الخطيئة والمرض: نظرة أرثوذكسية

الخطيئة والمرض: نظرة أرثوذكسية

د. نيقولاوس كويوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

في أحد أكثر الأمثلة جمالاً في التربية الكنسية، تقول الأخت ماجدالين من دير القديس يوحنا المعمدان في آسكس، أنه لا يمكننا أن نتحدّث بشكل جاف عن هذا الموضوع الحسّاس، وأن لا نشعر بأننا معنيون. وحتّى لو اعتقدنا بأننا غير معنيين بالمرض عندما نكون في صحة جيدة، إلا أننا مع القليل جداً من معرفة الذات المسيحية فلن ندّعي بأننا لا نحسّ بأننا معنيين بالخطيئة.

هناك خطر عظيم كامن للذين يبذلون جهداً لينظروا إلى العلاقة بين الخطيئة والمرض من زاوية لاهوتية: فهم سوف يغلقون الموضوع بأفكار نمطية قاسية غالباً ما نسمعها حتّى من الباب الملوكي وهي تقدّم اللاهوت والكنيسة وكأنهما صارمين ولا بل قاسيين في الحالتين اللتين تنطبقان بشكل مطلَق على الشخص البشري: الخطيئة والمرض. هنا بالضبط حيث الإنسان المجروح، الخاطئ والعليل، في حاجة قصوى للكنيسة والكاهن واللاهوتي وكل مسيحي.

إن الأمر يتطلب خبرة روحية أصلية وتمييزاً عظيماً إن أردنا مقاربة هذا الثنائي الشديد الترابط، الخطيئة والمرض، من خلال حقيقة الإيمان واللاهوت ومن دون غض النظر عن لبّ الإيمان واللاهوت، أي المحبة والإحسان.

بحسب القديس غريغوريوس بالاماس، إن الذين لم يحققوا أي خبرة مباشرة فإن الطريق الأكثر أماناً هو العودة إلى الآباء القديسين والشيوخ المتميزين الذين يقودهم الروح القدس. ينبغي أن تكون نقطة انطلاقنا دوماً ما تؤكّده النصوص الإنجيلية التي، بحسب الشيخ صوفروني آسكس، تحفظنا من ارتكاب جهود طائشة ورديئة.

سوف نحاول إذاً أن نضع هذا الأمر ضمن إطار الرواية الكتابية، مع بعض الاسترداد التاريخي ومن ثم التقدّم نحو اﻹشارة إلى بعض الأوجه التي نعتقد أن لها قيمة خاصة ليس بسبب ثقلها اللاهوتي بل بوجه خاص بسبب ملاءمتها الرعائية.

لطالما طرح المرض والألم مشكلة دقيقة عبر العصور، خاصةً من جهة فهمهما. في العالم القديم، أراد الناس لا أن يشفوا الألم والمرض وحسب بل أيضاً أن يفسّروهما. قد يكون أنّ البشر في العصور القديمة جداً، حين وسائل الشفاء كانت قليلة وعديمة الفعالية، كانوا يميلون إلى تبنّي تفسيرات غيبية أكثر من التوجّه نحو الأسباب البيولوجية. في الشرق القديم، الأقصى والأدنى، رأى الناس المرض كبليّة تطلق عنانها الأرواح أو الآلهة لخطأ في العبادة أو كحركة تعكس العجرفة. كانت الأرواح والآلهة تغضب وكنتيجة لذلك ترسل المرض الذي كان البشر يحاولون إزالته بالتعاويذ والتضرعات والضحايا. ليس من باب الصدفة أنّ في الديانات القديمة كان الكاهن أو الشامان يأخذ دور الطبيب كوسيط بين العالمين المادي والروحي.

تغيرت الأمور كثيراً من الزمن حين أوجد اليونان القدامى فن الطب وعلمه وطوروهما، عبر الملاحظة المنهجية. يعرف أغلب الناس استمرارية التاريخ منذ أبقراط، إلى جالينوس المسيحي، نزولاً إلى أيامنا. جدير بالإشارة عند هذه النقطة أنّ الطب لم يولد فقط في الحضارة اليونانية بل ازدهر فيها عبر عصور كثيرة. بحسب المصادر، الأطباء اليونان تفوقوا جداً على الرومانيين، لكن كان لدى البيزنطيين دائماً أطباء استثنائيون. خلال الحكم التركي، أنتج الشتات اليوناني شخصيات طبية مهمة. حتى أول حاكم لليونان الحر، يوحنا كابوديسترياس، درس ليكون طبيباً. إلى اليوم، يبرع اليونانيون في الطب، في بلادهم وخارجها. في هذه اللحظة، في أكثر بلدان الاتحاد الأوروبي تقدماً، اليونانيون مطلوبوم جداً كأطباء. إذا اعتبرنا دور الأساطير الحضرية في التقدم المهني، فقد يكون خلف هذا التقدم التقليد اليوناني بتمنّي رؤية الناس يعيشون أصحاء ومعافين من جراحهم.

نأتي الآن إلى طريقة تعاطي الكتاب المقدس مع ظاهرة المرض. يكمّل الوحي الإنجيلي التقليد القديم المذكور أعلاه في الشرق وبين النهرين. نقطة تركيزه شبه المطلقة هي على المعنى الديني للخطيئة والشفاء، ضمن إطار المخطط الإلهي للخلاص. بمعزل عن أي شيء آخر، المرض هو تعبير عن سلطة الموت على الجنس البشري (1كورنثوس 28:11-32).

في العهد القديم، الصحة – والحياة بكل مظاهرها بشكل عامتفترض مسبقاً وجود قوة محيية. من النادر أن يكون سبب المرض طبيعياً والملاحظات الطبية محدودة بشكل خاص. كل شيء يتوقّف على الله ولا يشذ المرض عن هذه القاعدة. لذا يوجد كثرة من الإشارات حيث الله يسمح بالمرض، ما يستتبع عادةً وجود قوى روحية تتدخل، كملاك الهلاك والشيطان في حالة أيوب.

الارتباط بين الخطيئة والمرض شديد وشبه تلقائي في الروايات الكتابية. ليس المرض ضمن نطاق قوة الخلق التي بها خلق الله العالم والبشر. إنه يأتي كنتيجة للخطيئة. في الوقت عينه، إنه إشارة لغضب الله الذي يضرب الخطأة، إسرائيل الخاطئة والعالم الخاطئ. إلى هذا، يوجد أيضاً وجه تربوي في خبرة المرض حيث تهدف إلى شحذ وعينا لإثمنا. إنه لنموذجي أن في المزامير، طلب الشفاء هو دائماً مصحوب بالاعتراف بالخطيئة نحو الله: “لَيْسَتْ فِي جَسَدِي صِحَّةٌ مِنْ جِهَةِ غَضَبِكَ. لَيْسَتْ فِي عِظَامِي سَلاَمَةٌ مِنْ جِهَةِ خَطِيَّتِي.لأَنَّ آثامِي قَدْ طَمَتْ فَوْقَ رَأْسِيلأَنِّي لَكَ يَا رَبُّ صَبَرْتُ” (مزمور 38). وهناك المرض الذي يضرب شعب الله كله، دون أن يكون المتلقّون دائما مذنبين. هنا يأتينا السؤال العظيم المستعصي حول العدالة الإلهية: من أين يأتي الشر (Unde malum)؟ مَن يُلام عليه؟ فلنترك هذه الفكرة إلى وقت لاحق. إن الورطة التي يخلقها هذا السؤال في زمن اليوم العقلاني هي أكثر شدة مما كان عليه في زمن إسرائيل القديم، وطريقة تعاطينا معه في عملنا الرعائي هي بشكل مساوٍ تحدٍ عظيم.

لدينا أيضاً حادثة أخرى حيث البارّ يعاني من دون ذنب، كما في أيوب وطوبيا. في هذه الحالات يقدّم الكتاب المقدس الجواب: الهدف هو إظهار أمانة المؤمن وتمجيد اسم الرب ليكن اسم الرب مباركاً“.

كما يوجد منظور نبويأخروي للمرض. إن عبد يهوه في أشعياء يحمل مرض شعب الله ويتألّم بهدف التكفير عن خطايا شعبه (أشعياء 4:53).

يجب أن نشير إلى أن في العهد القديم لم يكن محرّماً في أي مكان اللجوء إلى العلم الطبي لشفاء المرض. على العكس، في حكمة سيراخ، الطبيب هو شخصية مكرّمة، ليس لمنفعته المهنية وحسب بل أيضاً كحامل لبراعة مفضلة لدى الله نفسه (“لأن الرب جعله فيها“). في أي حال، يوجد أفضلية واضحة لإحالة المرض إلى الله وطلب الشفاء ممَن هو معروف على أنه سيّد الحياة. يعترف الشعب بخطئهم بتواضع، يندبون البؤس الذي سقطوا فيه وينتظرون النعمة والرحمة من الله. بهذه الطريقة، الشفاء هو إشارة إلى حضور الله.

بالرغم من طبيعته التربوية، لا يتوقف المرض عن أن يُعتَبَر بموضوعية كشيء شرير وأن يُنظَر إلى إبادته الشاملة عبر منظور أخروي. في آخر الأزمنة، عندما يجدد الله العالم، سوف تمحى العلة ونتيجتها، أي الخطيئة والمرض معاً.

لقد استمر اليهود في العيش في زمان العهد الجديد في الحالة التي وصفناها. حادثة المشلول عند بركة الغنم وسؤال التلاميذ عن الرجل الأعمى: “مَن الذي أخطأ؟تؤكّد بشكل أكثر أو أقلّ هذه النظرة لهذه الثلاثية المؤلّفة من الخطيئة والمرض والتدخل الإلهي.

إن حضور المسيح يبرهن تحولاً نحو اختلاف في الممارسة كما في الرؤية. يستجيب المسيح مباشرة لمَن هم في المرض. إنه يشفق عليهم ويشفيهم ويحررهم من قيود المرض. من المهم الإشارة أن هناك حالات حيث المرض يتعلّق بباثولوجيا الجسد، أو بمرض النفس كالمسّ الشيطاني أو مزيج من الإثنين كما في حالة المرأة المنحنية. هذا المزيج من الخطيئة والمرض يبدو حاضراً في الحوادث التي فيها المسيح يشفي وبالحقيقة هو يشير إلى هذا المزيج. هنا يصير عندنا عامل آخر لا نستطيع إغفاله. المسيح يشفي أولاً ومن ثمّ يناشد الإنسان لا تعد تخطئ“. ما يريد رؤيته أولاً هو الإيمان والثقة بشخصه لا التبكيت. التوبة كابتعاد عن حياة الخطيئة نحو الحياة الحقيقية كانت مطلوبةً بعد أن يعطي نعمته وموهبته. كان يشتهيها كنتيجة للاشتراك في محبته، وكشرط ملهِم لا كفرض أو ضرورة. بالنسبة للمسيح، هؤلاء المرضى قد عانوا قدراً كبيراً من العذاب، وليس بنيّته أن يزيد على هذا. إنه يرغب بتحريرهم، بإعطائهم أجنحة، بملء روحهم بالرجاء والإصرار، حتّى تكون التوبة نتاجاً للحرية.

في حوادث كحادثة المرأة الكنعانية أو والد الصبي الممسوس، يبدو المسيح وكأنه يصعّب الأمور ليس على المرضى أنفسهم بل ليعلّم الآخرين من الحضور وبالتحديد أولئك الذين في دائرة تلاميذه. وينبغي أن نلحظ هنا أمراً آخراً وهو على نفس القدر من الأهمية. تشير الرواية الإنجيلية إلى أن المسيح كان يرغب بشفاء المرضى حين يطلب منه ذلك طرف ثالث. بتعبير آخر، حين كان الطلب يأتي من قريبٍ، خصوصاً مع شعور متواضع بالمجاملة، كما في حالة قائد المئة التي حيث فوق هذا يأتي القريب من مستوى اجتماعي آخر أو من أمة أخرى أو من عرق آخر وغيره. بتعبير آخر، يمرر المسيح شيئاً من قوته الشافية إلى الأشخاص الذين يطلبون المعونة، إذ يقلّدونه في التعبير عن وصية المحبة المزدوجة بالتواضع نحو الله والمحبة للإخوة من البشر.

بالطبع، هذا كله لا يعني أن المرض أزيل مع مجيء المسيح إلى العالم، بالرغم من أنه في إعلانه شفاء المريض يشير المسيح إلى حضور الله في شخصه هو. إلى جانب طلبه منهم ألاّ يعودوا يخطئوا ينذر المسيح نبوياً لِئَلاَّ يَكُونَ لَكَ أَشَرُّ“. هذا الإنذار ليس ذا طبيعة شخصية فقط للمريض المعني بل هو أيضاً تألّم نبوي على البلايا التي سوف تصيب الجنس البشري. إن سر الإبراء الإلهي هو الآن حقيقة تاريخية مكتملة، من خلال التجسد والصلب والقيامة. إن الطبيعة الإلهية اتّخذت طينَنا علاجياً واتحادياً وهو الآن يجلس عن يمين الآب. لكن بُنية الخلاص كلها لا تستطيع استئصال حقيقة الحرية البشرية الكلية القوة التي مُنِحَت لكل واحد منا عندما وُضِعَت صورة الله فينا، بشكل لا يمكن انتزاعها. وهكذا، بالرغم من لطف الله وتحذيره في الملكوت كما من خلال المسيح في الأناجيل، ما زلنا نعود إلى الخطيئة ونسبب لأنفسنا ما هو أشرّ“. في هذه الحالة بالتحديد، الأشرّليس أن يصير الإنسان أكثر مرضاً مما كان عليه، بل هو قساوة القلب التي تقع عندما ينسى البشر الهبة الإلهية، أو ما هو أسوأ عندما يزدرون بها. عندما لا يؤدّي الشفاء من المرض والخطيئة إلى حمد الله وتمجيده، ولا إلى التوبة، عندها يحوّل الناس الشفاء، بطريقة أنانية ومتمحورة حول ذواتهم، من سبب للخلاص إلى فرصة للخطيئة.

هنا أحد أوجه العملية الشفائية المهمة بشكل خاص يصير ظاهراً: اكتمال العملية يتطلب القبول والمساهمة البشريين. الله، بعمله كفائق القدرة ولكن ليس كديكتاتور ينتظر ردّ الحرية البشرية على هبته، حتّى بمعزل عن مرض الجسد يستطيع أيضاً ان يشفي الإرادة. إنه قادر على أن يجعلنا نطلبه ونحبه بحرية، إنه قادر على جعل الصورة المخلوقة تعود بشكل دائم إلى الأصل.

