ما هو لقاء الله وكيف يتمّ؟

ما هو لقاء الله وكيف يتمّ؟

الأب أندرو لاماشونوك

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

عندما تلمس نعمة الرب شخصاً ويفهم أن هذا لقاءه الشخصي مع الله، فمن المستحيل التعبير بكلمات عما يدور في نفسه في هذه اللحظة. هذا الحدث يفوق كلّ شعور بشري.

في الكنيسة، يمنحنا الرب فرصة أن نصبح جزءًا من حياة جديدة الحياة الأبديةمن خلال كلمته، من خلال الخدمات الإلهية ومن خلال الترانيم. كل ما نسمعه ونراه في الكنيسة، كل ما نشترك فيه كل ذلك يشكّل لقاءنا بالله. المناولة المقدسة هي اللقاء مع الله. هنا الجسم والدم. شاركوا!

هذا هو مفتاحنا للنصر. هذا هو أملنا في أن أقول في يوم من الأيام لاللخطيئة في حياتي وأتوب. وأنا لن أقول ذلك فحسب، بل سوف أغيّر نفسي.

عندما يكون إيماننا المسيحي خارجيًا، نحصل على الهدوء: نجد بعض الكلمات، على سبيل المثال، كلمات حكيمة لكاهن ما، نأخذ منها الدعم، ونشعر أنها مهمة بالنسبة لنالكن هذا لا يكفي. يجب أن يكون هناك كلمة تدخل قلبنا. يجب أن يكون هناك لقاء مثل هذا، من بعده لن نكون قادرين على الخطيئة إذ ستكون مستحيلة بالنسبة لنا. يجب أن يتغير عقلنا وفهمنا لحياتنا وللعالم بشكل عام.

يقرر أحد الأشخاص أن يكرّس حياته لله ويذهب إلى الديروهذا هو اختياره. فيما شخص آخر يمتلك شكوكاًشخص واحد يربّي عائلة، في حين أن آخر لا يزال غير متأكد. لماذا يفضّل الناس عدم تسجيل زواجهم هذه الأيام؟ يمكننا القول لأنهم لا يرغبون في أن يكونوا مسؤولين عن أي شيء. انهم لا يريدون أي مسؤولية. في الوقت نفسه، لا يعتقد الناس أنهم يستطيعون أن يحبّوا شخصاً ما طوال حياتهم. إنهم لا يؤمنون بقدرتهم، فهم لا يعتقدون أن بإمكان المرء أن يكرّس حياته بالكامل لشخص آخر. ماذا لو لم يكن هذا الشخص المناسب لي؟ ماذا لو حدث شيء ما وصرت وحدي؟ هذا هو التقلّب والشك الذي يعيش فيهما الشخص الخاطئ، من لا ركيزة له، لا أساس في الإيمان يستطيع أن يبني حياته عليه. لا يستطيع المرء بناء أي شيء على الرمال لأن البناء على شيء غير مستقر يسقط

يعدّنا الله لهذا الاجتماع. بالنسبة للكثيرين منا هذا سيحدث في آخر لحظة في حياتنا. لسوء الحظ، نحن نعرف ما يمكن أن يحدث للأشخاص الذين لا يعرفون الله: في اللحظة التي يصيرون فيها قادرين على رؤية العالم الروحي، فإنهم يرون شياطين بدلاً من الله. يكون الشخص خائفاً، لأنه لا يعرف ما يمكن توقعه ليس لديه خبرة بالتواصل مع الله. هذا مريع. هذه هي المرحلة الأخيرة في الحياة، والتي يمكن أن تؤدي إلى الخوف الأبدي. وهذا مختلف تمامًا عما يحدث لشخص قضى حياته في الإيمان! فهذا أيضًا يرى شيئًا، ولكن هناك أمل في عينيه وليس خوفًا. لا يخاف المرء لأنه يثق بالله. ثم، في النهاية، يتمّ لقاؤه مع اللهبدايةً لحياة جديدة، حياة أبديةعندما تعاين هذا، تشعر بأنك جزء من سر الحياة الأبدية.

روح التمييز

روح التمييز

الخورية سميرة عوض ملكي

يكثر الكلام عن المشاكل الناجمة عن وسائل التواصل الاجتماعي، مما صار يشكّل مادة واسعة يتداول فيها المهتمّون، فيما تغيب عن بال كثيرين. ليس هدفنا معالجة هذا الموضوع وقد سبق وأُشير إليه في أكثر من مرة، لذا سوف نتوقّف عند ظاهرتين منتشرتين وينبغي الإضاءة عليهما تحصيناً للمؤمنين ولثباتهم في استقامة الإيمان. الظاهرة الأولى هي ما يرِد إلينا جميعاً من رسائل وقصص تجذب الانتباه وتحاكي عواطف المؤمنين خاصة العاطفيين منهم، نذكر على سبيل المثال ممكن طلب صغير أن ترسل لكل واحد عندك ’المجد لك يا ربي يسوع’من فضلك اليوم سنهدي أم الله هديةأمانة لا توقفهااليوم هو نعمة الربلن يباركك الرب إن لم ترسلها… يجب أن تصل إلى عدد كذا…” يمكن وصف هذه الرسائل بالخديعة، لأنها تخدع الشخص بأن ترهبه أولاً ومن ثم تعطيه شعوراً بأنه قد أتمّ واجباتهلأنه أرسلها كما هو مطلوب. وهذه الرسالة ذات الشكل الإيماني قد تصلك من اشخاص تتفاجأ بأنهم قد يؤمنوا بهذا الضلال. فهل يمكن أن يصل الإنسان إلى أن يستعيض عن الجهاد الروحي بإرسال الرسائل النصية ظانّاً أنه يتمّم أعمال البِرّ؟ وأسوأ هذه الرسائل تلك التي تحكي عن أحلام هنا وهناك وتشجّع كل مَن يعتقد بها على الثبات في ما يعتقد أنه رؤيا إلهية، وبأن الله يكلمه في الأحلام، على خلاف ما يعلّمنا الآباء القديسون بأن الله لا يرسل إلينا إلا ما يقود إلى معرفة الحق، وبأن الأحلام ليست نبوءات وأن النبي هو بالدرجة الأولى إنسان مجاهد متطهر، وحول هذا يرِد في كتاب بستان الرهبان: “المصدِّق المنامات يشبه مَن يريد أن يلحق ظلّه ليمسكه… فإنّ الشيطان يخدع الخفيفي العقول وقد يتشكّل مرّات كثيرة بشكل ملاك نور… ويرينا ذلك في الحلم“. الظاهرة الثانية هي تلك الفيديوات المنتشرة والتي يتبادلها المؤمنون عن حسن نية وفيها مواضيع بظاهرها إيمانية لكن محتواها لا يتوافق مع تعليم الكنيسة وإيمانها. فقد يقع أحد الأشخاص على فيديو يتحدّث فيه أحد كهنة الهراطقة عن والدة الإله وعمل الروح القدس أو عن أمور لاهوتية، فيسارع إلى مشاركته مع الآخرين، معتقداً بأنه يساهم في نشر البشارة وتوزيع المعرفة اللاهوتية. لكن مَن حَكَم بأن المحتوى متوافق مع إيمان كنيستنا؟ وبالرغم من الكنوز التي تختزنها كنيستنا الأرثوذكسية، فإن ما يؤلِم حقاً أن بين أبناء الكنيسة مَن صاروا مدمنين على عظات وأقوال رجال دين معينين يجاهرون بمخالفتهم تعليم الكنيسة الأرثوذكسية (كالأنبا شنودة مثلاً)، لكنهم يفسّرون الكتاب المقدس ويتكلّمون عن القديسين بعواطف جياشة وأسلوب يدغدغ دواخل الناس، فيسارعون إلى نشرها ومشاركتها. لكن كم يمرّ في هذه المحاضرات من العبارات والأفكار المخالفة لتعليم الكنيسة أو التي تزرع الشكّ بهذا التعليم, كما يصف الرسول بطرس في رسالته الثانية مُعَلِّمُونَ كَذَبَةٌ يَدُسُّونَ بِدَعَ هَلاَكٍ.. وَسَيَتْبَعُ كَثِيرُونَ تَهْلُكَاتِهِمْ؟ يحكي تقليدنا عن أن الأريوسيين ألّفوا أغانٍ شعبية لتحمل أفكارهم إلى الناس، واليوم الأمر نفسه حيث أن المبتدعين يضعون تسجيلات، لكن الفرق أن أبناء الكنيسة يساهمون بنشرها. البعض يدافع عن هذا النشر بالقول بأن الخلاف مع المبتدعين لفظي، وبهذا يغرس في ذهن الناس أن الآباء القديسين لم يُحسِنوا استعمال الألفاظ اللاهوتية وبذلك ينصّب ذاته معلّماً على معلّمي العقيدة التي ثبّتوها في المجامع المسكونية. وآخرون يتمسّكون بنشر هذه المواد معتبرين عملهم عمل محبة ونبذاً للتعصب. ألا يعني هذا الكلام اتهاماً للآباء بقلّة المحبة؟ أليس هذا ضرباً لتاريخ الكنيسة والتقليد الذي دافع عنه الآباء حتى بذل الدم لحفظه سالماً من البدع؟ وفوق كل هذا، إن الإصرار على نشر ما لا يتوافق مع تعليم الكنيسة يعكس كبرياءً خطيراً يستدعي التوبة، بينما الرسول يعلّمنا بأن مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ، يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا” (يعقوب 20:5) وليس العكس.

ختاماً استشهاد بقديسنا الشيخ باييسيوس الأثوسي حول هذا الموضوع على لسان الأب اسحق (عطالله) الآثوسي، وفيه يصيب النقطة التي نناقشها: بالنسبة للاّخلقيدونيين (المونوفيزيت) قال (أي القديس باييسيوس): ‘هؤلاء لا يقولون إنهم لم يفهموا الآباء القديسين، بل إن الآباء القديسين لم يفهموهم. أي وكأنّ عندهم حق والآباء أساؤوا فهمه‘.

وأوضح أن الإقتراح القائل بأن نمحو من الكتب الليتورجية صفة الهرطقة عن ديوسقوروس وسفيروس هو إهانة بحق الآباء القديسين. قال: ‘كمّ من الآباء القديسين المستنيرين بالله كانوا معاصرين لهم، لم يفهموهم ورفضوهم. أفنأتي نحن بعد قرون كثيرة لنصلح الآباء القديسين؟ وعجيبة القديسة أوفيميا أفَما يحسبون لها حساب؟ فهي أيضاً قد رفضت كتاب الهراطقة‘” [1]

[1] “حياة الشيخ باييسيوس الآثوسي، للأب اسحق (عطالله) الآثوسي، منشورات الجبل المقدس – آثوس، ص. 506-507

الفتور وحال الأرثوذكسية اليوم

الفتور وحال الأرثوذكسية اليوم

الأب أنطوان ملكي

في رؤيا يوحنا، نقرأ السيد يقول لمَلاَكِ كَنِيسَةِ الّلاَوُدِكِيِّينَ: “أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، أَنَّكَ لَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا. لَيْتَكَ كُنْتَ بَارِدًا أَوْ حَارًّا!هكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي” (رؤيا 15:3-16). يذكر الآباء الذين يتناولون هذا النص أن كنيسة لاودكية تشير إلى كنيسة الأيام الأخيرة التي يسود فيها الفتور. ما هو الفتور وما هي المشكلة فيه؟

الفتور في الحياة الروحية هو حالة عدم الاكتراث التي قد تتكوّن لأسباب مختلفة. يعلّم القديس قوزما الإيتولي أنّ الفتور يأتي من قلّة الإيمان. الضعف البشري والمثالية البشرية قد تؤديان أيضاً إلى الفتور. والاستكبار أيضاً قد يزرع الفتور. ليس الهدف هنا معالجة الفتور من الزاوية النفسية بل من زاوية علاقته بالجهاد الروحي، بالغيرة المقدسة وبالشهادة للحق. في تعليمه، القديس سلوان الأثوسي يدعو إلى الجهاد: “لا تتهرّب من الجهاد، فالرب يحبّ المحارب الشجاع. الرب يحب الروح الباسلة“. الفاتر يتهرّب من المواجهة، من مواجهة أهوائه، ومن مواجهة الأخطار التي تحدق بالمحيطين به، ومن بينهم وربّما على رأسهم الكنيسة. يؤكّد القديس ثالاسيوس في الفيلوكاليا أن الفتور هو من اللامبالاة الناتجة عن الابتلاء بمحبة الذات.

أمّا عن المشكلة في الفتور، فالقديس يوحنا السلّمي يرى أن الفتور يؤدّي إلى موت الإحساس في الإنسان. يقول القديس ذياذوخوس فوتيكي أن الفتور يمنعنا من الشعور بالرغبة القوية بالبركات المُعدّة لنا في الحياة الآتية وينتقص من الحياة الروحية محطّماً هذه الحياة العابرة بشكل مفرط.

تطول لائحة الأقوال الآبائية التي تحذّر المؤمنين من الفتور وتمتد إلى قديسين معاصرين. يقول معاصرنا القديس نيقولا فيليميروفيتش: “في عالم اليوم من اللامبالاة والفتور الروحي ، والتي هي جذور الإلحاد والابتعاد عن الله، يُحَثُّ الإنسان على تجاهل الجذور الروحية وأصول الممارسات الدهرية عندما تبدو أشكالها الخارجية عادية ومسلية وغير ضارة. إن عقيدة الإلحاد تكمن في العديد من هذه الممارسات التي تنكر وجود الله والشيطان معاً”. الأب جورج موريلي الذي ينير على الطب النفسي المعاصر بفكر الآباء يقول أن اللامبالاة التي تعكس الفتور هي أكثر الخطايا ممارسة في هذا الزمن، وأنها أهم انعكاسات الدهرية.

وكما قد يصيب هذا الفتور الأفراد يصيب الجماعة، التي هي مجموعة الأفراد. قد يحاجج البعض أن هذا الكلام لا يصحّ في الكنيسة التي يستحيل أن يصيبها الفتور لأن رأسها المسيح. هذا قول لا غبار عليه، لكن واقع الكنيسة يتطلب منّا أن نتفكّر في ما أوصلَنا إلى حيث نحن. من أهم العوامل التي أضعفت الكنيسة عبر العصور هو الفتور المستشري على كافّة المستويات. فالرؤساء متى أصابهم الفتور يمتنعون عن الوقوف مع الحق ويدفعهم تفضيل الهدوء بحجة السلام والتدبير إلى غضّ النظر عن أخطاء قد تكون سوابق. والشعب يمنعه الفتور من الوقوف مع الرؤساء حين يقطعون كلمة الحق باستقامة، ومن مطالبتهم عندما يحيدون عن الحق، سواء عن كسل أو عن جهل أو عن نسيان.

لو أخذنا اليوم الشركة التي انقطعت بين الكرسيين القسطنطيني والروسي والتي تشغل العالم الأرثوذكسي. هذا يحمّل المسؤولية للقسطنطينية وذاك يحمّلها لموسكو. الحق يقال، أنّه فيما تتحمّل القسطنطينية المسؤولية القانونية عن الأزمة في أوكرانيا، إلا إن كل الأرثوذكس يتحمّلون مسؤولية الوصول إلى هذه الحالة التي أودت إلى انقطاع الشركة. الكل مسؤولون لأنهم فاترون، البطاركة والأساقفة والكهنة والرهبان والشعب. وهذا الفتور ليس وليد الساعة، بل قد تسلل إلى الكنيسة منذ أن تحررت من الاضطهاد، لكنه تكثّف مع مطلع القرن العشرين. هذا الفتور سمح للمنطق المسكوني بأن يتغلغل في عروق الكنيسة، وترك منافذ كثيرة تسللت منها الدهرية إلى حياتها. لامبالاة الأرثوذكس سمحت بأن يتنقّل إنسان كملاتيوس ميتاكساكيس بين أربعة كراسٍ مترئساً، وقبلت بأن يتقدّم إنسان مثل أثيناغوراس، وأن يرفع أناثيما هو يستحقها عن مَن لم يتُب، والأسوأ أن اللامبالاة والفتور جعلا الرؤساء الآخرين يتبعونه بدل أن يدينوا أفكاره ويدينوه. لامبالاة الأرثوذكس، من كل الطغمات وعلى كل المستويات، جعلتهم مكسر عصا يتدخّل في شؤونهم السياسيون ويفرضون مصالحهم، محلياً وعالمياً. لامبالاة الأرثوذكس صمّت آذانهم عن سماع صوت أنطاكية حين تظلّمت لأنها ظُلِمَت في قطر، وصربيا حين تظلّمَت لأنها ظُلِمَت في أرضها وهي اليوم مهَدَّدة في مكدونيا والجبل الأسود، وروسيا حين ظُلِمَت في أوكرانيا وهُدِّدَت في أستونيا وروسيا البيضاء، والقدس حين ظُلِمَت بخلع بطريركها الشرعي وتركيب اللصوصي مكانه.

