سيرة أبينا الشيخ يعقوب رئيس دير داود البار

سيرة أبينا الشيخ يعقوب رئيس دير داود البار

نقلها عن اليونانية بتصرّف الأخ يوسف كبا

 من أرشيف التراث الأرثوذكسي، من العدد العاشر السنة الأولى، حزيران 2003.

جدير بالذكر أن الشيخ يعقوب أُعلنَت قداسته من قِبَل مجمع كنيسة القسطنطينية في 27 تشرين الثاني 2017، ويعيّد له في الثاني والعشرين من تشرين الثاني.

1-  نَسَب الشيخ وسنوات طفولته

      آسيا الصغرى، التي أنجبت قدّيسين كثيرين في كنيستنا، هي موطن الأب يعقوب. فقد وُلد في قرية ليفيسي في ماكري (Λιβίσι Μάκρης). كانت أسرته ميسورة الحال، من أغنياء القرية. وغناها الأكبر كان التقوى والمحبة المسيحيتين. وقد أنجبت في تاريخها العريق رهباناً وإكليريكيين وقديس.

وُلد الشيخ في 5 تشرين الثاني 1920. وبسبب أحداث تلك الأيام المريعة وتهجير المسيحيين، انتقل إلى قرية القديس جاورجيوس في أمفيسا (Αμφισσας) وسط اليونان، وبعد سنتين إلى قرية فراكلا (Φαράκλα) في جزيرة آفيا، بقرب دير البار داود، حيث عاش حتى الثلاثين من عمره هناك.

كان لأمه ثيوذورا الدور الأكبر في حياته، وقد كانت مزدانة بالفضائل والتقوى والروح الرهبانية التي أورثتها لابنها المحبوب يعقوب. وقد روى الشيخ يعقوب، عن لسان أمه، أنه كان في طفولته ضعيف البنية في طفولته ولهذا كانت تدعوه “العصفور الخريفي”.

عند التهجير، أثناء النزوح من آسيا الصغرى، بقي الوالد، ستافروس تساليكي، أسيراً لدى الأتراك، وغادرت كل من أمه وجدته وعماته وخالاته بالسفينة إلى بيريا، وكان يعقوب في الثانية من عمره. ثم لحق الأب بهم إلى قرية فاراكلا. لكن الأم بقيت دائماً المربي الأساسي ليعقوب. عن طفولته، كان الشيخ يقول: “نادراً ما كنت أخرج من البيت، إلاّ إلى المدرسة. بعد إنجاب الأولاد، عاش والديّ ممسكَين متعففَين، في حياة روحية أخوية متواضعة مباركة. علمتني أمي الصلاة والسجود، وكنتُ أساعدها في الأعمال البيتيّة النسوية. وهكذا تعلمت الخياطة ومهارات أخرى. هذا أفادني في حياتي الرهبانية كثيراً. كل خمسة عشرة يوماً أو عشرين كان يأتي كاهن إلى القرية ليقيم الذبيحة الإلهية. كنت منذ المساء أذهب إلى الكنيسة لأساعد الكاهن وأبقى هناك مصليّاً إلى أن يأتي الناس صباحاً. لم نكن نعرف الاعتراف. فقط كنَا نصوم صوماً صارماً. أمّا قبل المناولة فكنَا نقبّل أيدي والدينا والشيوخ”.

ويقول الشيخ في مكان آخر: “كانت يدا أمي مفتوحة للمحتاجين. فأبي كان بناءً، وكان بمقدوره تأمين مستوى معيشي جيد لنا. اعتادت أمي على مساعدة الفقراء بسخاء بأطعمة وثياب، إلى درجة أننا، والدي وأنا، مراراً كثيرة عدنا من العمل في البناء ولم نجد ثياباً أخرى لنبدّل ثيابنا المتسخة! لكن حياتنا العائليّة كانت تعبر سلاميّة هادئة”.

يتابع الشيخ متحدثاً عن طفولته فيقول: “اعتدت الذهاب إلى الكنائس الصغيرة في البراري، وخاصةً إلى مقبرة القرية، من دون أن يعني هذا أنه كان لديّ مشكلة نفسية تعكّرني. بالعكس، كنت أتأمل هناك بطلان هذه الحياة الزائلة، وهكذا تولّد في نفسي ذكر الموت بفعاليّة”.

لقد أنار الروح القدس الشاب يعقوب إذ وجد فيه نفساً نقية طاهرة، فأخذ يفكر بتكريس نفسه لله، وبأن يصير ناسكاً عندما يكبر. كان يخرج من القرية إلى التلال المحيطة ويقيم في بعض التجويفات الصخرية التي كان يغطيها بأغصان الشجر، مصلياً ومعتبراُ نفسه ناسكاً. كما كان يزور بعض الكنائس المنتشرة في الريف، ككنيسة القديسة باراسكيفي، ينظّفها ويشعل قناديلها ويصلي فيها حتى الليل في عشرة مع الله وقدّيسيه، الذين طالما ظهروا له وتحاوروا معه.

بعد إنهائه المدرسة الابتدائية بتفوق، أصرّ استاذ القرية على إرساله إلى خالكيذا لمتابعة الدراسة. إلاّ إن أهله خافوا من إبعاده عنهم، وفضّلوا بقاءه في القرية. هكذا اكتفى بهذا المقدار من العلم العالمي ليمتلئ من “الحكمة التي من فوق” التي أظهرت الصيادين غزيري الحكمة.

تواضع الشيخ وإيمانه وصلوات أمه، جعلته على علاقة حميمة مع والدة الإله وجميع القديسين. يروي الشيخ أنه مرض في طفولته مرضاً شديداً، أصابته بردية وضيق نفس وآلام مبرحة في الصدر. “حينها لم يكن في القرية طبيب إلاّ الله وقدّيسيه. صلّت أمي كثيراً أمام أيقونة عجائبية للقديس خارالمبوس، كانت عندنا في البيت. عند المساء رأيتُ يد كاهن ترسم الصليب على وجهي، وتلامس مكان الألم وتداعبني. ومن لحظتها، أحسست بالتحسن ثم شُفيت. مَنْ شفاني كان القديس خارالمبوس، كما قال لي أمي”.

عندما رأى أهل القرية حياة يعقوب الصغير المقدسة، صاروا يحترمونه جداً ويعتبرونه ابناً باراً للكنيسة وفتى الله. وبما أن القرية كانت بلا كاهن، كانوا يلحون عليه كثيراً لأن يقرأ صلاة ما على المحتاجين أو المرضى، إيماناً منهم بأن صلاته ستساعدهم. وقد روى الشيخ قصصاً عديدة في هذا الخصوص.

كثيراً ما تحدث الشيخ عن ممارسة الصوم في أسرته المباركة. فقد قالت له أمه مرة، خلال الصوم الأربعيني المقدّس: “يا بنيّ يعقوب، أنظر كم أنت ضعيف. كُلْ ولو بيضة صغيرة لتتقوّى قليلاً”. فأجاب: “إن أكلتُ الآن، فلن أشعر بالقيامة. فأنا أريد أن آكل بيضة فصحيّة لأدرك معنى الفصح”.

عندما كان يساعد والده في أعمال البناء، سواء في القرية أو في القرى المجاورة، كان يتجنّب الأكل، في أيام الصوم، ممّا يقدمه لهم أصحاب البيوت التي يبنونها، لأنه غالباً ما كان زفراً. كان يعقوب الفتى يفضّل العودة إلى البيت ليتناول طعاماً صيامياً، على أن يتناول الجبن وغيره مما يقدّم، أمّا إذا وجد بعض الزيتون والخبز فكان يكتفي بذلك.

عند بلوغه الخامسة والعشرين من عمره، جاءت أمه في أحد الأيام وأخبرته أنها رأت ملاكها الحارس وأخبرها بأنها ستغادر هذه الحياة بعد ثلاثة أيام وأوصاها بأن تستعد. كان لهذا أثر كبير في نفس يعقوب، لا بسبب العلاقة الطبيعية بينهما كأمّ وابن وحَسب، بل بسبب العلاقة الروحية أيضاً. وهكذا، مرضت ثيوذورا وانطرحت في الفراش بسلام، باركت ابنها الحبيب داعيةً له أن يصبح كاهناً بعد أن يهتمّ بتأمين مستقبل أخته الصغرى. ثم تنفسّت الصعداء وأسلمت الروح.

2-  حياة يعقوب العسكرية

كانت فترة خدمة الشيخ في العسكرية خلال أصعب وأقسى العهود في اليونان، فترة الحرب الأهلية. كانت خدمة يعقوب في مدينة فولوس. وقد أخبر: “كانت أيقونة القديس خارالمبوس دائماً معي. وقد تضرعت إليه مراراً ألاّ يختارني الضابط المسؤول لأكون من رجال الدورية، لأني لم أكن رجل قتل ودماء. وبالفعل لم يحصل ذلك. كلّفوني مرة بالمناوبة في حراسة قطاع معيّن. فجلست وراء الرشاش وأخرجت أيقونة القديس خارالمبوس الصغيرة ووضعتُها عليه، وقلت له: ‘يا قدّيسي الحبيب، أنت أحرسْ الآن الهدف. أحرسْ هذا القطاع من هنا إلى هناك‘. بعدها غرقت في الصلاة بلا همّ، ونجوت من مخاطر كثيرة”.

ثم انتقل يعقوب إلى أثينا. هناك أنار الله قلب الضابط المسؤول عنه، فكان يعطيه كل يوم إذناً خطياً بزيارة كنائس أثينا وبيريا. واستمرت الصداقة بين الشخصين إلى أن أصبح الشيخ في دير البار داود، حيث زاره الضابط مراراً. ورغم وداعته وبراءته، ورغم محاولاته أن يعيش مع المسيح بخفية، إلاّ إنه لم يسلَم بالطبع من تهكمات بعض العساكر وإزعاجهم، إذ لم يكونوا يفهمون تصرفاته العجيبة بعقولهم البشرية. لكن البعض الآخر كانوا يحترمونه، وقد زاروه في ديره فيما بعد.

