المناولة المقدسة: دواء الخلود وترياق الموت

المناولة المقدسة: دواء الخلود وترياق الموت

هيئة اتحاد اللاهوتيين اليونانيين*

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

“أيّها الانسان ارعدْ عند نظرك الدم المؤلـّـِه لانه جمرة تحرق غير المستحقين. إن جسد الله يؤلِّـــهني ويُغذيني. يؤلِّـــه الروح ويغذّي العقل على منوال غريب.”

إذا عزمنا على المناولة المقدسة في اليوم التالي، فإننا نُدرِج في صلاة المساء السابق خدمة المطالبسي التي تتضمن الكلمات المذكورة أعلاه. إذا فهمنا حقًا ما نقرأه، فإننا ندرك كم هو ثمين السرّ العجيب والرهيب. تساعدنا المناولة المقدسة على بلوغ كمالنا وتمجيدنا بالنعمة. إنه جسد المسيح ودمه، الذي عندما نشترك به يوحّدنا مع ربنا الإله الإنسان (مرقس 22:14-23؛ متى 26:26-28؛ يوحنا 53:6-56؛ 1كورنثوس 27:11) ـ

المناولة المقدسة هي شركة حقيقية وليست رمزية. إنها اتحاد المسيحيين مع مخلصنا يسوع المسيح على وجه التحديد، إذ بحسب إيماننا الأرثوذكسي يتحوّل الخبز والخمر بقوة الروح القدس الإلهية إلى جسد ودم يسوع المسيح. الخبز والخمر في القربان المقدس ليسا رمزين، كما يعتقد البروتستانت، لكنهما في الواقع جسد ودم المسيح الحقيقيان

في هذا السر العظيم والرائع، عندما نشترك في جسد ودم المسيح، فإننا نشترك في ربنا الإله الإنسان نفسه، لأن طبيعته البشرية ولحمه ودمه متحدان أقنومياً مع لاهوته. ويترتب على ذلك أنه عندما يشترك المؤمنون في جسده الطاهر ودمه الكريم، نشترك أيضًا في طبيعة الرب الإلهية ونصبح بالنعمة آلهة بالحقيقة

وبما أن العلماء ومنهم أطباء يعارضون اليوم هذا السرّ العظيم الذي منحه الله لنا والذي يجعلنا نحن المسيحيين آلهة، وهم يحرّكون شبح التدنيس والوقاحة بالمعلومات الخاطئة التي تشير إلى أن من المحتمل جدًا أن تنتشر الفيروسات والجراثيم القاتلة عِبر المناولة المقدسة، فمن الضروري الرد على هذه الإهانة والافتراء الفاضح ضد إيماننا ورفضهما

كما ذكرنا، الإفخارستيا المقدسة هي مشاركة المؤمنين في جسد المسيح ودمه. يؤكد اللاهوت الأرثوذكسي أنه بسبب اتحاد المسيح لطبيعتيه الإلهية والبشرية في شخص واحد، فإن الطبيعة الإلهية تعطي أو “تمرر” مميزاتها (“كمالاتها”) إلى طبيعتنا البشرية وهي التحرر من الأهواء والخلود والبَرَكة وكل الخاصيّات الإلهية الأخرى. وعلى المنوال نفسه، عندما نشترك نحن المسيحيين في جسد الرب ودمه، فإننا حقًا نصير آلهة بالنعمة ونشترك في الكمالات الإلهية، دون أن نتوقف لحظةً عن كوننا بشرًا. فكيف هذا السر الأسمى، الذي يجعلنا آلهة، الذي يحيينا، وبنعمته نصير خالدين، يمكن أن ينشر أيضًا فيروسات قاتلة؟ الملحدون أو الهراطقة، ومنهم البروتستانت، هم وحدهم من ينكرون تحول القرابين الإفخارستية إلى جسد ودم المسيح ويسمحون لهذا الفكر المعاكس والتدنيسي بالتسلل إلى أذهانهم

بالحقيقة، يمكن أن تؤذينا المناولة المقدسة لأنها “نار تحرق غير المستحقين”، أي الخطأة غير التائبين. مع ذلك، هذا الأذى ليس بسبب الجراثيم والفيروسات بل بسبب تقدّمنا من السر العظيم دون أن نتوب ونحصل على مغفرة خطايانا من معرّفِنا. في هذه الحالة، بدلاً من أن تكون الإفخارستيا الإلهية عاملاً للحياة الأبدية الخالدة، تصبح مصدراً للأمراض وربما لموت الجسد، كما يؤكد لنا القديس بولس بشكل لا يقبل الجدل (1 كورنثوس  27:11-30). لذا من الواضح أن سبب أي ضرر محتمل هو افتقارنا للندامة وعنادنا الروحي وانعدام الحس لدينا وليس أي جراثيم.

يقيم كهنتنا الإفخارستيّا الإلهيّة (القداس الإلهيّ) وجميع الأسرار المسيحيّة داخل الكنائس المقدّسة، بحضورٍ ومشاركة المؤمنين شخصيّاً. لا يمكن بأي شكل من الأشكال استبدال القداس الإلهي بالصلاة الفردية في المنزل، والتي على ضروريتها، ليست بديلاً عن القداس الإلهي. لهذا السبب، في أوقات اضطهاد الكنيسة القاسي (زمان الإمبراطورية الرومانية، الحكم التركي، أو الشيوعية الملحدة)، كان المسيحيون يذهبون سراً إلى سراديب الموتى أو إلى الكنائس القليلة التي ظلت مفتوحة، بما في ذلك من الخطر على حياتهم، للاشتراك في القداس الإلهي وتناول الأسرار الطاهرة

إن الإفخارستيا الإلهية هي السر المركزي لكنيستنا التي تشكّل جسد المسيح لأنها توحّدنا به وتجعلنا “مشاركين في الطبيعة الإلهية” (2 بطرس الثانية4:1). كما أنها تجعلنا كيانًا واحدًا فيما بيننا، في جسد المسيح الفائق القداسة، أي الكنيسة، وتكمّلنا كأقرباء حقيقيين لبعضنا البعض في المسيح. في الكنيسة الأرثوذكسية، علاقتنا مع الله ليست فقط روحية – نسكية – فردية، كما هو الحال مع الصلاة، بل هي أيضًا مرئية وجسدية من خلال اجتماع جميع المؤمنين معًا، في القداس الإلهي والمناولة المقدسة. لهذا السبب، بدون القربان المقدس والأسرار المقدسة الأخرى، لا تحقق الكنيسة مهمتها في تقديسنا وجعلنا آلهة بالنعمة

في كل زمن، نذهب نحن المسيحيين إلى الكنيسة بالاستعداد المناسب لنشترك في العشاء الأخير للرب أي القداس الإلهي. نحن نقوم بذلك بشكل خاص في وضعنا الحالي، بالرغم من تدخّل بعض موظفي الدولة والعاملين في وسائل الإعلام محاولين نشر الخوف البشري بيننا بالادّعاء بأن المشاركة في المناولة المقدسة تحمل معها خطر الإصابة بفيروس كورونا. إن الذين يقبلون ويحتضنون هذه الدعاية الخبيثة ضد كأس المناولة الإلهية المقدسة يقوّضون حياتهم الروحية ومستقبلهم الأبدي. هذا لأنهم، بعدم طاعتهم للمسيح، الذي طلب منا إقامة القداس الإلهي والمناولة، يغلقون باب الحياة الأبدية الذي فتحه لنا يسوع المسيح. إنهم يخشون من أنهم، بدلاً من الحصول على موهبة التقديس والخلود من خلال جسد الرب الثمين ودمه،  يتعرضون للعدوى والموت

أما موظفو الدولة، فنطلب منهم عدم إغلاق كنائسنا مرة أخرى. إذا كانوا لا يريدون احترام تقاليدنا المقدسة، فعلى الأقل فليحترموا الدستور الذي أقسموا على دعمه وهو ينظّم العلاقة بين الكنيسة والدولة بوضوح كبير: بحسب الطابع البطريركي لعام 1850، والذي تم دمجه في الدستور باعتباره المادة 3 ، فإن “السلطة الكنسية العليا أي المجمع المقدس لكنيسة اليونان يدير الشؤون الكنسية وفقًا للشرائع الإلهية المقدسة، بحرية ودون عوائق بأي تدخل علماني”

لذلك ندعو كل  الذين يرغبون في اختبار استمرار حياة قديسي كنيستنا إلى الحضور إلى كنائسنا بخوف الله وإيمان ومحبة، وبجرأة على التغلب على مخاوف البشر. وكما نقول في صلاة المناولة: “إقبلني اليوم شريكًا لعشائك السريّ يا ابن الله. لأني لن اقول سرّك لأعدائك. ولا أُقبّلك قُبلة غاشّة مثل يهوذا. لكن كاللص اعترفُ لك هاتفاً: أذكرني يا ربّ في ملكوتك.”

