في هذه الأيام الصعبة

كاهن في كنيسة اليونان الأرثوذكسية

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

كل ما يتعلق بالحياة الروحية، أياً كان ما نختبره داخل الكنيسة، يمكن التعامل معه بطريقتين: الأولى هي عدم إشراك القلب في أي منها على الإطلاق. كل شيء رسمي، نظري ومنطقي. يبقى القلب غير ملموس أبدًا، القلب غير مَعني أبدًا بكل ما يحدث في الحياة الروحية. بعبارة أخرى، يبعد الناس قلبَهم عن قصد عن ما يجري وبهذه الطريقة يمكنهم الشعور بأنهم، في الأساس، يتحكمون بالأشياء. هذا فخ عظيم، لأنه عندما نكتشف أن قلوبنا خارج الأشياء، ندرك أننا أيضًا في الخارج، وأننا لسنا جزءًا من حياة الكنيسة، من حياة الروح.ـ

والطريقة الأخرى هي أن ترى قلبك مشاركاً في الأشياء، ما يعني أن لكل ما يحدث خارجيًا تداعيات داخلية، في القلب. بعبارة أخرى، كل ما يحدث خارجيًا، بالحقيقة سواء في الكنيسة، في عبادة الكنيسة، أو شخصيًا في جهاد كل واحد منا، يجب أن يُنظر إليه على أنه يتسلل إلى وجودنا، إلى قلبنا، شاملاً قلبنا، ملزماً لنا على أساس شخصي. فمن ثم يكتسب كل شيء إحساسًا شخصيًا، وظيفة شخصية، كل شيء حقيقي الآن، كل شيء يؤثر على الشخص، وكل شيء يعكس ماهية ما نختبره.ـ

الانتقال من الرسمي إلى الجوهري، أي الانتقال من منطق الأشياء إلى فهم شخصي، إلى حياة القلب، ليس بالأمر السهل على الإطلاق. علينا أن نواضع ذواتنا. وحدهم المتواضعون لديهم حياة في القلب. الفخورون يقيّمون كل شيء منطقيًا، مسنودين كما هم بالغطرسة. ولكن عندما نتواضع، يصبح كل شيء فينا حقيقة. يصبح للقلب الآن خبرات، ويبدأ بتكوين المشاعر والعواطف الروحية، ويبدأ كل شيء في حياتنا في أن يصبح حقيقة. ثم، وللمرة الأولى، نكتشف أن لدينا حياة شخصية، وحياة روحية، وحياة روحية شخصية. علاوة على ذلك، يكتسب شخص الله اهتمامنا على المستوى الشخصي، ليس على المستوى الداخلي النفعي، بل على المستوى الشخصي.ـ

كل شيء له صدى فينا. هذا هو المكان الذي سنرى فيه مدى وجود الله في حياتنا، حيث سنرى مدى انفتاحنا على روح الله، أو مدى ترسّخ مخاوفنا وانعدام أماننا ومنطقنا البشري في داخلنا. سنرى مقدار المساحة المتاحة لوجود الله فينا، إلى أي مدى نشعر بخطايانا، ومدى عمق هذه الخطيئة فينا كعائق لعلاقتنا مع الله وإلى أي مدى تعرّض حياتُنا الشخصية وجودَ الله فينا. ثم يأخذ كل شيء بعدًا شخصيًا. فالألم والتوبة هما مسألة شخصية جداً وحقيقية جداً.ـ

إن الصلاة هي شيء حقيقي لأنها تضمّ صرخة الروح إلى الله، ولكنْ الصرخة الصادقة التي تنبع من داخل الإنسان، وليس من فكره. كل شيء حقيقي الآن. نعيش الآن حقيقتنا الخاصة أمام الله. لكن هذا سبقته مرحلة طويلة وصلنا خلالها إلى التواضع، حتى نستطيع أن نسمع قلوبنا بأنفسنا، حتى نكون نحن بأنفسنا على اتصال بقلبنا.ـ

أقول كل هذا حتى نفهم أن أيامنا هذه صعبة إلى حدٍ ما، من الناحية الخارجية، لأننا تحت ضغط ظروف خارجية. إنه وقت مناسب لكل منا لأن يعرف مدى نشاط شخصيته وعملها في حياته الشخصية، ومدى نشاط هويته وعملها شخصيًا، وقلبه شخصيًا، ومدى تأثره شخصيًا بعلاقته بالله، ومدى قدرته أن يجاهد من خلالها مع مخاوفه وصعوباته، وإلى أي مدى يمكنه، بالإيمان والمحبة والثقة بالله، ضبطَ الأفكار المعادية التي تنشأ ضده. إلى أي مدى كل هذه الأشياء حقيقية في حياته.ـ

ألم يحن الوقت لنرى كيف هي حياتنا الروحية نحن المسيحيين؟ كم من الإيمان الحقيقي بالله لدينا؟ إلى أي درجة يتلاشى الخوف في مواجهة الإيمان؟ ما مدى صدقنا تجاه الله؟ كيف نعيش تجربة الله داخل أنفسنا؟ إلى أي مدى يشعر كل واحد منا بخطيئته كعائق ويتألم ويبكي عليها؟ إلى أي مدى نشعر بوجود الله كقوة؟ في كثير من الأحيان يكون من الصعب تَرْك وجودنا بين يديه. كل هذا يبرهن مَن نحن حقًا.ـ

عندما تأتي علينا مثل هذه التجارب، عندما تأتي الأشياء التي تكيّف الضغط على الوجود البشري، إنها فرصة لنا جميعًا لمعرفة من نحن حقًا تجاه الله. من نحن حقًا عندما نواجه ضميرنا. من نحن عندما نواجه وجودنا. الآن، إنها فرصة لنا أن نرى مدى قوة الإيمان في صلاتنا. كم هي حقيقية. إلى أي مدى تنفتح على الله فعلياً. مدى اعتمادها على الثقة. كم تشعر بالراحة أمام الله، حتى ولو كان في الخارج معارك وضغوط. إنها فرصة لكل واحد منا أن يرى ما نريده حقًا داخلنا. كيف تبدو شخصيتنا. كيف هي حياتنا الشخصية تجاه الله.ـ

لدينا فرصة عظيمة الآن. لماذا؟ لأننا غالبًا ما نقرأ في سِيَر القديسين عن أعمالهم وجهاداتهم وصعوباتهم وإنجازاتهم والحلول التي وجدوها للضغوط التي تعرّضوا لها. ولكن في كثير من الأحيان نفهم هذه الأشياء عاطفيًا ومنطقيًا وليس واقعياً ووجوديًا. يأتي وقت في حياتنا عندما تطرق حقيقة الحياة بابنا وتريد أن تعرف ما قمنا به حتى الآن. ماذا حققنا؟ من نحن حقاً؟ من نحن في ذاتنا؟ أي ثقل أخلاقي لدينا في حياتنا الروحية؟ـ

لقد شعرت اليوم بحدّةٍ مدى أهمية استغلال مثل هذه اللحظات. ليس لطرد الخوف، ولكن لنرى ولنشعر بأنفسنا مكشوفين، حقيقيين، عراة أمام وجه حقيقة الله.ـ

الأشياء التي تضغط علينا تأتي وتروح. ستأتي، ولكن بعد ذلك ستمضي، كما تفعل الأشياء. لكن علينا أن نستفيد من كل هذا. يجب أن نكون جزءًا من حقيقة الله وهذا يجب أن يصبح حقيقتنا. ببساطة، يجب أن نحارب كل ما هو مريض فينا، ضعيف، أجوف ومنافق. أولاً، يجب محاربة هذه. وهذه تُحارَب في ظلمة زنزانتنا العميقة. إنه هناك حيث يمكن محاربتها. هذا هو المكان الذي ترى فيه من أنت حقًا.ـ

أصلّي من كل قلبي أن نخرج مستفيدين إلى حد كبير من صروف الدهر هذه التي يعاني منها بلدنا والعالم بأسره، أكثر تواضعًا أمام الله، أكثر حقيقة أمام الله وأمام ضميرنا. وسيهتم الله بكل ما تبقى. على أي حال، هو وعد بذلك. من ثمّ نجد السلام حقًا: عندما نستسلم بأمانة لقصد الله ولحضوره.ـ

أصلي من كل قلبي أن تكون هذه الأيام مثمرة لنا جميعاً.ـ

* تسجيل لعظة في القداس السابق تقديسه في 11 آذار 2020.ـ

Source: https://pemptousia.com/2020/03/on-these-difficult-times/

الغلبة على الخطيئة في شفاء المخلع

الأب انطوان ملكي

تُظهر رواية شفاء المخلّع في كفرناحوم كيف أن يسوع هو محرّر الناس من الخطيئة ومن المرض الذي هو نتيجة لها. النقطة الرئيسية في الحادثة هي كرازة يسوع للكتبة بأن “لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا” وهي تسمح لنا أن نستنتج مساهمة الرواية في إرساء سلطة الكنيسة في غفران الخطايا، هذا السلطان الذي أخذته عن مؤسسها. وهذا المعنى مطلوب إيصاله مع الأحد الثاني من الصوم حيث يكون بعض المؤمنين قد بدأ يتعب ويتساءل عن جدوى ما يقوم به. كما أنه يكمّل القصد الذي تمت مباشرته في الأحد الأول، أحد الأرثوذكسية.

لا تعكس هذه المعجزة تعاطف يسوع مع ألم المريض وحسب بل هي تعبير عن سلطانه الذي به يبدأ زمن جديد في الإنسانية، زمن تضعف فيه قوّة الشيطان وتنهزم، ويتحرّر الإنسان من طغيانه وتُؤسَس الكنيسة حيث يذوق المؤمن مسبقاً عن طريق الأسرار خيرات ملكوت الله.

كل كلمة ينطق بها يسوع في هذا المثل لها معناها العميق. يمدح يسوع إيمان الرجال الأربعة الذين حملوا المفلوج. يرى بعض المفسرين أن المسيح أيضاً امتدح إيمان المفلوج نفسه لأنه رضي أن يحملوه بهذه الطريقة. إن إيمان مرافقي المريض الأربعة وقف خلف ابتكارهم. هنا نفهم أن الإنسان المؤمن حقاً لا ينثني أمام حواجز تعترض طريقه بل يوجِد طرق عمل لكي يحقق هدفه لا من أجل فائدته الروحية الشخصية فحسب بل أيضاً من أجل فائدة الآخرين، خصوصاً عندما يكون هؤلاء الآخرون في حاجة. هنا نفهم درساً مهماً لحياتنا الشخصية وهو أن الإيمان شرط ضروري من أجل الخلاص لكن للإيمان امتدادات اجتماعية لأن الإنسان المؤمن هو وسيلة لخلاص الآخرين. هذا يظهر من أن يسوع مدح إيمان مرافقي المخلّع قبل أن يشفيه. من جهة أخرى، في توجّه يسوع إلى المخلّع ومناداته “يا بنيّ” تظهر الصلة العائلية الوثيقة التي تتكون داخل الإنسانية الجديدة التي هي الكنيسة.

في قول الرب للمفلوج “مغفورة لك خطاياك” يطرح موضوع علاقة الخطيئة بالمرض. حسب يسوع وتعليم العهد الجديد يمكننا القول أن الخطيئة دخلت في العالم عن طريق آدم وكانت النتيجة المرض والفساد والموت. وجود المرض إذاً في العالم يشكّل مظهراً لحالة الخطيئة، لا بمعنى أن كل مرض عند الإنسان هو نتيجة خطيئة شخصية محددة، لكن بمعنى أن المرض بصورة عامة يدلّ على ضعف الإنسانية وخضوعها لقوّة الشرّ.

صحيح أن يسوع لا يفسّر مشكلة الخطيئة، ولا يحكي عن جوهرها أو مصدرها أو نتائجها المؤلمة. لكنه يلتقي بالإنسان الواقع فيها ويحرّره منها. هذا تعليمٌ عن أن زمن المسيّا المنتظر هو زمنٌ تُمحى فيه الخطيئة مع كل ذيولها. لذلك نحن نسمّي المسيح رافع خطيئة العالم، كما نرتّل في المجدلة الكبرى. ولهذا نحن نقرأ عجائب يسوع الواردة في الأناجيل كتعبير عن غلبة الله على القوات الشيطانية التي تقبض على الناس وتأسرهم ودلالة على بداية زمن النعمة والخلاص.