وهكذا مرّت سنوات خدمته العسكريّة الثلاث بسلام فعاد إلى قريته وهو في الثلاثين من عمره. وبعد أن أمّن على أخته، كما أوصته أمه، أصبح حرّاً في تحقيق ما حلُم به منذ الطفولة.

3-  حياة الشيخ يعقوب الرهبانية

في السيرة الرهبانية، رغب الشيخ باتباع حياة هادئة في بعض المغاور، كما في الأماكن المقدسة، مكتفياً ببعض الماء والأعشاب البريّة المتوفرة. لكن قبل المباشرة في تنفيذ رغبته، رأى ضرورة أن ينال البركة من دير البار داود. عندما وصل إلى الدير، كما يروي هو نفسه، وجده متغيراً عمّا كان عليه، أي أكثر جمالاً وعظمة وبهاء. “هناك قابلت شيخاً وقوراً أبيض اللحية. كان هذا هو البار داود. سألته وأنا مندهش إن كان بالإمكان أن يعطوني غرفة في الدير فأجابني: ‘أنت أتيت لتسجد كزائر. فإن كنت ستبقى يمكن أن نعطيك غرفة‘. فأجبته في الحال: ‘سأبقى أيها الشيخ‘. فأدخلني الدير بعد أن تفوهت بهذا الوعد ثم غاب الشيخ الوقور عن عينيّ وكأن جداراً انفتح ومر عبره. بعد لحظات أدركتُ واقع الحال، فالدير بسيط، وفيه خرائب هنا وهناك، وكنيسة صغيرة. لقد أتيتُ كزائر عادي، لكن من خلال ما حدث وجدتُ نفسي أعطي وعداً من كل قلبي بأن أخدم دير القديس داود”. حينها، كان في الدير ثلاثة رهبان كبار السن يعيشون بطريقة انفرادية. الأرشمندريت نيقوديموس كان رئيساً للدير وكان يتردد عليه من حين لآخر. وقد تمتع بفضائل كثيرة، لكنه كان يعاني من أمراض عديدة بالإضافة إلى وجود بعض الإخوة من داخل الكنيسة كانوا يضطهدونه. وقد رقد هذا الرئيس الرحوم بعد فترة قصيرة. يقول الشيخ: “كنتُ اطلب بركتَه في كل أمر. وهذا لم يكن سهلاً. فقد كنتُ أمضي أربع إلى خمس ساعات للوصول إلى القرية التي كان يخدم فيها الرئيس نيقوديموس، لآخذ بركته في أمور تخص الدير”.

كان الدير مهمَلاً لسنوات، فأخذ الشيخ يعقوب يعمل فيه طوال النهار مع الصلاة المتواصلة. ولكي يصبح الدير قادراً على الاعتماد على نفسه، وحتى على تقديم الإحسان للفقراء، عمل في كافة الأشغال: إصلاح، بناء، زراعة، وغيرها.

في انطلاقة حياة الشيخ الرهبانية المشتركة، عانى صعوبات وتجارب كثيرة. هذا ليس غريباً، فهو قانون الحياة المسيحية، وقد طبّقه الله على شيخنا يعقوب، فكانت حياته استشهاداً طوعياً حيناً وقسرياً حيناً آخر. لقد أثار إبليسُ الرهبانَ السابقين في الدير عليه، لكي يقفوا في وجه حماسته ويحملوه على اليأس ومغادرة الدير. لقد كان “منظره ثقيلاً عليهم”. إلاّ إن فضائله وبساطته الموهوبة من الله تغلبت على شرورهم. قلايته كانت شبه خربة: لا زجاج على النوافذ، بالإضافة إلى الشقوق في الباب صيفاً وشتاءً. وقد كان الشيخ يعقوب يعزّي نفسه بمقارنتها بالنسّاك العموديين، الذين لم يكن من سقف يحميهم، وبالنسّاك سكان البراري الذين لا مأوى لهم. هكذا كان يرى ذاته أفضل حالاً منهم ويشكر الله. و كان الشيخ مستفيداً وأكثر خبرةً في مختلف التجارب والآلام. لكن الشيطان زاد أيضاً من تجاربه، على غرار تجربته لآباء البرية المتوشحين بالله. وقد روى الشيخ حادثة عن هجوم الشياطين عليه في أحد الأيام، فيما كان مستلقياً قليلاً قبيل الظهر ليرتاح من العمل، فضربوه ضرباً مبرحاً في كل أنحاء جسمه وأسمعوه الشتائم والتجاديف مانعين إياه حتّى من رسم إشارة الصليب. إلاّ أنه أخيراً استطاع رسم إشارة الصليب وطردهم باسم يسوع.

في أحد الأيام، جاء رئيس الدير وقال له: “يا أبانا  يعقوب، اغتسِلْ واستحمّ وسرّح شعرك. لأننا سننزل معاً إلى خالكيذا”. أطاع الشيخ يعقوب من دون أن يدري ما القضية. “بالفعل نزلنا إلى مطرانية خالكيذا، وكان المطران غريغوريوس هناك إنساناً قديساً متواضعاً رحوماً… استقبلنا ورحّب بنا، ثم أخبرني بأنهم قرروا منحي رتبة الكهنوت. هذا الأمر لم يكن يخطر على بالي. إلاّ إني لم أستطع أن أجادل احتراماً لرئيس الدير والأسقف القديس. وهكذا في الثامن عشر من كانون الأول 1952 رسموني شماساً، وفي اليوم التالي كاهناً. وقد أهدوني محفظة فيها أيقونة للسيدة العذراء كُتب تحتها: ‘أيها الأب يعقوب، أيقونة العذراء هذه فلتحفظْك في المكان القفر، هناك حيث تقيم…‘ ثم بعد أيام أخذت إذناً مكتوباً بممارسة الأبوّة الروحيّة وسرّ الاعتراف”.

4-  حياة الشيخ يعقوب الكهنوتية

منذ بداية حياته الكهنوتية، أخذ الشيخ يعقوب يقيم الصلوات اليومية والقداس الإلهي ويتناول القدسات بتواتر، مما كان يعطيه قوة روحية كبيرة ونشاطاً كل النهار. ونظراً لحاجة المنطقة إلى كهنة، صار يخدم القرى المحيطة بالدير. لقد كانت غيرته على بيوت الله الناطقة (المؤمنين) وغير الناطقة كبيرة جداً. فكان يعمل بنشاط وحماس في خدمة النفوس والكنائس والأوقاف.

كان الشيخ يغار من فضائل القديسين الذين يقرأ عنهم، ويحاول تطبيق شيء منها بنفسه. لذلك عندما قرأ عن إمساك القديس دانيال العمودي حتى عن ضروريات حياته اليومية محبةً بكثرة زائريه، راح الشيخ يعقوب يمسك عن حاجاته الطبيعية منذ خروجه من الدير في الصباح، ليخدم في مختلف القرى المحيطة، إلى أن يعود إليه.

حسب عادة ذلك الزمان، كان الأب يعقوب يطوف برفات البار داود في القرى المجاورة ليتبرّك منها المؤمنون. وقد كان هذا متعباً جداً له بالرغم من طبعه النسكي. يروي تعزية حصلت له إحدى المرات عندما كان عائداً من إحدى جولاته في الرعايا المحيطة، إذ عندما دنا من الدير، رأى نوراً بهياً خارج الدير ينير الطريق الضيقة المؤدية إليه. ثم “عندما وصلتُ إلى الدير دخلتُ الكنيسة. فوجدتُ شيخاً منتصباً عن اليمين ينتظرني. بعد أن وضعتُ الرفات وسجدتُ للأيقونات بحثتُ عن ذاك الشخص لأحيّيه معتقداُ أنه أحد آباء الدير، إلاّ إني لم أجده. فقد اختفى. لقد كان البار داود حيّاً ينتظر عودتي بسلام”.

عجائب أخرى عديدة حصلت مع البار بنعمة الله، لا يسعنا ذكرها جميعاً. نذكر أن الشيخ يعقوب كان يسعى دائماً لتأمين الزيت لجميع الكنائس المحيطة بالدير. بالإضافة إلى الإحسانات الأخرى التي كان يقدمها للمؤمنين. في أحد الأيام، كان يصلّي متضرعاً إلى العذراء والبار داود والنبي إيليا بشكل خاص، لأن يساعدوه في تأمين الزيت في كل المنطقة. بعد فترة من صلاته، نزل إلى المستودع حيث وعاء الزيت الكبير، فوجد الغطاء يتحرّك والزيت ينسكب من الوعاء، فظنّ لأول وهلة أن فأراً في الوعاء يحاول الخروج منه بعد أن أسال كل هذا الزيت على الأرض. إلاّ إنه عندما دنا ورفع الغطاء، لم يجد لا فأراً ولا ما شابه، بل تأكّد أن الزيت كان يفيض عجائبياً! فمجّد الله على مراحمه وشكر قدّيسيه.

لقد كان الإحسان والعطاء بلا حدود شيمةً راسخةً في الشيخ البار يعقوب. وقد ورث ذلك عن أمه. كان دائماً يفرّغ يديه ممّا يملك، فيعود الله ويملؤها أكثر فأكثر. وكان الشيخ يتعجّب من مراحم الله هذه العظيمة.

