ملاحظات حول الشفاعة

ملاحظات حول الشفاعة

إعداد الأب أنطوان ملكي

الشفاعة هي إحدى نقاط الاختلاف بين المسيحيين، وقد تكون نقطة الخلاف الأعمق، وعليه العائق الأكبر أمام أي وحدة بين الأرثوذكس والبروتستانت. فالأرثوذكس والكاثوليك أو الشرقيون قد يختلفون على اعتبار هذا الإنسان قديساً أو ذاك لكنهم ليسوا مختلفين على قبولهم للقداسة وإمكانية الوصول إليها. في المقابل، البروتستانت، في تفسيرهم المجتزأ للكتاب المقدس، لا يميزون بين القداسة والإيمان وبالتالي لا يعود الجهاد أو النسك مبرَراً ولا مطلوباً.

شعبنا الأرثوذكسي يتأثّر بالفكرين المذكورَين أعلاه، الكاثوليكي وسلوكه القانوني الحرفي في تحديد القديسين وصوغ العلاقة معهم على أساس من النفعية القائمة على الخوف، والبروتستانتي في إهمال العلاقة مع القديسين والانتفاخ بأن الإيمان لوحده يخلّص. من هنا تمّ تجميع هذه الملاحظات البسيطة من دون تعقيد لاهوتي.

شفاعة القديسين تحمل معنى الإيمان بالحياة الأخرى، أي الإيمان بأن الذين انتقلوا ما زالوا أحياء وهم يعملون. إنه إيمان بالصلة الدائمة بين السماء والأرض. وبأننا نكرم القديسين لأن الله نفسه يكرمهم. لهذا، الشفاعة هي بركة المحبة بين أعضاء الجسد الواحد، الكنيسة، التي هي جسد المسيح الواحد الذي هو رأسه. المسيحيون أعضاء هذا الجسد سواء في هذه الحياة أو في الأخرى. من هنا أنهم يتبادلون المحبة والصلوات والشركة، فالأحياء يصلّون من أجل الراقدين والراقدون يشفعون بالأحياء. هذا هو المعنى الحقيقي لكلام السيد في صلاته إلى الآب: “ليكونوا واحدًا كما نحن“. الوحدة هي وحدة إيمان وصلاة.

من هنا أن الذي يؤمن بالشفاعة ينتفع برابطة المحبة التي بينه وبين القديسين وبينه وبين أرواح أحبابه الراقدين، ويُزاد إلى صلاته صلوات أقوى وأعمق لأجله. أما من ينكر الشفاعة فإنه يخسر هذه الصلة وهذه الصلوات. وعلى هذه النقطة يقول أحد الآباء المعاصرين: “بأي وجه سيقابل منكرو الشفاعة القديسين في الحياة الثانية، وقد رفضوا إكرامهم ورفضوا صلواتهم وشفاعتهم؟

إن الإيمان بالشفاعة هو إيمان بسيط غير معقد نلاحظه في كل الذين يحتفلون بأعياد القديسين ويزورون كنائسهم ويطلبون صلواتهم. فالشفاعة تعكس تواضع القلب لأن الذي يطلب الشفاعة، هو إنسان متواضع، غير مغرور بصلته الشخصية بالله. على العكس، منكر الشفاعة غالباً ما يسأل بانتفاخ: ما الفرق بيني وبين هؤلاء القديسين؟ ما بيني وبين الله أقوى من وساطتهم!! إذا كان بولس الرسول يطلب الصلوات من أجل نفسه (عب18:13) ومن أجل جميع القديسين (أف8:6)، كيف يستطيع مَن يدّعي معرفة الكتاب المقدس رفض الشفاعة، لولا غروره؟

ثم إذا كان الله قد سمح للشيطان أن يحارب أولاد الله، ويجرّبهم ويظهر لهم في رؤى وفي أحلام كاذبة ويضايقهم (أيوب ويوسف الخطيب والسيد وغيرهم). فلماذا لا يقبل بالمقابل صلوات القديسين الشفعاء والملائكة الحارسين وتدخلهم ومساعدتهم للناس؟

أخيراً، بحسب تقليدنا، الشفاعة واقع نعيشه. ليست شفاعة القديسين مجرد بحث لاهوتي تثبته آيات من الكتاب المقدس، بل هو واقع شركة معاشة. إنه تاريخ حي على مدى أجيال، يروي الرابطة العجيبة التي بين المؤمنين من منتقلين وأحياء على الأرض. إنه صلة حية بالقديسين الذين يشفقون على أوضاعنا أكثر منا، وبإشفاق حقيقي. حتى أن الكثير من مشاكلنا تُحَل أحيانًا بتَشَفُّعَاتهم فينا، دون أن نطلب ذلك. إنهم أكثر منا فهماً وتطبيقًا لقول الرسول بولس فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ” (رو15:12).

فالشفاعة دليل علي الرابطة بين أعضاء الكنيسة الذين على الأرض والذين في السماء، الكنيسة المجاهدة والكنيسة الغالبة. إنهما يتبادلان الصلاة.

إن رفض شفاعة القديسين ليس مجرد انحراف في التفكير النظري اللاهوتي، بل هو تجاهل للعشرة الطويلة التي يحكي عنها الناس قصصاً كثيرة ويحيون على هذه القصص وما فيها من معجزات عجيبة يشهدون بحدوثها بصلوات القديسين وفي أعيادهم وكنائسهم ومن خلال رفاتهم وذخائرهم. إن رفض الشفاعة هو إنكار للواقع والتاريخ القائمَين على النسك وعلى الجهاد، تهرباً منهما. إن التذرّع بأننا بالإيمان مخلّصون هو إنكار لكل وصايا السيد التي يدعو فيها إلى الصلاة والصوم والجهاد. رفض الشفاعة هو تعلل بعلل الضعف والكسل لتبرير الذات التي بَرَد إيمانها وتبلّد.

Bebis, George. “The Saints of the Orthodox Church” (Greek Orthodox Archdiocese of America, http://www.goarch.org/en/resources/saints/

Reader Christopher Orr. “On the Intercession and Invocation of the Saints”, http://orthodoxinfo.com/inquirers/invocationofsaints.aspx

Ορθόδοξος Συναξαριστής, http://www.saint.gr

طاعة الكهنة للرؤساء

طاعة الكهنة للرؤساء

الأب أنطوان ملكي

وجّه أحد الأساقفة الأرثوذكس في بلاد العم سام أكثر من رسالة إلى أحد الكهنة الذين تخطّوا حدود اللياقة في الكلام في السياسة والنشر على وسائل التواصل الاجتماعي وأمور رعائية أخرى، داعياً إياه إلى الهدوء وعدم إثارة العثرات لدى المؤمنين. لم يردّ الكاهن فأوقفه الرئيس عن الخدمة. لم يثنِ التوقيف الرجل عن الاستمرار في ما بدأه فشارك في خدمة حيث لا شركة مع كنيسته الأصلية. فما كان من رئيسه إلا أن جرّده.

في الكنيسة نفسها كهنة يتخطون حدود اللياقة في السياسة، وفي الاشتراك حيث لا شركة، وفي أمور رعائية عديدة، ولا يُجَرَّدون. ما الفرق بين الحالتين؟ الفرق هو الطاعة. ذاك الكاهن لم يُطِع فوصل به الأمر إلى التجريد. الآخرون لم يقل لهم أحد اعملوا أو لا تعملوا، فبالتالي لم يتخطوا كلمة رئيس لذا لا شائبة على وضعهم. أترى مَن الذي عمل مشيئة الأب، الابن الذي قال أذهب ولم يذهب أم الذي رفض الذهاب لكن عاد وذهب (أنظر مثل الابنين في متى 28).

المقارنة تُظهِر أن الكهنة الذين لم يجرّدوا تخطوا قوانين الكنيسة أي لم يطيعوها، أما الذي جُرِّد فتخطّى قوانين الكنيسة وكلمة المطران. وكأنّ في الحالة الأولى لا مشكلة، أمّا في الحالة الثانية فالويل والثبور. هذا واقع يتيح التساؤل حول واقع الطاعة في حياة الكنيسة ومعناها وتطبيقها.