المؤلم هو أن كل هذا جرى بمشاركة الكلّ. ينطبق علينا اليوم قول إرمياء النبي يَشْفُونَ كَسْرَ بِنْتِ شَعْبِي عَلَى عَثَمٍ قَائِلِينَ: سَلاَمٌ، سَلاَمٌ. وَلاَ سَلاَمَ” (14:6). السلام الفعلي يأتي مع الحق. شعب الله بحاجة إلى رعاة، إلى قادة، إلى مَن يرفعه ويدلّه على الطريق إلى الله. “الرُّعَاةَ بَلُدُوا وَالرَّبَّ لَمْ يَطْلُبُوا. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ لَمْ يَنْجَحُوا، وَكُلُّ رَعِيَّتِهِمْ تَبَدَّدَتْ” (إرمياء 21:10). لم يقل النبي أن الرعاة عملوا ما يبدد الرعية، بل أنها تبددت لأنهم لم يعملوا. تبددت لأنهم غير مبالين.تبددت لأنهم فاترون.

إن عدم العمل هو خطيئة توازي العمل الخاطئ. هكذا يعلّم الرسول يعقوب في رسالته: “ فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ” (17:4).

إن إهمال هذا الأمر وذاك، وغض النظر عن هذا وذاك، تارة بحجة السعي إلى السلام وأخرى بحجة التدبير، يحطّم الكنيسة ويشوّه صورتها في عيون أبنائها ويكشف مكامن ضعفها لأعدائها. هذا لاحظه القديس باييسيوس الأثوسي فجاء قوله دقيقاً: “عندما يكون هناك احترام للأشياء الصغيرة، يكون هناك احترام أكبر للأشياء الأكبر. عندما لا يكون هناك احترام للأشياء الصغيرة، فلن يكون هناك احترام للأكبر. هكذا حافظ الآباء على التقليد.”

حتّى من خارج الكنيسة الأرثوذكسية، نقرأ عند سي آس لويس في قصته رسائل المسمارأن الشيطان كان يدرّب ابن أخيه وورموود لكي يقوم بخدمة فعالة له في العالم، فقال له أنا، الشيطان، سوف أحرص دائماً على وجود أشخاص سيئين. أما وظيفتك، يا عزيزي وورموود، فهي أن تزودني بأشخاص غير مبالين“.

إن فتور الأرثوذكسيين يضع الأرثوذكسية في خطر جدي قد يؤدّي إلى تفككها. هذا بدأ بين أنطاكية والقدس، واليوم هو بين القسطنطينية وروسيا، وقد يتطور ليصير داخل الكنائس نفسها. أبشع أوجه هذا الخطر هو أن أحداً لا يتعاطى معه روحياً بل الكل يناقشه سياسياً“. لم نسمع دعوة من بطريرك أو أسقف أو غيرهما إلى صلاة لحفظ الكنيسة. ما من أحد يحكي عن التوبة إلا الكتاب المقدس: “كُنْ غَيُورًا وَتُبْ. هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي. مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضًا وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ.” (رؤيا 15:3-19)

النار الكامنة: رؤية أرثوذكسية لليوغا

النار الكامنة: رؤية أرثوذكسية لليوغا

جوزيف مانغوس فرانجيباني

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

لا تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟ وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟ وَأَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَانِ؟” (2 كور 6: 14- 18).

   نشأتُ كاثوليكيّاً. أحببتُ الصّلاة. تمشّيت في الغابات، لعبتُ في الجداوِل، وكنت أركض عبر سهول الخَيال الرَّحبة. هذه الأشياء كانت كالصَّلاة بالنسبة لي: السُّكون والهدوء والهدوئيّةالتي وَجَد الأولادُ أنفسَهم فيها، تقريباً، بالطبيعة. لم أبقَ، دائماً، في حالة الورع هذه، لكنني أدركتُها وسلّمْتُ بها على أنها عملٌ بسيطٌ في القلب.

كلُّنا نختبر ذلك بدرجات متفاوتة. نستعمل كلمات مختلفةأو لا كلمات على الإطلاق، كونها جميعُها تبدو غير مناسبةللتعبير عن حركة القلب نحو الله. يبدو أننا، عندما نكون بسطاءَ في القلب، خاصةً في طفولتنا، يكون هناك إدراك ملموسٌ لأمرين اثنين في ما نختبره: المُحِبُّ والمحبوب، الآخَر. كوني صبياً يافعاً لم أربط هذا الحضوربالمسيحتماماً كعدم ربطي والدَيَّ بإسميهما، فقد كنت أعرفهما وحَسْب.

* * *

في المرحلة الدراسية الثانوية، أردت ان أصبح راهباً ترابّيست trappist” (رهبان من الممتنعين عن الكلام!- المترجم)، إذ أن جَدَّيّ أدخلاني إلى ثانوية كاثوليكية للصبيان. كنت أحضَر الخدم الكنسيّة بانتظام، وغالباً ما كنتُ أقرأُ الكتابَ المقدّس. إن الكتاب المقدس، بالحقيقة، هو كالباب، فأنتَ تستطيع الدخولَ عبْرَه، والروحَ القدس يقودك إلى أماكن، حتى دون أن ترفع قدمكَ عن الأرض. لكنني علمتُ أن هناك شيئاً أكثر من ذلك، إنه كالفرق بين القراءة عن الخبرة والخبرة نفسها.

يكتب الدكتور هاري بوساليس في مجلة التسليم المقدس: “لسنا مدعوّين إلى أن «نتبع» التسليم أو أن «نقلّدَه»، نحن مدعوّون أن نختبرَهتماماً كما فعل القديسون، ولا يزالون“. إننا نعلَمُ أن هناك شيئاً مفقوداً في العالم حولنا. بعض الغنى، شيءٌ من العُمق الذي ندركه ونلاحقه بطريقة غامضة. إنه، بالطّبع، غنى محبة الله ونوره ونعمته. إلا أنني، في تلك الفترة من حياتي، لم أمتلك الكلمات لكي أُعَبِّرَ عن ذلك. وكالعديد من الناس، كنت أنسب عدمَ الرِّضا والقلق إلى أمور أخرى.

ثم قام أستاذٌ لعلم النفس في الثانوية بتوجيه صفِّنا نحو التنويم المعناطيسي الذّاتي (self-hypnosis)، وسرعان ما تلا ذلك انخداعي بالتّأمُّل(meditation). شعرت بالاسترخاء، وكنت أدَعُ نفسي تنقادُ إلى خبُرات جديدة، وأحسستُ كما لو أن باب قلبي الخلفي قد فُتِح على مصراعيه بشكل دائم. رفضتُ الله لأنطلق متّكلاً على ذاتي. واختبرتُ، بشكلٍ جَليّ، أن ضوءاً قد انطفأ في داخلي. احترمَ الحضورُ، الآخَر، الصديقُ هذا القرار. كان شعوراً كما لو أنه قد غادر بهدوء. لقد احترم الإرادة الحرة، ولم يفرض نفسَه أبداً. لقد كان يقرع على باب القلب وينتظر.

* * *

وهكذا بدأت بممارسة التَّأَمُّل بانتظام. في البداية، وخاصّة لكوني مراهقاً، كان الأمر صعباً: الجلوس لساعات بصحبة بوذيِين كبار السِّنّ من التّيبت، بصمت كلّي، حاملاً أفكاري إلى الحائط الفارغ وتمثال بوذا البرونزي الذي أمامي. بدأتُ بدراسة التَّقَمُّص، والكارما والسامسارا [1]. لم أكن قد انتبهتُ، بعد، لأصول البوذية في الدين الشاماني الذي يطلَق عليه اسم بون، ولا لعلاقته بالتنجيم والسحر وممارسات وثنية أخرى [2].

لقد أردت تَعلُّمَ كيفيةِ تهدئة القلق والاكتئاب، وإزالة الأفكار المشتّتة. في زياراتي لقاعات التّأمّل البوذية والآشرام البوذيين( وهو مكان كالديرالمترجم) افتتنتُ بـ الألعاب النارية الرُّوحيةكالانخطافات والانتشاءات والمشاعر والرؤى. هذه كلُّها مرتبطة بالتّأمُّل واليوغا في كافة مستوياتهما، وهي تتزايد مع الممارسة. هذه الخبرات وغيرها يُشار إليها على أنها سيدهيس (siddhis)” أو قوى اكتُسِبت عن طريق الـسادهانا” (تطبيقٌ عملي للتأمّل واليوغا). فالخديعة تحوّلت إلى افتتانُ، والفاتن صار بدوره مألوفاً. ومن دون أن أنتبه، حشريَّتي الأولى غير المؤذيةنحو اليوغا قويَت لتصبح عادة. أمضيتُ أكثر من عَقدٍ غارقاً في هذا البحر الروحي.

خلال تلك السنوات، كانت تُطرح الكثير من الأسئلة. مثلاً، هل يعرف الرّهبان والكهنة الكاثوليك إذا كان المسيحيون الأوائل يؤمنون بالوجود المُسبق للنفس وبالتَّقَمُّص؟ أجابوا بأنهم لا يعلمون، إضافةً إلى أنهم تساءلوا: ما المهم في هذا الأمر؟ في قراءاتي المتزايدة عن مبادىء ومعاني أديان الشرق الأقصى، وبسبب توقي إلى اختبار الـباردوس (bardos)”، وهي أبعاد متوسطةٌ للعالمين المادّي والروحي، قمتُ بدراسة كتاب الموت والحياة من التيبت“.

لقد قرأت كلِّ الأدب الروحاني والباطنيّ الذي استطعتُ الوصول إليه، واحتفظتُ بنسخةٍ مغلّفة من الـبْهاغافاد غيتا، في جيبي الخلفي، وقرأتُ كتابات الـباراماهانسا يوغاناندا(باراماهانسا يوغناندا هو يوغي هندي ومعلم (غورو) أدخل الملايين من الهنود والغربيين إلى تعاليم التأمل واليوغا من خلال جمعية تحقيق الذات (Self-Realization Fellowship) – المترجم). أغرقتُ نفسي في كتابات الـأوشوOsho (اسمه أشارايا راجنيش، وهو غورو هندي مثير للجدل وقائد لحركة راجنيشالمترجم)، وقرأتُ الـرام داس(معلّم روحاني أميركي صار بوذياً وأسس جمعيات المترجم) والـرامانا ماهارشي(معلّم هندي كتب الكثير عن حالات الروح وإخضاعها والتأمّل والحكمة الذاتية المترجم)، فصرت مقتنعاً بأنه لا يوجد كائنٌ مقدَّس أكثر من نفسي. كان الأمر يعود إليَّ لتحطيم نظرتي المشوبة بالوهم حول نفسي. واستناداً إلى أغلبية ما قرأتُ وسمعتُ، لم يعد بالامكان البقاء على علاقة شخصية مع الإلهي (Divine)، ممّا وضعني في صراع داخلي، فتلاشى ما فُطرتُ عليه من طبعٍ طفولي هادئ وسلاميّ. كلّما كنت أغوص في لُبّ التّأمل واليوغا، كنت أختبر دوافع فجائيّةً وغيرَ متوقّعةٍ لأؤذيَ نفسي. كانت روحي تتعرّض لهجوم عنيف، تلك كانت فترة من حياتي مُفعَمةً ظلاماً وقُحطاً.

في بحثي عن الهدوء، أخذتُ نذر بودهيساتفا (نذر يتّخذه البوذيون ويتعهدون بتحرير القلوب الحساسةالمترجم) وجدَدتُ باحثاً، داخل البوذية، عن نظام ديري للعلمانيين ذي طابعٍ هاديء تأمّلي، في محاولة مني للارتباط بمكانٍ أو بشيء ما. بعد فترةٍ أوليّة من السَّلام النسبي، نشأ فيّ الجسارة، وحتى الاهمال فيما يخص النشاطات الروحانية. كنت أدخل في نوعٍ من السّكْر الروحاني، لكنني لم أدرك ذلك.

* * *

أكل الابنُ الشّاطرُ من طعام الخنازير في بلدٍ بعيد. لكنه، عندما تذكّر طعْمَ الخبز في منزل أبيه، عاد إلى البيت. ذلك أنني، ولعقدٍ من الزّمن، عشتُ في هذا البلد البعيد أتناول من طعامه.

عاينتُ الكثيرَ من الناسبعضُهم أصدقاء والبعضُ الآخَر غرباءوهم يسعَون وراء فَناء الذات. كان لديهم نهَمٌ لا يَشبع لإضاعة أنفسهم، لا في حياة ونور الله، بل في الظلمة والفراغ، حيث الانفصالُ عن المحبةِ التي تتجاوز كلَّ شيء“. ما هذا الانفصال سوى الجحيم نفسِه. يسعى العديد من الرجال والنساء والأولاد إلى هذا الجحيم، وهم يدورون حول علاقات مشوَّشة، فيقعون في براثن المخدرات.

لكنني درستُ ومارستُ الـكونداليني يوغاوالشامانية [3]، حيث تعرّفت إلى الخوف والصّقيع. اشتهرت بقراءتي للـ تاروت” (ورق اللعب) وهو أسلوب سرّي للعرافة. علَّمتُ اليوغا، وأرشدتُ مجموعات من الناس إلى التأمّل والإنشاد في صحارى الحكماء. لقد جرّبنا الإسقاط الأثيري (تفسيرٌ افتراضيّ لحالَةِ الخروجِ من الجسد وذلك بافتراضِ أنّ هُناكَ هيئةٌ نجميّة تنفصل عن الجسد الفيزيائي قادِرة على السفر خارجه – المترجم)، وخبرات الخروج من الجسد الموجّهة، عن طريق الـ باردوسبحسب ما تم وصفها في الكتب التيبيتية. لم أحمل معي، فقط، نسخاً من بهاغافدا جيتا، بل من الـ أوبانيشادوالـ سوتراالبوذية، أينما ذهبت[4]. كلُّ واحدٍ من هذه المساعي كان ضرباً من السباحةٍ بعيداً عن جبل المسيح المقدس. دع قطرات الماء تتساقط على حجر لمدةٍ كافية وسوف تفتته. كنت أمسحُ الليمونَ الملتصق بجبهتي وأنا أقرع الجرس مقدّما الفاكهةَ والنار كعبادةٍ لـكريشناومتجوّلاً حافيَ القدمين في شوارع مدن أوجين وسياتل، وأخيراً في ريشيكاش وهاريدوار ودهارامسالا، في شمال الهند.

* * *

يقول الأرشمندريت زخريا في كتاب إنسانُ القلب المستترُ“: “في انفصاله عن الله الذي هو نبع الحياة، يستطيع الإنسانُ فقط أن ينسحب إلى داخل نفسِهويصير، شيئاً فشيئاً، منعزلاً غارقاً في الملذّات“.

ترفضُ البوذيّةُ الذاتَ والنفسَ والشخص. إنها تفرد ذراعيها بصمت ضد الله. لا يتجلّى الألم. في البوذية هناك صلبان لكن لا قيامة البتّة. نستطيع القول بأن البوذية تجد القبر الفارغ وتُقِرُّ بوجود هذا الفراغ وبطبيعة الأشياء وحتى بأن هذا الفراغ هو هدفها. كل شيء بالنسبة للبوذية– الفردوس والجحيم والله والذات والنفس والشخصهو ضلال بانتظار أن يتم تَخَطّيه والتخلص منه وتدميره. هذا هو الهدف. الإلغاء الكامل. حقيقة هذا القرن التاسع عشر البديهية تُلخِّصُ مبدأَ البوذية هكذا: “إذا ما شاهدت بوذا اقتله“.