* تأسس اتحاد اللاهوتيين اليونانيين عام 1950 لتوحيد وتنظيم وتنسيق النشاط العام لخريجي المدارس اللاهوتية في اليونان، ومنهم إكليروس من كافة الرتب وعلمانيين. كان قد سبق قيام الاتحاد محاولات منها “الجمعية اللاهوتية الأرثوذكسية” إلا أنها لم تلقَ الاستجابة المناسبة. والاتحاد هو بمثابة هيئة نقابية علمية تحرص على العمل على نشر الإيمان على أساس اللاهوت الصحيح حفاظاً على الفضاء الروحي في البلاد. يضم الاتحاد في صفوفه العدد الأكبر من اللاهوتيين الأرثوذكس اليونان ويواصل نشاطه منذ تأسيسه. للاتحاد عدد من النشرات وهو ينظّم مؤتمرات مختصة دورياً ويصدر بيانات تعليمية باستمرار

الحياة بالمسيح كل يوم

الحياة بالمسيح كل يوم

المتقدّم في الكهنة جورج كوستانتوبولوس

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

يوجد هذا المفهوم الخاطئ المستمرّ حول الطريقة التي يجب أن يعيش بها المسيحيون الأرثوذكسيون، مع خطوط غير واضحة من الخلط بين ما هو الصواب وما هو الخطأ من حيث الممارسة. كمسيحي أرثوذكسي، ينبغي التشديد على اكتساب التواضع والصبر من خلال الصلاة المستمرة والتوبة والمحبة لبعضنا البعض. لسوء الحظ، فإن هذه الحقبة الحالية من الوجود بعيدة عما هو متوقَّع منا لا فقط كمسيحيين، بل أيضاً  كمجموعة كاملة من البشر. من خلال الانفجار السريع للتقدم التكنولوجي واكتشافات العلوم الطبية والسلوك الاجتماعي، الناس تائهون جداً، ما يبعدهم كثيراً عن الله. مع كل الشواغل الموجودة اليوم من السهل جدًا أن تسود الماديات بدلاً من الروحيات

يفضّل الناس البقاء في المنزل صباح يوم الأحد للنوم لفترة إضافية أو لمشاهدة مباراة كرة قدم. آخرون يكونون مترددين بشأن حضور قداس الأحد، فيمنحون أطفالهم الخيار، ما إذا كانوا يريدون الذهاب إلى مدرسة الأحد أم لا، كمحاولة “لإغفال” الكنيسة في ذلك اليوم. كما أن هناك أشخاصًا يتوقفون عن الذهاب إلى الكنيسة كلياً، لمجرد أنهم لا يشعرون بالحاجة إلى الذهاب. الجزء المحزن في كل هذه السيناريوهات هو أنها تُعتبر سلوكًا “معياريًا”، وهؤلاء الأفراد لا يرون أي مشكلة في ذلك على الإطلاق

إن التحول الهائل في القيم والتقاليد لدى معظم العائلات مقلق للغاية. إن تجريد ربنا من أن يكون مركَزًا في حياتنا هو ممارسة خطرة. أن تكون مسيحيًا أرثوذكسيًا ليس مجرد تجربة لمرة واحدة في السنة أو وقتَ عبادة فردية في المنزل. السلوك كمسيحي أرثوذكسي هو طريق ثابت لا ينتهي، مع ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الذي يقود طريقنا بحسب إرادته لا إرادتنا

بسبب الانقطاعات العديدة الموجودة في يومنا الحاضر، ننسى سبب وجودنا هنا. نحن لسنا أحياء لتحقيق الميل نحو المتعة الذي أغرق الأجيال الجديدة من البشر. نحن ملح الأرض الخاطئ وينبغي أن نحاول النمو في المسيح والسلوك خطوة خطوة في كل مرة. المشكلة الرئيسية التي نواجهها ليست فقط مذهب المتعة بل أيضًا اللامبالاة. يبدو أن الناس لا يهتمون كثيرًا بهدف أو معنى أي شيء. البعض يريد فقط أن يأخذ من الحياة كلّ ما يمكنه أخذه دون نيةٍ لردّ أيّ شيء

الذهاب إلى الكنيسة مرة واحدة في الأسبوع هو أقل ما يمكن للمسيحيين الأرثوذكسيين القيام به لممارسة إيمانهم. إنه لأمر مدهش ما يمكن أن تفعله خدمةٌ ليتورجية واحدة في شخص ما. ربما قراءةٌ من إنجيل أو رسالة واحدة من بولس الرسول، أو حتى عظةٌ كاهن، يمكن أن تحدِث فرقًا. يمكن أخذُ عبارة أو رسالة بسيطة من تلك الزيارة التي تتم مرة واحدة كل أسبوع إلى بيت الله. كل هذا يبدو بسيطاً جداً ومع ذلك، لماذا من الصعب القيام بذلك؟

فقط من خلال ربنا يسوع المسيح، يمكن أن يُغفَر لنا ويُسمح لنا بالدخول إلى ملكوت الله. ومع ذلك، لدينا عمرٌ واحد فقط للحصول على هذا الحق! الملكوت هو شرف ونعمة مُنحا لنا وليسا استحقاقاً. مجرد أن تكون مسيحياً أرثوذكسياً لا يعني ضمناً الغفران الكامل للخطايا إذا لم تمارس الإيمان بنشاط على هذا الأساس

أيها الأحباء علينا أن نفهم أن هذه الحياة مؤقتة فقط. يمكن أن يمنحنا الله الحياة بنفسِ السرعة التي قد يسلبها منا. توبوا عن خطاياكم وكونوا صادقين في اعتذاراتكم. تأكدوا من معاملة الآخرين بكرامة واحترام، دون توقع أي شيء في المقابل. قبل كل شيء، يجب أن تحبّوا الرب يسوع المسيح من كل قلبكم وعقلكم وقوتكم. لا تنسوا كلّ ما فعله يسوع من أجلنا، وضعوا فيه رجاء خلاصنا

Source: St. Andrew Greek Orthodox Church

التي لكَ مما لكَ

التي لكَ مما لكَ

الأرشمندريت نيكن كوتسيذيس

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

فيما كان يسوع ذاهباً إلى أورشليم، أراد أن يتوقّف في قرية سامرية. أرسل رسلاً ليهيئوا لوصوله، لكن السامريين لم يكونوا يرغبون باستقباله لأنه كان على طريقه إلى أورشليم. “فَلَمَّا رَأَى ذلِكَ تِلْمِيذَاهُ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا، قَالاَ: «يَا رَبُّ، أَتُرِيدُ أَنْ نَقُولَ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتُفْنِيَهُمْ، كَمَا فَعَلَ إِيلِيَّا أَيْضًا؟» فَالْتَفَتَ وَانْتَهَرَهُمَا وَقَالَ: «لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا! لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ النَّاسِ، بَلْ لِيُخَلِّصَ»” (لوقا 54:9-56).

