“دعوة” زوجة الكاهن للمشاركة في خدمة زوجها

دعوةزوجة الكاهن للمشاركة في خدمة زوجها

أثاناسيا باباديميتريو

نقتلها إلى العربية بتصرّف أسرة التراث الأرثوذكسي

دعوةزوجة الكاهن

في هذا الفصل، تُستخدم كلمة دعوةبين علامتي اقتباس لتمييزها عن دعوة الكاهن. “دعوةزوجة الكاهن ليس لها أساس لاهوتي، ولكن العديد من زوجات الكهنة يشعرن بأن شيئًا ما ألهمَهُن إلى خدمة الله، غالباً في سن مبكر. قد يشعرن بأنهن دائماً على علاقة خاصة مع الله، وأنهن جزء من خطة الله الإلهية لخدمته.

إذا لم يكن للمرأة مثل هذه الدعوةلخدمة الله كزوجة كاهن، فإنها تتجنب لقاء ومواعدة طلاب معاه\ اللاهوت، خوفاً من أنها تقع في الحب مع كاهن المستقبل، وأن تواجه دوراً ليست مدعوة إليه الدعوة“. غالباً الآباء والأمهات لا يشجعون بناتهم على مواعدة طلاب اللاهوت. في مثل يوناني قديم أن الأم تقول لابنتها المقبلَة على الزواج من شاب مقبل على الكهنوت: “يا ابنتي، فكّري جيداً في اختيارك، لأن جبّة الكاهن ثقيلة ليس فقط عليه، بل أيضاً على زوجته“.

صفات زوجة الكاهن

بحسب أميلكا س. أليفيزاتوس، لاهوتية يونانية من القرن العشرين، فإن القوانين القديمة في الكنيسة تطلب من المرأة التي، بنعمة الله، سوف تصبح زوجة كاهن، أن تمتلك فضائل ومواهب روحية. يجب أن تكون زوجة كاهن المستقبل مُحِبَّة، ذات ميل رعائي، لطيفة وصاحبة إيمان عميق ومحبة لله. يجب أن تكون امرأة ذات خُلُقٍ حسن. يجب أن تكون على استعداد للمشاركة والمساهمة في خدمة الكاهن. وكما يقول خريستوذولوس رئيس أساقفة أثينا وكل اليونان، لكي تكون المرأة زوجة كاهن يجب أن تتقبّل ما يلي: البَرَكة، التضحية، الخدمة، والمسؤولية.

تربية زوجات الكهنة

قبل سنوات، لم يكن التعليم متاحاً لزوجة الكاهن أو غيرها من النساء. تقليدياً في الكثير من الثقافات، اعتًبِر الزواج والأمومة كافيين لكي تحقق المرأة ذاتها. أمّا اليوم فقد أصبح التعليم متاحاً للنساء على نطاق أوسع. إلى اليوم، لا يزال الناس في المجتمع والرعية يتوقعون من زوجات الكهنة المتعلمات والعاملات، كما من غيرهن من النساء، أن يسلكن بحسب ما تتطلبه الأدوار والالتزامات التقليدية من الزوجات والأمهات.

يمكن لزوجات الكهنة أداء دورهن في خدمة أزواجهن بشكل أكثر فعالية إذا كنّ أفضل تعليماً. على سبيل المثال، يمكن لزوجات الكهنة استخدام تربيتهن الدينية للاضطلاع بدور رائد في تثقيف الآخرين، وخاصة النساء،حول معتقدات الكنيسة الأرثوذكسية. يمكن لزوجات الكهنة أن يقدمن شهادات على الإيمان الأرثوذكسي في مجموعات الشباب، والتجمعات النسائية، وحرم الجامعات. كما ويمكنهن أيضاً المشاركة والمساهمة في خدمة العلمانيين كمرشدات للشباب ومساعدات.

العديد من النساء، بما في ذلك زوجات الكهنة وطلاب اللاهوت، ينضممن إلى المدارس اللاهوتية بسبب اهتمامهن في معرفة المزيد عن الله، وبالتالي الحصول على شهادات لاهوتية من المعاهد الأرثوذكسية والجامعات الأخرى. بعض زوجات الكهنة تأخذ مقررات في اللاهوت أثناء تواجدهن في حرم جامعي أرثوذكسي، حتى من دون الالتحاق في برامج تؤدّي إلى شهادات. زوجات كهنة أخريات يأخذن مقررات في كليات أو جامعات قريبة منهن.

حتى لو لم يكن لديها الوقت أو المال للالتحاق ببرنامج جامعي أو أخذ دورات لاهوتية في الجامعة أو المعهد، على الأقل، يمكن لزوجة الكاهن حضور فصول التعليم الديني لتكون على دراية بتعاليم الإيمان الأرثوذكسي وممارساته. وأن تعرف ما يكفي للإجابة على الأسئلة الأساسية التي قد يطرحها أبناء الرعية، هو أمر مفيد لخدمة زوجها. يمكنها أن تحيل الأسئلة الصعبة إلى الكاهن أو إلى لاهوتي آخر عند الضرورة، خاصة إذا كان الموضوع مثيراً للجدل.

روابط السر بين الكاهن وزوجته

يتميّز حدثان في حياة زوجة الكاهن: يوم زفافها ويوم سيامة زوجها. هذان الحدثان الكنسيان يشكّلان الروابط السرية بين الكاهن وزوجته.

أولا، مع سر الزواج، الزوجان يعلنان التزامهما الواحد بالآخر مد\ى الحياة. واحد يكمّل الآخر: “غَيْرَ أَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مِنْ دُونِ الْمَرْأَةِ، وَلاَ الْمَرْأَةُ مِنْ دُونِ الرَّجُلِ فِي الرَّبِّ.” (1 كور 11:11). كما أنهما يعلنان التزاماً غير مشروط بخدمة الله مدى الحياة. هذا الالتزام يشكل مثلثاً: اللهالزوجالزوجة.

ثانيا، مع سرّ السيامة، يصير الكاهن مستعداً لخدمة الله. زوجة الكاهن تكون حاضرة لتقاسم خدمته بعد السيامة.

هذه الروابط الأسرارية يمكن أن تساعد الزوجين الإكليريكيين على أن يعبروا الأوقات الصعبة. ولكن في بعض الأحيان، تنسى زوجات الكهنة أنهن متزوجات من كهنة. أو ينسين أنهن تعهدن، أولاً أمام الله وثانيا أمام أزواجهن، بأن يشاركن في خدمة أزواجهن. عندما تصبح الأمور صعبة، تشعر بعض زوجات الكهنة أنه من المستحيل الاستمرار في زواجهن أو المشاركة في خدمة أزواجهن. الأيام الصعبة هي مثل بحر هائج، ولكن المياه العاصفة تهدأ في نهاية المطاف. لأن الله جزء من الرباطات الأسرارية التي بين الكاهن وزوجته، فإن الله يرسل الروح القدس لمنحهما الحكمة والقوة للتغلب على الصعوبات. يجب أن يكونا صبورين وأن يبقيا يبحثان عن الله ليطلبا مساعدته: “قال الرب، لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَل، لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهذِهِ الْجُمَّيْزَةِ: انْقَلِعِي وَانْغَرِسِي فِي الْبَحْرِ فَتُطِيعُكُمْ.” (لوقا 6:17). الله يسمح للأشياء بأن تحدث في حياتنا لأسباب لا يعرفهاإلا هو. كل ما علينا القيام به هو أن نصلي ونقول: “لتكن مشيئتك“.

موافقة زوجة الكاهن على سيامة الكاهن والمشاركة فيها

تلعب زوجة الكاهن دوراً هاماً في سيامة زوجها. أولاً وقبل كل شيء، يجب أن توافق خطياً على أنها مستعدة لسيامة زوجها. كما أنها جسد واحد مع زوجها من خلال سر الزواج، فإنها تشارك روحياً في سيامته…

في لحظة، تمتلئ الكنيسة بصراخ أكسيوس! أكسيوس! أكسيوس! مستحق! مستحق! مستحق!”. صرخة الزوجة تكون هناك أيضاً، وتظهر موافقتها والتزامها بالله وبزوجها: هي هناك لتكون جزءاً من خدمته…

بعد سيامته، يمكن للكاهن أن يقيم القداس الإلهي. أن تتناول الزوجة من يد زوجها في أول قداس له، فيه الكثير من الفرح والبركة. إن الله يشرّفها بدعوته إياها لتكون زوجة كاهن. يا لها من نعمة! وحدهن النساء اللواتي مررن بهذه التجربة يمكنهن فهم هذا الشعور الخاص والاكتفاء.

وكما ذكرنا سابقاً، فإن الكاهن وزوجته مُباركان بشكل مضاعف بسرَّي الزواج والكهنوت. ومن لحظة السيامة هما ملتزمان معا. زوجة الكاهن هي جزء من جبّة الكاهنكصياغة جديدة للمثل اليوناني. من ذلك الحين، تبدأ الرحلة الروحية الصعبة. يجب على الكاهن وزوجته أن يكونا مستعدين لدعم أحدهما الآخر والسير جنباً إلى جنب على الطريق الضيق، فيما يقودهما الروح القدس.

القديس كيرللس، قديس من القرن الثاني، يصور المائدة الإفخارستية في أيقونة. يد رجل تمتد إلى الخبز، وامرأة تقف وتصلّي. إنّهما يمثّلان المسيح والكنيسة. يمكن أن ترمز هذه الصورة إلى كاهن متزوج وزوجته. مع الحب العميق لله ولبعضهما البعض، يتقاسم الاثنان المسؤولية الهامة لخدمة الله و شعبه.

الكهنة أصحاب الدعوة المتأخرة والمهتدين

تواجه بعض النساء تحديات خاصة في قرار تقاسم خدمة أزواجهن. في بعض الحالات، قد يكون الأزواج اختاروا الكهنوت في وقت لاحق من الحياة. تواجه تلك النساء تغيرات عاطفية كبيرة في حياتهن الزوجية والعائلية، وربما تغييرات في حياتهن المهنية تؤثر عليهن مالياً. وفي حالات أخرى، قد تكون النساء اللواتي اعتنقن الإيمان الأرثوذكسي حديثاً متحمّسات بشكل خاص على أن يصبحن زوجات كهنة لأنهن لا يعرفن ما يمكن توقعه في الرعية. مثلاُ، تخشى بعض النساء من مواجهة تحديات اللغة في الرعايا الثنائية اللغة.

في مواجهة هذه التحديات الخاصة، يمكن للأب الروحي توجيههما ومساعدتهما على فهم إرادة الله. يحتاج الزوجان للصلاة معاً لاتخاذ القرار الصحيح في ما يتعلق بسيامة الزوج للكهنوت. بعد اتخاذ قرارهم، يحتاجون للصلاة إلى الله لمنحهم قوة للقيام بهذه الخدمة بفعالية. ليست الخدمة وظيفة يمكن تغييرها. وبمجرد أن يسام الرجل فهو دائماً كاهن.

مستوى التزام زوجة الكاهن بخدمة زوجها

زوجة الكاهن اليوم لديها العديد من الخيارات فيما يتعلق بكمّ الوقت والطاقة اللذين تخصصهما لخدمة زوجها. يمكنها أن تكون أمّاً بدوام كامل أو ربة منزل. يمكن أن تعمل بدوام كامل أو جزئي خارج المنزل. يمكن أن تكون متطوعة في مختلف اللجان والمشاريع الكنسية. إذا كانت مؤهّلة، فبإمكانها أن تشارك في خدمة الرعية. كما يمكنها الجمع بين أكثر من خيار مما سبق.

أولويتها الأولى هي زوجها وأطفالها. العديد من الأمهات يرغبن في البقاء في المنزل مع الأطفال الصغار، إذا لم يرتّب الأمر على الأسرة عبئاً مالياً. إنهن يعطين أطفالهن شعوراً بالأمان. فهذا يعطيهن المزيد من الوقت للقضاء مع أطفالهن، وتعليمهم، والإجابة على أسئلتهم، والأهم من ذلك الصلاة معهم.