إن الكتبة الحاضرين اعتبروا كلام المسيح عن غفران خطاياه تجديفاً لأنهم لا يعترفون بسلطانه بل يعتقدون أنه ينسب لنفسه خصائص وسلطة إلهية تجديفاً. لكن يسوع يظهِر لهم أنهم إذا كانوا يعتبرون شفاء الجسد أصعب من غفران الخطايا لأنهم لا يستطيعون رؤية الخطيئة والتحقق منها، إلا أنه ينظر إلى السبب والنتيجة في آن واحد. بهذا يظهِر أن ابن الإنسان ليس فقط ذاك الذي سوف يتألم ويعود بمجد ليدين العالم، بل هو أيضاً العامل في الوقت الحاضر فيما بين الناس ومؤسس الكنيسة.

لقد غلب يسوع المسيح تسلّط الخطيئة على الناس مع كل ذيولها حتى ولو كانت الخطيئة لا تزال تؤثر على البشر، وهذا يعود إلى أن الدهر القديم مع كل قواته الفاسدة ما زال قائماً إلى جانب الدهر الجديد الذي بدأ مع المسيح وتحقق في الكنيسة ويكتمل في مجيء المسيح الثاني. عدم قبول الخطيئة في الكنيسة لا يعني أنه غير ممكن حصولها بل يعني أنه يمكن للمؤمن أن يتجنّبها. وحتى في حال سقوطه فيها فإن الكنيسة تملك سلطاناً “لغفران الخطايا”.

* عن نشرة الكرمة

نحن والقديسون: حول إنجيل أحد جميع القديسين

الأب أنطوان ملكي

” فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، وَمَنْ يُنْكِرُني قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.” هذا الكلام قاله الرب لتلاميذه جميعاً، من دون استتثناء، في كل الأزمنة والأماكن. هذا يعني أنه قاله لنا أيضاً نحن الذين نقف في هياكله اليوم والذين نحسب ذواتنا من تلاميذه بالمعمودية. كمثل البرق الذي يخترق السماء من دون أن يخسر شيئاً من لمعانه كذلك كلمات السيد وصلت إلينا في الإنجيل بكل قوة ووضوح.

إن تلاميذ الرب ليسوا أولئك الذين يسمّون أنفسهم كذلك بل الذين يعترفون به فعلياً سيداً لهم وملكاً أبدياً متّبعين تعاليمه ومحققين وصاياه. إن اعترافهم يجب أن يكون بالفكر والقلب والقول والفعل وبكل حياتهم. لا مكان للارتباك والخجل والتذبذب في هذا الاعتراف. هذا الاعتراف يتطلب إنكاراً للذات وشعوراً بالنصر كما أمام كل الناس والملائكة.

علينا أن نشابه في اعترافنا التلاميذ الذين لم يخجلوا أو يخافوا من أن يعترفوا بالإله-الإنسان محتملين الاضطهاد، معلنين اعترافهم أمام سلطات الدين والدنيا، أمام حكماء الأرض وسلاطينها، ونتمثّل بالشهداء الذين حملوا ألمهم ودمهم، بالذين أرضوا الرب بجهادهم على الأرض مهملين كل الأرضيات، الذين كانوا في العالم وليسوا من العالم. إن الاعتراف بالرب مصحوباً بإنكار الذات هو سمة القديسين.

إن الاعتراف الضعيف والمبهَم ليس مقبولاً، ولا حاجة له، ولا يستقيم أمام عيني الرب. لا يكفي أن يعترف الإنسان بالله في ذاته سرياً، بل الاعتراف يكون بالشفاه والكلمات، وأهم منها بالأعمال والحياة. لا يكفي الاعتراف بألوهة الرب وسلطانه، بل ينبغي الاعتراف بتعليمه ووصاياه في عيشها، حتّى ولو على عكس ما هو مقبول في المجتمع البشري. هذا المجتمع خاطئ وميال إلى الزنا لأنه استبدل محبة الله بمحبة الخطيئة. إن العادات السائدة في هذا العالم والتي صارت توازي ناموساً يعلو على القانون هي ضد الحياة المرضِيَة لله حتى العداوة. إن هذا العالم الذي يسوده الغرور يكره ويهزأ من الحياة المرضِيَة لله، لذا القلب الضعيف وغير الثابت في الإيمان يميل نحو إرضاء البشر مبتعداً عن تعليم الرب ومقصياً ذاته من صف المختارين.

إنه لأسهل على الإنسان أن يرفض متطلبات المجتمع من أن يرفض متطلبات العائلة التي تكون بالعادة أقرب إلى الناموس الطبيعي وليست بالضرورة قريبة من وصايا الله. الوضع المثالي هو أن تكون متطلبات العائلة من متطلبات الله. لهذا قال الرب مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي. غالباً ما يجد محب المسيح نفسَه مرتبكاً بتضارب المتطلبات، ويستصعب تمييز إرادة الله فيها. لهذا يريد الرب أن يقول بهذه الآية أن مَن يختار إرادة غيري يكون قد تخلّى عني.

إن الصعوبات التي تعيق الاعتراف بالرب وتأتي من الخارج لا تُقارَن بصعوبة تلك التي تأتي من الداخل. إن الخطيئة التي تعيش في الفكر والقلب والجسد تقوم كمضاد مباشر للاعتراف بالمسيح وتحقيق وصاياه. إن الخلطة التي تتواجد في ذواتنا بين صلاحنا الطبيعي والأذى المتأتي من الخطيئة هي العائق الأكبر أمام اعترافنا الكامل بالرب. قد يكون من السهل الابتعاد عن المجتمع والأقرباء، لكن أين نذهب من ذواتنا ومن طبيعتنا. لهذا يأمرنا الرب بأن نصلب الطبيعة بحملنا الصليب والسير وراءه عن طريق تخلينا عن الفكر الجسدي الذي يشتهي ويتأثر بالأهوية. من هنا أن كل الآيات التي ترد على لسان الأنبياء والرسل ويفسرها البعض في الكنيسة على أنها تعذيب للذات أو ما شابه فإنما هي صرخات من عمق النفس التي وعت ضعفها وتسعى لتخطي طبيعتها حتى تصل إلى ما هو أسمى.

إن الكنيسة لكي تشرح لنا مصير مختاري الله، بعد أن أظهرت لنا في القراءة الإنجيلية المصير المتوقف على اتباعنا الرب، تسمِعُنا السؤال على لسان الرسول بطرس: «هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ. فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟» وإذا بوعد الرب واضح بأنّه سوف يعوّض كل خسارة بما هو أغلى منها بكثير. إن الاضطهاد الفعلي هو الحياة على الأرض لأننا طُرِدنا إليها وحُكِم علينا برحلة عذاب نعيشها على الأرض قبل أن نعود إلى السماء، إذا عملنا لذلك. إن الحياة الحالية هي العذاب لأن أمير هذا العالم يحكمه والخطيئة تسيطر عليه ولا تكفّ تضطهد محبي المسيح. إن الخطيئة تهاجم محبي المسيح من الخارج والداخل وبهذا تعذبهم.

لكن الرب لا يترك محبيه، بل يترك لهم نعمته. نعمته تحوّل عذاباتهم وتجاربهم وتوبتهم إلى قداسة، والقداسة تمنحهم التعزية وتفتح لهم أبواب المجد والغنى السماوي. كل ما يمتّع الإنسان يبقى هنا أما المجد الذي من المسيح فهو يبدأ هنا ويستمر إلى الأخير. النعمة التي نكتسبها هنا هي الثروة الوحيدة التي تعبر القبر معنا. هكذا عبر القديسون الذين نعيّد لهم اليوم، وهذا ما هو مرسوم لنا ونحن مدعوون إليه.

* عن نشرة الكرمة

المال بين المسيحي والمسيح

المال بين المسيحي والمسيح

الأب أنطوان ملكي

إحدى غايات هذا النص الإنجيلي هي أن يقول لنا أن ارتباط القلب بثروة هذا العالم يحرمنا من العبور مع السيد من الباب الضيّق. فالغنى في ذاته، كأي شيء آخر، ليس شرًا، إنما عندما تتعلّق به النفس يبعدها عن مخلصها. قد يكون الشاب الغني قد أحسّ بالجوع والعطش إلى الحياة الأبدية فعلاً، فركض ليسأل السيّد أيها المعلم الصالح ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟في جوابه، السيد لم ينفِ عن نفسه الصلاح لأنه أصلاً هو دعا نفسه الراعي الصالح في مكان آخر، لكنه رفض التفخيم الذي اعتاد اليهود أن يستعملوه. فبحسب القديس أمبروسيوس أن الشاب كان يقصد الصلاح الجزئي لا المطلَق، أي صلاح الإنسان لا صلاح الله، لأنه لا يعترف بأن السيّد هو الله.

السيّد وجّه الشاب نحو الوصية الإلهية كمصدر للتمتع بالحياة الأبدية. يقول القديس مرقس الناسك أن السيد المسيح نفسه يختفي في الوصية، فمَن يمارسها عمليًا يكشفه داخلها. بمعنى آخر إن كانت الحياة الأبدية هي التمتّع بالمسيح أي الحياةعينها، فإننا نلتقي به عمليًا متى آمنّا به خلال دخولنا إلى أعماق الوصية لنجد أنه هو سّر تقديسنا ونقاوتنا وحياتنا. لكن الوصية لا تقف عند ما قدّمه موسى. بل تكتمل بالصليب. لهذا قدم السيد للشاب الوصيةَ التي توصله إلى الكمال: “اذهب بعْ كلّ مالك، وأعطِ الفقراء، فيكون لك كنز في السماء. وتعال اتبعني حاملًا الصليب“.

هذه الوصية الإلهية أوقفت الشاب لأن محبته للمال تحرمه من اتّباع المسيح، لأنها تربطه بالتراب. تراجُع الشاب سبّب الألم للمسيح الذي رأى إنساناً بدل أن يستعمل المال استُعبد له، لهذا عبّر واصفاً صعوبة دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله معتبراً مرور الجمل من ثقب إبرة أكثر يسراً. لقد كشف السيد أن العيب ليس في الغنى إنما في القلب المتكل على المال. في التفسير الرمزي أن الجمل يشير إلى الأمم فيما ثقب الإبرة يشير إلى الطريق الضيق، لهذا معنى قول السيد هو أن دخول الأمم أيسر من دخول الأمة اليهودية، وهي الغنية بالناموس والآباء والأنبياء والوعود. لكن الرب لا يترك مَن يريد أن يتعلّم لليأس لذا يؤكّد أن ما يعجز الناس عنه يستطيعه الله. فهو يحوّل الغنى إلى خير.

لماذا تقرأ الكنيسة هذه الحادثة في الأحد الثالث عشر من لوقا، أي حوالي بداية صوم الميلاد. لأنها تريد أن تقول لنا أن الاستعداد للميلاد يكون بالتواضع لا بالغنى، وبعَمَل المحبة لا بادخار المال. هذا الترتيب وضعته الكنيسة منذ زمن طويل وهو يدلّ على وجهها النبوي، وكأنها عرفت منذ البداية أنه سوف يأتي يوم تقع فترة الاستعداد للميلاد تحت سلطة بابا نويل وجشع أصحاب المحلات والأسواق الذين يحوّلونها إلى معارض للإغراءات تطحن الفقراء، كما وانشغال المسيحيين بالتحضير للعيد وحفلاته ومعارضه، بشكل يُفرِغ العيد من كل معانيه السماوية والأرضية.

إن هذه القراءة تقول لنا بأن لا يكونن المال حاجزاً بين المسيحي ومسيحه. مَن معه فليوزّع ويتبع المسيح.

* عظة حول الأحد الثالث عشر من لوقا، لوقا 18: 18-27.

الإنسان المخدوع والرحمة

الإنسان المخدوع والرحمة

الأب أنطوان ملكي

يبدأ النصّ الإنجيلي بعبارة يُشبِه ملكوتُ السماوات انساناً مَلِكاً“. كيف يشبه الملكوت إنساناً ومَن هو الإنسان الذي يشبه الملكوت؟ إنه بالطبع يسوع المتجسّد، أي ابن الله متّحدًا بالناسوت، ما جعله إنسانًا ملكًا. العبد المديون بعشرة آلاف وزنة هو البشرية. يرى بعض اﻵباء أن الرقم عشرة يُشير إلى الوصايا العشرة، والرقم ألف يُشير للأبديّة. هذا يعني أن قيمة دين الإنسان أي عشرة آلاف، هي مخالفة كبيرة للناموس، وليست شيئاً يستطيع أي مخلوق أن يفيه في حياته. إذاً هذا المثل يظهِر يسوع ملكاً ديّاناً يقف أمامه الإنسان بعجزه التام عن الإيفاء بالدين. بيع المديون هو بحسب الشريعة، أي أنه أمر قانوني لكنه ذو معنى روحي عميق. فبيع الإنسان يعني أن الإنسان خسر كل شيء. كون معنى الدَين الفعلي في المَثَل هو الخطيئة، فهذا يعني أن الخطيئة تفقِد الإنسان الكثير. فبالخطيئة يخسر الإنسان روحه أي ذاته، كما يفقد زوجته أي جسده المرتبط به والذي يعوله ويربِّيه، لكون الخطيئة تحوّل الجسد الصالح دنسًا مثقّلاً بالشهوات التي تفسد الفكر والحواس. أمّا الأولاد الذين سوف يُباعون مع الإنسان لأنه يفقدهم فَهُم المواهب المتعدّدة التي حباه الله بها، والتي تحوّلها الخطيئة من أدواتٍ لبِرّ لله إلى أدوات إثم تخدم الشيطان؛ أمّا الممتلكات فهي الأمور التي بطبيعتها هي صالحة لكن فساد الإنسان يحوّلها إلى معثرة.