إذاً، واضح في الرواية الإنجيلية، أن المسيح يعتبر أن الخطيئة هي المرض الرئيسي في الطبيعة البشرية. لهذا السبب هو غالباً ما يبدأ شفاءه بإعطاء الحلّ من الخطايا. كخالقٍ، إنه يعرف أحكام طبيعتنا أكثر من أي آخَر كان. إنه يعرف تماماً انه من الصعب تنوير البشر سواء من خلال الخوف من المرض أو بنعمة الشفاء. إنه يقدّم موته على الصليب على أنه الشفاء الحازم والنهائي لمركز المرض، أي الخطيئة. هناك، يكتسب المرض والألم البشري معنى مختلفاً. يعلن المسيح متى ارتفعتُ، أجذب الكل إليّ“. هذا الجذب يطبع منظوراً مختلفاً نوعياً على الوجود البشري وهو إلى حد كبير يمثّل انقلاباً. إن نبوءة أشعياء تتمّ وما يعمله المسيح لنا لا يستطيع الناس أن يعملوه لأنفسهم، وهو ما يصفه الرسول بولس بلغة مأساوية في رسالته إلى أهل روما: “وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟الخطيئة تنغلب بشكل كامل مرة واحدة مع الصليب والموت والقيامة.

في النهاية، كل هذا هو سر غير مفهوم عندنا في جوهره مع أنه متاح لنا من خلال حياة الكنيسة. إن تغيرنا الأسراري بالمعمودية والميرون والمناولة الإلهية والميرون المقدّس يمنحنا إمكانية رؤية المرض كاشتراك في الصليب الذي يقود إلى القيامة، ليس بعد الآن كوسيلة للتنوير، بل كحالة من النعمة التي تقود إلى التألّه. هكذا يُنظَر إلى المرض من منظر الفداء الخلاصي.

حتى ولو نجحنا في تقديم رسم تقريبي للعلاقة بين الخطيئة والمرض عبر منظور لاهوتي، يبقى عندنا أسئلة متّقدة نطرحها على ذواتنا كما على الذين يتوجّهون إلينا بشكل لا يمكن تلافيه:

1. كيف يختبر عملياً كلٌ منا العلاقة بين الخطيئة والمرض؟

2. كيف يمكننا أن نصنّف ونشرح وننقل هذه الثنائية إلى الآخرين القريبين منّا والبعيدين؟ كيف يمكننا أن نتعامل مع الحالات الصعبة كالأمراض الخطيرة عند الشباب، أو موت أحد الأحباء الفجائي؟

3. كيف يمكننا أن نتحدّث إلى الآخرين عن كل هذا؟ هل هم جميعاً في موقع يسمعون ويستوعبون نفس الكلمات؟

قد لا يكون هناك منظار من خلاله نعالج هذه الأسئلة أفضل من الأدب النسكي في تقليدنا الهدوئي. عبر تحليله الجراحي للشخصية البشرية، يمكن لهذا التقليد الهدوئي أيضاً الولوج إلى سر كائننا النفسجسداني (psychosomatic) بروح من التمييز الخيّر وبهدف تقديسنا وشفائنا الكلي. هناك الكثير من الإشارات في نصوص الآباء النسّاك القدماء، وبدلاً من العودة إليهم للمساعدة في تقديم نظرتي هنا، قد اخترتُ أن أعود إلى كتابات القديسين المعاصرين والشيوخ المتميّزين، كالقديس باييسيوس والشيخ صوفروني من آسكس والشيخ أميليانوس من سيمونوبترا. إن فهم تعليم هؤلاء القديسين والشيوخ أكثر سهولة لجيلنا. علينا أن نتذكّر أنه حتّى عندما يتوجّه هؤلاء الشيوخ إلى الرهبان وليس إلى العلمانيين، فإنهم يعرفون جيداً أن مستمعيهم هم أشخاص وُلِدوا وترعرعوا في هذا الجيل، جيل العقلانية والتشكيك في كل شيء والاستهلاك على كل المستويات، والمكننة حتى للجسد البشري، والسعي إلى السهل من الأمور. عندما كان خريسوستوموس أسقف رودوستولون رئيساً للمدرسة الأثوسية كان يقول: “في الجبل المقدس نحن نصدِر شهادات وفاة فقط، لا شهادات ولادة“. ما كان يعنيه هو أن كل الرهبان هناك يحملون معهم إلى حد ما خبراتهم ومشاكلهم وخطايا العالم خارجاً.

حريق في اليونان ونار في أنطاكية

حريق في اليونان ونار في أنطاكية

الأب أنطوان ملكي

في الشهر الفائت وقع حريق في بعض مناطق اليونان فانخضّت أنطاكيّا الإلكترونية. سبب الخضّة أن صوراً جرى تداولها تظهِر أن النار أكلت أحد البيوت وتوقفت عند زاوية الأيقونات. الصور مأخوذة من فيديو تقرير في نشرة أخبار أحد المحطات اليونانية وفيه يقول مراسل المحطة أن توقُف النار عند هذا الحد معجزة ويظهِر أن النار لم تنتقل إلى ما تبقّى من البيت خلف خط الأيقونات. تناقل كثيرون هذا الخبر على الفايسبوك ومنهم مَن استرسل في تهليله للمعجزة رابطاً حدوثها باليونان أرض القديسين”. من جهة أخرى كانت الأخبار تقول أن الضحايا البشرية بالعشرات. ومن الأخبار التي لم يعلّق عليها أحد أن الحريق أتى على دير بالكامل وأن كنيسةً لم تنجُ.

وجدت مجموعة من الأنطاكيين الكلام عن المعجزة والتهليل والتُقوية التي تقبل المعجزة شعوذةً وغباءً ورجعية. هؤلاء رأوا أنه ليس منطقياً أن تنجو الأيقونات ويسقط الناس. ومنهم مَن رأى عنصرية وتعصّباً في اهتمام الناس بحريق اليونان وقلّة اهتمامهم بغيره من الكوارث في العالم.

من دون الدخول في الأسماء، كتب أحد الأشخاص على جداره في فايسبوك: “الإله اللي قادر يوقف النار عن الأيقونات ومش قادر يوقف النار عن 80 شخص ماتوا حرق هو اله معتوه ومريض ومحله الزبالة، هناك مَن أبدى إعجابه بهذا التعبير وشجّعه. من جهة أخرى، اعتبر البعض هذا الكلام إهانة لله وتجديفاً وسجّل اعتراضه. من المعترضين مَن اكتفى بالتعليق عن الكلام بذاته، لكن غالبية التعليقات كانت في الخاص، أي أنها هاجمت الكاتب لا المكتوب. لا تُنكَر شجاعة الكاتب الذي ألغى المساهمة معللاً بأن اللغة التي استعملها لم تكن مناسِبة. مع هذا علّق بعض قصيري النظر يلومونه على إلغائها.

جدير بالذكر أنه لم يكن الوحيد في التعبير بهذه الطريقة. صبية كتبت: “إلهٌ يتجسّد ويموت ويقوم من أجل كلّ الناس لا تهمّه الأيقونات أكثر من ضحايا الكارثة. كفى استغلال حادثة مؤلمة وحزينة لإرضاء الكبرياء.” هنا أيضاً هناك مَن وجد فشّة خلقفي هذا الكلام ومنهم مَن مدح الكاتبة والجينات التي فيها.

قبل الخوض في أي نقاش، ضروري إدانة كل بذاءة عند التحدّث عن الله أو عن الناس الذين هم صورة الله. مهما كانت جسامة الموقف المُبتَغى التعبير عنه سواء في المجتمع أو في اللاهوت أو حتّى في الأخلاق، لا يليق الكلام النابي. في الأرثوذكسية، نتوقّف عند الشكل كما عند المضمون. كل الأزمة البالاماسية بدأت بالظاهر أزمةَ شكل، لكنها في النهاية أثبتت أن الشكل يعكس المضمون. لهذا، كل تعبير بذيء يخرِج صاحبه من الإطار الكنسي حتّى ولو كان دفاعاً عن العقيدة. لا يستطيع أحد أن يدافع عن الله أو عن الكنيسة بالإهانات.

في الواقع، ما جرى أظهر، لمَن لم يرَ بعد، وجود مدرستين فكريتين في الكنيسة، وربما أكثر. إحدى هذه المدارس تتبنّى موقفاً إنسانوياً يقوم على العقلانية واستبعاد التقوية. المدرسة الأخرى تقوية وبعض مَن فيها يخلط بين التقوى والتبسيط الذي ينافي العقلانية. إلى هذا، نلاحظ أن غالبية الذين أزعجهم التهليل لتوقّف النار عند الأيقونات، هم أنفسهم الذين ينزعجون كل سنة في سبت النور، ما يشير، من دون تعميم، إلى أن المشكلة الأساسية هي مع المعجزات ككلّ. ينبغي التأكيد على أن هذا الاختلاف ليس حصرياً في كنيستنا بل في كل كنائس العالم. هناك فرقان يميّزان هذا الاختلاف في أنطاكية عن غيرها: 1) في الأماكن الأخرى قد يؤدي وجود هذا الاختلاف إلى تفاعلٍ بين المؤيدين والمخالفين وقد يتّخذ التفاعل أحياناً شكل صراع بين التقوية والعقلانية، ويبلغ بين الحين والآخر أشكالاً خلافية حادة. أما في أنطاكية فقد انتقلنا مباشرة إلى الخلاف. 2) الفرق الثاني هو أن في غالبية الأماكن، التقويون هم الذين يتبنون إجمالاً الموقف الهجومي، بينما عندنا العكس.

يلاحظ القديس يوستينوس بوبوفيتش أن الإنسانويين عندما لا يقبلون أمراً ما يهاجمونه ويصدر عنهم كلام غير تقليدي. هذا ما جرى عندنا في الخضّة المذكورة حيث يندرج الكلام المذكور أعلاه في خانة تحديد عمل الله وتحميله مسؤولية سقوط ضحايا. لكن أين الرابط بين أن تقف النار عند الأيقونات وأن يكون الإله قد تجسّد ومات وقام من أجل كل الناس؟ العلاقة ليست واضحة والربط غير معقول. إذا كان قبول وجود المعجزة هو كبرياء، فهل رفضها تواضع؟ هل توقّف النار عند الأيقونات يعني أن الله يهتمّ بالأيقونات أكثر من البشر؟ هل سقوط الأشخاص يعني أن الله عاجز عن إنقاذهم؟ أيضاً قرأنا تعبيراً أكثر وضوحاً في هذا الاتجاه: “خطأ أن نلصق الصفة العجائبية ببعض الظواهر الطبيعية، إن صحّ خبرها، وننسب الى الله تدخلّه لانقاذ حجرٍ أو رمزٍ أو مكان، وإن مقدَّس. كأننا بذلك نوحي بتغافله عن التدخّل لأجل الانسان وانقاذه ولجم مآسيه، الانسان الذي هو ثمرة محبّته والأثمن في عينيه…الكلام عن الإيحاء كلام يطال النيات: “كأننا بذلك نوحي…”. هذا لا يستقيم روحياً ولا يبني.

في أنطاكية، أوضح ممثل للمدرسة الفكرية الإنسانوية هو خط تحتضنه حركة الشبيبة الأرثوذكسية. هذا الخط يتعامل مع كامل الكنيسة، من الإكليروس والعلمانيين، على أنه هو المعلّم والعارف مستنداً إلى تعليم مجموعة محددة يتقدمها المطران جورج خضر والمرحوم كوستي بندلي. علمياً، ما يمارسه هذا الخط يُعتَبَر تزمتاً، أفضل وصف له يأتي على لسان صاحب السيادة سابا مطران حوران: “يغذّي هذا التزمّت التعلّق الأعمى ببعض الرموز الدينيّة، وينصّبها بمثابة آلهة لا تخطئ. وقد يصل الأمر ببعضهم إلى حدّ تأليهها، وتالياً طاعتها وتصديقها بشكل أعمى دونما أيّ حوار أو استفهام ولو في الحدّ الأدنىيكمن خطر هذا الواقع في أنّه يغلق على صاحبه كليّاً، بحيث لا يعود يرى سوى معلّمه وما يقول، ولا ينظر إلى أحد أو رأي أو تفسير أو اجتهاد إلا من خلال معلّمه. يختصر معلّمه الكنيسة والإنجيل وحتّى الله. وفي هذا تصنيم حقيقي لإنسان يُعصَم عن الخطأ. بينما يعلّمنا كتابنا وتراثنا بأن ما من إنسان خالٍ من الخطيئة إلا يسوع المسيح.”

إن هذا الخط مدعو لأن يقبل بأنّ مَن يعتبرهم معلمين ومقياساً للعلم والمعرفة لا يتمتّعون بنفس الدرجة من القبول لدى كل شرائح الكنيسة. من هنا لا داعي لتكرار نفسَ الدعوةَ إلى تبنّي فكر المعلمين غير المُتوافَق على قبولهم، كما ورد بالشكل التالي: “رحم (الله) معلّمنا في المسيح كوستي بندلي. ليتكم تقرأوه. ليتكم، مثلاً، تقرأوا الله والشرّ والمصير، وتعلّموه في هكذا مناسبات حيث التعليم وتحملوا مضامينه في الكنائس والعظات الى العقول والضمائر والقلوب!” ما قيمة دعوة يعرف كاتبها أن الكتاب المذكور ليس مقبولاً عند كثيرين من الذين يقرؤون؟ إلى هذا، هل اختصر الكاتب أو الكتاب المذكورَين الإنجيل والآباء والتقليد أو تخطّاهم؟

ماذا نستنتج؟

في الأرثوذكسية، تقليد الكنيسة أوسع وأقدم وأكثر موثوقية وتنوعاً من شخص أو من كتاب أو من تيار، والمؤمنون يقرؤون هذا التقليد ويسيرون به، على قدر ما أوتوا من موهبة. مشكلتنا أنّ المنطق اللاهوتي ضعيف ومهمَل في أنطاكية ما ينسحب على كل الحوارات الداخلية فتتعثّر. غياب الحوار اللاهوتي يغيّب المرجعية المُطالَبَةَ أصلاً بتحفيزه. يستطيع مَن يشاء أن يقول ما يشاء، وطالما المنطق اللاهوتي غائب عن تعاملنا اليومي، أي طالما أن قراراتنا تؤخَذ بالتدبير وممارستنا تحكمها العشوائية، فلا شكّ سيأتي يوم نعجز عن تدبيره، فنضطر إلى إغلاق الكنائس واﻷديار وتفريق المجتمعين، فننتقل من الأقليّة إلى الندرة. يسكن في أنطاكية خوف مزمن من تسمية الأمور بأسمائها ومن إدانة الخطأ. هذا الخوف يضع الكلّ في خانة مخطئين. وفيما يظن القائمون أنهم بهذا يكسبون الجميع يرتمون والكل معهم بين شدقي هذا العالم الذي يبتلع الجميع. هناك ضرورة للقطع باستقامة كلمة الحق. هناك حاجة لفتح حوار بين مكوّنات هذه الكنيسة تضبطه العقيدة والمحبة لا السلطة.

