غيرة أم إدانة؟

غيرة أم إدانة؟

الخورية سميرة عوض ملكي

إن التوق إلى تفسير ما يجري اليوم في كنيستنا من اضطرابات وتساؤلات محيّرة عن أيّ جواب وصراعات وأفكار لا سكينة لها، يمكنه أن يعمينا عن تذكّر مراحم الله الغزيرة، وعظمة ملكه وكلية اقتداره التي لا نهاية لها. فالنعمة الإلهيّة تعلّمنا أنّ السيّد يعطينا معرفة رحماته بالروح القدس وإلاّ لكنّا يئسنا بسبب خطايانا وبسبب كلّ ما يحيط بنا.

يقول القديس سلوان الأثوسي: “القلب المسيحي يخشى أدقّ حركة لفكره أو أي شعور عدواني أو سيء النيّة، يتألّم وينوح على كل شيء، وفي الوقت ذاته، لا يخاف أحداً أو شيئاً حتّى ولو «دخلت الأرض والسماء في تصادم»، حتّى ولو «هَوَت الجبال وأطبقَت فوق رؤوسنا بكلّ ثقلِها»، فإنّ قلب الإنسان العيق يبقى في سلام رصين، هادئ“. من هنا ينبغي على كلّ عضو من أعضاء الكنيسة أيّاً كانت مرتبته أن يحصّن نفسه من مرض الفصام الروحي أو ما يسمّى الشيزوفرينياالروحية المتفشّي منذ بدء التاريخ بدءاً بالسقوط إلى يومنا هذا. وهناك العديد من الأمثلة في الكتاب المقدّس بعهديه تشير إليه: “حَتَّى مَتَى تَعْرُجُونَ بَيْنَ الْفِرْقَتَيْنِ؟ إِنْ كَانَ الرَّبُّ هُوَ اللهَ فَاتَّبِعُوهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَعْلُ فَاتَّبِعُوهُ” (1ملوك 21:18)، لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْرَبُوا كَأْسَ الرَّبِّ وَكَأْسَ شَيَاطِينَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْتَرِكُوا فِي مَائِدَةِ الرَّبِّ وَفِي مَائِدَةِ شَيَاطِينَ” (1كورنثوس 21:10)، هكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي” (رؤيا 16:3).

وعن هذا يتكلّم غاندي بكلام جميل فيقول: “أنا مُغرَمٌ بمسيحكم، ولكنّي كرهتُ مسيحيّتكم، أعطوني المسيح وخذوا مسيحيّتكم، لم أجد في مسيحيّتكم المسيحَ الذي تتكلّمون عنه“. أنا لا أستطيع أن أقول أني مسيحي طالما مسيحيتي تنفصل عن المسيح. لا يمكنني أن أتناول الأسرار الإلهية وأمارس العبادة في الكنيسة، وأتأثّر بالكلمات الإلهية أو التراتيل، وعند خروجي من الكنيسة وعودتي إلى المنزل أو العمل أكون شخصاً مغايراً كلياً، استخدم أسلوباً عدائياً مع عائلتي أو على شبكات التواصل أظلُم وأشتُم وأُدين وأدخل في مخاصمات دائمة مع مَن حولي… فالمسيحي يجب أن يعيش بوجه واحد، داخل الكنيسة وخارجها، فيتقبّل عطيّة المحبة الروحية الأبدية للكلّ ومن أجل الكلّ. فلا يكون كالذين يصفهم الرسول بولس لَهُمْ صُورَةُ التَّقْوَى، وَلكِنَّهُمْ مُنْكِرُونَ قُوَّتَهَا” (2تيموثاوس 5:3) أو يصبح نحاساً يطنّ أو صنجاً يرنّ” (1 كورنثوس 1:13).

الإنسان المؤمن تتركّز وّته في درء ومقاومة الشرّ الذي قد تتعرّض له الكنيسة وعليه أن يفرّق بين الحكم على الخطايا الشخصية والحكم على الأخطاء العقائدية أو الإيمانية. فليس من حقّ أحد أن يخوض في الحياة الشخصية لأيّ إنسان ويلوك سيرته بفمه أو على صفحته. وهذا ما تتعلّق به وصيّة الرب: “لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ(متى 2:7)، مَنْ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ عَبْدَ غَيْرِكَ؟” (رومية 4:14).

أمّا بالنسبة لأمور الإيمان فالدفاع عنها واجب مقدّس. هوذا يوحنا الحجبيب يقول من جهة اﻷمور الإيمانية كُلُّ مَنْ تَعَدَّى وَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَعْلِيمِ الْمَسِيحِ فَلَيْسَ لَهُ اللهُ. وَمَنْ يَثْبُتْ فِي تَعْلِيمِ الْمَسِيحِ فَهذَا لَهُ الآبُ وَالابْنُ جَمِيعًا(2يوحنا 9:1)، وأيضاً الرسول بولس يذكّر في رسالته إلى تيطس اَلرَّجُلُ الْمُبْتَدِعُ بَعْدَ الإِنْذَارِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ، أَعْرِضْ عَنْهُ.عَالِمًا أَنَّ مِثْلَ هذَا قَدِ انْحَرَفَ، وَهُوَ يُخْطِئُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ.” (10:3-11). فعدم إدانة المنحرف هي تقصير من جهة المؤمن وتؤثّر على الجماعة. فالذين تزعموا إدانة المنحرفين اعتبرتهم الكنيسة من أبطال الإيمان إكليروساً وشعباً.

نحن بحاجة إلى موقف ثابت لا يعرج بين الفرقتين أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، أَنَّكَ لَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا. لَيْتَكَ كُنْتَ بَارِدًا أَوْ حَارًّا! هكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي” (رؤيا 15:3-16). لأن التقلقل هو وليد الخطايا وليس وليد المحبة. ولو حفظ المسؤولون وصايا السيّد وطبّقوها، ولو أطاع الشعب باتّضاع، اكان لنا على الأرض سلام عميق وفرح عظيم.

رسالة إلى أسقف مُنتَخَب

رسالة إلى أسقف مُنتَخَب

نقلها بأمانة الأب أنطوان ملكي

أبونا الأرشمندريت الحبيب

أقول أبونا ما دام هذا مُتاحاً إذ أني أجد في كلمة أبوناحميمية أفتقدها في كلمة سيدنا“.

لن أقول لك مبروك، فهذه لغة المجتمع لا الكنيسة، وهي للذي حصل على شيء اشتهاه. أما في الكنيسة فمَن يعرف ثقل الأسقفية لا يبارِك للمتقدّم إليها بل يصوم من أجله.

ولن أقول لك مستحق لأني بتّ مقتنعاً بأننا لم نعد نستعمل هذه الكلمة في مكانها الصحيح. عندما ننادي مستحقلأغلب الرجال على كافة الرتب، فعلياً نحن ننادي باستحقاقهم لأن يتأهّلوا لهذه الرتبة، وأنت يا أبونا تأهّلت من زمان، من يوم صرت أرشمندريتاً حاملاً لشهادة اللاهوت. أما الاستحقاق الفعلي للرتبة نفسها، بالاستناد إلى ما نراه في أيامنا، والذي تعبّر عنه هذه الكلمة، فأرى أن يكون مؤجّلاً، والأفضل أن نبقيه لجنازة الإكليريكي فإمّا نقولها معبّرة عن ما عاينّاه أو لا نقولها.

أعرف أن الكثيرين يقرؤون هذا الكلام الأخوي بنيّة سيئة ومع هذا أكتبه لأني مطمئن إلى أني دائماً أقول ما في ذهني بصراحة ومن دون مواربة. أنا أكتب وفي ذهني أيقونة الدينونة التي تقلقني في كل مرة أراها، إذ أرى البطاركة فالمطارنة فالأساقفة فالكهنة فالرهبان فالشعب يتقدمون إلى الباب الواسع المؤدّي إلى الهلاك. الوضع هناك كما هنا.