ومجدداً يظهر الإنسان بمظهر المُضلَّل حيث يطلب التأجيل ظانّاً أن بعض الوقت قد يؤهّله للإيفاء. لكن الملك أعطاه أكثر ممّا طلب فأطلقه حرًا وترك له ما عليه. هنا المعنى الروحي هو أن الملك وَهَبَه حرّية النفس والجسد، مقدّسًا مواهبه وممتلكاته، حتى يكون بكلّيته مقدّسًا له.

لكن انغلاق قلب العبد على أخيه عطّل حريته. طبعاً تظهِر مقارنة ما كان له عند أخيه بما كان عليه للملك فرقاً شاسعاً، مئة بمقابل عشرة آلاف. أمامنا إنسان تحرّر من عشرة آلاف وزنة، ولا يتنازل لأخيه عن مائة وزنة. يصف القديس يوحنا الذهبي الفم حالته بقوله: “إذ لم يكن بعد صوت المغفرة يدوّي في أذنيه نسي محبّة سيّده المترفّقةإن تذكار معاصينا أمر مفيد للغاية وضروري جدًا. ليس شيء يجعل النفس حكيمة بحقٍ ووديعة ومترفّقة مثل تذكار خطايانا على الدوام“.

واقع هذا العبد أحزن العبيد رفقاءه فشكوه إلى الملك. هذا تعليم عن أهمية صوت الجماعة. إن الله يسمع تنهّدات البشريّة بسبب قسوة الناس على بعضهم البعض. هذا هو حال البشريّة. إنها تئن من عدم تنازل الناس لبعضهم البعض وعدم غفرانهم لأخطائهم التي يرتكبونها بحق بعضهم البعض. لكن السيد ومعه الجماعة، أي الكنيسة، يحزنان جدًا لرؤية مَن لا يصفح يخسر ما تمتّع به من عطايا ونِعم إلهيّة.

يختم السيد المقطع الإنجيلي بقوله: “هكذا أبي السماويُّ يصنعُ بكم إنْ لم تَتْركوا من قلوبِكم كلُّ واحدٍ لأخيهِ زلاَّتِهِ“. يلاحظ القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيّد في هذه العبارة الإلهيّة لم يقل أباكمبل أبي“. فهو من جهة يساوي نفسه بنا ومن جهة أخرى ينحو بالله عن أن يكون أبًا لشرّيرين وحقودِين.

الغاية الأخيرة لهذه القراءة الإنجيلية هي أن نفهم أننا مرحومين لأن الرب كريم، وأننا نبقى مرحومين طالما نرحم. إن مقياس تلقينا للرحمة هو مقدار نقلنا إياها إلى إخوتنا البشر الآخرين.

* عن نشرة الكرمة، حول إنجيل الأحد الحادي عشر من متى

روح العالم

روح العالم*

الأرشمندريت بولس شاراباشيف

يجد القارئ عدة أسئلة عند القراءة المتأنية المتأمّلة للمقطع الإنجيلي عن مجنونَي كورة الجرجسيين اللذين طرد السيد منهما جيشاً من الشياطين. لماذا يقول إنسان للسيد لا تعذبني؟ أيعذّب السيّد؟ وكم من الناس من حولنا يعانون العذاب والألم وقد افتداهم الرب بآلامه على الصليب؟ لماذا يقع البشر في هذه الهاوية المدمرة؟ لماذا تفقد حياة بعض البشر معناها الرئيسي وهو الجهاد من أجل الشركة مع الله، وهذا من دون أن يلاحظوا هذا الفقدان، فيما حياتهم تذوب في مختلف أشكال الفراغ والغرور؟ ما حدود تأثير الشيطان على تاج خليقة الله؟ تحت أي ظرف من الظروف يستطيع الشيطان أن يتسلّح بكل غضبه وخدعه الكثيرة لاستعباد إنسان مثلنا، فيحرمه من ثوب عدم الفساد، ويجعله مثل ذاك الممسوس الذي لا يرتدي ملابساً أو يعيش في منزل، بل بين القبور، محروماً من حماية أهله؟ لماذا يؤتى بإنسان حي إلى القبور؟ كيف نفهم كلمات الرسول بولس الذي يدعو الشيطان حاكم هذا العالم، بقوله فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ” (أف 6: 12)؟

الرب يسمّي الشياطين حكام هذا العالم، وبحسب القديس يوحنا الذهبي الفم، ليس لأنهم يحكمون العالم ويمسكونه بيمينهم كما يفعل الله، بل لأنهم هم السبب الحقيقي لكل أفعال الشر. الكتاب المقدس يسمّي عادةً الأفعال الخاطئة العالم“. على سبيل المثال، قول ربنا يسوع المسيح المكتوب في إنجيل يوحنا لستم من هذا العالم” (يوحنا 15: 19) ، كما أني أنا لست من هذا العالم” (يوحنا 8:23). بعض الآباء القديسين يستعمل كلمة العالمللإشارة إلى تكتل الأهواء.

لاحَظَ القديس باييسيوس الآثوسي بمهارة شديدة أن روح العالم أصبح اليوم أعظم عدو لنا. في عصرنا هذا، دخل الكثير من الدنيوية، والكثير جداً من روح هذا العالم“. روح العالم هذا يدمّر العالم. إذ يقبل الناس في نفوسهم هذا العالم يصيرون دنيويين في دواخلهم ويخرِجون المسيح من أرواحهم. إن الذين يسلّمون قلوبهم إلى العبث والحياة الدنيوية يعيشون تحت حكم حاكم هذا الدهر. هذا لأن الشيطان يحكم الغرور وأن أولئك الذين يستعبدهم الغرور، يُستَعبَدون لروح هذا العالم، أي للعالم بالمعنى الآبائي.

إن القلب المأسور في هذا العالم الزائف يضبط روحه في حالة من التخلف وعقله في الظلام. من ثمّ يكون الإنسان إنساناً بالمنظر فقط. في الجوهر، هو بالحقيقة طفل خديج روحياً، مختلّ، ميت حي، كمثل ممسوسَي الجرجسيين مدفون حياً في القبور حيث يسكن. ما هي هذه المقبرة؟ كثيرون منا على دراية بها، وليس فقط من الإشاعات. في هذه القبور، يسلك حقًا أولئك الذين اتّخذوا كهدف لهم في هذا الوجود الأرضي التسليات المجنونة، مضحّين من أجلها بقدراتهم ومواهبهم. إنهم يسرقون من ذواتهم الوقت الذي أعطاه الله لنا لتحقيق أشياء سامية، مبددينه بشكل غير معقول، طوافين بين معلومات لا داعي لها على الإطلاق، جلّ ما تعمله هو تشتيت الفكر وإلقاء عالمه الداخلي في الفوضى. اليوم، هذا هو أقوى مولّد لروح هذا العالم. إن الشيطان، المدعو عدو الإنسان ومدمّره، لا يعتبر تدميرَنا جسدياً، كما دمّر قطيع الخنازير، أمراً كثير الأهمية بقدر جذب أرواحنا الخالدة إلى ظلمة هذا الدهر.

نذكر حادثة مثيرة للاهتمام وتربوية. في التسعينات كانت إحدى النساء الروسيات مهتمة للغاية بالتلفزيون. في تلك الأيام، كانت البرامج تغمر الناس كمثل محتويات صندوق بندورا المفتوح، أي كان هناك عدد ضخم من البرامج المختلفة. هذه كانت غير ضرورية، فارغة، مبتذلة، تبشّر بالعنف والفساد، وتحمِل إلى الجماهير روح غرور هذا العالم. هذه المرأة شدّتها بشكل خاص برامج الوسطاء والمعالجين. فقد كانت تهتم بها كثيراً وتحاول ألا تفوّت أمسية واحدة منها. ثم فجأةً وبشكل غير متوقع، عرفت أنها مصابة بمرض خطير. اكتشفت أنها مصابة بالسرطان، وقد اخترق هذا السرطان النخاع الشوكي، مما سبب لها ألماً لا يطاق. فوجدت فرصة لزيارة أحد هؤلاء المعالجين وذهبت إليه شخصياً وقالت له: “قمْ بكلّ ما عليك لشفائي من هذا المرض ونجاتي من هذه المعاناة الرهيبة“. قال: “حسناً، سأساعدك إنّما بشرط واحد. سأكتب رسالة وأضعها في مظروف مختوم. عندما تشعرين بالألم، ضعي المظروف على عمودك الفقري فيزول الألم“. فعلت كما علّمها وتراجع الألم بالفعل.

ولكن بعد ذلك وقعت في كارثة أكثر سوءاً. فقد صارت تشعر بثقل عاطفي واكتئاب وبأن لا معنى للحياة، حتى أن فكرة الانتحار صارت تراودها بشكل متكرر. فطلبت المساعدة من إحدى صديقاتها المسيحيات، التي كانت لحسن الحظ ابنة روحية للأرشمندريت كيرللس بافلوف. صديقتها ساعدتها على زيارة الأب كيرللس الذي قال لها: “يا عزيزتي، دعينا نلقِ نظرة على ما في المظروف“. رفضت قائلة: “لا تحت أي ظرف من الظروف! فقد أخبرني ذلك المعالج أنه بمجرد فتح المغلف أموت“. قال الأب:” حسنًا، بكوني كاهنًا ومعرّفًا، أعدك بأنه في حال سوف يموت أي شخص فسيكون أنا. لأني آخذ تلك العقوبة على نفسي“. بعد أن وافقت فتحوا الظرف ووجدوا التالي: “أيها الشيطان، ساعدها بينما هي في هذه الحياة، ولتكُن روحُها لك“.

تخبرنا هذه القصة المخيفة أنه من خلال الحماقة، من خلال الاعتقاد الخرافي، يمكن للشخص أن يصبح ضحية الشيطان ومستعبَدًا له. ومن يدري ما الذي كان سيحدث لتلك المرأة لو أنّ الرب الرحيم لم يقُدْها إلى شيخ الله هذا.

يقول الرسول بولس اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ ­ بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ(أفسس 2: 4-5). لا ننسينّ هذه الكلمات الهامة، أيها الإخوة والأخوات. لنكُن منتبهين إلى كلمات الكتاب المقدس. لنستمع إلى صاحب المزمور النبي داود الذي تكلم بالروح القدس، حَتَّى مَتَى تُحِبُّونَ الْبَاطِلَ وَتَبْتَغُونَ الْكَذِبَ؟(مز. 4: 2) في سفر المزامير المقدس، لنهربْ من روح هذا العالم، روح ظلام هذا العصر ولنتشبّث بكل قلوبنا وأرواحنا وكل قوتنا بروح الله القدوس. آمين.

* من عظة الأرشمندريت بولس شاراباشيف من دير ساراتانسكي في روسيا، في الأحد الخامس بعد العنصرة، متى 28:8-1:9

لغة الثـّالوث!

لغة الثـّالوث!

اﻷرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، يسوع هو شمس العدل؛ يسوع هو الّذي تدور الخليقة في فلكه؛ يسوع هو العالَم الجديد. لذلك، الكنيسة، في فهمنا، هي جسد المسيح. وحين نقول عن الكنيسة إنّها جسد المسيح، فهذا يعني أنّها العالم الجديد، أنّها يسوع؛ ويسوع، في آن، هو رأسها. يسوع هو الكنيسة، وهو رأس الكنيسة. الكنيسة ليست، عندنا، مؤسّسة أو منظّمة، وليست جماعة المؤمنين. الكنيسة تمتاز، عندنا، بكونها ذات طبيعتين: طبيعة بشريّة، وطبيعة إلهيّة. كلّ شيء، فيها، هو من طبيعة إلهيّة بشريّة. لذلك، كلّ شيء، فيها، هو أسراريّ الطّابع. والسّرّ، عندنا، هو تجلّي غيرِ المنظور في المنظورات، تجلّي الإلهيّاتِ في البشريّات. الكلمة الّّتي نتفوّه بها، في كنيسة المسيح، هي، في آن، كلمة الله وكلمة النّاس. وكلمة الله يتجلّى الله فيها من خلال ما هو مسموع، أو من خلال ما هو مقروء. هكذا، حين نصلّي، في كنيسة المسيح، نتعاطى أمرًا إلهيًّا بشريًّا، في آن. نطلب إلى الله بكلام بشريّ، نسأله، نلتمس منه البركة؛ وفي آن، يأتينا، ينزل علينا كحضور روحيّ إلهيّ، بكلّ معنى الكلمة.