ما لا يُناقشه أحد هو أن الطاعة مصدر بركة للمطيع بغض النظر عن ما تحمل وما ينتج عن فعلها. يزخر الكتاب المقدس بهذا التعليم، ولو لم يكن الحال كذلك لما صارت الطاعة نذراً لدى الرهبان. فالطاعة هي خروج من النفس وتخلٍ عن الإرادة الذاتية لإرادة أخرى نؤمن أنها من الله. فالطاعة يمارسها بنو الحكمة جماعة الصديقين وذريتهم أهل الطاعة والمحبة” (بن سيراخ 1:3)، وهي تُكسِب الروح القدس الرُّوحُ الْقُدُسُ أَيْضًا، الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُطِيعُونَهُ” (أعمال 32:5)، والطاعة تحمي من الشهوات ومن الجهالة كَأَوْلاَدِ الطَّاعَةِ، لاَ تُشَاكِلُوا شَهَوَاتِكُمُ السَّابِقَةَ فِي جَهَالَتِكُمْ” (1بطرس 14). لكن الكتاب المقدّس حدّد بأنّه يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ” (أعمال 29:5)، وبأن الطاعة تطهّر إذا كانت بالحق طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ” (1بطرس 22).

الكنيسة الأرثوذكسية كنيسة نسكية والرهبنة هي النموذج النسكي الأسمى فيها، لكنه ليس الوحيد. لذا من الخطِر استنساخه أو إسقاطه على غير الرهبان، أو حتّى على المتبتلين خارج الدير. فهذا النموذج يعمل متكاملاً في مكانه الطبيعي أي الدير، ومع مكوناته الطبيعية أي رئيس الدير والرهبان والدير بموقعه في الزمان والمكان، مع التشديد على الزمان والمكان معاً. من هنا أن هذا النموذج لم ينجح خارج هذا الإطار الطبيعي إلا مع حالات نادرة جداً، سلكت في تفاعل محدد غير عادي مع الجماعة. وفي حالة الإكليروس، فإن اختيار الرؤساء من الرهبان كان في الكثير من الأحيان عامل حماية للكنيسة وضابطاً لاتزانها، لكنه أيضاً في حالات كثيرة كان عامل تضعضع وعثرة، خاصةً متى تخلى الرؤساء عن مزاج الرهبان وتواضعهم وانفتاحهم وسعة صدرهم. فخارج الدير يفقد الراهب العديد من مقومات هدوئيته، لذا قد يصير غضوباً يتلافى الحوار ويتسرع في إصدار الأحكام، متشبثاً في رأيه معتبراً المخالفة له خروجاً على الطاعة. هذا الأمر لم يخفَ على الكنيسة التي في مجمعيتها قالت في القانون الرابع عشر من مجمع سرديقية على لسان الأسقف هوسيوس: “أي أسقف تسرّع في غضبه (ومَن كان مثله يجب ألا يستسلم للغضب) وثار فجأة يريد طرد قس أو شماس من الكنيسة فيجب أن يُوضَع حدٌّ فلا يصدر حكم بسرعة ضد هذا (أو فلا يصدر حكم ضده إذا كان بريئاً) ويُحرَم هكذا من الشركة” (مجموعة الشرع الكنسي ص. )

إذاً، في الرهبنة، عدم الطاعة هو نكث بالنذر. أما خارج الرهبنة فليس من كلام يفيد بأن عدم الطاعة يفقِد البركة، لأن الطاعة هي لله وللحق قبل أي إنسان. كلام الرسول بولس إلى العبرانيين واضح بأن أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا، لأَنَّهُمْ يَسْهَرُونَ لأَجْلِ نُفُوسِكُمْ كَأَنَّهُمْ سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَابًا” (17:13)، فإذا لم يسهر المدبّرون ﻷجل نفوس الرعية فالطاعة ليست ملزِمة مع التشديد على أن التمرّد هو دينونة لأَنَّ التَّمَرُّدَ كَخَطِيَّةِ الْعِرَافَةِ، وَالْعِنَادُ كَالْوَثَنِ” (1 صموئيل 23:15). في الكنيسة الاعتراض ممكن وإلا تحوّلت الطاعة إلى غطاء لكل المخالفات، تماماً كما هو حاصل في التدبير الذي صار حجة لكل أشكال التراخي والمسايرة. إن الرؤساء مُطالَبون بالسهر من أجل النفوس حتّى تكون رئاستهم بركة لهم ولكل مَن معهم، ﻷنهم سوف يعطون حساباً.

اﻷبوّة مطلوبة والعدل مفتَقَد والحقّ تحجبه الشهوات. إن طلب الطاعة قبل طلب الحق هو ادّعاء مبطّن للعصمة، كما أن التمرد هو طلب مبطّن لرئاسة مشتهاة. إن الوصية هي بالاتكال على الله قبل الرؤساء. يدعونا قول الذهبي الفم المذابح التي عمت الكنائس، والخراب الذي حلَّ بالمدن، بسبب التشاحن على الرئاسة” [في الكهنوت] إلى التوبة والتعقّل والاستماع إلى صوت الرب. “هُوَذَا الاسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ، وَالإِصْغَاءُ أَفْضَلُ مِنْ شَحْمِ الْكِبَاشِ” (1صموئيل 22:15).

يا رب يا رب اطّلع من السماء وانظر وألبِس الكهنة البِر فتتهلل الكنيسة.

من تداعيات لقاء كريت – تابع

من تداعيات لقاء كريت – تابع

إعداد الأب أنطوان ملكي

في الثالث من آذار الماضي 2017، أرسل المتقدم في الكهنة ثيوذوروس ذيسيس رسالة إلى السيد أنثيموس، مطران تسالونيكي، يعلِمه فيها بأنه ابتداءً من أحد الأرثوذكسية، الواقع في الخامس من آذار، سوف يتوقّف عن رفع اسمه في القداس. هذه الرسالة من النتائج المباشرة للقاء كريت في حزيران 2016.

الأب ثيوذوروس ذيسيس هو أستاذ شرف (Emeritus) في كلية اللاهوت في جامعة تسالونيكي، كاتب غزير ومدافع عن الأرثوذكسية والتقليد. هو أحد المعترضين بقوة على الخط المسكوني الذي انتهجته البطريركية المسكونية في إعدادها لمجمع كريت، الذي لم يصل إلى استحقاق تسمية المجمع، لأسباب عديدة متعلقة بتركيبته وإدارته والحضور المشارك ونتائجه.

تبدأ الرسالة المطوّلة التي أرسلها الأب ثيوذوروس، بإعلام المطران قرار الكاهن، محدداً السبب بأنهّ اتّباع التقليد الرسولي والآبائي المتعلّق بالشركة مع الهراطقة والذي أظهر أن مطران تسالونيكي وغيره كثيرين من المطارنة تخلّوا عن التقليد المقدّس وانحرفوا عن طريق الآباء. ويشدد الأب ثيوذوروس على أنه في إطار الليتورجيا يدين المسكونية مسمياً إياها بالهرطقة الجامعة ويرفض المجمع المزيّف في كريت الذي اعترف بالهرطقات على أنها كنائس وأكّد النهج المسكوني التوفيقي المدمّر.

ومن ثمّ يفنّد الأب ثيوذوروس أسباب موقفه فيبدأ بإظهار الشبه بين المسكونية والحرب على الأيقونات ليستنتج بأن الأولى أسوأ من الأخيرة، وهذا واضح من ارتباط العمل المسكوني بالبروتستانت الذين يرفضون الأيقونات ويذمّون والدة الإله وغيرها من القديسين. وفي هذا إساءة إلى الكنيسة الأرثوذكسية خاصةً في مساواتها بالبدع البروتسانتية التي تُسمّى كنائساً.

