لغة الثـّالوث!

لغة الثـّالوث!

اﻷرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، يسوع هو شمس العدل؛ يسوع هو الّذي تدور الخليقة في فلكه؛ يسوع هو العالَم الجديد. لذلك، الكنيسة، في فهمنا، هي جسد المسيح. وحين نقول عن الكنيسة إنّها جسد المسيح، فهذا يعني أنّها العالم الجديد، أنّها يسوع؛ ويسوع، في آن، هو رأسها. يسوع هو الكنيسة، وهو رأس الكنيسة. الكنيسة ليست، عندنا، مؤسّسة أو منظّمة، وليست جماعة المؤمنين. الكنيسة تمتاز، عندنا، بكونها ذات طبيعتين: طبيعة بشريّة، وطبيعة إلهيّة. كلّ شيء، فيها، هو من طبيعة إلهيّة بشريّة. لذلك، كلّ شيء، فيها، هو أسراريّ الطّابع. والسّرّ، عندنا، هو تجلّي غيرِ المنظور في المنظورات، تجلّي الإلهيّاتِ في البشريّات. الكلمة الّّتي نتفوّه بها، في كنيسة المسيح، هي، في آن، كلمة الله وكلمة النّاس. وكلمة الله يتجلّى الله فيها من خلال ما هو مسموع، أو من خلال ما هو مقروء. هكذا، حين نصلّي، في كنيسة المسيح، نتعاطى أمرًا إلهيًّا بشريًّا، في آن. نطلب إلى الله بكلام بشريّ، نسأله، نلتمس منه البركة؛ وفي آن، يأتينا، ينزل علينا كحضور روحيّ إلهيّ، بكلّ معنى الكلمة.

إذًا، إذا كنّا نحن أبناءَ الكنيسة المقدّسة، فهذا معناه أنّنا بتنا، أيضًا، ذات طبيعة إلهيّة بشريّة. ما هو فينا، ما أُعطي لنا هو إلهيّ وبشريّ. صحيح أنّنا ننتمي، من جهة البشرة، إلى هذا العالم. لكنّنا، من جهة الطّبيعة الإلهيّة، ننتمي إلى يسوع؛ نحن نأتي من يسوع؛ نحن نأتي من روح الله. لذلك، حين نسمع القول أنتم هيكل الله، وروح الله ساكن فيكم” (1كور3: 16)، فهذا يوضح، بجلاء، أنّنا نجمع ما بين السّماء والأرض، نجمع ما بين الإلهيّات والبشريّات. نحن نقطة الالتقاء بين ما هو من فوق وما هو من هذا العالم، بين ما هو مخلوق وما هو غير مخلوق. لقد أُعطي لنا كنز في آنية خزفيّة، وهذا الكنز هو روح الله. على هذا، يا إخوة، نحن، بانتمائنا إلى كنيسة المسيح، بتنا أبناء الملكوت، بالإضافة إلى كوننا أبناء هذه البشرة؛ ونتعاطى كلّ شيء على هذا النّحو. نحن لا نتعاطى شيئًا، في حياتنا، إلاّ تحت هذا العنوان الإلهيّ البشريّ. إذا أكلنا، مثلاً، فالأكل، بالنّسبة إلينا، ليس، أبدًا، موضوع طعام من هذا الدّهر وحسْب! لا شكّ في أنّ ما نأكله هو طعام من هذا الدّهر. لكنّ هذا الطّعام، الّذي هو من هذا الدّهر، من هذه الأرض، قد صار حمّالةً لطعام سماويّ. لهذا السّبب، نحن لا نأكل إلاّ إذا بارَكـْنا المائدة. لماذا نبارك المائدة؟! نحن لا نبارك المائدة، فقط، لأنّنا نلتمس من الرّبّ الإله أن يُكثّر لنا الخيرات والبركات؛ بل نبارك، في الحقيقة، لأنّنا نعرف أنّ الطّعام، من بين كلّ ما له علاقة بحياتنا، هو مدخل إلى الملكوت، وهو محَطٌّ للحضور الإلهيّ. الرّبّ يسوع يأتينا ويقيم في كلّ ما له علاقة بحياتنا. هو مقيم فينا! من هنا، يا إخوة، إنّه لَخطأ جسيم أن نتعاطى المادّيّات، في هذا الدّهر، باعتبارها مادّيّات وحسْب. نحن نتعاطى المادّيّات أسراريًّا! نتعاطى المادّيّات كسِرّ، أي كحضرة لله تأتينا من خلال هذه المادّة. لذلك، كلّ شيء، عندنا، برسم البَرَكَة، إلاّ الخطيئة. وكلّ شيء نتعاطاه دخل في السّرّ الإلهيّ الّذي انكشف لنا، والّذي أقام فينا، والّذي بتنا نحن امتدادًا له. طبعًا، هذا يشكّل صعوبة في تعاملنا مع الّذين لا ينتمون إلى سرّ المسيح وسرّ الإنجيل. الّذين لا ينتمون إلى المسيح، ينتمون إلى هذا الدّهر وحسْب. نحن لسنا من هذا الدّهر! يسوع قال ذلك بوضوح: “أنا لستُ من هذا العالم“. وهذا ليس، فقط، كلامًا ليسوع لأنّه ابن الله؛ بل هو كلام لكلّ واحد منّا. على كلّ واحد منّا أن يقول: “أنا لستُ من هذا العالم، أنا في هذا العالم، ولكنّني من المسيح، من روح الله“! المؤمن بيسوع لا يحقّ له، إذًا، ولا يليق به أن يتعاطى شيئًا من مفاهيم هذا الدّهر؛ لأنّ عنده بعدًا جديدًا أُعطي له، وهو الملكوت. وهذا لم يُعطَ للّذين لا يؤمنون بيسوع، وللّذين لم يعتمدوا باسم الرّبّ يسوع.