كانت صحة الشيخ حديدية إلى أن بلغ الخامسة والخمسين. إلاّ أن الله سمح، بعد هذا العمر، بأن يعاني الشيخ من أمراض كثيرة ثقيلة. يقول الشيخ عن هذا: “لقد أخذ إبليس الإذن بأن يجرّب جسدي” كما حصل مع أيوب البار في العهد القديم. “لم أكن أريد الذهاب إلى الأطباء في البداية، إذ كنت أعتبر أنه من العيب أن يروا جسدي عارياً، جسد كاهن”. إلاّ إنه اضطر مراراً لزيارة الأطباء فيما بعد، خاصةً عندما كان يعاني آلاماً مبرحة. وخضع لعمليات جراحية. وكثيراً ما كان القديس البار داود يزوره مع القديس يوحنا الروسي، فيراهما واقفين بجانبه، حتى في غرفة العمليات، يتشفعان من أجل شفائه.

في تلك الأيام، بالرغم من توصيات الأطباء له بتجنّب الوقوف، إلاّ إنه لم يكن يتهاون في أداء الخدمات الكنسية الشريفة وإتمام القداس الإلهي، رغم الآلام اللاحقة التي كان يعاني منها عند المساء وطوال الليل. وقد كانت تنتابه نوبات من الآلام في عنقه ورأسه وأماكن أخرى من جسده، خاصةً بعد قضائه ساعات طويلة في تقبّل اعترافات أبنائه الروحيين. لقد كان يعتبر كل هذا نوعاً من النسك، يحتمله بصبر وشكر.

5-  رقاد الشيخ يعقوب

آخر تجاربه كان مرض القلب الذي أودى به إلى الحياة الأخرى. وقد أجرى عمليتين جراحيتين في القلب، وكانت الثانية من دون تخدير، بعد فشل العملية الأولى. رغم آلامه المتواترة، حافظ الأب يعقوب على ابتسامته وخدمته للآخرين بمحبة، في نفوسهم وأجسادهم. كانت أحاديثه في سنيه الأخيرة تتناول علاقته الحميمة بالبار داود، وطفولته وقصصه الروحية المختلفة، ونصائحه ورؤاه العجائبية. كان يتحدث دائماً ببراءة طفولية تطفح منها النعمة والبساطة، معزياً كل مَن حوله وناصحاً ومشدداً لهم، رغم ما كان يخفي من آلام وضعفات في جسده.

رقاده في البرارة كان أيضاً مدعاة للعجب. لقد سبق وعرف اليوم الذي سيموت فيه. في ذلك اليوم كان سعيداً جداً. في صباح يوم الحادي والعشرين من تشرين الثاني من عام 1991، عيد دخول السيدة، كان يرتل في كنيسة الدير. وبعد الظهر حوالي الرابعة، حينما كان يتقبّل اعترافات المؤمنين كالعادة، عَبَر إلى الراحة الأبدية، مغادراً ما في العالم، منتقلاً إلى قرب السيد الرب.

صلواته تحفظنا. آمين.

العلاقة بين القديس باييسيوس الأثوسي والشيخ يعقوب تساليكيس

العلاقة بين القديس باييسيوس الأثوسي

والشيخ يعقوب تساليكيس

شهادة الأب الراهب يعقوب

كنتُ علمانياً، تلميذاً في الثانوية الكنسية في لاميّا، سنة 1986، أحمل اسم يوحنا. كنت أنوي الذهاب إلى الجبل المقدس وزيارة الشيخ باييسيوس، ببركة شيخي يعقوب تساليكس، لكي أطلب النصح منه حول أن أكون راهباً أم لا.

لقد كان الشيخ يعقوب يوقّر الشيخ باييسيوس كثيراً، وعندما قصدته، أعطاني شيئاً لأوصله كبركة وقال لي: “قلْ للشيخ باييسيوس، عندما تصل إلى تسالونيكي، بأن عليه أن يأتي ليرانا. فمن جهتي يا يوحنا، صعب عليّ أن أذهب لرؤية الشيخ، لأن عليّ أن أعبر جبالاً وودياناً والبحر، فيما صحتي لا تسمح بذلك، هذا كي لا أذكر أن الشيخ باييسيوس قديس أمّا أنا فخاطئ وغير مستحق“. من ثمّ أعطاني خمسة آلاف دراخما لأضيء له شمعة في كنيسته.

في الجبل المقدس، التقيت الشيخ أمام بابه. ما أن رآني، وقد كنت برفقة أحد الآباء الرهبان، قال لي: “أهلاً، جيد أن نراك“.

بعد أخذ البركة، قال لي: “إذاً، ماذا تظن؟ أسنسيمك راهباً؟أجبته: “أبونا، عندي مشكلة مع أهلي“. فقال لي: “اسمع ما أقوله لك، اتركْ أهلك يبكون لشهر أو اثنين، حتى لا تبكي أنت إلى الأبد، وقبل أن تفقد الكنز.” كان يشير بالكنز إلى الشيخ يعقوب، وهذا كله من دون أن أكون قد فاتحتُه برغبتي في أن أكون راهباً.

وإذْ أردت أن أقول شيئاً، قاطعني: “معك بركة الأب يعقوب من دير القديس داود في آفيا. يا بنيّ، هؤلاء هم القديسون الذين يكافحون اليوم ويصلّون بتواضع ومحبة. أنا لا أستحق أن أرى عملاق الأرثوذكسية، ولقاؤه أيضاً بعيد جداً، وهذا يتطلّب جهاداً والكثير من الجهد. لأن الله منحنا المحبة ونحن نتواصل روحياً.”

فسألته: “أعندي بركة بأن أسجد في كنيسة قلايتكم؟فأجاب لا ليس ضرورياً.”

فأجبته أنها للتبرّك، فقال لي: “لا يا بنيّ، قد يكون الشيخ يعقوب أعطاك خمسة آلاف دراخما، لكن ماذا بعد، ماذا أعمل بها وأنا راهب؟

لم يتركني أسجد. أعطاني مسبحة صلاة وصليباً صغيراً لأوصلها إلى الشيخ.

عند عودتي إلى الدير استقبلني الشيخ يعقوب بفرح. أعطيته البركة من الشيخ باييسيوس فبادرني بالقول: “الخمسة آلاف دراخما التي لم يقبلها الشيخ باييسيوس، ولم يتركك تسجد وتضعها في كنيسة القلاية، خذها معك لمصاريفك في مدرسة لاميّا“.

أصبتُ بالذهول وسألته: “يا أبونا، كيف تعرف ذلك؟فأجابني هامساً في أذني: “يا بنيّ، نحن نتواصل روحياً.”

جبرائيل، طالب الفلسفة الملحد في الجبل

جبرائيل، طالب الفلسفة الملحد في الجبل

الميتروبوليت نيقولا مطران ميسوغيا

قبل عدة سنوات، تقرّب مني أحد الطلاب. أخبرني أنه كان ملحداً، على الرغم من كونه متردداً جداً كان عنده عزم الساعي الجدّي، كان يعرف أنه سوف يكون راضياً إن آمن لكنه لم يستطع. حاول لسنوات من دون نتيجة. لقد تحدّث إلى متعلّمين وأساتذة، من دون أن يشبع عطشه إلى شيء ما مهم. سمع عني وأراد أن يشاركني حاجته الوجودية. سألني عن برهان علمي لوجود الله.

سألته: أتعرف التكاملات (integrals) أو المعادلات التفاضلية (differential equations)؟

أجاب: للأسف لا، أنا أدرس الفلسفة.

فقلت له ممازحاً: هذا معيب! لأن البرهان الذي عندي هو من خلالها.

لم يرتَح لجوابي وصمت لبرهة. فقلت له: انتبه، أنا آسف أني مازحتك، الله ليس برهاناً حسابياً ولا هو معادلة. لو كان أيّ شيء من هذا القبيل لكان كل المتعلمين يؤمنون به. هناك طرق أخرى للتقرب من الله. أنت تعرف. هل سبق لك أن زرت الجبل المقدس؟ أقابلت في حياتك أي راهب ناسك؟

أجابني: لا يا أبتي، لكني لأني سمعت الكثير، أنا أفكّر بالذهاب إلى هناك. حتّى أن باستطاعتي أن أذهب غداً، إذا طلبتَ مني ذلك. أتعرف أيّ شخص متعلّم أستطيع أن ألقاه؟

ماذا تختار؟ متعلّم بإمكانه أن يصيب عقلك بالدوار أو شخص يمكن أن يوقظك وهو قديس؟

أريد متعلّماً لأني أخاف القديسين.”

فأجبته: “علاقة الإيمان هي مع القلب، لمَ لا تجرّب قديساً؟ ما اسمك؟، فقال جبرائيل“.

أخبرته كيف يذهب إلى عند راهب ناسك. أعطيته الطريق لإيجاده وكل التوجيهات الضرورية، حتّى أني رسمت له خريطة. “عليك أن تذهب وتخبره بما أخبرتني. قلْ له أنا ملحد، لكني أريد الإيمان بالله، أريد برهاناً على وجوده“.

فقال لي: “أنا خائف وخجلان، فسألتُه: “لمَ أنت خائف وخجلان من الرجل المتقدّس وليس منّي؟

بعد أيام ذهب ووجد الناسك يتحدّث إلى شاب في فناء داره. على الجهة المقابلة كان أربعة آخرون ينتظرون على بعض جذوع الشجر. وجد جبرائيل بينهم مقعداً مؤقتاً. بعد أقل من عشر دقائق انتهى الشيخ من محادثته مع الشاب.

سأل: “كيف حالكم يا فتيان؟ هل أخذتم بعض الحلوى التركية؟ أشربتم ماء؟، فأجابوا شكراً أيها الشيخ، بدماثة مهذبة.

قال لجبرائيل: “تعالَ إلى هنا، مختاراً إياه من بين الآخرين. “سوف آخذ الماء وأنت تأخذ علبة ​الحلوى التركية، وتقترب مني حتى أوشوش إليك بسرّ: لا بأس أن يكون الإنسان ملحداً، لكن أن يكون لك اسم ملاك وملحد؟ إنها المرة الأولى التي أرى فيها شيئاً من هذا“.