لا تعترفُ البوذية، ولا هي تستطيع، بشفاء النفس والجسد. يجب تَخَطّي كلا النفس والجسد وإهمالهما. في الكنيسة الأرثوذكسية، النفس والجسد يُفتَرَض أن يشفيا. تُعلّمُ البوذية أن لا شيء ذو قيمة بذاته. بينما تعلّم الكنيسةُ أن الله جعلَ لكلِّ شيء قيمةً في ذاته، وهذا يتضمّنُ الجسدَ الإنساني. نحن كائناتٌ معقّدة التّكوين. إن أداء أجسادنا وعقولنا وأنفسِنا مترابط. وهذه الأفعال المترابطة مرتبطة بعلاقتنا بالله وبالحيّز الروحي.

بالنسبة للمسيحيين الأرثوذكسيين، كلُّ شيءٍحتى الألمهو باب خفيٌّ عبره نلاقي المسيحَ، ويعانقُ واحدنا الآخر.

* * *

ذاتَ خريف، سافرتُ إلى ريشيكاش، في الهند. يعود اسمُ هذه المدينةِ إلى الإله الوثني فيشنو إله الحواسّ“. ريشيكاش هي عاصمة اليوغا في العالم“. من المتعارف عليه، عامّةً، أنها منشأ اليوغا على الأرض. لأربعين يوماً، درستُ ومارسْتُ ما يُعرَف بالطريق السّرّي الرّوحيّ لليوغا المتكاملة[5] على سفوح الهيمالايا. لم يشمل هذا، فقط، رياضة اليوغا الأميركية، بل كان كلُّ صف يبدأُ وينتهي بصلاة موجّهة لـ شيفا، إله العاصفة المزمجرة، في حين كنت أدرّس الإنكليزية للّاجئين التيبيتيّين، وأعمل محرّراً لدى حكومة التيبت المحلية. تعود جذورُ اليوغا، تاريخياً، إلى الهندوسية. مدفوعاً بفضولي، أجريتُ حديثاً مع رينكوش، في دير الدالاي لاما[6]. سألته عمّن تكون هذه الآلهة الهندوسية بحسب الكوزمولوجية البوذية، فجاء جوابُه مفاجئاً: “إنها كائناتٌ مخلوقةٌ، لديها «أنا» (ego)… وهي أرواحٌ عالقةٌ في الجو“[7].

* * *

ما هي اليوغا؟ وما هي طاقةُ الكونداليني؟

المعنى الحرفيّ لليوغا هو النِّير، إنها تعني تقييدَ إرادتِنا بأفعى الـ كوندالينيورفعها نحو شيفا واختبار ذاتِنا الحقيقية“. كل طرق اليوغا مربوطةٌ ببعضها كما ترتبطُ فروعُ الشجرة بجذورها الضاربة نزولاً في مساحة العالم الروحي. إنه أمر جليٌّ في كتب البهاغافدا غيتا والسوترا اليوغية القديمة لباتانجالي. أدركتُ بأن الهدف النّهائي لليوغا هو إيقاظ طاقةِ الكونداليني الملتفّة في أسفل العمود الفقري على صورة أفعى، حيث تُوصِلُك إلى حالة تستطيع بها معرفة الـ تات تْفام آشي” [8].

ممّا لا شك فيه أن اليوغا ربما تُسَهّلُ الوصولَ إلى اختبارات استثنائية للجسد والعقل، لكن هذا ما يفعلُه تناولُ العقاقير المسببة للهلوسة والسمومُ التي لا تُلاحَظ ولا طعم لها. شيئاً فشيئاً، ومن خلال اليوغا، يقوّي الإنسان الـ شاكتيالتي يشيرُ إليها اليوغيون بـالأُم المقدسةوهي إلهة الظلاموعلى علاقة بآلهة هندوسية رئيسية أخرى. هذه الطاقة ليست الروح القدس، المسببة للهلوسة كما أنّ هذا ليس رياضة أيروبيك ولا أي نوع من الرياضة. يتّصل هذا النظام بالـ بهاجناسوكيرتانس“- وهي ممارسات وثنية تشبه المديح في المسيحية الأرثوذكسية، إلا أنها موجّهة للآلهة الهندوسيةإضافة إلى الـ مانتراالتي هي صيَغ مقدسة، لا بل بمثابة أرقام وبطاقات الهواتف، لمختلف الغورو والآلهة الوثنيين.

* * *

كيف ترتبطُ اليوغا بالهندوسية؟

لنكن واضحين. لا تشير الهندوسية إلى أيّ دين معيّن. إنها عبارة أطلقها الإنكليز على طوائف عديدة من الفلسفات والأديان الشامانية في الهند. إذا سألتَ هندوسياً عمّا إذا كان يؤمن بالله، ربما يجيبك بأنك أنت الله. لكن لو سألت آخراً فسيُشير إلى حجر أو تمثال أو شعلة نار. هذه هي القطبية في الهندوسية: إمّا أن تكون أنت الله، أو أي شيء آخر يمكن أن يكون إلهاً.

تنضوي اليوغا تحت هذه المظلّة الهندوسية كما ينضوي أيضاً قطب هذه المظلة بعدة طرق مختلفة أيضاً. إنها تقوم بوظيفة الذراع التبشيرية للهندوسية والعصر الجديد، خارج الهند[9]. تشبه الهندوسيةُ الدّميةَ الروسيّة (وهي دمى خشبية مفرغة تحوي كلٌّ منها دميةً أصغر حجماً في داخلهاالمترجم): تفتحُ فلسفةً فتجدُ داخلَها عشرات الآلاف، إضافة لها. وكل التي لم يتم فتحُها هي مخاطرة بذاتها. من الممكن أن تسبح بسهولة وبدون اهتمام في المياه التي لا تعرفها، لكنك، بعدم إدراكك للتيارات والظلال في الموقع، ربما تكون في خطر. من الممكن أن يجرَّك التيار السفلي بعيداً. من الممكن أن تجرح نفسك بالصّخور غير المرئيّة أو تلتقط عدوى خفيّة أو تُصاب بالتسمّم. هذا ما يحدثُ في الحياةِ الرّوحيَّة.

عندما نغوصُ في المحيط، من المحتمل أن تجذبَنا سمكةُ لامعة وملوّنة ومخادعة، لكن الأشياء المزدانة بالألوان والغريبة غالباً ما تكون فائقة السُّمّيّةِ ومميتة.

عندما زرتُ الهند للمرة الأولى، نزعتُ حذائي وجواربي وصرت أمشي عبر الماء وجوز الهند والحلوى المرميّة ونار معبد كالكاجيالمتوهجة. إنه واحد من أكثر المعابد شهرةً والمكرّسة لـكالي، إلهة الموت. لم أكن أعرف ذلك، إلا أنني كنت في خضمّ أكثر أعيادها أهمية في السنة. كانت الفوضى تعمُّ المعبد، والطاقةُ كانت ظلامية وفي أوجِها.

تجمّع آلافُ الرجال والنساء والأولاد في معبد ريشيكاشهذا لكي يقدموا العبادة للشيطان. بقربي، كانت هناك امرأة تتقلّب عيونها في محجريها، أما يداها فكانتا تتحركان جيئة وذهابا، ولسانها ذو اللون الزّهري يتأرجح في فمها، وكانت رِجلاها تتحرَّكان صعوداً وهبوطاً كدُميةٍ مربوطة بخيطان. من الواضح أن ذلك كان مَسّاً شيطانياً.

مرّةً، قمتُ بالسجود لأيقونةَ والدة الإله في سيتكا فأختبرتُ دفئاً هائلاً ودموعَ فرحٍ ومحبة وصفاءَ ذهن وسلاماً. كان الأمر كالمشي أمام نافذة تفيض بنور الشمس العَطِر والدافىء. أما في معبد كالكاجيفقد اختبرتُ العكس.

تُصَوَّرُ كاليبشكل آلهة مخيفة متعدّدةِ الأيدي جلدها زهري اللّون، ترفعُ رأساً بشريّاً مقطوعاً ومن فمها يتدلّى لسانٌ دمويّ. ترتدي عقداً من رؤوس بشرية وتتمنطقُ بزنّارٍ من الأذرُع.

تناولتُ القهوة مع أناسٍ مؤثّرين في حركة اليوغا والهندوسية والعصر الجديد في أميركا، الذين، من أجل أن يصبحوا أعضاء في طائفتها، دُفِعوا لكي يأكلوا جثثاً بشرية من مدافن في نيبال. منذ زمن ليس ببعيد، ورد تقريرٌ في الغارديان“- الصّحيفة البريطانية الواسعة الانتشاريقول بأنه، حتى يومنا هذا، يتم تقديم أضاحي بشرية من الأولاد في عبادة الشيطان كالي“. كلُّ هذا مرتبط بالهندوسية، وله علاقة باليوغا كون وضعياتها الجسدية ليست محايدة من الناحية الدينية. كل الـ أساناالكلاسيكية لها مدلولاتٌ روحانية. فقد ورد، على سبيل المثال، في تقرير مراسل صحفي بأن تقديم التَّحية للشمسربما هي مجموعات الـ أساناالأكثر شيوعاً أو وضعيات الـ هاثا يوغا“- وهي النوع الأكثر ممارسةً في أميركاهي، حرفياً، طقوس هندوسية.

لم تكن تحيةُ الشمس ، مطلقاً، تقليداً من الـ هاثا يوغا‘”، هذا ما يقوله سوبهاس رامبرسود تيواري الأستاذ في فلسفة اليوغا والتّأمّل في الجامعة الأميركية الهندوسية في أورلاندو، فلوريدا، بل هي مجموعات كاملة من طقوس تبجيلية للشمس، كتعبير عن الشكر لذلك المصدر للطاقة” [12].

***

إن اعتبار اليوغا مجرّد حركةٌ جسدية يعادلُ القول بأن المعمودية هي مجرّد تمرين تحت الماء“. هذا ما يكتبه سوامي بارام من الأكاديمية الهندوسية لليوغا الكلاسيكية وأشرم دهارما يوغا في ماناهاوكين في نيو جيرسي.

إن الإلهة كالي تحاولُ، عبر اليوغا، توحيد الممارسين عبر الـ شاكتيمع شيفا. في معبدها الواقع خارجَ نيو دلهي، شاهدت صنماً يصف ذاته وهو كنايةٌ عن صخرةٍ مستدقّة ذات عيون من الخرز مغطّاة بالطّين الأصفر والطعام المتخثّر. في الهندوسية، يتم إيقاظ الأصنام وإلباسهم وإطعامهم والغناء لهم، ثم يتم جعلهم ينامون. كنت قد شاركت في المئات من تلك المراسيم.

إن مجلة اليوغاهي من أكثر مجلات اليوغا مبيعاً في العالم، بعددٍ من القرّاء يناهز الخمسة ملايين. في لحظةٍ من البَوح حول تَفَوُّقِ اليوغا كعلاج نفسي، تكشف مجلةُ اليوغاالفلسفةَ الهندوسية التي وراء هذه الممارسة: “من وجهة النظر اليوغية، كل الناس قد<وُلِدوا مقدَّسين>، وكل منهم يمتلك في جوهره روح الـ أتمانالتي تُقيمُ أبدياً في الحقيقة الثابتة واللانهائية والكليّةِ السّيادة، ألا وهي الـ براهمان“. يعرض باتانجاليوجهةَ نظره الكلاسيكيةنحن ما نفتش عنه. نحن الله متنكّراً. إننا كاملون بالوراثة، وفي كل لحظةٍ لدينا القوةُ الكامنة لنستفيق مدركين هذه الطبيعة الحقيقية الواعية المستنيرة“.

يُحَيّي المعلّمون والتلاميذُ بعضَهم البعض بشكل نموذجي بالعبارة السنسكريتية ناماست، التي تعني: “إنني أُجِلُّ الكائن المقدس الذي فيك“. هذا تأكيد على الحلوليّة وإنكارٌ للإله الحقيقي المتجلّي في الكتاب المقدس. نشأت تحيَّة الشمس، أو سورا ناماسكارا، من العبادة الهندوسية لـسورياإلهة الشمس.

في سير القديسين وفن الأيقونات المقدس، نكرّمُ القديسين الذين هم أشخاص حقيقيون عاشوا باستقامة أمام الله وقد دخلوا، ولا يزالون، في شركة مع نوره ومحبته، ونطلب شفاعتَهم. بالمقابل، فإن الأصنام هي صوَرٌ لآلهة كاذبة، وعبادتُها هي عبادة للشياطين، أو لكائنات متخَيَّلَة لا وجود لها. فهي، من حيث المبدأ، عبادة لأشياء لا حياة لها15، كما يكتب الأب مايكل بومازانسكي.

لقد شاهدتُ سواميعديدين في هذا البلد، في أميركاينقلون هذه الطاقة الشيطانية التي هي الـ كونداليني، فقط عبر نظرهم في عيني الشخص. وإذا ما كان الإنسان منفتحاً على ذلك، من الممكن أن يرتعش الجسمُ ويهتز كلعبة تُدار بالزّنبرك.

رغم ذلك، عندما حان وقتي لتَلَقّي هذه الطاقة الملعونة عبر شاكتيبات، اجتاحني خوفٌ كالماء المكهرب البارد، فرفعتُ سيفي وترسي وبدأت بصلاة يسوع. المجد لله! لقد تمَّ صدُّ هذا الحضور بواسطة اسمِ يسوع. علينا أن نتذكر، كما يقول القديس بولس الرسول: “ بأنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ ٱلرُّؤَسَاءِ، مَعَ ٱلسَّلَاطِينِ، مَعَ وُلَاةِ ٱلْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا ٱلدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ ٱلشَّرِّ ٱلرُّوحِيَّةِ فِي ٱلسَّمَاوِيَّاتِ” (أفسس 6: 12). بهذه الصلاة، التي هي تُرسي وسيفي، سبحتُ شوطاً عائداً إلى المسيح. لقد قمتُ بخطوةٍ خارج البلد البعيد، خطوةٍ داخل منزل أبي.

* * *

هل من علاقة بين اليوغا بالأرثوذكسية؟

اليوغا هي ممارسةٌ نفسجسدية، إنها تَفاعلٌ بين العقل والجسد والروح (أو الأرواح). يجب ألّا يغيبَ عن بالنا بأن كلمة يوغا تعني النير، وهو قطعة خشبيةٌ متعارضة مشدودةٌ إلى رقاب الحيوانات ثم إلى المحراث. يحذّرنا القديسُ بطرس قائلاً: ” لا تَشْتَرِكوا مَعَ الكَفرةِ تَحتَ نِيرٍ واحد؛ إِذْ أَيُّ شِرْكةٍ بَيْنَ البِرِّ والإِثْم؟ وأَيُّ مُخالَطَةٍ للنُّورِ مَعَ الظُّلْمَة؟” (2كور 6: 14).

ليست اليوغا من الكتاب المقدس، ولا هي جزءٌ من تسليم كنيستنا المقدس. كلُّ شيء نبحثُ عنهأقول: “كلّ شيء“- يمكننا إيجاده في الكنيسة الأرثوذكسية. لذا، ما الذي نريده من اليوغا؟

من المهم أن نعرف أنه، في اليوغا، كما في العديد من المذاهب الروحانية، من الممكن أن ترافقَ ممارسيها أنوارٌ غريبةٌ، إلا أنه غالباً ما يكون مصدرها الشياطين أو ما يتولّد من العقل، ذلك أن :”الشيطان نفسه يغيّر شكله إلى شبه ملاك نور” (2 كور 11: 14). الكثيرون تابعوا، ولا يزالون يتابعون، الألعاب النارية الروحية” spiritual fireworks لما يسمّى بالـ عصر الجديد“. ليس هذا، بالطبع، النورَ غيرَ المخلوق الذي اختبره موسى والتلاميذ، على جبل ثابور. وليس أيضا النور المقدس الذي دافع عنه القديس غريغوريوس بالاماس، في القرن الرابع عشر، ضدَّ السكولاستيكية الغربيّة. معرفةُ الله المباشِرة مُمكنة، وكذلك الاختبار المباشر، لكنَّ معرفة الشيطان واختباره المباشرين مُتاحان، دون أدنى شك. لدينا كاملُ الحرية لاختيار ما ومَن نفتش عنه، وهو ما يتطلّبُ، بالطّبع، تمييزاً وخبرة، حيث من الضروري بمكان العودة إلى كاهن أو شيخ ذوي خبرة. أيضاً، لا غنى عن المساهمة الخلاصية في القدسات. من الأحسن النظر في خفيّات قلوبنا بدل إمتاع أنفسنا بتلك التَّخيّلات التي من رأسنا.