«نَدِمْتُ عَلَى أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ شَاوُلَ مَلِكًا، لأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ وَرَائِي وَلَمْ يُقِمْ كَلاَمِي» (1صموئيل 11:15). هذا قول الرب عن كثيرين من الرؤساء. هذا الكلام عرفه قليلون فهربوا من الكهنوت ومن الرئاسة، الذهبي الفم والقديس أفرام السرياني وغيرهما. شعبنا يا أبونا ليس بحاجة إلى عصي مذهبة ولا إلى بدلات مطرزة. شعبنا بحاجة إلى نموذج يتعلّم منه. شعبنا بحاجة إلى قادة متواضعين من غير رياء ومحبّين من غير تملّق.

حبّذا يا أبونا لو أنك ترفض الأسقفية فتكون مثالاً للعفّة والثبات في الإيمان وعدم اللوم. كثيرون يشتهون الأسقفية والرئاسة وقلّة هم مَن يسعون إلى القداسة قبل كل شيء. القداسة تُكتَسَب ولا تُعطى إلا من الله. إن رفضتَ الأسقفية تقدّست وقدّستَنا.

الاختزال في أنطاكية، إلى أين؟

الاختزال في أنطاكية، إلى أين؟

الأب أنطوان ملكي

مَن أخطأ في واحدة، أخطأ في الكلّ. هذا كلام للسيّد، ينطبق على الأهواء بعامّة، إنّما أكثر ما ينطبق على خطيئة الاختزال. مَن اختزل في واحدة يصير مستعداً للاختزال في الكلّ. هدف هذه السلسلة من المقالات الحديث عن اختزال الناس والمحبة، فهذا وصف يطول والكلّ يقع أو قابل للوقوع فيه، لكنّه قادر على التبرير والإسناد لدعم خيارات لا يرحم الزمن في إظهار خطئها. تبدأ السلسلة بمناقشة الاختزال في الطقوس تحديداً، وبلوغه حدّ الإلغاء في بعض الأمور، لتنتهي إلى ما هو أخطر. ففي التقليد الأرثوذكسي العبادة هي العصب الذي يخلق الجماعة. الطقوس، بحسب تعبير البطريرك اغناطيوس الرابع، هي معابر لنعمة الله المطهِّرة والمقدِّسة“. والكنيسة بتعبير البطريرك يوحنا العاشر تمنح بالأسرار نعمة الروح بعلامات محسوسة لتقديسهم وجعلهم أبناء حقيقيين لله بعبادة فريدة“.

إذاً، واضح من قول الرجلين الذين رأسا الكنيسة في الفترة الزمنية التي نعيشها أنهما يؤمنان بقدسية الطقوس وقدرتها على التقديس ونقل النعمة. فهل الأجزاء التي يتمّ اختزالها والاستغناء عنها هي إضافات أم أنها فقدت قدرتها على التقديس؟ وإذا كانت فقدت قدرتها على التقديس فلأن عندها طاقة نفدت أم لأن المتعاطين بها لم يعودوا يرون فيها قناة للقداسة؟ أم أنهم متكاسلون فلم يعودوا يستحقون القداسة؟

إن هذه السلسلة من المقالات تغطي الاختزال في المعمودية، من ثمّ في في الإكليل ومن بعده الجناز، انتهاءً إلى الاختزال في الشعب أو اختزال الشعب كنتيجة حتمية للاختزالات السابقة.

الاختزال في المعمودية

الاختزال في خدمتي الخطبة والإكليل

الاختزال في الجناز

اختزال الشعب

الاختزال في المعمودية

الاختزال في المعمودية

الأب أنطوان ملكي

قبل الشروع في الحديث عن الاختزال في خدمة المعمودية، لا بدّ من التوقّف عند الضغوط التي يخضع لها الكاهن أو لبعضها، عند كل معمودية.

1) تحوّل المعمودية إلى حدث اجتماعي بامتياز. قد تؤجّل المعمودية سنوات إلى أن تتوفّر مقوّمات الحفلة التي تتبع المعمودية، وقد يُصار إلى تعميد الإخوة معاً بهدف التوفير.

2) اختيار العرّابين أمر يخضع للاعتبارات العائلية والعلاقات الاجتماعية بالدرجة الأولى. بشكل خاص، يأتي الضغط على الكاهن في حال كانت الوالدة من عائلة غير أرثوذكسية. هذه ليست الحالة الوحيدة، فهناك أن هذا أو ذاك طلب الميرون، وغيرها أن هذا العراب أغنى من ذاك، وكل هذه الحالات من دون القبول بالحد الأدنى من القانون الكنسي.

3) الضغط الأكبر يأتي من أن هناك أديار أو كهنة آخرون مستعدّون لتعميد أبناء الرعايا التي يحاول كهنتها الحفاظ على الحد الأدنى من الترتيب. أغلب الكهنة يتراجعون عن هذا الحد الأدنى خوفاً من أن يبدوا في هيئة المتخلّي عن أبنائه. كثيرون من الكهنة يخشون سهولة تخلّي أبنائهم عن أمّهم الكنيسة وعن أبيهم الكاهن إن لم يسيروا بحسب رغباتهم.

4) طقوس المعمودية المستحدَثة، من تلبيس الذهب وفرش الثياب وتحكّم المصوّر بسير العملية. فالكاميرا تنزل إلى جرن المعمودية قبل الطفل فيما تلاقيه كاميرا أخرى في المنشفة. العرّابان إجمالاً مشغولان بتنفيذ أوامر المصوّر للتوصّل إلى الوضع الأفضل للصورة. وقد يصل الأمر بالمصوّر إلى الطلب من الكاهن التوقّف أو إعادة بعض اللقطاتالتي لم يتسنَّ له تصويرها كما يليق.

5) توقيت المعمودية يتحدد على ضوء ما يناسب المدعوّين أو توفّر المطعم، ويُعلَم الكاهن بالنتيجة، وعليه أن يدبّر الأمور بحيث تسير العملية كما خطط الأهل. الكنيسة جزء من الاحتفال، بل الجزء الأخير.

هذه بعض الحالات العامّة، وقد يكون هناك حالات خاصّة هنا وثمّة. البعض يصرّ على التعميد في البيت، أو في حديقة المنزل، أو على البحر. كل هذه هي مصادر ضغط على الكاهن تحوّل فرح دخول شخص إلى الكنيسة إلى وجعة رأس يرجو الكاهن أن تنتهي بأسرع ما يمكن.

هذا الاستعجال يؤدّي إلى اختزال أجزاء من المعمودية. يُحكى عن كاهن لا يقرأ الاستقسامات لأن الزمان تخطّاها. أغلب الكهنة لا يقرؤونها كاملة. استغرب أحد آباء الجبل المقدس أن الناس يستغربون انتشار الأمراض النفسية فيما المعمودية تجري من دون الاستقسامات. فهل هذه وضعها الآباء لأنهم كانوا يؤمنون بالخرافات؟ هل الصراع مع رؤساء هذا العالم انتهى؟

من ثمّ لا يبارك هذا الكاهن الماء بل يسكب في الجرن ماءً مقدّساً من عيد الظهور. ولا يبارك الزيت بل يسكب زيتاً تمّت مباركته في الأربعاء العظيم. ولا يقصّ الشعر لأن هذه كانت عادة تخطاها الزمن. ولا يناول بل يطلب جلب الولد إلى أول قداس بعد المعمودية. ماذا بقي من الخدمة عند هذا الأب المبارَك؟

إن درس شرح خدمة المعمودية يظهِر دور كل عبارة تُقال. قد يكون ضرورياً أن يبادر الكاهن إلى قراءة هذا الشرح في كل مرة يبادر فيها إلى تعميد أحد الأولاد. وعلى غرار ما تقوم به أغلب الأبرشيات من التهيئة للزواج، فقد يكون أكثر ضرورة أن تقيم دورات تهيئة للمعمودية تشمل الأهل والعرّابين. إن هذه التهيئة قد تلغي تلك، لكنها أكثر صعوبة ودونها مشاكل أكثر. وبما أن المجمع بادر إلى التغيير في القوانين فقد يكون من النافع أن يصدر قانون يحدد أن العرّابين هما الأم والأب دون سواهما، وهذا الأمر يمكن تبريره ولا يخالف التقليد بشيء.