كاد جبرائيل أن يُصاب بنوبة قلبية عند سماعه هذا الكلام. كيف استطاع أن يعرف اسمه؟ مَن أخبره بمشكلته؟ بالنهاية، أهذا ما كان الشيخ يريد إخباره؟

فسأل وهو بالكاد يستطيع أن يتمتم: “أبونا، أأستطيع التحدث إليك لبرهة؟

استمع، الوقت متأخر. خذ الحلوى التركية، اشرب بعض الماء، واذهب إلى اقرب دير لقضاء الليل“. “أبونا، أرغب بالتحدث إليك، أليس ذلك ممكناً؟

ما عسانا نقول، يا بنيّ؟ ما سبب مجيئك؟

أخبرني جبرائيل: “عند طرحه هذا السؤال عليّ، أحسست بتنفسي يتسارع مباشرة. فاض الإيمان في قلبي. راح عالمي الداخلي يزداد حرارة. من دون أي محاججة، كانت الشكوك تزول. من دون أي كلام، من دون وجود جواب قاطع. كل «إذا»، «لماذا» و«لكن» أبيدَت مباشرة، وكل ما تبقى كان «كيف؟» و« ماذا الآن؟»”

نكزة خفيّة من قديس أعطت أفكاره ما عجز عن إعطائه إنسان متعلّم. قديس لم يتخرّج إلا من الصف الرابع في المدرسة الابتدائية. لدى القديسين الكثير من الاستنارة. إنّهم يعملون عليك، لكنك لا تشعر بأي ألم خلال العملية. من دون أن يفتحوا أحشاءك يقومون بعملية الزرع. من دون أن يستعملوا سلماً، يرفعونك إلى قمم لم تطأها قدماك. من دون أن يتعِبوا دماغك يزرعون بذار الإيمان في قلبك.

ثلاث فضائل للقديس ديمتريوس

ثلاث فضائل للقديس ديمتريوس

سيرافيم ميتروبوليت كاستوريا (اليونان)

نقلتها إلى العربية صبا نعمة

يقول القديس غريغوريوس بالاماس في مديحه القديس العظيم في الشهداء ديمتريوس صانع العجائب والمفيض الطيب: “الأعجوبة العظيمة للمسكونة، الزينة العظيمة للكنيسة والأقدر من الجميع“.

ليس فقط هذا القديس المعاين الله بل وكتّاب عديدون في السنكسار والمدائح يقدمون احتراماً وتوقيراً للشهيد العظيم الحارس والمنقذ والمحارب عن مدينة تسالونيكي.

يَعتبِر نيكيفوروس غريغوراس (1330م) موتَ الاسكندر الكبير خسارة، بينما استشهاد القديس ديمتريوس فيعتبره ربحاً للعالم إذ ساهم بجعله عالماً أفضل.

ملأ قديسنا المسكونة شذى وطيباً الصيف والشتاء وحتى الأبدية قد امتلأت من نعمته“. أما مدينته المحبوبة تسالونيكي فقد أضحت ليس حصناً روحياً ضد الهجمات الشيطانية وجحافل البرابرة وحسب، بل أيضاً ملجأً من عواصف هذا العصر وحامية نفوسنا وأجسادنا”.

في المناطق الشمالية من اليونان وفي مكدونيا حيث يشعر المرء بحضور قداسته، يخصصون بإجلال بعض الأزهار الخريفية المدعوّة في بلادنا الديمتريات (agiodimitriatika)، وبحسب كوكب الأرثوذكسية الساطع القديس غريغوريوس بالاماس نزين بها شخصه.

المفخرة الأولى إيمان لا يتزعزع“:

الإيمان ليس تعليماً نظرياً ولا تنظيماً فلسفياً يعنى بمفاهيم عليا. كما أنه ليس فكراً يصدر من عقل الإنسان. الإيمان هو حياة ويعود إلى مصدر الحياة الذي هو المسيح، هو الاتحاد في المسيح وتجلّي المسيح في القلب.

تبرز الكنيسة هذه الخبرة المعاشة بعد المشاركة في سر الحياة أعني سر الشكر. فعندما نشارك في الأسرار الطاهرة، مردد مع المرنّم التسبحة المؤثّرة قد نظرنا النور الحقيقي وأخذنا الروح السماوي ووجدنا الإيمان الحق“.

يشّدد القديس غريغوريوس بالاماس أنّا نؤمن بالله وأنّا نثق بهويتابع: “اﻹيمان مختلف عن الثقة“. “أثق باللهيعني أنّي على يقين أنّه صادق ولن يخلف بما وعدنا به. “أؤمن باللهيعني أن أفكر فيه بشكل صحيح”. من هنا يكون الإيمان هبةً مقدسة وإعلاناً لله في القلوب النقيّة. هذا ما اختبره القديس ديمتريوس في حياته: “هذا ما أعطي له كهبة، هذا ما حفظه ككنزٍ لا يثمّن، حافظاً إياه مختوماً بدمه

المفخرة الثانية فيض النعمة الإلهية“:

يحتاج الإنسان إلى نعمة الله لكي يحفظ كنز الإيمان في وعاء ترابي وكما يقول الرسول بولس: “ويدوس الأفاعي والعقارب وكل قوة العدو“.

يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم: “إن كان بوسع الخطيئة تحقيق الكثير، فالنعمة، نعمة الله، ليس نعمة الآب فقط بل والابن، أفلا تحقق الأكثر؟

كل شيء ينتفع بنعمة الله. هي تغفر لنا وتبررنا دون أن تبطل حرّيتنا، بل وتعلمنا الثقة بمحبة الله للبشر. إنها السلاح الأقوى، بحسب عندليب الكنيسة الذهبي: “إنها الحصن الذي لا ينصدع، والعمود الذي لا يتزعزع كل شيء يتم بنعمة الله” (القديس يوحنا الذهبي الفم).

لو لم تكن لنا نعمة الله، لما كان لنا حضور الشهداء، اعترافاتهم وعجائبهم، زهد الأبرار ودموعهم، لما كان لنا حضور القديس ديمتريوس. إن كلمات القديس نسطر تلميذه وحدها: “يا إله ديمتريوس ساعدنيوفيض الطيب وتدفق النعمة من جثمانه تُظهر سكنى النعمة في قلبه كما في رفاته المقدسة حتى يومنا هذا.

المفخرة الثالثة غنى الفضائل الإلهية“:

بحسب التقليد الأرثوذكسي، ترتبط الفضائل الإلهية بشخص المسيح وهي ناتجة عن الحياة في المسيح (المتروبوليت إيروثيوس نافباكتوس). ليست هي قيماً وأفكاراً مجرّدة بل هي المسيح نفسه. إن الذين يحبَّون يحرزون المحبة نفسها التي هي المسيح.

يشدّد القديس يوحنا الذهبي الفم بأن الفضيلة هي الطريق إلى الملكوت التي نعبرها بالأحزان والدموع، إنها صعبة، ولكن مبهجة. الفضيلة هي الحالة الطبيعية للروح، بينما الرذيلة هي عدوة طبيعتنا. كما هي حال الصحة بالنسبة إلى طبيعتنا كذلك الداء والمرض ليسا من طبيعتنا. الفضيلة تساعدنا للانتقال إلى الحياة الخالدة، الفضيلة وحدها هي القادرة وتستطيع الانتقال معنا، وحدها تستطيع العبور إلى الحياة الخالدة” (القديس يوحنا الذهبي الفم). لكي ندخل بغلبة إلى الملكوت السماوي لنسعى إلى اقتناء الفضائل في الوقت المتبقي لنا على الأرض“.

تحلّى القديس ديمتريوس بكل الفضائل، فأضحى مبشراً ومعلماً متّقد الغيرة في عصر الإثم. إنه بطلٌ شجاعٌ مقدامٌ، أبٌ عطوف وقائدٌ لتسالونيكي. فليرفع يديه أمام عرش الحمل المذبوح طالباً أن يمنحنا: إيماناً لا يتزعزع وفيضَ النعمة الإلهية وغنى الفضائل الإلهية. آمين

الأب نيقوديموس بيلاليس الراهب وحامي الأطفال الكثيرين

الأب نيقوديموس بيلاليس الراهب وحامي الأطفال الكثيرين

+ ٤ حزيران ٢٠١٤

الدكتور جورج تساكاليديس*

نقلتها إلى العربية شيم حموي

وغادرنا الأب نيقوديموس في الرابع من حزيران عام ٢٠١٤ ودفن بجانب دير البانتوكراتوس المقدس. روحٌ أرثوذكسية أصيلة بذلت ذاتها في خدمة العائلات التي تضمّ عدة أطفال. وكلاهوتي ومعلم كبير كان للأب نيقوديموس كتابات لاهوتية في هذا المجال استخدم بعضها في المناهج المدرسية للتعليم الثانوي.

شارك الأب نيقوديموس في مؤتمرات لاهوتية وديموغرافية وقدم حلقات بحث كان لها تأثير كبير على جمهور عريض لم ينله معظم ٱباء الجبل المقدس المتعلمين. والجدير بالذكر أن الأب نيقوديموس قد توفي بعد بضعة أيام من وفاة الأب المعلم موسى الذي كان معروفاً بفضل كتاباته ومقالاته التي كان ينشرها من حين لآخر، كما أن الأب نيقوديموس قد توفي بنفس الطريقة التي توفي بها القديس أثناسيوس الآثوسي الذي من تريبيزوند مؤسس الرهبنة في جبل آثوس والذي كتب الأب نيقوديموس سيرته.