إضافة لذلك، فهناك ما يجب قولُه بخصوص الادّعاء بأن أشكال فرقعات رياضة اليوغا لا تشكل أيَّ خطرٍ أو تهديد لمن يمارسها. صاحب هذا الرّأي إما قد فاتته، أو قصَدَ أن تفوتَه، التحذيرات المتعدّدة التي تَرِدُ في كتيّبات اليوغا الشرقية بخصوص الـ هاثا يوغاالتي تُمارَس في صفوف كهذه. هل المدرِّبُ على درايةٍ بتلك التحذيرات، وهل هو قادرٌ على أن يضمن عدم حدوث أي ضررٍ للتلميذ؟

في كتابِه مدارس اليوغا السّبع، يبدأ إرنست وود وصفَه للـ هاثا يوغابقوله: “عليّ أن لا أعود لأيٍّ من تمارين الـ هاثا يوغا تلك دون الالتفات إلى التحذيرات الصّارمة. لقد جلب العديدون على أنفسِهم أمراضاً لا شفاء منها أو حتى حالات جنون، دون تأمين ظروف مناسبة لجسدهم وعقلهم. إن كتبَ اليوغا مليئةٌ بتحذيرات كهذه…”. على سبيل المثال، يُعلنُ غيراندا سامهيتا بأنه إذا ما بدأ أحدُهم بالتمارين في طقس حار أو بارد أو ماطر، فسوف يصاب بأمراضٍ، والحال نفسُه إذا لم يكن هناك اعتدال في نظام الطعام، فعلى معدتِه أن تكون نصفَ مملوءة بالطّعامجاء في الـ هاثا يوغا براديبيكابأن التّحكّم في التنفّس يجب أن يأتي تدريجيّاً كما الأمر في ترويض الأسود والفيلة والنمور، وإلا فإن الممارِسَ قد يُقضى عليه، فبوقوع أيِّ خطأ سيحدثُ سعالٌ أو ربو أو أوجاع في الرّأسِ أو العين أو الأُذُن، أو أمراضٌ أخرى عديدة“. يختمُ وودتحذيرَه حول الوضعية والتنفّس في اليوغا بقوله: “أرغب في إيضاح أنني لا أوصي بتلك التّمارين، كما أصرُّ على أن كل الـ هاثا يوغاخطرة للغاية“. [20]

إذا ما رغب المسيحي الأرثوذكسي بالقيام بالتمارين، فبإمكانه – أو بإمكانهاالسّباحة أو الهرولة أو التّنزّه أو المشي أو القيام بتمارين تمديد (stretching) أو الرياضة أو الـ بيلاتيس[21]، فهذه بدائل مأمونة لليوغا. نقترح أيضاً السجدات أمام الله. فالكنيسة لا ترغب بأن يكون أحدُنا مريضاً أو متضايقاً. علينا الوثوق بوصفات أُمِّنا الكنيسة، وبأن نطبّقها بقدر ما نستطيع، وبقدر ما تسمح به نعمةُ الله. على الجميع أن لا يحاولوا إطالةَ عمر الجسد على حساب الروح. وفوق ذلك كلّه، علينا أن لا نثِقَ بحُكمنا الشخصي، بل علينا الرجوع إلى شخصٍ ما. “تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِدْ[22].

إننا نَعلَمُ، كمسيحيين أرثوذكسيين، بأن حركات أجسادنا، كالانحناء والسجدات ورسم إشارة الصّليب، لها صِلةٌ بحالتنا الروحية أمام الله الحقيقي. فلماذا نُجازفُ بتقليد حركات جسدية ارتبطت، لقرونٍ، بعبادة الشياطين؟ أن لهذه الحركات عواقبُ خطيرة على جسدنا وروحنا اللذين هما للمسيح. “لنكن حكماء كالحَيّات وودعاء كالحمام[23].

[1] التقمّص هو حلول النفس في شخص آخَر أو حيوان أو جسد روحاني، بعد الموت الجسدي. الكارماعقيدة أساسية لدى الهندوسية والبوذية، كالتقمُّصهي مبدأ حيث تؤثّرُ نوايا وأفعالُ الشخص على حالته المستقبلية. تُزيل الكارما اللهَ من الصورة مركّزةً على أنك أنت مخلّصُ نفسِك الوحيد. أما السامسارا فهي تكرار دورة الولادة والحياة والموت.

[2] الشامانية هي ممارسة خطرةٌ تنطوي على التَمَلّك من قِبلِ أرواح خيّرة وشريرة، وهي تستخدم المخدرات للدخول في غيبوبة وتستحضر أرواحاً وتقرأ الطّالع والبخت مستخدمة عظام البشر والحيوانات. أما الـ بونفهي ديانةً حلولية قديمة مُشبعة بمعاني الأعداد السحرية والتنجيم والعُرافة والأضاحي الحيوانية والسّحر. لا تزال هذه العناصر موجودةً ضمن مدارسَ بوذيةٍ عديدة.

[3] الـ كوندالينيهي عنصر أساسي، لكن خَطِر، لليوغا. يُصَوَّرُ كأفعى مُلتفّة في أسفل العمود الفقري، يتم إيقاظها عبر التّأمّل ووضعيات يوغيّة. إن وجود الـكوندالينيالموقَظَة يطلَقُ عليه اسم الـشاكتي، الذي يُزعَمُ أنه يوَحّد من يمارسُه مع شيفا“- مبدأ وإله اليوغا. إن فتح الـشاكراعلى اختلافهاأو نقاط الضغط الروحيةفي الجسد عن طريق أوضاع جسدية (هاثا يوغا) والتّأَمُّل (راجا يوغا) يُسَهّلُ حلّ هذه الأفعى. الأعراض المرتبطة بإيقاظ الـكوندالينيتتضمّنُ حالات متغيّرة من الوعي وضغطاً متزايداً في الجمجمة ووخزاً وارتفاع ضغظ الدّم ورغبة جنسية جامحة وتخدّرا في المشاعر وأموراً أخرى كثيرة.

[4] الـبهاغافاد غيتاأو أغنية اللههي حوار بين الإله الهندوسي كريشنا ومحارب بخصوص بهاكتي” (اليوغا التعبدية)، جنانا” (‘التحرّرعبر المعرفة) ودهارما، أو مسؤوليات الشخص الروحية. الـأوبانيشادهي كتاباتٌ فيديّة سرّيّة حول طبيعة الحقيقة والإدراك الأقصى. “سوتراهي تعاليم يعطيها، عادةً، الحكماءُ البوذيون أو الهندوس.

[5] ثمّةَ العديدُ من مدارسأو شُعَباليوغا تتناسب مع اختلاف الممارسين وتنوُّعِّهم. مثلاً، أربعةٌ من أنواع اليوغا الرئيسية أو الكلاسيكية تتضمّن: الـجانا يوغا” (يوغا المعرفة المباشرة) والـبهاكتي يوغا” (يوغا التكريس) والـكارما يوغا” (يوغا العمل) والـراجا يوغا” (الطريق الملكيالذي من ضمنه الـهاثاوالـتانتراوالـكونداليني، وأشكال أخرى من اليوغا).

[6] الـرينبوشيُعرف بأنه معلّم متقمّص بارع للبوذية.

[7] يتكلّمُ القديس بولس عن الشيطان قائلاً أنه رئيس سلطان الهواء” (أفسس 2: 2).

[8] من السنسكريتية وترِد في اﻷوبانيشاد تعني الجملةُ بأن الممارس يتماهى مع الحقيقة القصوى، او مع الله أو مع إله ما.

[9] من الصَّعبِ تحديد حركةُ العصر الجديد، كما الهندوسيّة، لكنها، عامّةً، ترتبط، دون أن تنحصر، بالغنوصيّة والسِّحر والـويكا” (ديانة وثنية سحريّةالمترجم) والنشوة والكشوفات الناتجة عن المخدرات، والشامانية والكائنات الفضائية والبلورات وحركة تعدد الآلهة الأمومية والمثلية، لكنها تتحاشى المسيحية الأرثوذكسية.

[10] هدية من عُمّال كاتدرائيّة القديس ميخائيل رئيس الملائكة في سيتكاالاسكا، وتُعتبَرُ،حقاً، هذه الأيقونة العجائبية المميَّزة بجمالها أنها نافذة إلى الملكوت.

[11] مجلة الغارديان، السبت، 4 أيار 2006.

[12] درو سافتون، هل ممارسة اليوغا من قبل العلمانيين تَحطُّ من قدْرِها؟ Newhouse News, July 15, 2005, http://www.freerepublic.com/focus/f-religion/1445950/posts.

[13] المصدر نفسه

[14] Stephen Cote, “Standing Psychotherapy on Its Head,” Yoga Journal, May/June 2001, p.104. http://michaeltalbotkelly.com/standing-psychotherapy-on-its-head/.

[15] Orthodox Dogmatic Theology, p. 323.

[16] الـشاكتيباتهي منح الطاقة الشيطانية الروحية بكلمة أو نظرة أو فكرة أو لمسة.

[17] أفسس 12:6

[18] 2 كورنثس 14:6

[19] 2 كورنثس 14:11

[20] تقدّمُ الـسانديليا أوبانيشادتحذيرات مشابهة. أنظر المدارس السبعة لليوغالإرنست وود، ص: 78- 79.

[21] الـبيلاتيسبديل مثاليّ ومناسب لليوغا. وهو نظام تمارين ذهنية يساعد على المرونة والقوة والتركيز. الـبيلاتيسهو نمط تَكَيُّف يشدِّدُ على التّنسيق والتوازن والتنفُّس. بيَّنت الدّراسات، أيضاً، بأن تمارين المرونة تُعتَبرُ بديلاً فعّالاً لليوغا في علاج آلام أسفل الظَّهر.

[22] أمثال 5:3.

[23] متى 16:10

بين الأرثوذكس والأقباط: الالتباس اللاهوتي وامتداده الرعائي

بين الأرثوذكس والأقباط: الالتباس اللاهوتي وامتداده الرعائي

الأب أنطوان ملكي

إن العلاقة بين الأرثوذكس وغير الخلقيدونيين ملتبسة منذ ثمانينيات القرن الماضي، وقد عملت دوائر حوارية عديدة في الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة على تسخيف الخلاف العقائدي الخريستولوجي الذي دام خمسة عشر قرن، ببثّ الاعتقاد بأنّ الخلاف مع غير الخلقيدونيين هو خلاف لفظي وحسب. لطالما شكّل هذا الكلام التباساً يأخذ بعداً أكبر في أيامنا هذه، خاصةً مع الفوضى الناتجة عن سهولة النشر والتواصل الإلكترونيين.

في مكتبتنا العربية دراسة، هي الأهمّ في العالم الأرثوذكسي، حول الفرق اللاهوتي بين الأرثوذكس وغير الخلقيدونيين، كتبها العلّامة الآبائي جان كلود لارشيه، نقلها إلى العربية الأب الدكتور يوحنا اللاطي، راجعها ودقق فيها الأرشمندريت توما بيطار، هي في الأصل مقال منشور في Le Messager Orthodoxe العدد 134 منشورات ACER في باريس، وقد صدرت بالعربية عن عائلة الثالوث القدوس، أوراق ديرية 7، سنة 2004، بعنوان المسألة المسيحيانية في شأن مشروع اتّحاد الكنيسة الأرثوذكسية والكنائس غير الخلقيدونية: مشكلات لاهوتية وكنائسانية معلّقة“. يؤكّد الكاتب في خاتمته: “ليس الحوار بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنائس اللاخلقيدونية بجديد… أنشئت مشاريع اتحاد عدة على مرّ القرون إلى أيامنا هذه. يبيّن التاريخ لسوء الحظ أن المناهضين لخلقيدونيا (باستثناء الكنيسة الأرمنية) ما غيّروا قط في مواقفهم، وأن كل الخطوات إلى الأمام باتجاههم قامت بها الكنيسة الأرثوذكسية، الأمر الذي أدّى في حالات كثيرة إلى أن يقترب عدد ليس بقليل من رؤساء الكهنة من الهرطقة…”

إن حجم الدراسات والمواقف الأرثوذكسية الرزينة والمستندة إلى الآباء القديسين كبير، لكنه لا يحظى بالدعم السياسيالكافي لنشره بين المؤمنين وتحصينهم ضد العواطفية التي تجعلهم يعتقدون بإمكانية الوحدة أو التقارب من دون العقيدة والحق. يزيد هذا الواقع من الالتباس في هذه العلاقة، خاصةً عندما ينتقل الالتباس من المستوى اللاهوتي إلى المستوى الرعائي، فيتحوّل الالتباس خطراً. وما يزيد الخطر هو تمسّك غير الخلقيدونيين بمواقفهم التاريخية بمقابل التراخي الأرثوذكسي.

كمثال على أن الأقباط لم يتزحزحوا عن تعاليمهم عدد من الفيديوات المنتشرة للبابا شنودة وغيره يشرحون فيها عقيدتهم. في واحد منها بعنوان شرح مجمع خلقيدونية وطبيعة السيد المسيح، 1989″ يشرح شنودة تعليم الأقباط عن الطبيعة المركّبة مستعملاً عبارات تخالف بشكل لا لبس فيه تعليم الأرثوذكسية عن الطبيعتين فيقول: ” لا نستطيع من بعد الاتحاد أن نتكلّم عن طبيعتين. إنما طبيعة واحدة بعد الاتحاد… لما اكتمل الجنين اصبح طبيعة واحدة…” [1] هذا الكلام يردّ عليه حرفياً تعليم القديس يوحنا الدمشقي لا سبيل للكلام عن طبيعة واحدة في ربنا يسوع المسيح… فإننا نقول بأن الاتحاد صائر من طبيعتين كاملتين…” (المئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، منشورات المكتبة البولسية، ص. 156).

عليه، سوف نتطرّق إلى موضوع هذا الالتباس عبر ملاحظات رعائية نضعها تحت ثلاثة عناوين: 1) أثر شبكات التواصل الاجتماعي، 2) مساعي التقارب المستمرّة، و3) الحوارات الشعبية.

1) أثر شبكات التواصل الاجتماعي

تنتشر عظات وأقوال الأنبا شنودة وغيره من اﻷنبايات كالنار في الهشيم. وما يشير إلى الخطر الرعائي أن العديد من الكهنة الأرثوذكسيين يساهمون بقوة في نشرها. ففيما تظهِر الإحصائيات ضعف المشاركة في المنشورات الإلكترونية ذات المصدر الأرثوذكسي، تظهِر تفوقاً كبيراً في المشاركة في المنشورات ذات المصدر القبطي. إن قواعد الاتصال الجماهيري (mass communication) تؤكّد خطأ هذه الممارسةحيث أن مشاركة تعاليم من مصادر غير أرثوذكسية تشرّع هذه المصادر. فعلى سبيل المثال، إذا شارك أحد الكهنة مع رعيته فيديو لكاهن غير أرثوذكسي يتحدّث صواباً عن موضوع ما، ولم يرفِق مشاركتَه بتعليم واضح حول صحة الكلام الوارد في الفيديو حصراً من دون أن يشرّع مصدره، فإن أبناء الرعية، أو أقلّه بعضهم، سوف يشاركون فيديوات أخرى من المصدر نفسه لأنه صار محسوباً مصدراً شرعياً. كمثالٍ نورد خبراً من إحدى الرعايا، حيث شارك كاهنها رعيتَه فيديو لكاهن قبطي يتحدّث بدقّة عن موضوع أخلاقي، فأُعجب بعض أبناء رعية هذا الأب بالكاهن القبطي الذي كان متحدثاً لبقاً وصاروا من الزوار الثابتين لموقعه، وبعد فترة صاروا يتكلّمون لغة الأقباط حول طبيعتي المسيح.

