فخور بكونِهِ خاطئا

فخور بكونِهِ خاطئا*

الأب أفيانيوس تاناسوسكو**

نقلها إلى العربية وعلّق عليها الأب أنطوان ملكي

يقول الكتاب المقدس بشكل لا لبس فيه: المثلية الجنسية خطيئة. هذا لا يعني أن من يخطئ يضيع. على العكس من ذلك، إن الكنيسة تكره الخطيئة ولكنها تحبّ الخطأة وتخلّصهم من خلال إصلاحهم.

ولكن ما الذي يحدث مع الاعتقاد بأن الخطيئة فضيلة؟ إن ما نراه في الشوارع في مسيرات افتخار المثليين (Gay Pride parades) هو بالضبط مديح علني للخطيئة.

في الواقع ، هذه المسيرة هي جزء من استراتيجية أوسع: تنفيذ المجتمع المفتوحفي المجتمعات الديمقراطية. والسبب بسيط للغاية: إن عولمة الاقتصاد تقود إلى عولمة الأسواق، والتي لا يمكن أن تعمل بدون عولمة المجتمع والسياسات العامة.

وحيث أنه من غير الممكن تسوية (Leveling) [1] كلّ أعضاء المجتمع (كما تريد الأنظمة الدكتاتورية أو المجتمعات المغلقة“) ، فكّر الديمقراطيون الليبراليون باستراتيجية عكسية: السماح لكلّ شخص بكل ما يريده، لأن الحرية تخدم الاقتصاد أكثر من القيود. إن إنساناً بدون قيود في الاستهلاك هو زبون أفضل بكثير من ذاك الذي يصوم ويمارس ضبط النفس.

وهكذا ، يظهر إنجيلٌجديدٌ للعالم: “إنجيل المجتمع المفتوح” [2]، والذي يجهد منذ بعض الوقت ليحلّ محل إنجيل المسيح. إن جوهر التبشيرالجديد بسيط: عدم الكمال البشري هو المحرك الاقتصادي الجديد للعالم، ولهذا السبب يجب تشجيعه وحتّى دعمه.

بهذه الطريقة تظهر الحاجة إلى الأخلاق الجديدة، الحاجة إلى أخلاق عامة جديدة“. يتمّ تحقيق هذا الهدف من خلال دفع الحقوق والحريات الفردية نحو فخ الخلاعة (libertinism). لأن الحق في الخطيئةهو مجرد فخ وليس فضيلة.

لهذا، ومنذ القرن الماضي، ظهرت جميع أنواع الحركات (الإيديولوجية، والسياسية، والاقتصادية، والجنسية، الخ) بهدف تحريرالإنسان من قواعد القداسة المقيِّدة“. والعقبة الأخلاقية الأولى التي واجهتها حركات التحرر هذه هي الكنيسة. هذا كان طبيعياً لأن النسبية الأخلاقية تتناقض بشكل مباشر مع الأخلاق المسيحية التي كانت أساس المجتمع حتى تلك اللحظة. وهكذا، بدأت الحرب الأيديولوجية على الكنيسة، أولاً في الديمقراطيات الغربية، وبعد سقوط النظام الشيوعي في أوروبا الشرقية [3].

في إطار حركة التحررالجنسي، هناك اتجاه معين هو رفع الشذوذ الجنسي إلى مرتبة الوضع الطبيعي“. لتحقيق النجاح، لجأوا إلى أقدم إستراتيجية تلاعب روحانية: إدخال فكرة أن الخطيئة ليست ضررًا روحيًّا، بل هي فضيلة أو مكسب، أو على الأقل هي طبيعية. لذا لم يعد من الضروري أن يذلّ الإنسان نفسه من أجل الخطيئة، لأنها لم تعد موجودة، باﻷحرى يجب أن يكون فخوراً بأنهخاطئ.

النتيجة المباشرة لهذا الموقف هي إعادة كتابة الأخلاق. عندما يعتقد الإنسان بأن لديه ما يفتخر به، يكفّ السقوط وعدم الكمال عن أن يشكّلا مشكلة لديه. وهكذا، في سقوط الإنسان في هذا الفخ، تصير الروحُ معزولة عن اللهَ، والنهاية ستكون قاسية كما يقول داود في المزامير: “قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: «لَيْسَ إِلهٌ»”(مزمور 53: 1).

لإبطال فكرة أن المثلية الجنسية هي خطيئة، تمّ تقديم فكرتين أخيرتين: الله يحب المثليين، وأكثر من ذلك، الله جعلهم هكذا. الهدف هنا تحفيز فكرة عدم لوم المثليين على وضعهم، لأنه لم يكن اختيارهم. من الصعب فهم مصدر الفخر في هذا الوضع، والأصعب هو فهم مواقف التحولمن الطبيعية (العلاقات الجنسية بين الجنسين) إلى المثلية، والعكس بالعكس. هذا أمر لا يحكي عنه دعاة مجتمع LGBT.

بالحقيقة، المثليون يحبّون أنفسهم. إنهم يريدون بثّ فكرة أن من يعارضهم عديم الإحساس، مصاب برهاب المثلية (homophobe) ، منغلقُ الفكر ومتعصب. هذه الحجة يمكن أن يصدّقها الذين يفتقرون إلى المعرفة الروحية. حب LGBT ليس أول شكل، أو ليس الشكل الوحيد، للحب الذي يُساء تفسيره. على كوكب الأرض هناك أيضاً حب المتعة، حب المال، حب السلطة، حب الذات، والعديد من الفخاخ الأخرى التي تأخذ شكل الحبّ. في المسيحية، حتّى الشَبَق (eros) ضمن الزواج، لا يُنظَر إليه على أنه فضيلة في حدّ ذاته، بل ينبغي تحويله إلى محبة (agape).

إنّ التحريف اللاهوتي، بحسب رغبة LGBT، لا يهدف إلا إلى عزل الكنيسة باعتبارها عاملاً يؤثّر في صناعة الرأي العام. إن بثّ فكرة أن الله يسمح بالشذوذ الجنسي، تظهِر أن الله ليس هو الذي تبشّر به الكنيسة، وأن الكنيسة تلاعبتبطريقة ما بحقيقة الله (كم مرة تُتّهم الكنيسة بالتلاعب؟)، وأن الكنيسة تضطهدهم بغير حق.

إن وصف الكنيسة بأنها عدوللمثليين هو استراتيجية تلاعب قديمة، لكنها اليوم تخفي سرًا جديدًا هو محاولة تحويل التسامح المسيحي إلى قبول. مثال على ذلك هو الدعاية التي تصوِّر علاقتنا بالطوائف المسيحية الغربية على أنها قبول وتسوية، على الرغم من وقوعهم في الانشقاق القيصروبابوي (Caesaropapism).

وبالتالي، تسعى مسيرات افتخار المثليين إلى الحصول على دعم شعبي لإضفاء الصفة القانونية على العلاقات المثلية. إنهم يطلبون إعادة صياغة الحقيقة وإسكات الكنيسة من خلال قوة الشارع، وعن طريق شيطنة الثلاثة ملايين الذين ناصروا، في الاستفتاء، العائلة الطبيعية كما أسّسها الله (“ذكراً وأنثى خلقهم اللهالذي هو جواب يسوع على يأس كل الذين يبوّقون بأنّ يسوع لا يعارض الشذوذ الجنسي)، ولكن أيضاً بدعم السفارات[4].

لسوء الحظ، إن الاستراتيجيين الذين يقفون وراء هذه الحركات يخدعون أنفسهم، كمثل يهوذا في تعاملاته. على الرغم من أن عدد الأصوات يؤثّر في الديمقراطية، إلا أن الحقيقة لا تتحدد باﻷعداد. إن التشجيع المعولم على الإباحية لن يؤدي إلا إلى التدمير الروحي للبشرية.

* تتسابق اليوم العديد من الجمعيات على رعاية المثليين ومتحولي الجنس وصار متعارفاً على تسمية هذه المجموعات LGBT [الكلمة هي الاحرف الاولى لكلمات: lesbian, gay, bisexual, and transgender أي سحاقية، لوطي، ثنائي الجنس، متحوّل جنسياً].