بقي الأب البار نيقوديموس محافظاً على قوته الجسدية حتى آخر أيام حياته وبالرغم من أنه كان قد بلغ الخامسة والثمانين من عمره إلا أن هذا لم يمنعه عن التسلق إلى سطح قلايته في كابسالا الجبل المقدس بواسطة سلم لكنه سقط أرضاً ولفظ أانفاسه الأخيرة تماماً كالقديس الذي كتب عنه.

تدين الكنيسة الأرثوذكسية واليونان للأب نيقوديموس بالكثير لأن خبراته أتت من كونه هو نفسه نشأ في عائلة ضمّت عدّة أطفال بالإضافة إلى خبرته في مجال العائلات التي تضمّ عدّة أطفال ما جعله ملمّاً بنقاط القوة والمزايا التي تمتاز بها هذه العائلات ودفعه إلى جعل تشجيع العائلات على تعدد الأطفال هدف حياته الرئيسي.

لم يمنعه إسكيمه الرهباني عن إحاطة نفسه بهذه العائلات والتعامل معها بعد أن طلب بركة الشيخ باييسيوس الذي لم يعطهِ إياها وحسب بل شجعه أيضاً على إشغال نفسه بعائلات اليونان المباركة. كما أنه نشر ولمدة ٣٦ سنة مقالات في مجلة العائلة اليونانية الأرثوذكسية المتعددة الأطفال” (Eλληνορθόδοξη Πολύτεκνη Oικογένεια) والتي كان الاشتراك فيها مجانياً وتؤخذ من منصة الشمع في الكنائس واستمر بهذا العمل حتى يوم وفاته.

تم توزيع حوالي خمسمائة ألف نسخة من هذه المجلة كما قيمة التبرعات لهذه المجلة كانت ضخمة وكانت تتم عن طريق بطاقات التبرع التي توضع داخل كل عدد من أعداد هذه المجلة مما ساعد آلاف العائلات التي كانت تمر بظروف اقتصادية صعبة. فمنهم من كان في خطر أن يؤخذ منه منزله بسبب عجزه عن دفع قيمة الرهن أو يطرد لعدم تمكنه ثمن الأجرة، فتدخل الأب نيقوديموس بسرعة البرق لصالح هؤلاء وأنقذهم من الوقوع في هذه المشكلات معيداً إياهم إلى طريق الصواب في إنشاء عائلات متعددة الأطفال. وكان الأب نيقوديموس يهتم ببعض العائلات بشكل دائم أو بحسب الحاجة، ومعظم تواصله كان يتم مع متبرعين من أصحاب العائلات التي تضمّ عدة أطفال هم أنفسهم كانت مواردهم المالية هزيلة، وكانت رسائل التواصل هذه تقرأ في المجلة بالإضافة إلى صور تلتقط للعائلة مع كافة أفرادها بمن فيها من آباء وأجداد وأحفاد.

انتبه الأب نيقوديموس إلى حجم الإجهاضات في اليونان حيث أنه مقايل كل ولادة تحدث هناك ثلاثة إجهاضات تتم فأخذ على عاتقه مهمّة توعية الناس ضد آفة العصر الحديث هذه، وقد كان لكتاباته تأثير على الناس، فمنهم من أنجب أطفالاً واقتنع أنهم هبة من الله، ومنهم من عدل عن قراره بالإجهاض بعد أن كان مزمعاً أن يفعله، ومنهم ممن كان قد اقترف جريمة الإجهاض في السابق صوّب مساره بالتوبة وإنجاب أطفال جدد بعد أن قرأ مقالات الأب نيقوديموس حتى أن بعضاً منهم صار شريكاً في مهمة حماية الأطفال الذين لم يولدوا بعد، وكل الآراء حول المسائل الوطنية والأحداث البطولية لم تلفت انتباه أبينا البار.

قدّم الأب نيقوديموس بجهوده هذه إسهاماً عظيماً للكنيسة والناس في اليونان ما يستحق كل تقدير، وترك بموته فراغاً كان من الصعب ملؤه، وكان من الطبيعي للعائلات التي كان الأب يساعدها أن تشعر باليتم بعد غيابه. لعل الله يرسل بديلاً مستحقاً إلى عبيده المختارين.

* لاهوتي واستاذ، مفوض في الاتحاد الفدرالي العالي لتعدد الاطفال في اليونان.

القديسة إيميليا مثال لحياتنا

القديسة إيميليا مثال لحياتنا

المتقدّم في الكهنة جورج بابافرنافاس

نقلتها إلى العربية علا مقصود

من ثمار الشجرة تُعرف جذورها، فإذا كانت الثمرة جيدة ولذيذة فهذا يعني أنَ الجذر جيد، كذلك الحال مع الأولاد، فمن سلوكهم وطريقة عيشهم يمكن أخذ فكرة عن والديهم، وبالطبع هناك استثناءات لذلك، لكن من المؤكد أن مثال الأهل يلعب دوراً أساسياً في نمو وتطور حياة الطفل.

كانت القديسة إيميليا* جذراً فاضلاً وصالحاً أنتج ثمار جيدة، فأبناؤها نموا ليصبحوا أفراداً بارزين في المجتمع، وأكثر من ذلك ليكونوا قديسين في الكنيسة مثل: باسيليوس الكبير، غريغوريوس النيصصي، بطرس الذي من سباستيا، ماكرينا، ناوكراتيوس وغيرهم. فمن الجذر المقدس نبتت براعم مقدسة، ومن الأهل القديسين جاء أولاد قديسون. طبعاً كان الجذر عميقاً جداً إذ امتدَّ من الأب والأم وصولاً إلى الجدّ والجدّة.

اختبرت القديسة ايميليا في حياتها العديد من الشدائد كما يحدث عادة مع أخصاء الله. موت والديها قبل زواجها، وموت زوجها بعد ولادة ابنها بطرس، وموت ابنها المبكِّر ناوكراتيوس والمضي في تربية أولادها لوحدها كانت بعض من الشدائد التي تعرضت لها، ولكنها واجهتها بإيمان وبشجاعة وبصبر لا مثيل لها. علّمت أبناءها إذ كانت قدوة لهم. قدّمت لهم الحليب المغذي الأرضي وحليب الإيمان النقي، أرضعتهم أولاً من صدرها ثم من حب الكنيسة المحيي، ولهذا السبب نجحوا وأزهروا في حياتهم. لقد أكملت حياتها كراهبة مع ابنتها القديسة ماكرينا رئيسة الدير.

إن القديسة ايميليا في حياتها وسلوكها تعطينا الفرصة لنضيء على ما يلي:

أولاً: الدور الرئيسي في تنشئة ورعاية الأطفال يتأثر بطبيعة حياة الأهل، فمن آباء مصلين يأتي أولاد محبّون للصلاة وبهذا يصبحون محبّين لله والناس، لأن كل من يحب الله ويحفظ وصاياه سيحب إخوته وينكر ذاته من أجلهم.

إن المناخ الذي يُخلق في المنزل من قبل الوالدَين المحبَّين لبعضهما وللآخرين، لديه تأثير إيجابي في تنمية الأطفال وتكوين شخصياتهم. “تنمية الأطفال تبدأ مع الأهل. منذ حمل الأم للطفل، يتأثر الجنين بحالة الآباء هادئين أو غاضبين، مجدّفين أو مصلّين. إنه يسمع ويشعر داخل رحم أمه. نعم، إنه يسمع ويرى من خلال عيني أمه. إنه يدرك التحركات والمشاعر حتى لو لم يكن عقله مكتملاً. فإذا كان وجه الأم متجهّماً فوجه الجنين يعبس أيضاً وإن تألمت أو ذعرت أو حزنت أو غضبت فإن الطفل سيختبرها أيضاً. وفي حال لم ترغب الأم بهذا الجنين ولم تحبه سيشعر هو بذلك ويتشكل جرح في نفسه سيرافقه خلال حياته. وبالعكس، عندما تشعر الأم بالفرح والسلام والحب للجنين، فتنقل هذا إلى الطفل بشكل تلقائي كما بعد أن يولد. لهذا السبب على الأم أن تقضي وقتاً طويلاً بالصلاة والترتيل وقراءة المزامير وعيش القداسة من أجل الجنين ليكون قديساً“. (القديس بورفيريوس الكافسوكاليفي)

ثانياً: إن تربية الأطفال بعد ولادتهم عليها أن تكون بالقدوة الصالحة أكثر من الكلمات والنصائح. علينا أن نتحدث لله عن أطفالنا أكثر مما نتحدث لأطفالنا عن الله، علينا تعليمهم أن يثقوا بعنايته الإلهية، وأن يطلبوا المساعدة منه خاصة في الأوقات الصعبة من حياتهم. من المهم أن نقول لهم الحقيقة مهما كانت مريرة في وقتها، كما علينا الثناء على أفعالهم عند الضرورة، لكن علينا معاقبتهم عند الضرورة أيضاً لأن الثناء بشكل مستمر يفسدهم.

إن مدح الأطفال يؤذيهم. غالباً ما يُمدح الأطفال الصغار بشكل مستمر، وبهذا سيتعلم الطفل ألا يواجه العقبات وحتى الصغيرة منها. فعندما يعارضهم أحد سيجرحون لأنه لم تتشكل لديهم الشجاعة. بالمدح المستمر سيصبح الأولاد عنيدين، قاسين، وغير متعاطفين، عندما تمدحهم بشكل مستمر دون عقاب فإنهم سيتضايقون ويهتاجون عندما يتعرضون للعكس. فإن الأنا عندهم ستبدي ردة فعل ويتحولون ليصبحوا أشخاص مغرورين وعملهم الأول سيكون نكران الله والأنانية غير الملائمة للمجتمع(القديس بورفيريوس الكافسوكاليفي).