فيما تمثّل هذه القصة خفّةً غير مقصودة في التعاطي إلا إن الخفّة بشكل عام تجرّح كنيستنا على أكثر من مستوى. كمثال وفي إطار مشابه، عندما يرى المؤمنون أنّ مطارنة يشاركون في صلوات مشتركة بملابس الخدمة الكهنوتية، فإنهم يعتبرون أن المشاركة مع غير الأرثوذكس شرعية، فلا يتوانون عنها.

2) مساعي التقارب المستمرّة

يقوم اليوم مسعى للتقارب مع الأقباط غير متّضح الملامح بعد. فعلى موقع حركة الشبية الأرثوذكسية بعنوان التقارب بين الكنيسة القبطية وكنيسة الروم الأرثوذكس خطة الاتحاد العالمي المسيحي للطلبة، بتاريخ 24 أيلول 2018، يرد الخبر التالي: <بدعوةٍ من الاتّحاد العالمي المسيحيّ للطلَبة في الشرق الأوسط، وتحت عنوان “الكنيسة والتربية: تحدّيات معاصرة (منطلقات من فكر كوستي بندلي المفكّر الكبير)”، أُقيمت 3 ندوات في مصر حاضر فيها الأخ الدكتور نقولا لوقا وذلك في 20، 21 و22 أيلول في خطوة تقارب بين الكنيسة القبطيّة والكنيسة الأرثوذكسيّة> [2]. هذا الخبر يطرح مجموعة من التساؤلات: مَن يأخذ قرار التقارب، أهو المجمع الأنطاكي أم الاتّحاد العالمي المسيحيّ للطلَبة في الشرق الأوسط؟ هل وافق المجمع على هذا التقارب؟ ما هو الأساس العقائدي لهذا التقارب؟ ما هو الثمر الرعائي الذي سوف ينتج عن هذا التقارب؟ إذا كان هناك مشكلات لاهوتية وكنائسانية معلّقة بين الكنيستين، هل يكون علاجها وتخطيها بالحوار التربوي وبفكر كوستي بندلي أم بحوار لاهوتي دقيق يقوم به لاهوتيون مُنتَدَبون؟

هذه المجموعة من الأسئلة، وطبعاً هناك غيرها، إنّما تظهِر عدم الوضوح والالتباس في العلاقة.

3) الحوارات الشعبية

فيما الحوارات الشعبية قد تقرّب الناس من بعضها إلى أنها متى تطرّقت إلى الأمور اللاهوتية تعمّق الالتباس المذكور أعلاه. نورد الحَدَث التالي لتأكيد ضرورة أن يكون الموقف الأرثوذكسي ثابتاً في أرثوذكسيته، وإلا فإن أصحابه يساهمون من حيث لا يدرون في انتشار الخطأ.

نشرت مجموعة محبو كوستي بندليعلى صفحتها في 1 أيلول 2018، القول التالي للأستاذ بندلي، مأخوذاً من فتات من نور“: <ما يؤكد هذا الخفر الإلهي، الذي رأينا أنه سمة أساسية في تعاطي الله مع الكون، هو أنه، لما انحدر اليه، لم يتّخذ شكلاً فائقاً، بل شكل إنسان كسائر الناس، آخذا صورة عبد ، صائراً بشبه البشر، وكأنه أفرغ ذاتهمن ألوهته (فيليبي 7:2). هكذا تواجد لديه أقصى الحضور، نتيجة حبه للكون، وأقصى التواري، نتيجة الحب عينه> ومن ضمن مساهمات القرّاء الطبيعية، جرَت المحادثة التالية حيث كتب أحد المشاركين واسمه مارتن رأفت: “افرغ ذاته من الوهته.. الكلمة دي صعبةفردّ المسؤول عن الصفحة: “لهذا من الضروري أن نقرأها مع كلمة كأنهالتي أثبتها الكاتب قبل هذه العبارة ونصِلها بالفكرة السابقة آخذا صورة عبد‘…فكان رد مارتن رأفت: “يعني فالحقيقه هو لم يفرغ ذاته“. بنتيجة هذا الحوار، حذف المسؤول عن الصفحة المحادثة، لكن يمكن الوصول إليها من محفوظات فايسبوك. جدير بالذكر أن زيارة صفحة مارتن رأفت تظهِر أنه قبطي ملتزِم.

ما معنى هذه المحادثة؟ يعبّر بندلي عن التعليم الأرثوذكسي حول إفراغ السيّد لذاته واتّخاذه الطبيعة البشرية، استناداً إلى تعليم الرسول بولس في الآية المذكورة التي تقول حرفياً: “لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ“. زيادة كلمة كأنهغير الواردة في الآية أصلاً هي خطأ. إن كانت هذه الزيادة مقصودة نستنتج أن بندلي يعلّم غير ما تعلّمه الكنيسة. وإن كانت هذه الزيادة هفوة لغوية، فيعني أنه يفتقد للدقة في أمور حساسة لا تتحمّل الهفوات.

لا يهدف هذا المقال إلى مناقشة فكر بندلي بل الأكيد هو أن فكر بندلي، أو غيره، لا يمكن أن يكون مادة للتقارب في اللاهوت إلا إذا اعتمده وجدان الكنيسة الجامعة مرجعاً. أما في الأمور الأخرى، كالتربية وعلم النفس وغيره، فالحكم هو لأصحاب الاختصاص، مع التشديد على أن لا مجلس الكنائس ولا اتحاد الطلبة المسيحيين ولا حركة الشبيبة الأرثوذكسية، ولا أي كاهن أو علماني يتبرّع للمساهمة في هذا التقارب منفرداً هو مَن يختار.

من جهة أخرى، تظهِر المحادثة أن الأقباط متمسّكون بنظرتهم المسيحانية التي تخالف التعليم الأرثوذكسي وهم يعلّمون أجيالهم هذا التعليم، بما يؤكّد أن القول بأن الخلاف بين الأقباط والأرثوذكس هو خلاف لفظي غير صحيح. فوق هذا، إن عملية الحذف عن فايسبوك تؤكّد خطورة أن يتعاطى الحوار اللاهوتي مَن هو غير مؤهّل ومتدرّب لذلك. واضح أن عبارة وكأنهتعني أن الأمر فعلياً لم يحدث، وهذا ما وجد فيه القبطي دعماً لنظرته، وما وجد فيه القائم على الصفحة إحراجاً واتّهاماً لكوستي بندلي بالافتقاد إلى التعبير الدقيق عن العقيدة الأرثوذكسية فلجأ إلى الحذف. لكن مَن يعرِف كم من الناس قرأ هذا الحوار قبل حذفه؟

في الختام، نعيش في أنطاكيا فوضى لاهوتية سببها الأساسي عدم الاهتمام باللاهوت من جهة وغياب المجمعية من جهة أخرى. لا لجان تدرس ولا أساقفة تراقب ولا معاهد تبحث ولا أديار تسهر، فيما شبكات التواصل الاجتماعي تفتح شهية الجميع على اتّخاذ دور التعليم بغضّ النظر عن النوايا. من جهة أخرى، انفتاح بعض الأنطاكيين على المؤسسات الكونية التي يهمها تسجيل اللقاءات بين الكنائس على أنها إنجازات في سِيرِها، يزيد من قابلية التأثّر والإصابة في الكنيسة. يُضاف إلى هذه التوهّمُ الذي يعيشه البعض، ومنهم من الرؤساء، بأن الوحدة المسيحية الشكليّة تزيد من مناعتهم في الوضع السياسي والاجتماعي القائم.

[1] https://youtu.be/ZUzzqdRj0hY ابتداءً من الثانية 2:50

[2] http://mjoa.org/archives/30004

الخطيئة والمرض: نظرة أرثوذكسية

الخطيئة والمرض: نظرة أرثوذكسية

د. نيقولاوس كويوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

في أحد أكثر الأمثلة جمالاً في التربية الكنسية، تقول الأخت ماجدالين من دير القديس يوحنا المعمدان في آسكس، أنه لا يمكننا أن نتحدّث بشكل جاف عن هذا الموضوع الحسّاس، وأن لا نشعر بأننا معنيون. وحتّى لو اعتقدنا بأننا غير معنيين بالمرض عندما نكون في صحة جيدة، إلا أننا مع القليل جداً من معرفة الذات المسيحية فلن ندّعي بأننا لا نحسّ بأننا معنيين بالخطيئة.

هناك خطر عظيم كامن للذين يبذلون جهداً لينظروا إلى العلاقة بين الخطيئة والمرض من زاوية لاهوتية: فهم سوف يغلقون الموضوع بأفكار نمطية قاسية غالباً ما نسمعها حتّى من الباب الملوكي وهي تقدّم اللاهوت والكنيسة وكأنهما صارمين ولا بل قاسيين في الحالتين اللتين تنطبقان بشكل مطلَق على الشخص البشري: الخطيئة والمرض. هنا بالضبط حيث الإنسان المجروح، الخاطئ والعليل، في حاجة قصوى للكنيسة والكاهن واللاهوتي وكل مسيحي.

إن الأمر يتطلب خبرة روحية أصلية وتمييزاً عظيماً إن أردنا مقاربة هذا الثنائي الشديد الترابط، الخطيئة والمرض، من خلال حقيقة الإيمان واللاهوت ومن دون غض النظر عن لبّ الإيمان واللاهوت، أي المحبة والإحسان.

بحسب القديس غريغوريوس بالاماس، إن الذين لم يحققوا أي خبرة مباشرة فإن الطريق الأكثر أماناً هو العودة إلى الآباء القديسين والشيوخ المتميزين الذين يقودهم الروح القدس. ينبغي أن تكون نقطة انطلاقنا دوماً ما تؤكّده النصوص الإنجيلية التي، بحسب الشيخ صوفروني آسكس، تحفظنا من ارتكاب جهود طائشة ورديئة.

سوف نحاول إذاً أن نضع هذا الأمر ضمن إطار الرواية الكتابية، مع بعض الاسترداد التاريخي ومن ثم التقدّم نحو اﻹشارة إلى بعض الأوجه التي نعتقد أن لها قيمة خاصة ليس بسبب ثقلها اللاهوتي بل بوجه خاص بسبب ملاءمتها الرعائية.

لطالما طرح المرض والألم مشكلة دقيقة عبر العصور، خاصةً من جهة فهمهما. في العالم القديم، أراد الناس لا أن يشفوا الألم والمرض وحسب بل أيضاً أن يفسّروهما. قد يكون أنّ البشر في العصور القديمة جداً، حين وسائل الشفاء كانت قليلة وعديمة الفعالية، كانوا يميلون إلى تبنّي تفسيرات غيبية أكثر من التوجّه نحو الأسباب البيولوجية. في الشرق القديم، الأقصى والأدنى، رأى الناس المرض كبليّة تطلق عنانها الأرواح أو الآلهة لخطأ في العبادة أو كحركة تعكس العجرفة. كانت الأرواح والآلهة تغضب وكنتيجة لذلك ترسل المرض الذي كان البشر يحاولون إزالته بالتعاويذ والتضرعات والضحايا. ليس من باب الصدفة أنّ في الديانات القديمة كان الكاهن أو الشامان يأخذ دور الطبيب كوسيط بين العالمين المادي والروحي.

تغيرت الأمور كثيراً من الزمن حين أوجد اليونان القدامى فن الطب وعلمه وطوروهما، عبر الملاحظة المنهجية. يعرف أغلب الناس استمرارية التاريخ منذ أبقراط، إلى جالينوس المسيحي، نزولاً إلى أيامنا. جدير بالإشارة عند هذه النقطة أنّ الطب لم يولد فقط في الحضارة اليونانية بل ازدهر فيها عبر عصور كثيرة. بحسب المصادر، الأطباء اليونان تفوقوا جداً على الرومانيين، لكن كان لدى البيزنطيين دائماً أطباء استثنائيون. خلال الحكم التركي، أنتج الشتات اليوناني شخصيات طبية مهمة. حتى أول حاكم لليونان الحر، يوحنا كابوديسترياس، درس ليكون طبيباً. إلى اليوم، يبرع اليونانيون في الطب، في بلادهم وخارجها. في هذه اللحظة، في أكثر بلدان الاتحاد الأوروبي تقدماً، اليونانيون مطلوبوم جداً كأطباء. إذا اعتبرنا دور الأساطير الحضرية في التقدم المهني، فقد يكون خلف هذا التقدم التقليد اليوناني بتمنّي رؤية الناس يعيشون أصحاء ومعافين من جراحهم.

نأتي الآن إلى طريقة تعاطي الكتاب المقدس مع ظاهرة المرض. يكمّل الوحي الإنجيلي التقليد القديم المذكور أعلاه في الشرق وبين النهرين. نقطة تركيزه شبه المطلقة هي على المعنى الديني للخطيئة والشفاء، ضمن إطار المخطط الإلهي للخلاص. بمعزل عن أي شيء آخر، المرض هو تعبير عن سلطة الموت على الجنس البشري (1كورنثوس 28:11-32).

في العهد القديم، الصحة – والحياة بكل مظاهرها بشكل عامتفترض مسبقاً وجود قوة محيية. من النادر أن يكون سبب المرض طبيعياً والملاحظات الطبية محدودة بشكل خاص. كل شيء يتوقّف على الله ولا يشذ المرض عن هذه القاعدة. لذا يوجد كثرة من الإشارات حيث الله يسمح بالمرض، ما يستتبع عادةً وجود قوى روحية تتدخل، كملاك الهلاك والشيطان في حالة أيوب.

الارتباط بين الخطيئة والمرض شديد وشبه تلقائي في الروايات الكتابية. ليس المرض ضمن نطاق قوة الخلق التي بها خلق الله العالم والبشر. إنه يأتي كنتيجة للخطيئة. في الوقت عينه، إنه إشارة لغضب الله الذي يضرب الخطأة، إسرائيل الخاطئة والعالم الخاطئ. إلى هذا، يوجد أيضاً وجه تربوي في خبرة المرض حيث تهدف إلى شحذ وعينا لإثمنا. إنه لنموذجي أن في المزامير، طلب الشفاء هو دائماً مصحوب بالاعتراف بالخطيئة نحو الله: “لَيْسَتْ فِي جَسَدِي صِحَّةٌ مِنْ جِهَةِ غَضَبِكَ. لَيْسَتْ فِي عِظَامِي سَلاَمَةٌ مِنْ جِهَةِ خَطِيَّتِي.لأَنَّ آثامِي قَدْ طَمَتْ فَوْقَ رَأْسِيلأَنِّي لَكَ يَا رَبُّ صَبَرْتُ” (مزمور 38). وهناك المرض الذي يضرب شعب الله كله، دون أن يكون المتلقّون دائما مذنبين. هنا يأتينا السؤال العظيم المستعصي حول العدالة الإلهية: من أين يأتي الشر (Unde malum)؟ مَن يُلام عليه؟ فلنترك هذه الفكرة إلى وقت لاحق. إن الورطة التي يخلقها هذا السؤال في زمن اليوم العقلاني هي أكثر شدة مما كان عليه في زمن إسرائيل القديم، وطريقة تعاطينا معه في عملنا الرعائي هي بشكل مساوٍ تحدٍ عظيم.

لدينا أيضاً حادثة أخرى حيث البارّ يعاني من دون ذنب، كما في أيوب وطوبيا. في هذه الحالات يقدّم الكتاب المقدس الجواب: الهدف هو إظهار أمانة المؤمن وتمجيد اسم الرب ليكن اسم الرب مباركاً“.

كما يوجد منظور نبويأخروي للمرض. إن عبد يهوه في أشعياء يحمل مرض شعب الله ويتألّم بهدف التكفير عن خطايا شعبه (أشعياء 4:53).

يجب أن نشير إلى أن في العهد القديم لم يكن محرّماً في أي مكان اللجوء إلى العلم الطبي لشفاء المرض. على العكس، في حكمة سيراخ، الطبيب هو شخصية مكرّمة، ليس لمنفعته المهنية وحسب بل أيضاً كحامل لبراعة مفضلة لدى الله نفسه (“لأن الرب جعله فيها“). في أي حال، يوجد أفضلية واضحة لإحالة المرض إلى الله وطلب الشفاء ممَن هو معروف على أنه سيّد الحياة. يعترف الشعب بخطئهم بتواضع، يندبون البؤس الذي سقطوا فيه وينتظرون النعمة والرحمة من الله. بهذه الطريقة، الشفاء هو إشارة إلى حضور الله.

