي أتركه لجنودي. لدي أيضًا 700 شريط كاسيت مع عظات وموسيقى كنسية وتسجيلات لحظات مختلفة من حياتي… الكهنوت هو أرهب شيء على وجه الأرض. عندما يخدم الكاهن تكون الجنة عن اليمين والجحيم عن اليسار. سيعطي الكاهن إجابة عن كل نفس من رعيته، لئلا تهلك أي منها. الكهنوت ليس مهنة بل رسالة إلهية. تتألم روحي عندما أرى الشبّان، كهنة المستقبل، ذاهبين لدراسة اللاهوت دون التفكير في النير الذي يتسخّرون من أجله” ـ

***

ذهب الأب ثيوفيل مرةً بعد 1990 للتسوق في بيتساتي مع مسؤول الضيافة في الدير. أوقفه أحد الأشخاص معلناً بفخر: “أبي ، أنا إنجيلي.”. نظر إليه الشيخ بدهشة وأجاب: “أنا أعرف أربعة إنجيليين فقط. فمن أين أتيت أنت؟” أذهَلَ هذا الرد غير المتوقع “الإنجيلي” وفيما كان الأب مبتعدًا، كان “الإنجيلي” لا يزال واقفاً هناك، لا يتحرّك من مكانه كما لو كان مزروعاً في تلك البقعة متابعًا الشيخ بعينيه حتى اختفى وسط الحشد

***

كثيراً ما سمعته يقول: “المراقص، دور العبادة الدهرية، أسواق نهاية الأسبوع،  كلها أفواه الجحيم. من يشترِ ويبِع يوم الأحد بدلاً من الذهاب إلى القداس الإلهي لن يجني ربحًا – فقط الضرر! هذا ما يقوله الآباء القديسون، وأؤمن بأنه صحيح!”

***

من أقوال الاب ثيوفيل أيضًا: “كان لدي الكثير من الرغبات في الحياة التي صليت من أجلها إلى الله، لكي يحققها إذا كانت ترضيه. أردت حقًا بناء كنيسة، لأننا سنحتفل بها هناك في الحياة وبعد الموت، طالما أن الكنيسة موجودة. حيثما يُقام القداس الإلهي يوميًا، تفيض بركات كثيرة من الله. كما تعلم، يقول آباء الكنيسة أن أعظم عمل صالح يمكنك القيام به في يوم واحد هو الذهاب إلى القداس الإلهي. وأشعر بالفرح عندما أرى ثلاث كنائس أقيمت وأرى أن الدورة اليومية من الخدم الإلهية يُحتفَل بها هناك وفقًا للترتيب الرهباني، مع القداس الإلهي… عندما زرتُ الأرض المقدسة أول مرة، رأيتُ كم كانت الخدم الإلهية في الليل رائعة ومفعَمة بالسلام. يقول الآباء القديسون أن صلاة الليل من ذهب، لأن الذهن لا ينزعج من الأفكار كما في النهار… إن تشتت الذهن في الصلاة يؤدي إلى برودة النفس، فلا تنال الروح نفسَ القدر من المنفعة كما عندما يكون العقل مجمّعاً في الصلاة وذرف الدموع… بعد عودتي من القدس، جمعت “الجنود” للتشاور معهم حول كيفية القيام بالخِدَم الليلية. لذلك بدأنا نقيم صلاة نصف الليل والسحرية في منتصف الليل. منذ ذلك الحين رأيت نعمة الله، فالجماعة قد نمت عددًا، وأرجو أنها نمَت أيضًا روحياً وماديًا”ـ

[1] صدر في 1959 قانون في رومانيا قضى بأن يعود كل الرهبان الذين لم يبلغوا عمر التقاعد إلى العالم، فيما تمّ تجميع الشيوخ في عدد من الأديار التي تمّ تحويلها إلى دور عجزة

 [2] جيش الرب (Oastea Domnului) كان تياراً نصف رهباني للإحياء الروحي في الشعب. لعب دوراً مهماً في تثبيت الأرثوذكسية في رومانيا منذ إنشائه في 1923. تعرّض للاضطهاد على يد السلطات الملحِدة بين 1948 و 1991

[3] الأمنيون هم العاملون في جهاز أمن الدولة في رومانيا (Securitate) الذي كان متسلطاً بين 1948 و1991.

[4] كوربي هي القرية الأقرب إلى الدير وفلاديستي هي مسقط رأس الشيخ ثيوفيل

* Source: “The World of Monks” (Lumea Monahilor), vol. 1, no. 1, July 2007

الأب يوحنا رومانيدس

الأب يوحنا رومانيدس

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

درس الأب يوحنا رومانيدس في المدارس اللاهوتية الأميركية (الصليب المقدّس ويال وكولومبيا والقديس فلاديمير وهارفارد). كان تلميذًا مخلصًا للأب جورج فلوروفسكي، لكن مسارَ حياتهما كان مختلفًا. الأب جورج فلوروفسكي شقّ طريقه من الشرق الأرثوذكسي إلى الغرب، بينما الأب يوحنا رومانيدس بدأ من الغرب ووصل إلى الشرق الأرثوذكسي، حاملاً التعبير عن الروح الآبائية والكنسية والفيلوكالية الحقيقية التي كانت الردّ على السكولاستية والأخلاقية في الغرب. ومع ذلك، تشارك المعلمان بالاهتمامات وتقاسما التوجّه نفسه.. ـ

إنها لحقيقةٌ أن أي شخص يقرأ أو يسمع الأب يوحنا رومانيدس يدرك أنه عبّر عن لاهوت وحياة آباء القرن الرابع: آباء الكنيسة الكبادوكيين العظماء ونساك الصحراء، كما نرى هذا اللاهوت في كتاباتهم وفي أقوال الآباء وآباء الصحراء. عاش الأب يوحنا رومانيدس في القرن العشرين بمثابة “بقيّة” من القرن الرابع، أو  بعبارة أكثر ملاءمة، كان لاهوتيًا من القرن العشرين وأستاذًا في مدرسة لاهوتية، لكنه مشدود إلى “الروح” الذي عبر عنه قديسو القرن الرابع

بالطبع، لا يعبّر الأب يوحنا رومانيدس عن لاهوت خاص به بل عن لاهوت الكنيسة. إنه يعتمد على خبرة الأنبياء والرسل والآباء المُصاغَة بالتطهّر والاستنارة والتمجيد والتي تُختَبَر في صلاة القلب النوسيّة ومعاينة الله. لا يرتبط هذا اللاهوت بالمذهب السكولاستي أو الأخلاقي الذي نما في الغرب وانتقل إلى منطقتنا من العالم أيضًا، إما مباشرة من الغرب أو عن طريق اللاهوت الروسي الذي وقع تحت التأثير الغربي ولا سيما في زمن بطرس الأكبر