بالطبع ليس كل الأطفال متشابهين إذ ليس لدى الجميع نفس الشخصية ونفس الطباع ولهذا السبب يشدد القديس غريغوريوس اللاهوتي على أن المدح يفيد البعض ويفسد البعض الآخر لكن في بعض الأوقات الأمران مطلوبان. الاهتمام الخاص مطلوب مع التفهم وخوف الله لأن تربية الأطفال موضوع جوهري.

أيها الأمهات اقتدوا بالقديسة ايميليا وأرضِعوا أبنائكم من ثدي الكنيسة الحيّ ليكونوا ممتنين لكم إلى الأبد.

* للقديسة تذكاران في 30 أيار وفي 30 كانون الثاني مع اﻷقمار الثلاثة في عيد جامع مع القديستين أنثوسة والدة القديس يوحنا الذهبي الفم ونونة والدة القديس غريغوريوس اللاهوتي.

جورج فلوروفسكي: نهجه في المسكونية

جورج فلوروفسكي: نهجه في المسكونية

اﻷب أنطوان ملكي

اﻷب جورج فلوروفسكي (1893-1979) هو زعيم لاهوتيي القرن العشرين اﻷرثوذكسيين، بشهادة اﻷرثوذكس وغيرهم. المقالة الحاضرة وصف لنهجه في العمل المسكوني. فالرجل مثّّل اﻷرثوذكس في محافل مسكونية وفي حوارات مع غير اﻷرثوذكس، ومنهجيته أوصلته إلى استنتاجات عبّر عنها في كتاباته. التركيز هنا هو على خطاباته في اجتماعات مجلس الكنائس العالمي.

عَمِل فلوروفسكي على تأسيس مجلس الكنائس العالمي وأعماله ثبّتته بشكل واضح كلاهوتي معروف عالمياً وجعلته الصوت الأرثوذكسي المتقدّم في الحركة العالمية لإعادة توحيد العالم المسيحي. مع أن الكثيرين يحكمون عليه بأنه مثير للجدل، لكنه عُرف عالمياً كلاهوتي كبير في القرن العشرين ومن أكثر المفكرين عمقاً والخطباء فصاحة بين أرثوذكسيي زمانه.

في لقاءاته المسكونية، سعى فلوروفسكي إلى أن يصف، بعبارات واضحة ولا مساومة فيها، الموقف الأرثوذكسي من الأمور اللاهوتية الأساسية، في تضارب واضح مع نظرات الآخرين. عند نقطة ما، تساءل حول شرعية استعمال كلمة كنائس، التي تعني الجمع، في تسمية مجلس الكنائس العالمي. وقد اقترح إدخال الجملة التالية إلى النصوص الرسمية: “يشير اسم مجلس الكنائس العالمي إلى حالة لا ينبغي وجودها. نحن نتّفق على تسمية طوائفنا كنائس بمعنى لا يسمح به العهد الجديد”. في تقرير لاحق كان أكثر حدّة في تعبيره: “الطوائف المتفرقة ليس لها الحق بتسمية نفسها كنائس“. بالتأكيد، هذه اللغة المأخوذة من فهم محدد للكنيسة، في العهد الجديد، على أنها جسد المسيح الواحدة المقدسة في دستور الإيمان الأرثوذكسي. جسد المسيح واحد، وبالتالي الكنيسة واحدة. من وجهة النظر الأرثوذكسية هذه، يستحيل وجود أكثر من كنيسة لاستحالة وجود أكثر من جسد للمسيح. ما لدينا بالحقيقة هو إنقطاع في العلاقات في العالم المسيحي وانفصال في الوحدة المسيحية حول عقائد أساسية في الإيمان تؤدّي إلى اختلافات وافتراقات.

ذروة الأحداث المسكونية التي شارك فيها فلوروفسكي كان الجمعية الثانية لمجلس الكنائس العالمي في إيفانستون، إلينوي، ما بين الخامس عشر والحادي والثلاثين من آب 1954. الموضوع كان أن نبقى معاً لا يكفي، يجب علينا التقدّم“. لتحقيق ذلك وقفت الشهادة الأرثوذكسية في تناقض صارخ مع الآراء السائدة الأخرى. تحدث فلوروفسكي باسم الأرثوذكسيين: “لا يمكن لأي مسيحي تجاهل حقيقة الانقسام المسيحيأعظم إنجاز للحركة المسكونية الحديثة يكمن في الشجاعة للاعتراف بأن هناك خلاف كبير. لدغة المأساة المسيحية الفعلية هي حقيقة أنه في الوضع التاريخي الملموس، العديد من الانقسامات قد فُرِضَت، بالشكل الذي كانت عليه، وتحديداً ولاءً للمسيح وبالغيرة الصادقة على الإيمان الحقيقي“. الإعلان الأرثوذكسي كان صريحاً: “عودة الجماعات إلى إيمان الكنيسة القديمة المتحدة وغير المنقسمة، كنيسة المجامع المسكونية السبعة. هذه العودة هي وحدها ما ينتِج إعادة الوحدة المرجوة بين كل المسيحيين المتفرقين“. عبارات الأرثوذكسيين الصارمة أوضحت أن الطريق إلى الأمام هو بالفعل طويل وصعب. وكعلامة على أنّ المجموعة المسكونية تنوي على الأقل أخذ مقاربة الأرثوذكسيين للوحدة بجدية، أيّدت اللجنة المركزية لمجلس الكنائس العالمي مبادرة فلوروفسكي والأخرين بتبنّي الدراسة التقليد والتقاليد، وهي الموضوع الذي تطرق إليه فلوروفسكي بغنى وبتكرار في الكثير من كتاباته.

في أواخر حياته، أصيب فلوروفسكي بالخيبة من التجنب الظاهر للقضايا اللاهوتية الجوهرية التي كانت انشغاله الأساسي طوال حياته. بالحقيقة، لقد لاحظ تحوّل اهتمام قيادة مجلس الكنائس نحو القضايا الاجتماعية إلى درجة أن لقاءاتها صارت بلا أي صفة دينية أو مسيحية، والقرارات صارت تُتخذ من دون اهتمام بالعقيدة وبالتحديدات اللاهوتية، ومن دون إلمام بتاريخ الكنيسة وتقليدها والحضارة المسيحية. صار العارفون أو الذين قد يثيرون أي صعوبات بالعودة إلى مسائل التاريخ واللاهوت يُبعَدون ويُهَمَّشون. الاهتمام صار في إيجاد ما هو مشترك ونسيان الباقي. آلمه أنّ تناسي الفرق بين الجماعات المسيحية بهدف تحقيق الوحدة سيؤدّي إلى وحدة سطحية، غير واقعية وبالتأكيد لا تدوم. أحزنه أن قادة مجلس الكنائس العالمي فقدوا الاهتمام بالعقائد والمبادئ وصاروا عاجزين عن فهم أن لهذه الحقائق اللاهوتية بعداً وجودياً. وبدل أن تكون أعمالهم موجّهة بالعقيدة واللاهوت فضّلوا البرامج الإنسانية والأعمال والإجراءات العملية في العمل الاجتماعي لتحسين حالة العالم، ولكن ليس بالضرورة حالة الكنيسة. هذا دلّ على أن روح الدهرية تسربت إلى الحركة المسكونية.

إلى آخر رمق، لم يكف فلوروفسكي عن استبساله في التأكيد على أن لا تقدم مسكوني حقيقي إلا من خلال المناقشة اللاهوتية والدراسة على يد أجيال من اللاهوتيين الجديين.

التعامل مع عيد ميلاد مدهرَن

التعامل مع عيد ميلاد مدهرَن

سؤال: أنا أكره دهرنة عيد الميلاد. كيف يمكننا، أنا وعائلتي، أن نحافظ على صوم الميلاد ونحتفل بالعيد من دون الدخول في كل الاستهلاك التجاري الذي يحيط به في المجتمع؟

تقريباً، كلّ ما يمكن أن يُقال في الردّ على هذا السؤال واضحٌ جداً وبسيط، ولكن قد يكون من الصعب تنفيذه. بالنسبة للعائلات، من المستحسن الحديث عن كل هذه النقاط ضمن العائلة وتشجيع الأفراد بعضهم البعض على التمسّك بالصوم خاصةً مع الاقتراب من عيد ميلاد ربنا. هذه الاقتراحات هي بداية، إن لم تكن قد أُحرِزَت فالوقت ليس متأخراً للبدء بذلك.

أولاً وقبل كلّ شيء، تأكدوا من أن تحفظوا الصوم! باحترام الصوم كما ينبغي، يتم تلقائياً القضاء على العديد من الاختراقات التي يقوم بها العالم للدخول إلى بيوتنا خلال هذه الفترة. تذكروا، الصوم لا يقتصر فقط على الغذاء، ولكنه يشمل الترفيه العبثي أيضاً.

مع هذا في الاعتبار، نود أن نؤكد أنه لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى الصيامكامتناع أو عمل سلبي: “لا نستطيع أن نفعل …”، لا يمكن أن نأكل …”، لا يمكن ان نذهب…” بدلاً من ذلك نحن بحاجة إلى إعادة تعريف رؤيتنا لفترة الصيام. إنها فترة إعداد وزمان للنمو الروحي، وهذه الفكرة بالتأكيد ليست مفهوماً سلبياً!

إن العالم الذي نعيش فيه يتطفّل باستمرار في عمق حياتنا حيث يهاجم كلّ حواسنا الجسدية. هذا الأمر يكون أكثر وضوحاً خلال هذه الفترة من السنة. إنه يشجّعنا على أن نرى ونسمع ونتذوّق ونلمس ونشمّ كلّ أنواع الأشياء التي تلهي عقولنا عن الخروج في الطريق إلى بيت لحم لميلاد المسيح.