هنا أيضاً نختم بكلام لصاحب السيادة سابا: “في زمننا الحالي تحدّيات كثيرة وجوهريّة للإيمان، بعضها قديم قِدَم ظهور الدين وبعضها جديد ناجم عن التحولات المتسارعة والجديدة بالكليّة على البشر والمجتمعات. من الطبيعي أن تظهر آراءٌ تقارِب التحدّيات المعاصرة بروح متفاوتة في الجرأة في استعمال اللغة ومواجهة الثقافة وسبر الجوهر الإيماني الثابت الذي لا يتغيّر ومحاولة خلق تعابير جديدة يمكن للإنسان المعاصر أن يفهمها. هذا كلّه يستدعي تأصلاً وانفتاحاً في آن. لذا يصير الحوار ضرورة ماسّة، والاقلاع السريع عن التراشق اللفظي أكثر إلحاحاً.”

محاربة العزلة في عالم غير شخصي

محاربة العزلة في عالم غير شخصي

آريك هايد

نقلها إلى العربية بتصرّف الأب أنطوان ملكي

إذا سبق لك أن وقفت في غرفة مزدحمة وأحسست بأنك وحيد بشكل كليّ إذاً انت تفهم أن العزلة ليست هي نفسها أن تكون وحيداً. بالنسبة لشخص منعزل، الجموع تضخم وحدته ولا تنقصها.

الطبية النفسية فريدا فرومريتشمان وهي باحثة بارزة في ظاهرة الوحدة أواخر الخمسينيات، عبّرت عن الأمر بشكل بسيط:”العزلة هي انعدام الإلفة“.

بحسب دراساتي وخبرتي أوافق بشكل مطلَق على هذا الكلام. لا علاقة لأن يكون الإنسان وحيداً بالعزلة. العزلة هي علامة على أن أمراً ما لا يعمل في عالم الإلفة عند هذا الإنسان؛ اي أن اتصاله بالآخرين مقطوع بشكل عميق وعلى مستوى أولي، إنه انقطاع الاتصال عن نفسه.

على الأكيد، مجتمعنا المعاصر لا يساعد. نحن معطوبون من فوق إلى أسفل بالعلاقات الاصطناعية. بالنسبة لكثيرين، كل يوم هو مغامرة جديدة في وجود مُقَلَّد يبدأ بصفارةِ منبّه رقمي، وفطور مصنّع، وسيارة بلاستيك تقودنا عبر أدغال الباطون والزجاج إلى مكان عمل أو مدرسة حيث يخضع كل لقاء اجتماعي لقوانين ارتباط لامتناهية مختَلَقة، وينتهي بالأقنعة المهنيةالتي تخفي كل أثر للشخص خلف العيون. من السخرية أن الكثيرين منّا خلال النهار كله يشعرون بومضة من ذواتنا الحقيقية عبر تفاعلاتنا المفتعلة باهتمام على مواقع التواصل الاجتماعي حيث نحن محميين من الآخربشاشتين رقميتين وقمر اصطناعي.

يبدو الأمر رهيباً. يبدو أن العزلة لها اليد العليا إلى حد أنّ المبارزة يمكن استمرارها فقط من خلال آلية استلحاق قوامها الهروب، سواء كانت بعض أشكال الإدمان أو شكلاً عمومياً من العصاب.

لكن الأمل موجود. يمكن للإنسان أن يتغلّب على العزلة في عالم مختَرَق بالسطحية، بطريقة بسيطة جداً إلى درجة تجعلها أحد أكثر الأشياء صعوبة. قد يجد المرء تقنياتلا تنتهي لمحاربة العزلة في كتابات علم النفس، والبعض منها لا بأس به. بعض المفضّلات لدي: أ) إعادة تشكيل الوحدة كإشارة لتغيير طرق الإنسان مقابل الاستسلام لليأس، ب) (ب) إعادة توجيه تركيز الإنسان من الوحدة المزمنة إلى نقاط القوة والاهتمامات حيث يمكن استخدام بعض الاختيار المعرفي في تغيير تصورات الحياة، ج) التأمل في مفارقة الوحدة، أي كما ناقشنا أعلاه، والفروقات بين أن تكون وحيدًا وأن تكون منعزلاً، ود) إيجاد فرص للتفاعل مع الطبيعة الصافية بالقيام بنزهة في الحديقة وصيد الأسماك والتخييم والتحديق في النجوم وما شابه.

لكن التقنيات ليست فناً كاملاً أبداً. تماماً كما أن تعلّم تقنية أو اثنتين في الملاكمة لا يحوّل الإنسان إلى محمد علي، كذلك تعلّم تقنية أو اثنتين لحلّ مشكلة نفسية حادة لا يجعل أحداً سيّد نفسه.

إذا كان الإنسان يتصارع فعلاً مع الوحدة فليس هناك علاجات سهلة وبلا مجهود. العلاج هو مشروع جادّ من الإلفة مع الذات.

ولئلا يتهمني أحد بتخطّي أهم مقاييس الإلفة، أي إلفة الإنسان مع الله، فإني أذكّر القارئ بكلمات المسيح: “إن ملكوت الله هو في داخلكم“. لا يكسب الإنسان الإلفة مع الله إذا كان يتعاطى باحتيال مع نفسه. إذا كان ملكوت الله في الداخل فإن دخول الملكوت يتطلّب طلب الذات الحقيقية بين طبقات خداع الذات. إن الجزء الأكبر من الصراع النسكي، الذي الكلّ مدعوون إليه بغض النظر عن الانشغالات، هو تخليص أنفسنا من الأهواء التي تغرق إيماننا بسهولة. كما يقول القديس مرقس الناسك من القرن الخامس: “ينبغي أن تتوافق حياتنا الخارجية مع تقدمنا الداخلي، وصلواتنا إلى الله مع حياتنا“.

الانعزال هو بالحقيقة إشارة إلى أن شيئاً في حياة الإنسان النفسية الروحية غير متوازن، والسبيل الوحيد لبلوغ قعره هو مراقبة الذات عن كثب وبأمانة. في أي حال، مراقبة الذات لا تعني الاستقلال في المسلك، أي مغارمةً إضافية في الشخصانية، التي هي نفس الوحش الذي أمسك بنا في هذه الفوضى من البداية.

بخبرتي أن الغالبية الكبرى من الناس تطلب المساعدة من شخص آخر في هذا العمل. لهذه الحقيقة معنى كبير، إذ إذا كان الانعزال ضمنياً مرتبطاً بتعطّل الإلفة فعملية الشفاء سوف تستدعي المعونة من علاقة بشرية. هذه العلاقة ممكن إيجادها في عدد من الأماكن: الشريك (الزوج أو الزوجة)، صديق صدوق، مرشد ، راعٍ، أو غيره. أنا من المحظوظين القلائل إذ لدي زوجة حكيمة، أصدقاء رائعون، وكاهن من الله يساعدونني في رحلتي. ولكن حتى ولو لم يكن لدى الإنسان أحد من المذكورين يمكنه دائماً أن يجد مرشداً مجرّباً يدعمه في حربه.

ملاحظة أخيرة: إن التغلب على العزلة لا يتطلب أن يتخطّى الإنسان عالمه المركّب مادياً، كأن ينسحب إلى البرية ليتّحد بالطبيعة. لو كان الأمر كذلك لما كان لغالبيتنا أي فرصة. إن غلبة العزلة تتطلب تخطّي الانعزال الذي يفرضه الإنسان على ذاته بذاته. هذه المعركة بسيطة بقدر ما هي صعبة، بسيطة في المفهوم لكن فائقة الصعوبة في التنفيذ.

لقد حاولت بقدر ما يسمح مقال قصير أن أصوّر المشكلة الأساسية وأشير بالإصبع إلى الوجهة الصحيحة للمساعدة. ما تبقى هو أن الصراع قضية ذاتية شخصية، هذا الصراع الذي متى انخرط فيه الإنسان بأمانة يكتسب منه تربيةً على طول الطريق.

إنهاء العزلة والوحدة

إنهاء العزلة والوحدة

الأب الرئيس تريفن

نقلها إلى العربية بتصرّف الأب أنطوان ملكي

في زمن لم تعد العائلات تتناول الغداء معاً والأولاد يحضرون التلفاز ويلعبون ألعاب الكومبيوتر ويرسلون رسائل نصية إلى أصدقائهم من غرف النوم، ونرى البالغين يسيرون في مدننا يستعملون هواتفهم المحمولة. في وقت في تاريخنا حيث يمكن أن يكون الناس في المقهى مع أصدقائهم، لكن في الوقت نفسه يتحدّثون إلى شخص آخر بهواتفهم النقالة، كل هذا يعني أننا صرنا أناساً يعيشون معاً إنما في عزلة.

حتى في حياتنا الروحية، نحن ننحو إلى العيش في عزلة. الكثيرون يخصصون صلواتهم لأمور محورها الشؤون المالية، أو الصحة، أو أحد أفراد العائلة. لكن هؤلاء نادراً ما يفكّرون بأهمية الصلاة الجماعية مع العائلة والأصدقاء، خارج قداس الأحد. الصلاة شأن خاص، نادراً ما تتمّ مشاركتها مع الآخرين

أيضاً، لقد احتل الترفيه مكانة مركزية في حياتنا، إلى درجة أنه حلّ مكان زيارة الجيران والأصدقاء. أنا متقدم في العمر إلى درجة أنني أذكر أيام كانت تملأ الأحياء بيوتٌ ذات شرفات أمامية واسعة. وفي ليالي الصيف الحارّة كانت العائلات تجلس على هذه الشرفات ترتشف الليموناضة وتلوّح بالأيدي للجيران الذين يمرّون بهم متمشّين. اليوم صار عندنا مكيّفات وحلّ الفناء الخلفي مكان الشرفات الأمامية، حيث لا أحد يرانا. لقد مضت أيام الجيرة الحسنة.

الكنيسة هي جسد المسيح وليست أبداً من طبيعتها أن تكون مكاناً ينعزل فيه الناس عن بعضهم. نحن نحوّلها إلى هذا المكان عندما نفشل في أن ننخرط فيها كشعب الله واحدنا مع الآخر. إن أشكال التحية التي نعتمدها كأرثوذكسيين، سواء في القبلة الأخوية التي نلاقي بها بعضنا، أو بتقبيل يد الكاهن، هي طرق بها نتلافى الانعزال الذي يسيطر على المجتمع الذي نعيش فيه. إن البقاء لفنجان قهوة أو لمائدة المحبة بعد القداس الإلهي هي طرق نجابه فيها الانعزال المسيطر على ما تبقّى من العالم. حضور الصلوات خلال الأسبوع هو أيضاً طريقة أخرى لصدّ الانعزال.

يحتاج شبابنا للتعلّم منّا حول أهمية التواصل مباشرة مع أصدقائهم وعائلاتهم. إن أخذ الأولاد في رحلة ريفية بعد ظهر الأحد هي طريقة رائعة لإعادة تواصل العائلات. إخراج الجدّة من فناء البيت إلى حديقة عامة في نزهة (picnic) هي طريقة جميلة ومن الطراز القديم لتقديم الجماعة إلى الأطفال. تركُهم يلعبون مع أبناء الأقرباء في حديقة عامة عندما تجتمع العائلة الموسّعة للنزهة يمكن أن يبني أواصر العائلة التي تستمر طوال العمر.

متى كانت آخر مرة تحلّقنا حول أحد شيوخ العائلة وسألناه أن يروي لنا ذكريات الشباب؟ إنها لطريقة رائعة لإعادة تواصل جدّ متقدم في العمر مع شبابه وإظهار تقديرنا لخبرة حياته وذكريات أهله وأجداده. إنه لَتراث لا يُقَدّر ننقله إلى أبنائنا عندما نجعلهم يعرفون أنهم لم يُولَدوا في خلاء بل هم جزء من سلسلة طويلة من البشر الحقيقيين.

إن الانعزال هو تهديد رهيب لطريقة حياتنا. لقد فقد شبابنا المهارات التواصلية التي تعلّمتها الأجيال السابقة من أفراد العائلة الأكبر. أنا أنذهل عندما أفكّر في حجم تأثير جدّيّ على ما أنا عليه الآن. ما أورثاه لي ليس الجينات وحسب بل ذكريات من تاريخ العائلة انقضت قبل ولادتي بوقت طويل. حتى أجزاء من شخصيتي تشكّلت من جدّي الرائع. دراستي، المملوءة بالصور والأيقونات والتذكارات هي نمط تبنيّتُه لأنني أحببت البعثرة والدفء في بيت جديّ.

ليس من الضرورة أن يكون الانعزال جزءً من عالمنا. كل ما يتطلبه الأمر هو التزام منا ببناء عائلة وجماعة. عندما يزور الناس ديرَنا نطلب منهم أن يغلقوا هواتفهم حتى نرمي الانعزال خلفنا ونتواصل كعائلة وأبناء العليّ. أي روعة سوف تكون لو أن كل عائلة تخصص يومياً ساعتين يُطفأ خلالها هاتف المنزل والهواتف المحمولة والتلفاز وكل الاندساسات الخارجية. ماذا عن لعبة منزلية معاً أو تركيب أحجية؟ ومن ثم ختم المساء مع العائلة كلها واقفين أمام زاوية الأيقونات لصلاة النوم؟

التماس إلى جميع الكنائس المحلية

التماس إلى جميع الكنائس المحلية لإضافة الامتناع عن استخدام الإنترنت والشبكات الاجتماعية بشكل واضح إلى القواعد المتعلقة بالصوم

الأستاذ جانكلود لارشيه

هناك أشكال جديدة من الوسائط التي تسمّى بالوسائط الرقمية، والتي يتمّ الوصول إليها عبر أجهزة الكمبيوتر، والأجهزة اللوحية، وخاصةً الهواتف الذكية الآن، ومحتواها بشكل أساسي هو الإنترنت، والشبكات الاجتماعية، والرسائل (الرسائل القصيرة ، رسائل الوسائط المتعددة ، إلخ)، وقد غَزَت حياة الناس المعاصرين وخاصة شباب اليوم، من سن العاشرة وأحيانًا دون ذلك.