هذا ما يحدث غالباً حين نعتقد بأننا نعمل بحسب مشيئة الله، فيما بالحقيقة نحن نرتكب خطأً كارثياً ونطلب أموراً هي ضد هذه المشيئة. فإذا كان ممكناً أن يرتكب الرسل هذا الخطأ فكم بالحري يكون ممكناً هذا لنا. لهذا من الضروري أن نعرف عند كل مناسبة: ما الذي نطلبه من المسيح وكيف نطلبه؟ ما نقدّمه نحن للمسيح وكيف نقدّمه؟

في منتصف القداس الإلهي، مباشرة قبل مباركة الخبز والخمر ليتحوّلا إلى جسد المسيح ودمه، يعلن الكاهن: “هذه نقدمها لك مما لك، عن كل شيء ومن جهة كل شيء”. هذا الكلام معناه: “التقدمة، أي الخبز والخمر، هي لك، من خليقتك، التي هي كل العالم. نحن نقدمها لك على حسبِ ما علّمنا ابنك، في كل الأشياء، ومن أجل كل ما عمِلتَه لنا، أي كل الأشياء”

إذاً، لا يكفي لنا أن نقدّم تقدماتنا لله وكأننا نتممّ بعض الواجبات، أو لنطلب شيئاً ما. نحن نقدّم تقدماتنا للمسيح: لكي نعبّر له عن شكرنا وامتناننا لكل ما عمله وتحمّله من أجلنا، تحديداً الصليب والقبر والقيامة. ولأنه أوصانا وعلّمنا أن نقوم بذلك

يقول السيّد: أولاً يأتي الغفران والمصالحة مع مَن عندهم شيء ضدنا. من ثمّ تأتي التقدمات المادية أو الروحية للمسيح. كل صلاة من قلب مفعَم بالشر لا تصعد إلى السماوات. إن اشتراكنا بالقداس الإلهي يتطلّب جهداً: تقويم أهوائنا والاعتراف إلى مرشد روحي. عندها فقط، إذا كنا مُرضين حسناً للمسيح، يمكننا أن نطلب إليه بجرأة وحرية تعبير

Source: pemptousia.org

العائلة التي تصلي معاً

العائلة التي تصلي معاً

المتقدم في الكهنة جورج كونستانتوبولوس

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

ابعد عني يا رب كل كبرياء هدام وأعطِ نظرة حكيمة لعيني. ضع لجامًا على لساني، واجعل أذنيّ مطيعتَين لوصاياك المقدسة، وصبّرني على الضيقات، واجعل قلبي حكيمًا وقويًا في الصبر، في الخير، في ضبط النفس، في التعاطف، في عمل الخير، في المحبة، في التواضع، في السلام تجاه نفسي وكل الآخرين، وفي رفض البلادة وتراخي الشياطين التي انغمستُ فيه ذات مرة كما لو كانت مجرد حلويات. امنحني موهبة التمييز المتمرّس لأتمكن من تمييز الأفكار والأحكام التي تفضلها. أعطني أيضًا القدرة على تمييز مكائد الشيطان ورفضها ورفضه. وأن أقطع إرادتي تمامًا حتى أتمكن من الاعتماد على عنايتك الإلهية، راجياً أن تهبَني وأنت هو نوري ومخلّصي. وأنا أباركك وأمجّدك وأعبدك مع الآب والابن الذين أنت قائم معهما دائمًا، الآن وإلى دهر الداهرين. آمين (القديس سمعان اللاهوتي الحديث)ـ

الصلاة ضرورية للمؤمن المسيحي. “من الواضح للجميع أنه بدون الصلاة من المستحيل تمامًا تنمية الفضيلة وعيش حياة فاضلة. فكيف يمكن لأي شخص أن يكون فاضلاً وهو لا يصلي ولا ينحني دائمًا لمقدم الفضيلة ومعطيها؟” يكتب القديس يوحنا الذهبي الفم: “الصلاة لا تطهرنا من الخطيئة فحسب، بل تحمينا أيضًا من الأخطار الكبيرة”. لهذا يصرّ الرسول بولس ويذكرنا باستمرار: “وَاظِبُوا عَلَى الصَّلاَةِ سَاهِرِينَ فِيهَا بِالشُّكْرِ” (كولوسي2:4). وفي مكان آخر يقول: “افْرَحُوا كُلَّ حِينٍ. صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ. اشْكُرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ، لأَنَّ هذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ اللهِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ مِنْ جِهَتِكُمْ. “(1 تسالونيكي 16:5-18). ويكتب مرة أخرى في مكان آخر: “مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي الرُّوحِ، وَسَاهِرِينَ لِهذَا بِعَيْنِهِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ” (أفسس 18:6). بالكثير من مثل هذه الكلمات الإلهية، يحثنا القديس بولس البارع على أن نعيش حياتنا في الصلاة وأن نرعى أذهاننا باستمرار، لأن “كل البشر يحتاجون إلى الصلاة مثلما تحتاج الأشجار إلى الماء”. كما أن الأشجار لا تستطيع أن تثمر ما لم تشرب من جذورها ماءً غزيرًا، كذلك لا يمكننا أن ننتج ثمار التقوى النفيسة ما لم نتغذَّ بالصلاة

العديد من عائلاتنا محجوزة وحتى معزولة بسبب خطر الوباء. يعمل الأرثوذكسيون كغيرهم من المنزل ويتعلّم أطفالهم عبر الإنترنت أو افتراضيًا. يقضي الآباء والأطفال وقتًا أطول معًا وهذا أمر جيد. إنها أيضًا فرصة ثمينة لعائلاتنا المسيحية لتوجيه انتباهها إلى الله القدير والمحب بالصلاة. يجب أن يتعلم الأطفال الصلاة من والديهم وأن يصلوا معًا كعائلة يوميًا. يجب تشجيع الأطفال على قراءة الكتاب المقدس والسيرة الفاضلة لشفيعهم. يمكن تعزيز الحياة الروحية المسيحية الأرثوذكسية خلال هذا الوقت الأكثر خطورة. أطفالنا خائفون جدًا من كل ما يسمعونه عن هذا الفيروس، وبالتالي عليهم أن يعرفوا أن الله يحميهم مع أسرهم وأصدقائهم. الصلاة هي أعظم هبة من الله لنا

الصلاة ضرورية وهي بركة فريدة وشرف وامتياز للبشرية. “هذه الشركة مع الله هي التي لا تحددنا فقط كبشر، بل تقدم لنا أيضًا الانتصار على الشيطان والخطيئة والموت.” يفرض علينا إيماننا أن نشكر الله، ليس فقط عندما يهب طلباتنا، بل دائمًا ومن أجل كل شيء. لا شيء تعسفي في حياتنا. كل ما يحدث وكل ما لا يحدث هو تحت العناية الإلهية وحكمة الله، ويجب أن نكون قادرين على قبوله بامتنان وتواضع

نحن نجد الراحة و الاستِلهام في الصلاة. “…علّمنا حقوقك. لأننا لا نعرف أن نصلّي كما يجب، ما لم ترشدنا أنت، يا رب، بروحك القدوس. لذلك نطلب إليك أن تترك وتغفر وتصفح عن كل ما اقترفناه من الخطايا حتى الساعة الحاضرة بالقول أو بالفعل أو بالفكر، طوعاً كان أو كرهاً…”(أفشين السحر السابع) ” “أشرق قلوبنا بشمس برّك الحقيقية. وأنِرْ عقولنا واحفظ حواسنا كلّها حتى إذا سلكنا بوقار في وصاياك، سلوكَ مَن يسير في النهار، نبلغ الحياة الأبدية، لأن عندك ينبوع الحياة ونستحق المتّع بالنور الذي لا يُدنى منه. لأنك أنت إلهنا وإليك نرفع المجد أيها الآب والابن والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين. آمين” (أفشين السحر الثاني عشر)ـ

Source: http://saintandrewgoc.org/home/2020/8/24/a-family-that-prays-together

كم هي غير مقصودة الخطايا المرتَكَبة عن غير إدراك؟

كم هي غير مقصودة الخطايا المرتَكَبة عن غير إدراك؟

الأستاذ يوحنا كورناراكيس*

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

“بصراحة يا أبونا، لقد وقعت في هذه الخطيئة دون أن أدرك. لم يكن الأمر مقصوداً على الإطلاق. لم أكن أرغب في ذلك ولم أفكر بالقيام بذلك”. إلى أي مدى يمكن أن يكون هذا التأكيد حقيقيًا أو أقلّه ثابتاً، وما مدى صحة هذا الادعاء؟

بالتأكيد، يوجد حجة كتابية حول الطبيعة غير المقصودة للعديد من الخطايا، في الفصل السابع من رسالة القديس بولس إلى أهل رومية. هناك، يحدد رسول الأمم بشكل عام الطبيعة المضادة (التصارعية) لعمل الروح البشرية فيما يتعلق بعلاقتها، من ناحية مع ناموس الله، ومن ناحية أخرى مع الخطيئة الكامنة في هذه الروح

“إذاً أنا في الأساس لا أعرف ما أفعله. أنا لا أفعل ما أرغب فيه، لكن بدلاً من ذلك أفعل ما أريد أن أتجنبه… لذا وصلتُ إلى النقطة التي ليس أنا مَن يتصرف بل الخطيئة التي استقرت بداخلي. بهذه الطريقة، أنا لا أخدم الخير الذي أريده، ولكن الشر الذي لا أريده. لكن إذا فعلت ما لا أريده، فلن يكون التصرف قد صدر بقراري بعد الآن، بل بقرار الخطيئة التي استقرت بداخلي.”