النقطة الثانية التي يتساءل حولها هي سبب قبول المسكونية التي لطالما كانت مرفوضة، وما تزال، لدى الكثيرين من الأرثوذكسيين، وخاصةً الذين أُعلنَت قداستهم. ويشير هنا إلى بيان رفض المسكونية الذي نشره تجمّع الإكليريكيين والرهبان في 2009 ووقعه الآلاف من المطارنة والكهنة والرهبان من مختلف الكنائس الأرثوذكسية في العالم (ما عدا أنطاكية)، والذي تضمّن الدعوة إلى الخروج من مجلس الكنائس العالمي، والتشديد على أن الكثلكة هي رحم الهرطقات والانحرافات، وأن البروتستانتية ورثت ما للكثلكة وأضافت إليه. كما يرد أن الوسيلة الوحيدة لاستعادة الشركة هي في عودة الغرب عن انحرافاته، ويحذر من تمدد العمل المسكوني بين المسيحيين نحو الأديان الأخرى حيث تتساوى المسيحية بغيرها، ويختم بتحميل رؤساء الأرثوذكسية مسؤولية الوصول إلى هذه الحالة.

من ثم يتساءل الأب ثيوذوروس عن سبب الاستعجال في عقد مؤتمر كريت بالرغم من مختلف الاعتراضات المبدئية والعقائدية والتنظيمية المتأتية من أكثر من طرف. ليستنتج أن المنظمين خافوا على أجندتهم فاستعجلوا واستبدلوا الكثير من التحضيرات التي كانت تتمّ منذ زمن بنصوص أخرى، وبتنظيم لا يترك مجالاً للنقاش والتصحيح، ما أدّى إلى مقاطعة أنطاكية وروسيا وبلغاريا وجورجيا، إضافة إلى موجة اعتراض عارمة في كل من الكنائس التي شاركت، وخاصة كنيسة اليونان.

وعليه فإن محاولة اللقاء إضفاء الشرعية على المسكونية لم تحقق هدفها، خاصةً أن العديد من النشاطات تجري للإضاءة على الخطأ في لقاء كريت.

من هنا أن القراءة للوضع لا توصل إلا إلى ضرورة الامتناع عن رفع أسماء المطارنة الذين شاركوا في اللقاء أو دعموه أو يتبنون أفكاره. فلكي يُرفع اسم المطران يجب أن يكون تعليمه أرثوذكسياً قاطعاً باستقامة كلمة الحق. ولما لم يكن لائقاً الكذب أمام المائدة المقدّسة ولأن هذا لا ينطبق على المطران أنثيموس وجد نفسه الأب ثيوذوروس مضطراً إلى عدم رفع اسمه، مورداً كأمثلة امتناع الجبل المقدس عن ذكر أثيناغوراس عند اتفاقه مع روما ومعهم عدد كبير من مطارنة الأرض الجديدة” (أراضي يونانية تتبع البطريركية المسكونية). ولما كان هذا الأمر ينطبق على المطران أنثيموس فهو يمتد إلى كل أساقفة كنيسة اليونان التي لم تدِن المؤتمر بالرغم من الأصوات المرتفعة التي علَت فيها ضده كمثل أمبروسيوس كالافريتا وييرثيوس نافباكتوس وسيرافيم بيريه وغيرهم.

وختاماً لرسالته يؤكّد الأب ثيوذوروس ذيسيس على أن طبيعة التدبير مؤقتة بينما الدقة في تطبيق القوانين الكنسية هي الثابتة، لهذا يرى أن مطران تسالونيكي يقع تحت أحكام القانون الخامس عشر من المجمع الأول الثاني خاصةً أنه أرسل رسائل إلى الشعب مدافعاً عن المسكونية وعن مؤتمر كريت، وبالتالي فإنه يمتنع عن ذكر اسمه كي لا يظهر أنه موافق على مواقف المطران. وختم مذكراً بموقف أثيناغوراس الذي لم يتّخذ أي موقف معادٍ لآباء الجبل عندما امتنعوا عن رفع اسمه بل تركهم يتابعون ويعلمون ما هم مقتنعون به. واستباقاً لاتهامه بشق الكنيسة، أكّد الأب ثيوذوروس بأنه لن ينضمّ إلى أي من المجموعات المنشقة أو كنائس التقويم القديم، كما أنه لن يذكر أي مطران آخر، على رجاء أن يعود أنثيموس عن ما هو فيه.

آخر جملة في الرسالة هي: “أنا كَراعٍ ومعلّم أدّيت مهمتي. أصلّي أنك كرئيس رعاة سوف تقوم بما ينيرك الله إلى عمله. مع احترامي لرئاستك“.

1- في يوم الإثنين التالي لأحد الأرثوذكسية، في 6 آذار 2017، أصدر المطران أنثيموس قراراً أوقف فيه الأب ثيوذوروس عن الخدمة وجرّده من رتبة المتقدّم ومنعه من الخدمة في أي من كنائس أبرشية تسالونيكي.

الجدير بالذكر أن دقة الأب ثيوذوروس اللاهوتية صعبة المواجهة وبالتالي قد يكون تجريده هو الحل الأكثر إراحة للمطران، خاصة في الأجواء التي تتمدد إلى كل العالم الأرثوذكسي وتظهر في سقوط الكنائس الواحدة تلو الأخرى من الالتزام بالتقليد. هذا الأمر قد يكون معثِراً للكثيرين لكنه نتيجة طبيعية للاستنساب في تطبيق القوانين الكنسية والتعاطي مع القوانين بروح دهرية لا كأنها علاجات فرضها سقوط الإنسان. والأخطر في هذا، أن تخلّي الأرثوذكسيين عن النهج التقليدي يضرّ بهم كما بغيرهم من المسيحيين، إذ إن انخراط الأرثوذكس في الممارسات المسكونية وخاصةً الصلوات المشتركة من دون أي تقدم لاهوتي فعلي يتجلّى بتراجع الغربيين عن ابتداعاتهم، سوف يخفي النموذج المطلوب من الأرثوذكسي إظهاره لغير الأرثوذكسي. فالكلام عن التقليد يبقى في إطار العواطف ما لم يتمكّن الإنسان الغربي من رؤيته.

ما يؤكّد أهمية هذا النموذج هو تكاثر حالات التحوّل من الغرب إلى الأرثوذكسية عند معاينتها لهذا النموذج التقليدي في عصرنا. يمكن تعداد الكثير من الأسماء المهمّة في الأرثوذكسية من المطران كاليستوس وير إلى جان كلود لارشيه إلى المئات من الرهبان في جبل أثوس، إلى الرهبان والراهبات الذين يملؤون الأديار التي تتضاعف أعدادها في مختلف أنحاء أوروبا وأميركا حتّى يمكن القول بأن الأرثوذكسية في حال صعود (ما عدا في بلادنا) بسبب تزايد أعداد المتحولين إليها، والذين يأخذون المُلك الذي يتخلّى عنه الذين ورثوه.

إن تفضيل التدبير على الدقة، والانقياد للعواطف البشرية والرضوخ للضغوط السياسية والانخراط في التيارات الدهرية تهدد الأرثوذكسية، خاصةً إذا ما وُجِد مَن يعرِف تماماً كيف يستغلّ تفاعل هذه العوامل مع بعضها، وهو موجود.

2- هنا لافت للنظر مقارنة موقف البطريرك أثيناغوراس، الذي لم يتّخذ أي موقف معادٍ لآباء جبل أثوس عندما امتنعوا عن رفع اسمه بل تركهم يتابعون ويعلمون ما هم مقتنعون به، بالبطريرك الحالي برثلماوس الذي أبلغ كل الأساقيط والقلالي التي فيها رهبان يمتنعون عن ذكر اسمه بوجوب إخلائها مباشرة أو العودة عن قرارهم. لم يضع مجلس إدارة الجبل المقدس هذا القرار موضع التنفيذ.