عنوان المقال هو ردّ على الاسم الذي تطلقه LGBT على المظاهرة السنوية التي تُنَظَّم في عدد كبير من عواصم العالم ويطلقون عليها اسم (Gay Pride) “افتخار اللوطيين”. في لبنان جرت محاولات لتنظيم هذا النوع من المظاهرات لكن لم يُعطوا الترخيص فنُظِّمَت في أماكن مغلقة قبل 2017. لكن منذ 2017، خرجت العديد من الأمور إلى العلن، حيث تمّ تنظيم بيروت برايد 2017” ومن ثم 2018، وهي أسبوع من النشاطات المثلية، وأهمها عرض أزياء مثلي يظهر فيه شبان لبنانيون بالفساتين مع ما يترافق مع هذا العرض من الحركات النسائية، أمسية شعر مثلي، وأمسية كاريوكي (karaoke) مثلية. كما أن عدداً من بيوت الليل في بيروت وغيرها صار معروفاً بأنه للمثليين ويستقبل نشاطات علنية. آخر التطورات هو قرار محكمة الاستئناف الجزائية في جبل لبنان، الغرفة الثانية عشرة، الذي نُشِر في 12 تموز 2018، والذي يرد فيه مرافعة للمحامية يمنى مخلوف دفاعاً عن بعض المثليين الملاحَقين بمخالفتهم للمادة 534 من القانون اللبناني التي تعتبر أن أي ممارسة للجنس بخلاف الطبيعة هي جرم يستحق العقوبة. وقد ورد في مرافعتها: “أن عناصر المادة 534 ق.ع. غير متوافرة لانتفاء الدليل على المجامعة أو أي فعل جنسي علماً بأنه لا يمكن الحكم على الميول وبأن المادة 534 ق.ع. لا تعاقب المثلية الجنسية بصفتها ميلاً، ولعدم توافر المجامعة على خلاف الطبيعة، وأشارت إلى التطور في مقاربة المثلية الجنسية على الصعيد الدولي من خلال تعديل القوانين التي تجرّم العلاقات المثلية وبيان الأمم المتحدة وحقوق الإنسان بما فيه التوجّه الجنسي، وإلى التطور في لبنان في ضوء الاجتهاد، وأضافت أنه يقتضي تفسير النص الجزائي تفسيراً حصرياً وتصديق الحكم الابتدائي الذي قضى بأن العلاقات الجنسية بين راشدين هي ممارسة لحقّ بغير تجاوز طالبة بالنتيجة ردّ الاستئناف شكلاً وأساساً وتصديق الحكم الابتدائي. وترافع الأستاذ نزار صاغية مدلياً بأن من واجبات القاضي شرح وتفسير القانون وحماية الحريات، وبأنّ المادة 534 ق.ع. لم تحدد ما هي العلاقة الغير طبيعيةوعليه فنّد القرار عدداً من النقاط أهمها بالنسبة لنا أن القانون ليس لمعاقبة الشذوذ، وهو موقف صحيح، بل لمعاقبة مخالفة اﻵداب العامة. وفسّر القرار أن ما يشكّل تعرّضاً للآداب واﻷخلاق العامة في ضوء التطور الاجتماعي هو المجامعة التي تخرج عن المفهوم التقليدي للعلاقة الجنسية الطبيعية بين رجل وامرأة، متى حصلت على مرأى من الغير أو مسمعه أو في مان عام أو متى تناولت قاصراً يجب حمايته. وحيث أن القضية الراهنة… وعن أن ممارسة الجنس بين رجل وآخر تحول جنسياً وجسدياً إلى امرأة يمسي علاقة رجل بامرأة شأنها شأن أية ممارسة طبيعية تقليدية…” (عن المفكرة القانونية).

لا بدّ من التوقف عند الفكرة الأخيرة في القرار وهي في غاية الخطورة وغير محسومة في القانون العالمي، وخاصةً لدى الباحثين في أخلاقيات علم الحياة. إن القرار أعلاه يطرح تحديات كبيرة حول عدة نقاط منها تحديد الأخلاق، وتحديد العلاقة الطبيعية، والحق في تحديد الجنس. هنا يجب أن يكون للكنيسة وللأديان بشكل عام كلمة، إن لم يكن في ﻻالقانون ففي الرعاية، وإلا فالكنيسة في خطر، وما يجري في الكثلكة خير دليل. من الخطير أنه حتّى العلم يتمّ تشويهه وإخضاعه لأجندات سياسية في هذا الموضوع. لمعرفة المزيد عن دور السياسة والأمم المتحدة يمكن العودة إلى المقالة التالية على التراث الأرثوذكسي: المثلية بين الرعاية والقانون المدني.

ملاحظة مهمة حول التطورات في لبنان: يجري التعتيم بشكل مريب على هذه الأخبار. إذ نادراً ما ترد على شاشات التلفزة أو في الجرائد التقليدية. هذا يعني أن الأمور تجري والمجتمع غافل. المؤسف أن الذين ينشطون لدعم هذه المظاهرات يعطون عملهم صفة الدفاع عن حقوق الأقليات والمهمّشين على اعتبار أن صفة الأقلية والتهميش تنطبق على المثليين ومتحولي الجنس، لكن هذه المظاهرات تتحوّل بشكل طبيعي مناسبات للتعبير عن حالة الفجور والضلال التي يتخبّط فيها هؤلاء. وبالتالي بدلاً من رعايتهم الفعلية والتي تبدأ بالاعتراف بحالتهم المرضيّة بهدف علاجهم، تتحوّل نوايا الرعاة، الطيبة أحياناً، إلى تثبيت الحالة المرضية وتشريعها بغض النظر عن الكلام العلمي المتّزن، ما يؤدّي إلى تعميق الهوة التي يكون فيها الأشخاص المجرّبون بهذا المرض، ما يساهم في إبعادهم عن الخلاص وحتى عن الصحة الحقيقيَين.

** الأب أفيانيوس تاناسوسكو كاهن من أبرشية توميسولوي في رومانيا.هو في الأصل مهندس ويعمل في الإعلام الكنسي من خلال راديو دوبروجيا (Radio Dobrogea) الراديو الأرثوذكسي الأول الناطق بالرومانية في رومانيا وخارجها. إلى هذا، للأب أفيانيوس مدوّنة تجتذب تفاعلاً كبيراً لدى المؤمنين.

[1] التسوية الاجتماعية مفهوم سبق العولمة وهيّأ لها. تُمارَس التسوية الاجتماعية بشكل ملحوظ في المجتمعات الكبيرة على الأقليات خاصةً التي تظهِر مقاومة للتغيير الثقافي داخل المجتمع. هذه العملية دفعت العديد من علماء الاجتماع، كدانيال ليرنر، إلى الحديث عن موت المجتمع التقليدي. للتسوية الاجتماعية تأثيرات عديدة، منها اختفاء اللهجات المحلية، مع توجّه المجتمع نحو تبنّي لغة واحدة، والحدّ من التنوع الثقافي حيث يفقد الأفراد أهمية كونهم مختلفين، وفقدان الفرادة الثقافية والتراث الثقافي، والدفع لقبول نتائج التسوية الثقافية.

[2] أول مَن تحدّث عن فكرة المجتمع المفتوح هو الفيلسوف الفرنسي هنري بيرجسون في عام 1932، وتطورت الفكرة خلال الحرب العالمية الثانية مع الفيلسوف البريطاني النمساوي المولد كارل بوبر. يورد بيرجسون القانون والدين كَمَثَلين عن المجتمع المغلق الذي يكون جامداً ويحتفظ بغريزة إقصاء الآخرين حتى لو اختفت كل آثار الحضارة. في المقابل، يصف المجتمع المفتوح بأنه ديناميكي ويميل إلى الأخلاقيات الشمولية. أما بوبر فرأى أن المجتمع المفتوح يتّسم بموقف نقدي للتقاليد. وفي المجتمعات المفتوحة، يُتَوقَّع من الدولة أن تكون مستجيبة ومتسامحة، وآلياتها السياسية شفافة ومرنة.

[3] ولاحقاً إلى كل دول العالم الثالث، فعلى سبيل المثال، دول الشرق الأقصى وتحديداً الهند هي من أكثر المجتمعات التي تتغيّر لاستيفاء شروط المساواةوتحقيق حقوق المثليين.

[4] من أسباب تكاثر الجمعيات التي ترعى المثليين هو الترغيب المادي الذي تمارسه بعض السفارات الأوروبية والأميركية. فهي تجذل المساعدات على هذه الجمعيات التي تضمّ بغالبيتها أفراداً يؤمنون فعلاً بالمساواة بين البشر وحقوق الأقليات وغيرها، إنّما تُستَغَلّ غيرتهم لدعم الخطأ. لمعرفة المزيد عن موقف الكنيسة كما عن دور السياسة والأمم المتحدة يمكن العودة إلى المقالتين التاليتين على التراث الأرثوذكسي: موقف الكنيسة الأرثوذكسية من تشريع زواج المثليين و المثلية بين الرعاية والقانون المدني.