إن قدرة هذه الوسائط على تأمين التواصل بسرعة وبتكلفة ضئيلة، وإمكانيتها على توفير الوصول إلى كل شخص تقريبًا وكل شيء، وقوة الصور التي يتم تداولها في وسائل الإعلام الرقمية، كلها أمور تُكسِب الوسائط الرقمية قوة إغواء كبيرة. إن الضغط الاجتماعي (لا سيما الضغط للتكيّف) ، ولكن أيضاً التنظيم الاقتصادي للمجتمع، قد جعل هذه الوسائط أدواتٍ يكاد يكون الإنسان مضطرًا إلى امتلاكها حتى لا يتمّ استبعاده من مختلف المجموعات والدوائر الاجتماعية والإدارية والاقتصادية.

في الغالب، لقد تمّ ترسيخ اعتمادٍ ذي طبيعة داخلية أو نفسية بين المستخدمين من كافة الأعمار. يقلِق هذا الإدمان العديد من الآباء، لأنه يؤثّر الآن على الكثير من الأطفال، وحتّى المستخدمون أنفسهم يلاحظونه؛ أوضح ما يظهر هذا الإدمان في الحالات الخطيرة، حيث يكون العلاج جذرياً ويتطلّب انسحاباً كاملاً طويلَ الأجل من مثل هذه الوسائط، و أيضًا رعايةً نفسيةً عيادية في بعض الأحيان. مع ذلك، إن هذا الإدمان غالباً ما يبقى غير محسوس في الحالات الأقل خطورة، حيث أن العادة قادرة على جعل ما هو غير عادي يبدو وكأنه عادي. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الاستخدام أصبح مسيئًا لدى معظم المستخدمين.

في هذا المؤتمر الذي جمع ممثلين عن الإعلام الأرثوذكسي، يتمّ عرض وسائل الإعلام في معظم الحالات بطريقة إيجابية، على أنها من ضمن الحياة الكنسية أو كأنّها شيء يجب أن ينضمّ إلى هذه الحياة، مع فكرة أنها أصبحت الآن قوى مؤثّرة لا غنى عنها للنشاط الرعائي والبشاري في الكنيسة. هذه الرؤية شبه الفردوسية يجب أن تخضع للاعتدال. في الحياة الواقعية، يقضي الناس في زيارة المواقع الأرثوذكسية وقتاً أقل بكثير من غيرهم، ويبقى كثيرون من الشباب الأرثوذكسي غافلين تماماً عن هذه المواقع. في الغالبية العظمى من الحالات، الأهواء التي تسكن الإنسان الساقط تجذبه إلى المحتوى الذي يتلاءم معها، سواء عبر اختيار المواقع التي تتم زيارتها أو عبر دوافع التواصل على الشبكات الاجتماعية مثل فايسبوك، حيث النرجسية (التي يسمّيها آباء الكنيسة [philautia- ϕιλαυτία] أي محبة الذات) تلعب دوراً كبيراً، سواء في عرض الذات أو في السعي المحموم إلى الإعجابات likesالتي تداهن الأنا.

لقد قمت مؤخراً بنشر كتاب مؤلف من 320 صفحة بعنوان مرضى من وسائل الإعلام الجديدة” (باللغة الفرنسية: “Malades des nouveaux médias”)، والذي تمّت ترجمته إلى اللغة الرومانية تحت عنوان أسرى الإنترنت، والذي يجري حالياً ترجمته إلى اللغة الإنجليزية تحت عنوان مدمني وسائل الإعلام الحديثة“. في هذا الكتاب، أبيّن بطريقة مفصّلة ومعلّلة تأثيرات وسائل الإعلام الحديثة السلبية والأكّالة والمدمرة على مختلف مجالات الحياة البشرية: النفسية والفكرية والثقافية والاجتماعية والعلائقية، وأخيراً (وبشكل خاص) الروحيّة. كما أني أقترح بعض التدابير الوقائية والعلاجية، وخاصة ذات الطبيعة الروحية. بالنسبة لهذا العرض التقديمي، الذي يجب أن يكون موجزاً للغاية، قد اخترت التحدث فقط عن الصوم والعفّة كوسائل للحدّ من استخدام وضبط وسائل الإعلام الجديدة التي أصبحت في معظم الحالات اعتسافية ومؤذية.

لقد وضعت الكنيسة الأرثوذكسية قواعدَ للحدّ من استهلاك الغذاء والنشاط الجنسي والامتناع عنه في فترات الصوم كما في أيام معينة من الأسبوع والسنة.

إن أحد الأغراض الرئيسية من هذه القواعد هو ترويض العقل على التحكم بالنبضات الجسدية والنفسية، بهدف إعادة توجيه القوى النفسيةالفيزيولوجية نحو الحياة الروحية والتركيز عليها، لإرساء حالة من الجوع والرغبة التي تسبب في الإنسان الشعور باعتماده على الله وحاجته إليه، كما لترسيخ حالة سلامية في النفس ميّالة إلى التوبة وتعزيز الانتباه والتركيز في الصلاة.

إن إساءة استخدام وسائل الإعلام الجديدة، التي أصبحت شائعة ، تنتج تأثيرات معاكسة لتلك المرجوة من الصوم والتعفف: استنفاد الطاقة التافه، الاغراء الخارجي الدائم والتشتت، الحركة الداخلية المستمرة والضوضاء، الاحتلال العدائي للزمن، استحالة تأصيل السلام الداخلي أو الحفاظ عليه، وتدمير الانتباه والتركيز اللازمين لليقظة والصلاة.

يجب التشديد على أن هذه التأثيرات تتعلّق باستخدام وسائل الإعلام الجديدة بحدّ معين بغضّ النظر عن محتواها. وكما أوضح خبير الإعلام الكبير مارشال ماكلوهان، فإن الوسيط له تأثير أكبر من الرسالة التي ينقلها إلى حد يمكننا القول إن الوسيط هو الرسالة“. بالطبع، هذا لا ينبغي أن يجعلنا ننسى مسألة المحتوى الذي عندما يكون سيئًا يؤول إلى إثارة الأهواء وتغذيتها، وبالتالي يزيد عدم التوافق مع حياة الزهد، كما هي مفهومة على نطاق واسع، ويضاعف الضرّر بالحياة الروحية.

على الكنيسة أن تأخذ بعين الاعتبار هذه الملابسات الجديدة التي أوجدها عصرنا، ويجب أن تضع القواعد المناسبة مواكبة قواعد الصوم عن الطعام والعفة الجنسية، وذلك لمساعدة الإنسان المعاصر عِبر الحدّ الطوعي المنتظم، لتحرير ذاته من الإدمان الجديد الذي يقيّده، بهدف إعطائه الوسيلة ليسلك بالكامل في الحياة الروحية التي تناسب طبيعته وتكون بمثابة الشرط لنموّه الشخصي الحقيقي.

قد يمكن القول أنه لا ضرورة لأي قاعدة من أجل هذا الأمر، وأن التوصيات الرعائية تكفي. ولكن عندها يمكن قول الشيء نفسه عن الصوم والعفّة، اللذين وضعت لهما الكنيسة قوانيناً بشكل رسمي في المجامع المسكونية. السبب هو حقيقة أن القواعد التي صيغت رسمياً وبدقّة لها تأثير أكبر، ونطاقها أكثر عالمية، وطابعها أكثر إلزامية من مجرد التوصيات على مستوى الرعيّة، والتي هي غالباً غير موجودة.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو الطبيعة الممارَسة للصوم والعفة.

كما ذكرنا أعلاه، فالأمر يتعلّق بتحديد الوقت الذي يكون فيه الإنسان على اتّصال، كما التنظيم الصارم لاستخدام هذه الوسائط ولمحتواها. من الضروري التخلّي عن الاتصال الدائم، وقصر الاتصال لفترة محددة في اليوم. نحن بحاجة إلى التخلص من الوسائل غير الضرورية، كالشبكات الاجتماعية (فايسبوك وإنستغرام وتويتر وغيرها) وجميع مواقع الترفيه. بالتأكيديجب تجنّب كل المواقع التي تشكّل خطر الإغراء أو تقود إلى لقاءات سيئة. ومن المناسب أيضًا التشدد بعد الاتصال بالإنترنت إلا لما هو تقتضيه ضرورات العمل أو الدراسات.

يحتاج الآباء إلى تعليم أطفالهم، الذين يستخدمون هذه الوسائط الجديدة، تنفيذَ هذا التقييد من خلال شرح المعنى الكامن وراءه.

تتيح فترات الصوم الفرصة للجميع للتخلّص من علاقات الشبكات الاجتماعية الاصطناعية والافتراضية، بهدف إعادة اكتشاف علاقات عميقة وملموسة وحقيقية مع العائلة والأصدقاء، وبشكلٍ عام لكي نكون أكثر انتباهاً للناس من حولنا. هذه الفترات الصيامية هي أيضا فرصة لإعادة اكتشاف الصمت والعزلة الضروريين لممارسة الحياة الروحية ونموها.

سؤال أخاطر بطرحه بأن أثير الغضب هنا في سياق هذا المؤتمر، وهو ما إذا كان ينبغي أن يمتدّ حكم الصوم والامتناع عن وسائل الإعلام الجديدة إلى المواقع الأرثوذكسية كذلك. لا أريد أن أضع معظم المشاركين في هذه الندوة خارج الوظيفة، ولا حتّى هدفي الحدّ من وجود الكلمة المسيحية والكنسية في عالم حضورها فيه أصلاً قليل.

بلّ قبل كل شيء، أود أن أشير إلى أنه خلال فترات الصوم، وخاصة الصوم الكبير، عدد من وسائل الإعلام الأرثوذكسية، وخاصةّ تلك ذات المحتوى الروحي، هي ذاتية التحديد: إما أنها تغلق مواقعها لفترة من الزمن يختلف امتدادها، أو على الأقل تبطئ إنتاجها أو تحدّه.

مثل هذا التقييد له قيمة مثالية ويشهد بطريقته الخاصة على وجود الصوم الكبير والإمساك الذي يدعونا إليه.

ملاحظتي الثانية تتعلق بالقراءة. صحيح أن وسائل الإعلام الأرثوذكسية تقدم بطريقة إيجابية للغاية قراءات روحية على الأقل جزئياً، بل إن بعض المواقع مكرسة فقط لمثل هذه الأدبيات. ولذلك لا يوجد سبب، من حيث المبدأ، للحد من إنتاج هذه المواقع أو العودة إليها، ويبدو أنه ينبغي تشجيعها بقدر ما يتمّ تشجيع المؤمنين على المزيد من القراءة الروحية خلال فترات الصوم.

ومع ذلك ، أود أن أشير هنا إلى أن الدراسات العلمية لطرق القراءة على الشاشة تظهِر أن هذا النوع من القراءة سريع وسطحي. فعلى الشاشات، تظهَر لنا النصوص كصور. لهذا السبب، يخضع النصّ على الشاشة لنظرة شاملة، تمامًا كما هو الحال مع الصورة، وبالعادةِ تستقرّ العين على بضعة أسطر فقط.

توصلت إحدى الدراسات إلى أن الغالبية العظمى من الناس لا يقرأون النص سطراً بسطر كما يفعلون في الكتاب، بل يقفزون بسرعة من أعلى الصفحة إلى الأسفل، في حركة تتبع إلى حد كبير شكل الحرف F: يقرأون السطور الأولى، ينزلون قليلاً، يقرؤون الجزء الأيسر من بضعة أسطر، ثم ينزلون على طول الجانب الأيسر من الصفحة.

خلصت دراسة ثانية إلى أن القارئ المتوسط على الإنترنت يقرأ فقط حوالي 20٪ من النص. ووجدت دراسة ثالثة أن معظم صفحات الويب يتم استعراضها لمدة 10 ثوان على الأكثر، مما يدلّ بوضوح على أنها قراءتها لا تتمّ بالفعل.

بالكاد تتوقف القراءة على الشاشة عند الكلمات أو العبارات. إنها قراءة فيها شيء من التتبع الخلفي، وليست انعكاسية جداً. إنها قراءة سطحية بالكاد تثير جهود الاستيعاب والحفظ. من نواحٍ عديدة، تجعلُ وسائل الإعلام الجديدة العلاقةَ بالنص أكثر خفّة، أقلّ استقراراً، وأكثر هشاشة وعبورية.

يمكن أن تكون فترات الصيام، ويجب أن تكون، فترات يمكن فيها استعادة وقت القراءة وجودتها، بالتخلي عن الوسائط الرقمية لصالح المواد المطبوعة، وخاصة الكتب، التي توضح جميع الدراسات أنها تسمح بقراءة أكثر ثمراً من الشاشات بما لا يُقارَن، بينما تخلو من مساوئها.

إن الانقطاع التامّ عن وسائل الإعلام بكافة أنواعها خلال فترات الصوم هو الحل المثالي لإيجاد الهدوئية (hesychia)التي لا غنى عنه لتعميق الحياة الروحية، وهي بالضبط الهدف الرئيسي لفترات الصوم.

في الختام ، أود أن أشير إلى أن العديد من العيادات الخاصة والفنادق توفر فترات إقامة أطول أو أقصر من العزلة التامة، بدءاً بسعر منخفض حوالي الألف يورو، أي ما يقارب الألف ومائتي دولار في الأسبوع. على الكنيسة الأرثوذكسية أن تقدّم هذه الإمكانية رسمياً خلال الصوم، كخدمة مجانية مضمونة، مما يجعلها في متناول الجميع، بالإضافة إلى ربح روحي غير موجود في مكان آخر. إحدى هذه العيادات لها شعارها الإعلاني: “قَطْع الاتصال لإعادة الاتصال“. يمكن للكنيسة أن تتبنّى هذا الشعار بتحديد: “قَطْع الاتصال عن وسائل الإعلام الجديدة لإعادة الاتصال مع الله وأخيك“.