بالرغم من طبيعته التربوية، لا يتوقف المرض عن أن يُعتَبَر بموضوعية كشيء شرير وأن يُنظَر إلى إبادته الشاملة عبر منظور أخروي. في آخر الأزمنة، عندما يجدد الله العالم، سوف تمحى العلة ونتيجتها، أي الخطيئة والمرض معاً.

لقد استمر اليهود في العيش في زمان العهد الجديد في الحالة التي وصفناها. حادثة المشلول عند بركة الغنم وسؤال التلاميذ عن الرجل الأعمى: “مَن الذي أخطأ؟تؤكّد بشكل أكثر أو أقلّ هذه النظرة لهذه الثلاثية المؤلّفة من الخطيئة والمرض والتدخل الإلهي.

إن حضور المسيح يبرهن تحولاً نحو اختلاف في الممارسة كما في الرؤية. يستجيب المسيح مباشرة لمَن هم في المرض. إنه يشفق عليهم ويشفيهم ويحررهم من قيود المرض. من المهم الإشارة أن هناك حالات حيث المرض يتعلّق بباثولوجيا الجسد، أو بمرض النفس كالمسّ الشيطاني أو مزيج من الإثنين كما في حالة المرأة المنحنية. هذا المزيج من الخطيئة والمرض يبدو حاضراً في الحوادث التي فيها المسيح يشفي وبالحقيقة هو يشير إلى هذا المزيج. هنا يصير عندنا عامل آخر لا نستطيع إغفاله. المسيح يشفي أولاً ومن ثمّ يناشد الإنسان لا تعد تخطئ“. ما يريد رؤيته أولاً هو الإيمان والثقة بشخصه لا التبكيت. التوبة كابتعاد عن حياة الخطيئة نحو الحياة الحقيقية كانت مطلوبةً بعد أن يعطي نعمته وموهبته. كان يشتهيها كنتيجة للاشتراك في محبته، وكشرط ملهِم لا كفرض أو ضرورة. بالنسبة للمسيح، هؤلاء المرضى قد عانوا قدراً كبيراً من العذاب، وليس بنيّته أن يزيد على هذا. إنه يرغب بتحريرهم، بإعطائهم أجنحة، بملء روحهم بالرجاء والإصرار، حتّى تكون التوبة نتاجاً للحرية.

في حوادث كحادثة المرأة الكنعانية أو والد الصبي الممسوس، يبدو المسيح وكأنه يصعّب الأمور ليس على المرضى أنفسهم بل ليعلّم الآخرين من الحضور وبالتحديد أولئك الذين في دائرة تلاميذه. وينبغي أن نلحظ هنا أمراً آخراً وهو على نفس القدر من الأهمية. تشير الرواية الإنجيلية إلى أن المسيح كان يرغب بشفاء المرضى حين يطلب منه ذلك طرف ثالث. بتعبير آخر، حين كان الطلب يأتي من قريبٍ، خصوصاً مع شعور متواضع بالمجاملة، كما في حالة قائد المئة التي حيث فوق هذا يأتي القريب من مستوى اجتماعي آخر أو من أمة أخرى أو من عرق آخر وغيره. بتعبير آخر، يمرر المسيح شيئاً من قوته الشافية إلى الأشخاص الذين يطلبون المعونة، إذ يقلّدونه في التعبير عن وصية المحبة المزدوجة بالتواضع نحو الله والمحبة للإخوة من البشر.

بالطبع، هذا كله لا يعني أن المرض أزيل مع مجيء المسيح إلى العالم، بالرغم من أنه في إعلانه شفاء المريض يشير المسيح إلى حضور الله في شخصه هو. إلى جانب طلبه منهم ألاّ يعودوا يخطئوا ينذر المسيح نبوياً لِئَلاَّ يَكُونَ لَكَ أَشَرُّ“. هذا الإنذار ليس ذا طبيعة شخصية فقط للمريض المعني بل هو أيضاً تألّم نبوي على البلايا التي سوف تصيب الجنس البشري. إن سر الإبراء الإلهي هو الآن حقيقة تاريخية مكتملة، من خلال التجسد والصلب والقيامة. إن الطبيعة الإلهية اتّخذت طينَنا علاجياً واتحادياً وهو الآن يجلس عن يمين الآب. لكن بُنية الخلاص كلها لا تستطيع استئصال حقيقة الحرية البشرية الكلية القوة التي مُنِحَت لكل واحد منا عندما وُضِعَت صورة الله فينا، بشكل لا يمكن انتزاعها. وهكذا، بالرغم من لطف الله وتحذيره في الملكوت كما من خلال المسيح في الأناجيل، ما زلنا نعود إلى الخطيئة ونسبب لأنفسنا ما هو أشرّ“. في هذه الحالة بالتحديد، الأشرّليس أن يصير الإنسان أكثر مرضاً مما كان عليه، بل هو قساوة القلب التي تقع عندما ينسى البشر الهبة الإلهية، أو ما هو أسوأ عندما يزدرون بها. عندما لا يؤدّي الشفاء من المرض والخطيئة إلى حمد الله وتمجيده، ولا إلى التوبة، عندها يحوّل الناس الشفاء، بطريقة أنانية ومتمحورة حول ذواتهم، من سبب للخلاص إلى فرصة للخطيئة.

هنا أحد أوجه العملية الشفائية المهمة بشكل خاص يصير ظاهراً: اكتمال العملية يتطلب القبول والمساهمة البشريين. الله، بعمله كفائق القدرة ولكن ليس كديكتاتور ينتظر ردّ الحرية البشرية على هبته، حتّى بمعزل عن مرض الجسد يستطيع أيضاً ان يشفي الإرادة. إنه قادر على أن يجعلنا نطلبه ونحبه بحرية، إنه قادر على جعل الصورة المخلوقة تعود بشكل دائم إلى الأصل.

إذاً، واضح في الرواية الإنجيلية، أن المسيح يعتبر أن الخطيئة هي المرض الرئيسي في الطبيعة البشرية. لهذا السبب هو غالباً ما يبدأ شفاءه بإعطاء الحلّ من الخطايا. كخالقٍ، إنه يعرف أحكام طبيعتنا أكثر من أي آخَر كان. إنه يعرف تماماً انه من الصعب تنوير البشر سواء من خلال الخوف من المرض أو بنعمة الشفاء. إنه يقدّم موته على الصليب على أنه الشفاء الحازم والنهائي لمركز المرض، أي الخطيئة. هناك، يكتسب المرض والألم البشري معنى مختلفاً. يعلن المسيح متى ارتفعتُ، أجذب الكل إليّ“. هذا الجذب يطبع منظوراً مختلفاً نوعياً على الوجود البشري وهو إلى حد كبير يمثّل انقلاباً. إن نبوءة أشعياء تتمّ وما يعمله المسيح لنا لا يستطيع الناس أن يعملوه لأنفسهم، وهو ما يصفه الرسول بولس بلغة مأساوية في رسالته إلى أهل روما: “وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟الخطيئة تنغلب بشكل كامل مرة واحدة مع الصليب والموت والقيامة.

في النهاية، كل هذا هو سر غير مفهوم عندنا في جوهره مع أنه متاح لنا من خلال حياة الكنيسة. إن تغيرنا الأسراري بالمعمودية والميرون والمناولة الإلهية والميرون المقدّس يمنحنا إمكانية رؤية المرض كاشتراك في الصليب الذي يقود إلى القيامة، ليس بعد الآن كوسيلة للتنوير، بل كحالة من النعمة التي تقود إلى التألّه. هكذا يُنظَر إلى المرض من منظر الفداء الخلاصي.

حتى ولو نجحنا في تقديم رسم تقريبي للعلاقة بين الخطيئة والمرض عبر منظور لاهوتي، يبقى عندنا أسئلة متّقدة نطرحها على ذواتنا كما على الذين يتوجّهون إلينا بشكل لا يمكن تلافيه:

1. كيف يختبر عملياً كلٌ منا العلاقة بين الخطيئة والمرض؟

2. كيف يمكننا أن نصنّف ونشرح وننقل هذه الثنائية إلى الآخرين القريبين منّا والبعيدين؟ كيف يمكننا أن نتعامل مع الحالات الصعبة كالأمراض الخطيرة عند الشباب، أو موت أحد الأحباء الفجائي؟

3. كيف يمكننا أن نتحدّث إلى الآخرين عن كل هذا؟ هل هم جميعاً في موقع يسمعون ويستوعبون نفس الكلمات؟

قد لا يكون هناك منظار من خلاله نعالج هذه الأسئلة أفضل من الأدب النسكي في تقليدنا الهدوئي. عبر تحليله الجراحي للشخصية البشرية، يمكن لهذا التقليد الهدوئي أيضاً الولوج إلى سر كائننا النفسجسداني (psychosomatic) بروح من التمييز الخيّر وبهدف تقديسنا وشفائنا الكلي. هناك الكثير من الإشارات في نصوص الآباء النسّاك القدماء، وبدلاً من العودة إليهم للمساعدة في تقديم نظرتي هنا، قد اخترتُ أن أعود إلى كتابات القديسين المعاصرين والشيوخ المتميّزين، كالقديس باييسيوس والشيخ صوفروني من آسكس والشيخ أميليانوس من سيمونوبترا. إن فهم تعليم هؤلاء القديسين والشيوخ أكثر سهولة لجيلنا. علينا أن نتذكّر أنه حتّى عندما يتوجّه هؤلاء الشيوخ إلى الرهبان وليس إلى العلمانيين، فإنهم يعرفون جيداً أن مستمعيهم هم أشخاص وُلِدوا وترعرعوا في هذا الجيل، جيل العقلانية والتشكيك في كل شيء والاستهلاك على كل المستويات، والمكننة حتى للجسد البشري، والسعي إلى السهل من الأمور. عندما كان خريسوستوموس أسقف رودوستولون رئيساً للمدرسة الأثوسية كان يقول: “في الجبل المقدس نحن نصدِر شهادات وفاة فقط، لا شهادات ولادة“. ما كان يعنيه هو أن كل الرهبان هناك يحملون معهم إلى حد ما خبراتهم ومشاكلهم وخطايا العالم خارجاً.

حريق في اليونان ونار في أنطاكية

حريق في اليونان ونار في أنطاكية

الأب أنطوان ملكي

في الشهر الفائت وقع حريق في بعض مناطق اليونان فانخضّت أنطاكيّا الإلكترونية. سبب الخضّة أن صوراً جرى تداولها تظهِر أن النار أكلت أحد البيوت وتوقفت عند زاوية الأيقونات. الصور مأخوذة من فيديو تقرير في نشرة أخبار أحد المحطات اليونانية وفيه يقول مراسل المحطة أن توقُف النار عند هذا الحد معجزة ويظهِر أن النار لم تنتقل إلى ما تبقّى من البيت خلف خط الأيقونات. تناقل كثيرون هذا الخبر على الفايسبوك ومنهم مَن استرسل في تهليله للمعجزة رابطاً حدوثها باليونان أرض القديسين”. من جهة أخرى كانت الأخبار تقول أن الضحايا البشرية بالعشرات. ومن الأخبار التي لم يعلّق عليها أحد أن الحريق أتى على دير بالكامل وأن كنيسةً لم تنجُ.

وجدت مجموعة من الأنطاكيين الكلام عن المعجزة والتهليل والتُقوية التي تقبل المعجزة شعوذةً وغباءً ورجعية. هؤلاء رأوا أنه ليس منطقياً أن تنجو الأيقونات ويسقط الناس. ومنهم مَن رأى عنصرية وتعصّباً في اهتمام الناس بحريق اليونان وقلّة اهتمامهم بغيره من الكوارث في العالم.

من دون الدخول في الأسماء، كتب أحد الأشخاص على جداره في فايسبوك: “الإله اللي قادر يوقف النار عن الأيقونات ومش قادر يوقف النار عن 80 شخص ماتوا حرق هو اله معتوه ومريض ومحله الزبالة، هناك مَن أبدى إعجابه بهذا التعبير وشجّعه. من جهة أخرى، اعتبر البعض هذا الكلام إهانة لله وتجديفاً وسجّل اعتراضه. من المعترضين مَن اكتفى بالتعليق عن الكلام بذاته، لكن غالبية التعليقات كانت في الخاص، أي أنها هاجمت الكاتب لا المكتوب. لا تُنكَر شجاعة الكاتب الذي ألغى المساهمة معللاً بأن اللغة التي استعملها لم تكن مناسِبة. مع هذا علّق بعض قصيري النظر يلومونه على إلغائها.

جدير بالذكر أنه لم يكن الوحيد في التعبير بهذه الطريقة. صبية كتبت: “إلهٌ يتجسّد ويموت ويقوم من أجل كلّ الناس لا تهمّه الأيقونات أكثر من ضحايا الكارثة. كفى استغلال حادثة مؤلمة وحزينة لإرضاء الكبرياء.” هنا أيضاً هناك مَن وجد فشّة خلقفي هذا الكلام ومنهم مَن مدح الكاتبة والجينات التي فيها.

قبل الخوض في أي نقاش، ضروري إدانة كل بذاءة عند التحدّث عن الله أو عن الناس الذين هم صورة الله. مهما كانت جسامة الموقف المُبتَغى التعبير عنه سواء في المجتمع أو في اللاهوت أو حتّى في الأخلاق، لا يليق الكلام النابي. في الأرثوذكسية، نتوقّف عند الشكل كما عند المضمون. كل الأزمة البالاماسية بدأت بالظاهر أزمةَ شكل، لكنها في النهاية أثبتت أن الشكل يعكس المضمون. لهذا، كل تعبير بذيء يخرِج صاحبه من الإطار الكنسي حتّى ولو كان دفاعاً عن العقيدة. لا يستطيع أحد أن يدافع عن الله أو عن الكنيسة بالإهانات.

في الواقع، ما جرى أظهر، لمَن لم يرَ بعد، وجود مدرستين فكريتين في الكنيسة، وربما أكثر. إحدى هذه المدارس تتبنّى موقفاً إنسانوياً يقوم على العقلانية واستبعاد التقوية. المدرسة الأخرى تقوية وبعض مَن فيها يخلط بين التقوى والتبسيط الذي ينافي العقلانية. إلى هذا، نلاحظ أن غالبية الذين أزعجهم التهليل لتوقّف النار عند الأيقونات، هم أنفسهم الذين ينزعجون كل سنة في سبت النور، ما يشير، من دون تعميم، إلى أن المشكلة الأساسية هي مع المعجزات ككلّ. ينبغي التأكيد على أن هذا الاختلاف ليس حصرياً في كنيستنا بل في كل كنائس العالم. هناك فرقان يميّزان هذا الاختلاف في أنطاكية عن غيرها: 1) في الأماكن الأخرى قد يؤدي وجود هذا الاختلاف إلى تفاعلٍ بين المؤيدين والمخالفين وقد يتّخذ التفاعل أحياناً شكل صراع بين التقوية والعقلانية، ويبلغ بين الحين والآخر أشكالاً خلافية حادة. أما في أنطاكية فقد انتقلنا مباشرة إلى الخلاف. 2) الفرق الثاني هو أن في غالبية الأماكن، التقويون هم الذين يتبنون إجمالاً الموقف الهجومي، بينما عندنا العكس.

يلاحظ القديس يوستينوس بوبوفيتش أن الإنسانويين عندما لا يقبلون أمراً ما يهاجمونه ويصدر عنهم كلام غير تقليدي. هذا ما جرى عندنا في الخضّة المذكورة حيث يندرج الكلام المذكور أعلاه في خانة تحديد عمل الله وتحميله مسؤولية سقوط ضحايا. لكن أين الرابط بين أن تقف النار عند الأيقونات وأن يكون الإله قد تجسّد ومات وقام من أجل كل الناس؟ العلاقة ليست واضحة والربط غير معقول. إذا كان قبول وجود المعجزة هو كبرياء، فهل رفضها تواضع؟ هل توقّف النار عند الأيقونات يعني أن الله يهتمّ بالأيقونات أكثر من البشر؟ هل سقوط الأشخاص يعني أن الله عاجز عن إنقاذهم؟ أيضاً قرأنا تعبيراً أكثر وضوحاً في هذا الاتجاه: “خطأ أن نلصق الصفة العجائبية ببعض الظواهر الطبيعية، إن صحّ خبرها، وننسب الى الله تدخلّه لانقاذ حجرٍ أو رمزٍ أو مكان، وإن مقدَّس. كأننا بذلك نوحي بتغافله عن التدخّل لأجل الانسان وانقاذه ولجم مآسيه، الانسان الذي هو ثمرة محبّته والأثمن في عينيه…الكلام عن الإيحاء كلام يطال النيات: “كأننا بذلك نوحي…”. هذا لا يستقيم روحياً ولا يبني.