تتعرّض رومانيا للكثير من الضغوط بهدف تغيير القوانين فيها بشكل يرضي ويناسب مجموعات الشذوذ الجنسي وذلك كشرط لانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. في 2017، فيما كان 3 ملايين شخص يوقعون عريضة لرفض زواج المثليين، اتُّخذ قرار بإجراء استفتاء حول هذه القضية، إلى اﻵن لم يجرِ.

هذه السنة، شاركت 32 سفارة بشكل مباشر في مسيرة المثليين في بوخارست عاصمة رومانيا. لا يزال المجتمع الروماني إلى اليوم يقاوم هذه المسيرات، أما الدولة فتخشى العقوبات والتصنيف بأنها لا تحترم الأقلّيات والاتّهام بالقمع. الصورة التالية التُقِطَت أثناء المسيرة لرجل متحوّل إلى امرأة وهي تحكي عن ذاتها.

رسالة رعائية حول المناولة

رسالة رعائية حول المناولة

أشعياء مطران دنفر للكنيسة اليونانية في أميركا

في الأول من ايار 2018

الرسالة رقم 29

إلى الآباء الموقرين وأعضاء الرعايا المؤمنين في أبرشية دنفر المقدسة

أيها الأحباء بالرب

بلغني أن عدداً متزايداً من الأشخاص في رعايانا يتقدمون إلى المناولة الإلهية لكنهم يصرّون على الكاهن ألا يناولهم من جسد المسيح بل من الدم فقط. يشرح هؤلاء لكهنتهم أن أطباءهم، وعلى الأكيد ليسوا من الأرثوذكسيين، يطلبون منهم عدم أكل أي نوع من الخبز لأن هذا يؤذيهم.

إن كان في رعايانا أرثوذكسيون يؤمنون بأنّ بعد استدعاء الروح القدس في القداس الإلهي، تبقى التقدمة خبزاً وخمراً فينبغي أن لا يتناولوا من الجسد والدم المقدسين من بعد أبداً إلى أن يؤمنوا بأن السر المقدّس هو حضور روحي للسيد بشخصه أي بجسده ودمه.

إنها لَنِعمة عظيمة حقاً من القديس بولس، الرسول الإلهي إلى الأمم ، بأن يفسّر مخاطر تناول جسد ودم ربنا المقدسين، وذلك لأسباب مختلفة تماماً عن العلوم الطبية. يقول القديس بولس: “إِذًا أَيُّ مَنْ أَكَلَ هذَا الْخُبْزَ، أَوْ شَرِبَ كَأْسَ الرَّبِّ، بِدُونِ اسْتِحْقَاق، يَكُونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ. وَلكِنْ لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَهكَذَا يَأْكُلُ مِنَ الْخُبْزِ وَيَشْرَبُ مِنَ الْكَأْسِ. لأَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِدُونِ اسْتِحْقَاق يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَةً لِنَفْسِهِ، غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ. مِنْ أَجْلِ هذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى، وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُونَ.” (1 كورنثوس 27:11-30)

في ما يتعلق بهذه الكلمات القوية للقديس بولس، هل يوجد في الرعية مَن يعانون من المرض، ربما لأنهم لم يستعدوا لتناول التقدمة الإلهية من جسد ربنا ودمه؟ وإذا كانت تعليمات الطبيب لهم بعدم تناول الجسد (الخبز) لأنهم يعتبرون أن معرفة الطبيب الطبية أكثر أهمية من الإفخارستيا المقدسة، فعندئذ لا ينبغي أن يتناولوا القربان المقدس من الرب، إلا إذا كانوا يعتقدون أن معرفة خالق الكل عن الحياة الأبدية تفوق كل العلوم الطبية في هذا العالم الساقط.

إن هذه المسألة الخطيرة هي دليل كافٍ على أن العالم الدهري يتطور إلى فلسفة خاطئة مفادها أن العالم ذاتي الإنشاء، بحسب النظرية القائلة بأن كل الخليقة طارئة وعرضية. وبالتالي، فإن العالم القائم على المادية، وبخاصة الإنسانية، يحدد ذاته أكثر فأكثر على أساس ما يرضيه لأنه لا يعترف بخالق إلهي.

إن أي عضو في الرعايا لا يؤمن بشكل كليّ بأن الرب يسوع المسيح هو خالقنا، وأنّه أتى إلى العالم متّخذاً جسدنا البشري، وأن جسده كامل، وبذل نفسه على الصليب من أجل خلاصنا الأبدي، فيُرجى مساعدة هؤلاء الأشخاص على تبيان خطئهم إذا شاؤوا أن يصغوا. بالطبع، الأمر يعود إليهم لممارسة حريتهم في قبول ربّنا كما نعرفه، أو اتّخاذ الاتجاه الآخر أي الابتعاد عنه. نحن نصلّي لكيما الروح القدس يهبهم الاتجاه الوحيد إلى الحياة الأبدية وهي أن يعرفوا ويحبوا ربنا يسوع المسيح كمخلصنا وفادينا.

مع البركة الأبوية

أشعياء، ميتروبوليت دنفر

أهمية هذه الرسالة أنها تعالج موضوعاً يتلافى الكثير من الرعاة مقاربته خوفاً من أن ينفر بعض الذين يشركون بالصلاة ويمتنعوا عن المشاركة في القداس. فالبعض مثلاً لا يتناولون خوفاً من انتقال أمراض إليهم، فهؤلاء أيضاً ينبغي أن يصار ألى الاهتمام بهم. فالمناولة أصلاً هي لشفاء النفس والجسد، وهذا ليس كلاماً جزافاً يقوله الكاهن أثناء المناولة، بل هو وصف دقيق لما يجري التعاطي به. من هنا أن اختيار هذه الرسالة لترجمتها هو للقول بأن الراعي الصالح يهتمّ حتّى بهذه التفاصيل، ويسعى لأن تكون الأمور بلياقة وترتيب على كل المستويات. عسى أن يكون نشر أمور مثل هذه على بساطتها حافزاً لزيادة الوعي بين المؤمنين فيحفظون الأداء غير منثلم ويساعدون الكهنة على أن تكون خدمتهم بلا عيب. (الأب أنطوان ملكي)

المهام الخمسة للاهوتي في القرن الواحد والعشرين

المهام الخمسة للاهوتي في القرن الواحد والعشرين*

د. يوحنا بانايوتو

ما هي المهام الخمس للاهوتي في القرن الحادي والعشرين؟ المهمة الأولى هي أن يكون رجلَ أو امرأةَ صلاة. فقط في عزلة الصلاة يمكننا أن نشترك في حياة الثالوث القدوس. فقط عندما نقترب من الوحدة والانسجام اللذين يتشارك بهما الآب والابن والروح القدس معاً، يمكننا أن نجد الانسجام في حياتنا حيث يمكن اكتشاف وتنمية الحكمة والسلام والفطنة.

المهمة الثانية للاهوتي هي إعلان الإنجيل (الإنجيل، حرفياً باللغة اليونانية هو الخبر السار). اللاهوتي مدعو إلى إعلان الأخبار السارّة إلى عالم الأخبار السيئة. أساس الأخبار السارة هو أن يسوع المسيح قام من بين الأموات. هذه هي الرسالة المركزية التي تعلن الحدث الأكثر قدرة على التغيير في التاريخ؛ حدث لا يغيّر حياة الأفراد وحسب بل يغيّر الثقافات والأمم وحتى الحضارات.

الجميع مدعوون إلى الحياة الجديدة التي تُمنَح من خلال هذا الحدث التغييري، وطريقة الدخول الأولى هي التبشير بالإنجيل – إذ يجب سماع الأخبار الجيدة قبل أن يتمكن المرء من ولوج الحياة التي يعلنها. إن المشاركة في هذا الإنجيل، هذه الحركة إلى الحياة الجديدة هي خبرة ذاك الذي يعلنه. إن الإنجيل إذن شيء يجب أن يُسمع أولاً، ثم يأتي الإيمان به، ومن ثم يأتي التصرف بناء عليه. يكتب الرسول بولس في رومية أن يسوع هو الوفاء بالوعد الموسوي (الفصول 3-4). في 1 كورنثوس يكتب الرسول كيف أصبح الإله الحقيقي ملكًا بشخص يسوع وبذلك استبدل البشرية المحطّمة وحوّلها (الفصل 15).

يعيش المسيحيون بين القيامة، أي الحدث الذي حوّل كل الكائنات الحية، والمجيء الثاني أي عندما يأتي المسيح مرة أخرى لكن هذه المرة في المجد. يعود كملكٍ حاكم لتدشين مملكة جديدة سوف تتصالح مع الخليقة الكونية كلها مرة أخرى، وهي ما نختبره نحن المؤمنون ببعض الأشكال.