صحيح أنّ هناك خطايا غير مقصودة. قد تكون الإغراءات المفاجئة أو المواقف غير المتوقعة في حياتنا اليومية وعلاقاتنا الشخصية، أقله ظاهرياً، هي العوامل المسؤولة عن خطيئة نرتكبها عن غير قصد

لكن، من زاوية أخرى، يبدو أن الخطايا غير المقصودة أو اللاواعية تشكل خطرًا على الضمير اليقظ عند الأشخاص المنخرطين في الصراع الروحي. يرتبط الخطر الكامن هنا بشكل غير مباشر بحقيقة أننا نحن أنفسنا، غالبًا ما نكون المنتقدين الوحيدين لأنفسنا، الذين يكشفون بكل صدق أحد تجاوزاتنا أو ارتدادنا أو فكرة خاطئة أو شك أو رغبة تتعارض مع المستوى الروحي الذي نحاول الحفاظ عليه. نحن نحكم على أفكارنا وأفعالنا ونؤكد لأنفسنا أن خطايانا كانت لا إرادية. وإلى هذا، لأننا مقتنعون “بكل نية حسنة” فنحن نحاول استخدام نفس الحجج لإقناع الآخرين، حتى أبينا المعرّف، بأن الأمر كان لا إراديًا

“ماذا عساي أقول يا أبونا؟ أنا مندهش من نفسي. يبدو الأمر كما لو أنني فقدت السيطرة وفعلت شيئًا لم أكن أعرفه، لم يكن خياري، ولم أكن أريده.” لاحظ القديس باسيليوس الكبير في حالة مثل هذه الادعاءات: “إن الأشخاص الذين أُجبِروا على ارتكاب خطيئةٍ ما دون أن يكونوا راغبين في ذلك، يجب أن يعلموا أنهم حتى ذلك الحين كانوا مربوطين بخطيئة أخرى موجودة بالفعل في داخلهم، وقد زرعوها عن عمد وهم الآن ينجذبون إلى هذه الخطيئة الموجودة مسبقًا وينشدّون إلى ما لا يريدون.” هذه الملاحظة من جانب القديس باسيليوس تهزّ أسس أي ادعاء يتعلق بعدم إرادة الخطيئة، لأنها تثير التساؤل عن مدى كون الخطيئة غير المقصودة حقًا غير مقصودة. كيف يمكنك أن تتأكد من أن خطاياك اللاإرادية هي فعلاً غير مقصودة وليست الفروع الطبيعية لخطيئة موجودة قبلاً ومرتَكَبة بالفعل عن طيب خاطر؟ في الواقع، ” اَلسَّهَوَاتُ مَنْ يَشْعُرُ بِهَا؟” (مزمور 12:19)ـ

إن الأشخاص الذين يعرفون الآباء يحلّون هذه المشكلة بالتغلب على الحجة التي تدلي بها نفسهم الآثِمة. فلأنهم يعرفون الخطر الذي قد يكمن في هذا الخط الفكري المتعلق بالطبيعة اللاإرادية للخطيئة، فإنهم يحرسونها من خلال الاعتراف بحزمٍ (في جميع الأوقات وفي جميع الأماكن) بخطيئتهم الشخصية المطلقة باعتبارها الحالة الطبيعية لحياتهم الروحية

بتعبير آخر، إنهم يؤمنون تمامًا بطريقة لا تقبل الجدال بأنهم أكبر الخطأة بين الذين ولدوا منذ آدم. هذا الوعي للخطيئة يتم التعبير عنه بوضوح وصفاء مواهبي في طروباريات القانون الكبير، والذي يتوافق تمامًا مع اعتراف القديس بولس “أنا أولاً”. “لا توجد خطيئة أو فعل أو شر في هذه الحياة، أيها المخلص، لم أرتكبه في الفكر والكلام والنية. لقد أخطأت عمداً وفي أعمال لم يسبق لأي كان أن أخطأ بها.” “إذا نظرت إلى أعمالي، أيها المخلص، أرى أنني قد تجاوزت خطايا الآخرين، لأنني كنت أعرف ما كنت أفعله ولم أكن جاهلاً”. “أسقط عند قدميك وأقدم هذه الكلمات على شكل دموع: لقد أخطأت كما فعلت الزانية وتعدّيتُ كما لم يخطأ أحد آخر على الأرض”

مع هذا الإدراك للخطيئة الشخصية المطلقة، يطهّر هؤلاء الناس عالمهم الداخلي بيقين الاستنارة بالروح القدس وبالتالي يتحررون من التفكير غير المجدي بل والخطير الذي يظلِم حقيقة حالتهم الشخصية من الخطيئة بدلاً من أن ينيرها. “لأنه يعرف الأشياء المخفية في القلب”. “لأَنَّهُ هُوَ يَعْرِفُ خَفِيَّاتِ الْقَلْبِ” (مزمور 21:44)ـ

في الواقع، بحسب القديس مكسيموس المعترف، الله وحده يفهم أننا لا نستطيع أن نرى ما في أعماق أرواحنا. إنه هو الذي يرى جميع أعمالنا ويحكم عليها بإنصاف. حتى “الحركة الخفية للروح والاندفاع غير المرئي”. هو وحده يفهم الحيثيات والأسباب الكامنة وراء هذه الحركات الخفية للروح و “نهاية كل شيء قد سبق تصوره”ـ

هذه هي الحقيقة. فإلى أي مدى يمكن أن تكون الخطيئة اللاإرادية غير مقصودة في قضاء الله؟

Source: Pemptousia: https://pemptousia.com/2017/12/how-unintentional-are-unwittingly-committed-sins/

* أستاذ شرف في اختصاص علم النفس الرعائي والاعتراف في جامعة أثينا. رقد بالرب سنة 2013. له العديد من الدراسات الرزينة في علم النفس الرعائي حيث يقرأ هذا العلم على ضوء الآباء وليس العكس، ما يجعل كتاباته فعلياً نافعة للمؤمنين وللرعاة، لا حشواً يوصلهم إلى أفكار خارجة عن خبرة الكنيسة وتقديسها

إلى الكهنة

إلى الكهنة

القديس لوقا أسقف سيمفروبول

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

يتوجّه القديس لوقا الجراح إلى الكهنة الذين يقصّرون الخدَم أو لا يقيمونها بانتظام، مذكراً بقول النبي إرميا: “مَلْعُونٌ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الرَّبِّ بِاسترخاء” (ارميا 10:48). وهو كان يقيم جميع الخِدَم بنفسه بتقوى وعناية، دون تسرع أو قطع أو تقصير. كان ينصح الكهنة باستمرار في رسائل دورية بأن يقيموا الخدَم اليومية والصلاة من أجل رعاياهم:

“لدينا كنائس تبقى مغلقة طوال الأسبوع، إلى جانب الأحد. ألا ينبغي أن تفتح الكنيسة كل صباح، وتدق الجرس وتدعو المؤمنين، ولو لفترة قصيرة، إلى دخول الكنيسة قبل الذهاب إلى عملهم؟ إذا علم المؤمنون أن الكنيسة تُفتح كل صباح، أو أن الكاهن يقرأ السحرية أو الساعات أو غيرها، فإن نعمة الله ستتحدث إلى المسيحي الضعيف وسوف تجذبه إلى الكنيسة حيث يجد الكاهن يصلي من أجله…”

أناشد الكهنة احترام طلبي. ليس صعباً أن يقرأ الخدَم حتى عندما يكون الكاهن لوحده من دون مرتّل. إن نعمة الله على الكاهن هذا ستكون عظيمة لأنه يتذكّر أن الله جعله ليصلي من أجل الشعب… إذا كان إيمان الكاهن وروحه فاترَين، فكيف يُضيء نور الإيمان في النفوس التي فقدته، إن لم يتعرّف إلى الله في نفوس الناس الذين أعطاه الله أن يرعاهم ويصلّي من أجلهم..