إن مفاتيح اللاهوت التجريبي هي تقدم الإنسان من صورة الله إلى شبهه، من حالة كونه خادمًا إلى عامل بأجر وابنٍ، ومن التطهّر إلى الاستنارة والتمجيد، ومن المحبة الأنانية إلى المحبة المتفانية. إنه لاهوت الوحي المرتبط بتمجيد الإنسان، وقد تمّت صياغته لاحقًا في العقائد والتعليم لعلاج أعضاء الكنيسة الآخرين وتوجيههم. أساس اللاهوت الأرثوذكسي هو على هذا القدر من البساطة

تكلّم الأب يوحنا كأستاذ للعقائد، ولكن أيضًا كناسك. عند قراءة كلماته، رأيت أنه يملك الخبرة في الأمور الروحية، لكنني لست في وضع يسمح لي بالبحث في مدى أو درجة خبرته. يعبّر تعليمه عن لاهوت الكنيسة وهو بسيط للغاية. إنه يشير إلى سقوط الإنسان وخلاصه، ورؤية النور غير المخلوق ، والتعبير عن هذه التجربة والطريقة التي يكتسب بها الشخص الخبرة الروحية. نرى لديه دائرة على غرار ما نجد في أعمال الآباء القديسين. قال الأب يوحنا نفسه: “اللاهوت الأرثوذكسي دائري الشكل. إنه مثل الدائرة. أينما تلمس الدائرة، تعرف الدائرة بأكملها، لأن الدائرة بأكملها هي نفسها. كل شيء يقود إلى العنصرة: أسرار الكنيسة كالكهنوت والزواج والمعمودية والاعتراف وما إلى ذلك، وقرارات المجامع وغيره. هذا هو مفتاح اللاهوت الأرثوذكسي: العنصرة. لذلك فإن أي شخص يصل إلى التمجيد بعد يوم الخمسين يُقاد إلى كل الحقيقة” ـ

هذا يذكرنا بالنص الرائع المحفوظ في “اللاهوت الصوفي” للقديس ديونيسيوس الأريوباغيتي. هناك “يُقتبس عن بارثولوميوس الإلهي قوله إن “اللاهوت واسع ومحدود، والإنجيل واسع النطاق وعظيم، ومع ذلك مبيّن بإيجاز.” يضيف القديس ديونيسيوس: “الأمر الصالح للجميع هو بليغ وقليل الكلام، في الواقع بلا كلمات. لا كلمة له ولا فهم، لأنه فوق كل هذه بطريقة تتخطّى الكينونة، ويظهر بوضوح وصدق فقط لأولئك الذين يتجاوزون كل ما هو دنِس ونقي…”ـ

كلمات الأب يوحنا رومانيدس توضح لنا بالفعل أن اللاهوت واسع ومحدود؛ وافر ومَسرُودٌ باختصار؛ فصيح، متحفظ في الكلام وصامت. وهكذا، عند تقديم الموضوعات اللاهوتية، غالبًا ما يحللها مطولًا، لكنه في أوقات أخرى يكون مقتضبًا ومختصرًا. بهذا المعنى، اللاهوت الأرثوذكسي الذي ليس كلمة عن الله والأشياء الإلهية وحسب، بل هو أيضًا خبرة الله والأشياء الإلهية، بسيط وعميق في نفس الوقت. إنه يكرر نفسه لكنه مفهوم ضمناً أيضًا. يمكن التعبير عنه بشكل إيجابي وسلبي. إنه اختبار والإشارة إلى المعاينة التي فوق البصر والسمع البشريين والتي تسمو على البصر والسمع

يمكن ملاحظة تكرارات مختلفة في تعليم الأب يوحنا. هذا أيضاً يمكن تفسيره بالطابع الدائري للاهوت الأرثوذكسي، كما ذكرنا سابقًا. لا أحد يستطيع أن يتحدث عن سقوط الإنسان دون الإشارة إلى ظلمة النوس وفقدان الشركة مع الله. لا يمكننا مناقشة استعادة الإنسان وتجاهل التعليم عن التطهّر والاستنارة والتمجيد. من المستحيل أن نغرق بالاهتمام بتمجيد البشر وأن لا نعرف شيئًا عن إعلان الكلمة غير المتجسد والمتجسد. من غير المقبول الحديث عن الكنيسة من دون معرفة أن الأسرار المقدسة مرتبطة بتطهّر القلب واستنارة الروح والتمجيد

*  Μητροπολίτης Ναυπάκτου Ιερόθεος Βλάχος. Εμπειρική Δογματική της Ορθοδόξου καθολικής εκκλησίας – τόμος Α΄.Ι. Μ. Γενεθλίου της Θεοτόκου (Πελαγίας). 2003

القديس الجديد كالينيكوس مطران إذيسا

القديس الجديد كالينيكوس مطران إذيسا

إعداد أسرة التراث الأرثوذكسي

في اجتماعه في 23 حزيران 2020، أضاف مجمع كنيسة القسطنطينية كالينيكوس أسقف إذيسا، بيللا وألموبيا في اليونان إلى سنكسار القديسين

وُلد القديس في 1919، سيم راهباً في 1957 ثم كاهناً في السنة نفسها، في 1967 سيم مطراناً، رقد في 8 آب 1984. في قرار إعلان قداسته تمّ تحديد عيده في الثامن من آب

بعض الكلمات عنه لإبنه الروحي الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس الذي عاش إلى جانبه خمس عشرة سنة، كان فيها واعظاً في الأبرشية

كان المتروبوليت كالينيكوس أسقفًا زاهدًا، وشخصية كنسية عظيمة، وقائدًا مباركًا وجذابًا، ورجلًا أمينًا شفافًا، عاش اللاهوت ممارسةً في حياته. كرئيس كهنة مصلوب ومُقام، تخلّى عن نفسه من أجل قطيعه وضحى بنفسه من أجل مجد الله. بحبه النبيل، أعطى يقين الحياة الحقيقية. وإذ تجلّى، انتصر على الموت وصار زينة لكنيسة المسيح

فكره الكنسي، روحه الزاهدة، حماسته التبشيرية، إخلاصه لله والكنيسة، كلامه المتجدد ووعظه، خدمته الرعائية بأكملها التي قضاها “بخوف ورعدة”، محبته لله وللآخرين، الطريقة التي واجه بها مرضه، وتسليمه الكامل لنفسه إلى العناية الإلهية، كل هذه أثارت إعجابنا. الكلمات التي قالها قبل وفاته بقليل، “أنا أسقف خاطئ ، لكني أحب الله والكنيسة” تظهر حالته الروحية