الإبحار في مشاركة الشباب في الوسائط الرقمية

الإبحار في مشاركة الشباب في الوسائط الرقمية

نقولا سابا

أين هم؟ أين أبناء جيلي؟ لماذا لا يجلسون بجانبنا في الكنيسة؟ أنا ألفي (أي من جيل الألفية millennial) وجيلي يختفي بسرعة من الكنيسة. يعرف المجتمع الأرثوذكسي بوجود وباء مغادرة الشباب للكنيسة وعدم العودة. في هذه المناقشة ، سوف يتمّ استعمال عبارة شبابللإشارة إلى جيل الألفية والجيل z. يُعرَّف جيل الألفية بأنه مؤلّف من المولودين بين الأعوام 1980-1994، أما أعضاء الجيل z فهم المولودون بين 1995 و 2012. ووفقًا لمجموعة بارنا للأبحاث، فقط اثنان من بين كل 10 أمريكيين ممن هم دون سن الثلاثين، يعتقدون بأن الحضور في الكنيسة أمر مهم أو جدير بالاهتمام (وهي نسبة متدنية)” و“59٪ من الألفيين الذين تربّوا في الكنيسة قد تسربوا منها“. كخريج لكلية الصليب المقدس في بروكلين، ماساشوسيتس، وشخص يتنقّل للتحدث إلى الشباب الأرثوذكسي في جميع أنحاء الولايات المتحدة، فإن وجودي في الخطوط الأمامية لمشاركة الشباب أعطاني فهمًا للنبض الأرثوذكسي. سأطرح في هذه الورقة أسئلة مختلفة يجب أن تكون محور اهتمام كنيستنا وتفاعلها مع وسائل الإعلام. لوضع إطار لهذه الأسئلة الأساسية، سأناقش معكم مصدر صلة الوسائط الاجتماعية بالمشهد الرقمي، وكيف أن البنية الاجتماعية للإنترنت مهمة لاستهداف الجماهير، وما يمكن أن تقوم به كنيستنا للقاء هؤلاء الشباب أينما كانوا.

مفتاح فهم أجيال الشباب والخطوة الأولى تبدأ بفهم الإعلام الرقمي على أنه مكان اجتماع ومجتمع للأفراد الأرثوذكس والشباب من جميع أنحاء العالم.

لنبدأ بالجزء الأول، وهو الجزء الأسهل من مناقشتنا: مكان عيشالشباب اليوم، من حيث الإعلام الرقمي. هذا يضمّ منصات وسائل الإعلام الاجتماعية ومجتمعات الإنترنت. فيما يتعلّق بوسائل التواصل الاجتماعي، فإن منصات التخاطب الرئيسية على الإنترنت هي Twitter و Instagram و Snapchat و Reddit.

يتساءل الكثيرون بينكم لماذا فيسبوك ليس في قائمة المنصات الإلكترونية للخطاب الاجتماعي. وفقًا لدراسة أجرتها شركة Piper Jaffray في العام الماضي، فإن 9٪ فقط من المراهقين يقولون أن Facebook هو منصتهم المفضلة بين وسائل الإعلام الاجتماعية. أنا شخصياً لم أعد أملك فيسبوك، حيث أنه لم يقع تحت هيمنة جيل أهلي وأجدادي وحسب، بل أصبح أيضاً متمازجاً بشكل يتعذّر عليّ رؤية ما يتعلّق بأصدقائي وعائلاتنا بسرعة.

إن مجتمعات عبر الإنترنت ليست فقط للأنشطة الاجتماعية والمتعة، بل يمكنها توفير الكثير من الخدمات المفيدة والضرورية. بعض الأمثلة هي: خدمات الدعم الصحي، وخدمات التأييد، والخدمات الإخبارية والمجموعات ذات الاهتمامات الشخصية المشتركة على سبيل المثال لا الحصر. ووفقًا لاستديوهات REACHRIGHT، يتم إجراء ما يقدَّر بـ 30،000 عملية بحث على غوغل في الشهر، للبحث عن جماعة كنسية على الإنترنت أو بث مباشر لكنيسة. يجب أن نسأل أنفسنا ما الذي يعثر عليه هؤلاء الثلاثين ألفاً من الأشخاص؟“. إن لم يرضِنا الجواب، فهناك فجوة يجب سدها.

داخل كل منصة وخدمة توجد وحدات اجتماعية أصغر. يتم استخدام هذه الوحدات للتسويق، والتوعية، وبثّ المعلومات، والأهم من ذلك كله الانخراط مع الآخرين. عندما نعود إلى الألف الأول يظهر بوضوح في سفر أعمال الرسل أن الرسل قاموا بهذه الأشياء ذاتها في المجتمعات. فهم أعلنوا وتفاعلوا مع الآخرين مشاركين كلمة الله. هذا هو جذر الرسولية. المهمة التي استغرقتهم أياماً وأسابيعَ سيراً على الأقدام وبكلام الفم، يمكننا الآن إنجازها نفسها في ظرف ثواني بنقرة زر واحدة.

إذاً، نحن نعلم الآن أن الوجود على الإنترنت ليس جديراً بالاهتمام وحسب عند الأجيال الشابة، بل هو ضروري. إنه انعكاس لمجتمعات العالم الحقيقي الأكثر أهمية بالنسبة لنا، ولكنه ينتشر على شبكة أوسع بكثير تشمل شبابنا. فكيف نستخدمها؟ لنَغُص في بنية الإنترنت الاجتماعية وكيفية استهداف الجماهير.

اليوم ، يبلغ عدد مستخدمي الإنترنت 3.2 مليار مستخدم، لكن ثقافة الإنترنت تعمل من خلال قاعدة بسيطة للغاية. يطلق عليها قاعدة “1-9-90”. تنص هذه القاعدة على أن 1٪ من الأشخاص الذين يستخدمون الإنترنت ينشئون المحتوى الفعلي، و 9٪ من الأشخاص يساهمون في هذا المحتوى (عبر المنتديات والمدوّنات والتعليقات والمواقع وما إلى ذلك)، و 90٪ من الأشخاص يترصّدون الإنترنت. تعتبر ظاهرة الترصّد أو المشاهدة من بعيدهذه جانبًا أساسيًا لثقافة الإنترنت، ومن المهم أيضًا أخذها في الاعتبار عند مناقشة كيفية إشراك الشباب في مجتمع الإنترنت الأرثوذكسي. من المهم أن نفهم أن كون المترصدين لا يساهمون في جماعة معينة، لا يعني أنهم ليسوا منخرطين بشكل كامل ويستوعبون المعلومات بطريقة ذات معنى بالنسبة لهم.

لنأخذ هذه القاعة الآن. الواحد بالمئة تشمل المشاركين الذين يتحدثون من على المنبر ومنهم أنا. نسبة الـ 9٪ هم الذين يساهمون بطرح الأسئلة بعد كل حديث. و 90٪ من الحضور هم الأفراد الذين يجلسون هنا ويستمعون إلى ما يقال ولكن لا يطرحون أسئلة. هل يعني عدم طرحك لأي سؤال أنك غير منخرط لأنك تجلس بهدوء واهتمام في هذه الغرفة؟ هل يتغير ذلك لأننا لا نعرف حقيقة انخراط شخص ما في إحدى مجموعات الإنترنت لأننا لا نستطيع رؤيته فعليًا؟ عدم مساهمة شخص ما بالنشر لا يعني أنه لا يستمع.

إذا أخذنا إنستاغرام كمنصة إعلامية رائجة وتعمّقنا في كيفية عمله فسوف نرى أهمية المشاركة. لنفترض أنك تنشر مرة واحدة في اليوم، وأنك تحصل على تسعة إعجابات فقط. هذا لا يعني أن أحداً لم يستفِد. طبقًا لقاعدة الترصّد التي ذكرناها للتو، قد يكون ما يصل إلى 90 شخصًا قد شاهدوا هذا ‎الإسهام (post) واستفادوا منه. هذه هي طريقة الإنترنت. ومع ذلك، في حين أن توفير محتوى عالي الجودة أمر مهم، فإن مجرد نشر صورة وتركها وحسب لا يكفي بل يمكننا أن نفعل ما هو أفضل. يُعَدّ تفاعل المستخدم عاملاً هائلاً في نجاح التواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو عمومًا طريقة عضوية إيجابية لتعليق المزيد من الأشخاص بالصنارة والحفاظ على ما يتبع.

لنستخدم انستاغرام مرة أخرى. أساس انستاغرام هو مجرد نشر صورة أو فيديو ليعبّر المتابعون عن إعجابهم وترك تعليق، أو الاستمرار في التصفّح وحسب. إنه وقت الغوص إلى ما هو أعمق. يتمّ التحكم بهذه المنصّة بواسطة خوارزمية تحدد مَن يرى المشاركة ومتى يراها. تجمع هذه الخوارزمية بين الاهتمام والديمومية (timeliness) والعلاقة والوتيرة (frequency) والمتابعة والاستخدام. لذلك، مجرد إضافة صورةلا يقطع هذه الخوارزمية. على سبيل المثال، وفقًا لدراسة أجرتها صحيفة هافينغتون بوست، فإن أفضل الأوقات للنشر على إنستغرام تتراوح بين 8 و 9 صباحًا في أي يوم عمل والإثنين والخميس بين 3 و 4 في المساء. هل هذا هو الوقت الذي نقوم فيه بالنشر أم أننا ننشر من دون أن نتعلم كيفية شدّ المتابعين وفقدان فرصة نشر الكلمة الطيبة لعدد أكبر من الناس. يجب أن نتعلم الخوارزميات ونفهم أهمية الانخراط على هذه المنصات المختلفة.

الآن بعد أن استعرضنا مكان شبابنا في المشهد الإعلامي الرقمي، وكيف نرى انخراط مجموعة الإنترنت، يمكننا كمجتمع كنسي أن نجمع هذه المعلومات معًا ونستخدمها لصالحنا عند التفكير في كيفية إعادة جذب الشباب. إن قياس التأثير على فعالية خدمتنا عبر الإنترنت يطرح صعوبة في التحليل مع وجود نسبة عالية من المترصّدين أو المراقبين“. يجب علينا جميعًا أن نفهم أن خدمتنا عبر الإنترنت لا يحددها عدد الإعجابات المُحَصَّلة، بل إلى أي مدى نحن ننخرط مع متابعينا وجودة المحتوى الذي نبثّه على هذه المنصّات.

إن المجموعات الاجتماعية وغيرها من مستخدمي الإنترنت والثقافة الرقمية يقدّمون وجهات نظر وتعقيدات مختلفة يجب أخذها في الاعتبار عند حلّ مسألة عمل الكنيسة لإشراك الشباب على الإنترنت. لا تأخذ مجموعات الإنترنت مكان الكنيسة بل يجب أن تكون مرْكَبَةً يستخدمها الشخص للعودة إلى الكنيسة. يجب أن نثير اهتمامهم لعيش حياة أرثوذكسية مسيحية كل يوم، ويمكن أن يتمّ ذلك باستخدام التقنيات المناسبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. على الرغم من عدم توفّر كل الإجابات لكل مجتمع على حدة، إلا أنه يوجد بعض الإرشادات العامة.

الأولوية رقم واحد: معرفة من هم المؤثّرون على الشباب. إن عدد شبابنا المؤثّرين بالفعل في مجتمعهم مفاجئ. إحدى الطرق لمعرفة ما إذا كانوا مؤثّرين هو امتلاكهم لقناة خاصة على يوتيوب؟ هل لأي منهم عدد كبير من المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي؟ هل تمّ التحقق من هذه المعلومات؟ هذه ليست سوى القليل مما يمكن القيام به.

الأولوية رقم 2: هل للكنيسة علامة خاصة (تجارية)؟ على سبيل المثال، توقيع الكتروني، أو شعار، أو عبارة والأهم من ذلك هاشتاج؟

الأولوية رقم 3: وضع استراتيجية. إن استهداف 9٪ من المساهمين هو إستراتيجية مختلفة عن استهداف 90٪ من الكوادر، ويجب أن تكون كل استراتيجية مختلفة بالنسبة للبالغين أكثر من الشباب. يجب تخطيط الإسهامات مسبقًا ومعرفة الأدوات المتاحة للاستخدام التي تساعد في تخطيط المشاركات عبر أنظمة أساسية متعددة في وقت واحد.

وأخيرًا ، لا ننسى دائمًا إنشاء محتوى جيد يجذب الشباب ويهتم بهم.

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد مكان ممتع لنشر الصور ومعرفة ما يحدث، إنها حرفة ومهارة، يمكن تعلمها من أي عمر، ويمكن القيام بها بشكل صحيح كما يمكن القيام بها بشكل غير صحيح. يجب أن يكون لدينا جهود مشتركة من مختلف المنظمات واستهداف مركّز للمستهلِكين. يجب أن يكون للكنيسة ممثّل أو مؤثّر أو سفير يوجّه الشباب من الحدود الرقمية إلى الكنيسة. هذه مجرد نقاط بداية للخطوات المقبلة العديدة القادمة مع استمرار تطور بيئة وسائل الإعلام الاجتماعية بشكل يومي. طبعًا وسائل الإعلام الاجتماعية ومجموعات الإنترنت هي لاعب رئيسي في إشراك جيل الشباب، بالتزامن مع مبادرات أخرى يمكن أن تكون حافزاً لحركة شباب للعودة إلى الكنيسة. ولكن في الوقت الراهن، فإن الحدود التالية للبشارة والكرازة موجودة بالفعل إنها العالم الرقمي، حيث ينبغي أن يصبح المتابعون على الإنترنت متابعين في المسيح.

طاولة مستديرة: الوسائط الرقمية والرعاية الأرثوذكسية

طاولة مستديرة: الوسائط الرقمية والرعاية الأرثوذكسية

مجموعة من الآباء

من ضمن المؤتمر الدولي الثاني حول وسائل الإعلام الرقمية والعمل الرعائي الأرثوذكسي، نُظّمَت ندوة بشكل طاولة مستديرة بعنوان الوسائط الرقمية والرعاية الأرثوذكسية“. أدار الندوة الشيخ أفرام رئيس دير الفاتوبيذي، وشارك فيها كل من الأرشمندريت زخريا زخريو من دير أسكس، الأرشمندريت ألكسيوس يانيوس، والمتقدمون في الكهنة قسطنطين كومان، متياس خالاريس وجاورجيوس سخيناس*.

افتتح الندوة مديرها معبّراً عن ارتباكه لأنه ليس معتاداً على الندوات وخاصةً إدارتها ومن ثمّ طارحاً أسئلة حول إمكانية المساهمة الرقمية في علاقة المؤمن، المُعتَرِف تحديداً، والأب المعرّف أو الأب الروحي.