بأنّ علينا ألا نتجاهل المحتاجين

بأنّ علينا ألا نتجاهل المحتاجين

القديس نيقولاي فيليميروفيتش

نقلتها إلى العربية منيرة فرح

لا تمنع الخير عن أهله، حين يكون في طاقة يدك أن تفعله” (أمثال 27:3)

الربّ لا ينكر احتياجك، ولذا فعليك ألا تنكر أخاك الإنسان الذي أرسله الله ليختبر قلبك. فإذا في إحدى المرّات مدّ فقيرٌ أو محتاجٌ يدهُ إليك طالباً المساعدة فأعطِه ولا ترفض. تذكّر لِكَم من السنين في حياتك، ولِكَم من الساعات في نهارك، ولِكَم من الدقائق في الساعة كما في كل دقيقةٍ ولآلافٍ من الأيام أنت تبسط يدَكَ إلى الله، والله يعطيك ولا يرفض طلبك. تذكّر رحمة الربِّ، وافتقارك لهذه الرحمة سيحرقك كجمر حيّ وهذا لن يمنحك أيّ سلام حتى تتوب وتليّن قلبك

لا تقل أبداً: “هؤلاء المتسوّلون يزعجونني، لأن هناك ملايين من الناس يعيشون على الأرض وكلهم متسوّلون أمام الله. الأباطرة مثل العمال، وأصحاب الثروة مثل الخدّام. الكلُّ متسولون أمام السيد، والله لا يقول أبداً هؤلاء المتسوّلون يزعجونني“.

أيّها الإنسان قدّم شكرك إلى الله لأن أحدهم يطلب منك شيئاً صالحاً، مادياً كان أو معنوياً! هذا يعني أنك إنسانٌ حائز ثقة الله: فهو ائتمنك على بعض خيراته لأنه هو يملك كلّ خير. أظهر استحقاقك لهذه الثقة في القليل لتُؤتمنَ على الكثير.

أيها الربُّ العظيم الغنى، حنّن قلوبنا وأنر فهمنا لكي نكون رحماء فيما ائتمنتنا عليه، يا كليَّ الرحمة وحدك، لأنَّ لك المجد والشكر إلى الأبد. آمين

الرهبنة العلمانية

الرهبنة العلمانية

الأب تريفن، رئيس دير المخلّص الجزيل الرحمة

لا أستطيع أن أحصي عدد العلمانيين الذين عبّروا عن اهتمامهم بالرهبنة خلال الخمس والثلاثين سنة الماضية. الكثيرون أخبروني، لو أنهم صاروا أرثوذكسيين في سن مبكرة لكانوا استغنوا عن الزواج من أجل الحياة الرهبانية. هؤلاء لم يكونوا أشخاصاً تنقصهم السعادة مع زوجاتهم أو في زيجاتهم، لكنهم ببساطة وجدوا أنفسهم مشدودين نحو إيقاعات الصمت، الليتورجيا، الدراسة، الصلاة والعمل.

صحيح أنه لدى الكثيرين من المسيحيين الأتقياء انشداد رومنسي نحو نمط حياة يبدو سلامياً وخالياً من الاهتمامات. إنهم يحنّون إلى ما يرون أنه حياة هادئة وبالتالي محمية حيث تُعزَل ضغوطات الحياة. إنهم ينظرون إلى الصمت والسلام اللذين يسودان على الإيقاع الديري اليومي ويشعرون بشيء من الحسد. يحنّ الكثيرون إلى صمت صعب المنال وعمق روحي ويعتبرون أن من المستحيل للمؤمن العلماني العادي أن يحصد أوقاتاً من الصلاة العميقة غير المشوشة. فمع التنقّل والوظائف والفواتير والعشاء والأولاد لم يعد هناك ببساطة مكان للحياة الداخلية كما هي موجودة في الأديار.

ولكن إذا تفحصنا فعلياً سرعة الحياة اليومية، يمكننا أن نجد الكثير من الوقت المهدور الذي يمكن استعماله في ذلك المسعى الغامض للصمت والصلاة. خلال التنقل اليومي، إذا حسبنا الدقائق الضائعة على الدردشات على الخليوي، أو الاستماع إلى الأخبار، أو في النقل العام، قراءة الجريدة، نجد أن هناك وقتاً مقدساً قد أُهدِر. وقت التنقّل، إذا أُحسِن استعماله، ممكن أن يصير وقتكم المقدّس.

سواء كنتم تتنقلون بالسيارة أو القطار أو الدراجة، فالتنقل يعطيكم قلاية رهبانية، مكاناً منقطعاً عن متطلبات العالم وضجيجه. لا يجد الراهب لحظات التأمّل فقط في العزلة، أو أثناء الخدم في الكنيسة، لأن الراهب يصلّي حتّى أثناء قيامه بأعمال طاعته. الراهب يكون في الصلاة حتّى أثناء استقبال زوّار الدير، أو العمل مع الرهبان الآخرين في الحقل أو معمل النجارة.

بإمكانكم أن تحوّلوا تنقلّكم إلى مكان مقدّس، وسيارتكم أو قطاركم إلى دير. بدل الاستسلام إلى الموسيقى أو نشرات الأخبار، بإمكانكم استعمال وقت تنقلكم لتشديد إيمانكم. إن جهازاً نقالاً محمّلاً [يحدد هنا الأب ipod ] بتسجيلات من الراديو الكنسي [Ancient Faith Radio] يمكن أن يكون طريقتكم لتعميق فهمكم للاهوت الكنيسة السريّ، أو لتعلّم فنّ الصلاة، على يد لاهوتي أرثوذكسي معروف. بإمكانكم الاشتراك في صلاة السحرية والغروب مع الرهبان الذي سجّلوا هذه الصلوات على أقراص مدمّجة. بإمكانكم الاستماع إلى الكتاب المقدّس وشروحاته ودراسته أثناء تنقّلكم. إن تسجيلات الموسيقى الكنسية التي لا تعد ولا تحصى الموجودة على أقراص مدمّجة أو ممكن تحميلها على جهازكم المحمول بإمكانها أن تحوّل تنقلكم إلى حدث منهِض. يمكن للموسيقى الكنسية أن تنقلكم إلى عالم يلتقي فيه السعادة والجمال ويختفي فيه استعجال التنقّل وضجيجه وضغطه.

إن صلاة يسوع صلاة ممتازة أثناء التنقل ﻷنها ترشدكم إلى الدخول إلى شكل عميق من الصلاة، شكل من السلام والسعادة يفتح قلوبكم واسعة ليسوع. لطالما نصحت بصلاة يسوع للمتنقلين الذين يعانون من توتر الطريق، وقد حوّلت الصلاة قيادتهم إلى تنقّل سلامي برفقة يسوع.

تأتي أيام حين تصير أفضل مقاربة لتحويل تنقلكم إلى قلاية رهبانية، هي في إطفاء كل المحرّكات الخارجية والدخول في الصمت. ليس بالضرورة أن يكون عندنا دائماً محفزات من خارج حياتنا، والصمت يتيح للحظة التي فيها نبدأ بسماع صوت الرب. قد يكون الأمر مرعباً بالبداية لأننا اعتدنا كثيراً على الضجة والموسيقى والكلام حتى صار الصمت يفقدنا أعصابنا. لكن بالرغم من هذا، ففي الصمت يمكن أن ندخل إلى قلب الله يرشدنا سلام المسيح الذي يحوّل قلبنا ويعطينا السلام.