لقد كان أسقفًا قديسًا اقتنى كل معايير وشروط القداسة. يبقى موجوداً كما على قيد الحياة حتى بعد وفاته. يشهد العديد من الأساقفة والكهنة والعلمانيين على قداسته. المعجزات التي جرت بصلاته من إخراج شياطين وتدخلاته العجيبة في علاج المرضى توضح أن الله مجّده

كان المتروبوليت كالينيكوس مطران إديسا، بيلا وألموبيا شخصية مقدسة عاشت حياة قداسة وكان له نهاية مقدسة، نافس آباء الصحراء والنساك في نسكه وحبه لله. طوال حياته، حقق انتصارات عظيمة لمجد اسم الله وظهر، كما يعني اسمه، شهيداً منتصراً. شهادات كل الذين عرفوه تقول بأنه كان رئيس كهنة مبدعًا ينجز بهدوء أعمالًا رائعة ومهمة، ويبقيها مخفية كما يخفي نفسه

معجزة جديدة في تخطي العقم للقديس سابا الجديد

معجزة جديدة في تخطي العقم للقديس سابا الجديد

إعداد بول ملكي

روى نيكوس ممكاس قصة معجزة رائعة قام بها القديس سابا الجديد الذي في كاليمنوس. نيكوس هو منتج الراديو للإذاعة الكنسية “اليثيا ف.م. كاليمنوس”، وقد روى هذه القصة في برنامج على راديو كنيسة بيريه (بيراييكي إكليسيا) مع ليكورغس مركوديس صباح الأحد (أحد مريم المصرية) في عيد القديس سابا الجديد كاليمنوس.ـ

يعمل نيكوس في متجر الكتب الكنسية في كاليمنوس كل يوم جمعة. قبل ثلاث سنوات، دخل زوجان سائحان عجوزان المتجر وعند شرائهما لبعض الأشياء، اعطاهما أيقونة صغيرة للقديس سابا الجديد كَبَرَكة.ـ

فسألاه: “من هذا؟” أجاب: “هذا شفيع جزيرتنا، القديس سابا”، ثم سألاه: “لماذا هو قديس؟ ماذا فعل؟”، فأجابهما: “إنه قديس لأنه أحبّ الله كثيراً، وكان ناسكاً عَمِل ولا يزال يعمل المعجزات فيشفي من السرطان، ويساعد الأزواج الذين يعانون من العقم على الإنجاب.” عندما سمعا هذا، خرجا وطلبا من ابنتهما وزوجها اللذين كانا ينتظران في الخارج بأن يدخلا. ثم طلبا من السيد نيكوس بأن يكرر ما قاله قبلاً. فكرر: “القديس سابا يساعد الأزواج الذين يعانون من العقم على إنجاب الأولاد”. فطلبوا منه أن يأخذهم إلى دير القديس سابا، فقبل طبعاً وذهبوا معاً إلى الدير.ـ

المرأة، أي الابنة، لم تكُن أرثوذكسية لكنها كانت تملك الكثير من الاحترام والوقار، وسألت إن كان مسموحاً لها الدخول إلى الكنيسة مع كونها غير أرثوذكسية. فأجيبت بأنه يمكنها الدخول بالطبع. ثم سألت رئيسة الدير إن كان يمكنها أن تصلي أمام النعش الذي يُحفظ فيه جسد القديس سابا غير المنحل، فأجابتها رئيسة الدير بأنه طبعاً يمكنها ذلك.ـ

سجدت أمام القديس وصلَّت بدموع لحوالي عشر دقائق، قائلةً: “أيها القديس سابا، أنا لست أرثوذكسية، ولا أعلم الكثير عن يسوع المسيح، لكني أؤمن بالله، وأؤمن أنه بإمكانك مساعدتنا”. ثم وقفت وأعطتها رئيسة الدير زيتاً من قنديل القديس لترسم إشارة الصليب به على بطنها. وغادر السياح بعدما شكروا الجميع.ـ

بعد سنة، في يوم جمعة، دخل الزوجان العجوزان متجر الكتب فوجدوا السيد نيكوس وسلما عليه بحرارة وفرح، إلا أنه لم يتعرف اليهما مباشرةً بل بعدما ذكّراه بالقصة. طلبا منه أن ينتظر قليلاً وخرجا لنداء ابنتهما وزوجها، فدخلا يحملان طفلةً صغيرة. “هذه سابينا”، قالا.ـ

كانا يحملان طفلةً جميلة، وليس فقط هذا، بل وقد أصبحوا جميعاً أرثوذكسيين واعتمدوا – أهلاً وأولاداً – بمساعدة المتروبوليت المعروف كاليستوس وير في انكلترا. طلبوا من السيد نيكوس أن يأخذهم إلى دير القديس سابا لكي يشكروه. عند وصولهم، تقدمت أم الطفلة بعاطفة جياشة ووضعت ابنتها على نعش القديس سابا مخاطبةً إياه وقائلة: “خذها، فهي لك وليست لي!” وقد احضرت هذه المرأة معها من انكلترا حقيبة ملأى بالفحوصات والإستشارات الطبية من أفضل المستشفيات تفيد بعدم قدرتها على الحبل إذ كانت تعاني من مشاكل في أنابيب الرحم. وقد شددت على السيد نيكوس أن يقرأها ويدرك حجم المعجزة. لقد جربوا العديد من الطرق العلمية وأنفقوا المال الكثير، حتى أنهم أُجبروا أن يبيعوا قطعة أرض… الله حي!ـ

القديس سابا الجديد الذي في كاليمنوس هو من القديسين الجدد في الكنيسة الأرثوذكسية. وُلِد عام 1862 لأبوين تقيين. في عمر الثانية عشرة انضمّ إلى رهبان إسقيط القديسة حنة في جبل أثوس. من ثمّ تنقّل في عدة أماكن، إلى أن انتهى به المطاف صديقاً للقديس نكتاريوس وخادماً معه لدير الثالوث في آيينا. بعد رقاد القديس نكتاريوس هرب من كثرة الزوار في الدير ومضى إلى كاليمنوس بدعوة من أحد أبنائها حيث قضى ما تبقى من عمره أباً روحياً لراهبات دير جميع القديسين وكاهناً للدير. رقد في السابع من نيسان 1947، وقد أُخرِجَت رفاته بعد عشر سنوات في 1957 ووُجِدَت غير منحلة وهي محفوظة في دير جميع القديسين إلى اليوم.ـ

هو ناسك كبير ومعترف وكاتب أيقونات وصانع عجائب. هو الكاهن الذي قام بتجنيز القديس نكتاريوس وأول مَن رسم أيقونة له. يعيّد له عيدان في السابع من نيسان وفي الأحد الخامس من الصوم مع أمنا البارة مريم المصرية.ـ