المهمة الثالثة للاهوتي هي مساعدة الناس على العيش في الواقع وعدم التواجد في الوهم الروحي. يزداد الوهم الروحي في أيامنا هذه على الرغم من أن كل جيل قد قاتله بطريقة أو بأخرى. يقول الكتاب المقدس أن الحق يحرركم، لكن من المهم تذكّر أن يسوع قال أنا الحق“. لا يمكن اختزال اللاهوت إلى المفاهيم المجردة وحدها. إن للاهوت قيمة فقط إذا كان يشير إلى مَن هو الحق أي يسوع المسيح، وينطلق منه. فاللاهوت الحقيقي ليس مجرد مجموعة من الكلمات عن الله بل يجب أن ينير ويكشف المضمون الواقعي الوجودي للقاء الحقيقي مع المسيح القائم من الأموات الذي يمكنه أن يحرّر المؤمن ويحوّله.

يدخل الوهم الروحي عندما يتخلّى اللاهوت عن هذا البعد المواهبي والتغييري في الشركة مع الله. يعود المؤمن مجدداً إلى انكسار العالم الساقط عندما يُنكَر هذا البعد أو عندما يخفت الوعي له. يقول الرسول بولس أن التغيّر يبدأ بأفكارنا أو نوسنا باللغة اليونانية (رومية 12: 2). يعلّم آباء الكنيسة وجوب أن ينزل العقل إلى القلب، ووجوب تنميةِ ذهنيةِ التوبة عند أسفل صليب المسيح لكي نختبر قوة وفرح ما بعد القيامة اللذين يمنحهما المسيح. من خلال الصليب يأتي الفرح إلى العالم، وهذا ينطبق على المؤمن البسيط كما انطبق على يسوع عندما احتمل الإذلال الشديد معلقاً على الصليب.

المهمة الرابعة للاهوتي هي أن يكون إناء لمحبة الروح القدس الروحية وقوته ونعمته. من دون الطاعة لله، لا يكون اللاهوتي ينبوعاً للإنعاش السري، بل بالأحرى صحراء قاحلة من الحقائق الفارغة المجرّدة من المعنى الحقيقي. يجب أن يكون يسوع مركز كلّ ما يقوله اللاهوتي ويفعله.

نحن لا نعبد عقيدة أو كتاباً مقدساً أو كنيسة أو فلسفة أو لاهوتاً أو إنجيلاً اجتماعياً، بل نحن نعبد شخصًا وهو يسوع المسيح الألف والياء، البداية والنهاية، كما يخبرنا القديس يوحنا اللاهوتي في الرؤيا التي كتبها في جزيرة بطمس.

وأخيرًا ، إن المهمة الخامسة لللاهوتي هي أن يكون متجذّراً في الكتاب المقدس وأن يتغذّى بشكل أسراري. يجب أن تكون الكنيسة أهم مبنى في الحرم الجامعي لكل طالب. فقط مع هذا التركيز يبقى الشخص متجذراً في رسالته وقادراً على الصعود نحو اللاهوت الجاد. الكنيسة هي أهم مبنى في الحرم الجامعي عملاً بقول الرب يسوع اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ” (متى 6). هذه هي الطريقة الوحيدة لنتمكن من تحقيق دعوتنا أولاً كمسيحيين ومن ثمّ كلاهوتيين. اللاهوت يبدأ بالصلاة والعبادة.

قد تبدو صفات اللاهوتي هذه وكأنها أمر مستحيل إذا حاولنا ذلك متكلين على ذواتنا. لكن، إذا كنا نثق بقوة الله ونعتمد عليها، فإن كل الأشياء ممكنة. استمرّوا بالصلاة واطلبوا وجهة ربّنا في بداية هذا العام الدراسي. ولنتأمل هنا بكلمات القديس يوحنا الذهبي الفم: “مَن يستطيع أن يصلّي بشكل صحيح، حتى ولو أنه أفقر الناس جميعاً، هو في الأساس الأغنى. ومن لا يملك صلاة لائقة، هو أفقر الناس، حتى لو كان يجلس على عرش ملوكي“.

* من كلمة لطلاب اللاهوت في افتتاح العام الدراسي

كنيسة أنطاكية ولقاء كريت الكبير: شيء من مراجعة

كنيسة أنطاكية ولقاء كريت الكبير: شيء من مراجعة

الأب أنطوان ملكي

نظّمت كلية اللاهوت في جامعة تسالونيكي، اليونان، المؤتمر الدولي الثامن للاهوت الأرثوذكسي، في حرم الجامعة ما بين 21 و25 من أيار 2018. شارك في هذا المؤتمر 120 من الرؤساء واللاهوتيين الأكاديميين، كهنة وعلمانيين، وباحثين شباب من النساء والرجال، من 25 جامعة ومعهد لاهوتي ومن 15 دولة. عنوان المؤتمر كان المجمع الكبير المقدس للكنيسة الأرثوذكسية: اللاهوت الأرثوذكسي في القرن الحادي والعشرين“. وهذا المؤتمر، كما يرِد في الاسم، هو الثامن من سلسلة مؤتمرات بدأت في 1936، وهو الأول بعد انعقاد ما عُرِف بالمجمع الكبيرفي كريت في 2016. هدف المؤتمر كان محدداً بمناقشة قرارات مجمع كريت وتقديم اقتراحات لجدول أعمال المجمع الكبير القادم. شارك في الجلسة العامة أصوات من غير الأرثوذكس: المسيحيين الشرقيين، الكاثوليك، الأنكليكان واللوثريين ومجلس الكنائس العالمي.

قُرئ في المؤتمر كلمات ورسائل من عدد من البطاركة. لم يرد في الإعلام أنه كان هناك رسالة من البطريرك الأنطاكي. شارك الأب بورفيريوس جورجي عميد معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي في جامعة البلمند في المؤتمر وقرأ كلمة لم تنشَر بعد بين الأوراق التي تمّ نشرها على مدونة “ΘΕΟΛΟΓΙΚΑ ΔΡΩΜΕΝΑ” العائدة لكلية اللاهوت في جامعة تسالونيكي التي نظّمت المؤتمر. والجدير بالذكر أن كتاب أعمال المؤتمر لم يصدر بعد.

من بين الذين قدّموا مداخلات في المؤتمر هو السيد ألبيذوفوروس لامبريديس مطران بورسا الذي شغل دور الناطق الرسمي لمجمع كريت أثناء انعقاده. مداخلته كانت بعنوان المجمع الكبير المقدّس التالي: أسئلة تتعلّق بجدول الأعمالوفيها عدّد المطران ما تمّ إنهاؤه من القضايا في 2016 وما سوف يُنقَل إلى المجمع المقبِل الذي بدأ الإعداد له. من المثير للاهتمام توقّفه مطولاً عند مقاطعة أنطاكية ورأيه في مجريات الأمور حيث يقول: “كانت كنيسة أنطاكية قد سلّطت الضوء منذ فترة طويلة على حقيقة أنها تعتبر اختلافاتها مع كنيسة القدس حول نطاق سلطتها ذات أهمية أساسية. لقد طلبوا مراراً من البطريرك المسكوني أن يتدخل. أخذ قداسته مبادرتين على الأقل سعياً لحلّ المشكلة ؛ للأسف، لم تكن ناجحة، وبالتأكيد ليس بسبب أفعاله، بل بسبب الموقف المستعصي للفريقين المعنيين. إلى هذا، لم يستطع البطريرك برثلماوس، ولم يكن من حقه، الربط بين انعقاد وسير المجمع الكبير المقدس الذي كان قيد التحضير لعقودوتطور نزاع ثنائي ليست الأرثوذكسية بمجملها مسؤولة عنه. من هذا المنظور، أعتقد، مع كامل التوقير، أن إصرار بطريركية أنطاكية القديمة كان في غير أوانه. إن حلّ نزاعها مع كنيسة القدس شكّل شرطًا للمشاركة في حدث رئيسي وتاريخي في حياة الكنيسة. أتذكر أن البطريرك المسكوني خلال آخر اتصال له مع بطريرك أنطاكية، قبل انعقاد المجلس في أيار 2016 ، قد سلّط الضوء على حقيقة أن الوقت الميتبقّي ليس كافياً لتحصيل حلٍّ مؤاتٍ بشأن قضية قطر. وبالإضافة إلى ذلك، التزم بالعودة إلى معالجة القضية مجدداً مباشرة بعد الانتهاء من المجمع، بينما حثّه في نفس الوقت على عدم مقاطعة هذا الحدث الكبير في الكنيسة. لم يقبل بطريرك أنطاكية حتّى بهذا الالتزام الذي تعهد به البطريرك المسكوني. وأنا على يقين الآن، بعد عامين من انعقاد المجمع، من أنّ رؤساء الكهنة الموقرين في كرسي أنطاكية، بإظهارهم المزيد من الاتزان والوضوح في التفكير، هم في وضع يسمح بإعادة تقييم القرار المتشدد الذي اتّخذوه في حينه. ومع ذلك، بعد تحليل الأستاذة اليزابيث برودرومو للتوازنات الجيوستراتيجية، لا يمكنني مقاومة إغراء الإشارة إلى أن المعانقة الشديدة بين دمشق وموسكو في السياسة والشؤون العسكرية والمالية والطاقة، هي عامل يؤثّر على موقف كنيسة أنطاكية. قد تكون حالة بطريركية أنطاكية، من بين الكنائس التي لم تحضر، الوحيدة التي يمكننا أن نظهر لها تفهماً، خاصةً مع الأخذ في الاعتبار جميع الأسباب المذكورة أعلاه.”