الاختزال في خدمتي الخطبة والإكليل

الاختزال في خدمتي الخطبة والإكليل

الأب أنطوان ملكي

يفرد صاحب الغبطة دراسة كاملة لخدمتي الخطبة والإكليل. إن دراسة هذا الكتاب الصادر عن معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي في 2004، تجيب على الكثير من الأسئلة حول الاختزال، على افتراض أن أغلب الاختزال يصير عن قلة فهم وتقدير لكل جزء من أجزاء الصلاة.

لن نخوض في إلغاء صلاة الخطبة كما يحدث في الكثير من الكنائس اليوم، حيث أن هذه المناقشة بحاجة إلى أكثر من طرف وعلى مستوى رعائي عالٍ. التعليق الوحيد على إلغائها هو أن في الإلغاء، كما في الاختزال والاختصار، خروج على ما هو مشتَرك بين كل مكوّنات الكنيسة. أبسط أصول الأعمال التطبيقية يقول بأنه لو كان جميع الكهنة يتبعون ما بين يديهم من الكتب بدقة لما كان هناك أي فروقات في الخدمة ما بين أبرشية وأخرى وحتّى ما بين رعيتين متجاورتين.

أمّا خدمة الإكليل فالاختزال الذي طالها أقلّ بكثير من خدمة الجناز. الإفشين الافتتاحي ملغى، الإكتاني بعد الإنجيل والإفشين المرافق لها لا يقرءان. من جهة أخرى يضيف بعض الكهنة إلى الخدمة السؤال المنسوخ عن الكثلكة عمّا إذا كان كل من العروسين يريد الآخر. من حيث المبدأ، هذه الإضافة انحراف عن لاهوت سرّ الزواج في الكنيسة الأرثوذكسية، خاصةً إذا سبقته خطبة. فهذا السؤال بالأصل يسأله الكاهن قبل الإكليل، واليوم المفتَرَض أن مكاتبالزواج في المطرانيات سألته. فالشخص الآتي إلى الإكليل يعرف أنه آتٍ إلى إكليل وليس إلى قاضٍ. السؤال موجود عند الكاثوليك لأن الكثلكة تعتبر نفسها حاكمة على الدين والدنيا. نحن في تقليدنا، أن الزواج قد تمّ مدنياً عند القاضي قبل وصول العروسين إلى مباركة إكليلهما في الكنيسة. لهذا لا نجد في خدمتنا إلا طلب البركة. خدمة الإكليل لا تعلن العروسين زوجاً وزوجة، كما يجري في نهاية الإكليل الكاثوليكي. الكنيسة ليست قاضياً ولا تستطيع أن تكون.

إن العبادة هي إحدى صورة الوحدة الظاهرة. لهذا وبحسب الشرع الكنسي، يوجد في كل أبرشية كاهن مسؤول عن التأكّد من أن الخدم متناغمة خاصةً من حيث الشكل. في اليونان مثلاً، يأتي تعميم مكتوب من المطران يحدد أوقات ابتداء الصلاة. بهذا تسمع أجراس الكنائس المتجاورة تقرع مع بعضها جميعاً. أما عندنا فكل رعية تثبت توقيتها، وهذه تؤجّل وتلك تبكّر، وهذا الكاهن يزيح عيداً سيدياً وذاك يلغي السحرية أو جزءً منها. باختصار، الاستنساب في أنطاكية بلغ حدّ الفوضى.

مشكلة الاختزال الكبرى التي تطال الأكاليل هي في أوقات الإذن بالزواج. ورد في الدليل الرعائي إلى الأسرار الصادر عن المجمع الأنطاكي سنة 1996، المادة 133: “تجيز الكنيسة إتمام زواج في كل يوم على مدار السنة عدا الأيام التالية:

1- كل يوم أربعاء أو جمعة ﻷنها أيام صوم

2- ليلة كل أحد أي مساء كل سبت لأنها تهيئة ليوم الربّ

3- ليلة عيدَي الصليب في 14 أيلول وقطع رأس يوحنا المعمدان في 29 آب لأنهما يوما صوم

4- في صوم الميلاد من 20 كانون الأول وحتى عيد الظهور الإلهي

5- أيام الصوم الكبير مع أسبوع البياض وأسبوع التجديدات أي من أحد مرفع اللحم حتى أحد توما. ويجوز إتمام الزواج، لسبب صوابي، في اسبوع البياض بعد استئذان السلطة الروحية المختّصة

6- أيام صوم الرسل. ويجوز إتمام الزواج فيه لسبب صوابي، بعد استئذان السلطة الروحية المختّصة

7- أيام صوم السيدة.

تمنع الكنيسة إتمام الزواج في الأيام الواردة أعلاه، إمّا:

1- بسبب وقوعه في فترة صوم، والصوم يستدعي الخشوع والتقشّف والابتعاد عن مظاهر الفرح العالمي

2- بسبب وقوعه في فترة أعياد سيدية، تقتضي الدخول في الأفراح الخلاصية النابعة من هذه المواسم والمشاركة فيها دون أن يؤثّر عليها أي فرح عالمي آخر

3- بسبب وقوعه ليلة سبت، وليلة كل سبت هي تهيئة ليوم الربّ! واستعداد للإتحاد بجسد المسيح ودمه الكريمين.”

أما في الدليل الرعائي الصادر المجمع الأنطاكي في 2012، فقد تغيّرت فترات منع الزواج وصارت:

في 4- من 20 إلى 25 كانون الأول ضمناً ويوم بارامون الظهور الإلهي وعيد الظهور الإلهي استناداً إلى قرار المجمع، الدورة العادية، دير البلمند 13-10/21/ 1998. أي أن الزواج صار مسموحاً في الفترة بين العيدين، من دون أي تعليل.

أُضيف أحد العنصرة، وهو بالواقع ليس إضافة لأن أحد العنصرة هو غروب عيد الروح القدس أي عيد سيدي وبالتالي هذه الإضافة توضيحية لا غير.

التفسير الذي تمّ تداوله للسماح بالزواج بين عيدي الميلاد والظهور كما عدا البارامون، هو أن غالبية شبابنا مسافرون وتأتي فرصهم في تلك الفترة التي تضمّ أيضاً رأس السنة الميلادية. لم تثر أي ضجة مع أن عدداً من الكهنة لم يعتبر نفسه معنياً بالتغيير خاصةً أن التعليل لا يستند إلى أي منطق لاهوتي.

أما بيان المجمع الأنطاكي برئاسة غبطة البطريرك يوحنا العاشر في دورته العادية الثامنة من 3 وحتى 5 من تشرين الأول 2017، فقد أورد ما يلي: “واطلع الآباء على الدراسة المقدمة بشأن سر الزواج وأوقات إتمام هذا السر وشددوا على أهمية الرابط الزوجي وقدسيته كَسِرٍّ وكلُبنةٍ أولى وأساس في بناء العائلة المسيحية واتخذوا قراراً بالتشديد على التالي: أولاً: يُحتفل بالزواج في الكنيسة وليس في أماكن أخرى. ثانياً: تقام الخدمة وفقاً للمراسيم الليتورجية المحددة في كتاب الخدمة دون سواها. ثالثاً: تجيز الكنيسة إتمام سر الزواج في كل يوم على مدار السنة عدا الأيام التالية: يوم عيد الصليب في 14 أيلول، يوم عيد قطع رأس يوحنا المعمدان في 29 آب. من 20 إلى 25 كانون الأول ضمناً، يوم برامون الظهور الإلهي ويوم عيد الظهور الإلهي. من الأربعاء في أسبوع البياض (قبل الصوم الكبير) ولغاية السبت الجديد (بعد الفصح) ضمناً. يوم عيد العنصرة. أيام صوم السيدة من 1 إلى 15 آب (ضمناً)”.