إذًا، إذا كنّا نحن أبناءَ الكنيسة المقدّسة، فهذا معناه أنّنا بتنا، أيضًا، ذات طبيعة إلهيّة بشريّة. ما هو فينا، ما أُعطي لنا هو إلهيّ وبشريّ. صحيح أنّنا ننتمي، من جهة البشرة، إلى هذا العالم. لكنّنا، من جهة الطّبيعة الإلهيّة، ننتمي إلى يسوع؛ نحن نأتي من يسوع؛ نحن نأتي من روح الله. لذلك، حين نسمع القول أنتم هيكل الله، وروح الله ساكن فيكم” (1كور3: 16)، فهذا يوضح، بجلاء، أنّنا نجمع ما بين السّماء والأرض، نجمع ما بين الإلهيّات والبشريّات. نحن نقطة الالتقاء بين ما هو من فوق وما هو من هذا العالم، بين ما هو مخلوق وما هو غير مخلوق. لقد أُعطي لنا كنز في آنية خزفيّة، وهذا الكنز هو روح الله. على هذا، يا إخوة، نحن، بانتمائنا إلى كنيسة المسيح، بتنا أبناء الملكوت، بالإضافة إلى كوننا أبناء هذه البشرة؛ ونتعاطى كلّ شيء على هذا النّحو. نحن لا نتعاطى شيئًا، في حياتنا، إلاّ تحت هذا العنوان الإلهيّ البشريّ. إذا أكلنا، مثلاً، فالأكل، بالنّسبة إلينا، ليس، أبدًا، موضوع طعام من هذا الدّهر وحسْب! لا شكّ في أنّ ما نأكله هو طعام من هذا الدّهر. لكنّ هذا الطّعام، الّذي هو من هذا الدّهر، من هذه الأرض، قد صار حمّالةً لطعام سماويّ. لهذا السّبب، نحن لا نأكل إلاّ إذا بارَكـْنا المائدة. لماذا نبارك المائدة؟! نحن لا نبارك المائدة، فقط، لأنّنا نلتمس من الرّبّ الإله أن يُكثّر لنا الخيرات والبركات؛ بل نبارك، في الحقيقة، لأنّنا نعرف أنّ الطّعام، من بين كلّ ما له علاقة بحياتنا، هو مدخل إلى الملكوت، وهو محَطٌّ للحضور الإلهيّ. الرّبّ يسوع يأتينا ويقيم في كلّ ما له علاقة بحياتنا. هو مقيم فينا! من هنا، يا إخوة، إنّه لَخطأ جسيم أن نتعاطى المادّيّات، في هذا الدّهر، باعتبارها مادّيّات وحسْب. نحن نتعاطى المادّيّات أسراريًّا! نتعاطى المادّيّات كسِرّ، أي كحضرة لله تأتينا من خلال هذه المادّة. لذلك، كلّ شيء، عندنا، برسم البَرَكَة، إلاّ الخطيئة. وكلّ شيء نتعاطاه دخل في السّرّ الإلهيّ الّذي انكشف لنا، والّذي أقام فينا، والّذي بتنا نحن امتدادًا له. طبعًا، هذا يشكّل صعوبة في تعاملنا مع الّذين لا ينتمون إلى سرّ المسيح وسرّ الإنجيل. الّذين لا ينتمون إلى المسيح، ينتمون إلى هذا الدّهر وحسْب. نحن لسنا من هذا الدّهر! يسوع قال ذلك بوضوح: “أنا لستُ من هذا العالم“. وهذا ليس، فقط، كلامًا ليسوع لأنّه ابن الله؛ بل هو كلام لكلّ واحد منّا. على كلّ واحد منّا أن يقول: “أنا لستُ من هذا العالم، أنا في هذا العالم، ولكنّني من المسيح، من روح الله“! المؤمن بيسوع لا يحقّ له، إذًا، ولا يليق به أن يتعاطى شيئًا من مفاهيم هذا الدّهر؛ لأنّ عنده بعدًا جديدًا أُعطي له، وهو الملكوت. وهذا لم يُعطَ للّذين لا يؤمنون بيسوع، وللّذين لم يعتمدوا باسم الرّبّ يسوع.

من هنا، يا إخوة، إنّ الكنيسة، بالنّسبة إلينا، عالمٌ جديد، بكلّ معنى الكلمة! عالم روحيّ بشريّ! هذا ما ننتمي إليه. وهذا العالم الجديد ليس كعالمنا. في عالمنا، هناك، دائمًا، مكان. نحن، الآن، في مكان. أمّا في العالم الجديد، أي في كنيسة المسيح، فلسنا في مكان. الكنيسة ليست مكانًا. جسد المسيح ليس مكانًا، بالمعنى المحسوس للكلمة. طبعًا، هناك تعابير محسوسة للكنيسة. ما دمنا نحن ههنا، فلا بدّ من أن يوجَد، دائمًا، تعبير محسوس عن الكنيسة. وكما قلت، الكنيسة حقيقة بشريّة، إنّما إلهيّة، أيضًا. في العمق، نحن، في الكنيسة، في حالة جديدة، حالة حقيقيّة جدًّا، لكنّها لا تمتاز بكونها ذات بُعد مكانيّ، بل تمتاز بكونها ذات بُعد روحيّ، وإلاّ ما كان الرّسول بولس قال عن الكنيسة إنّها جسد المسيح! ما دام هناك جسد، فهناك علاقة عضويّة. نحن في المسيح، والمسيح فينا. طبعًا، الرّبّ يسوع مميَّز فينا كشخص؛ ونحن، كأشخاص، مميَّزون عنه؛ لكنّه بالرّوح فينا، ونحن بالرّوح فيه. هذا ما يجعل الكنيسة كنيسةً. لهذا السّبب، لا يمكننا أن ندرك ما هو من الكنيسة بالعقل البشريّ، لأنّ الكنيسة ليست حقيقة عقلانيّة. نحاول أن نعبّر عنها بطريقة عقلانيّة على نحو تقريبيّ، كما نحاول أن نعبّر عنها بطريقة محسوسة، بكلّ ما هو بشريّ. لكن، تبقى الكنيسة، دائمًا، أكثر من التّعبير الّذي نلتزمه لنعبّر عنها. الحقيقة، يا إخوة، أنّنا، في الكنيسة، بإزاء وضع جديد كلّيًّا. يسوع حاضر، والرّوح القدس يجعله فينا، ونحن فيه. حين قال الرّبّ يسوع: “مَن رآني، فقد رأى الآب” (يو14: 9)، هذا، في الحقيقة، قاله بالجسد، قاله كإنسان، وهو إله، في آن معًا! نحن، أيضًا، بإمكاننا أن نقول، لا بل يجب علينا، في كلّ حين، أن نقول إنّ مَن رآنا فقد رأى يسوع، إنّ مَن رآنا فقد رأى الآب، إنّ مَن رآنا فقد رأى روح الرّبّ القدّوس! روح الرّبّ القدّوس لا يُرى، لكنّنا نحن أيقونته. والرّبّ يسوع، أيضًا، لا يُرى. وإن كنّا عرفناه بالجسد، في وقت من الأوقات، إلاّ أنّنا لسنا نعرفه، بعد، كذلك. ونحن، أيضًا، أيقونته. والآب، أيضًا، لا يُرى. لكن، ما دام الرّبّ الإله قد ارتضى أن يقيم فينا، لا فقط يسوع، ولا فقط روح الرّبّ، بل الآب السّماويّ أيضًا؛ فنحن أيقونته. وهذا قاله الرّبّ يسوع، بوضوح، في إنجيل يوحنّا: “آتي أنا وأبي ونسكن فيه” (يو14: 23)، أي في الّذي يؤمن ويكون عنده روح الرّبّ.

إذًا، يا إخوة، في الكنيسة، بإمكاننا أن نوجز ديناميّة الحياة الكنسيّة بكوننا، دائمًا، بروح الرّبّ القدّوس، على علاقة مستديمة بالرّبّ يسوع، وبالآب السّماويّ، أيضًا، أي بالثّالوث القدّوس. الموضوع، إذًا، ليس، أبدًا، موضوعَ تعاليم، أو عقائد، أو قوانين، أو ما شابه ذلك، مع أنّ هذه موجودة. لكن، هذه كلّها ليست سوى خارطة تشير إلى طبيعة العلاقات الحيّة، في كنيسة المسيح، بين المؤمنين والثّالوث القدّوس. الموضوع يكمن في هذه العلاقة الحيّة الدّائمة بيننا وبين الله. الكنيسة هي المكان غير المحسوس الّذي نكون فيه في علاقة دائمة مع الثّالوث القدّوس. وما دامت هناك علاقة، فلا بدّ من أن تكون هناك لغة مشتركة. الرّبّ يسوع كلّمنا بلغتنا. ونحن علينا أن نتكلّم بلغة الله. لا يكفي، أبدًا، أن يتكلّم يسوع بلغتنا. هذا مهمّ، طبعًا. نحن لا يمكننا أن نفهم، إن لم يكلّمنا يسوع بلغتنا. لكن، في آن معًا، نحن مدعوّون إلى أن نكلّم الثّالوث القدّوس بلغته هو! الثّالوث القدّوس عنده لغة. وهذه اللّغة علينا أن نتعلّمها، في كلّ حين. ما هي هذه اللّغة؟! هي لغة الصّلاة والعبادة. لهذا السّبب، سأل التّلاميذُ الرّبَّ يسوع قائلين له: “علِّمنا أن نصلّي“! علِّمنا“! هو علّمهم كيف يصلّون، أي علّمهم كيف يكونون في صلة مع الله، كيف يكونون في علاقة مع الله. الصّلاة لها علاقة بالصّلة. من دون صلاة، لا علاقة بيننا وبين الله. مَن لا يصلّي، فلا يمكنه أن يكون في علاقة مع الله. لهذا السّبب، صلّوا في كلّ حين، صلّوا ولا تملّوا” (لو18: 1)؛ أي ما دمنا في كنيسة المسيح، فعلينا، بصورة مستديمة، أن نكون في حال العبادة. هو يعلّمنا؛ المزامير تعلّمنا! كتاب المزامير هو كتاب الصّلاة بامتياز. الصّلوات الّتي نتعاطاها، في كنيسة المسيح، من أين أتتنا؟! أتظنّون أنّها أتتنا من الشـّعراء؟! أتظنّون أنّها أتتنا من أصحاب المواهب البشريّة؟! الصّلوات، عندنا، في الكنيسة، وضعها القدّيسون، وقد وضعوها بوحي من روح الرّبّ، أي إنّ روح الرّبّ هو الّذي علمّ ويعلّم النّاس، في كلّ حين، كيف يصلّون. وما يُقال عن الصّلاة يُقال عن الأيقونات، مثلاً. الأيقونات، عندنا، عمل إلهيّ بشريّ. اليوم، بكلّ أسف، نعتبر أنّ أيّ رسّام بإمكانه أن يقوم برسم أيقونة، وكأنّ الموضوعَ موضوعُ فنٍّ كنسيّ، وهو ليس كذلك، أبدًا. موضوع الأيقونة هو موضوع التّجلّي الإلهيّ في المنظورات. وما دام موضوعَ تجلٍّ إلهيّ في المنظورات، فالله هو الّذي يُظهر ذاته. لهذا السّبب، يُفترَض برسّامي الأيقونات أن يكونوا قدّيسين، أيضًا. وهكذا دواليك. نحن لا يمكننا، أبدًا، أن نقبل بهذا المنحى الدّهريّ في تعاطي الكنسيّات. “القدسات للقدّيسين“! كلّ ما له علاقة بالقدسات يتعاطاه القدّيسون، الّذين يعمل فيهم روح الرّبّ القدّوس. إذًا، عملُنا، في كلّ حين، في كنيسة المسيح، هو عمل عبادة. حين نرسم الأيقونة، نصلّي، نعترف بخطاياناطبعًا، يُفترَض برسّام الأيقونات أن يكون، قليلاً أو كثيرًا، صاحب موهبة بشريّة. ونحن قلنا، في كلّ حال، إنّنا، في كنيسة المسيح، بإزاء حقيقة بشريّة إلهيّة، لا فقط إلهيّة. إذًا، هناك شيء بشريّ، لا شكّ في ذلك. لكن، نحن لا نقف عند حدود البشرة، أبدًا. أندريه روبلوف، مثلاً، هو الرّسّام عندنا، أو هو نموذج الرّسّام عندنا؛ لأنّه سلك في القداسة، وفتح داخلَه على نور الرّبّ، والرّبُّ تجلّى له، وبتجلّي الله عبّر بهذه الطّريقة البشريّة الّتي عبّر بها. ولا شكّ في أنّه كان يتحلّى بمواهب خاصّة بشريّة؛ لكنّ الموهبة الأهمّ الّتي كانت له هي الموهبة الّتي أُعطيت له من فوق. في كنيسة المسيح، لا قيمة لشيء، أبدًا، إلاّ إذا كان من روح الله! كلّ ما تحت الشـّمس باطل! ما يجعلنا في الحقّ هو روح الحقّ. لهذا، الإيمان عندنا، يا إخوة، مرتبط بالعبادة، والعبادة مرتبطة عندنا بالإيمان. لا يمكننا أن نكون مؤمنين، إن لم نسلك في العبادة، بصورة متواترة؛ إن لم نلهج بالعبادة؛ إن لم نتنفّس عبادة. وفي آن معًا، لا يمكننا أن نعبد بالرّوح والحقّ، ما لم يكن إيماننا قويمًا، أي ما لم يكن يسوع فينا. الإيمان القويم، في الحقيقة، ليس، فقط، فكرةً تستقرّ في ذهن الإنسان وتكون فكرة صحيحة! الإيمان القويم، عندنا، هو أن نتحوّل إلى مسكن لروح الرّبّ. إذ ذاك، يكون إيماننا قويمًا.