تحدّث الأب زخريا مشيراً إلى أن الوسائط الرقمية لا تتعدّى كونها وسائل، لهذا في حال كانت العلاقة قائمة بين المعترِف والأب المعرّف، فيمكن أن تساهم هذه الوسائط في التواصل في بعض الحالات، مع التشديد على وجوب اتّباع التمييز والدقة في تحديد هذه الحالات، على أن تكون في الاسترشاد وليس في الاعتراف. كما أورد الأب زخريا عدداً من الأمثلة عن آباء يلجؤون إلى الانترنت لمتابعة أبنائهم بعد الاعتراف. وختم مشدداً على أن الانترنت تنقل إلينا كلمات عن الله أو من الله، لكنها لا تنقل إلينا أو منّا الخبرة المعاشة.

المتقدّم في الكهنة ماتيوس خالاريس تحدّث عن إمكانية تحويل الوسائط الرقمية إلى أدوات أخروية، مورداً مثلاً من الليتورجيا. فعندما يقول الكاهن لنحنِ رؤوسنا للربفالهدف ليس الإحناء شكلاً بل وضع رؤوسنا تحت الله، هي وكل ما يخصنا، بما فيه الانترنت التي هي عطية من الله. وبالتالي، بوجود التمييز والفهم يمكن أن يُستفاد من الانترنت في توطيد علاقة الأبناء الروحيين بآبائهم.

المتقدم في الكهنة الأب جاورجيوس سخيناس رأى بدوره أن الإنترنت تمثّل الكثير من المشاكل والقليل من البركات، مشيراً إلى الملاحظات التالية:

1- بالدرجة الأولى توقّف عند المشاكل العائلية التي تعود بمجملها إلى مختلف استعمالات الإنترنت وشبكات التواصل، وخاصةً تلك المتعلّقة بالأولاد وتربيتهم وما يعرض لهم على الإنترنت.

2- أشار إلى أن الناس يتعاملون مع ما يحصلون عليه من الإنترنت على أنه معلومات كنسية لكن في الحقيقة غالبية ما يتمّ تداوله هو ثرثرة ونميمة.

3- كما توقف عند ملاحظته بأن قراءة الإنترنت تعطي شعوراً يعتبره البعض حياة روحية

4- التركيز على الشاشة أو على الصوت الصادر من الكومبيوتر يفتقد إلى التواصل البصري المهم في علاقة الأبناء الروحيين بالمعرّفين.

على ضوء هذه الملاحظات، اقترح الأب المعرّف ما يلي:

1- على المستعملين أن يجاهدوا لحفظ الصوم والانضباط، خاصةً مع الإنترنت

2- قبل نشر أي خبرة ـو الحديث عنها ينبغي التأكّد من تجذّر صاحبها في السلوك الروحي كما من أصالة الخبرة

وهنا توجّه بكلامه إلى الرعاة: لا يمكن حصر الخبرة في الإنترنت وحسب، لأننا نفقد التواصل الشخصي. لهذا على الرعاة أن يتعاملوا مع الشاشات على أنها الخطوة الأولى لتواصلهم هم أنفسهم مع الله، لأن مصدرهم الفعلي هو شعبهم قبل وسائط التواصل.

المتقدّم في الكهنة قسطنطين كومان، حكى عن خبرته، حيث حسّنت وسائل التواصل من تواصله مع أبناء رعيته، مشدداً على أهمية التمييز بين الاعتراف والاسترشاد. فالاسترشاد ممكن من بعيد إذا تعذر الحضور وإذا كانت المعرفة بين الأب والابن وطيدة وعميقة. لكن يبقى ضرورة توجيه الابن إلى أقرب أب معرّف ليعترف وينال الحلّ، الذي يتعذّر القيام به افتراضياً. من هنا، كرر ضرورة أن يكون الاعتراف والاسترشاد محدَّدين بوضوح. الاعتراف شخصي ووجاهي، أمّا التوجيه فيمكن الاستفادة فيه من وسائل التواصل. وهنا شدد على أهمية أن يذهب المسترشِدون عن بعد إلى الأب المعرّف عندما يطلب منهم المرشِد ذلك، وإلا تفقد العملية غايتها. إلى هذا أشار إلى إمكانية الاستفادة من أشخاص مختبَرين في الإرشاد عن طريق استعمال وصائل التواصل.

الشيخ أفرام الفاتوبيذي، رأى أن من الضروري أن تحقق الكنيسة رسالتها من خلال وسائل التواصل، كون هذه الوسائل موجودة وباقية. من هنا، أن المتكلّم مهم، لكن بنفس الأهمية أن يكون مسموعاً. إلى هذا، لا يحتاج الجميع إلى نفس الكلمة، فلكل حاجته في وقت ما، وهذا التمييز هو اختصاص الآباء الروحيين. فالآباء الروحيون ممكن أن لا يكونوا آباء معرّفين وحسب، بل ممكن أن يكون من الرهبان، لكن المهم أن يكونوا أصحاب خبرة روحية، والأهم أن يكونوا واعين للنعمة الإلهية وعملها. هناك الكثير من الخطيئة في العالم لكن هناك شوق ورغبة قويين لدى الناس للقاء أشخاص فاضلين. فالناس يأتون إلى جبل أثوس ليستمعوا إلى شيء مختلف، لذا لا يمكننا أن نقدم لهم ما يجدونه في كل مكان في العالم. والأمر نفسه ينطبق على كل الكنيسة.

الأرشمندريت زخريا ساهم بالتالي: “أنا الأقل خبرة لكني أريد أن أذكر أن سبب الحذر في التعامل مع وسائل التواصل هو في أن العالم ينمو ويقوى فيما العدائية نحو الله تنمو معه أيضاً. علينا أن نكون يقظين وإلا تأسر التفاهة عقلنا. لا ينبغي بنا أن نترك السخافة تبالغ في تقييم ذاتها. محبة الله ليست متجانسة مع محبة العالم. يجب أن نكون حذرين في استعمال وسائط العالم في الكنيسة كي لا يتسلل روح العالم إليها، بل أن يكون روح الله مخيماً على كل شيء في حياتنا.

عاد الشيخ أفرام للتذكير بأهمية الليتورجيا، حتّى يومياً. كما أشار إلى أن ردات الفعل في أثوس الجبل المقدس على استعمال وسائل التواصل متعددة ومختلفة. لكنه شدّد على أن الجبل المقدس موجود للخدمة، وخاصةً دير الفاتوبيذي، حيث يعتبر رسالته خدمة الكنيسة في العالم.

أعطي الدور لأسئلة الحضور. تقدّم أحد الحاضرين، من اليونان، ذاكراً أنه يعمل كصحفي لثلاثين سنة على مبدأ أن الغاية تبرر الوسيلة. فتسائل هل إذا كانت الغاية مقدسة تتقدّس الوسيلة، أم يجب أن تكون الوسيلة مقدسة لتخدم الغاية المقدسة؟ كما توقّف عند اقتراح نيكوس غوراراس لإنشاء الاتحاد الدولي للإعلام الرقمي للرعاية الأرثوذكسية متسائلاً هل تستطيع الكنيسة أن تكون فاحصاً للأعمال؟

من ثم تكلّمت إحدى الحاضرات متسائلة أنها كأميركية كانت مهتمّة بمعرفة موقف الرهبان في اليونان من الإنترنت، وهي تشجّعت وتقوّت بما رأته من تعامل بمحبة وفرح ورجاء. وأشارت إلى أنها تعرف أشخاصاً كثيرين يجاهدون مع الأسئلة التي طرحها المؤتمر، ومنهم مَن هم غير مسيحيين، من هنا ضرورة أن يسمع العالم صوت الكنيسة لأنه يساعد هذا العالم.

علّق الأب زخريا بأنّ الرهبان اليوم هم في العالم بخبرتهم التي أوصلت إلى النتيجةالتي ينقلونها هم بدورهم إلى العالم.

ثم جاء تعليق حول الشباب الذين هم غالبية المستعملين لوسائل التواصل، وضرورة معرفة بعض المعلومات عنهم وعن ما يرسلون ويتسلّمون. لكن عدم انفتاح الشباب على الاعتراف هو المشكلة، فهل يمكن أن يُستفاد من وسائل التواصل كنوع من أدوية علاج الألم في هذه الحالة؟ وماذا عن تغيير الأب الروحي؟

ردّ الشيخ أفرام بوجوب أن يشترك المرسِل والمتلقّي لأي رسالة بالنيّة الطيبة. إن دور المعرّفين هو أكثر خطورة، لذا كما سبق ذكره، ليس سيئاً أن نستفيد من الإنترنت للإرشاد الروحي، لكن الحلّ والراحة اللذَين تحصل عليهما نفوسنا هما الأهمّ. الإرشاد مهمّ. أمّا تغيير الأب الروحي فممكن ولا يحتاج إلى إذن من أحد. وحدهم الرهبان يحتاجون إلى إذن أبيهم الروحي لتغييره، لأن الأب الروحي للراهب مرتبط بسيامته. لا ينبغي المزج بين ما ينطبق على الرهبان وما ينطبق على العلمانيين.

في مناقشة التمييز وحدود العلاقة بين الأب الروحي والأبناء، ذكر الأب قسطنطين قصة عن رجل أتى بمناسبة عيد زواجهما إلى زوجته حاملاً هديةً حجوزاتٍ لرحلة استجمام، فقالت له أنها لن تذهب إلى أن تسأل اباها الروحي، فكانت ردة فعله أن اذهبي إذاً وتزوجي أباك الروحي”. وتركها ومضى. مكرراً تعليق الشيخ أفرام عن وجوب التمييز بين ما هو للرهبان وما هو للعلمانيين، خاصةً في موضوع الطاعة.

علّق الأب زخريا مشدداً على أن الطاعة كَنِعمة وكموهبة هي للرهبان لأنها أحد نذورهم وأنها غير مطلوبة بالشكل نفسه من العلمانيين ولا حتّى من الكهنة. وذكر قصة عن شخص بقي ممنوعاً عن المناولة بأمر أبيه الروحي لمدة خمس عشرة سنة، مشيراً إلى أن أياً من القوانين الكنسية لا يورِد منعاً عن المناولة لمدّة مثل هذه. مؤكّداً أن هذا الأمر غير مقبول.

الشيخ أفرام رئيس دير الفاتوبيذي، قبرصي المولد، درس اللاهوت في جامعة أثينا ومن ثم انضم إلى أخوية الشيخ يوسف الهدوئي في الإقيط الجديد في جبل أثوس بداية الثمانينيات من القرن الماضي. بعد أن انتقلت الأخوية إلى دير الفاتوبيذي عملت على تحويله إلى دير شركة، ومن ثمّ تمّ انتخاب أفرام أول رئيس له. عمل أفرام على تنمية الدير الذي يضمّ اليوم أكثر من 125 راهب، ويُعتَبَر أفرام من أكثر الشخصيات تأثيراً في العالم الأرثوذكسي، خاصةً من خلال كثرة النشاطات التي يرعاها الدير في مختلف المجالات.

الأرشمندريت زخريا زخرو من دير أسكس: هو تلميذ الشيخ صوفروني سخاروف، وهو راهب في دير القديس يوحنا المعمدان البطريركي في مالدون، أسكس، بريطانيا. هو قبرصي المولد، انتقل إلى لندن لدراسة الكيمياء حيث تعرّف إلى الأب صوفروني وديره، فترك دراسته مستجيباً للدعوة الإلهية. درس اللاهوت في باريس وتسالونيكي. يجيد اليونانية والإنكليزية والفرنسية والروسية، وقد عمل على ترجمة أعمال الشيخ صوفروني من الروسية إلى الإنكليزية.

الأرشمندريت ألكسيوس يانيوس، متقدّم في كهنة كنيسة القديس جاورجيوس في باباغو، أثينا. أب معروف بنشاطه وخبرته وبكثرة أبنائه الروحيين وأعداد المعترفين عنده.

المتقدم في الكهنة قسطنطين كومان: هو دكتور في اللاهوت وبروفيسور في قسم اللاهوت الكتابي، العهد الجديد، والمستشار الخاص في دار النشر البيزنطية في بوخارست. هو كاهن في أبرشية Voivodes في بوخارست. لديه العديد من المشاركات في المؤتمرات والندوات حول مواضيع الكتاب المقدس والموضوعات اللاهوتية.

المتقدم في الكهنة متياس خالاريس: هو المتقدم في كهنة كنيسة القديس ديمتريوس في القديس ديمتريوس في أتيكا. من المعروفين بنشاطهم الرعائي حيث يوجد في رعيته مدارس تعليم ديني من كل المستويات، ومدرسة مسيحية للأهل، ونشاطات شبابية مكثّفة. كما أنه يذيع برنامج أرنم للرب مدى حياتيعلى محطة راديو كنيسة اليونان.

المتقدم في الكهنة جاورجيوس سخيناس، عميد كهنة كنيسة القديس نيقولاوس في فيلوبابو، وسط أثينا. الكنيسة هذه معروفة بهمة هذا الكاهن بالحجم الضخم من المساعدات التي توزعها على المحتاجين منذ قبل الأزمة الاقصادية في اليونان، حتى استحق الأب جاورجيوس اسم أبي الفقراء“. يهتمّ الأب جاورجيوس بالسهر على تأمين المساعدات وعدم انقطاعها للعاطلين عن العمل والعائلات والمشرّدين، كما الوجبات اليومية الثلاثمئة التي تقدّمها الرعية قرب الكنيسة على مدار السنة.

فخور بكونِهِ خاطئا

فخور بكونِهِ خاطئا*

الأب أفيانيوس تاناسوسكو**

نقلها إلى العربية وعلّق عليها الأب أنطوان ملكي

يقول الكتاب المقدس بشكل لا لبس فيه: المثلية الجنسية خطيئة. هذا لا يعني أن من يخطئ يضيع. على العكس من ذلك، إن الكنيسة تكره الخطيئة ولكنها تحبّ الخطأة وتخلّصهم من خلال إصلاحهم.

ولكن ما الذي يحدث مع الاعتقاد بأن الخطيئة فضيلة؟ إن ما نراه في الشوارع في مسيرات افتخار المثليين (Gay Pride parades) هو بالضبط مديح علني للخطيئة.