في أنطاكية، أوضح ممثل للمدرسة الفكرية الإنسانوية هو خط تحتضنه حركة الشبيبة الأرثوذكسية. هذا الخط يتعامل مع كامل الكنيسة، من الإكليروس والعلمانيين، على أنه هو المعلّم والعارف مستنداً إلى تعليم مجموعة محددة يتقدمها المطران جورج خضر والمرحوم كوستي بندلي. علمياً، ما يمارسه هذا الخط يُعتَبَر تزمتاً، أفضل وصف له يأتي على لسان صاحب السيادة سابا مطران حوران: “يغذّي هذا التزمّت التعلّق الأعمى ببعض الرموز الدينيّة، وينصّبها بمثابة آلهة لا تخطئ. وقد يصل الأمر ببعضهم إلى حدّ تأليهها، وتالياً طاعتها وتصديقها بشكل أعمى دونما أيّ حوار أو استفهام ولو في الحدّ الأدنىيكمن خطر هذا الواقع في أنّه يغلق على صاحبه كليّاً، بحيث لا يعود يرى سوى معلّمه وما يقول، ولا ينظر إلى أحد أو رأي أو تفسير أو اجتهاد إلا من خلال معلّمه. يختصر معلّمه الكنيسة والإنجيل وحتّى الله. وفي هذا تصنيم حقيقي لإنسان يُعصَم عن الخطأ. بينما يعلّمنا كتابنا وتراثنا بأن ما من إنسان خالٍ من الخطيئة إلا يسوع المسيح.”

إن هذا الخط مدعو لأن يقبل بأنّ مَن يعتبرهم معلمين ومقياساً للعلم والمعرفة لا يتمتّعون بنفس الدرجة من القبول لدى كل شرائح الكنيسة. من هنا لا داعي لتكرار نفسَ الدعوةَ إلى تبنّي فكر المعلمين غير المُتوافَق على قبولهم، كما ورد بالشكل التالي: “رحم (الله) معلّمنا في المسيح كوستي بندلي. ليتكم تقرأوه. ليتكم، مثلاً، تقرأوا الله والشرّ والمصير، وتعلّموه في هكذا مناسبات حيث التعليم وتحملوا مضامينه في الكنائس والعظات الى العقول والضمائر والقلوب!” ما قيمة دعوة يعرف كاتبها أن الكتاب المذكور ليس مقبولاً عند كثيرين من الذين يقرؤون؟ إلى هذا، هل اختصر الكاتب أو الكتاب المذكورَين الإنجيل والآباء والتقليد أو تخطّاهم؟

ماذا نستنتج؟

في الأرثوذكسية، تقليد الكنيسة أوسع وأقدم وأكثر موثوقية وتنوعاً من شخص أو من كتاب أو من تيار، والمؤمنون يقرؤون هذا التقليد ويسيرون به، على قدر ما أوتوا من موهبة. مشكلتنا أنّ المنطق اللاهوتي ضعيف ومهمَل في أنطاكية ما ينسحب على كل الحوارات الداخلية فتتعثّر. غياب الحوار اللاهوتي يغيّب المرجعية المُطالَبَةَ أصلاً بتحفيزه. يستطيع مَن يشاء أن يقول ما يشاء، وطالما المنطق اللاهوتي غائب عن تعاملنا اليومي، أي طالما أن قراراتنا تؤخَذ بالتدبير وممارستنا تحكمها العشوائية، فلا شكّ سيأتي يوم نعجز عن تدبيره، فنضطر إلى إغلاق الكنائس واﻷديار وتفريق المجتمعين، فننتقل من الأقليّة إلى الندرة. يسكن في أنطاكية خوف مزمن من تسمية الأمور بأسمائها ومن إدانة الخطأ. هذا الخوف يضع الكلّ في خانة مخطئين. وفيما يظن القائمون أنهم بهذا يكسبون الجميع يرتمون والكل معهم بين شدقي هذا العالم الذي يبتلع الجميع. هناك ضرورة للقطع باستقامة كلمة الحق. هناك حاجة لفتح حوار بين مكوّنات هذه الكنيسة تضبطه العقيدة والمحبة لا السلطة.

هنا أيضاً نختم بكلام لصاحب السيادة سابا: “في زمننا الحالي تحدّيات كثيرة وجوهريّة للإيمان، بعضها قديم قِدَم ظهور الدين وبعضها جديد ناجم عن التحولات المتسارعة والجديدة بالكليّة على البشر والمجتمعات. من الطبيعي أن تظهر آراءٌ تقارِب التحدّيات المعاصرة بروح متفاوتة في الجرأة في استعمال اللغة ومواجهة الثقافة وسبر الجوهر الإيماني الثابت الذي لا يتغيّر ومحاولة خلق تعابير جديدة يمكن للإنسان المعاصر أن يفهمها. هذا كلّه يستدعي تأصلاً وانفتاحاً في آن. لذا يصير الحوار ضرورة ماسّة، والاقلاع السريع عن التراشق اللفظي أكثر إلحاحاً.”

محاربة العزلة في عالم غير شخصي

محاربة العزلة في عالم غير شخصي

آريك هايد

نقلها إلى العربية بتصرّف الأب أنطوان ملكي

إذا سبق لك أن وقفت في غرفة مزدحمة وأحسست بأنك وحيد بشكل كليّ إذاً انت تفهم أن العزلة ليست هي نفسها أن تكون وحيداً. بالنسبة لشخص منعزل، الجموع تضخم وحدته ولا تنقصها.

الطبية النفسية فريدا فرومريتشمان وهي باحثة بارزة في ظاهرة الوحدة أواخر الخمسينيات، عبّرت عن الأمر بشكل بسيط:”العزلة هي انعدام الإلفة“.

بحسب دراساتي وخبرتي أوافق بشكل مطلَق على هذا الكلام. لا علاقة لأن يكون الإنسان وحيداً بالعزلة. العزلة هي علامة على أن أمراً ما لا يعمل في عالم الإلفة عند هذا الإنسان؛ اي أن اتصاله بالآخرين مقطوع بشكل عميق وعلى مستوى أولي، إنه انقطاع الاتصال عن نفسه.

على الأكيد، مجتمعنا المعاصر لا يساعد. نحن معطوبون من فوق إلى أسفل بالعلاقات الاصطناعية. بالنسبة لكثيرين، كل يوم هو مغامرة جديدة في وجود مُقَلَّد يبدأ بصفارةِ منبّه رقمي، وفطور مصنّع، وسيارة بلاستيك تقودنا عبر أدغال الباطون والزجاج إلى مكان عمل أو مدرسة حيث يخضع كل لقاء اجتماعي لقوانين ارتباط لامتناهية مختَلَقة، وينتهي بالأقنعة المهنيةالتي تخفي كل أثر للشخص خلف العيون. من السخرية أن الكثيرين منّا خلال النهار كله يشعرون بومضة من ذواتنا الحقيقية عبر تفاعلاتنا المفتعلة باهتمام على مواقع التواصل الاجتماعي حيث نحن محميين من الآخربشاشتين رقميتين وقمر اصطناعي.

يبدو الأمر رهيباً. يبدو أن العزلة لها اليد العليا إلى حد أنّ المبارزة يمكن استمرارها فقط من خلال آلية استلحاق قوامها الهروب، سواء كانت بعض أشكال الإدمان أو شكلاً عمومياً من العصاب.

لكن الأمل موجود. يمكن للإنسان أن يتغلّب على العزلة في عالم مختَرَق بالسطحية، بطريقة بسيطة جداً إلى درجة تجعلها أحد أكثر الأشياء صعوبة. قد يجد المرء تقنياتلا تنتهي لمحاربة العزلة في كتابات علم النفس، والبعض منها لا بأس به. بعض المفضّلات لدي: أ) إعادة تشكيل الوحدة كإشارة لتغيير طرق الإنسان مقابل الاستسلام لليأس، ب) (ب) إعادة توجيه تركيز الإنسان من الوحدة المزمنة إلى نقاط القوة والاهتمامات حيث يمكن استخدام بعض الاختيار المعرفي في تغيير تصورات الحياة، ج) التأمل في مفارقة الوحدة، أي كما ناقشنا أعلاه، والفروقات بين أن تكون وحيدًا وأن تكون منعزلاً، ود) إيجاد فرص للتفاعل مع الطبيعة الصافية بالقيام بنزهة في الحديقة وصيد الأسماك والتخييم والتحديق في النجوم وما شابه.

لكن التقنيات ليست فناً كاملاً أبداً. تماماً كما أن تعلّم تقنية أو اثنتين في الملاكمة لا يحوّل الإنسان إلى محمد علي، كذلك تعلّم تقنية أو اثنتين لحلّ مشكلة نفسية حادة لا يجعل أحداً سيّد نفسه.

إذا كان الإنسان يتصارع فعلاً مع الوحدة فليس هناك علاجات سهلة وبلا مجهود. العلاج هو مشروع جادّ من الإلفة مع الذات.

ولئلا يتهمني أحد بتخطّي أهم مقاييس الإلفة، أي إلفة الإنسان مع الله، فإني أذكّر القارئ بكلمات المسيح: “إن ملكوت الله هو في داخلكم“. لا يكسب الإنسان الإلفة مع الله إذا كان يتعاطى باحتيال مع نفسه. إذا كان ملكوت الله في الداخل فإن دخول الملكوت يتطلّب طلب الذات الحقيقية بين طبقات خداع الذات. إن الجزء الأكبر من الصراع النسكي، الذي الكلّ مدعوون إليه بغض النظر عن الانشغالات، هو تخليص أنفسنا من الأهواء التي تغرق إيماننا بسهولة. كما يقول القديس مرقس الناسك من القرن الخامس: “ينبغي أن تتوافق حياتنا الخارجية مع تقدمنا الداخلي، وصلواتنا إلى الله مع حياتنا“.

الانعزال هو بالحقيقة إشارة إلى أن شيئاً في حياة الإنسان النفسية الروحية غير متوازن، والسبيل الوحيد لبلوغ قعره هو مراقبة الذات عن كثب وبأمانة. في أي حال، مراقبة الذات لا تعني الاستقلال في المسلك، أي مغارمةً إضافية في الشخصانية، التي هي نفس الوحش الذي أمسك بنا في هذه الفوضى من البداية.

بخبرتي أن الغالبية الكبرى من الناس تطلب المساعدة من شخص آخر في هذا العمل. لهذه الحقيقة معنى كبير، إذ إذا كان الانعزال ضمنياً مرتبطاً بتعطّل الإلفة فعملية الشفاء سوف تستدعي المعونة من علاقة بشرية. هذه العلاقة ممكن إيجادها في عدد من الأماكن: الشريك (الزوج أو الزوجة)، صديق صدوق، مرشد ، راعٍ، أو غيره. أنا من المحظوظين القلائل إذ لدي زوجة حكيمة، أصدقاء رائعون، وكاهن من الله يساعدونني في رحلتي. ولكن حتى ولو لم يكن لدى الإنسان أحد من المذكورين يمكنه دائماً أن يجد مرشداً مجرّباً يدعمه في حربه.

ملاحظة أخيرة: إن التغلب على العزلة لا يتطلب أن يتخطّى الإنسان عالمه المركّب مادياً، كأن ينسحب إلى البرية ليتّحد بالطبيعة. لو كان الأمر كذلك لما كان لغالبيتنا أي فرصة. إن غلبة العزلة تتطلب تخطّي الانعزال الذي يفرضه الإنسان على ذاته بذاته. هذه المعركة بسيطة بقدر ما هي صعبة، بسيطة في المفهوم لكن فائقة الصعوبة في التنفيذ.

لقد حاولت بقدر ما يسمح مقال قصير أن أصوّر المشكلة الأساسية وأشير بالإصبع إلى الوجهة الصحيحة للمساعدة. ما تبقى هو أن الصراع قضية ذاتية شخصية، هذا الصراع الذي متى انخرط فيه الإنسان بأمانة يكتسب منه تربيةً على طول الطريق.

إنهاء العزلة والوحدة

إنهاء العزلة والوحدة

الأب الرئيس تريفن

نقلها إلى العربية بتصرّف الأب أنطوان ملكي

في زمن لم تعد العائلات تتناول الغداء معاً والأولاد يحضرون التلفاز ويلعبون ألعاب الكومبيوتر ويرسلون رسائل نصية إلى أصدقائهم من غرف النوم، ونرى البالغين يسيرون في مدننا يستعملون هواتفهم المحمولة. في وقت في تاريخنا حيث يمكن أن يكون الناس في المقهى مع أصدقائهم، لكن في الوقت نفسه يتحدّثون إلى شخص آخر بهواتفهم النقالة، كل هذا يعني أننا صرنا أناساً يعيشون معاً إنما في عزلة.

حتى في حياتنا الروحية، نحن ننحو إلى العيش في عزلة. الكثيرون يخصصون صلواتهم لأمور محورها الشؤون المالية، أو الصحة، أو أحد أفراد العائلة. لكن هؤلاء نادراً ما يفكّرون بأهمية الصلاة الجماعية مع العائلة والأصدقاء، خارج قداس الأحد. الصلاة شأن خاص، نادراً ما تتمّ مشاركتها مع الآخرين

أيضاً، لقد احتل الترفيه مكانة مركزية في حياتنا، إلى درجة أنه حلّ مكان زيارة الجيران والأصدقاء. أنا متقدم في العمر إلى درجة أنني أذكر أيام كانت تملأ الأحياء بيوتٌ ذات شرفات أمامية واسعة. وفي ليالي الصيف الحارّة كانت العائلات تجلس على هذه الشرفات ترتشف الليموناضة وتلوّح بالأيدي للجيران الذين يمرّون بهم متمشّين. اليوم صار عندنا مكيّفات وحلّ الفناء الخلفي مكان الشرفات الأمامية، حيث لا أحد يرانا. لقد مضت أيام الجيرة الحسنة.

الكنيسة هي جسد المسيح وليست أبداً من طبيعتها أن تكون مكاناً ينعزل فيه الناس عن بعضهم. نحن نحوّلها إلى هذا المكان عندما نفشل في أن ننخرط فيها كشعب الله واحدنا مع الآخر. إن أشكال التحية التي نعتمدها كأرثوذكسيين، سواء في القبلة الأخوية التي نلاقي بها بعضنا، أو بتقبيل يد الكاهن، هي طرق بها نتلافى الانعزال الذي يسيطر على المجتمع الذي نعيش فيه. إن البقاء لفنجان قهوة أو لمائدة المحبة بعد القداس الإلهي هي طرق نجابه فيها الانعزال المسيطر على ما تبقّى من العالم. حضور الصلوات خلال الأسبوع هو أيضاً طريقة أخرى لصدّ الانعزال.

يحتاج شبابنا للتعلّم منّا حول أهمية التواصل مباشرة مع أصدقائهم وعائلاتهم. إن أخذ الأولاد في رحلة ريفية بعد ظهر الأحد هي طريقة رائعة لإعادة تواصل العائلات. إخراج الجدّة من فناء البيت إلى حديقة عامة في نزهة (picnic) هي طريقة جميلة ومن الطراز القديم لتقديم الجماعة إلى الأطفال. تركُهم يلعبون مع أبناء الأقرباء في حديقة عامة عندما تجتمع العائلة الموسّعة للنزهة يمكن أن يبني أواصر العائلة التي تستمر طوال العمر.

متى كانت آخر مرة تحلّقنا حول أحد شيوخ العائلة وسألناه أن يروي لنا ذكريات الشباب؟ إنها لطريقة رائعة لإعادة تواصل جدّ متقدم في العمر مع شبابه وإظهار تقديرنا لخبرة حياته وذكريات أهله وأجداده. إنه لَتراث لا يُقَدّر ننقله إلى أبنائنا عندما نجعلهم يعرفون أنهم لم يُولَدوا في خلاء بل هم جزء من سلسلة طويلة من البشر الحقيقيين.