إذًا، هناك علاقة محبّة بيننا وبين الله. الله مقيم فينا؛ الثّالوث مقيم فينا؛ ونحن مقيمون فيه؛ ونحن، دائمًا، نتكلّم لغة الله بالسّعي في العبادة الدّائمة؛ كما أنّ الله يكلّمنا، دائمًا، بلغتنا من خلال ما هو بشريّ، من خلال المحسوسات، من خلال الخليقة. هكذا، تتحقّق العلاقة، وتكتمل، بين الله وبيننا، في كنيسة المسيح. وهكذا نحيا في كنيسة المسيح. إذًا، الموضوع موضوع جديد كلّيًّا، علينا أن نعتاد عليه. لهذا السّبب، علينا أن نتمسّك، دائمًا، بما يُسمّى تراثًا في كنيسة المسيح، ما يُسمّى تقليدًا في كنيسة المسيح. التّقليد، في الحقيقة، هو أن نسلك في خطى الّذين سبقونا؛ وفي آن معًا، أن ننفتح على ما انفتحوا هم عليه، أي على روح الرّبّ، حتّى يكون التّقليد لا مجرّد أمور فاتت نستعيدها، بل يكون أمورًا حدثت في الأمس، ونحياها اليوم؛ لأنّ روح الرّبّ الّذي فعل في الأمس هو نفسه يفعل اليوم. وروح الرّبّ هو روح التّقليد، عندنا، وما يجعل التّقليد قيِّمًا، وقيِّمًا جدًّا وحيًّا. إذا فهمنا هذه الأمور، يا إخوة، يصير بإمكاننا أن نتعاطى الكنيسة، ونتعاطى الإلهيّات في كنيسة المسيح، بطريقة جديدة بالكامل، وإلاّ نجد أنفسنا نعتبر الكنيسة مجرّد منظّمة، أو عُصبة من هذا الدّهر، وهي ليست كذلك، أبدًا.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول متّى9: 18- 26 في السّبت 18 تمّوز 2009

دماء الشـّهداء بذار الكنيسة

دماء الشـّهداء بذار الكنيسة

اﻷرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، في أوقات السّلم، لو سأَلَنا إنسان ما إذا كنّا مسيحيّين أو لا؛ فسهل علينا أن نجيب بأنّنا مسيحيّون. لكن، ماذا إذا كنّا في زمن اضطهاد؟! ماذا إذا كانت هناك حرب طائفيّة بين مسيحيّين وغير مسيحيّين؟! فماذا نفعل، إذا سُئلنا ما إذا كنّا مسيحيّين أو لا؟!

في الحالة الأولى، الجواب سهل، ولا يُكلّف الإنسان شيئًا. أمّا في الحالة الثّانية، فالجواب قد يكون مُكلِّفًا جدًّا. في الأحداث الّتي اندلعت بين العام ألف وتسعمئة وستّة وسبعين والعام ألف وتسعمئة وتسعين، قضى كثيرون عند الحواجز الّتي كان يُقيمها هذا الفريق أو ذاك. في ذلك الحين، كان عملاً بطوليًّا وشهاديًّا أن يُعلن الإنسان أنّه مسيحيّ، وهو يعلم أنّه قد يُقتَل إذا فعل ذلك. وكثيرون، في الحقيقة، قُتلوا، في ذلك الحين؛ لأنّهم أعلنوا، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، أنّهم مسيحيّون. هؤلاء هم الشـّهداء المجهولون، في كلّ زمان، في الحقيقة. في بلدة بحمدون، مثلاً، قُتل أكثر من ثلاثمئة شخص لأنّهم كانوا مسيحيّين، وهم ما كانوا يحاربون، بل كان بينهم أطفال وشيوخ، وكانوا كلّهم عُزَّلاً. بعضهم ذُبح، وبعضهم قُتل رميًا بالرّصاص. طبعًا، في بلد كلبنان، يسعى الإنسان، دائمًا، لطمس ما للذّاكرة؛ لأنّه يشعر بأنّه في حال تهديد متواتر. مسيحيًّا، لا يليق بنا أن ننسى شهداءنا. الشـّهداء، عندنا، هم الّذين قُتلوا، ولم يَقتلوا أحدًا، وما كانوا في سعيلقتل أحد، بل حملوا اسم يسوع، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. هؤلاء الّذين قُتلوا كان بإمكانهم أن يشهروا إسلامهم، مثلاً؛ وما كانوا، بعد ذلك، ليُقتَلوا! لكنّهم لم يفعلوا ذلك. قُتلوا لأنّهم محسوبون على الرّبّ يسوع المسيح. لا يحتاج الإنسان إلى تحضير كبير ليكون شهيدًا للمسيح. أحيانًا، الشـّهداء يُعدّون أنفسهم بالصّوم والصّلاة، يُعدّون أنفسهم بالاعتراف بخطاياهم، بالمناولة المقدّسة. وأحيانًا، تأتيهم ساعة الشـّهادة وهم لا يعلمون. في لحظة واحدة، يكون على الإنسان إمّا أن يعترف بيسوع، وإمّا أن ينكره. ومَن اعترف به، أُحصي في عداد الشـّهداء؛ ومَن أنكره، خسر؛ لأنّ السّيّد قال: “مَن ينكرني قدّام النّاس، أنكره أنا قدّام أبي الّذي في السّموات” (متّى10: 33)! في بلد كلبنان، السّياسيّون والعسكريّون لهم شهداؤهم. ليس على هؤلاء نتكلّم، إنّما على الشـّهداء الّذين لا يؤذون أحدًا، ويؤذيهم الآخرون. في الزّمن الأوّل، أي في الحقبة التّاريخيّة الّتي امتدّت، بصورة خاصّة، حتّى العام 312 للميلاد، والّتي دشـّنها الشـّهيد الأوّل القدّيس استفانوس الشـّمّاس؛ وختمها، في ما يبدو، القدّيس بطرس الإسكندريّ لذلك، الكنيسة القبطيّة تجعل تقويمها بدءًا من شهادة القدّيس بطرس أسقف الإسكندريّة شهادة الدّم، عند المسيحيّين، كانت طريقة الحياة المألوفة واليوميّة. المسيحيّون كانوا يُضطهَدون لأنّهم كانوا يُعتبَرون خارجين على القانون الرّومانيّ، في ذلك الحين. أوّلاً، كانوا يرفضون أن يقولوا عن أغسطس قيصر إنّه السّيّد. وهم كانوا يفعلون ذلك، أي كانوا يمتنعون عن تسمية قيصر بالسّيّد، لأنّ معلّمهم سبق أن أوصاهم بأن لا تدْعوا لكم سيّدًا على الأرض، لأنّ سيّدكم واحد في السّماء” (متّى23: 8). اليوم، نتبادل تسمية سيّدفيما بيننا بمعنًى مختلف عن المعنى الّذي كان سائدًا، في ذلك الحين. اليوم، بصورة تلقائية، نقول لفلان: “يا سيّد، ونقصد بالتّعبير الاحترام والإكرام؛ وأحيانًا، التّعظيم. في ذلك الحين، لفظة سيّدكانت لها نكهة عباديّة، نكهة إلهيّة. لهذا، كان المسيحيّون يعتبرون أنّ سيّدهم هو الله. والرّومانيّون، الّذين لم يعرفوا المسيح، كانوا يُطلقون على قيصر تسمية السّيّدلا فقط من باب الإكرام، بل أيضًا من باب العبادة؛ لأنّ قيصر، في ذلك الحين، بدءًا من أغسطس قيصر، بصورة خاصّة، كان يُعبَد، ويُعتبَر ابن الآلهة، وكان مطلوبًا أن يقدّم النّاسُ البخور والذّبائح للآلهة، في ذلك الحين، وأيضًا لقيصر. المسيحيّون رفضوا ذلك.

والمسيحيّون كانوا يُضطهَدون، أيضًا، لأسباب أخرى. كانوا يُضطهَدون، مثلاً، لأنّهم، في الحقبة الأولى حتّى نهاية القرن الثّاني للميلاد، كانوا يمتنعون عن الانخراط في الجيش الرّومانيّ؛ أو، على الأقلّ، كانوا لا يميلون إلى ذلك، على الإطلاق. الجيش، بالنّسبة إليهم، في ذلك الحين، كان معناه الخضوع لقيصر، وعبادته، وتقديم الذّبائح للآلهة. وكثيرون، في الحقيقة، قُتلوا لأنّهم رفضوا، كعسكر، حتّى العام 312 للميلاد، أن يقدّموا فروض العبادة للآلهة ولقيصر. على الرّغم من عدم وجود إنسان واحد مسيحيّ ارتكب جنحةً، في ذلك الحين، وعلى الرّغم من أنّهم كانوا، أخلاقيًّا، في مستوىً راقٍ جدًّا؛ فإنّ السّلطات الرّومانيّة كانت تضطهدهم.

أيضًا، كان المسيحيّون يُضطهَدون بسبب أنّهم كانوا يَدعون إلى العفّة والعذريّة، إلى عدم الزّواج. في ذلك الحين، لم تكن هناك راهبات، كما عندنا اليوم. لكن، كانت هناك عذارى. وكان، طبعًا، هناك ميل، وميل ليس بقليل، إلى اقتبال العذريّة. هذا كان شأنًا مشرِّفًا جدًّا، بين المسيحيّين، في ذلك الوقت. السّلطات الرّومانيّة كانت تأخذ عليهم أنّهم يهدّدون الأمبراطوريّة الرّومانيّة، الّتي تريد أن يتزوّج النّاس، وأن ينجبوا؛ لأنّ هذا يخدم المجتمع. هذا لم يكن موقفَ المسيحيّين. المسيحيّون، بصورة خاصّة في تلك الحقبة، كانوا يحيَون وكأنّ مرورهم بهذه الدّنيا عابر. قرأوا ما قاله الرّسول المصطفى بولس: “ليست لنا ههنا مدينة باقية، بل نطلب الآتية(عب13: 14)؛ وقرأوا أيضًا: “إن عشنا، فللرّبّ نعيش؛ وإن متنا، فللرّبّ نموت؛ فإن عشنا وإن متنا، فللرّبّ نحن” (رو14: 8)؛ وقرأوا أيضًا: “اطلبوا، أوّلاً، ملكوت السّموات وبرّه، وكلّ ما عدا ذلك يُزاد لكم” (متّى6: 33). إذًا، ذهنهم كان في الملكوت، لا بمعنى أنّهم كانوا ينتظرون الملكوت كما لو لم يأتِ، بل كانوا يحيَون في الملكوت، منذ الآن! إذًا، كانوا يسلكون في الحياة الأبديّة، منذ الآن. لهذا السّبب، الموت، بالنّسبة إليهم، في هذا السّياق، كان سببًا للفرح، وليس سببًا للحزن. الكنيسة كانت تربّي أبناءها وبناتها على الفرح بالشـّهادة. هذا كان المناخ الّذي عاش فيه المسيحيّون، والّذي بسببه اضطُهدوا.