في الواقع ، هذه المسيرة هي جزء من استراتيجية أوسع: تنفيذ المجتمع المفتوحفي المجتمعات الديمقراطية. والسبب بسيط للغاية: إن عولمة الاقتصاد تقود إلى عولمة الأسواق، والتي لا يمكن أن تعمل بدون عولمة المجتمع والسياسات العامة.

وحيث أنه من غير الممكن تسوية (Leveling) [1] كلّ أعضاء المجتمع (كما تريد الأنظمة الدكتاتورية أو المجتمعات المغلقة“) ، فكّر الديمقراطيون الليبراليون باستراتيجية عكسية: السماح لكلّ شخص بكل ما يريده، لأن الحرية تخدم الاقتصاد أكثر من القيود. إن إنساناً بدون قيود في الاستهلاك هو زبون أفضل بكثير من ذاك الذي يصوم ويمارس ضبط النفس.

وهكذا ، يظهر إنجيلٌجديدٌ للعالم: “إنجيل المجتمع المفتوح” [2]، والذي يجهد منذ بعض الوقت ليحلّ محل إنجيل المسيح. إن جوهر التبشيرالجديد بسيط: عدم الكمال البشري هو المحرك الاقتصادي الجديد للعالم، ولهذا السبب يجب تشجيعه وحتّى دعمه.

بهذه الطريقة تظهر الحاجة إلى الأخلاق الجديدة، الحاجة إلى أخلاق عامة جديدة“. يتمّ تحقيق هذا الهدف من خلال دفع الحقوق والحريات الفردية نحو فخ الخلاعة (libertinism). لأن الحق في الخطيئةهو مجرد فخ وليس فضيلة.

لهذا، ومنذ القرن الماضي، ظهرت جميع أنواع الحركات (الإيديولوجية، والسياسية، والاقتصادية، والجنسية، الخ) بهدف تحريرالإنسان من قواعد القداسة المقيِّدة“. والعقبة الأخلاقية الأولى التي واجهتها حركات التحرر هذه هي الكنيسة. هذا كان طبيعياً لأن النسبية الأخلاقية تتناقض بشكل مباشر مع الأخلاق المسيحية التي كانت أساس المجتمع حتى تلك اللحظة. وهكذا، بدأت الحرب الأيديولوجية على الكنيسة، أولاً في الديمقراطيات الغربية، وبعد سقوط النظام الشيوعي في أوروبا الشرقية [3].

في إطار حركة التحررالجنسي، هناك اتجاه معين هو رفع الشذوذ الجنسي إلى مرتبة الوضع الطبيعي“. لتحقيق النجاح، لجأوا إلى أقدم إستراتيجية تلاعب روحانية: إدخال فكرة أن الخطيئة ليست ضررًا روحيًّا، بل هي فضيلة أو مكسب، أو على الأقل هي طبيعية. لذا لم يعد من الضروري أن يذلّ الإنسان نفسه من أجل الخطيئة، لأنها لم تعد موجودة، باﻷحرى يجب أن يكون فخوراً بأنهخاطئ.

النتيجة المباشرة لهذا الموقف هي إعادة كتابة الأخلاق. عندما يعتقد الإنسان بأن لديه ما يفتخر به، يكفّ السقوط وعدم الكمال عن أن يشكّلا مشكلة لديه. وهكذا، في سقوط الإنسان في هذا الفخ، تصير الروحُ معزولة عن اللهَ، والنهاية ستكون قاسية كما يقول داود في المزامير: “قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: «لَيْسَ إِلهٌ»”(مزمور 53: 1).

لإبطال فكرة أن المثلية الجنسية هي خطيئة، تمّ تقديم فكرتين أخيرتين: الله يحب المثليين، وأكثر من ذلك، الله جعلهم هكذا. الهدف هنا تحفيز فكرة عدم لوم المثليين على وضعهم، لأنه لم يكن اختيارهم. من الصعب فهم مصدر الفخر في هذا الوضع، والأصعب هو فهم مواقف التحولمن الطبيعية (العلاقات الجنسية بين الجنسين) إلى المثلية، والعكس بالعكس. هذا أمر لا يحكي عنه دعاة مجتمع LGBT.

بالحقيقة، المثليون يحبّون أنفسهم. إنهم يريدون بثّ فكرة أن من يعارضهم عديم الإحساس، مصاب برهاب المثلية (homophobe) ، منغلقُ الفكر ومتعصب. هذه الحجة يمكن أن يصدّقها الذين يفتقرون إلى المعرفة الروحية. حب LGBT ليس أول شكل، أو ليس الشكل الوحيد، للحب الذي يُساء تفسيره. على كوكب الأرض هناك أيضاً حب المتعة، حب المال، حب السلطة، حب الذات، والعديد من الفخاخ الأخرى التي تأخذ شكل الحبّ. في المسيحية، حتّى الشَبَق (eros) ضمن الزواج، لا يُنظَر إليه على أنه فضيلة في حدّ ذاته، بل ينبغي تحويله إلى محبة (agape).

إنّ التحريف اللاهوتي، بحسب رغبة LGBT، لا يهدف إلا إلى عزل الكنيسة باعتبارها عاملاً يؤثّر في صناعة الرأي العام. إن بثّ فكرة أن الله يسمح بالشذوذ الجنسي، تظهِر أن الله ليس هو الذي تبشّر به الكنيسة، وأن الكنيسة تلاعبتبطريقة ما بحقيقة الله (كم مرة تُتّهم الكنيسة بالتلاعب؟)، وأن الكنيسة تضطهدهم بغير حق.

إن وصف الكنيسة بأنها عدوللمثليين هو استراتيجية تلاعب قديمة، لكنها اليوم تخفي سرًا جديدًا هو محاولة تحويل التسامح المسيحي إلى قبول. مثال على ذلك هو الدعاية التي تصوِّر علاقتنا بالطوائف المسيحية الغربية على أنها قبول وتسوية، على الرغم من وقوعهم في الانشقاق القيصروبابوي (Caesaropapism).

وبالتالي، تسعى مسيرات افتخار المثليين إلى الحصول على دعم شعبي لإضفاء الصفة القانونية على العلاقات المثلية. إنهم يطلبون إعادة صياغة الحقيقة وإسكات الكنيسة من خلال قوة الشارع، وعن طريق شيطنة الثلاثة ملايين الذين ناصروا، في الاستفتاء، العائلة الطبيعية كما أسّسها الله (“ذكراً وأنثى خلقهم اللهالذي هو جواب يسوع على يأس كل الذين يبوّقون بأنّ يسوع لا يعارض الشذوذ الجنسي)، ولكن أيضاً بدعم السفارات[4].

لسوء الحظ، إن الاستراتيجيين الذين يقفون وراء هذه الحركات يخدعون أنفسهم، كمثل يهوذا في تعاملاته. على الرغم من أن عدد الأصوات يؤثّر في الديمقراطية، إلا أن الحقيقة لا تتحدد باﻷعداد. إن التشجيع المعولم على الإباحية لن يؤدي إلا إلى التدمير الروحي للبشرية.

* تتسابق اليوم العديد من الجمعيات على رعاية المثليين ومتحولي الجنس وصار متعارفاً على تسمية هذه المجموعات LGBT [الكلمة هي الاحرف الاولى لكلمات: lesbian, gay, bisexual, and transgender أي سحاقية، لوطي، ثنائي الجنس، متحوّل جنسياً].

عنوان المقال هو ردّ على الاسم الذي تطلقه LGBT على المظاهرة السنوية التي تُنَظَّم في عدد كبير من عواصم العالم ويطلقون عليها اسم (Gay Pride) “افتخار اللوطيين”. في لبنان جرت محاولات لتنظيم هذا النوع من المظاهرات لكن لم يُعطوا الترخيص فنُظِّمَت في أماكن مغلقة قبل 2017. لكن منذ 2017، خرجت العديد من الأمور إلى العلن، حيث تمّ تنظيم بيروت برايد 2017” ومن ثم 2018، وهي أسبوع من النشاطات المثلية، وأهمها عرض أزياء مثلي يظهر فيه شبان لبنانيون بالفساتين مع ما يترافق مع هذا العرض من الحركات النسائية، أمسية شعر مثلي، وأمسية كاريوكي (karaoke) مثلية. كما أن عدداً من بيوت الليل في بيروت وغيرها صار معروفاً بأنه للمثليين ويستقبل نشاطات علنية. آخر التطورات هو قرار محكمة الاستئناف الجزائية في جبل لبنان، الغرفة الثانية عشرة، الذي نُشِر في 12 تموز 2018، والذي يرد فيه مرافعة للمحامية يمنى مخلوف دفاعاً عن بعض المثليين الملاحَقين بمخالفتهم للمادة 534 من القانون اللبناني التي تعتبر أن أي ممارسة للجنس بخلاف الطبيعة هي جرم يستحق العقوبة. وقد ورد في مرافعتها: “أن عناصر المادة 534 ق.ع. غير متوافرة لانتفاء الدليل على المجامعة أو أي فعل جنسي علماً بأنه لا يمكن الحكم على الميول وبأن المادة 534 ق.ع. لا تعاقب المثلية الجنسية بصفتها ميلاً، ولعدم توافر المجامعة على خلاف الطبيعة، وأشارت إلى التطور في مقاربة المثلية الجنسية على الصعيد الدولي من خلال تعديل القوانين التي تجرّم العلاقات المثلية وبيان الأمم المتحدة وحقوق الإنسان بما فيه التوجّه الجنسي، وإلى التطور في لبنان في ضوء الاجتهاد، وأضافت أنه يقتضي تفسير النص الجزائي تفسيراً حصرياً وتصديق الحكم الابتدائي الذي قضى بأن العلاقات الجنسية بين راشدين هي ممارسة لحقّ بغير تجاوز طالبة بالنتيجة ردّ الاستئناف شكلاً وأساساً وتصديق الحكم الابتدائي. وترافع الأستاذ نزار صاغية مدلياً بأن من واجبات القاضي شرح وتفسير القانون وحماية الحريات، وبأنّ المادة 534 ق.ع. لم تحدد ما هي العلاقة الغير طبيعيةوعليه فنّد القرار عدداً من النقاط أهمها بالنسبة لنا أن القانون ليس لمعاقبة الشذوذ، وهو موقف صحيح، بل لمعاقبة مخالفة اﻵداب العامة. وفسّر القرار أن ما يشكّل تعرّضاً للآداب واﻷخلاق العامة في ضوء التطور الاجتماعي هو المجامعة التي تخرج عن المفهوم التقليدي للعلاقة الجنسية الطبيعية بين رجل وامرأة، متى حصلت على مرأى من الغير أو مسمعه أو في مان عام أو متى تناولت قاصراً يجب حمايته. وحيث أن القضية الراهنة… وعن أن ممارسة الجنس بين رجل وآخر تحول جنسياً وجسدياً إلى امرأة يمسي علاقة رجل بامرأة شأنها شأن أية ممارسة طبيعية تقليدية…” (عن المفكرة القانونية).

لا بدّ من التوقف عند الفكرة الأخيرة في القرار وهي في غاية الخطورة وغير محسومة في القانون العالمي، وخاصةً لدى الباحثين في أخلاقيات علم الحياة. إن القرار أعلاه يطرح تحديات كبيرة حول عدة نقاط منها تحديد الأخلاق، وتحديد العلاقة الطبيعية، والحق في تحديد الجنس. هنا يجب أن يكون للكنيسة وللأديان بشكل عام كلمة، إن لم يكن في ﻻالقانون ففي الرعاية، وإلا فالكنيسة في خطر، وما يجري في الكثلكة خير دليل. من الخطير أنه حتّى العلم يتمّ تشويهه وإخضاعه لأجندات سياسية في هذا الموضوع. لمعرفة المزيد عن دور السياسة والأمم المتحدة يمكن العودة إلى المقالة التالية على التراث الأرثوذكسي: المثلية بين الرعاية والقانون المدني.

ملاحظة مهمة حول التطورات في لبنان: يجري التعتيم بشكل مريب على هذه الأخبار. إذ نادراً ما ترد على شاشات التلفزة أو في الجرائد التقليدية. هذا يعني أن الأمور تجري والمجتمع غافل. المؤسف أن الذين ينشطون لدعم هذه المظاهرات يعطون عملهم صفة الدفاع عن حقوق الأقليات والمهمّشين على اعتبار أن صفة الأقلية والتهميش تنطبق على المثليين ومتحولي الجنس، لكن هذه المظاهرات تتحوّل بشكل طبيعي مناسبات للتعبير عن حالة الفجور والضلال التي يتخبّط فيها هؤلاء. وبالتالي بدلاً من رعايتهم الفعلية والتي تبدأ بالاعتراف بحالتهم المرضيّة بهدف علاجهم، تتحوّل نوايا الرعاة، الطيبة أحياناً، إلى تثبيت الحالة المرضية وتشريعها بغض النظر عن الكلام العلمي المتّزن، ما يؤدّي إلى تعميق الهوة التي يكون فيها الأشخاص المجرّبون بهذا المرض، ما يساهم في إبعادهم عن الخلاص وحتى عن الصحة الحقيقيَين.

** الأب أفيانيوس تاناسوسكو كاهن من أبرشية توميسولوي في رومانيا.هو في الأصل مهندس ويعمل في الإعلام الكنسي من خلال راديو دوبروجيا (Radio Dobrogea) الراديو الأرثوذكسي الأول الناطق بالرومانية في رومانيا وخارجها. إلى هذا، للأب أفيانيوس مدوّنة تجتذب تفاعلاً كبيراً لدى المؤمنين.

[1] التسوية الاجتماعية مفهوم سبق العولمة وهيّأ لها. تُمارَس التسوية الاجتماعية بشكل ملحوظ في المجتمعات الكبيرة على الأقليات خاصةً التي تظهِر مقاومة للتغيير الثقافي داخل المجتمع. هذه العملية دفعت العديد من علماء الاجتماع، كدانيال ليرنر، إلى الحديث عن موت المجتمع التقليدي. للتسوية الاجتماعية تأثيرات عديدة، منها اختفاء اللهجات المحلية، مع توجّه المجتمع نحو تبنّي لغة واحدة، والحدّ من التنوع الثقافي حيث يفقد الأفراد أهمية كونهم مختلفين، وفقدان الفرادة الثقافية والتراث الثقافي، والدفع لقبول نتائج التسوية الثقافية.