إذاً، بعد عامين من انعقاد المجمع، يحلل غير الأنطاكيين موقف أنطاكية، دون أن يتسرّب إلينا، أي الشعب الأنطاكي، أن أنطاكية قيّمت أو هي بصدد تقييم ما جرى. لكن التساؤل حول هذا الأمر شرعي، بغض النظر عمّا إذا توفّر مَن يجيب أو لا، وبغض النظر عن قيمة هذا اللقاء. هل قضية قطر تستحق قطع شركة مع كنيسة أخرى في زمان الانفلاش المسكوني؟ هل رأى آباؤنا أن قطع الشركة مع مَن هو أصلاً مغتصب للسلطة يؤدّي إلى حلّ؟ هل ما زالوا يرون ذلك الآن؟ هل كان لديهم خطة بديلة؟ كيف ربط آباؤنا بين مقاطعة لقاء كريت وحلّ قضية قطر؟ ما هو ردّ أنطاكية على الكلام الصادر عن الناطق الرسمي باسم اللقاء الكبير؟

لا يبدو أن الشعب الأنطاكي المقيم في قطر على علم، أو على اهتمام، أو هو ملتزم بقطع الشركة. ولا يبدو أن الشعب الأنطاكي المقيم في لبنان وسوريا على علم، أو على اهتمام، بقطع الشركة هذا. ولا يبدو أن هذا القطع أدّب مَن ينبغي تأديبه. فما هي الخطوة التالية؟ هل سوف تقاطع أنطاكية المجمع المقبل؟ هل نتّكل على أن الإعداد للقاء الأول دام ما يقارب القرن وبالتالي هذا ينطبق على اللقاء الثاني؟ هل أنطاكية هي فعلاً في معسكر، وبالتالي فقدت دورها الجامع؟ كيف قررت ذلك؟

هل يملك أحد أجوبة؟

الإدارة الكنسية وأشكال تقهقرها

الإدارة الكنسية وأشكال تقهقرها

الأب أنطوان ملكي

قد يكون الكلام سهلاً في التوصيف والتحليل والتشخيص لما يجري في أي مجتمع أو جماعة أو مجموعة على طريق الاندثار. لكن الصدق في المسعى يلزِم المرء توخي الحذر، خاصةً إذا كانت الجماعة المعنية كنيسة. إن السمة الإلهية البشرية للكنيسة لا تحرمها ولا تحميها من الخضوع لعلوم العالم خاصةً في بعض أوجه التقييم.

قد تسود العقلية الدهرية في الكنيسة. فقد تزدهر المؤسسات وتكثر، ويزيد رواد الطقوس خاصةً في الأعياد. لكن هذا كله لا يشير بالضرورة إلى الصحة. على سبيل المثال لا الحصر، التزايد المضطرد في عدد المرتلين قد يكون صحياً وعنصر جذب للمؤمنين إلى الخدم، لكنه يفقد تقديره وإنجازه حين يصير المرتلون أنفسهم مؤدّين لهذه التراتيل في المطاعم والمسارح والشوارع والباصات، أي عندما يتمّ فصل الترتيل عن الصلاة. تفقد المعرفة الموسيقية دورها حين تفقد حس التقوى فتستحيل تجديفاً.

أمام الواقع الدهري يصعب التقييم. فبحسب الأعداد ومقاييس الدهر الوضع أفضل، بينما بحسب التقليد والتقوى الوضع خطير وإن دلّ فعلى تراجع روح الصلاة. هذا كلام عامّ ينطبق على كل الجماعات المسيحية. في حالة الأرثوذكس يصير الأمر أكثر صعوبة لعدم توفر المعلومات الدقيقة، خاصةً في الشرق. لكن هذا لا يعني أن ما ورد لا ينطبق.

ففي الكنيسة الأرثوذكسية اليوم حالات أخرى يمكن مقاربتها بنفس المنطق، كرسم الأيقونات وانتشار الجداريات في الكنائس. أن تكون رعية قادرة على رصد مبالغ كبيرة لرسم جدران الكنيسةهي عشرات أضعاف ما ترصده للمساعدات المَرَضية والاجتماعية والتربوية، فهذا ايضاً تجديف ودليل تقهقر. أن يكون عشرات الكهنة مهتمّين بالتسويق للسياحة الدينية وغير الدينية، فيما هم لا يجرؤون على إلزام رعيتهم بتغطية عملية جراحية لمريض أو تأمين دواء لطفل، فمنتهى التقهقر يكون هنا.

هناك الكثير من الدراسات عن ظواهر سقوط الجماعات الدينية، لكن غالبيتها لا تنطبق على الكنيسة الأرثوذذكسية لأنها تتعاطى مع الجماعة البشرية من دون إعطاء الطابع الإلهي حجمه الذي يستحيل قياسه أصلاً. من هنا تصير مقاربتنا لهذا الموضوع أكثر صعوبة. فالتقهقر واضح وظواهره متعددة. إنّما ينبغي تحديدها بشكل واضح يقدر مَن يحكي عنه أن يدافع عن كلامه. فإن قلنا أن المشكلة هي في الرعاية، وجب علينا أن نحدد أين: فهل هي رعاية الأساقفة للكهنة؟ أم الكهنة للمؤمنين؟ أم المؤمنين للإكليروس؟ أم هي غياب هذا التفاعل الحيّ بين هذه المكونات الثلاثة؟ وما سبب غياب هذا التفاعل؟ أهو الكبرياء أو الاستهتار أو الجهل أو المزيج القاتل من هذه جميعاً؟ وقد يأتي مَن يقول أن مَن يطرح هذه الأسئلة يعرف الجواب ويتلافى ذكره، وفي هذا إدانة لمَن يقوله لأنه يعني أنه يعرف الجواب ولا يعمل شيئاً للإصلاح.

أن مؤشرات وملامح سقوط وانهيار واندثار الجماعات يبدأ من خلال بروز عدد من الظواهر التي تكوّن الأسباب الرئيسية للسقوط. تختلف آراء الدارسين في تحديدها لكن المشترَك بين الغالبية القصوى منهم هي ثلاثة عوامل: أولاً، شيوع فساد القضاء. ثانياً، شيوع خيانة الأمانة الوظيفية المسؤولة، وثالثاً، شيوع تعاطي النفاق والرياء بين المتقدمين.

لو أردنا تطبيق هذه العوامل على الكنيسة الأرثوذكسية، في أي مكان من العالم، لوجدنا أنها تطال الطبقة العليا بالدرجة الأولى، أي المجمع. فالمجمع هو القضاء، وهو القاطع باستقامة في مراقبة تنفيذ الوظائف من أصغرها، كالمرتل مثلاً، إلى أكبرها كالأسقف نفسه. والمجمع هو أصلاً مجموعة المتقدمين.

إذاً، إذا أرادت كنيسة أرثوذكسية من الكنائس الستة عشرة، أن تستشرف مستقبلها عليها أولاً أن تقيّم أداء مجمعها. وأن نقول بتقييم أداء المجمع يعني أن يبادر المجمع بنفسه إلى هذا التقييم لأنه هو السلطة ولا سلطة لأحد عليه. فإذا عجز المجمع عن ذلك على الجماعة المؤمنة أن تبادر إلى هذا التقييم. فإذا عجزت الجماعة، كهنة وعلمانيين، عن ذلك يعني أن لا داعي للتقييم لأن النتيجة واضحة بأن هذه الكنيسة هي في الحضيض ولا يقيمها إلا الذي نزل إلى الجحيم وأقام المائتين منذ الدهر. لكن في هذه الحالة ما العمل؟ أيتفرجّ المهتمّون؟ الجواب هو نفسه أولاً وأخيراً. العمل هو استدعاء الرب ليأتي ويتعهد الكرم الذي غرسته يمينه ولا يترك الأجراء كائناً مَن كانوا على سجيتهم في العمل. إذا كان تقييم الكنيسة إيجابياً فعلى المؤمنين أن يستدعوا الرب ليبقى في كنيسته. وإذا كان سلبياً فعليهم أن يستدعوه ليقيمها. لكن ماذا إذا كان المؤمنون غير مهتمين؟

عمل المسيح على الصليب

عمل المسيح على الصليب*

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

يوم الجمعة العظيم، بالاقتران مع قيامة المسيح، هو يوم انفجار روحي، هو بيغ بانغ روحي، لم يخلق كونًا مبنيًا ولا صار مبدأ الحياة العضوية، بل خلق حالة مستوحاة من الخليقة الجديدة والولادة الجديدة.