إذاً اختزل المجمع 3 أيام من أسبوع البياض، صوم الرسل، ليلة عيدَي الصليب وقطع رأس يوحنا المعمدان، وكل أيام الأربعاء والجمعة والسبوت، وصار ممكناً إقامة الزواج فيها.

يذكر البيان أن المجمع استند إلى دراسة مقدّمة. كالعادة، لم تُنشَر هذه الدراسة، وهذا ما يحدّ من إمكانية التوسّع بالتعليق على هذا الاختزال، من دون أن يمنع طرح الأسئلة التالية:

ما هو السند اللاهوتي الممكن لهذا التغيير؟ لماذا لم تتوصل إليه أيٌ من الكنائس الأرثوذكسية الأخرى في العالم؟

في تعليم 1996 يُذكر 3 أسباب لمنع الزواج في يوم ما. فهل السماح بالزواج أيام الأربعاء والجمعة يعني أن هذه الأيام لم تعد أيام صوم؟ هل السماح بالزواج في صوم الرسل يعني الاستغناء عن هذا الصوم؟ هل السماح بالزواج يوم السبت يعني أنّه تمّ الاستغناء عن الاستعداد ليوم الربّ؟

تعليق

انعقد لقاء 1923 التاريخي في القسطنطينية حيث قاطعت بعض الكنائس وأنطاكية كانت من بين الحضور. تقدّم بطريرك القسطنطينية في حينه ملاتيوس ميتاكساكيس. كان البرنامج مثقلاً بالأمور الخلافية حتى أن بعض الدارسين يعتبرونه انقلاباً على التقليد. من أهم الأمور التي كانت مطروحة في اللقاء المذكور إعادة النظر بالأصوام، وتحديداً الاستغناء عن صوم الأربعاء والجمعة وصوم الرسل، إعادة النظر بالتقويم اليولياني، زواج الأساقفة، التخلّي عن القيافة الكهنوتية التقليدية كتقصير الشعر وحلق اللحى واللباس المدني وغيره. الكنائس التي حضرت تبنّت التقويم المعدّل، المتّبع حالياً لدينا، بحيث نعيد كل الأعياد بحسب التقويم الغريغوري الغربي المتّبع في كل العالم ما عدا الفصح الذي نعيّده على التقويم اليولياني. أرجئ البتّ بالقضايا الأخرى، لكن عملياً وعلى غرار التقويم اعتُمِد أغلبها من دون قرار أرثوذكسي جامع.

في التحضير للقاء كريت المهزلة أعيد طرح العديد من القضايا التي لم تُعتَمَد في 1923. من أهمّ الأمور التي لم تصمد حتّى انعقاد اللقاء: 1) إعادة النظر في أصوام الأربعاء والجمعة والرسل و2) التقويم الأرثوذكسي. موضوع إعادة النظر في الأصوام لاقى ممانعة قوية وأسقِط باكراً. أما موضوع التقويم فأسقِط لاحقاً وتبيّن أن الهمّ فيه لم يكن إعادة النظر بكل التقويم بل فقط بتعييد الفصح ومحاولة ملاقاة الكثلكة والأقباط في السعي إلى تاريخ موحّد للتعييد بالفصح. أنطاكية لم تذهب إلى كريت لأن موضوع توحيد العيد لم يعد وارداً (بيان المجمع الأنطاكي في 6 حزيران 2016)، وها هي اليوم بقرار المجمع الأخير حول مواعيد الأكاليل تلغي عملياً صوم الأربعاء والجمعة وصوم الرسل.

ينظر الكثير من الدارسين إلى لقاء 1923 على أنه محاولة للخروج عن الأرثوذكسية تأتي قضية التقويم التي شقّت العالم الأرثوذكسي كإحدى ظواهر هذه المحاولة. واليوم تقوم أنطاكية لوحدها بهذا الخروج.

الاختزال في خدمة الجناز

الاختزال في خدمة الجناز

الأب أنطوان ملكي

في كتاب مختصر الإفخولوجي الذي يحتوي على جميع الصلوات التي يحتاج إليها الكاهنومنه في أنطاكية نسختان قيد التداول. الأقدم هي من مراجعة الخوري نقولا خوري في القدس سنة 1934، والأخرى من مراجعة سرجيوس أسقف سلفكية في 1964. واضح أن الثانية هي اختصار للأولى. كعادة أغلب ما بين يدينا، ليس من دراسة حول سبب الاختصار سوى ما العبارة التي ترد في النسخة المختصرة نفسها إن العادة الآن لأجل السرعة والاختصار…” أنظر مثلاً ص. 198 حيث يرد أن العادة الآن لأجل السرعة والاختصار هي أن الكاهن يتلو المزمور 119 “طوباهم الذين بلا عيببكامله، وهو المزمور الأطول، على انفراد قبل الابتداء بصلاة الجناز إلى أن يجتمع الناس. وفي حين تلاوة صلاة الجناز يقتصر على ترتيل الاستيخونات الستة فقط الموضوعة هنا“. إذاً، العادة والاختصار اقتضتا أن لا يبقى من كل مزمور إلا ست استيخونات، وفي أيامنا هذه لم تعد تُقال جميعها ولا حتّى الطلبات التي ما بينها. إلى هذا، فإن صلاة الجناز في نسخة 1964 تبدأ بالمزمور الحادي والتسعين الساكن في عون العليوقد أُسقِط. من ثمّ تتبع الإفلوجيتاريا مبارك أنت يا رب، فطلبة، فثلاث طروباريات غالباً ما يقرأها اليوم الكاهن الكاثوليكي المشارك، من ثم المزمور الخمسون الذي حُذِف فقانون على كل قطعة منه يُقال «أرِح يا رب نفس عبدك هذا الراقد»يتضمن كاثسماتات حُذِفَت، ولم يبقَ منه إلا أرموس وطلبة ومن ثم قنداق وطلبة من دون البيت. من ثم إرموس تمّ حذفه تتبعه طلبة فالدمشقيات، أي القطع التسع التي لا يوجد ما يضاهيها روعة في وصف سر الموت، والتي أُسقِطَت من الخدمة وبقيت مرتلة لمحبي الترتيل البيزنطي حيث أن متري المرّ أبدع في ضبطها وجوقة أبرشية طرابلس أبدعت في أدائها على أحد أقراصها المدمّجة. هذه الدمشقيات صار أهل الفقيديختارون منها ما يريدون سماعه على الآن في المكارزمي الذي اختُصرَت قطعه ولم يبقَ منها إلا الاستيخونات. الرسالة والإنجيل يتبعان المكارزمي، وهنا يسقط السرعة والاختصار حيث قد تمتدّ قراءة الرسالة إلى خمس دقائق ومثلها الإنجيل تتبعهما عظة قد تتخطّى العشر دقائق خاصةً إذا بدأت بالتحية لأصحاب المناصب وممثلي الرؤساء الذي يضّيقون الكنيسة بكراسيهم المفروضة في الصفوف الأولى حتّى ليظن الغريب أن ما يجري هو حفل تكريم لهم لا صلاة من أجل الراقد. من ثم يعود الاختصار فيُحذَف أربعة عشرة طروبارية قد تتفتّق القريحة البشرية عن ما يشبهها في تفصيل سرّ الموت وشرحه وربطه بالحياة الحالية وبالقيامة الآتية وليس من السهل إيجاد ما يوازيها من الكلام المعزّي في أفئدة الناس. من بعد هذا تأتي صلاة الحل فتريصاجيون فالختم. طبعاً هذا التريصاجيون الأخير تمّ حذفه.