في عيده، أردنا التعريف عن هذه المعجزة الجديدة للقديس سابا الجديد في هذا الزمن الذي نحتاج فيه لشفاعته أكثر من أي وقت آخر. لتكُن صلواته وشفاعته مع العالم كله.ـ

***

شهداء سبسطية الأربعون

الأب لاورنس فارلي

نقلها إلى العربية بول ملكي

لو كان أي منا يتمشى على ضفاف بركة ماء باردة في إحدى ليالي العام ٣٢٠ قرب مدينة سبسطية، لرأى مشهداً مذهلاً: أربعين جندياً رومانياً، من الفيلق المعروف بـ”الفيلق الصاعق”، يقفون عراةً في المياه المثلجة طوال الليل، يتجمدون ببطء. بالقرب، جنود رومان آخرون يقفون على الضفة يحرسونهم ويتأكدون من بقاء الرجال المحكومين في المياه المثلجة، ويجهزون حمام ماء ساخن لكل من يقرر الخروج من مياه الموت ليستدفئ ويعيش. كل ما كان على الرجال المحكومين أن يفعلوا هو أن ينكروا المسيح ويتخلوا عن ايمانهم المسيحي. الأربعون كانوا كلهم مسيحيين مؤمنين، واختاروا الموت على إنكار الرب.ـ

إلا أن واحداً وحيداً منهم خسر شجاعته في اللحظة الأخيرة. فأنكر المسيح، وترك رفقاءه من أجل دفء الحمام الساخن. واحد من الحرس، متأثراً بثبات الذين بقوا في البركة، إعترف بأنه مسيحي وتعرّى من ثيابه وإنضم إلى الرجال في المياه، فبقي العدد كاملاً: أربعون شهيداً. عند الفجر، معظمهم كان قد تجمد ورقد. أما أولئك الذين لم يموتوا بعد فقتلوا وأحرقوا ورُمي رماد جثثهم في النهر.ـ

قد نسأل: ما الذي منح الرجال القوة ليبقوا في مياه الموت فيما الحياة تنزف ببطء من أجسادهم؟ أمران: الأول أنهم كانوا يتطلعون إلى ما بعد عذاب تلك الليلة، إلى الملكوت المنير وأكاليل الظفر التي تنتظرهم، والثاني أنهم كانوا يتضامنون ويدعمون ويشجعون بعضهم البعض. كجنود، كانوا يدركون أهمية الوفاء للفيلق، وكإخوة، أن يصمد كل واحدٍ منهم من أجل الآخرين. إن هذه الوحدة العسكرية حفظتهم إذ كانت مسألة شرف أن لا يكسر أحد منهم الرتبة ويخون الآخرين.ـ

نحن أيضاً نعيش في فترة شتاء مميت، حيث “لكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين” (متى ٢٤:١٢). حكام هذا الزمن يعدون بجوائز أرضية لمن يترك الحقيقة، وحمام دافئ ينتظر الكفار/المرتدين. شهداء سبسطية يشجعوننا على أن نبقى ثابتين في الإيمان، على الرغم من برودة هذا الزمن والإضطهاد الذي نقع فيه، إذ انهم بعد ساعات قليلة فقط استُقبلوا بفرح الانتصار في ربوع السموات، ولم يكونوا بحاجةٍ لأي حمام روماني دافئ. الأمر ذاته سيحصل معنا: قريباً يمر هذا الزمن البارد، ونقف أمام ملكنا. إلى حين ذلك، فلنتشجع نحن أيضاً كوننا لسنا المجاهدين الوحيدين في سبيل الحقيقة. فلنقاوم التنازلات المقترحة من الشيطان، ونبقى “راسخين في الإيمان عالمين أن نفس هذه الآلام تجرى على اخوتكم الذين في العالم” (1 بطرس ٥:٩).ـ

أمر أخير: الجندي الذي فقد عزمه وكفر بالله وركض إلى الحمام الدافئ لم ينجُ تلك الليلة. من المؤكد أن حرارة جسمه قد هبطت كثيراً، وحتى دفء الحمام لم ينقذه. لقد مات بكل الأحوال، مع باقي “الفيلق الصاعق”. بكفره لم ينقذ حياته الأرضية بل خسر الحياة الأبدية وإكليل الظفر الذي كان بمتناول يديه. جوائز الكفر لا تبقى. بل تنتهي مع مجيء اليوم الأبدي. جائزة الثبات تبقى إلى الأبد.ـ