إذًا، الاعتراف بالرّبّ يسوع المسيح لا فقط كان مُكلِّفًا، ومكلِّفًا جدًّا؛ إنّما، أيضًا، كان يتمّ في إطار سعي المسيحيّين لأن يُفرغوا أنفسهم بالكامل من كلّ رغبة شخصيّة، ومن كلّ تعلّق بهذا الدّهر؛ لكي يلتصقوا، بصورة كاملة وكلّيّة، بالرّبّ يسوع المسيح. ولأنّ قـِبلة أنظارهم كانت ملكوت السّموات، كانوا يطلبون الحياة الأبديّة، ولا يكتفون بالحياة الوقتيّة على الأرض. لذلك، عالمهم الدّاخليّ كان عالمًا مختلفًا عن العالم الّذي كان يحيا فيه غير المؤمنين، في زمن الرّومان. الحقيقة أنّ المسيحيّين كانوا يسعون، دائمًا، لكي يكونوا أنقياء، من جهة النّاس! لا يؤذون أحدًا، على الإطلاق! مثلاً، القدّيس كـِبْريانوس القرطاجيّ، الّذي استُشهد حوالَي العام 256 للميلاد، حاكموه بسبب تمسّكه بالرّبّ يسوع المسيح، ولفظوا في حقّه حكم الموت. فلمّا جيء بالجلاّد لكي يقطع رأسه، اهتمّ القدّيس كبريانوس بإعطاء الجلاّد أجرته كاملةً، خمسةً وعشرين دينارًا، وكان مسامحَه بالكامل! وبعد ذلك، مدّ رأسه، فقُطع! هكذا كان المسيحيّون يسلكون. لسان حالهم كان كما قال معلّمهم للآب السّماويّ: “اغفر لهم، يا أبتاه، لأنّهم لا يدرون ماذا يعملون” (لو23: 34)! ما كانوا يحملون ضغينة ضدّ أحد، لأنّ روح الرّبّ الّذي فيهم كان روح محبّة. إذًا، كان المسيحيّون يُقتَلون، ولا يدافعون عن أنفسهم. كان يُفترَض، عدديًّا، إحصائيًّا، بشريًّا، أن ينقرضوا! لكنّهم كانوا في ازدياد هائل. لذلك، سرى القول، في ذلك الحين: “دماء الشـّهداء بذار الكنيسة“. النّعمة الإلهيّة كانت تدفق دفقًا مع دفق دم الشـّهداء، وكانت تحرّك قلوب النّاس بشكل مدهش.

هكذا، بطريقة لا يألفها البشر، غزا المسيحُ العالمَ، الّذي ربحه بالوداعة، والحبّ، والبذل. وجاء قسطنطين الملك، وصار العالمُ القديمُ مسيحيًّا. وشيئًا فشيئًا، مع بداية القرن السّادس للميلاد، لم يبقَ هناك وثنيّون. أقول هذا لأؤكّد ما ورد في إنجيلنا، وعلى لسان آبائنا ومعلّمينا، أنّ المسيحيّة تستمرّ بهذه الرّوح. حين تخفت هذه الرّوح، فإنّ المسيحيّين يقعون في أزمة. هذا هو السّبب لكوننا خسرنا القسطنطينيّة، مثلاً؛ لأنّ المسيحيّين المتأخـّرين كفّوا عن السّلوك كما سلك المسيحيّون الأوائل. المفترَض أن يعود المسيحيّون إلى محبّتهم الأولى. واليوم، في العالم كلّه، لو سألـْنا: “لماذا تراجعت المسيحيّة في الكثير من البلدان، كما في أوروبّا، مثلاً؟، لَقلنا: لأنّ المسيحيّين، في الكثير من الأحيان، نسوا محبّتهم الأولى؛ وصاروا، نظيرَ غيرهم من النّاس، يفكّرون بالطّريقة نفسها الّتي يفكّر بها النّاس، في هذا الدّهر؛ ويحيون بالطّريقة نفسها الّتي يحيا بها النّاس، في هذا الدّهر. المسيحيّون يعانون خطرًا كبيرًا، اليوم، وهو أنّهم يَتَدَهْرَنون، أي يصيرون من أبناء هذا الدّهر. إذا لم نعد إلى محبّتنا الأولى، وإذا لم نعد إلى التصاقـِنا بالمسيح، واعترافـِنا به بالرّوح والحقّ، في كلّ يوم، وإذا كنّا لنحوّل الكنيسة إلى ساحة لدهريّات الإنسان؛ فإنّنا، لا شكّ، سوف نتراجع بصورة متنامية. أقول هذا، وأدعو نفسي وإيّاكم إلى العودة إلى الذّات من أجل استعادة الأمانة، حتّى يكون لنا أن نساهم في استرداد الملكوت بذواتنا، وبالشـّهادة للآخرين.

آمين.

عظة حول متّى10: 32- 36؛ 11: 1، السّبت 4 أيلول 2010

الحبّ والحرّيّة

الحبّ والحرّيّة*

اﻷرشمندريت توما بيطار

الرّبّ يسوع يوصي تلاميذه، ولا يأمرهم. بين الوصيّة والأمر فرق شاسع. في الوصيّة هناك عشراء، هناك صداقة، هناك مودّة، هناك محبّة، هناك قربى. الأب، عادة، يوصي أولاده. الرّجل الشـّيخ يوصي الفتية، الرّجل الحكيم يوصي مَن هم أقلّ حكمةً منهأمّا الأمر، فيصدر عن صاحب سلطان. والرّبّ يسوع، على الرّغم من أنّه صاحب سلطان، لا يأمر، ولا يشاء أن يأمر؛ لأنّه جاء لا ليُخدَم، بل ليَخدِم (مر10: 45). لم يأتِ كرئيس، بل جاء كخادم للجميع. وهو لا يشاء أن يعطي الانطباع أنّه كالرّؤساء، في هذا الدّهر، الّذين يأمرون، وكلمتهم تكون قاطعة من جهة النّاس. الرّبّ يسوع ينعطف على تلاميذه؛ ومن ثمّ، ينعطف علينا، ليوصينا بالوصيّة الوحيدة، وصيّة المحبّة: “أوصيكم أن يحبّ بعضكم بعضًا“. الحقيقة أنّ محبّة الله لنا ومحبّتنا لله تظهران من خلال محبّتنا بعضنا لبعضنا الآخر. مَن لا يحبّ أخاه، فلا يكون محبًّا لله، ولا يعكس محبّة الله له. وهذه المحبّة علينا أن نتعاطاها في العالم الّذي لا يحبّ، ولا يعرف أن يحبّ. على العكس، في العالم، هناك مصالح، وليست هناك محبّة. لذلك، الّذين لا يسلكون وفق منطق العالم، أي منطق المصلحة، والمداهنة، والرّياء، والكذبفإنّ العالم يُبغضهم. العالم لا يمكنه أن يستوعب محبّة الله، ولا أن يقبلها. محبّة الله تنكر العالم، لأنّ العالم الّذي تكلّم عليه الرّبّ يسوع، هنا، ليس العالم الّذي خلقه الله. العالم الّذي خلقه الله عالم مُبارَك. الخليقة تساوي العالم. لكن، هنا، العالم يساوي الخطيئة، الّتي أضحت متمثِّلة في المجتمع بشكل مؤسّسة، وأصبحت خطيئة منظَّمَة. لذلك، أركان العالم هي، بالضّبط، أركان الخطيئة، أوّلاً وأخيرًا. العالم يحبّ خاصّته الّذين، عمليًّا، يحبّون ذواتهم، ويحبّون الخطيئة. في عالم كهذا، لا مكان، في الحقيقة، للوصيّة الإلهيّة؛ ومن ثمّ، لا مكان للمحبّة الأصيلة.

أنتم لستم من العالم، أنا اخترتكم من العالم. لأجل هذا يبغضكم العالم“. نحن ننتمي إلى عالم آخر، وعلينا أن ندرك أنّنا لا ننتمي إلى هذا العالم. وإذا رأى النّاس، في هذا العالم، أنّنا مختلفون عنهم، فهذا لا يجوز أن يكون سببًا لكي نكون مثلهم، لكي نعمل أعمالهم، لكي نفكّر كما يفكّرون! نحن مختلفون عن العالم، لا بالضّرورة لأنّنا بشر قدّيسون، بل لأنّ علينا أن نكون قدّيسين. نحن ننتمي إلى الله، ننتمي إلى قداسة الله. لذلك، ننتمي إلى فكر آخر، ننتمي إلى طريقة أخرى، في الحياة. لهذا، نحن ننتمي إلى الملكوت على الأرض. طبعًا، هذا يستلزم أن يُحاذر كلٌّ منّا اقتبال فكر العالم، وطريقته، وخبراته. هذه علينا أن نجتنبها في كلّ الأحوال. لا يمكن الإنسان أن يكون محبًّا للعالم ومحبًّا لله، في آن. تعلمون القول الإلهيّ: “محبّة العالم عداوة لله” (يع4: 4)، ولا تحبّوا العالم ولا الأشياء الّتي في العالم، لأنّ محبّة العالم عداوة لله” (1يو2: 15). إذا أردنا أن نتبيّن هذا الاختلاف بيننا، نحن الّذين ينتمون إلى ملكوت الله، وبين العالم؛ فبإمكاننا أن نأخذ أمثلة عديدة. مثلاً، العالم يعتبر أنّ الكذب أمر مقبول، إذا كان ينفع مصلحة الإنسان والمجتمع. كذلك الأمر، الأمانة، في العالم، ليست مطلوبة. المطلوب هو أن يسعى كلّ إنسان لمصلحته ومصلحة جماعته، وحتّى لمصلحة وطنه. هذه ليست أمانة، أبدًا! الأمانة أن يكون الإنسان أمينًا للقيم، للمبادئ، للوصيّة الإلهيّة الّتي أسلمنا إيّاها الرّبّ يسوع. في العالم، مثلاً، الزّنى أمر عاديّ جدًّا! لا بل هو شيء مرغوب فيه، ويُعتبَر مرتبطًا بالطّبيعة! هذا ليس، أبدًا، ما نفكّر فيه، أو ما نقبلهبإمكان الإنسان أن يسترسل في الحديث عن أركان العالم الّتي تختلف، تمامًا، عن أركان ملكوت السّموات، وعن أركان الكنيسة. لهذا السّبب، لا يمكننا، أبدًا، أن نجعل حياتنا من طينة هذا العالم. نحن من طينة مختلفة! نحن نقرأ في غير كتاب! نحن نقرأ في كتاب الله، وننتمي إلى جسد المسيح! هذا علينا أن نحافظ عليه، دائمًا، في هذا العالم! ليس المطلوب أن نخرج من هذا العالم، إنّما أن نحافظ على أنفسنا، بنعمة الله، في هذا العالم. نحن في هذا العالم، لكنّنا لسنا من هذا العالم. طبعًا، هذا ليس بالأمر السّهل، أبدًا؛ لأنّ الإنسان لا بدّ له من أن يشعر، إذا ما سلك في هذا المسار، بأنّه غريب! ولا بدّ للآخرين، أيضًا، من أن ينزعجوا منه، لأنّه مختلف عنهم. لكن، هذا، بالضّبط، هو الواقع المستمَدّ من الوصيّة الّتي أسلمنا إيّاها الرّبّ يسوع؛ ونحن، بكلّ بساطة، أبناء الملكوت على الأرض! نحن ننتمي إلى مملكة أخرى، وإلى ذهنيّة أخرى، وإلى مفاهيم أخرى. كلّ هذا يجب أن يجعلنا، لا أمناء فقط لله؛ إنّما، أيضًا، نسلك بفرح وسرور في ما أوصانا به الرّبّ الإله؛ إذ ذاك، نحقّق هويّتنا. نحن لنا هويّة مختلفة! الرّبّ يسوع، هنا، يقول إنّه قد أعطانا نفسه مثلاً. هو في العالم قد اضطُهد. فإذا كنّا نحن له، فعلينا أن نتوقّع أن نُضطَهَد نحن أيضًا: “إن كانوا قد اضطهدوني، فسيضطهدونكم أنتم أيضًا، وإن كانوا قد حفظوا كلامي، فسيحفظون كلامكم أيضًا“.