إن الترانيم التي ننشدها في هذه الأيام، خاصة ليلة الجمعة العظيم، فيها مزيج من الإذلال والمجد، الجلال والإفراغ، والقوة والحنان. كل هذا يبدو متناقضًا ، لكنه يخلق تناغمًا يحرّك الجميع لأي مجموعة انتموا.

ترِد في إحدى تقاريظ جناز المسيح واحدة من أكثر الصفات إشارة إليه، وفيها:
كمثل البجعة، جُرحت في جنبك، وأعطيت الحياة لأبنائك المحتضرين، منقّطاً لهم قطرات الحياة[غير موجودة في العربية]

بحسب التقليد، عندما تحقن الحية السامة القاتلة السم في فراخ البجعة وتموت، تثقب البجعة جنبها ويجري منه الدم، فتستقطره إلى فراخها وتنعشهم فيما هي تموت. تُظهر هذه الصورة عمل المسيح على الصليب. الناس أموات بسمّ الموت والخطيئة والشيطان، فتبرّع السيد المسيح بدمه لنا، لمحاربة الموت والخطيئة والشيطان، ولإنعاشنا. وهكذا أصبح موته حياةً لنا.

هذا هو عمل الكنيسة. تحتضن العالم كله، بغض النظر عن العرق والإثنية واللون واللغة والجنس والعمل، وتعطيهم دم المسيح وكل حياة قيامته، للقضاء على السم الذي تعرضه عليهم قوات الشر القديمة والحديثة.

الإنسان اليوم مسموم بشكل مستمر من الصيغ الجديدة التي تضلله خارجياً، ومن أوهام الحياة، ومن الواقع الافتراضيالقاتل الذي هو جحيم حديث. إنها العقلانية والإثارة والأوهام التي يتم تمويهها خارجيًا بغطاء حلو، مما يخلق إحساسًا بالمتعة، ولكنه يشير إلى المعاناة والألم والفراغ واليأس الأجوف. إن الإنسان يعيش في عالم مزيف في واقع افتراضي“.

إن مصدر الطاقة الذي يغذي هذا الواقع الافتراضي هو حب الذات والغرور والغطرسة والأنانية، وعندما يتم إغلاق هذا القابس يدخل الإنسان في مأساة هي مأساة الفراغ. إن مجتمعنا قاسٍ ومريض وخطير يخفي ثعابين رنانة سامة تسبب الموت للإنسان. لذلك نحن بحاجة إلى نقل دم من المسيح ، الذي يموت من أجلنا لنحيا.

في الوقت نفسه، يحتاج مجتمعنا المسموم إلى أشخاص ذوي رؤية، أصحاب نظر قادرين على معالجة هذه الثعابين السامة الكامنة في كل مكان ناشرة الموت الروحي والنفسي، وإعطاء الناس الرجاء والقوة والشجاعة، والمعنى للحياة، والأكثر أهمية هو حماية الناس من الواقع الافتراضيالخطير الذي هو وهم مميت.

* من عظة في يوم الجمعة العظيم في إحدى ضواحي نافباكتوس

(Μεγάλη Παρασκευή, 18-4-2014. Λόγος στήν Περιφορά τῶν Ἐπιταφίων στήν Ναύπακτο )

السمات المميّزة للروح الأرثوذكسية

السمات المميّزة للروح الأرثوذكسية

خريستوس كاراذيموس

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

[الروح هنا هي Ethos وهي كلمة يونانية تعني الشخصيةالتي تستخدم لوصف المعتقدات أو المثل التوجيهية التي تميّز المجتمع أو الأمة أو الأيديولوجياالمترجم]

كلمة السر عند المؤمنين الأرثوذكس هي المسيح هو الكل وفي الكل” (كولوسي 11:3) ، إن لم يكن كل جانب من جوانب حياتنا غارقاً في المسيح، يكون منقسماً بطريقة غير مقبولة إلى ديني وغير ديني. يوجد مثل هذا الانفصال في الديانات الوثنية. التدين هو اقتصار الحياة على زمن الهيكل والتقدمة والعبادة. هذا التدين هو أحد جوانب أسلوب حياتهم. ما تبقى من حياتهم، الفردية والاجتماعية، مستقلّ. وبالتالي يمكن تقسيم نمط حياتهم إلى ديني أو غير ديني، تماماً كما تنقسم حياة الناس الذين يشغلون مناصب عامة إلى عامة وخاصة.

يؤدّي هذا الانقسام إلى فكرة الواجبات الدينية، وهي التزامات تجاه العنصر الإلهي، ولا علاقة لها بالتزامات تجاه الآخرين. إن هذا التديّن المتشرذم المفكك يولّد شكلِيّين، يؤمنون بأن الحياة الدينية محصورة فقط بالهيكل، ليس بالمنزل أو بمكان العمل أو بالسوق أو محاكم القانون أو سرير المرض أو زنزانة السجناء، إلخ. من الناحية الأخرى، الروح الدينية الأرثوذكسية هي تألّيهكلِّ حياتنا وتقديس كلّ جوانبها وتجميلها تحت التأثير المجدّد للمسيح بنور السماء.

لتحقيق ذلك ، نحن بحاجة إلى دراسة مستمرة وصلاة غير منقطعةوحياة الأسرار المقدسة. أول اسم للمسيحيين كان التلميذ” [discipulus = student]. يجب أن يكون المؤمنون الأرثوذكسيون اليوم أيضًا تلاميذ يسعون لتنوير مشاكلهم اليومية من خلال دراسة كلمة الله والفكر الآبائي. على وجه الخصوص، ينبغي أن تحفِّز الصلاة جميع جوانب حياتنا.

إن النعمة الإلهية المعطاة لنا بالأسرار يجب أن تدعونا كل يوم لنصبح حقاً ملح الأرضو نور العالم“. لا يمكن تصوّر مسيحيين حقيقيين لا يحاولون أن يتزيّنوا بالفضيلة، أقلّه، على سبيل المثال، فضيلة العدالة والنزاهة. هذا يجب أن يمسّ جميع علاقاتنا وتفاعلاتنا. يجب علينا جميعاً أن نجوع ونعطش إلى البِرّ، ليس فقط بالمعنى التقني، بل أيضاً بالمعنى الخاص للخضوع للعدالة، لقوانين الدولة.

إن الناس المتشظّين بالمعنى الروحي لا يهتمون بشكل خاص بالتوافق مع قوانين الدولة. إنهم يعتبرون الدولة شيئًا خارج نمط حياتهم الديني وبالتالي خارج احترامهم. وبالطبع ، فإنهم يحترمون القوانين التي تهدف إلى الحفاظ على الوصايا العشر، لكنهم لا ينخرطون بشكل خاص في قوانين أخرى كالضرائب أو الإدارة إن النزاهة والاجتهاد مفتقدَتان أحيانًا إلى حدٍ لا يتحمله حتّى الوثنيون“. الضمير المهني، بمعنى أن على المسيحيين أن يعطوا قدر استطاعتهم في عملهم، ليس متطوراً إلى حد كبير ويطغى عليه الاهتمام بالشبث والكمون، ويرتبط بالصلاة والضمير [ 1].

ثم ماذا نقول عن فضيلة المحبة؟ تاريخ المسيحية في هذا الموضوع هو الأكثر تنويرًا. هذه الفضيلة هي السمة المميزة للمسيحيين الأرثوذكسيين على مر القرون. منذ العصور القديمة ، سلّم الكثير من المسيحيين أنفسهم للخدمة مقدّمين ثرواتهم، وأطعموا الآخرين [2]. في كثير من الأحيان ، وفّر المسيحيون الأموال المتراكمة بالعمل الصادق ، واستخدموها لشراء [حرية] القديسين وإنقاذ العبيد والسجناء والأسرى والمظلومين والمدانين ومَن مثلهم [3]. عندما، على سبيل المثال، في زمان ماكسيميان، تفشّى الطاعون والمجاعة، المسيحيون كانوا الوحيدين الذين قدموا رعاية المحبة من دون تمييز لجميع الذين كانوا يعانون إلى درجة أن الوثنيين أنفسهم مجّدوا الله بسبب المسيحيين.