تنتشر اليوم بين يدي الكهنة نسخة هي اختصار الاختصار لعدد من الخدم صادرة عن أبرشية بيروت، كما بين يدي كهنة طرابلس والكورة نسخة للجناز جمعها الإيكونوموس جبران اللاطي عن طريق قطع صور من مختصر الإفخولوجي ولصقها. هذه النسخة تعطينا فكرة من الناحية الإحصائية، ففيما خدمة الجناز في كتاب مختصر الإفخولوجي لعام 1964 هي في 43 صفحة، أمّا نسخة اللاطي فهي في 18 صفحة، إذا أسقطنا منها صفحة المزمور الخمسين الذي يرتّل على الطريق لا في الكنيسة، وأنه كرر الطلبة لا الإشارة إليها مقتطعاً صفحة كاملة لكل مرة وأبقى على طروباريات المكارزمي، كما أفرد صفحة كاملة لصلاة الحل، لا يبقى في هذه النسخة إلا 12 صفحة. بغض النظر عن حجم الصفحات وقول علم المطبوعات، فإنّنا نحكي عملياً على ربع الخدمة.

لا يوجد في اللغة العربية أي دراسة تشرح خدمة الجناز، ولا أي دراسة تشرح مراحل زمّه“. مبرر الاختزال الوحيد هو السرعة والاختصار“. أليس معيباً الكلام عن السرعة والاختصار في خدمة الجناز فيما معدل حضور التلفزيون عالمياً لمَن أعمارهم بين 33 و59 هو 33 ساعة في الأسبوع أي ما يزيد عن 4 ساعات في اليوم؟ أليس معيباً أن يكون السرعة والاختصار سبباً لاختصار خدمة الجناز إلى ما دون العشرين دقيقة فيما لا تقلّ عدد ساعات تقبّل التعازي، رسمياً، لأي فقيد عن 32 ساعة؟

طبعاً، ليس إيراد هذه الأرقام أن تكون هدفاً بذاتها. أن تكون ساعات تقبّل التعازي غير خاضعة للاختزال فيما فقط الصلاة خاضعة، معناه المباشر أننا لم نعد نؤمن بأن العزاء الفعلي يأتي من الله بل من الناس والتفافهم وتعاضدهم. أن تقبل الكنيسة بذلك معناه أنه ترضى أن تتحوّل مكتباً للتجنيز قد يأتي يوم يحدد فيه أهل الفقيد ماذا يريدون من الصلوات، كما يحددون اليوم مَن يريدون من الكهنة وعدد باقات الزهر وساعات تقبّل التعازي. أن يقبل الإكليروس هذا الكلام معناه أنه استقال من دور نقل وجه المسيح المسيح إلى الناس وصار منخرطاً في تقديم إلى كل واحد المسيح الذي يناسبه. وصل الأمر ببعض الآباء أن تتحوّل أبوّتهم إلى شرطي سير يقول للناس اجلسوا أو قفوا في خدمة الجناز، طبعاً من دون أن يشمل الأمر أهل الميت الذين يعطيهم حزنهم الحق في عدم الوقوف عند قراءة الإنجيل. لماذا ننمّي الجوقات إن لم تكن لترتّل الدمشقيات في الجنانيز فتحمل فكر الدمشقي إلى قلوب الناس وأولهم أهل الفقيد؟ فبدل أن ينشغلوا في حزنهم وحرمانهم من فقيدهم، أو في اهتمامهم بأن لا يقصّروا مع أحد من الحضور وفي حجم الحضور في جنازهم الذي فاق جناز جارهم، أو في عدد المطارنة والكهنة المنتصبين في الباب الملوكي وحوله، الراكضين إلى التعزية في الكنيسة فيما الشعب يعزّي خارجاً، لأن وقت الإكليروس أثمن وقت الشعب. وبدل أن ينشغل أهل الفقيد بالكلمة التي سوف يلقيها ممثلهم داخل الكنيسة بمخالفة صريحة لكل القوانين الكنسية وحتّى للأعراف الاجتماعية، فإن طروباريات وداع الميت تحمله، وتحمل أهله ومحبيه وكل الذين لبّوا الواجببالحضور إلى الجناز، إلى باب السماء وتضعه بين يدي ملاكه الحارس وتصالحه مع الكثير من الرؤى التي كان خاصمها في حياته.

هذا الاختزال إلى أين؟ إنه اختزال للفكر واللاهوت والدور والرسالة، ولا بدّ في النهاية أن ينعكس اختزالاً للبشر، فيصير التعاطي مع الراقدين على أنهم حالات عابرة وأهلهم زبائن عابرين. هنا العثرة. مطلوب أن تعيد الكنيسة، طبعاً المقصود هنا هو الإدارة الكنسية، ترتيب أمر الاختزال حتى لا نصل إلى ما هو أسوأ.

اختزال الشعب

اختزال الشعب

الأب أنطوان ملكي

هذا العنوان مثير للرهبة لأن اختزال الإنسان هو أكبر الخطايا. “هل أنا حارس لأخي؟لم يكن القتل خطيئة قايين الكبرى بل الإنكار. واليوم أين يأتي الاختزال في الكنيسة؟ أهو خطيئة؟ لقد بيّننا مخاطر الاختزال في الأكاليل والجنانيز. لن نتطرق إلى الاختزال في القداس، بل سوف نعبر مباشرة إلى الحديث عن اختزال الشعب.

لمَ قد ينتبه إلى أنه يختزل الشعب مَن اختزل الطقوس؟ الطقوس أصلاً قنوات لتقديس الشعب. إذا اختزلناها يعني أننا ضيّقنا القناة التي تعبر فيها القداسة وصار المستفيدون منها أقلّ. إذا كنّا فعلاً نهتمّ بالمستفيدين من القناة، الطالبين القداسة، فإننا لا نضيّقها، يعني لا نختزل. الأمر بسيط ويمكن شرحه بمَثَل. عندما كان يأتي البعض طالبين إذناً للإكليل مساء السبت، كان مطران طرابلس يحاول إقناعهم بأن الإكليل مساء السبت لا بَرَكة فيه. هو لم يحكِ معهم بقوانين بل بالبَرَكة. مَن يريد البَرَكة يلتزم القانون. اليوم ماذا لدى المطران ليقوله للشعب؟ اليوم لا شيء يردع المتردد عن اختيار الوقت الذي يناسب مصفف الشعر والمطعم والمصوّر وبائع الزهر. لم يعد هناك عوائق كنسية، ولكنه لن يلحظ أنه لم يعد هناك برَكة. وبحجة القانون الجديد سوف تنهار دفاعات الكهنة المتمسّكين بعدم جواز الإكليل مساء السبت. ومن نتائج هذا الانهيار استقواء الشعب على الكاهن المتمسّك بأنه ليس موظّفاً في محكمة عملها إصدار شهادات الزواج بل هو ناقل بَرَكة، ولهذا يرفض أن يقيم الطقس إلا بحسب الأصول. هذا الكاهن سوف يزداد الضغط عليه، أمّا الكاهن المتردد فسوف يسلك بحسب القانون تبريراً لذاته بحجة الطاعة.

أن نحرم الشعب من البركة هو اختزال له. في ظل سيطرة الذهنية غير اللاهوتية، قد يبدو هذا الكلام اجتهاداً نظرياً للكثيرين. لكن ماذا عن الواقع الذي يعكس هذه الذهنية:

يزيد عدد الأبرشيات والمعتمديات الأنطاكية عن العشرين، فيما عدد الأبرشيات التي تمّ تشكيل مجلس مليّ فيها، أو مؤتمر أبرشية، لا يصل إلى عدد أصابع اليد الواحدة. فأين دور الشعب؟

ما هو وضع مجالس الرعايا في كل الأبرشيات؟ فأين مساهمة الشعب؟

كم هو عدد الأبرشيات التي تتشكّى من تفرّد المطارنة، أو من إحاطتهم بمجموعات من المتسلّطين أو المتنفّعين، الذين يدفعون بالأمور باتّجاه أهوائهم؟

لماذا تستطيع كنائس رومانيا وصربيا وجورجيا وغيرها إقالة مطارنة بسبب العجز أو التقصير، فيما أنطاكية تستجدي استقالة العاجزين من أقربائهم؟ وهل كان ذلك ممكناً لو أن المجالس التي تنصّ عليها القوانين المتّبعة موضوعة قيد التفعيل؟

على كافة مستويات الكرسي، كم هو عدد اللجان التي تضم علمانيين وتستمر في عملها حتّى إنجازه؟ أليس كل الرؤساء يفضّلون العمل مع أفراد لا لجان؟

هل يمكننا الكلام عن أدوات إعلامية أو تواصلية في أنطاكية، في وقت لا تبث الآليات القائمة إلا أخبار الرؤساء؟ وفي أغلب الأحيان من دون حساب دقيق لأبعاد البث وتأثيره على الشعب أو استغلال أعداء الكنيسة له؟ قبل أن يُعلَم الشعب بكل لقاءات الرؤساء فلتُنشَر كل المحاضر والدراسات واجتماعات التخطيط حتى تصير الصورة كاملة. في القرن الحادي والعشرين مات الإعلام ليعيش التواصل، والتواصل يحتاج إلى اتجاهين من تبادل الرسائل. إعلام أرثوذكس أنطاكيا تلقيني وعظي وباتّجاه واحد، ما يزيد من التباعد بين الشعب والرئاسات، أي من الاختزال.