المثلية بين الرعاية والقانون المدني

المثلية بين الرعاية والقانون المدني

الأب أنطوان ملكي

إن قوة الناموس هي الخطيئة. هذا ما يعلّم به الرسول بولس. أما معنى هذا الكلام فهو أن الخطيئة هي التي تستدعي وجود القانون. لو كان كل الناس صالحين أبراراً لما كان من داعٍ للقوانين. أقلّه هذا ما تعتقد به الأديان التي ترى أن لا مكان للقوانين في الحياة السماوية. لكننا على الأرض. من هنا أن القوانين التي تحمل صفة معاقبة المخطئين تحمل في شكل أهم محاولة إصلاحهم والتخفيف من وطأة الخطأ على المجتمع الذي يسعى القانون إلى تنظيمه. ولهذا، هناك فرق بين أن يستند الدستور، أي القانون الأعلى في البلاد، إلى الأديان السماوية أو أن يحترمها وحسب. فإذا استند إليها وجب اعتباره للخطايا جرائم، وهذا موقف صار مرفوضاً منذ عصر النهضة، حيث صار واضحاً الفصل بين نشاط الفكر الإنساني والفكر الديني، مهما تقاربا، وعدم جواز إخضاع أي منهما للآخر. وعليه تمّ الانتقال من الدولة الدينية إلى الدولة المدنية، التي تحترم الأديان وتستوحيها ولا تعاديها.

يستند الحكم في الدولة المدنية إلى العقل بالدرجة الأولى. وهذه العلاقة أنتجت الغطاء الشرعي للحرية العلمية التي أتاحت للعلم ولوج أبواب كانت محرّمة. وهنا ظهر موقفان متضاربان عند العلماء، أولهما موقف رزين يستند إلى أن الكون هو عالم مخلوق ومحكوم بأمور تمّت ترجمتها في رزمة من المبادئ وأخلاقيات العلوم، وموقف آخر انتشى بما حققه العقل فصار متفلّتاً يرى في الدين والأخلاق طاغية يريد كسره.

سبب هذه المقدمة الحديث المفتوح اليوم في لبنان عن المثلية، والمبادرات الفردية لدى بعض القضاة لنقلها من حالة الجرم ووضعها في خانة الحرية الشخصية. بدايةً، ينبغي الفصل بين الموقف المسيحي الواضح في تحريم المثلية، حيث أن الرسول بولس يسمّي المثلية في رأس الخطايا، وبين الموقف المتوقّع من القانون اللبناني أو غيره من القوانين. فالكنيسة لا تستند إلى قانون الدولة لتطبيق تعليمها ولا تحكم على الدول من باب مطابقة قوانينها للإنجيل أو عدمه. قوانين الدول، في أفضل الحالات، تهدف إلى تنظيم المجتمع أما قوانين الكنيسة فتهدف إلى شفائه من مرضه الروحي وتقديسه.

فموقف الكنيسة من المثلية مستند إلى نظرتها بأن المثلية هي تجلٍ لمرض في روح المثلي على الكنيسة معالجته وحمل صاحبه إلى التوبة والعودة عن خطئه. من هنا أن تبنّي بعض مجموعات المسيحيين لزواج المثليين يناقض تماماً الوصايا الإنجيلية وقد صار سبباً إضافياً للانقسام في العالم المسيحي.

بتاريخ 2014/1/28، أصدر القاضي المنفرد الجزائي في جديدة المتن ناجي الدحداح حكماً برّأ فيه إنساناً قد تحوّل جنسياً من تهمة الجنس بخلاف الطبيعة. يظهِر المنطق العلمي هنا فجوة في القانون اللبناني. فقبل السؤال عن قانونية قرار القاضي ينبغي السؤال عن قانونية التحوّل الجنسي. هل يسمح القانون اللبناني به وتحت أي ظروف؟ مَن الجهة الطبية – العلمية – الأخلاقية التي تأذن أو تمنع؟ هنا قد يقوم مَن يقول بأن التصرّف بجسد الإنسان هو من حقوقه، وهنا باتّباع المنطق عينه، يكون الانتحار حقاً للإنسان. هل تقبل الدولة بهذا؟

ومؤخّراً أصدر القاضي ربيع معلوف حكماً بإبطال تعقّبات مستندة إلى المادة 534 من قانون العقوبات بحقّ مثليين ومتحوّلين جنسياً. وقد استند إلى موقف منظمة الصحة العالمية التي تعتبر أن المثليّة الجنسيّة ليست اضطراباً ولا مرضاً ولا تتطلب علاجاً. بهذا ضربت هذه المنظمة كل المدرسة الطبية القائمة لعلاجات إصلاح المثليين والمتحولين جنسياً والمنتشرة في كافة الدول. لذا، من وجهة نظر أكاديمية، يحق لنا التساؤل عن صحة استناد القاضي إلى هذه المنظمة بمقابل تقليد أكاديمي يعود إلى البروز مجدداً وبقوّة.

ليس الهدف مناقشة مقاربة القانون اللبناني ولا تحليل الأحكام التي تصدر عن قضاة منفردين، بل تسليط الضوء على ضحالة السند العلمي في الأحكام. فالنص الذي يورده القاضي معلوف تعليلاً لحكمه مفعَم بالعواطف ولا يحمل أي سند علمي. ما يمكن استنتاجه من القرارين المذكورين أعلاه، هو غياب عمق البحث العلمي لإسناد القرار، أو اكتفاء القضاة بالاستناد إلى بعض المواد أو التقارير الصادرة عن مراجع يغلب عليها التسييس في أغلب الأحوال.

في الفترة الزمنية الممتدّة ما بين سبعينيات القرن الماضي ونهايته، كان في الأبحاث العلمية المنشورة تركيز على دور الدين في رفض المثلية. قليلة هي الأبحاث التي لاحظت أن المسيحية ترفض المثلية لا المثليين. في موازاة هذه الأبحاث في حقل العلوم الاجتماعية، صُرف الكثير من المال على أبحاث في علوم الحياة والطب، هدفها الأول كان إيجاد هرمون ما أو تشوّه خلقي ما يؤدّي إلى المثلية أو التحوّل الجنسي. وبموازاة هذا أيضاً، كان هناك العديد من الأبحاث على مستوى الطب النفسي، لتحديد أسباب هذا التحوّل، الذي وجد العلم أنه يعود بالدرجة الأولى إلى خلفيات تربوية واجتماعية. ما لم يستطع العلم إثباته هو أن المثلية مفروضة على معتنقيها. وخلال هذا الزمن كله، شكّلت الجمعيات المدافعة عن حقوق المثليين عامل ضغط وترهيب على الباحثين والجامعات وحتّى السياسيين فتمّ ضمّ المثليين إلى مجموعات الأقليات، حتّى أنّهم صاروا واجهة الأقليات على حساب الإثنيات والطوائف والقبائل الأصلية وغيرها.

هنا نذكر تصريح المرشح الجمهوري في الولايات المتحدة الأميركية بن كارسون، وهو جراح أعصاب متقاعد وباحث متميّز، حيث قال أن المثلية هي خيار بالمطلَق. وقد دفع من رصيده السياسي الكثير ثمن هذا التصريح [1]. وهنا نذكر أيضاً آخر الأبحاث الصادرة في أواخر 2016 عن جامعة جون هوبكينز بعنوان الجنسانية والجنس، نتائج من العلوم البيولوجية والنفسية والاجتماعية، وفيه يثبت الباحثون وهم من المرجعيات في حقولهم أن ما من شيء يثبت أن الإنسان يُولَد كمثلي أو متحول جنسياً. ففي خاتمة التقرير الوارد في 116 صفحة، يستنتج الباحثون أن: “بعض وجهات النظر المنتشرة على نطاق واسع حول التوجه الجنسي، كمثل فرضية المولود على هذا الشكل، هي ببساطة غير قابلة للاعتماد علمياً. تصف الأبحاث المنشورة في هذا المجال عدداً صغيراً من الاختلافات البيولوجية بين ذوي الميول المثلية وأصحاب الميول الطبيعية، ولكن هذه الاختلافات البيولوجية ليست كافية للتنبؤ بالتوجه الجنسي“. هذا التقرير عرّض الجامعة للتهديد من قبل حملة حقوق الإنسانالتي هددت بتخفيض تصنيف الجامعة على مؤشر المساواة في الرعاية الصحية “Healthcare Equality Index” إذا لم تبادر الجامعة إلى رفض التقرير وسحبه، لكن إدارتها دافعت عن الباحثين ونشرهم من باب التزامها بالحرية الأكاديمية.