القديس ديونيسيوس ووباء الاسكندرية

عن رسالة لإفسابيوس القيصري

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

كان القديس ديونيسيوس الكبير بابا الإسكندرية ما بين عامي 248 و264. في تلك الفترة عانت كنيسة الإسكندرية من اضطهاد مريع. وما أن انتهى الاضطهاد حتى ضرب المدينة وباء مع اقتراب عيد القيامة. وصف القديس ديونيسيوس هذا الوباء وردة فعل الكنيسة في رسالة إلى بعض أبنائه خارج الاسكندرية. إنها رسالة مناسبة في هذه الأيام فيما الكنيسة تحاول التعاطي مع جرثومة الكورونا، وذلك فيما نحن نستعد للقيامة. أورد هذه الرسالة إفسابيوس في تاريخ الكنيسة، الفصل السابع:ـ
“لاحقاً عندما تبع الحربَ الوباء القاسي فيما كان الاحتفال (القيامة) يقترب، تواصل ديونيسيوس كتابةً مع الجماعة المسيحية كاشفاً أهوال الكارثة:ـ
لا يعتقد الآخرون أن هذا وقت للاحتفال… الآن، للأسف! كل شيء هو رثاء، الجميع في حداد، والمدينة صاخبة بالنوح بسبب أعداد الذين ماتوا ويموتون كل يوم. الوضع يشبه ما يخبره الكتاب المقدس عن أبكار المصريين، لذلك هناك صرخة عظيمة الآن: لا يوجد منزل ليس فيه ميت واحد – وكم كنت أتمنّى لو كان واحدًا فقط!ـ
لقد حدثت لنا العديد من الأشياء الفظيعة حتى قبل ذلك. في البداية كنا مُداسين يحاصرنا المضطهدون والقتلة، ومع هذا كنا الوحيدين الذين حافظوا على الاحتفال في ذلك الحين. كل مكان تعرضنا فيه لهجوم أصبح لنا مكانًا للاحتفال، سواء أكان ميداناً أو صحراء أو سفينة أو نزلاً أو سجناً. أبهرُ المواسم على الإطلاق كان احتفال الشهداء الذين عيّدوا. من ثمّ جاءت الحرب والمجاعة التي ضربت المسيحيين والوثنيين على حد سواء. كان علينا وحدنا أن نتحمل الإصابات التي تسببوا بها لنا، لكننا استفدنا مما فعلوه لبعضهم البعض وما عانوه على أيدي بعضهم البعض؛ ولذلك ومن جديد وجدنا الفرح في السلام الذي أعطاه المسيح لنا وحدنا. ولكن عندما سمح لنا ولهم بحيّز صغير للتنفس، جاء هذا المرض من العدم، وهو أمر أكثر رعبًا لهم من أي إرهاب، ومخيف أكثر من أي كارثة مهما كانت، وكما كتب أحد مؤرخيهم (ثوسيديديس) ذات مرة: “الشيء الوحيد الذي تجاوز كل التوقعات”. لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لنا، بل كان تعليمًا واختبارًا قيمًا كمثل جميع تجاربنا السابقة؛ لأنه لم يغلبنا رغم أن تأثيره الكامل سقط على الوثنيين …ـ
غالبية الإخوة المسيحيين أظهروا محبة لا حدود لها والتزاماً، غير موفّرين ذواتهم ومفكّرين فقط ببعضهم البعض. من دون خوف من الخطر، اخذوا المرضى على عاتقهم مهتمّين بكل حاجاتهم وخادمين لهم في المسيح، ومعهم تركوا هذه الحياة فرحين بصفاء؛ لأنهم أصيبوا كالآخرين بالمرض آخذين على أنفسهم مرض إخوتهم مقتبلين آلامهم بسعادة. كثيرون، في تطبيبهم وشفائهم للآخرين، نقلوا موت الآخرين إلى أنفسهم وماتوا في أماكنهم، عاكسين الصيغة المشتركة التي هي بالعادة مجاملة فارغة في الحقيقة: إن عبدك المتواضع يقول لك وداعاً. أفضل إخوتنا خسروا حياتهم بهذه الطريقة، عدد من الكهنة، الشمامسة، والعلمانيين الذين كسبوا ثناءً، حتى أن الموت بهذا الشكل، نتيجة لتقوى عظيمة وإيمان قوي، يظهر بشتّى الطرق مساوياً للشهادة. بأيدي مريدة رفعوا أجساد القديسين إلى أحضانهم؛ أغلقوا أعينهم وأفواههم، حملوهم على أكتافهم وأضجعوهم؛ تعلّقوا بهم، عانقوهم، غسلوهم، ولفّوهم بأكفانهم. وسريعاً بعد ذلك أقيمت لهم الخدمة نفسها لأن الباقين يتبعون السابقين.ـ
الوثنيون تصرفوا بصورة معاكسة تماماً. عند أول ظهور للمرض، أبعدوا الذين يعانون وابتعدوا عن أحبائهم، رموهم في الطرق قبل أن يموتوا وعاملوا الجثث غير المدفونة كالقذارة، معتقدين أنهم يوقفون انتشار المرض القاتل وعدواه؛ ولكن مع كل ما عملوه، وجدوا النجاة عسيرة.”ـ

قديسون معاصرون

الشيخ موسى الأثوسي

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

عن حق أو لا، فالأزمنة التي نعيش فيها عرضة للانتقاد لأسباب عديدة. ومع ذلك، على الرغم من صعوبتها بالتأكيد، ففيها كنوز مخفية، وقد أنتجت قديسين منهم صغارًا ومنهم عظماء. بصرف النظر عن القديسين المعترَف بهم رسمياً، فقد كان هناك أيضا قديسين مخفيين طوال القرن العشرين.

البارة ميثوذيا من كيمولوس (+1908)، القديس يوحنا كرونشتادت (+1908)، آفثيميوس أسقف زيلا (+1921)، بروكوبيوس أسقف أيكونيوم (+1922)، غريغوريوس اسقف سيدونية (+1922)، أمبروسيوس أسقف موسخونيسيا (+1922)، خريسوستوموس اسقف إزمير (+1922)، البار أناتولي الشاب، شيخ دير أوبتينا الرائع (+1922)، وسحابة من الأبرار والشهداء الجدد في روسيا وجورجيا وآستونيا وبولندا وأجزاء أخرى من أوروبا وآسيا وأميركا.

أيضاً في القرن العشرين عندنا القديسون: أرسانيوس الكبادوكي (+1924)، نيكولاوس بلاناس من أثينا (+1932)، سلوان الأثوسي (+1938)، البار سابا في كاليمنوس (+1948)، البار جاورجيوس كارسليذس من ذراما (+1959)، الأرشمندريت أنثيموس فايانوس من خيوس (+1960)، يوحنا ماكسيموفيتش العجائبي رئيس أساقفة شانغهاي وسان فرانسيسكو (+1966)، الأرشمندريت الصربي يوستينوس بوبوفيتش (+1979)، والشهيد فيلومانوس الأورشليمي (+1979).

بعض الشيوخ أيضاً ذاع صيت قداستهم وحياتهم الفائقة الفضيلة: الأرشمندريت ييرونيموس السيمونوبتريتي (+1957)، يوسف الهدوئي قاطن الكهف (+1959)، أمفيلوخيوس ماكريس الرئيس السابق لدير باتموس، فيلوثايوس زرفاكوس رئيس دير لونغوفاردا في باروس (+1980)، يعقوب تساليكيس رئيس دير البار داود في آفيا (+1991)، الشيخ بورفيريوس الكافسوكاليفي الرائي (+1995)، الشيخ الحكيم صوفروني سخاروف (+1993)، الراهب المعروف باييسيوس الأثوسي الذي كان ممتلئاً من النعمة (+1994)، أفرام الكاتوناكي المكرّس بالكلية للطاعة والصلاة (+1998) وغيرهم.

حياة الرهبنة المقدسة تتحدانا وتدعونا إلى موقف بطولي ومزيد من التقشف والبساطة والعفّة والتواضع. نحن ملزَمون بالحفاظ على روح الرهبنة الأرثوذكسية دون مغالطة، نابضةً بالحياة ونقية مهما كان الثمن علينا. نحن مدعوون إلى التدرّب على صبر الأجيال السابقة من الشيوخ.

إن روعة كنيستنا هي في أنها تواصِل إنتاج القديسين حتى يومنا هذا. سيحتاج العالم إلى قداسة أكبر بكثير في القرن الحادي والعشرين. اعتاد الشيخ بايسيوس الأثوسي أن يقول إنه ببساطة لم يكن مسموحًا لنا بالفشل في الحفاظ على الرهبنة كما هي. القداسة ليست حلماً منسياً ولا أملاً باطلاً. إن “الحياة الصالحة”، والدهرية، والتراخي تعيق نمو شجرة القداسة. روح التمتع السائدة اليوم، التسرّع، العمل بلا جهد ولا كدح، والاستهتار تحرم القداسة.