[2] أول مَن تحدّث عن فكرة المجتمع المفتوح هو الفيلسوف الفرنسي هنري بيرجسون في عام 1932، وتطورت الفكرة خلال الحرب العالمية الثانية مع الفيلسوف البريطاني النمساوي المولد كارل بوبر. يورد بيرجسون القانون والدين كَمَثَلين عن المجتمع المغلق الذي يكون جامداً ويحتفظ بغريزة إقصاء الآخرين حتى لو اختفت كل آثار الحضارة. في المقابل، يصف المجتمع المفتوح بأنه ديناميكي ويميل إلى الأخلاقيات الشمولية. أما بوبر فرأى أن المجتمع المفتوح يتّسم بموقف نقدي للتقاليد. وفي المجتمعات المفتوحة، يُتَوقَّع من الدولة أن تكون مستجيبة ومتسامحة، وآلياتها السياسية شفافة ومرنة.

[3] ولاحقاً إلى كل دول العالم الثالث، فعلى سبيل المثال، دول الشرق الأقصى وتحديداً الهند هي من أكثر المجتمعات التي تتغيّر لاستيفاء شروط المساواةوتحقيق حقوق المثليين.

[4] من أسباب تكاثر الجمعيات التي ترعى المثليين هو الترغيب المادي الذي تمارسه بعض السفارات الأوروبية والأميركية. فهي تجذل المساعدات على هذه الجمعيات التي تضمّ بغالبيتها أفراداً يؤمنون فعلاً بالمساواة بين البشر وحقوق الأقليات وغيرها، إنّما تُستَغَلّ غيرتهم لدعم الخطأ. لمعرفة المزيد عن موقف الكنيسة كما عن دور السياسة والأمم المتحدة يمكن العودة إلى المقالتين التاليتين على التراث الأرثوذكسي: موقف الكنيسة الأرثوذكسية من تشريع زواج المثليين و المثلية بين الرعاية والقانون المدني.

تتعرّض رومانيا للكثير من الضغوط بهدف تغيير القوانين فيها بشكل يرضي ويناسب مجموعات الشذوذ الجنسي وذلك كشرط لانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. في 2017، فيما كان 3 ملايين شخص يوقعون عريضة لرفض زواج المثليين، اتُّخذ قرار بإجراء استفتاء حول هذه القضية، إلى اﻵن لم يجرِ.

هذه السنة، شاركت 32 سفارة بشكل مباشر في مسيرة المثليين في بوخارست عاصمة رومانيا. لا يزال المجتمع الروماني إلى اليوم يقاوم هذه المسيرات، أما الدولة فتخشى العقوبات والتصنيف بأنها لا تحترم الأقلّيات والاتّهام بالقمع. الصورة التالية التُقِطَت أثناء المسيرة لرجل متحوّل إلى امرأة وهي تحكي عن ذاتها.

رسالة رعائية حول المناولة

رسالة رعائية حول المناولة

أشعياء مطران دنفر للكنيسة اليونانية في أميركا

في الأول من ايار 2018

الرسالة رقم 29

إلى الآباء الموقرين وأعضاء الرعايا المؤمنين في أبرشية دنفر المقدسة

أيها الأحباء بالرب

بلغني أن عدداً متزايداً من الأشخاص في رعايانا يتقدمون إلى المناولة الإلهية لكنهم يصرّون على الكاهن ألا يناولهم من جسد المسيح بل من الدم فقط. يشرح هؤلاء لكهنتهم أن أطباءهم، وعلى الأكيد ليسوا من الأرثوذكسيين، يطلبون منهم عدم أكل أي نوع من الخبز لأن هذا يؤذيهم.

إن كان في رعايانا أرثوذكسيون يؤمنون بأنّ بعد استدعاء الروح القدس في القداس الإلهي، تبقى التقدمة خبزاً وخمراً فينبغي أن لا يتناولوا من الجسد والدم المقدسين من بعد أبداً إلى أن يؤمنوا بأن السر المقدّس هو حضور روحي للسيد بشخصه أي بجسده ودمه.

إنها لَنِعمة عظيمة حقاً من القديس بولس، الرسول الإلهي إلى الأمم ، بأن يفسّر مخاطر تناول جسد ودم ربنا المقدسين، وذلك لأسباب مختلفة تماماً عن العلوم الطبية. يقول القديس بولس: “إِذًا أَيُّ مَنْ أَكَلَ هذَا الْخُبْزَ، أَوْ شَرِبَ كَأْسَ الرَّبِّ، بِدُونِ اسْتِحْقَاق، يَكُونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ. وَلكِنْ لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَهكَذَا يَأْكُلُ مِنَ الْخُبْزِ وَيَشْرَبُ مِنَ الْكَأْسِ. لأَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِدُونِ اسْتِحْقَاق يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَةً لِنَفْسِهِ، غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ. مِنْ أَجْلِ هذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى، وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُونَ.” (1 كورنثوس 27:11-30)

في ما يتعلق بهذه الكلمات القوية للقديس بولس، هل يوجد في الرعية مَن يعانون من المرض، ربما لأنهم لم يستعدوا لتناول التقدمة الإلهية من جسد ربنا ودمه؟ وإذا كانت تعليمات الطبيب لهم بعدم تناول الجسد (الخبز) لأنهم يعتبرون أن معرفة الطبيب الطبية أكثر أهمية من الإفخارستيا المقدسة، فعندئذ لا ينبغي أن يتناولوا القربان المقدس من الرب، إلا إذا كانوا يعتقدون أن معرفة خالق الكل عن الحياة الأبدية تفوق كل العلوم الطبية في هذا العالم الساقط.

إن هذه المسألة الخطيرة هي دليل كافٍ على أن العالم الدهري يتطور إلى فلسفة خاطئة مفادها أن العالم ذاتي الإنشاء، بحسب النظرية القائلة بأن كل الخليقة طارئة وعرضية. وبالتالي، فإن العالم القائم على المادية، وبخاصة الإنسانية، يحدد ذاته أكثر فأكثر على أساس ما يرضيه لأنه لا يعترف بخالق إلهي.

إن أي عضو في الرعايا لا يؤمن بشكل كليّ بأن الرب يسوع المسيح هو خالقنا، وأنّه أتى إلى العالم متّخذاً جسدنا البشري، وأن جسده كامل، وبذل نفسه على الصليب من أجل خلاصنا الأبدي، فيُرجى مساعدة هؤلاء الأشخاص على تبيان خطئهم إذا شاؤوا أن يصغوا. بالطبع، الأمر يعود إليهم لممارسة حريتهم في قبول ربّنا كما نعرفه، أو اتّخاذ الاتجاه الآخر أي الابتعاد عنه. نحن نصلّي لكيما الروح القدس يهبهم الاتجاه الوحيد إلى الحياة الأبدية وهي أن يعرفوا ويحبوا ربنا يسوع المسيح كمخلصنا وفادينا.

مع البركة الأبوية

أشعياء، ميتروبوليت دنفر

أهمية هذه الرسالة أنها تعالج موضوعاً يتلافى الكثير من الرعاة مقاربته خوفاً من أن ينفر بعض الذين يشركون بالصلاة ويمتنعوا عن المشاركة في القداس. فالبعض مثلاً لا يتناولون خوفاً من انتقال أمراض إليهم، فهؤلاء أيضاً ينبغي أن يصار ألى الاهتمام بهم. فالمناولة أصلاً هي لشفاء النفس والجسد، وهذا ليس كلاماً جزافاً يقوله الكاهن أثناء المناولة، بل هو وصف دقيق لما يجري التعاطي به. من هنا أن اختيار هذه الرسالة لترجمتها هو للقول بأن الراعي الصالح يهتمّ حتّى بهذه التفاصيل، ويسعى لأن تكون الأمور بلياقة وترتيب على كل المستويات. عسى أن يكون نشر أمور مثل هذه على بساطتها حافزاً لزيادة الوعي بين المؤمنين فيحفظون الأداء غير منثلم ويساعدون الكهنة على أن تكون خدمتهم بلا عيب. (الأب أنطوان ملكي)

المهام الخمسة للاهوتي في القرن الواحد والعشرين

المهام الخمسة للاهوتي في القرن الواحد والعشرين*

د. يوحنا بانايوتو

ما هي المهام الخمس للاهوتي في القرن الحادي والعشرين؟ المهمة الأولى هي أن يكون رجلَ أو امرأةَ صلاة. فقط في عزلة الصلاة يمكننا أن نشترك في حياة الثالوث القدوس. فقط عندما نقترب من الوحدة والانسجام اللذين يتشارك بهما الآب والابن والروح القدس معاً، يمكننا أن نجد الانسجام في حياتنا حيث يمكن اكتشاف وتنمية الحكمة والسلام والفطنة.

المهمة الثانية للاهوتي هي إعلان الإنجيل (الإنجيل، حرفياً باللغة اليونانية هو الخبر السار). اللاهوتي مدعو إلى إعلان الأخبار السارّة إلى عالم الأخبار السيئة. أساس الأخبار السارة هو أن يسوع المسيح قام من بين الأموات. هذه هي الرسالة المركزية التي تعلن الحدث الأكثر قدرة على التغيير في التاريخ؛ حدث لا يغيّر حياة الأفراد وحسب بل يغيّر الثقافات والأمم وحتى الحضارات.

الجميع مدعوون إلى الحياة الجديدة التي تُمنَح من خلال هذا الحدث التغييري، وطريقة الدخول الأولى هي التبشير بالإنجيل – إذ يجب سماع الأخبار الجيدة قبل أن يتمكن المرء من ولوج الحياة التي يعلنها. إن المشاركة في هذا الإنجيل، هذه الحركة إلى الحياة الجديدة هي خبرة ذاك الذي يعلنه. إن الإنجيل إذن شيء يجب أن يُسمع أولاً، ثم يأتي الإيمان به، ومن ثم يأتي التصرف بناء عليه. يكتب الرسول بولس في رومية أن يسوع هو الوفاء بالوعد الموسوي (الفصول 3-4). في 1 كورنثوس يكتب الرسول كيف أصبح الإله الحقيقي ملكًا بشخص يسوع وبذلك استبدل البشرية المحطّمة وحوّلها (الفصل 15).

يعيش المسيحيون بين القيامة، أي الحدث الذي حوّل كل الكائنات الحية، والمجيء الثاني أي عندما يأتي المسيح مرة أخرى لكن هذه المرة في المجد. يعود كملكٍ حاكم لتدشين مملكة جديدة سوف تتصالح مع الخليقة الكونية كلها مرة أخرى، وهي ما نختبره نحن المؤمنون ببعض الأشكال.

المهمة الثالثة للاهوتي هي مساعدة الناس على العيش في الواقع وعدم التواجد في الوهم الروحي. يزداد الوهم الروحي في أيامنا هذه على الرغم من أن كل جيل قد قاتله بطريقة أو بأخرى. يقول الكتاب المقدس أن الحق يحرركم، لكن من المهم تذكّر أن يسوع قال أنا الحق“. لا يمكن اختزال اللاهوت إلى المفاهيم المجردة وحدها. إن للاهوت قيمة فقط إذا كان يشير إلى مَن هو الحق أي يسوع المسيح، وينطلق منه. فاللاهوت الحقيقي ليس مجرد مجموعة من الكلمات عن الله بل يجب أن ينير ويكشف المضمون الواقعي الوجودي للقاء الحقيقي مع المسيح القائم من الأموات الذي يمكنه أن يحرّر المؤمن ويحوّله.

يدخل الوهم الروحي عندما يتخلّى اللاهوت عن هذا البعد المواهبي والتغييري في الشركة مع الله. يعود المؤمن مجدداً إلى انكسار العالم الساقط عندما يُنكَر هذا البعد أو عندما يخفت الوعي له. يقول الرسول بولس أن التغيّر يبدأ بأفكارنا أو نوسنا باللغة اليونانية (رومية 12: 2). يعلّم آباء الكنيسة وجوب أن ينزل العقل إلى القلب، ووجوب تنميةِ ذهنيةِ التوبة عند أسفل صليب المسيح لكي نختبر قوة وفرح ما بعد القيامة اللذين يمنحهما المسيح. من خلال الصليب يأتي الفرح إلى العالم، وهذا ينطبق على المؤمن البسيط كما انطبق على يسوع عندما احتمل الإذلال الشديد معلقاً على الصليب.

المهمة الرابعة للاهوتي هي أن يكون إناء لمحبة الروح القدس الروحية وقوته ونعمته. من دون الطاعة لله، لا يكون اللاهوتي ينبوعاً للإنعاش السري، بل بالأحرى صحراء قاحلة من الحقائق الفارغة المجرّدة من المعنى الحقيقي. يجب أن يكون يسوع مركز كلّ ما يقوله اللاهوتي ويفعله.

نحن لا نعبد عقيدة أو كتاباً مقدساً أو كنيسة أو فلسفة أو لاهوتاً أو إنجيلاً اجتماعياً، بل نحن نعبد شخصًا وهو يسوع المسيح الألف والياء، البداية والنهاية، كما يخبرنا القديس يوحنا اللاهوتي في الرؤيا التي كتبها في جزيرة بطمس.

وأخيرًا ، إن المهمة الخامسة لللاهوتي هي أن يكون متجذّراً في الكتاب المقدس وأن يتغذّى بشكل أسراري. يجب أن تكون الكنيسة أهم مبنى في الحرم الجامعي لكل طالب. فقط مع هذا التركيز يبقى الشخص متجذراً في رسالته وقادراً على الصعود نحو اللاهوت الجاد. الكنيسة هي أهم مبنى في الحرم الجامعي عملاً بقول الرب يسوع اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ” (متى 6). هذه هي الطريقة الوحيدة لنتمكن من تحقيق دعوتنا أولاً كمسيحيين ومن ثمّ كلاهوتيين. اللاهوت يبدأ بالصلاة والعبادة.

قد تبدو صفات اللاهوتي هذه وكأنها أمر مستحيل إذا حاولنا ذلك متكلين على ذواتنا. لكن، إذا كنا نثق بقوة الله ونعتمد عليها، فإن كل الأشياء ممكنة. استمرّوا بالصلاة واطلبوا وجهة ربّنا في بداية هذا العام الدراسي. ولنتأمل هنا بكلمات القديس يوحنا الذهبي الفم: “مَن يستطيع أن يصلّي بشكل صحيح، حتى ولو أنه أفقر الناس جميعاً، هو في الأساس الأغنى. ومن لا يملك صلاة لائقة، هو أفقر الناس، حتى لو كان يجلس على عرش ملوكي“.

* من كلمة لطلاب اللاهوت في افتتاح العام الدراسي