ليس الهدف هنا التركيز على وضع الشركة ولا تحميل الرئاسات وحدهم مسؤولية هذا الوضع. هناك حركات وجمعيات استأثرت تاريخياً بتمثيل الشعب هنا وثمة، في بعض الأبرشيات أو على مستوى الكرسي، وامتطى رؤساؤها المؤسسات الكنسية، فساهمت في إيصال الحالة إلى ما هي عليه. إن الاستئثار هو الوجه الآخر للاختزال. المشكلة ليست في لجنة واحدة أو في قضية محددة، بل في الروح الذي يحرّك الأمور، روح الاختزال والاستئثار والسلطة. في الكثلكة بابا واحد محكوم بشبكة من القوانين، في أنطاكيا كمّ لا يُحصى من البابوات على مستوى الكرسي والأبرشيات والرعايا والمؤسسات وحتّى اللجان في مجالس الرعايا حين تتشكّل. نموذج السلطة التي تبيح لنفسها احتكار الرؤيةيسهل نسخه.

أين الحلّ؟ في الدرجة الأولى في التزام الكنيسة عملها الحقيقي، أي التقديس. في عهد أستاذ أساتذة الليتورجيا، لا تستقيم الأمور خارج مكانها الصحيح. كل شيء آخر هو قشور. اللجان والمجالس والمحاكم وحتى المجمع لا ثمار لهم خارج عملية التقديس التي تبدأ في هذا الاحتكاك الذي يتحوّل لقاءً في الكنيسة على الصلاة. الكلّ توقّع تمسكاً في تطبيق الأصول لا ازدياداً في التراخي، المنتَظَر كان لا أكاليل في السبت ولا ذكرانيات في الأحد، لأن القداسة هي الهمّ. فإذ بأكاليل السبوت تصير شرعية، وتُلغى الأصوام، وتعود صور الراقدين إلى الكنائس في ذكرانيات الآحاد. لا يمكن التكهّن بالآتي، طالما أن ذهنية التقليد معطّلة. في أنطاكية دعي التلاميذ مسيحيين أولاً، فآخراً ما سوف يُدعَون؟

الديموقراطية والشركة في الوضع الأنطاكي القائم

الديموقراطية والشركة في الوضع الأنطاكي القائم

الأب أنطوان ملكي

هل يمكن الحديث عن الديموقراطية في الكنيسة الأرثوذكسية؟ للإجابة عن هذا السؤال ينبغي التوقّف عند المعنى الحقيقي للكلمة. فالديمقراطية هي شكل من أشكال الحكم يشارك فيها جميع المواطنين المؤهلين على قدم المساواة إما مباشرة أو من خلال ممثلين عنهم منتخبين في اقتراح، وتطوير، واستحداث القوانين. وهي تشمل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تمكن المواطنين من الممارسة الحرة والمتساوية لتقرير المصير السياسي.”

إذاً واضح أنّ لا مكان للحديث عن الديموقراطية في الكنيسة لأن آلياتها الفعليّة لا تنطبق على الجسم الكنسي البشريالإلهي. أصلاً يظهر هذا الاختلاف من الاسم بحد ذاته. قراطية (Κρατία ، kratia ) في اليونانية تعني حكم. ديمو من ديموس (Δήμος ، Demos) وتعني عامة الناس. في الكنيسة لا نحكي عن حكم ولا عامّة الناس بل عن الخدمة وعن الشعب (Laos، Λαος).

إذاً الديموقراطية معنية أكثر بالطبقية، وتستند أصلاً إلى تصنيف الناس إلى درجات. بينما المثال في الكنيسة هو الثالوث. لهذا يصحّ الكلام عن الشركة. لا مكان للطبقات لأن المفهوم الصحيح هو المواهب. طبعاً هنا تدخل مفاهيم إضافية لا بدّ من التمعّن بتأثيراتها، كالتراتبيّة (hierarchy) والطاعة. تبقى الشركة محفوظة طالما النظر مركّز على المثال، والاستناد هو إلى المواهب لا إلى الطبقات. أمّا متّى اهتزّت الشركة فتتحوّل التراتبية إلى طبقيّة وتصير الطاعة عرضةً للاستغلال.

في الديموقراطية تصدر القرارات بالأكثرية. هذه آلية حوّلتها الصراعات السياسية والفلسفات الحديثة إلى حقّ شبه إلهي. في الكنيسة القرارات تأتي بما يحسن للروح القدس وللجماعة. ولا تقرأ الجماعة الروحَ القدس إلا إذا تكلّم فيها القديسون الذين استناروا وتطهروا. في زمان الرسل، الآلية كانت القرعة.

فالحق في الكنيسة ليس في القانون. بل في الحق الذي هو يسوع المسيح. قوة القانون هي الخطيئة، ولولا الخطيئة لما كان القانون. هذا يظهِر هشاشة كل القوانين.

هناك قوانين للمجلس المليّ ومجالس الأبرشيات ومجالس الرعاية والمجالس التأديبية والمجالس الاقتصادية ويمكن كتابة الكثير غيرها. لكن أين الشركة؟ أين هي هذه المجالس التي قد تؤمّن الحد الأدنى من الشركة؟ في عدم استقبال عامة المؤمنين؟ في الصور التذكارية على موائد الأغنياء فيما الفقراء يعجزون عن إيصال رسالة إلا عبر الفايسبوك؟ في عدم تسلّم الرسائل في البريد المضمون؟ صحيح أن الشركة هي في الكأس الواحدة، لكنها من هناك تمتّد إلى كلّ أوجه الحياة، وإلا فهي تحوّل القداس الإلهي إلى طقس لا شركة فيه.

يعلّم صاحب الغبطة يوحنّا العاشر في الرِّسَالةُ الرِّعَائِيَّةُ الثَّانِيَة” التي أصدرها في عيد رقاد السيدة 2017، أن المطران يُنتَخَبُ في المَجْمَع، وَيَعِيشُ في المَجْمَعِ حَيثُ يُراقِبُ ويُراقَب، وَيُحاكَمُ في المَجْمَعِ مَتى خالَفَ الإيمان.” عدة أسئلة يثيرها هذا التعليم: هل الكلام عن انتخابه في المجمع إلغاء للدور الذي تعطيه القوانين للشعب في تسمية المرشحين؟ ما معنى يعيش في المجمع؟ التقليد والحاجة أنه يعيش في رعيّته ويموت فيها كل يوم. ما معنى أن المجمع يراقبه؟ أليس لرعيته أي دور في المساءلة؟ لماذا يُحاكَم متى خالف الإيمان؟ أليس التمسّك بالكرسي بعد العجز مخالفة للإيمان؟ أليس العيش خارج الأبرشية والتنقّل هنا وهناك أغلب الوقت مخالفة للإيمان؟ أليس الامتناع عن استقبال أبناء الرعية مخالفة للإيمان؟ أليس التفرّد والتسلّط والبطش مخالفة للإيمان؟ هذا التعليم بحاجة إلى توضيح وإلى ربطه بأمثلة. الخطر كبير في أخذ هذا الكلام كتفويض لفصل الشعب وحتّى الإكليروس عن المطارنة. مجمعٌ بكنائس فارغة أو شبه فارغة هو شركة توصية بسيطة لا شراكة فيها.