القداسة هي غرض الحياة. القداسة هي الأمنية الرئيسية. إن التقرّب من القداسة يجلب السلام والفرح والرصانة والصبر وضبط النفس وهبة النعمة. إن قائمة القديسين الجدد تنمو في القرن الحادي والعشرين. أحيانًا تكون القداسة مخفية حيث لا تتوقعها، في المدن والقرى، وليس فقط في الجبل المقدس. الرهبنة تزدهر اليوم. يحدونا الأمل في أن تستمر في إنتاج القديسين سالكة طريق التقليد. اعتاد القديس ستيليانوس الأثوسي أن يقول مستنداً على تجربته الخاصة: “الرب يحبنا حتى التخمة، وبالصلاة يجعلنا مستحقين للتحدث معه والتوبة وتمجيده. لا أستطيع أن أصف كم يحبنا الرب. بالروح القدس يتمّ التعرف على هذه المحبة وروح الشخص المصلّي تتعرّف على الروح القدس …

من رسالة إلى نقولا رانغوس (حول الوضع الكنسي)

القديس (الجديد*) دانيال الكاتوناكي

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

الثالث من تشرين الثاني، 1926

أحزن كثيرا إذ أتذكر جيل اليوم، كيف بسبب خطايانا سمح الله للشيطان الماكر أن يجد قبضة على جانبين.

من جهة، الرؤساء الذن يقودون كنيستنا، بدلاً من الدفاع عن التقاليد الورعة، يدخِلون ابتكارات وابتداعات؛ بينما من الجهة الأخرى، فإن الأتقياء والمؤمنين، بدلاً من الكتابة بتمييز كبير وبروح من السلام في التعبير عن آرائهم، يحقّرون الرئاسات ويستجمعون كل ما حرّمه الآباء القديسون، لكيما قدر الإمكان يحطون من قدر الرؤساء الآثمين؛ وفي هذا هم يسترضون الناس، وبدلاً من الإفادة يتضرر الجانبان.

لا أشك في أن دراسة أ.ف. قد وصلتكم، وفيها يدحض المجلس الجديد، لكن بلغة مسيئة، لم يستعمل مثلها أي من الآباء القديسين حتى ضد أعظم الهراطقة.

ستشكل دراستي المتواضعة أكبر ضربة بشكل جوهري، موجهة لهؤلاء المبتكرين ابتداءً من ف. ، لأنه سيُعزى إليه الهيجان والعاطفة، ناهيك عن الأنانية، ولكن سوف يكون ثابتاً أن الكنيسة نفسها تتحدث، قالبةً المراجعات التي يعتزم أولئك الراغبون بالمجلس الجديد القيام بها.

* تمّ وصف القديس بالجديد لأن قداسته قد أعلنها البطريرك المسكوني في العشرين من تشرين الأول 2019، أثناء زيارته للجبل المقدس.

مَن هو القديس الجديد دانيال الكاتوناكي؟

هو ديمتريوس المولود في إزمير سنة 1846. منذ صباه كان متميزاً وقد حفظ الفيلوكاليا عن ظهر قلب في مراهقته. التقى القديس أرسانيوس باروس في جزيرته وباركه وأرسله إلى دير القديس بندلايمون في أثوس. هناك صار راهباً باسم دانيال. لاحقاً انتقل إلى دير الفاتوبيذي وبقي لعشر سنوات يعاني من إلتهاب الكلىى إلى أن شُفي عجائبياً في 31 آب أثناء احتفال الدير بعيد وضع زنار والدة الإله. من ثم انتقل إلى كاتوناكيا حيث قضى تقريباً ثلاث سنوات لوحده ومن ثم جاءه طلاب، من سنة 1883، حتى تكونت أخويته. طُلب منه التسقف لكنه رفض مصراً على عدم أهليته.

تمتع الشيخ دانيال بموهبة المشورة الروحية والتعزية في الأحزان. لقد حمى أو شفى من العديد من الرهبان والعلمانيين من الخطأ. ربطته بالقديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس صداقة قوية، كما تبادل الكثير من الرسائل مع القديس فيلوثايوس زرفاكوس وغيره من رهبان دير لونغوفاردا في جزيرة باروس. ساهمت هذه الرسائل في حماية الرهبان من الوقوع في هرطقات اللاهوتي ماكراكيس. كتب حوالي المئتي رسالة إلى الأم ثيوذوسيا في جزيرة تينوس.

في أيلول 1929 أصيب الشيخ بالرشح. عرف مسبقاً موعد رقاده فطلب المناولة المقدسة. في الثامن من أيلول (21 بحسب التقويم المتّبع)، أي في عيد ميلاد السيدة العذراء. بعد القداس الإلهي والمناولة أقيمت له صلاة مسحة الزيت للمدنَف ومن ثم أسلم الروح.

From Contemporary Ascetics of the Holy Mountain vol 1

الشيخ دانيال الكاتوناكي (1846-1929)

الشيخ موسى الأثوسي

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

كان الشيخ دانيال من سميرنا زهرة مقدسة عطرة من إيونيا أرض الشهداء. جلب عطره الفرح للكثيرين، عندما زُرع في حديقة السيدة، إلى جانب ثمار فضائله. هو نجل أبوين شديدي الإخلاص، درس الكتاب المقدس والفيلوكاليا، وتخرج بامتياز من مدرسة سميرنا الإنجيلية. بعد سجوده في الأديرة والكنائس في البيلوبونيز وجزر بحر إيجة، وبناءً على طلب البارّ أرسانيوس (1800-1877) في باروس ، دخل دير القديس بندلايمون في جبل أثوس.

تميزت فترة اختباره بطاعته الثابتة والطوعية. عند سيامته سُمّي دانيال بدلاً من ديميتريوس. سرعان ما عُرِف لمهاراته وأصبح أمينًا للدير الذي كان يضم 250 راهبًا. بسبب الاختلافات بين اليونان والروس، قَبِل النفي الذي أحزنه وأغمّه. استضافه دير القديسة أناستاسيا في فاسيليكا في خالكيديكي لمدة ستة أشهر، وهناك كان مصدر فائدة للآباء. ثم عاش في دير فاتوبيذي خمس سنوات، حيث شفي من مرض إلتهاب الكلىى الشديد. لقد أحب والدة الإله كثيراً طوال حياته. أخيرًا ، ذهب إلى كاتوناكيا الرائعة. هناك أسس منسكاً للآباء الأثينيين الموقرين. بعد سنوات قليلة، جمع أخوية صغيرة. لقد أرشدهم بالفيلوكاليا التي درسها وحفظها بثبات.