إن كاهناً لم يقتنِ المعرفة الأولية بمهمته قد يحلّ مشكلة فراغ كهنوتي، لكنه سيخلق مشاكل أكبر وأكثر خطورة… أنتم الكهنة هدفكم في الحياة هو تغذية الناس من الله. قد ترى كهنوتك وسيلة يمكنك أن تأكلها؟ قد ترى خدمتك مثل وظيفة بسيطة، كمجرد مهنة معيلة؟ يجب أن تعلم أن الكهنة من هذا النوع يتعرف عليهم رعاياهم بسهولة…

عديدة هي الضربات التي تلقتها الكنيسة طوال تلك السنوات، وكثيرة هي الجراح، وعظيمة هي الكوارث. وبطبيعة الحال، سمح الله بكل هذا لتنويرنا لأننا أنفسنا مسؤولون أيضًا. من الضروري أن نتوب …

كل هذه الأشياء التي اختبرناها لم تصبح دروسًا لنا ولم تعلمْنا شيئًا. فنستمر في ارتكاب نفس الأخطاء بل وأسوأ من قبل. وبسبب هذا، يصاب الناس بالإحباط وينؤون بأنفسهم عن الكنيسة ويسقطون في شباك البدع وتكون النتيجة النهائية فقدان أرواحهم”

حثّ الكهنة على أن يكرزوا بكلمة الله حتى لو كانوا يفتقرون إلى التربية اللاهوتية:

“إذا كان الكاهن يطلب نعمة الله وإذا امتلأ نوسه وقلبه بكلمات الله فإن فمه سيتكلم من القلب. الروح القدس الذي يسكن في قلب الكاهن سيبشّر بنفسه بفمه المتواضع…

في الكتاب المقدس الكثير من المواضيع التي يعظ بها بحيث يسهل على أي شخص أن يجدها إذا قرأ … دعونا نتذكر أيها الإخوة القديس سيرافيم ساروفسكي الذي كان يقرأ العهد الجديد بأكمله كل أسبوع

إذا كنت لا تستطيع الوعظ بالكلمة فبشّرْ بأشياء أخرى. يجب أن تكون عطراً أمام الناس بحياتك وشخصيتك ومحبّتك للمسيح وبروح المحبة المسيحية والطهارة والإيمان العميق. إذا لم يكن لديك هذا العطر ولا هبة الكلام فلن تكون راعياً وستكون أجيراً ومن ثمّ ما الدفاع الذي ستقدمه أمام عرش المسيح الرهيب؟ قلب الكاهن هو قلب خاص ينبغي أن يتألّق بإيمان يسوع المسيح، يجب أن يكون قلب الكاهن نارًا لينير من نور الإنجيل، ليتألق من المحبة لصليب يسوع المسيح”

الصفة المميزة للمسيحي

الصفة المميزة للمسيحي

الأب بيتر هيرز

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

مدخل

سوف نستكشف ونقدّم في هذا الحديث الصفة التي تحدّد معنى أن تكون مسيحياً، وهذا بالضبط هو الخُلُق (Ethos) الأرثوذكسي. تتجلّى هذه الخاصية في روح وعقلية الذين تطهّروا بالمسيح واستناروا، كما من خلال الحياة في المسيح. في وجوههم المستنيرة، نبلغ رؤية الإنسان والعالم جديدين، خاليين من التشويه الشيطاني. وبشهادتهم، نتعرّف، أو يُعاد تعريفنا، على المسيح المتجسد، بحضور الله الأيقوني في العالم، وهو الذي وعد حقًا أنه سيكون معنا إلى انتهاء العالم

منظور جديد للحياة

من الجيد جدًا وجودكم معنا اليوم في هذه الرحلة، هذا الاستكشاف، عن طريقة الوجود في المسيح. اسمي الأب بيتر هيرز. أنا كاهن أرثوذكسي ومؤلف ومترجم ومتحدث وناشر. أتحدث إليكم من منزلي في قرية جبلية يونانية خارج تيسالونيكي، حيث أعيش منذ عشرين عامًا منذ قدمت من أميركا في عام 1998

كما ذكرنا، اهتمامنا وهدفنا هنا هو التركيز على الخاصية المميزة للمسيحي الحقيقي ، وهي الخُلُق الأرثوذكسي. وبالتالي ، وبهذا فإن نظرنا سوف يكون بالطبع دائمًا على المسيح الذي هو الكل ضمن جسده الكنيسة. سوف نلقي نظرة على الواقع بطريقة يجدها الكثيرون منكم جديدة ومليئة بالتحدي، في نور الإله-الإنسان القائم والصاعد، كما عبّر عنه أولئك الذين صاروا آلهة بالنعمة بحسب قول القديس أثناسيوس الكبير. من خلال كوننا تلاميذ مخلِصين لله مستنيرين، سوف نكتسب جميعًا منظورًا جديدًا للحياة والموت والتاريخ والأبدية، وللهدف المعجِز لوجودنا

نهاية الحياة المسيحية (القديس أنطونيوس الكبير)

الكثير منا يكدّون عبثاً، لأننا لا نفهم بشكل واضح غاية وهدف حياتنا المسيحية، ولا الوسائل والطريق التي نصل بها إلى هذه الغاية. دعونا نبدأ بالنظر إلى اكتساب الخُلُق الأرثوذكسي مع أب الصحراء العظيم الأبّا أنطونيوس القديس العظيم. إنه يساعدنا منذ البداية على فهم وجهتنا، وهدفنا، وغايتنا. فهو يقول: “مَن يضرب قطعة من الحديد، يفكّر أولاً في ما ينوي صنعه، سيفًا أو فأسًا أو منجلًا. لذا، علينا أيضًا أن نفكّر في نوع التميز الذي يجب أن نسعى إليه، حتى لا نسعى عبثًا”. ما نوع التميز الذي يجب أن نسعى إليه

الأمر الأساسي هنا هو معنى الخلاص. ماذا يعني أن يخلُص الإنسان؟ ما هي الغاية؟ ماهي النقطة؟ لماذا نحن في الكنيسة يوم الأحد؟ لماذا نسمّى مسيحيين أرثوذكسيين؟ لماذا نسعى إلى المسيح؟ وممَّ وكيف نحقق هذه الغاية؟

بالنسبة للكثيرين، المسيحية ليست سوى أيديولوجيا، يتبنّى فيها الإنسان وجهات نظر معينة وأفكاراً معينة، وهي تحسّن حياتنا هنا وتكسبنا مكانًا في الملكوت بعد رحيلنا. الناس، إذ يرفضون الطبيعة الحقيقية لحالة الإنسان الساقطة، لا يحتاجون للخلاص منها. ومع ذلك، حتى بين المسيحيين المؤمنين حقاً، يُعتقد أن المعتقدات الصحيحة وحدها تكفي، كما لو أنها غاية في حد ذاتها أو أن الاعتراف بها هو اعتراف بالحقيقة التي هي إيماننا. نحن ندرك حقيقة من هو الله وما هو العالم كما لو أن إدراك هذه الحقيقة يساوي التغيير الوجودي أو يساوي الخلاص نفسه. ليس هذا هو الحال

إن الوصايا أعطيَت لوضعها موضع التنفيذ على غرار إعطاء الدواء لنتناوله ونتحسن فيتمّ الشفاء. يجب علينا وضعها موضع التنفيذ. يجب أن نعيش بحسبها. عندما ننتقل إلى إطار أو مجال آخر في الحياة، حيث يكون الخُلُق الأرثوذكسي حاضراً يصبح ملموساً. إن المحبة وشكر الله من قلب متواضع يرضى التسخّر ميلاً إضافياً من أجل أخيه أو إعطاء لا ثوبه بل رداءه أيضًا، يعني أنه قد تحرر من خوف هذا العالم وعبوديته وأشيائه

الانتقال إلى نطاق التمجيد (القديس باييسيوس الأثوسي)

كمثال على هذا، نسمع القديس باييسيوس الأثوسي يحكي كثيراً عن محبة الشرف. هذا ما يقول: ” إن غايتنا هي العيش بطريقة أرثوذكسية، وليس التحدث أو الكتابة عن الطريقة الأرثوذكسية وحسب. أولئك الذين لديهم محبة الشرف (فيلوتيمو)، لأنهم يتنقلون في مدى التمجيد السماوي، يقبلون تجاربهم بسرور، وكذلك بركاتهم ويمجدون الله عليها. وهكذا، فإنهم يتلقون بركات الله باستمرار من كل شيء وينصهرون إلى الأبد من الامتنان لله الذي يعبرون عنه بكل الطرق الروحية الممكنة كأبناء لله”

هذه هي حالة مَن بلغ التمجيد على كل شيء وأي شيء. لا شكّ في ان هذا جانب من اكتساب الخُلُق الأرثوذكسي. ويتابع: “للأسف في أيامنا ، تضاعفت الكلمات والكتب وتضاءلت الخبرات بسبب الروح الدنيوية التي تسعى إلى جميع وسائل الراحة وتتجنّب كل الجهود الجسدية وتؤثر على الناس بشكل كبير.”