طبعًا، هناك أناس، في هذا العالم، يحافظون على الأمانة لله. ليس كلّ النّاس، في نهاية المطاف، يتعاطَون بعداوة مع الله. هناك، أيضًا، أناس لم يحنوا ركبة لبعل” (رو11: 4)، الله عارف بهم، وهؤلاء سيسمعون الكلمة ويحفظونها. يسوع جاء وكلّم العالم بالحقّ. وكلّ الّذين كانت فيهم نفحة الحقّ، هؤلاء سمعوا وحفظوا. أمّا الّذين لم يشاؤوا أن يسمعوا، فالكلام الّذي كلّمهم به الرّبّ يسوع يكون دينونة لهم، يكون خطيئة لهم: “لو لم آتِ وأكلّمهم لم تكن لهم خطيئة“! كلمة الرّبّ يسوع إمّا تبرّرنا، أو تجعلنا خطأة. لهذا، علينا أن نتعاطى مع الكلمة الإلهيّة بالكثير من الجدّيّة والرّصانة، لأنّها هي الّتي تبرّرنا، وهي الّتي تديننا. ثمّ إنّ مَن يُبغض التّلاميذ يُبغض الرّبّ يسوع؛ ويبغض، أيضًا، الآب السّماويّ. الرّبّ يسوع عمل كلّ ما يمكن أن يُعمل لكي يُخرج النّاس من الخطيئة الّتي يتمرّغون فيها، في العالم. هو شفى المرضى، وطهّر البرص، وأقام الموتى، وطرد الشـّياطين، وعلّم الوصيّة: “لو لم أكن قد عملتُ بينهم أعمالاً لم يعملها آخر، لم تكن لهم خطيئة“! الرّبّ يسوع عمل ويعمل، في الحقيقة، كلّ ما نحن في حاجة إليه للخلاص. لكن، إذا كان الإنسان لا يشاء أن يسمع، ولا يشاء أن يقبل، ويعاند، ويتمسّك برأيه وأهوائه؛ فإنّه، إذ ذاك، يجعل خطيئةً على رأسه. الحقيقة أنّ الإنسان الّذي يحبّ نفسه يُبغض الرّبّ يسوع المسيح بلا سبب، ولا يحتاج إلى سبب، أبدًا، لكي يدخل في عداوة مع الله. السّبب هو أنّ قلبه ليس نقيًّا، هو أنّه لا يشاء أن يسمع الكلمة، لا يشاء أن يقبلها لأنّها تزعجه، لأنّها تناقض أهواءه، تناقض رغباتهمشكلة الإنسان الأساسيّة أنّه يريد أن يعيش على هواه! كثيرون، في الحقيقة، يفضّلون التّفلّت، لأنّه يجعلهم يشعرون بأنّهم أحرار. طبعًا، وصيّة المسيح تقيّد الإنسان، لكنّها تقيّده إلى الحرّيّة، لا إلى العبوديّة، أبدًا. إنسان الخطيئة يتصوّر أنّ الحرّيّة معناها أن يفعل الإنسان ما يشاء. طبعًا، هذا يجعل الإنسان يسقط في الخطيئة. ومَن يسقط في الخطيئة، يفقد حرّيّته، ويصير عبدًا لها. أمّا الرّبّ يسوع، فإذ يعطينا وصيّته، يعطينا، في الحقيقة، فرصة للحرّيّة الحقّ، الّتي هي أن يعرف الإنسان أن يقيّد نفسه بوصيّة الله، لأنّها تفتح له أبواب الحرّيّة الحقّ المرتبطة بالحبّ، وإن كانت، في الظّاهر، تقيّد الإنسان. الإنسان الّذي لا يقتبل وصيّة الحبّ لا يمكنه أن يكون حرًّا، بل يكون عبدًا لنفسه وللخطيئة. لذلك، بوصيّة الحبّ وحدها يصير الإنسان حرًّا بمعنى الكلمة.

إذًا، الحرّيّة، تحديدًا، هي أن يكون الإنسان حرًّا من هواه، حرًّا من عبادته لنفسه، حرًّا من مشيئته الخاصّة. إذ ذاك، يكون الإنسان حرًّا. أمّا الحرّيّة المطلقة، أي أن يصنع الإنسان ما شاء ومتى شاء، فهذه ليست حرّيّة، هذه خدعة من خـِدع الشـّيطان الّذي يوهمنا بأنّنا، إذا فعلنا ما نشاء، إذا فعلنا ما نرغب فيه، نصير أحرارًا. هذا كذب! بالنّسبة إلى الله، إذا أردتَ أن تصير حرًّا، فعليك أن تحبّ، عليك أن تتعلّم كيف تخرج من نفسك، كيف تخرج من أهوائك. إذ ذاك، متى فعلتَ ذلك، تصير حرًّا بمعنى الكلمة. إذًا، الإنسان الّذي يحبّ العالم، أي الّذي يحبّ نفسه وإرادته وأهواءه، هذا يُبغض الرّبّ يسوع المسيح بلا سبب! الرّبّ الإله يعطيه كلّ الأسباب حتّى يتحرّر، حتّى يتنقّى، حتّى يتقدّس، حتّى يحبّ، لكنّه (أي الإنسان) لا يشاء لأنّه يفضّل أهواءه على كلّ شيء آخر. والرّبّ يسوع يعطينا المعزّي لكي يشهد لِما قاله إلى الأبد. إذًا، نحن، كلّ يوم، نتلقّى شهادة الرّوح القدس عن الآب السّماويّ، وعن الرّبّ يسوع الّذي أعطانا وصيّة المحبّة. المطلوب أن نكون متعاونين مع الرّوح القدس، وأن نشهد معه، لأنّ المفترَض بنا أن نكون قد تمرّسنا بالحرّيّة الحقّ والمحبّة الحقّ: “أنتم أيضًا تشهدون لأنّكم معي منذ الابتداء. قد كلّمتكم بهذا لكي لا تشكّوا، إذ تكون هناك، دائمًا، أسباب للشـّكّ بالرّبّ يسوع. لكنّ الرّبّ يسوع أعطانا، أوّلاً، الوصيّة، ثمّ أعطانا القيامة ختمًا للحقيقة، لكي لا نشكّ فيما بعد. إنّما علينا أن نكون واقعيّين، وأن نفهم أنّ العالم سوف يُخرجنا من المجامع، أي إنّه لن يقبلنا في وسطه، بل سيضايقنا، سيزعجنا، سيتسبّب لنا بآلام كثيرة، وسوف تأتي ساعة يظنّ فيها كلّ مَن يقتلكم أنّه يقدّم عبادة لله“!

إذًا، نحن قطيع مُباع، عمليًّا، للموت من أجل الحقّ، للموت من أجل الوصيّة، للموت من أجل الله! العالم لا يمكنه إلاّ أن يضطهدنا، لأنّه حامل الخطيئة، والخطيئة حاملة لروح الشـّيطان، والشـّيطان يحاول، بكلّ الطّرق، من خلال عملائه، من خلال نَفَسه، من خلال تعليمه، أن يُفسد علينا الوصيّة الّتي أسلمنا إيّاها الرّبّ يسوع. لكن، علينا أن نتوقّع الأسوأ، إذا ما سلكنا بأمانة من جهة الله. “سوف تأتي ساعة يظنّ فيها كلّ مَن يقتلكم أنّه يقدّم عبادة لله“! هذا منتهى العمى! حين يصل الإنسان إلى حدّ يضطهد فيه مَن هم لله باسم الله، فإنّ الحسّ فيه، إذ ذاك، يكون قد مات، ويصير لا يرى أبدًا، ولا يميّز أبدًا بين ما هو للحقّ وما هو للباطل. كلّ هذا لا بدّ من أن يأتي علينا. لكن، مَن يصبر إلى المنتهى، فهذا يخلص” (متّى10: 22). علينا أن نتمسّك بالأمانة، في كلّ حين؛ والرّبّ الإله يعطينا، في نهاية المطاف، أن ننتصر: “كلّ الأمم أحاطوا بي، وباسم الرّبّ قهرتهم” (مز117: 10).

آمين.

* عظة حول يو15: 17- 27، 16: 1- 2، في السّبت 24 نيسان 2010

الرّاعي الصّالح باب الحظيرة!

الرّاعي الصّالح باب الحظيرة!

اﻷرشمندريت توما بيطار

قال الرّبّ للّذين أتوا إليه من اليهود…”. الرّبّ يسوع لا يكلّم الّذين لا يأتون إليه. على الإنسان أن يبادر إلى المجيء إلى يسوع. الكلمة أساسها حرّيّة الإنسان، إذا ما كُرز بها. الرّبّ الإله يوقّر حرّيّة النّاس. لكنّ الّذين يأتون إليه يعطيهم كلمة الحياة. “الحقّ الحقّ أقول لكم…”. هذا التّأكيد للحقّ يأتي من الدّاخل. الرّبّ الإله، حين يعطي النّاس كلمة الحقّ، يعطيهم الفرصة أن يسمعوا، إن أرادوا؛ ويعطيهم نعمة خاصّة حتّى يقتبلوها. لكن، عليهم، أوّلاً وأخيرًا، أن يفتحوا قلوبهم؛ لأنّ كلمة الحقّ تلتمس قلوب النّاس، ولا تلتمس خداعهم، أو إقناعهم. الرّبّ يسوع لا يخدع أحدًا، ولا يفرض نفسه على أحد، ولا حتّى يشاء أن يقنع أحدًا من النّاس. الإقناع موجَّه إلى العقل، والرّبّ يسوع يخاطب القلب. لذلك، إن كان الإنسان محِبًّا للحقّ؛ إن كان الإنسان، في قرارة نفسه، ملتمِسًا للحقّ؛ فإنّ الرّبّ الإله يعطيه نعمة في القلب، لكي يقتبل، ولكي يقتنع؛ إنّما في مستوى القلب، لا في مستوى العقل.

الحقّ الحقّ أقول لكم إنّ مَن لا يدخل من الباب إلى حظيرة الخراف، بل يتسوَّر من موضع آخر؛ فهو سارق ولصّ“. طبعًا، اللّغة، هنا، لغة رمزيّة؛ لذا، علينا أن نوضـِح المعاني، الّتي يشاء الرّبّ الإله أن يمرّرها لنا.

أوّلاً، الرّبّ يقول: “مَن لا يدخل إلى حظيرة الخراف“. الحظيرة هي كنيسة المسيح. وهذه الحظيرة ليس فيها ماعز، ولا ذئاب، بل فيها خراف. إذًا، قطيع الرّبّ يسوع هو قطيع خراف. طبعًا، الإنسان يصير خروفًا، ولا يولَد خروفًا. الكلام، هنا، هو على الخراف العقليّة. الإنسان بإمكانه أن يصير ذئبًا؛ وبإمكانه، أيضًا، أن يصير خروفًا. لماذا حظيرة الرّبّ يسوع فيها خراف، وليس فيها نوع آخر من الحيوانات؟! أوّلاً، لأنّ يسوع نفسه خروف، هو حمل الله. إذًا، الرّبّ يسوع الحمل يرعى الحملان. هو لا يرعى الحملان ليذبحها، بل لأنّ كنيسة المسيح ليس فيها سوى خرفان. والرّبّ يسوع الحمل يبذل نفسه عن الخراف. هو الرّاعي وهو الحمل، في آن معًا . وهذا الّذي دخل، بدم نفسه، مرّةً، إلى قدس الأقداس، فوجد فداءً أبديًّا لكلّ البشريّة، هذا هو الرّاعي الصّالح. الرّاعي الصّالح هو مَن يبذل نفسه عن الخراف. وطبعًا، الرّبّ يسوع يرعى خرافه بمعنى أنّه يدرّبها على أن تدخل إلى قدس الأقداس، إلى الآب السّماويّ، إلى قلب الله بدم نفسها. خراف المسيح تتمسّك بكونها خرافًا، ولا يفرض أحد عليها أن تكون كذلك. لذا، لا يأخذ أحد خراف المسيح عنوةً. هي تقدّم نفسها. ولو لم تشأ أن تقدّم نفسها، لَكان بإمكانها أن تكون ذئابًا! لَكان بإمكانها أن تحفظ نفسها، في هذا العالم؛ لأنّ العالم يحبّ خاصّته! لكن، بالضّبط، لأنّها خراف المسيح، ولأنّها تتمسّك بكونها خرافًا للمسيح إلى المنتهى؛ فلا يمكن إلاّ أن تكون معرَّضَةً للذّبح، نظير راعيها، نظير معلّمها، نظير مثالها! “إن كانوا قد اضطهدوني، فسيضطهدونكم أنتم أيضًا” (يو15: 20). لكن، على الخراف أن تحافظ على الأمانة، أن تبقى خرافًا إلى المنتهى. وهذا، طبعًا، ليس بالأمر السّهل، لأنّ عالمنا عالم ذئاب بامتياز؛ وأيسر على الإنسان، بشريًّا، أن يكون ذئبًا من أن يكون خروفًا. لهذا، الشـّهادة لله، الشـّهادة لراعي الخراف، الشـّهادة للحظيرة، الشـّهادة للآب السّماويّ، هي أن يتمسّك الخراف بسيرة الخراف إلى المنتهى. هذه هي الشـّهادة المطلوبة من كلّ واحد منّا. وكما قلت، حظيرة المسيح فيها خرفان؛ فساعة يتحوّل الإنسان إلى غير الخروف؛ فإنّه، بصورة تلقائيّة، يجعل نفسه خارجًا! فلا يكون انتماؤه، بعدُ، إلى الحظيرة، ولا إلى كنيسة المسيح!