قد يكون العمل بدوام كامل خارج المنزل مجزياً. فبالإضافة إلى الدخل الإضافي، قد يكون مكاناً تقوم فيه زوجة الكاهن بعمل ممتع لها. عندما تعمل خارج المنزل، من الواضح أن الوقت المخصص لعائلتها وللرعية هو أقل. من جهة أخرى، عملها يؤثّر على جدول زوجها ومقدار الوقت الذي يمكن أن يقضيه في الرعية، إذ عليه تخصيص وقت أكثر للمشاركة بالمزيد من المسؤوليات الأسرية. إذا كان الناس يعرفون أن زوجة الكاهن تعمل خارج المنزل، فتوقعاتهم حول مستوى التزامها بخدمة الرعية سوف تكون أقلّ. ومع ذلك، من الأفضل الحفاظ على التوازن، دعم زوجها، والحفاظ على وجودها داخل الرعية.

يمكن لزوجة الكاهن أن تقيّم مواهبها ومهاراتها واهتماماتها، وأن تسلك وفقاً لذلك. تستطيع أن تقوم بما يجعلها سعيدة والذي يلائمها بشكل أفضل هي وزوجها. وبغض النظر عن الطريقة التي تختار أن تشارك بخدمة زوجها من خلالها، فمن المهم أن تكون سعيدة بقرارها وأن تتعايش معه.

أسماء زوجات الكهنة

تُعرَف زوجات الكهنة بألقاب مختلفة في كل من التقاليد الأرثوذكسية والكنائس. على الرغم من أن الأسماء مختلفة، إلا إنها جميعاً تعترف بالمكانة الخاصة لزوجة الكاهن في الرعية.

في الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، اسم زوجة الكاهن هو بريسفيتيرا (Presvytera ).يقول قداسة البطريرك المسكوني بارثولوميوس في تقليدنا الكنسي، زوجة الكاهن تُنادى بريسفيتيرا، النصف الآخر من الكاهن (بريسفيتيروس)”.

تم العثور على لقب بريسفيتيرا في الكتابات المسيحية القديمة، وكان له العديد من الاستخدامات المختلفة. أحد هذه الاستخدامات مناداة الشماسة التي كانت تساعد الكاهن في مهام مختلفة. في الكنيسة الأولى، كانت الشماسة امرأة مسيحية متقدمة في العمر، أرملة بالعادة، قدّمت خدمتها للكنيسة (دياكونيا، وبالتالي الاسم الأكثر شيوعاً هو الشماسة). وتشمل واجباتها المحدودة الحفاظ على النظام في الكنيسة ومساعدة النساء البالغات في لبسهن بعد الخروج من الماء خلال سر المعمودية المقدسة. كانت الشماسة أيضاً تزور النساء المريضات، فضلاً عن النساء المسيحات اللواتي كن ربّات أسر في منازل وثنية.

ومع ذلك، فإن الاستخدام الأكثر شيوعا لهذا الاسم كان لزوجة الكاهن. في الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، الاستخدام الحالي هو بريسفيتيرا. أيضاً في العامية اليونانية تُنادى زوجة الكاهن بإسم باباديا (Papadia)، والتي تأتي من باباس (Papas) أي الكاهن.

في الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية، تدعى زوجة الكاهن خورية. في الكنيسة الأرثوذكسية الألبانية، وتسمى بريفتيريشيا. في الكنيسة الأرثوذكسية الرومانية، وتسمى بريوتياسا.

في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، تسمى زوجة الكاهن ماتوشكا، أي الأم الصغيرة“. إن هذا الاسم مؤثّر ومناسب لزوجة الكاهن التي تحب جميع الناس في الرعية زوجها وتهتم بهم!

بعض زوجات الكهنة لا يرغبن في أن يُنادَينَ بلَقَبِهن، ويصررن على أن تُسمين باسمهنّ. ربما يرغبن في أن يعامَلن مثل أي امرأة أخرى في الرعية. لا بدّ من احترام رغباتهن، مع أن الكثير من الناس يتجاهلون هذا الأمر. بغض النظر عن الجهد الذي تبذله زوجة الكاهن لتقول للناس بمناداتها باسمها الأول؛ فهي تبقى زوجة الكاهن في عيونهم.

بالنسبة لزوجة الكاهن المسام حديثاً، فإن قبول لقبها الجديد يرمز إلى قبولها حياتها الجديدة. حتّى بعد هذا، فسوف يوجد عدد قليل ممن ينادونها باسمها الأول. فمن المضحك مثلاً في اجتماع خوريات (زوجات الكهنة) أن تُنادى سيدة ما بخورية، حيث أن كل السيدات سوف يستدرن مفتكرات أن أحداً يناديهن. هذا مثال على أن هذا الاسم منحوت بعمق في قلب كل زوجة كاهن.

A. Papademetriou. “Presbytera” The Life, Mission, and Service of the Priest’s Wife. Ed. Somerset Hall Press, Boston, Massachusetts, 2004.

الحياة الافتراضية والأفكار الداخلية

الحياة الافتراضية والأفكار الداخلية

مجموعة من الكهنة الروس

أصبحت الشبكات الاجتماعية جزءاً لا يتجزأ من حياتنا، لا بل صارت بالنسبة للبعض أهمَّ جزء في حياتهم اليومية. تقريباً، صارت القاعدة أن يتمّ تقاسم جميع أحداث الحياة مع العالم، بما في ذلك البسيطة منها والشخصية جداً. صار ممكناً الاعتقاد بأن كلّ ما نقوم به هو الظهور على الشبكات الاجتماعية، بدلاّ من مجرد عيش حياتنا. المسيحيون الأرثوذكس بغالبيتهم صاروا عالقين في هذه الشبكة أيضاً. ماذا ينبغي على المسيحيين القيام به لتلافي الغرقفي هذا البحر من الكلمات التي أصبحت بلا قيمة؟ ما الذي يساعدنا على التركيز على حياة الروح، على الأشياء الداخلية، على المسيحية الداخلية؟ ما يلي هو آراء اربعة من كهنة الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في هذه المواضيع.

قفوا أمام حقيقة الإنجيل كل يوم

المتقدّم في الكهنة مكسيم كوزلوف


في الحياة الروحية، لتحقيق هدف ما أنت تحتاج أولاً إلى الرغبة في تحقيق هذا الهدف. يعبّر القديس إغناطيوس (بريانشانينوف) عن هذه الحقيق بكلمات ممتازة: “مَن يريد إنجاز شيئ يستطيع ذلك“. وبعبارة أخرى، حيث توجد الإرادة تتأمّن الوسيلة.

إن أفكار الناس المعاصرين، بما في ذلك نحن المسيحيين الأرثوذكس في القرن الحادي والعشرين، غالباً ما تكون نتيجة عدم رغبتنا في العيش بجدية في المسيح. نحن نميل بسهولة نحو قبول معايير السلوك العصرية التي يفرضها علينا العالم الحديث. وكما نعلم، الْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ” (1 يوحنا 19:5) وأكثر من أي وقت مضى، هو يخدع الناس المجاهدين من أجل الحياة الصالحة ليضللهم. إحدى هذه الإغراءات التي أودّ أن أسمّيها هي الافتضاحية الافتراضية (virtual exhibitionism)“ وقوامها الدفع لكشف حياتك الخاصة كلّها، طوعاً من دون أيّ إكراه من قبل أنظمة سرية أو أي شخص آخر، لتقديم معلومات عن نفسك، وعن أقرب الناس وأعزّهم عندك، ونشر وجهات نظرك وانطباعاتك على شبكات التواصل الاجتماعية بدلاً من إخفاء هذه المخاوف في قلبك.

وفي الوقت نفسه، قال آباء الكنيسة أنه لا ينبغي أن نبدد نعمة الله التي نكتسبها خلال حياتنا بالكلمات. بقدر ما تحكي عن كيف لامس الرب قلبك أو عن المعجزة التي جرَت لك، يزداد انجرافك بعيدا عن كل هذا ويصبح مملاً. نعم، يمكنك مشاركة قصة من هنا أو من هناك مع شخص ما، شريطة أن تساعده روحيا بشكل أو بآخر، وتحفظه من الوقوع في اليأس وارتكاب الخطيئة، وتقوده على طريق البر. إن لم يكن في روايتك للأحداث أكثر من الإعلان الذاتي و التباهي، فقريباً سوف تُترَك وحيداً مع الكثير منالإعجابات (likes)” ومنشور إضافي على شبكة الانترنت. أنصح بالإقلاع عن شبكات التواصل الاجتماعي أو استخدامها فقط بالقدر الذي يتطلبه نشاطك المهني أو تبادل المعلومات.

طريقة أخرى لتجنب الأفكار المتجولةهو التخلّي عن التلفزيون! ليس في هذا الكلام أي صرامة لا مبرر لها، لذا أود أن أقول أنك إذا كنت تقضي في المساء ساعة أو ساعة ونصف أمام التلفزيون أو في التسكّع على الشبكة، فإن تركيز انتباهك على الصلاة سيكون صعباً للغاية. لكن هناك أساليب فنية بحتة ومحددة يمكنك من خلالها مساعدة نفسك.

طريقة أخرى، هي الأقدم وليست بعيدة عن الزمان الحاضر، هي قراءة الكتاب المقدس يومياً وبشكل منتظم. إذا كنت تقف أمام حقيقة الإنجيل كل يوم، هنا والآن، فإنك تكون أكثر أماناً من التأثر بتنازلات عصرنا.

دعونا لا ننسى كلمات الرسول بولس: “إِنَّ الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ (1 كور 33:15). هذا ينطبق أيضاً على المجتمعات الافتراضية السيئة. لا تشاهد ما لا ينبغي بالمسيحي مشاهدته، لا تقرأ ما لا يفترض بالمسيحي أن يقرأ، عندها يكون أكثر سهولة عليك إعداد إنسانك الداخلي للصلاة والحياة المسيحية الحقيقية.

الإنسان مخلوق للشركة مع الله

الكاهن فاليري دوخانين

لقد صارت شبكات التواصل الاجتماعي نوعاً من الإدمان. يجري الناس إلى عالم التواصل الافتراضي حيث يبقون دوماً على الانترنت (أونلاين)”, أو على اتصال in contactمع الآخرين، وهذا يخلق وهم التواصل ويساعدهم على إخفاء وحدتهم. ومن الواضح أن هذا خداع للذات لأن التسكّععلى شبكات التواصل الاجتماعي هو مجرّد محاكاة لملء الحياة، من خلال المتابعة المستمرة لأخبار الأصدقاء ومواصلة تبادل الأفكار والخبرات الخاصة. ولكن، في واقع الأمر، لا يمكن أن يكون هناك أصدقاء افتراضيون“. هذه مجرد عِشرة سطحية، في حين أنّ الرسائل النصية التي لا نهاية لها هي مضيعة للوقت وتقويض للروح.

لا يمكن للروح البشرية أن توجد من دون اتصال شخصي. هكذا نحن مخلوقون: منفتحين على التواصل. ولكن، قبل كل شيء، الإنسان مخلوق للشركة مع الله، وفقط بعد ذلك مع البشر الآخرين والعالم من حوله. يقول المغبوط أوغسطين الهيبوليتي، أيها الرب، أنت جعلتنا لنفسك، وقلوبنا لا يهدأ إلى أن تجد الراحة فيك“. ما من شيء يمكن أن يحلّ محلّ هذا. نحن نشعر بالفراغ في داخل نفوسنا بسبب خطايانا، ونريد أن نملأه بالشركة، ولكن سوف يبقى الشعور بالفراغ نفسه. على الإنترنت تُجرَّب النفس وتتشتت وتهدر ذاتها.