من جهتها، جمعية مشروع التوعية الجينية (Genetic Literacy Project) أكّدت أن الاستناد إلى اكتشاف الباحث دايفد جيفن، من جامعة كاليفورنيا لوس أنجلس (UCLA)، عن تعرّض بعض الهرمونات للمثيلة (methylation) للقول بأن المثلية تأتي كنتيجة ممكنة لهذه العملية هو تبسيط وسوء قراءة لنتائج هذا البحث، كونه لم يقل ذلك [3]. الواقع أن الكثير من العيوب تشوب الاستشهاد ببعض الدراسات التي يستند إليها القائلون بأن أصل المثلية هرموني أو أن عيوباً أخرى تشوب الدراسات نفسها [4].

إن فَصل مسألة المثلية عن صحة العائلة والمجتمع خطأ كبير يسرّع بانفراط المجتمع. من هنا، أن الاهتمام بوضع مسألة المثلية في مكانها الصحيح لا ينبغي أن يكون همّ المتدينين وحدهم، إذ أصلاً العائلات غير الملتزمة دينياً هي، نظرياً، الأكثر تعرّضاً لأن ينحرف أبناؤها عمّا هو تقليدي. يكفي قراءة الشعارات التي يرفعها الناشطون خلال التحركات الداعمة للمثلية، في لبنان أو غيره، ليظهر واضحاً أن المهدد فعلياً هو المجتمع برمتّه وأن ما يحرّك هذه الفعاليات ليس مجرد دفاع عن رغبة أو حرية مجموعة من الناس بل هو التفلّت من النظام الذي يتبنّاه المجتمع. من هنا ينبغي أن يتعاطى القضاء مع هذا الموضوع من باب مسؤوليته في حماية المجتمع لا من باب النقاش المتقلّب حول حقوق الإنسان فلا تكون قراراته بتسرّع أو تحت ضغط مجموعات الدفاع عن المثليين. بالمقابل على المؤسسات الدينية والمجتمعية السعي إلى استيعاب مَن تظهر عليه الميول المثلية ورفع الوعي في محيطه لكي يلعب دوراً تربوياً ملطفاً لهذا الانحراف، لا دوراً إدانياً منفّراً.

[1] http://www.livescience.com/50058-being-gay-not-a-choice.html

[2] http://www.breitbart.com/big-government/2016/10/20/lgbt-group-threatens-johns-hopkins-report-homosexuality-transgender/

[3]https://www.geneticliteracyproject.org/2015/10/12/despite-what-you-may-have-read-theres-no-gay-gene/

[4] Rebecca Jordan-Young’s Brain Storm: The Flaws in the Science of Sex Differences (Harvard University Press, 2011).

هل يجب أن يصوم الأطفال؟

هل يجب أن يصوم الأطفال؟

د. كريسانثيس لاثيرا (طبيبة أطفال)

نقلتها إلى العربية ينال إبراهيم

السؤال الوارد في عنوان مقالتنا يحيّر كل الأهل الراغبين بالصوم هذه الأيام ولكنهم لا يعرفون ماذا يفعلون مع أطفالهم أو حتى إذا كان يجب أن يصوم الطفل. في المقالة العلمية التالية سوف يتمّ إعلامكم عمّا إذا كان الطفل قادراً أو إذا كان ينبغي به أن يصوم، من وجهة نظر طبية، من أي عمر؟ وما هي المخاطر؟ وفي النهاية، سوف تقرؤون عن فوائد الصوم لجسم الأطفال.

نحن في أيام الصوم الكبير، والعديد من العائلات (اليونانية) صائمة، حيث أنهم يمتنعون عن اللحوم وكل ما هو من منتجات الحيوان. عندما أُسأل إذا كان بإمكان الأطفال أن يصوموا، وإذا كانت هذه العادة قد تسبب لهم مشاكل صحية، أجيب بالإيجاب لأن الأولاد يتبعون صوم أهلهم خاصةً في عمر المدرسة أي بعد الخامسة أو السادسة من أعمارهم.

الصوم هو فرصة ممتازة لاتّباع نظام غذائي نباتي حتى لو لبضعة أيام، وهو يتضمّن البقوليات (مصادر غنية بالبروتينات ذات القيم البيولوجية العالية) والخضراوات (مصدر للألياف تساعد في سير وأداء الأمعاء)، زيت الزيتون بدلاً عن الدهون الحيوانية، المكسرات النيئة والفواكه المجففة، ثمار البحر الغنية بالبروتينات والمعادن، والكثير من الثمار التي تشكّل مصدراً للفيتامينات ومضادات الأكسدة. وبالإضافة إلى الفوائد الغذائية للصوم يمكن للطفل أيضاً أن يتدرّب على ضبط النفس ووضع حدود لرغباته.

قد يتساءل بعض الأهل إذا كان ابنهم يحصل على كفايته من البروتين والكالسيوم خلال الصوم. اللحوم، البيضاء أو الحمراء، هي المصدر الأكثر وفرة للبروتين من المواد الغذائية، ولكن يمكن استبدالها خلال الصوم بالبقوليات (كالعدس) أو الحبوب (مثل الرز أو الكينوا) والتي تؤدي ايضاً إلى زيادة في امتصاص الحديد. والأطعمة الغنية بالبروتين هي المكسرات والحبوب مثل: الشوفان والجادوار ومنتجات فول الصويا. يمكن الحصول على الكالسيوم من المأكولات البحرية، اللوز، بذور السمسم، الطحينة، والحلاوة.

بعد الصوم تأتي احتفالات الفصح حيث يستهلك الأطفال الكثير من البيض واللحوم والحلويات احتفالاً بالعيد. هذا التغيّر المفاجئ في النظام الغذائي من الصوم إلى الاستهلاك غير المنضبط في وجبات عيد الفصح يمكن أن يسبب مشاكل في الجهاز الهضمي عند الأطفال كما عند البالغين. لذلك يجب أن يتم تعديل الأطعمة بعد الصوم بتأنٍّ. لا ينبغي على الأطفال ولا على الكبار أن يأكلوا في يوم واحد كل ما امتنعوا عنه خلال الصوم، مع الانتباه خصوصاً للأطفال الذين يعانون من مرض السكري أو زيادة الوزن….

باختصار ينبغي أن يتم الانتقال من الصيام إلى النظام الغذائي الاحتفالي باعتدال وبكميات صغيرة وإلا فإنه سوف يسبب الانزعاج الهضمي مثل القيء والإسهال وكذلك الحساسية الغذائية وزيادة الوزن واضطرابات التمثيل الغذائي مثل ارتفاع سكر الدم والكولسترول والدهون.

عادات الأهل الغذائية قدوة للأبناء لذلك من المفيد للأهل أن يعلّموا أولادهم الكميات والنوعيات الغذائية المناسبة ليصبحوا بالغين أصحاء.

ما لله لله وما لقيصر لقيصر

ما لله لله وما لقيصر لقيصر

الأب أنطوان ملكي

شهر كانون الثاني 2017 ليس كغيره من الأشهر في عمر كنيسة أنطاكية الحديثة. إنه شهر السياسة بامتياز. فبدايته سياسة ونهايته سياسة. في أوله مفتٍ متفوّه يخطب في كنيسةٍ بحضور بطريرك، على خلاف تقليد الأرثوذكسية القاضي بألا يتكلّم في الكنيسة إلا المُسامون لذلك، وعلى خلاف التقاليد الإسلامية التي تقضي بألا يخطب الإمام إلا في محرابه. وفي نهاية الشهر رئيس متميّز يقلّد مطراناً وساماً على خلاف تقليد الكنيسة القاضي بعدم تكريم الأحياء، وعلى خلاف تقاليد رئاسة الجمهورية القاضي بتقليد الأوسمة للراحلين فقط، أي للموتى أو للسفراء الذين يتركون لبنان أو الموظفين الذين يتقاعدون أو ما شابه من الحالات.