إن في تقليدنا الكثير مما نهمله فيما يمكننا أن نتعلّم منه. يذكر القانون 26 من مجمع خلقيدونية المسكوني الرابع: “بما أنّه قد بلغنا أنّ بعض الأساقفة يديرون مصالح الكنيسة المالية بدون إيكونومس، فَلاحَ لنا أنّه يحسن بأن يُعيّن مدبرٌ لكلّ كنيسة فيها أسقف ينتخبه الإكليريكيّون عنده، ويُعهَد إليه بالاعتناء بمصالح الكنيسة المالية وإدارتها بموافقة الأسقف ومراقبته لمنع حدوث تلاعب أو تبذير في أموال الكنيسة مما يسبّب اللوم على أرباب الثوب الإكليريكي. وإذا رفض الأسقف العمل بموجب 1ذا القانون يكون عرضة لما تفرضه القوانين الإلهية من عقوبات“. هذا كلام كتبه آباؤنا سنة 451، أين كان حينئذ المتحدّثون عن توزيع السلطات؟ وأين كان المنظّرون عن الرقابة والشفافية؟ لكن أين واقعنا من هذا الكلام؟ الوكيل اليوم يُعيّن والشرط هو أن يكون متبتّلاً. مَن ربط التبتّل بالتعفف عن المال والسلطة؟ وأين الإثبات على ذلك؟ الوكيل ينتخبه الإكليريكيون. مَن يستمع للإكليريكيين اليوم في تعيين الوكلاء وترقية الكهنة وانتخاب الأساقفة؟

قد يكون كل هذا الكلام سبباً للقنوط والتأفف. لكن هناك ما يبعث بعضاً من الاطمئنان ويساهم في خلق حافز للتمسّك بالتقليد لأن القائمين على الكنيسة يدركون ذلك. أفضل تعبير عن هذا الكلام جاء في رسالة صاحب الغبطة المذكورة أعلاه حيث يقول: “لَقَد حالَتْ أَوضاعٌ كَثِيرَةٌ، هُنا وَهُناك، دُونَ تَألِيفِ الهَيئاتِ الّتي نَصَّ عَلَيها النِّظامُ الدّاخِلِيُّ لِلكُرْسِيّ بِشَكْلِها الكامِل، مِمّا قَلَّصَ مِنَ المُشارَكَةِ الفاعِلَةِ لأَبناءِ الكَنِيسَةِ في إدارةِ شُؤُونِ رَعاياهُم وَأَبْرَشِيّاتِهِم. ولَقَد دَفَعَ هذا الأَمرُ بِالكَثِيرِينَ إلى التَّشَكِّي مِن هذا الواقع، أَوِ التَّكَتُّلِ في هَيئاتٍ مُوازِيةٍ لِلتَّعبيرِ عَن رَأيِهِم. لِذلِكَ لا بُدَّ لَنا كَكَنِيسَةٍ مِنْ أَنْ نَتَجاوَزَ هذا الخِلافَ على القَوانِين، الّذي تَعْرِفُهُ كَنِيسَتُنا مُنذُ الخَمسِينِيّات، وَأَنْ نَنْصَرِفَ الآنَ إلى تَوطِيدِ وَحْدَتِنا وَتَوحِيدِ كَلِمَتِنا مِن خِلالِ إنشاءِ الهَيئاتِ الّتي تَنُصُّ علَيها أَنْظِمَتُنا، وَمِن خِلالِ وَضْعِ قَراراتِ المُؤتَمَرِ الأنطاكِيِّ الأَخِيرِ مَوضِعَ التّنفيذ. لَقَدَ مَرَّ على إقرارِ أَنْظِمَتِنا ما يُقارِبُ الخَمسِينَ سَنَةً، وَقَد أَصْبَحَتْ بِلا شَكٍّ بِحاجَةٍ إلى تَعدِيلٍ وَاسْتِكْمالٍ بِحَيثُ تُواكِبُ النّهضةَ الّتي نَرْنُو إليها جَميعُنا على صَعيدِ الكُرْسِيِّ الأنطاكيّ. وَلكِنَّ مِحَكَّ صِدْقِنا جَميعاً يَبقى في الْتِزامِنا الآنَ تَنفِيذَ الأَنْظِمَةِ المَعمُولِ بِها وَمُراكَمَةِ الخُبُراتِ الّتي تُفِيدُنا في أّيِّ تَعدِيلٍ نَقُومُ بِهِ في المستقبل، لأنَّ القَوانينَ إنّما تُوضَعُ لِتُخَلِّصَ الجَماعةَ مِنَ المِزاجِيَّةِ وَالفَرْدِيّة.”

الكلّ يتطلّع إلى أن يرى هذا الكلام في التنفيذ فنرى الشركة زاهرة مثمرة ولا تبقى الظروف والأوضاع تتحكّم بمسيرتنا بل نحن نسيّرها إلى لقائنا الكبير بوجه المسيح.

لماذا يوم الأحد مهم عند المسيحيين؟

لماذا يوم الأحد مهم عند المسيحيين؟

المتروبوليت ايرثيوس فلاخوس

نقلتها إلى العربية ينال إبراهيم

حدثت قيامة المسيح في الساعات الباكرة من صباح يوم الأحد. لا نعرف بالتحديد الوقت الذي حدثت فيه القيامة لأن أحداً لم يرَه في تلك اللحظة، ولكن القيامة تأكّدت عندما ذهبت حاملات الطيب الى القبر ليطيبن جسد المسيح. إذاً، يوم الأحد هو أول يوم في الأسبوع، هو يوم قيامة المسيح. إذا كان المسيح قد قهر سلطان الموت يوم السبت، فقد ثبت للجميع في الأحد قيامته وأنه غالب الموت والشيطان.

يوم الأحد هو اليوم الأول في التقويم الأسبوعي ولكنه يدعى أيضاً اليوم الثامن لأنه يأتي بعد نهاية اليوم السابع، أي يوم السبت. كان الأحد يعتبر في العهد القديم يوماً مهماً لأنه أول أيام خلق العالم، ففيه خُلق النور، ومن جهة أخرى يُعتبر مقدساً بسبب الآية سَبْعَةَ أَيَّامٍ تُقَرِّبُونَ وَقُودًا لِلرَّبِّ. فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ يَكُونُ لَكُمْ مَحْفَلٌ مُقَدَّسٌ تُقَرِّبُونَ وَقُودًا لِلرَّبِّ. إِنَّهُ اعْتِكَافٌ. كُلُّ عَمَلِ شُغْلٍ لاَ تَعْمَلُوا.” (لاويين 36:23).

لم يدعُ موسى اليوم الأول أولاً بل اليوم اﻷحد. ويفسّر القديس باسيليوس الكبير ذلك بأن يوم الأحد المقدس هو اليوم الذي قام فيه الرب من الموت. ويسمّى الأحد ليوجّه تفكيرنا إلى الحياة الأبدية المستقبلية.

إذاً، يوم الأحد هو يوم من الأبدية وسيكون اليوم الثامن بحد ذاته. وإذا كانت الدورة الأسبوعية ترمز لفترة حياة المرء، وإذا كان يوم الأحد نموذجاً جزءاً للزمان الثامن الآتي، فهو إذاً يوم واحد. القديس باسيليوس الكبير يسمّي يوم الأحد أول ثمار الأيامومن نفس مصدر النور“.

بحسب القديس غريغوريوس بالاماس دُعي يوم الأحد باليوم الثامن لأن قيامة المسيح حدثت في هذا اليوم وهي القيامة الثامنة في التاريخ حيث حدثت ثلاثة منها في العهد القديم (واحدة بواسطة إيليا النبي واثنتان بواسطة أليشع) وأربعة في العهد الجديد بواسطة السيد المسيح (ابنة يائيروس وابن أرملة نايين ولعازر وقيامة الأموات في يوم الجمعة العظيم). وهكذا الأعظم، القيامة الثامنة، هي قيامة المسيح. أساساً، ليست الثامنة وحسب، بل أيضاً الأولى من جهة رجاء قيامة الموتى.