يمكننا ملاحظة هذه الظاهرة المحزنة لأن قضاء الكثير من الوقت على شبكات التواصل الاجتماعي لا يترك دقيقة واحدة حرّة للصلاة. يحتاج المؤمن إلى توخي الحذر لتجنب هذا الإغراء. عليه أن يتبنّى في هذه الأمور نظرة رصينة ويقول: “هذا يكفي! أنا لا أريد أن أكون تحت سيطرتها أكثر من ذلك. إن ألِج الانترنت فهو فقط لقراءة مقالات مفيدة على المواقع الأرثوذكسية، وليس للشائعات على الشبكات الاجتماعية “.

وهاكم نصيحة غير عادية. إذا كنتم ترغبون في التركيز على الحياة الروحية، ثابتين في عدم التشوش من المحادثات العلمانية الفارغة، فعليكم أن تتعلموا عدم إدانة أي شخص. تنطوي الإدانة على التعامل مع أشياء من عالم الخطيئة بحذر كبير. أغلب الناس مشغولون بالقيل والقال، مختلف أنواع الفضائح، خطايا الآخرين، والظلم. هكذا تتحول الحياة إلى تململ دائم. على كل مسيحي أن يرفض ويتخلى عن كلّ هذا مرة وإلى الأبد. مَن لا يحكم على الآخرين يكون في سلام وحرية، وسلام الروح وحريتها هما أكبر كنز. إذا كنا نستطيع مشاركة أي شيء على شبكات التواصل الاجتماعي، فليكن لطيفاً وللبنيان. أمّا في أعماقكم فسوف تشعرون حتماً بأن التسكع على الإنترنت لا يجلب أي ربح للنفس.

إن وقت الصلاة وقراءة قانون الصلاة والإنجيل وأعمال الآباء القديسين يجب أن يكون أسعد أوقات كلِّ مسيحي لأنه النبع الأكثر نقاوة وهو ما يغذي نفوسنا ويعطينا الحياة والفرح الحقيقي.

حدْ عن الشر واصنعْ الخير (مزمور 34: 14)

الكاهن ديمتري شيشكين

يعلمنا المخلص نفسه كيف نركز عليه، من خلال كلمته (الأناجيل المقدسة) وبروحه، الذي به يبقى معنا، بشرط طاعتنا له. إن خبرة حياة الكنيسة التي عمرها قرون والتي نسميها التقليد المقدس، تعلّمنا نفس الشيء: أن نتعلّم ونتّقن علم العلوم هذا. لذا، لهذا فإن أهم شيء هو رغبتنا الصادقة في أن نكون مع المسيح وأن نسلك وفقا لخبرة الكنيسة.

عندما يتعلق الأمر بالعالم القاطن في الشر والذي يغرينا بأن نقوم بأشياء خاطئة، فإن المقاومة الواعية له والقيام بالأعمال الحسنة هما جوهر حياتنا المسيحية على الأرض.

يقول الملك داود في المزامير: حدْ عن الشر واصنعْ الخير (مزمور 34: 14). العديد من مجالات حياتنا، بما في ذلك التواصل على شبكة الإنترنت، تتيح لنا فرصة للقيام بهذا النشاط. وبينما يعلمنا العالم عدم إخفاء أي شيء والكشف عن كل شيء على وسائل التواصل الاجتماعي، ما الذي يمنعنا، بمعونة الله، من حراسة قلوبنا ومشاركة ما هو بنّاء في نشر بشرى المسيح السارّة؟ إذا تعثّر عليك إيجاد ما تطلب حسناً، وأغراك هوى الكلام البطّال والجدل والتسلية من خلال شبكات التواصل الاجتماعية، فمن الأفضل لك التوقف عن استعمالها، تماما كما انه ينفع للإنسان الذي يتعرّض لإغراء ما أن يتجنّب مصدره. هاكم مثال بسيط يجعل الأمر أوضح. يمرّ رجل على محل بقالة في عودته من العمل، ويشتري الخبز والنقانق والجبن لأسرته ويعود إلى منزله مكتفياً جداً، دون أن يهتمّ لجناح المشروبات الكحولية في المخزن. وفي الوقت نفسه، يشكّل هذا الجناح إغراءاً رهيباً لرجل آخر ووهو يعرف ذلك من خلال تجربته المريرة. وبالتالي، من الأفضل للشخص الثاني أن ينسحب من هذا المخزن. الأمر نفسه ينطبق مع وسائل التواصل الاجتماعية. إذا كان ممكناً إيجاد ما له معنى حسن، فهذا أمر جيد؛ أمّا إذا كانت هذه الشبكات حجر عثرة فمن الحكمة التخلي عنها.

الأب بولس كونكوف

إذا أردنا أن نعطي الله قيمة عندنا، فعلينا أن نأخذ آراءه بعين الاعتبار. لا ينبغي أن نتعامل مع الله كمجرد مبادئ توجيهية، بل على أنه الشخص الأكثر محبوبية وأهمية في حياتنا. نحن بحاجة إلى حمله في أذهاننا، وتذكر حياته وحفظ اليقظة للسهر على قلوبنا. يجب على أي زوج أن يفكر في هذه المسألة قبل القيام بأي شيء أو تأجيله: “ماذا سيفكر أو يقول نصفي الآخر عن ذلك؟عندها فقط يمكن للزوج أن يتّخذ القرار. وبالمثل، يجب على كل مسيحي أن يتذكر المسيح دائماً ويأخذ بعين الاعتبار آراءه كما تم التعبير عنها في الأناجيل والوصايا بشكل واضح.

عندما يتعلق الأمر بوسائل التواصل الإجتماعي والاتصال بشكل عام، يجب ألا نكشف أفكارنا الداخلية على الإطلاق، وإذا كانت لدينا رغبة بمشاركة جمال الأرثوذكسية مع الآخرين، فعلينا أن نفعل ذلك بطريقة غير مزعجة ومن دون ضغط أو تعصب.

العلم في مدى الأرثوذكسية

العلم في مدى الأرثوذكسية

ديمتريوس غريغوروبولوس

هناك انطباع يبلغ عند البعض حدّ الاقتناع بأن الدين والعلم يتعارضان، بقدر ما يُعتَقَد أن الدين أدان مرات عديدة البحث العلمي. مهما كان هذا صحيحاً، فهو لا يتعلّق بأي طريقة بالأرثوذكسية أو حياة الكنسية الأرثوذكسية، وهذا لسببين:

بحب الكنيسة الأرثوذكسية، المسيحية ليست فلسفة ولا إيديولوجية ولا مجرّد قانون كنسي. هذا يعني، أنها ليست دينًا (religion) بالمعنى اللاتيني للكلمة (مصدرها ريليغار Religare” أي الخضوع للقواعد والقوانين). ففي اللغة اليونانية، الإيمان هو ثريسكياالتي تعني ببساطة الصعود”.

تمارس الأرثوذكسية في حياتها الكنسية الحقائق أو الوقائع التي أُعلنَت عن المسيح. يتّخذ القديس سمعان اللاهوتي الحديث موقفاً مميزاً حيث يرفع خبرة الحياة المسيحية فوق الكلمة المكتوبة من الكتاب المقدس. وفيما يتعلق بالأرثوذكسية، فإن الشعور الديني الناشئ عن عالمنا هو الدافع الأقوى والألطف للبحث العلمي. البحث هو النتائج أو الاستنتاجات التي تخدم الإنسان وتوجهه نحو الحقيقة؛ لأن الحقيقة تُكشَف جزئياً وتعتمد على كيف وأين نبحث عنها. عالم الفيزياء الشهير، روبرت ماير، الذي غالباً ما يُشار إليه باسم نيوتنفي القرن التاسع عشر، ذَكَر بكل وضوح أنّ الحقيقة بحد ذاتها وذاتها أبدية وما هو أبدي لا يمكن تعريفه أو إثباته“. بالنسبة إلى الأرثوذكسية، فإن الحقيقة هي المسيح وتحديداً المسيح المصلوب كمخلص للانسانية، وهي حقيقة يرى القديس بولس أن الأمم يعتبرونها جهالة والعبرانيين خزياً. أصبح الله الإنسان ليرفع الإنسان إلى حالة الإله، ولكن ليس الله.

أما بالنسبة للأرثوذكسية فلا يوجد نزاع بين الأرثوذكسية والعلوم. على العكس من ذلك، يتم التعبير عن موقف الأرثوذكسية في المسائل المتعلقة بالعلم والتكنولوجيا، على كل المستويات في الحياة الأرثوذكسية. كتاب صلاة الكنيسة الأرثوذكسية (إفخولوجيون) مليء بالإشارات إلى إنجازات الإنسان في المجالات العلمية والتكنولوجية. عيد العنصرة المقدسة هو للعالم يوم التنوير والحكمة، وفيه يُشاد بيسوع المسيح كسيّد جميع الحرف (بانتيشنيمون) أي الذي يلهم الإنجازات العلمية ويحمي ببركاته العمل العلمي.

يترتّب على هذا الموقف نتيجة لاهوتية يعبّر عنها اللاهوتي الروسي العظيم جورج فلوروفسكي بأن البشرية والكون هما فيض محبة الله. بحسب الفيلسوف الفرنسي سيمون ويل مهما كانت سرعة الإنسان في الابتعاد عن المسيح نحو ما يعتقد أنه الحقيقة – هو في الواقع يتحرّك مباشرة الى المسيح“. في اطار الارثوذكسية، العمل العلمي مبارك بقدر ما يسبر العلم عمق المجهول بهدف مساعدة البشرية على فهم الكون وكذلك مكان الإنسان فيه.

وفي ضوء ذلك، يقول العالم الألماني يوهان مادلر: “من المؤكد أن العالِم الحقيقي الذي يبحث من خلال أدوات شعوره الديني الكونية يمكن أن يرى أن للعالم روح منحه إياها الله، وفيما يسير نحو وجهته النهائية، يكون مدعوماً بمحبة الله الكونية. يمكن أن يقال الكثير لإسناد المعنى والأهمية التي تعطيها الكنيسة الأرثوذكسية للعلم الذي هو هبة من الله بحسب الموقف الأرثوذكسي. من المفيد الإشارة إلى العبارة المكتوبة فوق باب مدرسة أثوس من القرن الثامن عشر، وهي تعود للفيزيائي اليوناني والذي كان لاهوتياً أرثوذكسياً ورجل آداب، آفيانيوس فولغاريس: “مَن يرغب في دراسة الهندسة (geometry) يمكن أن يدخل؛ ولن يواجه أي عقبة. أمّا مَن لا يرغب فسيجد الأبواب مغلقة“.

لا يجد فولغاريس أي صراع بين اللاهوت والعلوم. لا بل على العكس يجد انسجاماً بينهما، ويبحث عن عن تقييم دوريها وأهميتهما. وإلى ذلك، لا يسمح لأولئك الذين باسم العلم، يحاولون فرض أبعاد أخرى على دور العلم واللاهوت. في مقدمة كتابه لاهوتيات Theologikon” يقول من بين أمور أخرى: “هل المنطق والمذاهب الفلسفية يهملون اللاهوت؟ بالطبع لا، لأن كل هذه تخدم اللاهوتي، وكما ثبت، فإن الإيمان المسيحي لا يسقط منطقاً، ولا رأياً، ولا اقتراحاً ولا حظراً، لأن اللاهوت يمكن أن يستشهد بأمثلة من الكتاب المقدس، كما من آباء الكنيسة الأرثوذكسية، مظهراً الخطأ في النظريات الفلسفية والمذاهب المختلفة. بالإضافة إلى ذلك، يقبل اللاهوت تصريحات كل شعوب العالم ويأخذ القيّم من العلم والفلسفة. هذا يخدم هدف تزيين أخلاق المؤمنين (دون قبول العقائد الغريبة) بنفس الطريقة التي أمر بها الله اليهود زيين هيكلهم بالقطع الأثرية المصرية“.