لم يكن كل الأرثوذكس الأنطاكيون معترضين على أن يخطب المفتي في الكنيسة. الأغلبية صمتت. البعض صمتوا لأنهم رأوا أن الحَدَث سياسي ولا داعِ لأن يوضَع في إطار كنسي، خاصةً في الوضع الذي تمرّ فيه سوريا حيث الحاجة إلى إظهار اللحمة الشعبية الاجتماعية كبيرة. فقد أدت هذه الخطبة شيئاً من هذا الموضوع. البعض الآخر صمتوا لأنهم خشوا أن يؤخَذ اعتراضهم وكأنه على البطريرك الذي سمح بحصول ما حصل. بعض المعترضين القلائل وضع هذا العمل في الخط المسكوني وبعضهم الآخر اكتفى بالتمتمة والتأفف.

الواقع، بغضّ النظر عن التصنيف والتقييم، إن ما قبل الأول من كانون الثاني 2017 ليس كما بعده لأن ما جرى في هذا اليوم هو سابقة، بالمعنى القانوني للكلمة، وما يُبنى على السابقة قد يكون أخطر منها. أحد الأمثلة التي لم تتأخر جاء على لسان أحد الكهنة الغارقين في المسكونية الشعبوية التي لا تخدم وحدة ولا تعكس إيماناً، إذ قال: لن أرضى أن ينتقدني أحد على الصلوات المشتركة التي أنظمها فيما البطريرك يدعو المفتي إلى الخطابة من الباب الملوكي.

في أخبار غزو الإسلام لبلادنا أن أهل القدس لم يرضوا تسليمها إلا للخليفة عمر بنفسه. فلما أتى عمر واستقبله البطريرك القديس صوفرونيوس وسلّمه المدينة، وحان وقت صلاة عمر صلّى خارجاً شارحاً بأنه إن صلّى في الداخل سوف يأتي أتباعه ويعتبروا أنه قد صار لهم حصة. عرف عمر قوة السابقةفي أيامه، ورؤساء الكنيسة الأرثوذكسية اليوم لا يقيمون لها حساباً، وفي هذا إحباط للغيورين من المؤمنين وتضليل للمترددين منهم وتثبيت للمبتدعين في ابتداعهم.

أما الحدث السياسي الآخر أي منح رئيس الجمهورية وساماً رفيعاً للمطران جورج خضر، فقد هلل له الكثيرون حتّى أن بعضهم تعاطى معه وكأنه إعلان قداسة. جملة أسئلة ترِد هنا. منذ متى يأتي إعلان القداسة من الرؤساء؟ مطلوب بعض الواقعية. رئيس جمهورية لبنان لم يحكِ لا عن قداسة ولا عن كنيسة حتّى، كان واضحاً أنّه يكرّم قامة مشرقية أممية عملاقةمساوياً بين اللاهوتي الكبير والمفكّر الفيلسوف والمصلح الاجتماعي. كلام الرئيس عن الخبزات لا يصنع لاهوتاً ولا شهادة لاهوتية، غير مطلوبة من الرئيس بالأصل. من هنا، ينبغي إبقاء مبادرة الرئيس نحو المطران في إطارها الوطني، كجزء من سعي الرئيس إلى تثبيت المسيحيين واستعادة دورهم، والمطران جورج، كما يتفق الجميع، هو ألمع مسيحيي هذه البلاد في محاورة الإسلام والمسلمين. من هنا أن النظرة المتروية تظهِر أن حدث تكريم المطران هو حدث سياسي. الأب د. جورج مسّوح هلل لهذا التكريم وبلغت حماسته بأن يقرأ وقوع هذا الحدث بعد يوم من عيد الأقمار الثلاثة بأنه تدبير إلهي قرأ فيه أن المطران جورج هو القمر الرابع. شرح أن اللقب الرسميّ للمطران جورج خضر هو المطران جورج اللبنانيّ“. هذا كلام حماسة لا يقوم في الكنيسة. ففي الكنيسة هو الكلي الطهر والجزيل الاحترام المقام من الله مطراناً على جبيل والبترون وما يليهما المتقدم في الكرامة والمتصدر في الرئاسة على كل جبل لبنان“. لكن المشكلة الحقيقية ليست في كلام الحماسة بل في هذا الخلط بين السياسة واللاهوت في مقال واحد وزجّ مفاهيم غير أرثوذكسية لا صفة لها إلا السياسة كالقول بأن الكنيسة تضمّ كلّ الأبرار والصالحين إلى أيّ إيمان انتموا“. الكنيسة لا تضمّ إلا الذين آمنوا واعتمدوا.

كلام القديس يوحنا الذهبي الفمّ عن أَساقفة الذَهب وصلبان الخشب يعيدنا إلى أن الأوسمة والأوشحة لا تغني الكنيسة ولا الكلمة فيها. لم تكن السياسة يوماً قائمة إلا على المصالح التي لا مكان لها في الكنيسة الحيّة. نحن نميت الكنيسة حين نزجّها في السياسة. الكنيسة هي الأرضي الثابت الوحيد منذ ألفي عام، لأنها ليست من الأرض ولا تعود إليها، أما السياسة والسياسيون مهما عظموا فمكانهم الأرض وحدودهم الأرض ومداهم الأرض.

إن تداخل المسكونية بوجهها الدهري الحالي بالسياسة خطير جداً على الكنيسة وعلى المؤمنين، خاصة في بلاد لا ينظر رؤساؤها، العالميون منهم والروحيون أحياناً، إلى الجماعات إلا كأقليات وأكثريات. لا ينبغي أن تنعكس نظرة السياسيين إلى المسيحيين جميعاً على أنهم كتلة واحدة على الكنيسة. نتائج هذه النظرة كارثية على الكنيسة الأرثوذكسية. فالكنائس المشتركة في سوريا والصلوات المشتركة والتعييد المشترك تقف وراءها السياسة والنظرة الدهرية التي لا يهمها الإيمان، ولا تعترف به، بل همها هو كتلة الناس الذين يتداولون هذا الإيمان. التمييز شرط ضروري ولكنه صعب في هذا الزمان المتفلّت المشحون. يبقى الحل الأكثر أماناً هو في أن يُعطَى ما لله لله وما لقيصر لقيصر، ولا نخلط بين الاثنين.

الأعداد في الكنيسة

الأعداد في الكنيسة

الأب أنطوان ملكي

تخبرنا الأرقام أشياء كثيرة كدرجات الحرارة، وعلامات المدرسة، وأسعار الأشياء، والوحدات الحرارية التي صارت هوس الكثيرين، وسرعة السيارة التي صارت أحد أوائل المخاطر التي تهدد حياة شبابنا، والوقت، والتاريخ، والعمر، و أموراً كثيرة غيرها. لقد بتنا نلجأ إلى الأرقام تقريباً في كل شيء: لنميّز بين الناجح والراسب، بين الرابح والخاسر، بين المقبول والمرفوض، بين الغالي والرخيص. وبلغ الأمر بالبعض أن يستعملوا الأرقام لتحديد أشياء ذات طبيعة يصعب قياسها، كالصداقة على شبكات التواصل الاجتماعي، والجمال في مسابقات الجمال، والرحمة في برامج التبرعات التي تملأ التلفزيونات خاصةً في فترة الأعيادصارت الدنيا كلها أرقاماً بأرقام.