خُلِق النور في يوم الأحد، اليوم الأول من الخلق. في يوم الأحد، يوم التجديد الأول، ظهر نور القيامة وهو نفس نور التجلي والعنصرة. أقصَت طبيعة المسيح البشرية قابلية الموت والفساد، كما سوف نرى.

دُعي يوم الأحد أيضاً باليوم المقدس والمختار لأن كل الأحداث السيدية حدثت فيه. بحسب الآباء، فإن بشارة والدة الإله وميلاد السيد المسيح وقيامته والأحداث السيدية العظمى كلها حدثت يوم أحد. والمجيء الثاني والقيامة العامة ستحدثان أيضاً في هذا اليوم (القديس بطرس الدمشقي). لهذا السبب يعطي المسيحيون يوم الأحد هذه الأهمية والقيمة ويسعون لجعله مقدساً، إذ في مثله سوف يكون يوم المجيء الثاني المفاجئ.

ولهذه الأسباب يمدح القديس يوحنا الدمشقي أحد الفصح: “هذا اليوم المدعو المقدس الذي هو أول السبوت وأقدسها، عيد الأعياد وموسم المواسم الذي نمجد فيه المسيح إلى الأبد“.

ومما يبعث على التواضع أن نعرف أن الكنيسة تحتفل كل أحد بقيامة المسيح بهذه التراتيل الرائعة. وهكذا، إضافة إلى الفصح السنوي هناك فصح أسبوعي، ندعوه الفصح الصغير، هو يوم الأحد المنير.

ملاحظات حول الشفاعة

ملاحظات حول الشفاعة

إعداد الأب أنطوان ملكي

الشفاعة هي إحدى نقاط الاختلاف بين المسيحيين، وقد تكون نقطة الخلاف الأعمق، وعليه العائق الأكبر أمام أي وحدة بين الأرثوذكس والبروتستانت. فالأرثوذكس والكاثوليك أو الشرقيون قد يختلفون على اعتبار هذا الإنسان قديساً أو ذاك لكنهم ليسوا مختلفين على قبولهم للقداسة وإمكانية الوصول إليها. في المقابل، البروتستانت، في تفسيرهم المجتزأ للكتاب المقدس، لا يميزون بين القداسة والإيمان وبالتالي لا يعود الجهاد أو النسك مبرَراً ولا مطلوباً.

شعبنا الأرثوذكسي يتأثّر بالفكرين المذكورَين أعلاه، الكاثوليكي وسلوكه القانوني الحرفي في تحديد القديسين وصوغ العلاقة معهم على أساس من النفعية القائمة على الخوف، والبروتستانتي في إهمال العلاقة مع القديسين والانتفاخ بأن الإيمان لوحده يخلّص. من هنا تمّ تجميع هذه الملاحظات البسيطة من دون تعقيد لاهوتي.

شفاعة القديسين تحمل معنى الإيمان بالحياة الأخرى، أي الإيمان بأن الذين انتقلوا ما زالوا أحياء وهم يعملون. إنه إيمان بالصلة الدائمة بين السماء والأرض. وبأننا نكرم القديسين لأن الله نفسه يكرمهم. لهذا، الشفاعة هي بركة المحبة بين أعضاء الجسد الواحد، الكنيسة، التي هي جسد المسيح الواحد الذي هو رأسه. المسيحيون أعضاء هذا الجسد سواء في هذه الحياة أو في الأخرى. من هنا أنهم يتبادلون المحبة والصلوات والشركة، فالأحياء يصلّون من أجل الراقدين والراقدون يشفعون بالأحياء. هذا هو المعنى الحقيقي لكلام السيد في صلاته إلى الآب: “ليكونوا واحدًا كما نحن“. الوحدة هي وحدة إيمان وصلاة.

من هنا أن الذي يؤمن بالشفاعة ينتفع برابطة المحبة التي بينه وبين القديسين وبينه وبين أرواح أحبابه الراقدين، ويُزاد إلى صلاته صلوات أقوى وأعمق لأجله. أما من ينكر الشفاعة فإنه يخسر هذه الصلة وهذه الصلوات. وعلى هذه النقطة يقول أحد الآباء المعاصرين: “بأي وجه سيقابل منكرو الشفاعة القديسين في الحياة الثانية، وقد رفضوا إكرامهم ورفضوا صلواتهم وشفاعتهم؟

إن الإيمان بالشفاعة هو إيمان بسيط غير معقد نلاحظه في كل الذين يحتفلون بأعياد القديسين ويزورون كنائسهم ويطلبون صلواتهم. فالشفاعة تعكس تواضع القلب لأن الذي يطلب الشفاعة، هو إنسان متواضع، غير مغرور بصلته الشخصية بالله. على العكس، منكر الشفاعة غالباً ما يسأل بانتفاخ: ما الفرق بيني وبين هؤلاء القديسين؟ ما بيني وبين الله أقوى من وساطتهم!! إذا كان بولس الرسول يطلب الصلوات من أجل نفسه (عب18:13) ومن أجل جميع القديسين (أف8:6)، كيف يستطيع مَن يدّعي معرفة الكتاب المقدس رفض الشفاعة، لولا غروره؟

ثم إذا كان الله قد سمح للشيطان أن يحارب أولاد الله، ويجرّبهم ويظهر لهم في رؤى وفي أحلام كاذبة ويضايقهم (أيوب ويوسف الخطيب والسيد وغيرهم). فلماذا لا يقبل بالمقابل صلوات القديسين الشفعاء والملائكة الحارسين وتدخلهم ومساعدتهم للناس؟

أخيراً، بحسب تقليدنا، الشفاعة واقع نعيشه. ليست شفاعة القديسين مجرد بحث لاهوتي تثبته آيات من الكتاب المقدس، بل هو واقع شركة معاشة. إنه تاريخ حي على مدى أجيال، يروي الرابطة العجيبة التي بين المؤمنين من منتقلين وأحياء على الأرض. إنه صلة حية بالقديسين الذين يشفقون على أوضاعنا أكثر منا، وبإشفاق حقيقي. حتى أن الكثير من مشاكلنا تُحَل أحيانًا بتَشَفُّعَاتهم فينا، دون أن نطلب ذلك. إنهم أكثر منا فهماً وتطبيقًا لقول الرسول بولس فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ” (رو15:12).

فالشفاعة دليل علي الرابطة بين أعضاء الكنيسة الذين على الأرض والذين في السماء، الكنيسة المجاهدة والكنيسة الغالبة. إنهما يتبادلان الصلاة.

إن رفض شفاعة القديسين ليس مجرد انحراف في التفكير النظري اللاهوتي، بل هو تجاهل للعشرة الطويلة التي يحكي عنها الناس قصصاً كثيرة ويحيون على هذه القصص وما فيها من معجزات عجيبة يشهدون بحدوثها بصلوات القديسين وفي أعيادهم وكنائسهم ومن خلال رفاتهم وذخائرهم. إن رفض الشفاعة هو إنكار للواقع والتاريخ القائمَين على النسك وعلى الجهاد، تهرباً منهما. إن التذرّع بأننا بالإيمان مخلّصون هو إنكار لكل وصايا السيد التي يدعو فيها إلى الصلاة والصوم والجهاد. رفض الشفاعة هو تعلل بعلل الضعف والكسل لتبرير الذات التي بَرَد إيمانها وتبلّد.

Bebis, George. “The Saints of the Orthodox Church” (Greek Orthodox Archdiocese of America, http://www.goarch.org/en/resources/saints/

Reader Christopher Orr. “On the Intercession and Invocation of the Saints”, http://orthodoxinfo.com/inquirers/invocationofsaints.aspx

Ορθόδοξος Συναξαριστής, http://www.saint.gr