معاصر آخر لفولغاريس، نيكيفوروس ثيوتوكيس، أسقف في روسيا وعالم فيزياء ورياضيات، يتحدث بثقة عالِم طبيعي في كتابه الشهير كيرياكودروميون، حيث يحاول تفسير أناجيل ورسائل الآحاد. يستخدم هذا الرجل معرفته بالفيزياء ليرفع نفسه ومن ثم رعيته إلى مدى غير المدرَك”. إنه هو الرجل الذي أدخل العلوم الطبيعية في اليونان ودرّس عن الله مستخدماً تقنية الاستقراء (induction) العلمية.

عند هذه النقطة يمكننا أن نتذكر ألبرت أينشتاين. لقد فصل أدوار العلم واللاهوت، وكذلك معنى كل منهما، بالقول أن العلم بدون دين أعرج، ولكن الدين بدون العلم أعمى“. على الأكيد أن أينشتاين يشير إلى الدين وليس إلى اللاهوت الأرثوذكسي.

ويمكننا أن نقدم العديد من الأمثلة على مواقف مثل مواقف فولغاريس وثيوتوكيس من تصريحات أدلى بها آباء الكنيسة وعلماء اللاهوت الروس مثل بولغاكوف وباردييف وفلوروفسكي ولوسكي وغيرهم. يجب ألا ننسى أنه حتى خلال الفترة البيزنطية كانت هناك أهمية كبيرة للعلم والحرف والرسائل. بالنسبة للعديد من الباحثين، إنجاز الفترة البيزنطية كان مزيجاً من العنصر اليوناني والمسيحي القديم الذي هو أساس الحضارة العالمية اليوم.

حتى في العالم غير الأرثوذكسي اعتمد العديد من العلماء العظماء مواقف الكنيسة الأرثوذكسية، حتى من دون أن يكونوا على بينة من ذلك. للدلالة، يمكننا تقديم والد علم النبات كارك ليناوس الذي يكتب في مقدمة كتابه نظام الطبيعة“: “إن هدف الخلق هو معرفة الله العجائبية كما هي في أعمال الطبيعة التي لا يمكن أن يتعرّف إليها أحد غير الإنسان“. تذكرنا هذه الكلمات بقول القديس بولس: “لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ“. ليست هناك حاجة لمزيد من الإضافات، إذا تذكّر المرء كلام إدينغتون وماكس بلانك أن قوانين الطبيعة هي سبل ووسائل التعبير عن إرادة الله“. لا تسقِط الكنيسة الأرثوذكسية المنطق ولا الأساليب العلمية وإنجازاتها، ولكنها تميّز الهدف بوضوح. بالقداس الإلهي وخاصة بالمناولة المقدسة، تعيش الكنيسة الأرثوذكسية الحقيقة وتوجّه الإنسان نحو القداسة. إنها تقبَل أن على الإنسان يخلُص من خطاياه، أي من فشله، لأن الخطيئةتعني الفشل في اليونانية.”

الإنسان ككيان منطقي فشل في أن يصبح مشابهاً لله بسبب إهماله. ولكي يستعيد مكانه الأصلي في الخليقة، يجب أن يكون حراً تماماً، ويطلب نعمة الله، التي صارت متاحة له من خلال صلب المسيح.

والأطروحة كما ينظر إليها أوغست كومت في نظريته عن الوضعية ستكون مملكة المنطق الخالص، مملكة العقل وموت القلب. ولكن المرء يتردد في تخيّل الإنسان في منصبه. وبالنسبة لجميع الذين يرفضون الإيمان بالحقيقة المعلَنة لمجرد أنه لا يمكن إثباتها بالأساليب العلمية، تكرر الكنيسة الأرثوذكسية: “طوبى للذين آمنوا ولم يروا، وهؤلاء هم مباركون لأن ما يلزِمهم ليس البرهان بل نيّتهم ضمن الحرية الكاملة.

قال العالم الإنجليزي السير جيمس سيمبسون: “إن أكبر اكتشافاتي كان خلاص نفسي، أي الشعور بأنني خاطئ وأن يسوع المسيح هو مخلصي“.

موقف العلم ضمن الأرثوذكسية مذكور بشكل جميل على حجر قبر إسحاق نيوتن: “هنا يكمن إسحاق نيوتن، بلا كلل، عبقري وباحث مخلص في الطبيعة والتاريخ والكتاب المقدس، بحكمته أثبت عظمة الله وحياته عبّرت عن بساطة الإنجيل “.

قد لا توجد طريقة أفضل للختام من فقرة من عمل دوستويفسكي القبو، حيث يسأل نفسه والقارئ: “يحب الرجل من دون أدنى شك أن يخلق ويفتح آفاقا جديدة. ولكن بعد ذلك لماذا يرغب بشغف بالدمار والفوضى؟ أمن الممكن أنه يحب الكثير من الدمار والفوضى لأنه يخشى الوصول إلى أهدافه والانتهاء من بناء عمله؟ مَن يعلم؟ ربما يحب أن ينظر إلى عمله من بعيد وليس من نقطة قريبة. ولعل أهدافه على هذه الأرض التي يحاول الوصول إليها ليست سوى عملية لا نهاية لها للنجاح والأهداف نفسها. هذا بطبيعة الحال، هذه العملية ليست سوى حساب مثل 2 + 2 = 4، أي أنه قانون العالم الفاسد. وإذا كان هذا هو الحال، فهذه ليست الحياة بل بداية الموت“.

قد تكون أفكار ماكسويل مثل أفكار دوستويفسكي. لذلك في صلاته يطلب من الله أن يعطينا علم الرحمة.

عبودية الموت والعبادة

عبودية الموت والعبادة*

الأب أنطوان ملكي

الآن وكل أوانٍ وإلى دهر الداهرين“. هل حاول أحد منّا أن يحصي كم مرة نقول هذه العبارة يومياً؟ في صلوات النهوض من النوم وقبل الأكل وبعده وصلاة النوم، وإذا شاركنا في سحرية أو غروب أو قداس، قد يتخطّى عدد المرات الخمسين. ما أهمية هذه العبارة؟ لا بدّ أنّها مهمة حتّى أننا نكررها كل هذه المرات؟

الآنهو هذه اللحظة التي نحن فيها. “دهر الداهرينهو الإسخاتولوجيا، الزمان المرجو الذي نصبو إليه، هو الأبدية. إذاً، بهذه العبارة نحن نصِل الآن بالأبدية، نربطهما. هذا الوصل هو أحد أهمّ أهداف العبادة. إنه تقديس الزمن بوصله بالأبدية بوجود الإله الذي نقرّ ببعض صفاته في كل إعلان ينتهي بعبارة الآن وكل أوانٍ وإلى دهر الداهرين، ونثبّت ذلك ونؤكّد عليه بالردّ بآمين.

لكن طبيعتنا ساقطة، وأخطر مظاهر السقوط ونتائجه في آن واحد هو الموت. أكثر ما يزعج الموت هو العبادة لأنها ربط الحاضر بالأبدية. الإنسان الذي عينه على الأبدية، الإنسان المصلّي، لا يخيفه الموت. والذي لا يخاف الموت يغلبه. من هنا أن الموت يركّز على تقويض العبادة. وهذا يظهر في حياة غالبية الناس. فهم يصلّون، لكن ليس للإله الذي هو إله صالح ومحبّ للبشر، أو الذي يليق به كل مجد وإكرام وسجود، أو غيرها من الصفات التي نعلنها. إنهم يصلّون فقط من أجل الأمراض والتوفيق والصحة والمال والنجاح وغيره. بعبارة أخرى، موضوع الصلاة لم يعد غلبة الموت بغالب الموت بل التذاكي على الموت بالتهرّب من نتائجه. الأهمّ هو أن لا نمرض ولا نجوع ولا نتعب ولا نفقر حتى لا نموت. بتأثير الموت لم يعد التمجيد والعبادة الحقّة في رأس سلّم الأولويات.

يجمع أغلبية الآباء المعاصرين على أن أسوأ منتجات الحضارة هو تصويرها للحصول على اللذة على أنه سهل. طبعاً السعي وراء اللذة ليس سمة خاصة بعصرنا بل لطالما كان موجوداً كمسعى لتحدي الموت. لكن خبرة الكنيسة كما الخبرة البشرية بشكل عام، وهذا ما تؤكده العلوم الحديثة من علم نفس واجتماع وأنثربولوجيا، تثبت الخبرة أنّ السعي إلى اللذة لا يوصل إلى الفرح ولا إلى غلبة الموت وإذا أوصل إلى لذة فهي عابرة تطير بسرعة وتترك وراءها طعم الموت المر. أحد أهم وجوه سعي الإنسان إلى اللذة هو هذا الجشع على الحفلات وتنظيم المناسبات. فالأعياد صارت للحفلات والأعراس للحفلات وحتّى الجنانيز تتحوّل شيئاً فشيئاً إلى مناسبة للحفلات. والناس تتسابق إلى هذه الحفلات، فسهرة عيد الميلاد أهم من العيد وطبعاً من قداس العيد، وسهرة رأس السنة أهم من السنة كلها، وهلمّ جرّا.

وجد الموتُ في شهوة الاحتفالات وسيلةً جيدة لقتل العبادة التي يكرهها. فسلّط شهوته على المؤمنين الذين ضعفوا أمام إغرائه وظنّوا أنهم يغلبونه إذا أكثروا من السهرات والحفلات، حتّى على حساب الصلوات. ضعف الكهنة خوفاً من أن ينقص عدد الحضور في القداس، إذا تمّ في التوقيت الذي يحدده التقليد، والذي درجَت الكنيسة على الالتزام به، والذي تصفه الكتب الطقسية. بحجة التدبير صار كل كاهن يوقّت على هواه، وعلى هوى متطلبات عائلته والتزاماته الاجتماعية، كلّه إما بموافقة الأساقفة أو بقلة اهتمامهم. فصارت كل رعية لها تيبيكونها وتوقيتها، خاصةً في الأعياد. إنها عبادة الموت، ليتورجية الخوف من الموت. أن نخالف الآباء لنرضي أصحاب الحفلات وطالبي السُكْر، على انهم أبناؤنا. تخليّنا عن تقديس الزمن. الأوقات حددتها الكنيسة واختبرت تقديسها. التلاعب بأوقات الصلوات هو كالتلاعب بتركيبتها. ليس وجود الكاهن ولا المطران ولا حتّى البطريرك هو ما يجعل الخدمة تقديسية، بل إتمامها بحسب ما علّم الآباء في المكان والوقت والشكل المحددِين.

قد يخطر ببال البعض أن كاهننا متزمّت وأنّه ضيق الأفق لأنه لا يرضى بأن يغيّر أي توقيت. هذا هو التقليد. الكنيسة اختبرَت هذا التقليد لسنين طويلة ورأت أنه أنتج قديسين. التغيير الذي نشهده ماذا أنتج؟ الكثلكة غيّرَت حتّى تحوّلت إلى ما يطلبه المؤمنون، ماذا جَنَت؟

نحن نصلّي لنتقدّس. تذكّروا قول الرسول بولس: “إن لم يكن المسيح قد قام، فباطلة كرازتنا وباطل أيضا إيمانكم“. على المنوال نفسه، إن لم تكن الليتورجيا للقداسة فلماذا تكون؟ إن لم تكن الليتورجية للتقديس فهي باطلة ومعها يبطل إيماننا. إن مخالفة التقليد، كما عدم الدقة في إقامة الخدمة، تبطِل عمل الخدمة ووظيفتها، أي التقديس الجاري من خلالها. إن لم تكن الخدمة للتقديس فلماذا يقيمها الكاهن؟ لذا الالتزام بالدقة ليس تزمّتاً ولا تعصّباً بل سعياً إلى القداسة، قداسة الكاهن وقداسة شعبه.

فليعطِنا الرب القدرة على التشبّث بتقليد كنيسته في كل شيء، في الليتورجيا كما في العقيدة، كما في محبتنا له، له المجد إلى الأبد. آمين.