يجد معظمنا الراحة في القراءة الكثيرة بمقابل القليل من التنفيذ أو عدمه. نحن ببساطة نتعجب من رياضيي المسيح القديسين دون أن ندرك كم جاهدوا لأننا لم نكدّ إلى درجة اختبار كدحهم وفهمه أو لمحبهتم وللجهاد بسبب مححبتنا للشرف أو لتقليدهم

لدينا العديد من الأمثلة عبر تاريخ الكنيسة كما في أيامنا عن الذين قاموا بذلك فناضلوا وكدحوا وخاطروا من أجل المسيح فمن ثمّ اقتنوا هذه النعم السماوية واكتسبوا الخُلُق الأرثوذكسي

الإيمان وعدم الخوف (القديس جون شانغهاي وسان فرنسيسكو)

القديس جون (ماكسيموفيتش) شنغهاي وسان فرنسيسكو هو أحد أعظم الأمثلة في الخمسين أو الستين سنة الماضية من تاريخ الكنيسة. أريد أن أقرأ من تدوينٍ حديث عبر الإنترنت يروي حدثًا رائعًا في حياة هذا القديس ويعلّمنا موقف الشخص الذي اكتسب الخُلُق الأرثوذكسي

في بعض الأحياء الفقيرة في شنغهاي كان يحدث أن تلتهم الكلاب أطفالاً حديثي الولادة تم رميهم في القمامة. إذ أُعلن هذا الأمر في الصحف، طلب الأسقف جون من السيدة شاخماتوفا أن تذهب وتشتري زجاجتين من الفودكا الصينية فتراجعت مرتعبة. وقد ازداد رعبها عندما طلب منها مرافقته إلى تلك الأحياء الفقيرة حيث كان من المعروف حدوث جرائم قتل كثيرة. الأسقف الشاب، بشجاعته المعهودة، أصرّ على الذهاب إلى هناك والسير عبر الأزقة المظلمة في أسوأ حي. تتذكر السيدة الرعب الذي سيطر على قلبها إذ سارا في ظلام الليل ولم يصادفا سوى المخمورين والأشخاص المشبوهين والكلاب والقطط المزمجرة. كانت تمسك الزجاجات بيديها وتتبعه بخوف. وفجأة سمع صوت دمدمة رجل مخمور يجلس في مدخل مظلم وأنين خافت لطفل من صندوق قمامة قريب

إذ اسرع الأسقف نحو الصراخ، هدر السكّير محذراً. فتوجّه الأسقف إلى السيدة شاخماتوفا وقال: “أعطني زجاجة”. رفع الأسقف الزجاجةَ بيد وأشار إلى القمامة باليد الأخرى المباركة، ومن دون الكلمات أوصل رسالة الصفقة المقترحة. انتهت الزجاجة في يد السكير وأنقذت السيدة شاخماتوفا الطفل. يُذكَر أنه في تلك الليلة عاد إلى دار الأيتام مع طفلين تحت ذراعيه. ولكن هذه الشجاعة لم تُقتنَ من دون صراع داخلي عميق. وهذا الخط الأخير هو المفتاح: بدون صراع داخلي عميق

هذا ما كان يتحدث عنه القديس بايسيوس. هذا الصراع الداخلي العميق تسبقه كل أعمال الفضيلة العظيمة. هذا الصراع الداخلي العميق هو حالة وأسلوب حياة. هذا النضال الداخلي العميق هو ما يتعيّن علينا جميعاً أن ندفع بأنفسنا عبره إذا أردنا أن نحرز تقدماً في اكتساب الخُلُق الأرثوذكسي، أي الطريقة الأرثوذكسية لأن نكون في المسيح

تجلي الإنسان بالكامل (مثال الشيخ أفرام أريزونا)

إن اقتناء الخلق الأرثوذكسي يكون ظاهراً. ليست النتيجة الأعمال الصالحة أو السلوك الأخلاقي أو الأفكار المستنيرة وحسْب. ليس أن يكون الإنسان شخصاً صالحاً بل أكثر من ذلك بكثير. هو ليس اقتناء بعض الفضائل أو الكثير منها بل بالأحرى هو اقتناء الروح القدس نفسه والنعمة والقوى من الله التي تعيد ولادة الإنسان وتجعله قديساً بالكامل وليس أحد أوجهه وحسب

لدينا مثال في أيامنا، شيخ عظيم رقد منذ فترة قصيرة، وهو الشيخ أفرام الفيلوثاوي الأريزوني. إن الذين كانت لهم بركة لقائه في هذه الحياة يشهدون بأن الانطباع الذي تركه ليس من طريقته الرائعة بالكلام ولا أفكاره اللامعة ولا كونه معلماً متميزاً أو إدارياً أو لامعاً في بعض الأمور. إن ما يصنع الانطباع هو كل ما يتعلّق به، فالرجل قد تقدّس بكليّته: طريقة تكلّمه، مشيته، جلسته، ومنظره. كل ما له علاقة به يخلق الانطباع بأنه لم يكتسب بعض الفضائل وحسب بل اقتنى الروح القدس والروح اتخذه مسكناً فصار هذا الرجل من الله. فعليه كل شيء كان عطراً ناعماً، عيناه وطريقة نظره وكلماته، كلها تحكي عن الملكوت

إن هذا مثال في زماننا عن كل ما عبر به كل القديسين من التطهر والاستنارة والتمجيد وما صاروا إليه. إنه خاصية القديس وهو أبعد بكثير مما يقوله الكثيرون اليوم. فكثيرون يتحدثون عن القديسين اليوم وأخشى لكثرة هذا الكلام أن نصل إلى تسمية البعض بقديسين وممَجَدين دون أن ينطبق عليهم هذا الوصف. فتحت تأثير الأخلاقية والنظرة القانونية والتديّن سوف نخطئ بتمييز القداسة عن ما هو من هذا العالم. لننتبه إذاً. الأمر ليس مجرد أن يصير الإنسان لامعاً او أخلاقياً أو شخصاً صالحاً. الأمر هو في تحوّل كامل، تجلٍّ وإعادة ولادة لكل وجه من أوجه الشخص البشري

يكفيني أن أراكم (القديس أنطونيوس الكبير)

قبل أن ننهي هذه الحلقة، أريد أن أقرأ لكم كشهادة أخرى على موضوعنا، من حياة القديس أنطونيوس فنختم بشهادته كما بدأنا معه

يرِد في كتاب أخبار الشيوخ، اي أقوال الآباء، أن ثلاثة من الآباء كانت لهم العادة أن يزوروا القديس أنطونيوس سنوياً. وكان اثنان منهم يسألان أسئلة عن الأفكار المشوِّشة وخلاص النفوس فيما الثالث صامت دوماً لم يسال يوماً سؤالاً وبعد وقت طويل، قال له الأبّا أنطونيوس “ما لك، من زمن طويل أنت تأتي من مسافة بعيدة، ولا تسأل سؤالاً واحداًّ!”فأجابه قائلاً: “يكفيني أن أراك أيها الأب”

ثمرة الصليب: قصور العقلانية الكامل

هذه هي ثمرة الصليب، إنها قوة الصلب، صلب العقل والأهواء الذي يغيّر فلا تعود الكلمات ضرورية. تأمّل الرجل القديس ببساطة يغيّر الذين ينظرون إليه. هذا ما قاله القديس سارافيم ساروفسكي: “اكتسب الروح القدس وآلاف من حولك سوف يخلصون”. أمام المسيح وكل القديسين تصمت كل الكلمات. تتوقف كل النقاشات. وتقصّر العقلانية بالكامل. من جهة أخرى، إن لم يتحقق الخُلُق الأرثوذكسي، اي طريقة الكينونة في المسيح، لا يمكن الثبات في المركز فينشأ التطرف، وتظلم الطريق الملوكية ويسقط نظرنا نحو الأرض