بالتأكيد، بالنسبة لأولئك الذين بلا عائلة وأطفال صغار في المنزل، ما يتعين القيام به لجعل صوم الميلاد زماناً فعلياً للنمو الروحي أسهل بكثير. إن الكثير من الإعلانات خلال هذه الفترة تستهدف مباشرة مَن هم أكثر عرضة للخطر، أي الأطفال، والأشياء التي يتم الإعلان عنها هي عادة الأشياء ذاتها التي علينا تجنبها عادةً. كل أسرة هي حالة فريدة من نوعها، وهذا ينبغي أخذه بالاعتبار عندما نحاول تنفيذ المقترحات التي نود تقديمها.

مَن لديهم أطفال في المنزل غالباً ما يجدون الصوم الفعلي عن الأطعمة صعباً خلال هذه الفترة التي يبدو أن الكثير من الأطعمة الغنية المغرية وبالتأكيد غير الصيامية تُدفَع إلينا. في كثير من الأحيان من المُساعد أن يكون هناك أطعمة صيامية خاصة تحبها الأسرة وتقدمها فقط في فترات الصيام. طبعاً، نحن لا نريد أن نركّز فقط على الجوانب المطبخية من الصيام في هذه المقال؛ نحن نفترض أن جميع القرّاء ملتزمون بالفعل بهذا الجانب من الصيام، لأنه ليس اختيارياً.

إن الامتناع فقط عن أطعمة معينة ليس بالتأكيد من ضمن استعداداتنا للميلاد. يشمل الصوم تجنّب الترفيه، وهو شيء يزخر به هذا الموسم. من الممكن تقريباً في كل الظروف تفادي حفلات المكاتب والجلسات الأخرى بتصريحنا بصدق أننا نحن المسيحيين الأرثوذكس لا نبدأ بالاحتفال حتى يصل العيد. إن لم يكن ممكناً أبداً تلافي حضور مثل هذا اﻷمور، فمن الممكن دائماً إيجاد أطعمة نتناولها من دون كسر الصوم، أو الاعتذار مسبَقاً في وقت مبكر.

بالتأكيد ينبغي أن نكثّف قراءتنا وصلواتنا في هذه الفترة التي يقع فيها عدد من أعياد القديسين العظماء: القديس نيقولاوس في 6 كانون الأول، والقديس اسبيريدون في 12 كانون الأول، والقديس هيرمان في 13 كانون الأول، القديس اغناطيوس الأنطاكي في 20 كانون الأول، وهذا غيض من فيض. جيد أن نقرأ سيَرَهم ونصلّي حقاً لهم. أيضا، في وقت هذا الصوم هناك عدد غير قليل من أنبياء العهد القديم الذين نذكرهم في هذه الفترة فنقرأ نبوءاتهم. كاطافاسيات عيد الميلاد تبدأ في 21 تشرين الثاني، سواء كانت مرتّلَة أم لا، جيد الحصول على الكلمات والموسيقى من الكاهن وتعلّمها وترتيلها خلال النهار عندما نكون لوحدنا أو مع أسرتنا. أنها جميلة جدًا وترفع المعنويات.

العديد من الرعايا تقدّم الخلوات أو الندوة في هذه الفترة. إذا كانت رعيتك لا تقيم شيئاً من هذا القبيل، فقد يكون في إحدى الرعايا القريبة! في حال ليس هناك خلوات ولا ندوات، أو حتى لو وجدَت، فمن الأفكار الجيدة أن يشكّل عدة أشخاص، مثلك، ممَن يريدون إعادة توجيه أولوياتهم خلال فترة الصوم مجموعة قراءة. إن المشاركة تجعلنا نقرأ ونصلّي أكثر!

ما يسمّى بـِ خاصّ بعيد الميلادعلى شاشة التلفزيون وفي سيل الإعلانات التجارية التي توجّهنا نحوالأشياء التي يجب أن نشتريها لكي نكون أمّاً أو أباً أو أخاً أو قريباً أو صديقاً صالحين، وما إلى ذلك، هي سببٌ كافٍ للجميع للتخلّي عن التلفزيون! يبدو أنّ الخاصّ بعيد الميلاد هو في التشديد على أن المعنى الحقيقي لعيد الميلادينطوي على أن يكون الإنسان محبّاً مهتماً معطياً وما إلى ذلك مما يرِد بين الإعلانات التي تغري على الطمع، لكنها لا تذكر شيئاً عن حقيقة أن الله قد تجسّد في محبته للبشرية ليعيد إلينا الصورة المفقودة!

الآن نأتي إلى الجانب الأكثر وضوحا للاحتفال الدهري بعيد الميلاد وهو الهدايا. فلتكن الهدايا على الحد الأدنى الممكن. بالتأكيد، الجميع يقولون في وقت ما: “السنة المقبلةستكون مختلفة وأكثر بساطة. لكن ابدؤوا الآن. هناك الكثير من الطرق للقيام بذلك، ومرة أخرى، يختلف الأمر من حالة إلى أخرى. معظم الناس يحبّون أن تقدّم باسمهم الهدايا أو الهبات للجمعيات الخيرية. داخل الأسر، قد يكون هناك صعوبة في الحد من موجة تبادل الهدايا عندما يتقرر ذلك.

فوق كل شيء، في الخامس والعشرين من كانون الأول، نسمع أناساً من غير الأرثوذكسيين يقولون: “حسناً، كان ذلك الميلاد لطيفاً، ولكننا سعداء لانه انتهى.” بالنسبة لنا، إذ صمنا متوقعين ولادة الرب أربعين يوماً، نحن في بداية الاحتفال، أمامنا التراتيل وإراحة أجسادنا المرهَقة بالأطعمة الغنية.

بدلاً من أن نكون متعبين ومُتلَفين مرددين مشاعر من هم خارج الإيمان الذين يسعدون لرؤية هذه الأيام المقدسة تأتي إلى نهايتها، دعونا نحتفل بعيد تجسّد الرب بفرح روحي مرنمين: المسيح وُلِد فمجّدوه! المسيح أتى من السماوات فاستقبلوه! المسيح على الأرض فابتهجوا، رتّلي للرب أيتها الأرض كلّها ﻷنه قد تمجّد.

* عن موقع Pravmir.com

باباستراتيس الذي من ليسفوس: كاهن اللاجئين

باباستراتيس الذي من ليسفوس: كاهن اللاجئين

نقلتها إلى العربية جولي عطية

وأريد أن أقول لكم إنّنا إنّما جئنا إلى هذا العالم الذي نعيش فيه لكي نكون نافعين” (باباستراتيس).

غادر باباستراتيس الشهير هذه الحياة منذ مدّة قصيرة. كان كاهن كنيسة القديس جاورجيوس في كالوني ليسفوس، وخسر معركته ضدّ السرطان في عمر السابعة والخمسين. كانت جهوده عظيمة فأطلقت عليه المفوضيّة السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئينلقب السامري الصالح، وتكلّمت مجلّة نيويورك تايمز عنه وعن أعماله (في مقالٍ صادرٍ في 5 آب 2015).

كرّس باباستراتيس وقته لإغاثة اللاجئين والمهاجرين منذ العام 2007 (ساعد حوالى عشرة آلاف إنسان)، وللإعانة المادّية لسكّان ليسفوس الذين، وكما نعلم، يعانون من آثار الأزمة الاقتصادية. ونذر نفسه، بمساعدة سكّان ليسفوس، لإنقاذ اللاجئين من البحر واستقبالهم وتزويدهم بالمأكل والملبس والمسكن، إضافةً إلى تقديم المساعدة النفسيّة لهم، مع أنّه كان يعاني لسنواتٍ من مرضٍ رئوي اضطرّه إلى استعمال أنبوبٍ يُزوِّدُ رئتيه مباشرةً بالأوكسجين.

وهذا ما قاله عن Angalia، وهي منظّمة لا تبغي الربح (كلمة Angalia تعني الاحتضان): “بدأتْ غير رسميًّا سنة 2007 ورسميًّا سنة 2009، بهدف تأمين المأوى للمهاجرين من السواحل المحاذية“. يقول عن اسم الجمعية: “استوحينا الاحتضان من الصليب، حيث كان المسيح المصلوب فاتحًا ذراعيه محتضنًا العالم بأسره“.

كونه رجلاً لله، وضع باباستراتيس نصب عينيه كلام المسيح: “لم آتِ لأُخدَم بل لأَخدِم، وعَمِلَ استنادًا إلى ذلك. لم يميّز في خدمته بين الناس، مطبّقًا بأمانة ما قاله المسيح في حديثه الإنجيلي عن الدينونة. وقد كرّم، بفرحٍ وتفانٍ، الكلام الإلهيّ في تعليم المسيح: “لأني جِعتُ فأطعمتموني، عطشتُ فسقيتموني، كنت غريبًا فآويتموني، عريانًا فكسوتموني، مريضًا فزرتموني، مسجونًا فأتيتم إليّ“. وهذا كلّه قائمٌ طبعًا على تعليم المسيح عن المحبّة، لأنّ الله محبّةبحسب القدّيس يوحنّا.

وكما بشّر المسيح الجميع وشفى الناس، بغضّ النظر عن عرقهم ولونهم ودينهم ومكانتهم الاجتماعية والاقتصادية، وكلّم الزانية والعشّار والغريب، كذلك فإنّ باباستراتيس اتّزر بمنشفة، وعالج ألم الإنسان بتجرّد ومحبة، بغضّ النظر عن اختلافات الناس. وقد قال عن ذلك: “لا نرى العرق أو الجنسية أو الدين أو أيّ أمر آخر، نرى أشخاصًا. مهما يكن، خلق الله أشخاصًا، وكلّنا لدينا الجوع ذاته، كلّنا نحبّ ونقع في الحب“.