* عظة في الأحد 24 كانون الأول 2017

قديسون لأنطاكية

قديسون لأنطاكية

الأب أنطوان ملكي

الانتقال إلى الأخدار السماوية عبارة تعني الموت. لا يبدو أن لهذه العبارة ترجمة حرفية توازيها في اللغات غير العربية. فالخدر لغةً هو المكان الذي تستتر المرأة فيه بالبيت، أي المكان الذي لا يراه العموم. وبما أن السماء ليست مفتوحة للعموم، يمكن اعتبارها خدراً. تبقى فكرة الانتقال وتحديداً إلى السماء. نحن نستعمل صفة المنتقل عنّافي خدمة الجناز، لكننا لا نحدد إلى أين انتقل الراقد، بل نرجو أن يكون ذلك إلى الأخدار السماوية.

مع ذلك، في تقليدنا الأرثوذكسي نعرف عن انتقال ثلاثة هم النبيين إيليا وأخنوخ ووالدة الإله. التحدي هو في الآية وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ” (يوحنا 13:3). فهذه الآية منعت الكنيسة الأرثوذكسية من تطوير الاعتقاد بانتقال العذراء مريم إلى السماء إلى عقيدة كبتوليتها وولادتها للإله. أمّا النبيان إيليا وأخنوخ فقد نُقلا دون أن يقول الكتاب المقدّس إلى السماء. “نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لاَ يَرَى الْمَوْتَ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ نَقَلَهُ” (عبرانيين 5:11).

يذكر القديس غريغوريوس بالاماس أن الله حمل أخنوخ ولكنه يجزم بأنه لم ينقله إلى الأخدار السماوية لأنه ما من إنسان صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء. القديس ثيوفيلاكتوس البلغاري يقول بأننا نعرف أن أخنوخ نُقِل حياً ولكن لا نعرف شيئاً عن مكانه لأن الكتاب المقدس لا يذكر ذلك. أمّا النبي إيليا فيذكر كتاب الملوك الثاني في نص السبعينية بأن إيليا حملته مركبة وكأنه إلى السماء“. هذا الكلام يؤكده القديس يوحنا الذهبي الفم: “إيليا صعد وكأنه إلى السماء لأنه كان عبداً، أما المسيح فصعد إلى السماء نفسها لأنه كان السيد“. القديس كيرللس الأورشليمي يقول هذا (أي إيليا) وكأنه إلى السماء، بينما المسيح فمباشرة إلى السماء“. مثلهما القديس فوتيوس يشرح: “إيليا كعبد حُمِل إلى العلو في الهواء، لكن ليس إلى السماء، بل كأنه إلى السماء. الرب كضابط للكل صعد لا وكأنه إلى السماء، بل حقيقة إليها“. يقتبس أفثيميوس زيفاغنوس من ثيودوريتس القورشي أمَرَهم (أي السيد أمر الملائكة) بأن يفتحوا الأبواب الدهرية كما لم تُفتَح من قبل للطبيعة البشرية. إذ ما من إنسان سبق له أن عبر بها. مع إن إيليا العظيم صعد، لكن وكأنه إلى السماء، وليس إليها“. ينشد القديس أندراوس الكريتي: “إن إيليا صعد مرة بمركبة الفضائل وكأنه إلى السماء ورُفِع فوق الأمور الأرضية. فاعتبري يا نفسي هذا الصعود“. ومثله يشير رومانوس المرنّم: “إيليا جالساً على مركبة نارية، صعد، وكأنه إلى السماء، كما هو مكتوب، لكنه لم يبلغ إليها“.

إذاً، كل هذه الأقوال الآبائية تؤكّد أن ما من أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل منها، أي يسوع المسيح. ونضيف هنا والدة الإله التي هي أهم مَن يُعطى صفة الانتقال ويعيّد لانتقالها مع رقادها. يحكي التقليد عن فتح قبرها وعدم إيجاد رفاتها فيه. في الكثلكة هذا الانتقال تحوّل إلى عقيدة أمّا عندنا فلم يرقَ إلى هذا المستوى بدليل أن الغالبية الساحقة من الأديار والكنائس التي تعيّد في الخامس عشر من آب، وهي إحصائياً الأولى عدداً في كل العالم الأرثوذكسي بما فيه بلادنا، كلّها مسماة بالرقاد لأن رقاد والدة الإله ثابت ومعروف. الكلام عن الانتقال مرتبط بتقليد يحكي عن خلو قبرها من الرفات. تقبل الأرثوذكسية هذا التقليد بدليل تعدد الإشارات إليه في الليتورجيا.

إن رقاد البشر ثابت. ونحن نستعمل عبارة الرقادونشدد على الرقاد لأننا نرجو من بعده القيامة. إن الموت الذي نعاينه هو انفصال النفس عن الجسد ما يؤدي إلى فساد هذا الجسد. ومع أننا نستعمل في أفشين التريصاجيون والجناز عبارة المنتقل عنّا، فبها نعني، كما يعلّمنا الإنجيل، أن الميت انتقل عنا إلى حيث الانتظار. يخبرنا إنجيل الغني ولعازر أن الانتظار يكون إمّا في حضن ابراهيم أي في الراحة أو في الهاوية. بحسب الآباء، الهاوية هي مكان عقلي حيث التذوق المسبق للجحيم. جميع الموتى ينتظرون القيامة العامة، البعض ينتظرون في الراحة والبعض الآخر ينتظر في الهاوية. مهمّ التمييز أنّ حضن ابراهيم والهاوية ليسا الفردوس والجحيم، أي أن حضن إبراهيم ليس الأخدار السماوية، بل هو انتظار له.

ورد على إحدى الصفحات الإلكترونية خبر يقول أن جماعة أقامت صلاة ونشاطاً بِمُناسبة ذكرى انتقال أحد الإخوة إلى الأخدار السمّاويّة“. يوحي استعمال عبارة الانتقال إلى الأخدار السماوية بأن الجماعة حسمت أمر قداسة المنتقِل. هذا الحسم، وللأسف، خطر على الكنيسة. هذه الحالة ليست وحيدة، وإذا تمّ التغاضي عنها فهي قابلة للانتشار.

فمِن فترة مرّ على صفحات التواصل الاجتماعي صورةأيقونة للمثلّث الرحمات الميتروبوليت بولس بندلي وحول رأسه الإطار الذهبي. أيضاً قرأنا دعوات عديدة إلى إعلان قداسة البطريرك الياس الرابع لأنه شهيد تمّ اغتياله. ومثل هذه الدعوات تأتينا أحياناً من زوار اليونان حيث يُسألون عن متى سوف تعلن أنطاكية قداسة الأرشمندريت اسحق الأثوسي. ومثلها دعوات إلى إعلان شهادة مطران حلب المُغَيَب بولس يازجي أو الأب باسيليوس نصار كشهيدين.

نسمع أن المجمع الأنطاكي عيّن لجنة لدراسة مشاريع القديسين لا نعرف شيئاً عن نشاطها تماماً كما لا نعرف شيئاً عن نشاطات المجمع الأخرى. الإعلام الرسمي هو فقط لتغطية نشاطات البطريرك، أما المجمع واللجان فيكفينا بيانان مقتَضَبان كل سنة. هذا الأمر لا يمكن أن يسير مع لجنة القديسين على هذا المنوال. ضروري أن يكون لهذه اللجنة وسيلتها لإشراك المؤمنين في عملها كونهم جزءاً من ضمير هذه الكنيسة ووجدانها. من جهة أخرى، على اللجنة تهيئة المؤمنين لأي نتيجة قد تتوصّل إليها، فلا يتكرر ما جرى مع القديس يوسف الدمشقي، حيث لم يُعرَف عنه إلا عند إعلانه، فباتت أنطاكية تتعامل معه وكأنه عبء عليها.

قد يكون الإنسان، علمانياً أو كاهناً، صاحب موهبة تسلّمها من الروح القدس وأنماها. فهذا ملأ صفحات كثيرة، وذاك أنتج فكراً متألّقاً، وآخر صنع صدقات كثيرة. راهب نسك بحسب التقليد، كاهن دافع بغَيرة عن الكنيسة، رئيس حمل الطائفة على كتفيه، وآخر أعطي أن يختفي أو يموت في ظروف ملتبسة. كل هذه مواهب قد يكون لها أثر أو قد لا يكون. المهم أن تعكس صورة الله الحقيقية. هذا موضوع يزداد الحكم فيه تعقيداً وصعوبةً مع تزايد شعبية الراقد، لهذا اختارت الكنيسة تاريخياً الا تبحث بهذا الأمر مباشرة بعد الرقاد بل أن تترك للوجدان الشعبي أن يعمل لفترة.

هذا أمر يتطلب قديسين ليحكموا فيه، وإلا تنتهي الكنيسة مختَبراً للنفسانيات والدعاية. إن العوامل التي تعرّض هذه العملية للتعقيد كثيرة، منها روحية التنافس مع الغرب التي تؤدّي إلى تبنّي مقاييس الغرب في تحديد القداسة، حتّى من دون محكمة ومحامي شيطان.

ختاماً، كلنا نعرف أن أنطاكية ينقصها قديسون وأنها بحاجة إليهم أكثر من غيرها ليتشفّعوا بها وبوحدتها وبفكرها الممزق، لكن هذا لا يبرر التسرّع أو التفرّد في إعلان قداسة هذا الراقد أو ذاك، فاللياقة والترتيب والحق يقضون بأن الأمر بيد لجنة القديسين ومن بعدها المجمع، على الرجاء.

مراجع مفيدة

Dcn. Peter Mikhalev. Did Enoch and Elijah (Elias) Ascend into Heaven? Translated by Jesse Dominick. Pravoslavie.ru. 8/2/2017

Δ. Παναγόπουλου. Ο Δεύτερος Πρόδρομος της Παρουσίας Χριστού. Επιμέλεια: Θωμάς Φ. Δρίτσας. 20/7/2013. http://www.orp.gr

Fr. John Breck. Dormition or Assumption? Reflections in Christ. https://oca.org/reflections/fr.-john-breck/dormition-or-assumption. August 1, 2008

الاستحقاق

الاستحقاق

الأب أنطوان ملكي

ما مفعول كلمة مستحق؟ هل حجبُها يؤثّر على السيامة؟ في إطار أوسع، هل يستطيع الشعب أن يردّ بأن المُسام غير مستحق، خاصةً إذا كان يُسام أسقفاً انتخبه المجمع؟ هذه الدراسة السريعة مساهمة في الإجابة على هذه الأسئلة على ضوء تقليد الكنيسة الأرثوذكسية.

إن المشاركة في ترتيل مستحق، حدث ينتظره الكثيرون ويثير الحماسة في المؤمنين. الكثلكة ألغت هذه الممارسة من زمان ومنها انتقلت إلى إلغاء دور الشعب بالكليّة. في الكنيسة الأرثوذكسية ما زالت الممارسة قائمة مع بعض الجدل حول فعاليتها خاصةً أن مستوى التعاطي الجدي معها يختلف بين كنيسة وأخرى.

بين الاختيار والسيامة

إن اختيار الأساقفة عملية مختلفة عن سيامتهم. في وقت ما كان الشعب يسمّي أو يشارك في تسمية المرشّحين، لكن الكنيسة عرفت خيارات شعبية غير صحيحة خاصةّ أن الطامحين إلى الأسقفية صاروا يستغلون الناس للمطالبة بهم. أوقفت الكنيسة الاحتكام إلى الشعب في اختيار الأساقفة لكنها أبقَت على هذا الجزء من الخدمة حتّى يكون للشعب كلمة في السيامة.