الخلاصة: “متى ارتفعت عن الأرض

ما من شيء يحلّ مكان الخُلُق الأرثوذكسي. إنه الخاصية المميزة للمسيحيين الحقيقيين. إنه يفوق كل الأعداء قوةً، وكل المناهضين، وكمغناطيس يجتذب الكل إلى ذاته، بحسب كلمات السيد”متى ارتفعتُ عن الأرض جذبتُ الكل إليّ”

الجهاد في الصلاة: دليل عملي مختصر

الجهاد في الصلاة: دليل عملي مختصر

المتقدم في الكهنة باسيل تيدورا

نقلتها إلى العربية اسرة التراث الأرثوذكسي

إذا سألت أيّ شخص في الكنيسة عن الصلاة فمن المرجّح أن يستخدم توصيفًا مثل: تجربة ممتعة، محادثة مع الله، ارتباط بالمطلَق، أو غيرها من المصطلحات العامة الإيجابية بطبيعتها. لكن الأمور تختلف عندما يطرح الأب المعرّف نفس السؤال أثناء الاعتراف. فعلى الأرجح سوف يسمع الكثير عن ضيق الوقت، فقدان التركيز، التَلَكُّؤ والمغالبة بشكل عام. والحقيقة أن الكلام عن الصلاة أسهل من القيام بها

أحد الأسباب الرئيسية لجهادنا في الصلاة هو أننا نتوقّع منها تجربة مختلفة عمّا نحصل عليه بالفعل في معظم الحالات. عند قراءة كتب مثل “سائح روسي على طريق الرب” أو “الفيلوكاليا”، قد نكوّن انطباعاً خاطئاً عن ماهية الصلاة، على الأقل في البداية، لأننا ننسى أن التجارب الرائعة الموصوفة في هذه الكتب تخص أشخاصًا ناضلوا بكل معنى الكلمة مع الصلاة طوال حياتهم. نحن نتوقع جميعًا وقتًا مبهجًا نفرح فيه بالرب بينما تُنقل أرواحنا إلى السماء الثالثة. حسنًا ، هذا لا يحدث لغالبيتنا

يسوع المسيح نفسه صلّى أثناء وجوده على الأرض، ولم تكن كل فترات صلاته كالتنزّه في الحديقة. لنأخذ مثلاً الصلاة في بستان الجثسمانية: “وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ” (لوقا44:22). لقد كان هناك ألم في صلاته، لكن فيما كان يصارع في الصلاة صارت صلاته أكثر عمقًا إذ كانت صادرةً من أعماق طبيعته البشرية فيما هو يصرخ طلباً للمعونة والنجاة

الأمر نفسه ينطبق علينا: فنحن نميل إلى الصلاة بجدية أكبر عندما نعاني. ففي المعاناة نصلّي بصدق ولا يبقى مكان للصلاة العرضية التي لا هدف حقيقي وراءها. المشكلة هي كيف نحوّل هذه اللحظات النادرة من الصلاة الصادقة إلى روتين صلاة اليومي؟

السبب الذي يجعلنا نصلي بأمانة في المعاناة هو أن لدينا هدفًا قوياً نرغب بتحقيقه بكل كياننا. ألا ينبغي أن تكون لدينا نفس الرغبة في الأشياء التي نتلوها تلقائيًا في صلاة الصباح أو صلاة المساء؟ ألا ينبغي أن نصلي من أجل خلاص أرواحنا بنفس القوة التي بها نصلي من أجل صحة أجسادنا؟ بالطبع، لكن بالنسبة للكثيرين منا الروح مجردة ونظرية بينما الجسد ملموس ومادّي. نحن نتأثر بما نتلقّى بحواسنا أكثر من تأثرنا بما وُعِدنا به في الكتاب المقدس

ما لا شكّ فيه أن الصلاة هي من أصعب الممارسات النسكية لأنها تتطلب مزيجاً من الإيمان والمثابرة والصبر يصعب تحقيقه. تتطلب الصلاة جهداً فكرياً لا يمكن تخطيه. لا يمكننا أن نبلغ إلى معاينة الله والاشتراك في النور غير المخلوق في أول ساعة صلاة بل هذا يتحقق إلى جانب الفضائل المسيحية الأخرى، حتى تتطهّر النفوس من الخطيئة وتصبح نورًا ويزداد احتمال وصولها إلى الرب

فكيف نتعلم إذاً كيف نصلي؟ سأل أحد المبدئين أباً من الصحراء “أبّا كيف أصلي؟” أجاب الأب: صلِّ والصلاة ستعلّمك كل شيء”. بالطبع هذه الإجابة العميقة لن ترضي بعض إخوتنا المسيحيين المعاصرين، لذا هاك بعض التوجيهات للمبتدئين

الخطوة الأولى والضرورية هي إنشاء روتين يومي بسيط. لم يستقيم العذر المعتاد “لأنني مشغول جدًا”، عندما يكون معدل مشاهدة التلفزيون 4 ساعات يوميًا. بلوغ الاتساق هو الهدف الأكثر أهمية

الإحماء الروحي: قراءة من الكتاب المقدس، كتابات الآباء القديسين عن الصلاة، الفضائل والتوبة هي كلها مكونات أساسية لزيادة الشهية للصلاة

خلق جو صلاة: أيقونات، شمعة مضاءة، بخور ، مسابح صلاة، كلها تساهم في تسامي الحواس والتركيز على المملكة الداخلية. في الإيمان الأرثوذكسي، يجب أن تشمل الصلاة الروح والجسد معاً. الركوع أو الوقوف، إحناء الرأس، رفع اليدين، والسجود هي الوسائل التي يشارك بها جسمنا بنشاط في الصلاة

تحديد توقعات معقولة. في مجتمع يتمتع بالإشباع الفوري على أساس يومي قد ينخدع المرء بسهولة بالإجابة التي يحصل عليها في الصلاة. لقد فقد معظم الناس الصبر بانتظار استجابة الله، فيهجرون الصلاة بعد محاولتين “فاشلتين”. إن تعلُّم قبول مشيئة الله هو الحل لهذه المشكلة. هذا الموضوع موجود في الصلوات الأرثوذكسية النموذجية كما هو الحال على سبيل المثال في الصلاة التالية الموجهة إلى والدة الإله: أنتِ فرح كل المغمومين، ونصيرة المظلومين، وقوت البائسين، وعزاء الغرباء، وعكاز العميان، وافتقاد السقماء، وسترٌ وعضدٌ للمقهورين ومعونة الأيتام. فيا من هي أم الإله العلي نتوسل إليك يا طاهرة، فأسرعي في نجاة عبيدك. آمين

عدم البحث عن تجارب صوفية. معظم الآباء يحذرون المبتدئين من الرؤى والتجارب غير العادية التي قد يكون لها أصل مشكوك فيه. أخبار آباء البرية غنية بالقصص عن رهبان شباب خدعهم الشيطان الذي استدرجهم إلى لقاءات صوفية كاذبة. إن قبول هذه اللقاءات لا يجذب سوى الكبرياء والشعور الزائف بالإنجاز. الصلاة ليست منافسة إنها شأنٌ جديّ بيننا وبين الله

لا يمكن للصلاة أن توجد في فراغ، بمعزل عن الأشياء الأخرى الضرورية لحياة التقوى. يجب ربط الصلاة بالتوبة والتواضع والرحمة والصوم. فقط في هذه الشركة المقدسة تزدهر الصلاة وتملأ حياتنا برائحة الروح القدس الرائعة. “كل ما تحملته بدافع الحكمة سيؤتي ثماره لك وقت الصلاة” (من اقوال الآباء القديسين)

في النهاية، الصلاة هي لقاء مع الله وبناء علاقة شخصية تحتاج إلى الرعاية والمثابرة. كلما تواصلنا أكثر كلما اقتربنا من الشخص الآخر وصارت المحادثة أكثر إفادة في كل مرة. الصلاة هي محادثة مباشرة مع الله، أي أن يكون المرء دائمًا مع الله، أي أن تكون روحه متحدة به وعقله ملتصقاً به. يصير الإنسان واحداً مع الملائكة ويتحد بهم في التسبيح الدائم والاشتياق إلى الله (القديس سمعان التسالونيكي)