هل الكنيسة بمنأى عن ذلك؟ طبعاً لا. والمقصود هنا ليس الميزانيات والموازنات وشؤون الإدارة. المقصود هو الممارسات. فمن جهة، يتزايد الاهتمام بالإحصائيات، فتُطرَح أسئلة من نوع: مساحة الكنيسة، عدد العائلات في الرعية، عدد المرتلين، ومعدل الحضور في القداس، عدد المعتمدين، عدد القداديسما الفكرة التي تعطينا إياها هذه الأرقام؟ هل يُقاس نجاح الرعية بالأرقام، كمثل عدد الحضور في القداس يوم الأحد؟إذا أخذنا أحد الشعانين نموذجاً، فالحضور يملأ الكنيسة وما حولها. لكن بماذا ينشغل الحضور؟ أليس بالتصوير والأحاديث والأشواق والتهاني؟ هل يمكن اعتبار هذا الحشد دليل نجاح؟ هل يمكن اعتباره دليلاً على قوة الإيمان؟ ما لا يمكن إنكاره أن الحشد في أيام الأعياد يفرِح لأن الحاضرين هم نظرياً من الجماعة، لكن ماذا عن الأحد الذي يلي أياً من الأعياد؟ في الكنيسة، أغلب الإحصائيات لا تقدم إلا الإحباط، لأن الأرقام ليست مقياساً للنجاح.

نجد في الكتاب المقدس أن الرب لم يعطِ الأرقام الأهمية التي لها اليوم. ففي متى 20:18، يكتفي الرب بالقليل ليحضر: “حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ“. بالنسبة للرب، المطلوب هو وجود الجماعة لا حجمها. وفي لوقا 17:17-18 “أَلَيْسَ الْعَشَرَةُ قَدْ طَهَرُوا؟ فَأَيْنَ التِّسْعَةُ؟هنا يريد الرب أن يثبت لنا أن الأرقام ليست دليلاً على النجاح ولا على قوة الإيمان.

إذاً، من أين أتى الاهتمام بالأعداد في الكنيسة؟ من عقلية مجتمع الاستهلاك الذي يريد أن يحصي كل شيء. في مجتمع الاستهلاك، للأرقام الكلمة الفصل، فهي تحدد الضرورات والمنافع والأرباح والمردود والأحجام. ومن أهم مبادئ هذه العقلية هي تحوّل الناس إلى زبائن يطلبون الخدمات التي تعرضها الكنيسة، والزبون دائماً على حق وعلينا إرضاؤه لكي يعود إلينا مرة أخرى لأن مقياس النجاح هو كثرة الزبائن. هذه العقلية، للأسف، تسرّبت إلى الكنيسة. بعض الكنائس صارت عندها تسعيرات في الأعراس والمآتم والعمادات، فللكاهن تعرفة وللمرتل تعرفة ولكل خدمة من الخدمات تعرفة. وينسحب الأمر على كل ما تبقّى. فتوقيت العرس، وما يجري في الكنيسة من زينة وتصوير وغيره، يحدده الزبون أي العريسان. وإن لم يجدا طلبهما عند هذا الكاهن أو هذه الكنيسة ينتقلان إلى كاهن آخر أو كنيسة أخرى. بهذا تحوّل الكاهن إلى نفدةفي العرس مثل الفيديو والكوكتيل والزفّة. وفي الجناز صار الزبون، أي أهل الميت، يحدد عدد الكهنة. وفي العمادات أيضاً لا يجوز إغضاب الزبون، أي الأهل والعراب. حتّى أوقات القداديس والأعياد أُخضعَت للأرقام فصارَت تُنقَل بحجة إتاحة الحضور لعدد أكبر من المؤمنين.

وصية السيّد الأخيرة كانت اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ” (متى 19:28). المهمّ في هذه الوصية ليس الكمية جميع الأممبل التلمذةتَلْمِذُوا“. فالرب رضي بأن يحضر في أي مكان يجتمع اثنان أو ثلاثة باسمه لكنه حدد الكون حدوداً للبشارة. قد نستطيع ملء الكنائس بالشعب، كأجساد وأرقام، لكن الأهم أن يكونوا تلاميذاً ليسوع. وجود الكثرة في الكنيسة مفرِح لأن الإخوة معاً. لكن الكثرة في المناسبات فقط تطرح السؤال حول فعالية التلمذة وحول جديّة الاستجابة للدعوة. الكلّ مدعوون، لكن المشكلة هي أولاً في الرسل الذين شكّوا في قدرة الرب على إطعام خمسة آلاف من خمسة أرغفة وسمكتين، وثانياً في عقلية الحاضرين.

إن الحضور الفعلي في الكنيسة لا تحدده الأرقام بل وجود التلاميذ الثابتين الذين يسمعون تعليم الكنيسة ويعملون به ويلتجئون إليها كأبناء يعرفون أن طلبهم هو الخلاص الموجود في كنيستهم وهو دائماً معروض بالثمن نفسه الذي دفعه المسيح بغض النظر عن عدد الطالبين.

* عن نشرة الكرمة

رسالة الميلاد

رسالة الميلاد

خريستوذولوس رئيس أساقفة اليونان *

أبنائي المحبوبون

اليوم ولد لكم مخلص. هذه العبارة التي قالها الملاك لرعاة بيت لحم في ليلة الميلاد، أخشى أننا سمعناها مرّات كثيرة حتّى لم يعد لها وقع علينا. مع هذا، لا تتعب الكنيسة من تكرارها وهي تدعونا اليوم، نحن شعوب القرن الحادي والعشرين، لتقبّل مخلّصنا، هناك في مذود بيت لحم، الله المتجسّد بسبب المحبة، في قلوبنا وبيوتنا ومدننا وأممنا. في كل مكان.

بالطبع، تتوجّه هذه العبارة إلى الشعوب المتعجرفة والمغرورة بالإنجازات التكنولوجية، المتربيّة في القرن العشرين والمتوكّلة على الحادي والعشرين. إلى الشعوب ذات الموارد الوافرة، والنجاحات العلمية، ولكن أيضاً صاحبة الضمور الروحي، والفراغ الداخلي، ونقص الخبرة الجماعية التي هي الأساس المطلوب منطقياً في مسائل الإيمان. الناس اليوم متحجرون كما لو أنهم هيكل عظمي في الإلهام وفي الأمل، تسيطر عليهم انتصاراتهم، فإذ بهم ضحايا تقدمِهم يحيطون مستقبلهم بآفاق يائسة.

وكصوت البوق نسمع مرة أخرى اليوم على لسان الملاك، كما لو أنه يدعو ناس القرن الحادي والعشرين إلى أن يستيقظوا من سبات المادية النفعية واﻹقلاع عن بلازما الاكتفاء الذاتي. “استيقظوا يا شعوب القرن الحادي والعشرين!” يتحدّانا المخلص لكنه يدعو كل واحد منا إلى مراجعة مسيرتنا، استعادة حريتنا، لنرى مرة أخرى نطاق حياتنا من ضمن الضوء الساطع من حقيقته.

استيقظوا يا شعوب القرن الحادي والعشرين!” لقد جعلتكم انجازاتكم تهجعون إذ ظننتم أنكم غلبتم العالم. لقد تفّهتم ما هو مقدّس وإلهي معتبرين إياه خرافات وأساطير تغذّي مخيّلة الأطفال، من دون أي مردود على كائنكم الداخلي. لكن انظروا من حولكم: الحروب بين الإخوة، جوع الضعفاء ومرضهم، سحق الكرامة البشرية، الفساد، الفضائح، شقّ وحدة الجنس البشري، غياب المحبة، وهيمنة المصالح. لقد هيأتم لأبنائكم عالماً على هذا الشكل، حيث الطبيعة تئن وتتشكّى من سوء استغلالكم. لكن جزر الأمل ليست مفقودة، بل قليلة وغير كافية بشكل مأساوي.

الميلاد موجّه بشكل أساسي إلى نفوسنا. الإيمان بالمخلص يخلّص ويعطي معنى لحياتنا. إنه يقودنا إلى لقاء تجريبي يفسّر لنا الحَدَث. بالتواضع كما بالحرية تتوالى النتائج: الرجاء، النور، الصراع، البشرية. إن المسيح المخلص يتحدّانا ويلهمنا لأن نكون بشراً ومتحررين من التزاماتنا نحو دنيويتنا وتغرّبنا.

* آخر رسائل (الشهيد) خريستوذولوس رئيس أساقفة اليونان في كانون الأول 2007