يذكر القديس كبريانوس القرطاجي أن الرب ينزل لينتخب ويعيّن لنفسه أساقفة في كنيسته” (الرسالة 4:48). وفي صلاة قديمة محفوظة في التقليد الرسولي لهيبوليتوس روما يقول أيها الرب، ثبّت هذا الذي هيأتَه لنا“. هل ينفي هذا التعليم دور الشعب ويحوّل الأسقفية إلى خدمة منزَلة؟

التقليد يقول غير ذلك. فقد ورد في القوانين القديمة لبعض الكنائس أنّه يجب انتخاب الأسقف من الشعب. ومثله ورد في الديداخيه: “على هذا الأساس، انتخبوا لكم أساقفة وشمامسة، رجالاً هم شرف للرب… مخلِصون ومجرَّبون” (الفصل الخامس عشر). القديس يوحنا الذهبي الفم في تفسيره الرسالة إلى تيطس يوضِح أنّ على الأسقف أن يحكم الشعب بإرادتهم“. كيف نفهم كل هذه التعاليم؟

معنى الإعلان

مستحق أو أكسيوس هي تزكية أو إعلان عن موافقة الشعب على السيامة القائمة سواء كانت لشماس أو كاهن أو أسقف. في كتاب الخدمة أن الأسقف يصرخ مستحق ويجيب الشعب بالمثل. يتّضح من تعاليم الآباء أن هذه الصرخة هي تعبير مسموع عن مشاركة الشعب الحقيقية بالسيامة وبالتالي تأكيده على حسن الاختيار. بالتطبيق هي تعني أن هذا الذي وُضعَت عليه الأيدي صار مستحقاً للقيام بالخدمة المنوطة به (هابغود ص. 606) [1].

تنقل هابغود في الملحق الثاني لكتابها عن المصادر القديمة أن هذه الصرخة من الشعب هي شهادة على عيشة المُسام التي لا عيب فيها وأخلاقه الحسنة (هابغود ص 607)، بما أن اختيار الأسقف قد أُعلِن لهم بهدف الحصول على شهادتهم وإعطائهم الفرصة للتعبير مع أو ضد الاختيار. لقد تمّ الحدّ لاحقاً، بسبب عدد من الصعوبات، من تأثير الشعب على اختيار أساقفته. وحتّى في اختيار الكهنة والشمامسة لم يعد للشعب الكثير لقوله. لكن وجود هذا الإعلان (أكسيوس) حفظ التقليد الذي يحفظ حقهم في التعبير عن ملاءمة المُسام” (هابغود ص 605). إذاً الردّ بـ غير مستحقيعني أن بعض الشعب يرى خللاً في عيشة المُسام وأخلاقه وبالتالي هو غير ملائم.

هل توقَف السيامة عند هذه النقطة؟ الأمر يعود إلى ضمير المتقدّم. فالقانون الثاني من المجمع المسكوني السابع يقول: “… ويجب على الميتروبوليت (البطريرك) أن يقوم بفحص دقيق ليتحقق من كون هذا الرجل ذا رغبة في المطالعة بإمعان وتفهّم وأنّه مواظب على مراجعة القوانين الشريفة وقراءة الأناجيل المقدّسة وكتاب الرسائل الإلهي وسائر الكتب المقدسة وأنه يعيش سالكاً بوجب وصايا الله…” (الشرع الكنسي، ص 811). فإذا كان قد تحقق كما هو مطلوب منه عليه أن يشرح للمعترضين ذلك، أمّا إن كان لم يتحقق فعليه سؤالهم. في تاريخ الأرثوذكسية الحديث أكثر من حادثة من هذا النوع. تذكر سجلات الكنيسة الأرثوذكسية في أميركا أن الميتروبوليت ديمتري كان في سيامة أحد الأساقفة في نيويورك فتقدّم أحد الأشخاص وصرخ غير مستحق، فوضع الميتروبوليت كرسياً أمام الباب الملوكي واستدعى الشخص وسأله عن السبب، ولمّا لم يكن سبباً مهماً تمّ تجريده. حالة أخرى في بلغاريا أوقفت السيامة [3].

دور الشعب في سيامة الأساقفة

وضع القديس إكليمندس الإسكندري في الكنيسة الأولى قانوناً باسم الرسل يقول بأن هذه الشهادة يجب أن تُقام بدقة، خاصة في سيامة الأساقفة، كردّ على سؤال محدد، يُطرَح ثلاثاً على الشعب، أهو بالحقيقة مستحق لهذه الخدمة؟” (هابغود ص 607).

الكنيسة بتركيبتها تمثّل كلاً من الإكليروس والعلمانيين، وعليه فإن اشتراك الشعب في اختيار الأسقف هو من حيث المبدأ مبرر بالكامل. بحسب القانون الأول من مجمع قرطاجة الرابع: “يُنتَخَب الأسقف بالاتفاق مع الإكليروس والشعب“. وهذا الأمر تؤكّده قوانين الرسل: “… لكي يُسام الأسقف يجب أن يكون… بلا لوم، شخصاُ مختاراً، منتقىً من كل الشعب، ومتى سُمّي وتمت الموافقة عليه، فليجتمع الشعب… في يوم الرب، وليعطوا موافقتهم” (VIII:4) وعندما يكون هناك قرار بالإجماع، يعرب الشعب عن حكمه بإعلانه مستحقأو غير مستحق“. [2]

تاريخياً، ساهم تدخل الملوك في تعيين الأساقفة في الحد من دور الشعب في الاختيار. هذا الأمر استحق الإدانة في المجمع المسكوني الثاني سنة 381، حيث صدر القانون الثالث الذي يمنع تدخل الملوك، ولكن من حينه صار الشعب أيضاً خارج اللعبة، لا دور له في الانتخاب.

في أنطاكية، يحفظ قانون مجلس الأبرشية الحق للشعب في تسمية المرشحين من خلال تركيبة محددة. لكن هذا الأمر ينطبق فعلياً على المطارنة وليس على الأساقفة لكونهم بحسب القانون مساعدين للبطريرك. وضع الأساقفة القانوني ليس موضع إجماع وهناك تساؤلات حوله (أنظر الأرشمندريت توما بيطار، نقاط على الحروف، بيان المجمع المقدّس حول الأساقفة المساعدون، 12 أيلول 2010). إلى هذا درجت العادة بأن يتمّ تعيينهم من البطريرك بموافقة المجمع لا أن يُنتَخَبوا بحسب القوانين.

خاتمة

لا ينبغي فهم مشاركة الشعب وكأنها عملية ديموقراطية. فاﻷسقف ليس نائباً منتَخباً من الشعب بل هو معيّن من الله، بعمل الروح القدس في المجمع، ليعلّم الشعب ويقوده، ولهذا يضع الله عليه مواهب الروح القدس. المجمع مسؤول أن يسلك بالروح القدس. الشعب مسؤول أن يفهم طبيعة الكنيسة مقتنياً حساً بالشركة وفرادة في الفكر تليق بجسد المسيح، حتى تؤدّي صرخة مستحقأو غير مستحقالقصد الذي وراءها. وفي الممارسة، فإن مسؤولية الإدارة الكنسية تقضي بأن تحفظ حقّ الشعب في التعبير عن نظرته للمُسام وأن تستمع إليه. إنّ غضّ النظر عن صوت فئات محددة من المؤمنين يطال من شفافية الإدارة الكنسية ويهزّ ثقة المؤمنين بها. خطأ المؤمنين في التعبير عن رأيهم لا يفقدهم حقهم بالاستماع إليهم، خاصةً حين يكونون غير مثقّفين كنسياً. فهنا تقع على الإدارة الكنسية مسؤولية تعليم الشعب عن سلوكه في الكنيسة وكيفية التعبير فيها.

خبرة الكنيسة أنّ منهجية التعليم الفضلى فيها هي تعالَ وانظر“. إن نظرنا ماذا نرى؟

[1] Isabel Hapgood. SERVICE BOOK OF THE HOLY ORTHODOX-CATHOLIC APOSTOLIC (GRECO-RUSSIAN) CHURCH. Cambribge. 1906

[2] Editor. Axios. Orthodox America. Issue 136. Vol XV, No. 4. November – December, 1994

[3] https://www.reddit.com/r/OrthodoxChristianity

قراءة هادئة في وقت شدّة

قراءة هادئة في وقت شدّة

الأب أنطوان ملكي

تعيش الكنيسة الأنطاكية أزمة مخفية أو شبه مخفية، إحدى أهم ظواهرها قضية دير حماطورة ورئيسه الأرشمندريت بندلايمون فرح. هذه الدراسة محاولة لقراءة مجريات الأمور بطريقة أخرى ودعوة لإخراج كل هذه القضية من حيث هي الآن ووضعها في إطارها القانوني الأكثر دقّة لتجنيب الكنيسة انقساماً يمكن تلمّسه في عدّة أطر.

1. في الخلفية: الواقع القانوني للتحرّش في لبنان

أقرّ مجلس الوزراء في جلسته التي عقدها في 8 آذار 2017 مشروع القانون الذي تقدمت به وزارة الدولة لشؤون المرأة والذي ينص على فرض عقوبات على جريمة التحرش الجنسي. أهدى الوزير جان أوغاسابيان هذا الإنجاز إلى المرأة اللبنانية في يوم المرأة العالمي. أحيل القانون على مجلس النواب. (جريدة النهار https://www.annahar.com/article/550775)

لكن إلى اليوم النساء اللواتي يلجأن الى القضاء لرفع قضية ضد المتحرشين لا يلبثن أن يتراجعن عنها، خصوصاً عندما لا يصل التحرش الى حد الاغتصاب، حيث لا يمكن إثبات الواقعة من دون دليل ملموس غالباً ما تفتقر إليه المدّعيات… ما يجعل الشكوى تفتقد ركنها الأساسي وهو الدليل (موقع NOW. https://now.mmedia.me/lb/ar/nownewsar/542371)…

هذا يعني أنّ في حالات التحرش الإثبات صعب جداً إلا بوجود شاهد وهو ما يندر حدوثه. وصعوبة الإثبات حتّى في دول العالم التي تملك اكثر النظم القضائية تقدميّةَ تعود إلى أن شهادات ضحايا التحرش غير كافية لإدانة مرتكبي الجرائم الجنسية. لو كان الجرم اغتصاباً وآثاره ما زالت موجودة، يمكن تعقّب الإثبات وذلك عبر اللجوء الى طبيب شرعيحتّى فحص الحمض النووي للمُتهم. ولذلك بالإجمال في كافة دول العالم، لا يُقدم الكثير من شكاوى التحرّش لصعوبة الإثبات (موقع متعقّب التحرّش http://harasstracker.org/resources/).

ومع أنّ الاغتصاب مجرّم في قانون العقوبات اللبناني، إلا أنه لا يوجد أي بند أو مادة يجرّم التحرش أو حتّى يسميّه. ومثله قانون العمل لا يشمل اي بند يجرم التحرش الجنسي في أماكن العمل. وقد كان هناك عدة مبادرات مثل “مغامرات سلوى ضد التحرش الجنسي” ومجموعة “نسوية” عملت من أجل قانون لتجريم التحرش الجنسي في الأماكن العامة وخاصة في أماكن العمل. كذلك قدّم النائب غسان مخيبر في أيار من عام 2014 مشروع قانون لتجريم التحرش الجنسي يقضي بحبس المتهم بالتحرش من ثلاثة اشهر الى سنة وبغرامة قد تصل الى عشرة اضعاف الحد الأدنى للأجور. (المراجع السابقة)

2. أيضاً في الخلفية: المحاكم المذهبية في القانون اللبناني

إنّ صلاحيات المراجع المذهبية للطوائف المسيحية (والطوائف الاسرائيلية) محددة بقانون مختص، يحصر صلاحية المراجع الدينية بقانون الأحوال الشخصية فقط، ولا يعطيها اي سلطة على التحقيق والحكم في الجنايات (راجع تصديق القانون المختص بتحديد صلاحيات المراجع المذهبية للطوائف المسيحية والطوائف الاسرائيلية http://www.legallaw.ul.edu.lb/LawView.aspx?opt=view&LawID=258197.).

يشير أحد أهم محامي لبنان، وهو صاحب اجتهادات مؤثّرة في لبنان وفرنسا، إلى أنه في حال اهتمّت المحاكم الروحية بالتحقيق ومحاكمة أي جريمة غير المرتبطة بالأحوال الشخصية، ينشأ بينها وبين المحاكم الجزائية تضارب مصالح، وذلك استناداً إلى مبدأ حصر الاختصاص. لكن في حالات الجرائم، يكون لقانون العقوبات الأولوية، لأن قانون العقوبات قانون وضعي فيما قوانين المراجع الدينية استثنائية. والمبدأ القانوني يقول بعدم جواز تقدّم الاستثنائي على الوضعي.