Source: Gladsome Light Dialogues – An Orthodox Blog

الشفاء وتدبير الله

الشفاء وتدبير الله

الشيخ سمعان كراغيوبولوس

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

إن سر مسحة المرضى هو لشفاء أمراضنا. إذا لم نشفَ، فلسنا بحاجة للشفاء. هذا هو السبب في أننا لم نشفَ. إذا استوعبتَ هذا النقص في الشفاء، تكون قد شفيتَ بالفعل. أنت تعلم بالفعل أن المرض الذي يتباطأ ولا يزول يكون ثميناً

كل ما ينبغي التخلص منه سيزيله الله. كل ما لا ضرورة لبقائه يزيله الله، سواء كان مرضًا أو تأثيرًا شيطانيًا. وأياً كانت الأشياء التي تستمر وتؤذينا، يجب أن نصلي لله. يجب أن نصلي عدة مرات، مرارًا وتكرارًا، يجب أن نصلي ليس فقط من أجل النجاة من أمراض روحنا والتأثيرات الشيطانية بل أيضًا من أجل الخلاص من الأمراض الجسدية

فلنضرع إلى الله من أجل كل شيء مراراً وتكراراً. ليس لأن الله يحتاج أن يسمع صلواتنا بشكل متكرر، بل لأننا بحاجة إلى أن نبرهن سعينا إليه أي إيماننا. يتعلّم الإنسان المعاصر هذه الدروس من التكرار. إذا صليت مرارًا وتكرارًا، وهذا ما تحتاج أن تقوم به، ولم يستجبْ الله صلاتك أو يزيل أمراضك، أدرِكْ هذا: إما أنك لم تظهِر الإيمان كما يريد ويتوقع منك، أو أنه يجب أن يبقى المرض لأنه ضروري لك

إذا فهمت مرضك من منظور الله، فإنك تشعر بشفاء مضاعَف إذا بقي المرض. إذا شفاك الله فإنك تشفى مرة واحدة. إذا استمر المرض، فسوف تشعر بالشفاء مرتين. عندما يحين وقت الشفاء من مرضك وفي الوقت المناسب ستشعر روحك بالشفاء أيضًا. عندما يحدث هذا، سيشفى إنسانك الداخلي، وهو الشخص الذي يعاني من المرض، من جذام الخطيئة

الشيء نفسه ينطبق على جميع الأمراض العقلية وكل ما يؤلمنا من الأشياء الأخرى. إذا نظر الإنسان إلى جميع قضاياه من ضمن العناية الإلهية، فسيشعر بمثل هذا الارتياح، كما لو أن جميع مشاكله قد حُلَّت. لأن في الله يُحَلّ كل شيء

Excerpt from the Book: “Are You in Pain? Looking deeply into the mystery of pain”. Archimandrite Symeon. To Perivoli Tis Panagias. Thessaloniki, Greece, 2016

شعب الله هم نور العالم

شعب الله هم نور العالم

الميتروبوليت يوئيل فرانغاكوس*

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

تخصص كنيستنا أحداً لتحتفل بالآباء الذين شاركوا في المجمع المسكوني الرابع الذي ناقش واختتم بشكل نهائي طبيعتي المسيح. إن المقطع الإنجيلي الذي يُقرأ في الكنائس مكرس لهم وهو من عظة ربنا على الجبل. المسيح، كإله وإنسان، يدعو تلاميذه بنور العالم. دعونا ننظر إلى كلمات المسيح عن كثب

ماذا يعني مثال النور؟

استخدم الرب مثال الملح (متى13:5) والنور لتلاميذه. مثال النور أسمى. بحسب القديس يوحنا الذهبي الفم، عندما يتحدث عن المدينة الواقعة على التل، والتي لا يمكن إخفاؤها، فإنه يعني “طريقة عيش صارمة وحياة نقية”. إنه يدرّبهم ليكونوا مستعدين للمعركة في حياتهم، وأن تكون أعين الجميع معتادة عليهم وليقاتلوا العالم بأسره

لقد أضاء المسيح نور نعمته فينا. مساهمتنا الخاصة هي الحفاظ على هذا الضوء حياً. يجب أن يؤثر سطوع حياتنا على الآخرين. المسيح هو نور مطلق ويقول في الواقع عن نفسه إنه “نور العالم” (يوحنا12:8). ومثله، فإن المؤمنين والقديسين نور وكواكب. يكتب القديس بولس: “لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَبْلًا ظُلْمَةً، وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ. اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ نُورٍ.” (راجع أفسس 8:5). وفي رسالة أخرى، كتب عن المسيحيين، “تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَمِ. مُتَمَسِّكِينَ بِكَلِمَةِ الْحَيَاةِ” (فيلبي15:2-16)

الكنيسة هي نور العالم

إن الرب هو بالفعل النور الذي يرشد الناس من الضلال إلى الحقيقة، ومن الخطيئة إلى الفضيلة، والذي ينير أذهاننا. يعمل المؤمنون أيضًا عمل المسيح. وكما يقول أحد اللاهوتيين المعاصرين: ليس الخلاص شأناً فردياً ولا يقتصر على دائرة ضيقة من “المختارين”. بالأحرى هو مُقدّم للعالم كله. الخلاص ليس نوعًا من الروحانيات، بل هو نقيض النظام الشيطاني، نظام الظلمة والتحلل

الكنيسة نور العالم. هذا يعني أن لديها مسؤولية عالمية تغطي الكون ويشترك فيها كل واحد منا. نحن لا نحيا لأنفسنا ولا لأي دائرة قومية أو أيديولوجية أو دينية معينة. نحن نعيش من أجل إخواننا وأخواتنا في جميع أنحاء العالم، بغض النظر عن مدى اختلافهم عنا أو مدى معارضتهم لنا. أعطى المسيح لتلاميذه هذه الوصية المهمة: “تَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ” (أعمال الرسل 8:1). علينا أن نرفع نور المسيح في أقاصي الأرض، يشير إشعياء إلى الآب الذي يخاطب المسيا قائلاً: ” قَلِيلٌ أَنْ تَكُونَ لِي عَبْدًا لإِقَامَةِ أَسْبَاطِ يَعْقُوبَ، وَرَدِّ مَحْفُوظِي إِسْرَائِيلَ. فَقَدْ جَعَلْتُكَ نُورًا لِلأُمَمِ لِتَكُونَ خَلاَصِي إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ” (6:49). المسيح هو نور الأمم، ومن خلال المؤمنين تلتزم الكنيسة بنقله إلى أقاصي الأرض. الأشخاص الروحيون الذين يطهّرون أنفسهم باستمرار مجاهدين من أجل محبة الله، والذين يتواضعون في جسدهم بممارسة النسك، والذين يملئون أذهانهم بالنور من خلال الصلاة والدراسة، والذين عرفوا “أسباب الوجود”، وتغلّبوا على كل العواطف الدنيوية، هم القادرون على التبشير بالمسيح ونقل نور الإنجيل، بحسب ما يقول القديس نيكيتاس. هؤلاء هم الأشخاص الذين يخاطبهم المسيح عندما يقول: “أنتم نور العالم” (متى 14:5)

واجبات المؤمنين

في ما يتعلق بنقل رسالة الإنجيل، يقع على عاتق القادة الروحيين في كنيستنا مسؤولية كبيرة، شأنها في ذلك شأن العلمانيين. الأساقفة والكهنة والعلمانيون الذين يعرفون ويعيشون نور الإنجيل، ينقلون خبراتهم للآخرين. من ناحية أخرى، إذا أظهر أولئك المكلّفون بإظهار المصباح تقصيرًا في الإيمان، فتتأجّل بشارة الآخرين، وفي الواقع قد تخسر أرواحهم. إن خطايانا وحياتنا الشخصية غير المقبولة تؤثّر بشكل سلبي على الأشخاص الذين لم يعرفوا المسيح بعد. فلنحرصْ على أن نكون ثابتين في القول والعمل حتى يتّقد نور تعليم الرب الخلاصي باستمرار في جميع أنحاء العالم

* مطران آداسا وبالا وألموبيا، اليونان