وهنا نودّ أن نلفت الانتباه إلى أنّ الميزة الأبرز في موضوع هذا المقال هي اللطف البشري، لكن أيّ لطف بشري هو هذا؟ فبينما يؤيّد بعضهم التنوير Enlightenment، يناصر آخرون نظرية الحاكم المطلقلنيتشه، وغيرهم يتبعون بولس الرسول. ويبدو للوهلة الأولى أنّ التعاليم الثلاثة تجعل الإنسان في مركزها، لكنّ الإنسانوية الغربية تختلف عن تلك الشرقية الأرثوذكسية.

فمناصرو التنوير هم مَن ضمنوا الاعتراف بحقوق الإنسان وبمبدأ المساواة أمام القانون والدولة، إلاّ أنّهم لا يدركون أنّ هذه المنافع نابعة من إرادة الله، لأنّهم غير مبالين بالله. وإزاء ضعف الجنس البشري، تسعى نظريّة الحاكم المطلقلنيتشه إلى تأليه الإنسان (وتاليًا مبدأ إصلاح القيم‘revaluation of values’ الذي تكلّم عنه نيتشه)، لكن من دون اختبار الله في عملية التألّه (كما في تعبير القدّيس أثناسيوس كي يصير الإنسان إلهًا“). أنصار التنوير ونيتشه لا يرون الإنسان بالمسيح، ولا يرون الله في الإنسان، مثلما يؤكّد اللاهوت الأرثوذكسي الشرقي.

بالنسبة لبولس الرسول، الناس كلّهم خليقة الله، وقد انعطبت طبيعتهم الإنسانية لكنها لم تَضِع. هؤلاء يسعون، بنعمة الله، إلى أن يصبحوا مشاركين في أسرار المسيح. وأهمّ ما عند بولس الرسول هو أنّ الناس أفرادٌ يقف كلُّ واحد منهم أمام الله الثالوثي، ولو كانوا مختلفين أو غرباء بالنسبة لنا. ووِفق رسول الوثنيّين، ذلك الغريب ليس عدوًّا أو خائنًا يجب إبادته. هذا الغريب هو فرصة ممتازة ومقدّسة لنكون وإيّاه مثل زملاء في السفر ورفقاء في طريق الحياة، هذه الحياة التي خلقها الله أبونا كلّنا. “هجرة المحبةهذه التي يذكرها البروفيسور ستاموليس في كتابه، هي عبارة عن محبّة الله للناس كلّهم في جميع أنحاء العالم.

إذًا يؤكّد الرسول بولس عدم وجود أيّ فرق أو تمييز بين الناس، فيقول بجرأةٍ في رسالته إلى أهل غلاطية: “ليس يهودي ولا يوناني. ليس عبدٌ ولا حرّ. ليس ذكر وأنثى، لأنّكم جميعًا واحد في المسيح يسوع. فإن كنتم للمسيح، فأنتم إذًا نسل إبراهيم، وحسب الموعد ورثة“. ونربط كلام الرسول بولس بكلام باباستراتيس الذي يقول: “بالنسبة لنا، إنّهم أناس محتاجون. وعندما ترى أحدًا قذفه البحر على شواطئ ليسفوس، أو أمًّا وولدًا يبكيان، لن تسألهم إذا كانوا مسيحيّين قبل أن تطعمهملديهم دينٌ ما، يؤمنون بإلهٍ ما، ولديهم أملٌ ما في الحياة الآتية“.

رأى باباستراتيس في كلّ واحدٍ الغريبَ المذكور في عنوان هذا المقال، وهذا ما يذكّرنا بعلاقتنا بالآخرين، فنحن لا نمنح الغريبَ شيئًا ببساطة، بل نحتضنه وندخله إلى بيتنا، كلٌّ منّا وفق نظرته وقناعته. عبارة أعطني هذا الغريبالواردة في قطعة الذكصا الشعرية الرائعة التي تُقال في السبت العظيم، تختلف عن عبارة أعطِ الغريب“. لقد طبّق باباستراتيس هذا الأمر بإيمانٍ وسخاءِ روحٍ لا يكلّ. وبمساعدة سكّان ومتطوّعي جزيرة ميتيليني الجميلة، وَهَبَ نفسه للاّجئين السوريّين والمهاجرين الذين تركوا بلادهم وعائلاتهم وبيوتهم وموطنهم، لا لأنّهم أرادوا ذلك بل لأنّ رصاص الحرب طاردهم، على حدّ تعبير باباستراتيس.

هذا الجهد الذي قرّبه باباستراتيس هو مشروعٌ بدأ بجهدِ إنسانٍ واحدٍ، بجهد كاهنٍ وخادمٍ للعليّ ابتكر الفكرة لكنّه لم يكن ليقدر أن يحقّقها بنفسه. إنّ اللطفَ الإنساني هو ميزة الإنسانوية الأرثوذكسية، وهو بعيدٌ عن أيّ نوع من الإقصاء والإبعاد أو عن أيّ ابتذال. فهذا اللطف، بنبل طبيعته، يحتضن الشخص بكليّته. لا يهتمّ بإنسانٍ وحده، بل بالناس والمجتمعات. وإنّ إحياء الناس بروح خدمة الآخرين يترك أثرًا في الأعراق والأمم كلّها. فالخدمة لا تميِّز استنادًا إلى القوميّة أو العرق أو الدين، وكونها رسالة سامية تهدف إلى مساعدة الناس، فهي لا تمتّ بصلة إلى الحماس القوميّ أو التعصّب الديني.

لم تَضِعِ اليونان بسبب اللاجئين بل بسبب اليونانيّين. هذا ما أقوله دومًا. لقد فقدنا أخلاقنا وعاداتنا وتقاليدنا. بَنَينا منازلَ فخمة لكنّنا نسينا كيف نعانق. علينا أن ندرك أنّنا نتعامل هنا مع أشخاص، هؤلاء خليقة الله، كلّهم صَنعَهُم الله ذاته. لكي نحبّ الله علينا أن نحبّ الناس أولاً. أنا غير مهتمّ بالدين، أنا مهتمّ بالناس، بأولئك الذين يحبّون العالم” (باباستراتيس).

القديس نكتاريوس كمعلّم للشباب

القديس نكتاريوس كمعلّم للشباب

نقلها عن اليونانية بتصرّف الأب أنطوان ملكي

القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس والعجائبي، لا يزال حتى اليوم منارة مشرقة ينير لنا بفضائله الكثيرة وكتاباته الهامة ومعجزاته التي لا تعد ولا تحصى.

من بين أمور أخرى، لقد كان مربياً ممتازاً ومعلماً للشباب، الذين اعتبرهم الأمل الذهبي للكنيسة والأمة، قاعدة الغد“. وفي خطاب له يحمل عنوان دعوة المراهقين في المجتمعالتي ألقاها لطلاب الثانوية في لاميّا، يصف المراهقة بأنها مهمة وسريعة. “بالواقع إنها هامّة المهمة العظيمة التي خصصت لها، وسريعة في مدتها القصيرة، حيث خلالها ينبغي إنجاز أشياء كثيرة وكبيرة“.

يسمّي قديسنا المراهقين الجيل الجديدوالجيل الوارثالذي تسلّمه الأمة والدولة ودائع الأجداد وكلّ كنوز الأجيال السابقة.” هذا هو سبب حماسه لتشجيع الشباب في نضالهم الروحي وتشديدهم، من خلال حثّهم على ممارسة الفضيلة. كان يعلّمهم مع الكثير من المحبة بأن عليهم الحفاظ على إيمانهم في المسيح، الإله الحقيقي، كوديعة مقدسة. كان عليهم أن يسلكوا في الحياة في المسيح والارتباط به من خلال أسرار الكنيسة الخلاصية.

كان يعرف الصعوبات الكبيرة التي تواجههم في نضالهم الروحي في كثير من الأحيان. وقد أوصاهم باليقظة والاستقرار في حياتهم المسيحية لأنها سلاح الانتصار. في عظته لطلاب المدرسة الثانوية في لاميّا، قال ما يلي: “أولادي الأحباء، إن كفاحكم يتطلب قراراً شجاعاً وروحاً معنوية ثابتة لاكتساب الفضيلة. لأن المترددين، أولئك الذين يبدؤون نضالهم من أجل الفضيلة بالإهمال والكسل، تثبط عزيمتهم بسرعة ويُهزَمون، ويتحوّلون بسهولة إلى جبناء ويفرّون“.

أوصى القديس بالكتاب المقدس كدليل لا غنى عنه لمعرفة الحقيقة والاستنارة والاستعداد للخلاص. كما شدّد بكل قوة روحه على أن عليهم أن يجمعوا بين التقوى والعلم، إذ بهذه الطريقة يتقدمون وينمون في جميع مراحل حياتهم. الفكرة المركزية في توجهه للشباب كانت هذه الحقيقة: “من دون حياة فاضلة، لا يمكن بلوغ الوجهة النهائية للإنسان“.

علّم القديس الشباب دائماً من كلمات الكتاب المقدس وآباء الكنيسة، وغالباً ما استخدم كلمات الكتّاب القدماء. قبل كل شيء، كان همّه أن يعلّم بالقدوة. وقد نجح بالنضال ونعمة الرب. في الواقع، كتب أحد طلابه وأبنائه الروحيين، في رسالة إلى صديقه عام 1897: “من حسن الحظ أنّ هناك في أيامنا روح مديرنا المبجّل الجميلةتراه يعيش في هذا العالم، ومع هذا تشعر بأنه رجل ليس من هذا العالمبدون مبالغة إنه يصلّي ليل نهارحليم، محبٌّ للجميع لا يُقاوَم بنظرته البريئةينسجم مع مختلف الناس الذين يسكّنهم ويوجّههم نحو المخلص المتجسد بلطف غير مسبوق و وداعة لا مثيل لهاإنّه رجل لكنّه يعيش كملاك“.