إذاً، في حال التحرَش، المحاكم الكنسية لا صلاحية لها في التحقيق. وإذا تمّ أخذ الملاحظات أعلاه حول صعوبة إثبات التحرّش بعين الاعتبار، تصير المحاكم الكنسية أيضاً غير مؤهّلة للبتّ بهذه القضايا. وعليه، في حال اتّهام أحد الإكليروس بالتحرّش، يُدّعى عليه بحسب القوانين في منطقة حصول الجناية ويحاكَم ومتى صدر بحقّه حكم مبرَم تُعلَم به المراجع الدينية لاتّخاذ إجراءات مسلكية بحقّ الإكليريكي المحكوم.

وعلى هذا هناك سابقتان في أنطاكية: 1) عندما وُجِّهت إلى الأسقف قسطنطين كيّال تهمة التحرّش توجّه مبتشرة إلى السلطات اللبنانية وأُخذت القضية مداها القانوني وانتهت هناك. 2) عندما تمّ الادعاء على أحد الكهنة السابقين بدعوى تزوير، أوقفه مطرانه عن الخدمة. عندما تمّت تبرئته أعيد إلى الخدمة. عندما ادُّعي عليه للمرة الثانية، أوقِف مجدداً غير أنه لم يُبَرّأ فتمّ توقيفه نهائياً حتى تجريده. أمّا في خارج أنطاكية، فالأمثلة عديدة على محاكمات جزائية لكهنة تبعتها قرارات كنسية.

3. في قضية دير حماطورة والأرشمندريت بندلايمون فرح

في 2013 أُقيمَت ضد الأرشمندريت بندلايمون فرح، رئيس دير حماطورة، دعوى تحرّش في مطرانية جبل لبنان. بحسب ما ورد أعلاه، ليست المطرانية المرجع ذا الصلاحية للحكم في صحة الدعوى، بالرغم من حقّها في اتّخاذ الإجراءات الضرورية لمواكبة التحقيق في حال جرى بحسب الأصول في المحاكم الجزائية. يمكن الكلام عن الكثير من الثغرات في مجريات القضية.

ففي عمل المجلس التأديبي في جبل لبنان، يظهر الخلل منذ البداية في تركيبة المجلس الذي ضمّ 3 أعضاء اثنان منهم دون المُدّعى عليه في الرتبة أو الأقدمية، وفي هذا مخالفة صريحة لمجمل القوانين الكنسية. إلى هذا، واحد من العضوين هو طرف صريح في الادّعاء والحملات ضد المُدّعى عليه. من ثمّ يأتي الاستناد إلى رأي محامٍ هو أيضاً طرف صريح في الادّعاء. كما أنّ تخطّي المطران هو مخالفة، حيث تابع المجلس عمله بعد أن سلّم مطران جبل لبنان القضية إلى البطريرك. ومن الأمور المهمة هنا الاجتهاد بأنّ أقوال الشهود هي اعترافات وامتداد لسر الاعتراف“. هذا تشبيه غير دقيق لا في اللاهوت ولا في الرعاية. طبعاً كل القوانين تشدد على سرية التحقيق، لكن ليس على عزل العملية عن العالم. أما من جهة أقوال الشهود التي يمكن الركون إليها فهي تلك الصريحة التي يمكن ضمّها إلى محاضر الجلسات وهي قابلة للطعن والتدقيق. أمّا الاعترافات فليست للتداول لا في المحاكم ولا خارجها. على هذا يشدد القديس نيقوديموس الأثوسي على الآباء الروحيين أن يحفظوا الاعترافات سرية تحت كافة الظروف. ومثله كاتب البيذاليون يذكر أن الكاهن الذي يفشي اعترافاً يجرّد. من هنا أنه لا يمكن استعمالها كدلائل لا للإدانة ولا للتبرئة.

أمّا الثغرات في عمل المجلس الاستئنافي فهي أيضاً تبدا من البداية حيث تمّ تعيين مدعٍ عام مدني وبهذا تحوّل المجلس إلى محكمة جزائية مخالِفة للقوانين الوضعية. فالمدّعي العام الكنسي عمله الحفاظ على مصالح الكنيسة حيث يوجد خلاف لا الادّعاء على الأفراد في قضية تفتقد التحقيق العلمي. هذا أدّى ايضاً إلى تحويل المجلس التأديبي إلى هيئة تحقيق وفي هذا ثغرة أخرى. يبقى أن شكل إصدار القرار والتناقض في محتواه من حيث الحكم على ما لم يكن في الادّعاء، وعدم احترام الأعراف في الا يكون حكم الاستئناف أقسى من الحكم البدائي، وعدم ملاحقة مسرّبي القرار، كلّ هذه ثغرات تطال المجالس التأديبية في شفافيتها وعلمها ونزاهتها، بغض النظر عن الأشخاص. وعلى المنوال نفسه، إن إعادة المحاكمة التي يُحكى عنها اليوم هي استمرار لهذا العمل الباطل.

4. استنتاج أوليّ

إنّ طلب العدالة مستقلّ عن البراءة والإدانة. فالعدالة أساس كل بناء جماعي. وفي حالة دير حماطورة والأرشمندريت بندلايمون إن تحقيق العدالة يكون بإبطال المحاكمات التي جرت مع نتائجها، وبأن يذهب المدّعون إلى القضاء المختصّ. إن المطلوب اليوم هو تحقيق العدالة واستعادة هيبة المجالس التأديبية الكنسية، ومن ورائها الكنيسة ككل. وهذا لن يكون ممكناً إذا كانت الكنيسة تعفي مرتكباً بحجة الرحمة، أو تظلم بريئاً لتصفية الحسابات. فهيبة الكنيسة هي في أمومتها التي تستند إلى الحق والحق فقط.

5. ماذا بعد؟

ألم يكن هذا الكلام معلوماً من قبل؟ هذا سؤال ينبغي توجيهه إلى الذين خططوا للادّعاء وللحملة التي رافقته، خاصةً المحامين منهم. مصيبة أن يكون هذا الكلام معلوماً ومصيبة أن لا يكون. أمن الممكن الرجوع عن كل ما جرى؟ جزء كبير من هذا الكلام سبق قوله لبعض المنخرطين في القضية. لم يعد صحيحاً اجتزاء الحقائق بل ينبغي قول الحق للمساهمة في تكوين الحالة التي تحتكم فعلياً إلى القانون. “إن قوة الناموس هي الخطيئةيقول الرسول بولس. أمّا في أنطاكية فقد اعتدنا لسنين طويلة على أن القوانين هي للاستنساب وهي تخضع لمبدأ التدبير الذي أوصل حالنا إلى ما هو عليه في الليتورجيا والعلاقات والتنظيم.

ألا يؤدّي هذا الاستنتاج إلى إخضاع الكنيسة للدولة؟ قد يمكن أن يُنظَر إلى هذا الأمر من هذه الزاوية، كما يمكن اقتباس أقوال لا تسمح بمحاكمة الكهنة بشكل خاص، وأبناء الكنيسة بشكل عام، إلا في الكنيسة. هذا كلام خارج الزمن. مَن يريد قول هذا فليفكّ كل ارتباط للكنيسة بالدولة وبمنتجات العصر الحديث وليدعُ من ثمّ إلى ذلك. القانون القائم في أنطاكية اليوم يقول أنّ باستطاعة الكنيسة الاستعانة بالسلطات المحليّة لتنفيذ الأحكام. لاهوتياً، لم يكن للدولة، أي دولة، سلطان لو لم يعطَ لها من فوق“. أصلاً محاكم الكنيسة تحكم بالسلطان المُعطى لها من الدولة وإن تكُن قراراتها تبدأ باسم الكنيسة. مَن ينفّذ أحكام المحاكم الكنسية؟ مَن يدفع رواتب أعضاء المحاكم الروحية؟ إنّه الدولة. لماذا نقبل التباس هذه العلاقة حين يحمي مصالحنا ونرفضه حين يقف بوجه رغباتنا؟

إن علاقة الكنيسة بالمحاكم المدنية لا إشكال فيها في الدول ذات الأغلبية المسيحية. ما لله لله وما لقيصر لقيصر. كل جرائم القدح والذم والتزوير والطمع والسرقة، تحقّق الدولة فيها والكنيسة تتّخذ الإجراء المسلكي. حتّى الشؤون القانونية، لا الرعائية طبعاً، في الخلافات الزوجية فهي بيد الدولة.

6. ماذا اليوم؟

إن قضية دير حماطورة صارت أزمة. أول أوجه هذه الأزمة هو الإصرار على قراءة الأحداث من خلالها. مثلاً، أن لا يُرى في ما جرى في سيامة الأسقف يوحنا بطش إلا فصلاً من قضية حماطورة هو تضخيم لهذه القضية لإخفاء أزمة أكبر حيث السيامة بحدّ ذاتها هي إحدى ظواهرها. هذا دليل على أن القانون استنسابي في أنطاكية وأننا لم نبلغ حدّ النضج في ممارستنا لحقوقنا كشعب أو لسلطتنا كرئاسات.

لحلّ قضية حماطورة ينبغي إخراجها من أيدي اللاعبين الذين أوصلوها إلى حالة الأزمة. ليست الأزمة في أن الأرشمندريت خارج البلاد ولا في فرط الدير. هذه تفاصيل أمام حالة الثقة المهتزّة، وربّما المنهارة، والتباعد بين الرئاسات وفئات كبيرة من الشعب، وهي حالة قابلة للتوسع وأقلّ نتائجها هي فراغ الكنائس وتسرّب المؤمنين. أمّا الوجه الآخر للأزمة والذي سوف ندفع ثمنه لاحقاً فهو في نظرة العالم الأرثوذكسي كله، لا الأنطاكي فقط، إلى مجريات الأمور.

خلال السنوات الماضية رُبِطَت أزمة حماطورة بالعديد من الأمور الأخرى ليتبيّن سقوطها الواحدة تلو الأخرى. حتّى تهمة التحرّش أسقطها قرار المجلس التأديبي الاستئنافي. القول المتداوَل، وأحياناً ببغائياً، بأن الأرشمندريت مذنب وأنّ الكنيسة رَحَمتهفهو قول يفتقد إلى الحق والمنطق معاً. إن كان مذنباً ورَحَمتْه الكنيسة يعني أنها أوجدَت سابقة تستوجب حلّ كل المجالس التأديبية التي لن يبقى دور لها بعد اليوم. إن لم يكن مذنباً بالتهمة التي وُجِّهَت له وأُدين على غيرها، أي على تهمة التسبب بإثارة الشغب كما يقول بعض الرؤساء، معناه أنّ الفكر القانوني ينقصه الحد الأدنى من الصدق والمعرفة والنضج. وتبقى الفرضية الثالثة بأن القضية هي قضية أشخاص وسلطة وحضور شعبي. كل هذا يعني أن القضية ليست في مكانها والأفضل أن توضَع حيث يجب أن تكون أي في القانون الجزائي.

ختاماً، للولوج إلى حل قبل أن تتسع الهوّة، المطلوب هو توبة الجميع التي تتبعها خطوات جريئة. والأهمّ، كما عبّر أحد المجاهدين القدامى في هذه الكنيسة، يجب أن يفهم الكلّ أنّ الكنيسة أهمّ من الأشخاص.