أهكذا يشتعل قلبنا بمحبة القديسين باسيليوس الكبير، يوحنا الذهبي الفم، يوحنا الرحوم، ثيوذوسيوس، أفرام السوري، أولمبياذا، فيلوثاي وغيرهم من أبطال وبطلات الإيمان والحياة الأرثوذكسيين؟ أم أننا نحصر النظرة الأرثوذكسية بالمشاجرة حول الاختلافات في المواضيع التقليدية من دون مضمون؟ لا يمكن أن نكون مؤمنين أرثوذكسيين حقيقيين إذا كنا نحتمل محنة الأطفال الذين يعانون من نقص التغذية وكل أشكال التعاسة الأخرى في محيطنا. لا يمكن أن نرتاح بسهولة عندما يعيش الآخرون بعيدًا عن المسيح، ويحصدون الاضمحلال والفساد بينما نحن لا نبالي بهم. “مَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌإِنْ قَالَ أَحَدٌإِنِّي أُحِبُّ اللهَ» وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟” (1يوحنا 8:4 و20)

المسيحيون الأرثوذكس هم أناس اجتماعيون متّزنون جدًا، أصحاب شجاعة مسيحية وجرأة متواضعة. ليسوا غرباء عن المجتمع، لديهم مشاعر المحبة من ناحيته. عندما يحين الوقت للاعتراف المسيحي الجريء والشجاع، فهم لا ينظرون إلى المجتمع بشعور بالهزيمة أو شعور بالدونية. إنهم لا يخجلون بالإنجيل أمام المجتمع، بل يريدون إظهار قوة الإنجيل. إنهم يشعرون بمسؤولية القيادةنحو الطريق الذي يتبعه المجتمع.

علينا جميعًا أن نتذكر أن السمات الرئيسية للروح الأرثوذكسية هي حياة تتمحور حول المسيح وولادة روحية جديدة. نحن مدينون لأنفسنا ولجيراننا ولله أن نعيش بالإيمان والحب والرجاء.

[1]. P. Melitis, Για ν’ ανοίξει ο δρόμος, Athens 1957, p. 180.

[2]. Clement I Cor. LV, 2.

[3]. Apostolic Constitutions IV, 9.

لا نريد القيامة

لا نريد القيامة

سرجيوس ساكوس

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

يبدو القول بأننا لا نريد القيامة قاسيًا ويهزّ المصداقية في عيون القراء المطمئنين. إذا كنتَ أعمى، ألا تريد نظرك؟ إذا كنت مريضًا، ألا تريد الشفاء؟ وقيامة المسيح هي بالضبط هذا: عيونٌ في ظلامِ عمانا، وصحةٌ في عذابِ مرض قابليتنا للموت، ومخرجُ إنقاذٍ من طريق العالم الحالي المسدود إلى عالم الأبدية المقدسة اللامتناهي، عبورنا من الفساد إلى عدم الفساد.

القيامة هي حدث لا يمكن دحضه وليس مدعوماً بإيماننا وحسب، بل هو أساس إيماننا ودعمه. قبل ألفي عام، دخل شخص ربنا يسوع المسيح الإلهيالإنساني في صراع مع الموت، وبدا كأنه خضع لمصير آدم القابل للموت: “مات ودفن“. ولأنه لم يكن شخصًا عاديًا، لم يبقَ يسوع المسيح في القبر ولكن قام ورأيناه“. لقد هزم الموت وارتفع، وقف مستقيماً وحيّاً، كما رأى كثيرون واعترفوا، وخلّص الجنس البشري من هيمنة الموت والخوف منه.

ومع هذا، فالناس لا يريدون القيامة. ليس الأمر بحاجة إلى كثير من التحقيق ولا يتطلّب الكثير من الدراسة لفهم أن المجتمع المعاصر، حتى ولو من المفتَرَض أنه مسيحي، لا يرحّب على الإطلاق بقيامة يسوع المسيح. القوا نظرة من حولكم وسوف ترون أن أناساً كثيرين هم من أنصار المادية الأبيقورية (مبدأ الانغماس باللذة)، عقيدة كُلْ واشربْ وكُن سعيداً لأنك غداً تموت“. إنهم لا يستطيعون أن يروا شيئاً أبعد من شاهِدِ القبر لأنهم حبسوا ذواتهم في أشياء هذا العالم. لهذا السبب أصيب الشباب والكهول بالذعر عندما ضربت الأزمة الاقتصادية. إن خسارة الراحة والبحبوحة، أو انحسارهما، اللتين تمتعوا بهما بدت غير محمولة ولا تطاق، وعدم إشباع مشاعرهم ورغباتهم تساوى مع الحرمان من المتعة.

في مطلق الأحوال، إن القيامة، وهي حدث خارج التجربة الإنسانية، تعرّضت للهجوم من الناس منذ البداية. إنها حقًا أمر لا يُصدّق، ويتحدّى أسلوبَ تفكيرنا أن أول المشككين بالقيامة والأكثر تعنتًا في ذلك هم الذين يُتوقّع منهم أن يرحّبوا بها من دون تشكيك، أي تلاميذ الرب نفسه. ما رأوه واختبروه معه أقنعهم بأنه المسيح، لكنهم حصروه في وجهة نظرهم الدنيوية. لم يريدوا المسيا الذي تكلّم عنه الأنبياء، لم يكونوا على استعداد لقبوله كما قدّم نفسه متواضعًا ووديعًا. بحسب طريقة تفكيرهم، يجب أن يكون المسيا فاتحًا عظيمًا، ملكًا قويًا بالكامل، حاكمًا للعالم لا يُقهر. لقد كانوا فخورين به وأشادوا به عندما أطعم الحشود وعندما أقام لعازر الميت. كيف يمكن أن يقبلوا أن المسيح قد مات وأُضجِع في القبر؟ لذلك عندما رأوه مسمرًا على الصليب ومن ثم موضوعًا في القبر، ميتًا، تفرّقوا وخابوا. وحدهم أعداء يسوع بدأوا يقلقون من أنه سيقوم كما تنبأ، وسارعوا إلى إغلاق القبر ووضع الجنود لحراسته. ضد مَن؟ ضد التلاميذ المذعورين واليائسين الذين قالوا كنا نرجو أنه هو مَن يفتدي إسرائيل؟” (لوقا 21:24). “كنا نرجوأي في الماضي. ولكن الآن تلاشت آمالهم وانطفأت.

لكن يسوع كسر أقفال الجحيم وقام. الذي علّم الحقّ الذي يقدّس ويحرّر، الذي كشف سلطته الإلهية بالمعجزات والشفاءات وإحياء الموتى الذي قام به، أكّدها الآن بمعجزة المعجزات، أي قيامته هو نفسه. وعندما اقتنعوا بذلك من خلال ظهوراته المتعاقبة، أصبح التلاميذ الذين كانوا جبناء في وقت من الأوقات رسلًا، و كأسود ينفثون النار بلّغوا إلى العالم شهادتهم الصحيحة بأن المسيح قد قام. هكذا انبثق نور الرجاء من القبر الفارغ من يسوع القائم. انفتح طريق جديد في حياتنا وسعادتنا الأبدية ندوسه بالتوبة والإيمان.

هذه هي بالضبط مشكلة الناس اليوم. إنهم لا يرفضون المسيح. إنهم معجبون بصلاحه ومحبته، وكل البركات التي أمطرها على الأرض. إن القيامة هي التي تزعجهم. لو بقي يسوع ميتاً في القبر، لكان حافظ على تعاطف معظم الناس. إنه غير مرحّب به ويتعرض للهجوم اليوم بالتحديد لأنه قام، والنتيجة المباشرة لإعلان قيامته هي الطلب منا التوبة ونبذ الأهواء.

إن مسيحاً لم ينهض يمكن مماثلته مع آلهة وثنية لا تعد ولا تحصى، وهم لا يمنعون الأهواء وحسب بل يشجّعونها. ولكن ماذا عن المسيح القائم الذي أعلن: “كُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ!” (رؤيا 18:1)؟ كيف يمكنك أن تتحمل معه التأنيب على الآثام والحدّ من الشرور وتنظيم الحياة؟ هذا هو سبب رفض الكثيرين للقيامة.

عن الاستبداد

عن الاستبداد

الأب أنطوان ملكي

«يقولون: الإستبداد يُليّن الطباع ويلطّفها، والحق أنّ ذلك يحصل فيه عن فقدِ الشهامة لا عن فقدِ الشراسة، ويقولون أنه يعلّم الطاعة والانقياد، والحق أنّ هذا فيه عن خوف وجبن لا عن إرادة وإختيار، ويقولون أنه يربّي النفوس على احترام الكبير وتوقيره، والحق أنه مع الكراهة والبغض لا عن ميل وحب، ويقولون أنه يقلّل الفسق والفجور، والحق فيه أنه عن فقر وعجز لا عن عفة أو دين، ويقولون أنه يقلل الجرائم، والحق أنه يخفيها فيقلّ تعدادها لا عددها».