ساعدته فضيلته وحكمته وصلواته وتواضعه ودراسته وتجربته في تحديد المغالطات وتصحيح أولئك الواقعين في الضلالة وعلاج الذين يضربهم الشيطان وإعادة مؤيدي ماكراكيس إلى طريق الآباء القديسين. أتباع ماكراكيس آمنوا بالتركيب الثلاثي للإنسان.

لقد ساعد الرهبان الواقعين في تجارب شديدة وكانوا ممتنين له. المرضى والمكتئبون والحزانى والمحبَطون والمضطربون وجدوا العزاء والأمل في كلماته ورسائله. حتّى أنه هو نفسه ترك منسكه من أجل المصالحة بين الإخوة.

رسائله غنية إلى الرهبان والراهبات والإكليروس من كل الدرجات والمعلمين والأشخاص الذين يعانون من صعوبات مختلفة. كان على علاقة روحية بالمؤلف ألكساندروس مورايتيدس، المعروف لاحقًا باسم الراهب أندرونيكوس، الذي وصفه بأنه “ليس جباراً متعدد الأغراض ومتعدد الألوان، بل راهب كثير التعب”، يقدّم كحلوى “كلمات تقطّر الحلاوة السماوية”. وقال أيضًا: “عندما جئت إلى الجبل المقدس، ظننت أنني لمست الله، لكن عندما قابلت الشيخ دانيال، أدركت كم هو بعيد عني”.

نشأت بين الشيخ دانيال القديس نكتاريوس (1846-1920) معرفة هامة وصداقة ومراسلات. كتب القديس له بكل تواضع عن راهباته: “هذه الرسالة، التي يمليها التطبيق العملي والنظري(theoria)، هي بالنسبة لهن، كونهن محرومات من هذا التعليم الحي، فرحة روحية ودعم روحي حقيقي”.

بالإضافة إلى رسائله الكثيرة، فإن ثمار حكمته هي ما يقرب من سبعين عملاً حول المسائل الروحية الخطيرة، وخاصةً الروحية ذات التركيبة المعادية للهراطقة. على مدار خمسين عامًا في كاتوناكيا مع كلماته وكتاباته وشروحاته، اشاد بيتًا نبيهاً (famous) للفضيلة ورسم الأيقونات والكتابة والموسيقى والضيافة. كان بابه مفتوحًا دائمًا للجميع كي يجدوا الراحة. لقد صار طبيباً ومرشدًا ومحررًا للأشخاص المتألمين أو الواقعين في الخطأ أو المضطربين أو الواقعين في الضيق. تعب للحفاظ على يقظته طوال الليل لكتابة الرسائل والدراسة لدعم إخوته وتنويرهم.

كانت أعظم سعادة في حياته عندما غادر الأرض في يوم عيد ميلاد والدة الإله المحبوبة. بعد القداس الإلهي والمسحة بالزيت المقدس، ارتسم الفرح بوضوح على وجهه. ختم حياته بمحبته الحارة لوالدة الإله، والتي هي سمة من سمات جميع الأثوسيين الأبرار. ما لا شك فيه أن الشيخ دانيال كان دليلاً مستنيراً وصاحب تمييز بكلماته وأعماله، “ممتلئاً من الروح القدس”. فلتكن صلواته معنا.

إن جمجمته محفوظة بتوقير في علبة خشبية وقد اكتسب لوناً أصفراً بنياً. لقد تبركنا به في الذكرى الثمانين لرقاده المبارك (2009).

القديس صوفروني آسكس

نقلتها إلى العربية بتصرف أسرة التراث الأرثوذكسي

سيرة مختصرة للقديس

وُلد القديس صوفروني ساخاروف سنة 1896 في موسكو. درس الفنون الجميلة وتفرّغ للرسم. من ثمّ درس في معهد القديس سرجيوس اللاهوتي في باريس إلى 1925 حين ترك إلى الجبل المقدس أثوس، حيث ثبت في دير القديس بندلايمون وهناك التقى القديس سلوان الأثوسي وارتبط به. هذه العلاقة كانت أساسية لحياته الروحية وبقي مع القديس حتى رقاده ومن ثم ببركة الدير انتقل إلى صحراء الجبل. هناك خدم كأب روحي لأديار القديس بولس وغريغوريو وسيمونوبترا وكسنوفوندوس كما للكثير من القلالي والأساقيط. في 1948، نشر في فرنسا ما تركه له القديس سلوان من الأعمال ومعها تحليلاً مطولاً لتعليم القديس وبعض السيرة (موجود بالعربية، ترجمة الأم مريم زكا). منذ 1959 سكن في دير السابق البطريركي في آسكس بريطانيا الذي أسسه. رقد بالرب في 11 تموز 1993. كتاباته بالأصل بالروسية لكن تُرجمَت إلى الإنكليزية والعربية والفرنسية والألمانية والإيطالية والصربية والسويدية والفلمنكية (من اشتقاقات الألمانية وتُستعمل في بعض مناطق بلجيكا وألمانيا) والإسبانية، ومقتطفات منثورة في عدة لغات.

الأرشمندريت زخريا زخاريو عن الأيام الأخيرة للقديس صوفروني

قبل أربعة أيام من رقاده، أغمض عينيه ولم يعد يتحدث إلينا من بعد. كان وجهه مضيئًا وغير حزين لكنه مليء بالتوتر؛ كان ذاك نفس التعبير الذي كان يبدو عليه عند إقامته القداس. لم نكن كلنا نمضي لرؤيته، فقط الأب كيريل وأنا والأب نيكولاس والأب سيرافيم. قبل أسبوعين أو ثلاثة من وفاته، دعا جميع الإخوة، واحدًا تلو الآخر، للذهاب والجلوس معه لمدة ساعة تقريبًا في مطبخه، لإجراء آخر محادثة معه. لكننا الأربعة كنا نملك مفتاح بابه ونذهب لرؤيته كل بضع ساعات. كنا ندخل ونقول “بارك يا أب”. لم يكن يفتح عينيه أو ينطق بكلمة، لكنه يرفع يده ويباركنا. باركنا دون كلام ففهمت أنه ماضٍ. أنا شخصياً لم أرغب في احتجازه. سابقاً كنتُ أصلي أن يمدّ الله سنيه، كما نقول في قداس القديس باسيليوس الكبير: “شدّد الشيوخ ( το γήρας περικράτησον)”. لكن في تلك الأيام رأيت أنه ذاهب ولذا بدأت أقول: “يا رب، امنح عبدك بِسِعَةٍ دُخُولاً إِلَى مَلَكُوتِك”. صليتُ مستعملاً كلمات الرسول بطرس كما نقرؤها في رسالته الثانية. لذا، كنتُ أردد: “يا رب امنح عبدك بِسِعَةٍ دُخُول مَلَكُوتِك واجعل نفسَه مع آبائه”، وكنتُ أسمّي كل النساك الذين أعرف أنه رافقهم في الجبل المقدس بدءً من القديس سلوان ومن ثم الآخرين.