إن الانعزال هو تهديد رهيب لطريقة حياتنا. لقد فقد شبابنا المهارات التواصلية التي تعلّمتها الأجيال السابقة من أفراد العائلة الأكبر. أنا أنذهل عندما أفكّر في حجم تأثير جدّيّ على ما أنا عليه الآن. ما أورثاه لي ليس الجينات وحسب بل ذكريات من تاريخ العائلة انقضت قبل ولادتي بوقت طويل. حتى أجزاء من شخصيتي تشكّلت من جدّي الرائع. دراستي، المملوءة بالصور والأيقونات والتذكارات هي نمط تبنيّتُه لأنني أحببت البعثرة والدفء في بيت جديّ.

ليس من الضرورة أن يكون الانعزال جزءً من عالمنا. كل ما يتطلبه الأمر هو التزام منا ببناء عائلة وجماعة. عندما يزور الناس ديرَنا نطلب منهم أن يغلقوا هواتفهم حتى نرمي الانعزال خلفنا ونتواصل كعائلة وأبناء العليّ. أي روعة سوف تكون لو أن كل عائلة تخصص يومياً ساعتين يُطفأ خلالها هاتف المنزل والهواتف المحمولة والتلفاز وكل الاندساسات الخارجية. ماذا عن لعبة منزلية معاً أو تركيب أحجية؟ ومن ثم ختم المساء مع العائلة كلها واقفين أمام زاوية الأيقونات لصلاة النوم؟

التماس إلى جميع الكنائس المحلية

التماس إلى جميع الكنائس المحلية لإضافة الامتناع عن استخدام الإنترنت والشبكات الاجتماعية بشكل واضح إلى القواعد المتعلقة بالصوم

الأستاذ جانكلود لارشيه

هناك أشكال جديدة من الوسائط التي تسمّى بالوسائط الرقمية، والتي يتمّ الوصول إليها عبر أجهزة الكمبيوتر، والأجهزة اللوحية، وخاصةً الهواتف الذكية الآن، ومحتواها بشكل أساسي هو الإنترنت، والشبكات الاجتماعية، والرسائل (الرسائل القصيرة ، رسائل الوسائط المتعددة ، إلخ)، وقد غَزَت حياة الناس المعاصرين وخاصة شباب اليوم، من سن العاشرة وأحيانًا دون ذلك.

إن قدرة هذه الوسائط على تأمين التواصل بسرعة وبتكلفة ضئيلة، وإمكانيتها على توفير الوصول إلى كل شخص تقريبًا وكل شيء، وقوة الصور التي يتم تداولها في وسائل الإعلام الرقمية، كلها أمور تُكسِب الوسائط الرقمية قوة إغواء كبيرة. إن الضغط الاجتماعي (لا سيما الضغط للتكيّف) ، ولكن أيضاً التنظيم الاقتصادي للمجتمع، قد جعل هذه الوسائط أدواتٍ يكاد يكون الإنسان مضطرًا إلى امتلاكها حتى لا يتمّ استبعاده من مختلف المجموعات والدوائر الاجتماعية والإدارية والاقتصادية.

في الغالب، لقد تمّ ترسيخ اعتمادٍ ذي طبيعة داخلية أو نفسية بين المستخدمين من كافة الأعمار. يقلِق هذا الإدمان العديد من الآباء، لأنه يؤثّر الآن على الكثير من الأطفال، وحتّى المستخدمون أنفسهم يلاحظونه؛ أوضح ما يظهر هذا الإدمان في الحالات الخطيرة، حيث يكون العلاج جذرياً ويتطلّب انسحاباً كاملاً طويلَ الأجل من مثل هذه الوسائط، و أيضًا رعايةً نفسيةً عيادية في بعض الأحيان. مع ذلك، إن هذا الإدمان غالباً ما يبقى غير محسوس في الحالات الأقل خطورة، حيث أن العادة قادرة على جعل ما هو غير عادي يبدو وكأنه عادي. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الاستخدام أصبح مسيئًا لدى معظم المستخدمين.

في هذا المؤتمر الذي جمع ممثلين عن الإعلام الأرثوذكسي، يتمّ عرض وسائل الإعلام في معظم الحالات بطريقة إيجابية، على أنها من ضمن الحياة الكنسية أو كأنّها شيء يجب أن ينضمّ إلى هذه الحياة، مع فكرة أنها أصبحت الآن قوى مؤثّرة لا غنى عنها للنشاط الرعائي والبشاري في الكنيسة. هذه الرؤية شبه الفردوسية يجب أن تخضع للاعتدال. في الحياة الواقعية، يقضي الناس في زيارة المواقع الأرثوذكسية وقتاً أقل بكثير من غيرهم، ويبقى كثيرون من الشباب الأرثوذكسي غافلين تماماً عن هذه المواقع. في الغالبية العظمى من الحالات، الأهواء التي تسكن الإنسان الساقط تجذبه إلى المحتوى الذي يتلاءم معها، سواء عبر اختيار المواقع التي تتم زيارتها أو عبر دوافع التواصل على الشبكات الاجتماعية مثل فايسبوك، حيث النرجسية (التي يسمّيها آباء الكنيسة [philautia- ϕιλαυτία] أي محبة الذات) تلعب دوراً كبيراً، سواء في عرض الذات أو في السعي المحموم إلى الإعجابات likesالتي تداهن الأنا.

لقد قمت مؤخراً بنشر كتاب مؤلف من 320 صفحة بعنوان مرضى من وسائل الإعلام الجديدة” (باللغة الفرنسية: “Malades des nouveaux médias”)، والذي تمّت ترجمته إلى اللغة الرومانية تحت عنوان أسرى الإنترنت، والذي يجري حالياً ترجمته إلى اللغة الإنجليزية تحت عنوان مدمني وسائل الإعلام الحديثة“. في هذا الكتاب، أبيّن بطريقة مفصّلة ومعلّلة تأثيرات وسائل الإعلام الحديثة السلبية والأكّالة والمدمرة على مختلف مجالات الحياة البشرية: النفسية والفكرية والثقافية والاجتماعية والعلائقية، وأخيراً (وبشكل خاص) الروحيّة. كما أني أقترح بعض التدابير الوقائية والعلاجية، وخاصة ذات الطبيعة الروحية. بالنسبة لهذا العرض التقديمي، الذي يجب أن يكون موجزاً للغاية، قد اخترت التحدث فقط عن الصوم والعفّة كوسائل للحدّ من استخدام وضبط وسائل الإعلام الجديدة التي أصبحت في معظم الحالات اعتسافية ومؤذية.

لقد وضعت الكنيسة الأرثوذكسية قواعدَ للحدّ من استهلاك الغذاء والنشاط الجنسي والامتناع عنه في فترات الصوم كما في أيام معينة من الأسبوع والسنة.

إن أحد الأغراض الرئيسية من هذه القواعد هو ترويض العقل على التحكم بالنبضات الجسدية والنفسية، بهدف إعادة توجيه القوى النفسيةالفيزيولوجية نحو الحياة الروحية والتركيز عليها، لإرساء حالة من الجوع والرغبة التي تسبب في الإنسان الشعور باعتماده على الله وحاجته إليه، كما لترسيخ حالة سلامية في النفس ميّالة إلى التوبة وتعزيز الانتباه والتركيز في الصلاة.

إن إساءة استخدام وسائل الإعلام الجديدة، التي أصبحت شائعة ، تنتج تأثيرات معاكسة لتلك المرجوة من الصوم والتعفف: استنفاد الطاقة التافه، الاغراء الخارجي الدائم والتشتت، الحركة الداخلية المستمرة والضوضاء، الاحتلال العدائي للزمن، استحالة تأصيل السلام الداخلي أو الحفاظ عليه، وتدمير الانتباه والتركيز اللازمين لليقظة والصلاة.

يجب التشديد على أن هذه التأثيرات تتعلّق باستخدام وسائل الإعلام الجديدة بحدّ معين بغضّ النظر عن محتواها. وكما أوضح خبير الإعلام الكبير مارشال ماكلوهان، فإن الوسيط له تأثير أكبر من الرسالة التي ينقلها إلى حد يمكننا القول إن الوسيط هو الرسالة“. بالطبع، هذا لا ينبغي أن يجعلنا ننسى مسألة المحتوى الذي عندما يكون سيئًا يؤول إلى إثارة الأهواء وتغذيتها، وبالتالي يزيد عدم التوافق مع حياة الزهد، كما هي مفهومة على نطاق واسع، ويضاعف الضرّر بالحياة الروحية.

على الكنيسة أن تأخذ بعين الاعتبار هذه الملابسات الجديدة التي أوجدها عصرنا، ويجب أن تضع القواعد المناسبة مواكبة قواعد الصوم عن الطعام والعفة الجنسية، وذلك لمساعدة الإنسان المعاصر عِبر الحدّ الطوعي المنتظم، لتحرير ذاته من الإدمان الجديد الذي يقيّده، بهدف إعطائه الوسيلة ليسلك بالكامل في الحياة الروحية التي تناسب طبيعته وتكون بمثابة الشرط لنموّه الشخصي الحقيقي.

قد يمكن القول أنه لا ضرورة لأي قاعدة من أجل هذا الأمر، وأن التوصيات الرعائية تكفي. ولكن عندها يمكن قول الشيء نفسه عن الصوم والعفّة، اللذين وضعت لهما الكنيسة قوانيناً بشكل رسمي في المجامع المسكونية. السبب هو حقيقة أن القواعد التي صيغت رسمياً وبدقّة لها تأثير أكبر، ونطاقها أكثر عالمية، وطابعها أكثر إلزامية من مجرد التوصيات على مستوى الرعيّة، والتي هي غالباً غير موجودة.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو الطبيعة الممارَسة للصوم والعفة.

كما ذكرنا أعلاه، فالأمر يتعلّق بتحديد الوقت الذي يكون فيه الإنسان على اتّصال، كما التنظيم الصارم لاستخدام هذه الوسائط ولمحتواها. من الضروري التخلّي عن الاتصال الدائم، وقصر الاتصال لفترة محددة في اليوم. نحن بحاجة إلى التخلص من الوسائل غير الضرورية، كالشبكات الاجتماعية (فايسبوك وإنستغرام وتويتر وغيرها) وجميع مواقع الترفيه. بالتأكيديجب تجنّب كل المواقع التي تشكّل خطر الإغراء أو تقود إلى لقاءات سيئة. ومن المناسب أيضًا التشدد بعد الاتصال بالإنترنت إلا لما هو تقتضيه ضرورات العمل أو الدراسات.

يحتاج الآباء إلى تعليم أطفالهم، الذين يستخدمون هذه الوسائط الجديدة، تنفيذَ هذا التقييد من خلال شرح المعنى الكامن وراءه.

تتيح فترات الصوم الفرصة للجميع للتخلّص من علاقات الشبكات الاجتماعية الاصطناعية والافتراضية، بهدف إعادة اكتشاف علاقات عميقة وملموسة وحقيقية مع العائلة والأصدقاء، وبشكلٍ عام لكي نكون أكثر انتباهاً للناس من حولنا. هذه الفترات الصيامية هي أيضا فرصة لإعادة اكتشاف الصمت والعزلة الضروريين لممارسة الحياة الروحية ونموها.

سؤال أخاطر بطرحه بأن أثير الغضب هنا في سياق هذا المؤتمر، وهو ما إذا كان ينبغي أن يمتدّ حكم الصوم والامتناع عن وسائل الإعلام الجديدة إلى المواقع الأرثوذكسية كذلك. لا أريد أن أضع معظم المشاركين في هذه الندوة خارج الوظيفة، ولا حتّى هدفي الحدّ من وجود الكلمة المسيحية والكنسية في عالم حضورها فيه أصلاً قليل.

بلّ قبل كل شيء، أود أن أشير إلى أنه خلال فترات الصوم، وخاصة الصوم الكبير، عدد من وسائل الإعلام الأرثوذكسية، وخاصةّ تلك ذات المحتوى الروحي، هي ذاتية التحديد: إما أنها تغلق مواقعها لفترة من الزمن يختلف امتدادها، أو على الأقل تبطئ إنتاجها أو تحدّه.

مثل هذا التقييد له قيمة مثالية ويشهد بطريقته الخاصة على وجود الصوم الكبير والإمساك الذي يدعونا إليه.

ملاحظتي الثانية تتعلق بالقراءة. صحيح أن وسائل الإعلام الأرثوذكسية تقدم بطريقة إيجابية للغاية قراءات روحية على الأقل جزئياً، بل إن بعض المواقع مكرسة فقط لمثل هذه الأدبيات. ولذلك لا يوجد سبب، من حيث المبدأ، للحد من إنتاج هذه المواقع أو العودة إليها، ويبدو أنه ينبغي تشجيعها بقدر ما يتمّ تشجيع المؤمنين على المزيد من القراءة الروحية خلال فترات الصوم.

ومع ذلك ، أود أن أشير هنا إلى أن الدراسات العلمية لطرق القراءة على الشاشة تظهِر أن هذا النوع من القراءة سريع وسطحي. فعلى الشاشات، تظهَر لنا النصوص كصور. لهذا السبب، يخضع النصّ على الشاشة لنظرة شاملة، تمامًا كما هو الحال مع الصورة، وبالعادةِ تستقرّ العين على بضعة أسطر فقط.

توصلت إحدى الدراسات إلى أن الغالبية العظمى من الناس لا يقرأون النص سطراً بسطر كما يفعلون في الكتاب، بل يقفزون بسرعة من أعلى الصفحة إلى الأسفل، في حركة تتبع إلى حد كبير شكل الحرف F: يقرأون السطور الأولى، ينزلون قليلاً، يقرؤون الجزء الأيسر من بضعة أسطر، ثم ينزلون على طول الجانب الأيسر من الصفحة.

خلصت دراسة ثانية إلى أن القارئ المتوسط على الإنترنت يقرأ فقط حوالي 20٪ من النص. ووجدت دراسة ثالثة أن معظم صفحات الويب يتم استعراضها لمدة 10 ثوان على الأكثر، مما يدلّ بوضوح على أنها قراءتها لا تتمّ بالفعل.

بالكاد تتوقف القراءة على الشاشة عند الكلمات أو العبارات. إنها قراءة فيها شيء من التتبع الخلفي، وليست انعكاسية جداً. إنها قراءة سطحية بالكاد تثير جهود الاستيعاب والحفظ. من نواحٍ عديدة، تجعلُ وسائل الإعلام الجديدة العلاقةَ بالنص أكثر خفّة، أقلّ استقراراً، وأكثر هشاشة وعبورية.

يمكن أن تكون فترات الصيام، ويجب أن تكون، فترات يمكن فيها استعادة وقت القراءة وجودتها، بالتخلي عن الوسائط الرقمية لصالح المواد المطبوعة، وخاصة الكتب، التي توضح جميع الدراسات أنها تسمح بقراءة أكثر ثمراً من الشاشات بما لا يُقارَن، بينما تخلو من مساوئها.

إن الانقطاع التامّ عن وسائل الإعلام بكافة أنواعها خلال فترات الصوم هو الحل المثالي لإيجاد الهدوئية (hesychia)التي لا غنى عنه لتعميق الحياة الروحية، وهي بالضبط الهدف الرئيسي لفترات الصوم.

في الختام ، أود أن أشير إلى أن العديد من العيادات الخاصة والفنادق توفر فترات إقامة أطول أو أقصر من العزلة التامة، بدءاً بسعر منخفض حوالي الألف يورو، أي ما يقارب الألف ومائتي دولار في الأسبوع. على الكنيسة الأرثوذكسية أن تقدّم هذه الإمكانية رسمياً خلال الصوم، كخدمة مجانية مضمونة، مما يجعلها في متناول الجميع، بالإضافة إلى ربح روحي غير موجود في مكان آخر. إحدى هذه العيادات لها شعارها الإعلاني: “قَطْع الاتصال لإعادة الاتصال“. يمكن للكنيسة أن تتبنّى هذا الشعار بتحديد: “قَطْع الاتصال عن وسائل الإعلام الجديدة لإعادة الاتصال مع الله وأخيك“.