هذا الكلام مُقتَبَس من كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعبادلعبد الرحمن الكواكبي الحلبي، الذي كتب ما كتب أواخر القرن التاسع عشر واصفاً ما كان يراه من العثمانيين. كتاب عُدتُ إليه مؤخّراً لأنه يساعد على فهم تفكير المستبدّ فيصير توقّع ما سوف يلي من أعماله أكثر دقة. فوجدت فيه الكثير من الوصف الذي ينطبق على حالنا. وكما نقول في العاميّة: “كأنّو قاعد معنا“.

نحن ليّنو الطباع لطفاء، لأننا فقدنا الشهامة، ولم يعد يستفزّنا ظلم ولا يثيرنا فساد. نحن مطواعون نُقاد بسهولة، فيظن أن مَن يقودنا أننا مطيعون، مع أنه يعرف أننا جبناء وخائفون على علاقاتنا وعلى خبزنا وعلى الغد الذي لسنا نملكه، ويبني على ذلك. نحن نظهر بمظهر مَن يحترم الكبير لأن مبدأنا تقبيل اليد والدعوى لها بالكسر. نحن طاهرون مشعّون، مَن لا يماشينا نرميه بالفسق ونخرجه، ومَن يماشينا نرفعه حتّى ولو جعلنا الليل نهاراً. نحن لا نعدّ أخطاء أحد، كي لا يعدّ أحد أخطاءنا.

آه أيها الكواكبي، وكأنّك بيننا في قولك “الحكومة المستبدة تكون طبعاً مستبدة في كل فروعها من المستبد الأعظم إلى الشرطي، إلى الفَرّاش، إلى كنّاس الشوارع“.

الاستبداد لا بدّ أن يتفشّى لأننّا نسكت. نسكت إذا استبدّت الحكومة كما نسكت إذا استبدّ كنّاس الشوارع. و“تواسي فئة من أولئك المتعاظمين باسم الدين الأمةَ فتقول «يا بؤساء: هذا قضاء من السماء لا مرد له، فالواجب تلقّيه بالصبر والرضاء والالتجاء إلى الدعاء، فاربطوا ألسنتكم عن اللغو والفضول، واربطوا قلوبكم بأهل السكينة والخمول، وإياكم والتدبير فإن الله غيور»

يا له من وصف دقيق. المتقدمون يدفنون رؤوسهم في الرمل، ويقولون أن السكوت عن الظلم، وعن الفساد، وعن العَبَث بالقانون، وعن التفرّد، وعن غياب الحق، كل هذا السكوت هو تواضع ومسكنة وتسليم إلى الله. لكن الناس تحسّ وتميّز. وحدهم المتملّقون إذا رأوا لا يرون وإذا أحسّوا يتخطّون إحساسهم. كثُر المراؤون المتحدّثون بالقانون ليبرروا أخطاء الحاكمين ويضفوا عليها هالة الحكمة. كثُر متعددو الوجوه الذين يصفّقون للظلم. كثُر روّاد الكنائس وفرغت من شعبها.

إِنْ رَأَيْتَ ظُلْمَ الْفَقِيرِ وَنَزْعَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ فِي الْبِلاَدِ، فَلاَ تَرْتَعْ مِنَ الأَمْرِ، لأَنَّ فَوْقَ الْعَالِي عَالِيًا يُلاَحِظُ، وَالأَعْلَى فَوْقَهُمَا” (جامعة 8:5).

هذا رجاؤنا والكلام لمَن يفهم.

هل يُغرَس الإيمان عبر التربية؟

هل يُغرَس الإيمان عبر التربية؟

القديس ثيوفانس الحبيس

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

من أين يأتي الإيمان؟ الإيمان بوجود الله وقوته هو خاصيّة متأصلّة في الروح التي توجد في كل شخص بمجرد تطوّر قدراته. التربية تطوّر الإيمان وتعطيه شكلاً حتى تصير تغذيته ممكنة من خلال الأنشطة الدنيوية. هذا مختلف تمامًا عن الإيمان الذي نكتسبه في المجتمع. يغرس المجتمع الإيمان بمعاييره من خلال التربية. تأتي جميع معايير المجتمع من العقل البشري، وتتثبّت في مجتمع معين من خلال القوانين والممارسات المقبولة فيه. فالحاجة إلى هذا التعلّم قائمة لأن معايير المجتمع ليست طبيعية ولا متأصلة في الكيان البشري. هذه المعايير خارجية ما يشترط على العقل تعلّمها فتؤدي إلى معتقدات كالوطنية والحرية السياسية والديمقراطية.

الإيمان بالله يختلف قليلاً عن أي إيمان نملكه في المجتمع. نحن مصنوعون على صورة الله. لسنا بحاجة لتعلّم طبيعة هذه الصورة من أيِ من أشكال التعليم. إنه في تركيبتنا. تتطلّب معرفة الله نوعًا من المعرفة مختلفًا عمّا اعتدنا معرفته من طرق المجتمع. لا يمكن تعلم الإيمان بالله عن طريق الدراسة. يمكن اكتسابه فقط من خلال الانفتاح الداخلي لقلبنا على الواقع الموجود هناك.

هناك العديد من الطرق الممكنة للوصول إلى معرفة الله التي تقودنا إلى الإيمان. يمكننا أن نجد الله من خلال تجاربنا مع خليقته، خاصة إذا قضينا بعض الوقت في البريّة حيث ليس للإنسان تأثير. هناك، كل ما نراه هو عمل الله ونختبر جماله المذهل الذي يفتح قلوبنا على ما في الداخل. يمكن أن يرسل لنا الله رؤية كما فعل مع القديس بولس في رحلته إلى دمشق. مثل هذه الرؤى للنور غير المخلوق وصوت الله قادرة على إحداث التحوّل الفوري ولكنها نادرة. يمكننا قراءة الإنجيل ما يشعل الضوء في قلوبنا ونجده يفسر ما نشعر به في أعماقنا. إنه يفتح قلبنا على ما هو موجود فيه بالفعل. يمكن أن يحرّكنا مرشد روحي أو صديق يعطينا فكرة تفكّ هذه الأسرار الداخلية. الإيمان لا يأتي بالتعليم المنهجي بل من خلال التبصّر، أي التجربة التي تسمح لنا بمعرفة حقيقة ما هو فعلاً داخلنا.

ماذا يقول هذا عن التربية المسيحية؟ هل يمكن أن نتعلم الإيمان في المدرسة بالصلاة أو دراسة الكتاب المقدس القسرية؟ هل يمكننا اكتساب الإيمان من خلال القوانين الجديدة؟ ما قيمة مدارس الأحد التي نحاول فيها تلقيم أطفالنا بالقوة معلومات حول خطاب وممارسة إيماننا؟ هل كل هذه الجهود عبث؟

لا ، ليس كلياً، لأن محاولات التعليم هذه قد توقظ لدى البعض ما هو في داخلهم بالفعل. لكن بالنسبة للآخرين. يمكن لهذه الأنشطة أن تدخِل عقلانية تؤدي إلى رفض الله إذا كانت مبنية على افتراض أنه يمكنك تفسير الله والإيمان من خلال الخطاب العقلاني.

يجب أن يكون التعليم المسيحي الصحيح مصدر إلهام للمرء ليسعى وراء ما في داخله. يجب أن نركّز على ما لا يمكن تفسيره أو فهمه بعقلنا المنطقي. يجب أن نشجّع الإنسان على العيش في السرّ والسعي وراء ما هو أبعد من معرفة المجتمع.

هذا هو أساس الصلاة والعبادة الأرثوذكسية. توجيه المؤمنين بشكل صحيح في القداس الإلهي هو أكثر أهمية من دقائق قليلة في صف مدرسة الأحد. قد تساعدنا غرفة الصف فقط في شرح ومشاركة ما اكتسبناه من تجربتنا الداخلية. إنها تعطينا لغةً لمشاركة ما هو بالفعل غير قابل للمشاركة.

 في الختام إذا كان لدى كل إنسان إيمان، فهذا يعني أن معيار الحياة البشرية يتضمن الإيمان دون شك. وبالتالي ، فمَن ليس عنده إيمان ينحرف عن هذا المعيار ، ويصاب بالهوس الروحي. إن غير المؤمنين جميعاً هم من هذا الترتيب.

Reference: The Spiritual LIfe, pp 301-303