في اليوم الأخير، ذهبت لرؤيته عند الساعة السادسة صباحًا. كان يوم أحد، وكان دوري في إقامة القداس باكراً، بينما كان الأب كيريل مع الكهنة الآخرين سقيمون القداس الثاني. (لأغراض عملية، في أيام الأحد نقيم قداسين في ديرنا). أدركت أنه سوف يتركنا في ذلك اليوم. ذهبت وبدأت بصلاة نصف الليل، وبدأت الساعات عند السابعة، ومن ثم القداس الإلهي. في القداس قلت صلوات التقدمة (الأنافورا) فقط، إذ أن العادة عندنا أن نقرأها بصوت مسموع. أما ما تبقى فكانت صلاتي بشكل مستمر: “يا رب امنح عبدك بِسِعَةٍ دُخُول مَلَكُوتِك”. لقد كان ذلك القداس مختلفاً فعلاً عن غيره. لحظة أعلنتُ “القدسات للقديسين” دخل الأب كيريل الهيكل. نظرنا أحدنا إلى الآخر، وراح ينشج ففهمت أن الأب صوفروني قد انتقل. سألت في أي وقت مضى، وعلمتُ أنه أثناء قراءتي الإنجيل. ذهبتُ جانباً لأن الأب كيريل أراد أن يكلّمني فقال لي: “تناول وناول المؤمنين، من ثم أعلن خبر رقاد إلأب صوفروني واعمل تريصاجيون، وسوف أعمل الأمر نفسه في القداس الثاني”. فقطّعتُ الحَمَل، تناولتُ، ناولتُ المؤمنين، ختمتُ القداس، ولا أعرف كيف أتممت كل هذا. من ثم توجهتُ إلى الشعب قائلاً: “أيها الأخوة المحبوبين، الرب يسوع المسيح إلهنا هو علامة الله لكل الأجيال في هذا الزمان، إذ إننا في كلمته نجد الخلاص والحلول لكل مشاكل البشرية. لكن قديسي الله هم ايضاً علامات لزمانهم، ومنهم الأب الذي منحنا إياه الله بشخص الأب صوفروني. بكلمته نجد الحلّ لمشاكلنا، والآن علينا أن نعمل كما تعلمنا الليتورجيا، أي أن “إياه نشكر”، “إياه نسبّح”، و”إليه نطلب”. لهذا، لنعطِ شكراً لله الذي أعطانا أباً كهذا، ولنصلِّ لراحة نفسه. تبارك الله إلهنا…”، وبدأتُ التريصاجيون.

وضعناه في الكنيسة لمدة أربعة أيام، لأن القبو لم يكن منتهياً بعد ولم يتم بناء القبر. تركناه مكشوفاً في الكنيسة لمدة أربعة أيام، فيما كنا نقرأ باستمرار الأناجيل المقدسة، من أولها إلى النهاية، مراراً وتكراراً، كما هي العادة في جناز الكاهن. قرأنا الأناجيل المقدسة، كما قرأنا الجناز وغيرها من الصلوات. كنا نقيم الخدم والقداس وهو هناك في وسط الكنيسة لمدة أربعة أيام. (لقد كان حقًا مثل باشا، أي جو جميل ومبارك كان!) لم يظهر أحد أي هستيريا. الجميع صلّوا بإلهام. أحد أصدقائي وكان أرشمندريتاً، وكان يأتي إلى الدير كل عام ويقضي بضعة أسابيع خلال فصل الصيف: ييروثيوس فلاخوس الذي كتب “أمسية في بريّة الجبل المقدس”، وهو الآن متروبوليت. هذا جاء حالما سمع أن الأب صوفروني رقد. أحسّ بهذا الجو وقال لي: “إن لم يكن الأب صوفروني قديساً، إذاً لا يوجد قديسين!” هذا صادف وجود بعض رهبان الجبل المقدس الذين كانوا قد جاؤوا لرؤية الأب صوفروني، لكنهم لم يجدوه حياً. كان الأب تيخن من سيمونوبترا أحدهم.

من عادة اليونانيين عندما يأتون إلى إنجلترا لأغراض طبية أن يأتوا إلى الدير لقراءة صلاة الأب صوفروني لأن كثيرين شُفوا بها. إنهم يخبرون أموراً مثل هذه. قام اثنان منهم من باب الامتنان ببناء كنيسة في اليونان مكرّسة للقديس سلوان. بعد رقاد الأب صوفروني بيومين أو ثلاثة، جاءت عائلة مع طفل في الثالثة عشر من العمر. كان يعاني من ورم في الدماغ وقد حُددت العملية الجراحية له في اليوم التالي. جاءني الأب تيخن الذي من سيمونوبترا وقال: “هؤلاء القوم حزينون جداً فقد أتوا ولم يجدوا الأب صوفروني. لمَ لا تقرأ بعض الصلوات للولد؟” فقلت له “لنذهبّن سوية، تعالَ وكنْ قارئي. سوف نتلو بعض الصلوات في الكنيسة الأخرى”. مضينا وتلونا بعض الصلوات للولد وعند النهاية قال الأب تيخن: “لمَ لا ندخِل الفتى تحت كفن الأب صوفروني؟ سوف يشفى.” أجبتُه بأني لا أستطيع أن أعمل ذلك، فالناس سوف يقولون أنه ما أن توفي نحن نحاول التسويق لإعلان قداسته. وقلت له “أنت اقترحْ ذلك. فأنت راهب أثوسي لا يستطيع أحد أن يقول عليك ذلك”. أخذ الطفل بيده، وجعله يمرّ تحت الكفن. في اليوم التالي فحصوا الولد ولم يجدوا شيئاً. أغلقوا الجمجمة وقالوا: “لقد كان التشخيص خاطئاً، لربما كان ذاك مجرد التهاب”. لكن طبيباً يونانياً كان يرافق الولد وكان معه الصور الشعاعية التي تظهِر الورم، فقال لهم: “نحن نعرف تماماً معنى هذا التشخيص الخاطئ”. في الأسبوع التالي، أتت إلى الدير كل عائلة ذلك الطفل وهم من تسالونيكي، ليقدموا الشكر عند قبر الأب صوفروني. الولد صار اليوم في الحادية العشرين من عمره وهو في صحة ممتازة.