ثانيًا، يتكلّم الرّبّ يسوع على الباب: “مَن لا يدخل من الباب“. أوّلاً، موضوع الدّخول معناه أنّ الإنسان هو في الخارج. خارج ماذا؟! الإنسان هو خارج الكنيسة، خارج النّعمة الإلهيّة، خارج الرّضى الإلهيّ، خارج العشرة الإلهيّة. هو في الخارج! هو في الظّلمة! إذا كان يريد أن يدخل في النّور، فعليه أن يدخل من الباب. والرّبّ يسوع يتحدّث عن باب واحد، ولا يتحدّث عن أبواب، بل عن بابمع ألالتّعريف! للحظيرة باب واحد! مَن هو هذا الباب؟! أو ما هو هذا الباب؟! النّصّ نفسه، بعد قليل، يقول، حين كشف الرّبّ يسوع عن معنى ما كان يقوله لتلاميذه: “أنا هو باب الخراف“! إذًا، هو راعي الخراف، وهو باب الخراف! وهو، أيضًا، كما قلنا، الخروف بامتياز! وكلّ الخراف الأخرى تتبعه، أي تكون على مثاله بالإيمان به، وبقوّة روح الرّبّ القدّوس الّّذي يقيم فيها؛ فيجعلها واحدًا فيما بينها؛ ويجعلها، أيضًا، واحدًا مع حمل الله. إذًا، هذا هو الباب. مَن أراد أن يدخل إلى الحقّ، فعليه أن يدخل من هذا الباب؛ مَن أراد أن يدخل في النّور، فعليه أن يدخل من هذا الباب. خارج هذا الباب، لا يمكن الإنسان، مهما فعل، أن يدخل إلى حضرة الله.

مَن لا يدخل من الباببل يتسوّر من موضع آخر، فهو سارق ولصّ“. قد يبدو لنا، لأوّل وهلة، أنّ الرّبّ يسوع، إذ يتحدّث عن الّذين يتسوّرون من موضع آخر، إنّما يتحدّث عمّن يريدون أن يدخلوا إلى الحظيرة. لكن، أيضًا، بعد قليل، إذ يقول الرّبّ يسوع إنّ جميع الّذين أتوا قبله هم سرّاق ولصوص، نفهم أنّ الّذين يتسوّرون من موضع آخر ليدخلوا إلى الحظيرة هم مسحاء كذبة، هم رعاة غير صالحين؛ وهم إنّما يريدون أن يتسوّروا من موضع آخر ليدخلوا إلى حظيرة الخراف بقصد الفتك بكنيسة المسيح، بقصد الفتك بالحظيرة، بقصد الفتك بخراف الحظيرة. يريدون أن يدخلوا ليأكلوا لحم الخراف، ليذبحوها، ليُهلكوها! السّرّاق واللّصوص، إذًا، هم الأبالسة وعملاؤهم، أو أبناؤهم. وبما أنّهم يدّعون أنّهم مسحاء، فهذا معناه أنّهم يتظاهرون بأنّهم مسحاء. في الظّاهر، يتلبّسون بلباس الحملان؛ لكنّهم ذئاب خاطفة. هؤلاء لا يُعرَفون بحسب الظّاهر. بحسب الظّاهر، نرى أمامنا حملانًا، خرافًا. إبليس، بعدما سقط، تحوّل إلى كائن ممثِّل. همّه الأساسيّ أن يتظاهر بأنّه ملاك من نور. لهذا السّبب، قيل عنه إنّه الكذّاب وأبو الكذّاب. هو الخدّاع، هو المرائي الأوّل. ونحن، هنا، قرأنا هذا المقطع من إنجيل يوحنّا، الّذي، في رسالته الأولى، يتكلّم على أضداد المسيح. إذًا، هؤلاء هم أضداد المسيح، الّذين يدّعون أنّهم المسيح، وأنّهم يقولون الحقّ، وأنّهم نور من عند الله، وأنّهم يريدون الخلاص للبشريّة. هؤلاء هم سرّاق ولصوص. هنا، علينا أن ندرك أنّ كلّ ما يُقال عن أنّ هناك ديانات في العالم، وأنّ كلّ هذه الدّيانات تُفضي إلى مخرج واحد، وإلى نتيجة واحدة، وهي تقول الشـّيء نفسه إنّما بلغات مختلفة، وبطرق مختلفة، وبمفاهيم مختلفةكلّ هذا القول هو بدعة من الشـّيطان؛ والقصد منه أن نسمح للسّرّاق واللّصوص، الّذين يحملون مثل هذه الأفكار وهذه الاتّجاهات وينشرونها، بالدّخول إلى كنيسة المسيح، إلى الحظيرة. لكن، متى سمحنا لهم بالدّخول إلى الحظيرة، فماذا سيحدث؟! سيفتكون بخراف المسيح! لهذا السّبب، الرّبّ يسوع ينبّه. نحن لا يمكننا أن نتحدّث عن ديانات، في هذا العالم. بالنّسبة إلينا، هناك باب واحد، وهناك راعٍ واحد، وليس أحد يأتي إلى الآب إلاّ بهذا الحمل، بهذا الرّاعي، من خلال هذا الباب! لذلك، لا علاقة لنا بما يُسمّى الدّيانات الأخرى؛ ولا يهمّنا أن ندخل في حوارات مع دعاتها؛ لأنّ الحوار لا يمكن، إذا دفعناه إلى غايته القصوى، إلاّ أن يؤدّي إلى مساومة؛ والمساومة معناها أن نعترف، بشكل من الأشكال، بالدّيانات الأخرى؛ ومن ثمّ، أن نعترف بأضداد المسيح أنّهم مسحاء أيضًا، وهم أضداد المسيح! في نهاية المطاف، كلّ مَن يدّعي أنّه من الله، أي من روح الله، لا يمكن إلاّ أن يأتي، إذا كان صادقًا، إلى الاعتراف بالرّبّ يسوع المسيح أنّه هو الباب الأوحد إلى الآب السّماويّ. وإذا لم يعترف بأنّ هذا هو ابن الله، هذا هو المخلّص، هذا هو الباب؛ فإنّه يكون كاذبًا! إذًا، إذا افترضنا أنّ هذه الدّيانات هي من الله؛ فلا يمكنها إلاّ أن تصبّ في مصبّ حظيرة الخراف؛ فإذا لم تصبّ في حظيرة الخراف، بل ناهضت هذه الحظيرة، وعملت على إتلافها، وتمييعها، وعلى الفتك بخراف مسيح الرّبّ؛ فإنّها لا تكون من الله، بل تكون من عدوّ الله. هؤلاء هم السّرّاق واللّصوص، الّذين يدّعون الحقّ وهم في الباطل؛ الّذين يدّعون أنّهم في النّور وهم في الظّلمة.

وأمّا الّذي يدخل من الباب، فهو راعي الخراف“. الرّبّ يسوع هو الباب، وهو راعي الخراف، في آنٍ معًا، كما قلت. إذًا، هو الّذي أُعطي، من فوق، أن يكون المخلِّص الأوحد للبشريّة. والإثبات الّذي يقدّمه على أنّه هو الرّاعي الصّالح أنّه يبذل نفسه عن الخراف. “له يفتح البوّاب، والخراف تسمع صوته“. لراعي الخراف يفتح البوّاب. البوّاب هو، عمليًّا، الآب السّماويّ. والخراف تسمع صوته، لأنّها تعرفه. والحديث، طبعًا، ليس عن الصّوت الخارجيّ، الظّاهريّ، بل عن الصّوت الدّاخليّ. وفي الأساس، الخراف لا تصير خرافًا؛ أو، بالأحرى، البشر لا يصيرون خرافًا، إلاّ إذا سمعوا كلمة راعي الخراف في قلوبهم ونفوسهم، واقتبلوها. لهذا السّبب، الخراف، بالصّوت الدّاخلي، يعرفون أن يميّزوا بين ما هو لراعي الخراف وما ليس لراعي الخراف.

فيدعو [راعي الخراف] خرافه بأسمائها، ويخرجها“. للخراف أسماء! هو يعرف اسم كلّ خروف من خرافه. وأسماء الخرفان مدوّنة في قلبه، في كتاب الحياة. لكن، إلى أين يخرجها؟! يخرجها إلى عند الآب السّماويّ، إلى الملكوت، إلى الحياة الأبديّة. “ومتى أخرج خرافه، يمضي أمامها، والخراف تتبعه، لأنّها تعرف صوته“. الرّبّ يسوع يمضي أمامها. هو الّذي دخل إلى قدس الأقداس بدم نفسه. نحن كلّنا لنا دخول إلى ملكوت السّموات براعي الخراف. من دونه لا إمكانيّة لدخول أحد إلى الملكوت. “يمضي أمامها، والخراف تتبعه“! تفعل ما يفعله! تتحرّك في الاتّجاه الّذي يتحرّك هو فيه! يصعد الجبال، فتصعد هي وراءه! ينزل الوديان، فتنزل هي وراءه! وهو، في كلّ ذلك، يعطيها أن تعرف صوته. تتبعه لأنّه يكلّمها. لا يتركها، أبدًا. هو يسير أمامها، ويكلّمها، ويتطلّع إليها، ينظر إلى حيث هي، بوعي كامل.

وأمّا الغريب…”: الغريب هو السّارق واللّصّ؛ الغريب هو ضدّ المسيح؛ الغريب هو الشـّيطان. “أمّا الغريب، فلا تتبعه؛ لكنّها تهرب منه؛ لأنّ الصّوت الدّاخليّ، الّذي زُرع في الخراف بكلمة الله، يعطيها أن تميّز المسيح من ضدّ المسيح، والحقّ من الباطل، والنّور من الظّلمة. لهذا السّبب، الخراف لا تتبع الغريب، لكنّها تهرب منه. هذه هي الخراف الأصيلة. الخراف الأصيلة ليست تلك الّتي تظهر كخراف؛ بل الّتي هي، بالفعل، خراف؛ لأنّ الخراف لا تعرف صوت الغرباء، بمعنى أنّها لا تقبل كلمةً غير كلمة الرّاعي. هي لا تعرف صوت الغرباء، لا تتبنّاه، لا تقبله، لا تُدير أذنها الدّاخليّة إليه. لذلك، تعرف أن تميّز بسهولة، وبسرعة. الإنسان الّذي تختلط الأمور في قلبه؛ الّذي يقبل الله ويقبل الشـّيطان، في آن معًا؛ يقبل كلام الله ويقبل كلام الشـّيطان، في آن معًا؛ هذا لا يمكنه، أبدًا، أن يهرب من الشـّيطان؛ لا بل يقع فريسة له، في وقت من الأوقات. طبعًا، هذا الأمر مدعاة إلى الجهد الدّؤوب الّذي على الخروف، على الحمل، على كلّ واحد منّا أن يبذله، حتّى ينقّي نفسه من كلّ فكر غريب، من كلّ قول غريب، من كلّ ما هو للغريب، أي للشـّيطان.

هذا المثل قاله لهم يسوع. وأمّا هم، فلم يفهموا ما الّذي كان يكلّمهم به“. يستحيل على الإنسان أن يفهم لغة الله، ما لم يعطه الرّبّ الإله فهمًا! والرّبّ الإله لا يعطي فهمًا، إلاّ للّذين يريدون أن يفهموا، يطلبون أن يفهموا، يجاهدون لأن يفهموا! لا يكفي أن نعبّر عن رغبة في المعرفة؛ ثمّ ننسى، بعد ذلك، ما عبّرنا عنه. علينا أن نسلك في ما نرغب فيه من جهة الله، في كلّ حين، بأمانة كاملة! “فقال لهم يسوع، أيضًا: الحقّ الحقّ أقول لكم إنّي أنا هو باب الخراف، وجميع الّذين أتوا قبلي هم سرّاق ولصوص. ولكنّ الخراف لم تسمع لهم. أنا الباب. إن دخل بي أحد، يخلص، ويدخل ويخرج، ويجد مرعًى“. وبالإمكان القول، أيضًا: “مَن لا يدخل بي، لا يخلص؛ ومن ثمّ، لا يمكنه أن يدخل، ولا أن يخرج، ولا أن يجد مرعًى“. هذا يأكل هباءً؛ وإذا ما دخل وخرج؛ فإنّه يدخل في العتمة، ويخرج في العتمة، ولا يعرف أين يقع. وفي نهاية المطاف، مَن لا يدخل من باب يسوع، فلا بدّ له من أن يقع فريسة الذّئب العقليّ.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول يو10: 1- 9 في السّبت 21 أيّار 2011