فَإِذَا تَوَاضَعَ شَعْبِي الَّذِينَ دُعِيَ اسْمِي عَلَيْهِمْ وَصَلَّوْا وَطَلَبُوا وَجْهِي، وَرَجَعُوا عَنْ طُرُقِهِمِ الرَّدِيةِ فَإِنَّنِي أَسْمَعُ مِنَ السَّمَاءِ وَأَغْفِرُ خَطِيَّتَهُمْ وَأُبْرِئُ أَرْضَهُمْ. اَلآنَ عَيْنَايَ تَكُونَانِ مَفْتُوحَتَيْنِ، وَأُذُنَايَ مُصْغِيَتَيْنِ إِلَى صَلاَةِ هذَا الْمَكَانِ. وَالآنَ قَدِ اخْتَرْتُ وَقَدَّسْتُ هذَا الْبَيْتَ لِيَكُونَ اسْمِي فِيهِ إِلَى الأَبَدِ، وَتَكُونُ عَيْنَايَ وَقَلْبِي هُنَاكَ كُلَّ الأَيَّامِ” (أخبار الأيام الثاني 14:7-16).

غيرة أم إدانة؟

غيرة أم إدانة؟

الخورية سميرة عوض ملكي

إن التوق إلى تفسير ما يجري اليوم في كنيستنا من اضطرابات وتساؤلات محيّرة عن أيّ جواب وصراعات وأفكار لا سكينة لها، يمكنه أن يعمينا عن تذكّر مراحم الله الغزيرة، وعظمة ملكه وكلية اقتداره التي لا نهاية لها. فالنعمة الإلهيّة تعلّمنا أنّ السيّد يعطينا معرفة رحماته بالروح القدس وإلاّ لكنّا يئسنا بسبب خطايانا وبسبب كلّ ما يحيط بنا.

يقول القديس سلوان الأثوسي: “القلب المسيحي يخشى أدقّ حركة لفكره أو أي شعور عدواني أو سيء النيّة، يتألّم وينوح على كل شيء، وفي الوقت ذاته، لا يخاف أحداً أو شيئاً حتّى ولو «دخلت الأرض والسماء في تصادم»، حتّى ولو «هَوَت الجبال وأطبقَت فوق رؤوسنا بكلّ ثقلِها»، فإنّ قلب الإنسان العيق يبقى في سلام رصين، هادئ“. من هنا ينبغي على كلّ عضو من أعضاء الكنيسة أيّاً كانت مرتبته أن يحصّن نفسه من مرض الفصام الروحي أو ما يسمّى الشيزوفرينياالروحية المتفشّي منذ بدء التاريخ بدءاً بالسقوط إلى يومنا هذا. وهناك العديد من الأمثلة في الكتاب المقدّس بعهديه تشير إليه: “حَتَّى مَتَى تَعْرُجُونَ بَيْنَ الْفِرْقَتَيْنِ؟ إِنْ كَانَ الرَّبُّ هُوَ اللهَ فَاتَّبِعُوهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَعْلُ فَاتَّبِعُوهُ” (1ملوك 21:18)، لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْرَبُوا كَأْسَ الرَّبِّ وَكَأْسَ شَيَاطِينَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْتَرِكُوا فِي مَائِدَةِ الرَّبِّ وَفِي مَائِدَةِ شَيَاطِينَ” (1كورنثوس 21:10)، هكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي” (رؤيا 16:3).

وعن هذا يتكلّم غاندي بكلام جميل فيقول: “أنا مُغرَمٌ بمسيحكم، ولكنّي كرهتُ مسيحيّتكم، أعطوني المسيح وخذوا مسيحيّتكم، لم أجد في مسيحيّتكم المسيحَ الذي تتكلّمون عنه“. أنا لا أستطيع أن أقول أني مسيحي طالما مسيحيتي تنفصل عن المسيح. لا يمكنني أن أتناول الأسرار الإلهية وأمارس العبادة في الكنيسة، وأتأثّر بالكلمات الإلهية أو التراتيل، وعند خروجي من الكنيسة وعودتي إلى المنزل أو العمل أكون شخصاً مغايراً كلياً، استخدم أسلوباً عدائياً مع عائلتي أو على شبكات التواصل أظلُم وأشتُم وأُدين وأدخل في مخاصمات دائمة مع مَن حولي… فالمسيحي يجب أن يعيش بوجه واحد، داخل الكنيسة وخارجها، فيتقبّل عطيّة المحبة الروحية الأبدية للكلّ ومن أجل الكلّ. فلا يكون كالذين يصفهم الرسول بولس لَهُمْ صُورَةُ التَّقْوَى، وَلكِنَّهُمْ مُنْكِرُونَ قُوَّتَهَا” (2تيموثاوس 5:3) أو يصبح نحاساً يطنّ أو صنجاً يرنّ” (1 كورنثوس 1:13).

الإنسان المؤمن تتركّز وّته في درء ومقاومة الشرّ الذي قد تتعرّض له الكنيسة وعليه أن يفرّق بين الحكم على الخطايا الشخصية والحكم على الأخطاء العقائدية أو الإيمانية. فليس من حقّ أحد أن يخوض في الحياة الشخصية لأيّ إنسان ويلوك سيرته بفمه أو على صفحته. وهذا ما تتعلّق به وصيّة الرب: “لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ(متى 2:7)، مَنْ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ عَبْدَ غَيْرِكَ؟” (رومية 4:14).

أمّا بالنسبة لأمور الإيمان فالدفاع عنها واجب مقدّس. هوذا يوحنا الحجبيب يقول من جهة اﻷمور الإيمانية كُلُّ مَنْ تَعَدَّى وَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَعْلِيمِ الْمَسِيحِ فَلَيْسَ لَهُ اللهُ. وَمَنْ يَثْبُتْ فِي تَعْلِيمِ الْمَسِيحِ فَهذَا لَهُ الآبُ وَالابْنُ جَمِيعًا(2يوحنا 9:1)، وأيضاً الرسول بولس يذكّر في رسالته إلى تيطس اَلرَّجُلُ الْمُبْتَدِعُ بَعْدَ الإِنْذَارِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ، أَعْرِضْ عَنْهُ.عَالِمًا أَنَّ مِثْلَ هذَا قَدِ انْحَرَفَ، وَهُوَ يُخْطِئُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ.” (10:3-11). فعدم إدانة المنحرف هي تقصير من جهة المؤمن وتؤثّر على الجماعة. فالذين تزعموا إدانة المنحرفين اعتبرتهم الكنيسة من أبطال الإيمان إكليروساً وشعباً.

نحن بحاجة إلى موقف ثابت لا يعرج بين الفرقتين أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، أَنَّكَ لَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا. لَيْتَكَ كُنْتَ بَارِدًا أَوْ حَارًّا! هكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي” (رؤيا 15:3-16). لأن التقلقل هو وليد الخطايا وليس وليد المحبة. ولو حفظ المسؤولون وصايا السيّد وطبّقوها، ولو أطاع الشعب باتّضاع، اكان لنا على الأرض سلام عميق وفرح عظيم.

رسالة إلى أسقف مُنتَخَب

رسالة إلى أسقف مُنتَخَب

نقلها بأمانة الأب أنطوان ملكي

أبونا الأرشمندريت الحبيب

أقول أبونا ما دام هذا مُتاحاً إذ أني أجد في كلمة أبوناحميمية أفتقدها في كلمة سيدنا“.

لن أقول لك مبروك، فهذه لغة المجتمع لا الكنيسة، وهي للذي حصل على شيء اشتهاه. أما في الكنيسة فمَن يعرف ثقل الأسقفية لا يبارِك للمتقدّم إليها بل يصوم من أجله.

ولن أقول لك مستحق لأني بتّ مقتنعاً بأننا لم نعد نستعمل هذه الكلمة في مكانها الصحيح. عندما ننادي مستحقلأغلب الرجال على كافة الرتب، فعلياً نحن ننادي باستحقاقهم لأن يتأهّلوا لهذه الرتبة، وأنت يا أبونا تأهّلت من زمان، من يوم صرت أرشمندريتاً حاملاً لشهادة اللاهوت. أما الاستحقاق الفعلي للرتبة نفسها، بالاستناد إلى ما نراه في أيامنا، والذي تعبّر عنه هذه الكلمة، فأرى أن يكون مؤجّلاً، والأفضل أن نبقيه لجنازة الإكليريكي فإمّا نقولها معبّرة عن ما عاينّاه أو لا نقولها.

أعرف أن الكثيرين يقرؤون هذا الكلام الأخوي بنيّة سيئة ومع هذا أكتبه لأني مطمئن إلى أني دائماً أقول ما في ذهني بصراحة ومن دون مواربة. أنا أكتب وفي ذهني أيقونة الدينونة التي تقلقني في كل مرة أراها، إذ أرى البطاركة فالمطارنة فالأساقفة فالكهنة فالرهبان فالشعب يتقدمون إلى الباب الواسع المؤدّي إلى الهلاك. الوضع هناك كما هنا.

«نَدِمْتُ عَلَى أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ شَاوُلَ مَلِكًا، لأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ وَرَائِي وَلَمْ يُقِمْ كَلاَمِي» (1صموئيل 11:15). هذا قول الرب عن كثيرين من الرؤساء. هذا الكلام عرفه قليلون فهربوا من الكهنوت ومن الرئاسة، الذهبي الفم والقديس أفرام السرياني وغيرهما. شعبنا يا أبونا ليس بحاجة إلى عصي مذهبة ولا إلى بدلات مطرزة. شعبنا بحاجة إلى نموذج يتعلّم منه. شعبنا بحاجة إلى قادة متواضعين من غير رياء ومحبّين من غير تملّق.

حبّذا يا أبونا لو أنك ترفض الأسقفية فتكون مثالاً للعفّة والثبات في الإيمان وعدم اللوم. كثيرون يشتهون الأسقفية والرئاسة وقلّة هم مَن يسعون إلى القداسة قبل كل شيء. القداسة تُكتَسَب ولا تُعطى إلا من الله. إن رفضتَ الأسقفية تقدّست وقدّستَنا.

الاختزال في أنطاكية، إلى أين؟

الاختزال في أنطاكية، إلى أين؟

الأب أنطوان ملكي

مَن أخطأ في واحدة، أخطأ في الكلّ. هذا كلام للسيّد، ينطبق على الأهواء بعامّة، إنّما أكثر ما ينطبق على خطيئة الاختزال. مَن اختزل في واحدة يصير مستعداً للاختزال في الكلّ. هدف هذه السلسلة من المقالات الحديث عن اختزال الناس والمحبة، فهذا وصف يطول والكلّ يقع أو قابل للوقوع فيه، لكنّه قادر على التبرير والإسناد لدعم خيارات لا يرحم الزمن في إظهار خطئها. تبدأ السلسلة بمناقشة الاختزال في الطقوس تحديداً، وبلوغه حدّ الإلغاء في بعض الأمور، لتنتهي إلى ما هو أخطر. ففي التقليد الأرثوذكسي العبادة هي العصب الذي يخلق الجماعة. الطقوس، بحسب تعبير البطريرك اغناطيوس الرابع، هي معابر لنعمة الله المطهِّرة والمقدِّسة“. والكنيسة بتعبير البطريرك يوحنا العاشر تمنح بالأسرار نعمة الروح بعلامات محسوسة لتقديسهم وجعلهم أبناء حقيقيين لله بعبادة فريدة“.

إذاً، واضح من قول الرجلين الذين رأسا الكنيسة في الفترة الزمنية التي نعيشها أنهما يؤمنان بقدسية الطقوس وقدرتها على التقديس ونقل النعمة. فهل الأجزاء التي يتمّ اختزالها والاستغناء عنها هي إضافات أم أنها فقدت قدرتها على التقديس؟ وإذا كانت فقدت قدرتها على التقديس فلأن عندها طاقة نفدت أم لأن المتعاطين بها لم يعودوا يرون فيها قناة للقداسة؟ أم أنهم متكاسلون فلم يعودوا يستحقون القداسة؟

إن هذه السلسلة من المقالات تغطي الاختزال في المعمودية، من ثمّ في في الإكليل ومن بعده الجناز، انتهاءً إلى الاختزال في الشعب أو اختزال الشعب كنتيجة حتمية للاختزالات السابقة.

الاختزال في المعمودية

الاختزال في خدمتي الخطبة والإكليل

الاختزال في الجناز

اختزال الشعب