من هنا، يا إخوة، إنّ الكنيسة، بالنّسبة إلينا، عالمٌ جديد، بكلّ معنى الكلمة! عالم روحيّ بشريّ! هذا ما ننتمي إليه. وهذا العالم الجديد ليس كعالمنا. في عالمنا، هناك، دائمًا، مكان. نحن، الآن، في مكان. أمّا في العالم الجديد، أي في كنيسة المسيح، فلسنا في مكان. الكنيسة ليست مكانًا. جسد المسيح ليس مكانًا، بالمعنى المحسوس للكلمة. طبعًا، هناك تعابير محسوسة للكنيسة. ما دمنا نحن ههنا، فلا بدّ من أن يوجَد، دائمًا، تعبير محسوس عن الكنيسة. وكما قلت، الكنيسة حقيقة بشريّة، إنّما إلهيّة، أيضًا. في العمق، نحن، في الكنيسة، في حالة جديدة، حالة حقيقيّة جدًّا، لكنّها لا تمتاز بكونها ذات بُعد مكانيّ، بل تمتاز بكونها ذات بُعد روحيّ، وإلاّ ما كان الرّسول بولس قال عن الكنيسة إنّها جسد المسيح! ما دام هناك جسد، فهناك علاقة عضويّة. نحن في المسيح، والمسيح فينا. طبعًا، الرّبّ يسوع مميَّز فينا كشخص؛ ونحن، كأشخاص، مميَّزون عنه؛ لكنّه بالرّوح فينا، ونحن بالرّوح فيه. هذا ما يجعل الكنيسة كنيسةً. لهذا السّبب، لا يمكننا أن ندرك ما هو من الكنيسة بالعقل البشريّ، لأنّ الكنيسة ليست حقيقة عقلانيّة. نحاول أن نعبّر عنها بطريقة عقلانيّة على نحو تقريبيّ، كما نحاول أن نعبّر عنها بطريقة محسوسة، بكلّ ما هو بشريّ. لكن، تبقى الكنيسة، دائمًا، أكثر من التّعبير الّذي نلتزمه لنعبّر عنها. الحقيقة، يا إخوة، أنّنا، في الكنيسة، بإزاء وضع جديد كلّيًّا. يسوع حاضر، والرّوح القدس يجعله فينا، ونحن فيه. حين قال الرّبّ يسوع: “مَن رآني، فقد رأى الآب” (يو14: 9)، هذا، في الحقيقة، قاله بالجسد، قاله كإنسان، وهو إله، في آن معًا! نحن، أيضًا، بإمكاننا أن نقول، لا بل يجب علينا، في كلّ حين، أن نقول إنّ مَن رآنا فقد رأى يسوع، إنّ مَن رآنا فقد رأى الآب، إنّ مَن رآنا فقد رأى روح الرّبّ القدّوس! روح الرّبّ القدّوس لا يُرى، لكنّنا نحن أيقونته. والرّبّ يسوع، أيضًا، لا يُرى. وإن كنّا عرفناه بالجسد، في وقت من الأوقات، إلاّ أنّنا لسنا نعرفه، بعد، كذلك. ونحن، أيضًا، أيقونته. والآب، أيضًا، لا يُرى. لكن، ما دام الرّبّ الإله قد ارتضى أن يقيم فينا، لا فقط يسوع، ولا فقط روح الرّبّ، بل الآب السّماويّ أيضًا؛ فنحن أيقونته. وهذا قاله الرّبّ يسوع، بوضوح، في إنجيل يوحنّا: “آتي أنا وأبي ونسكن فيه” (يو14: 23)، أي في الّذي يؤمن ويكون عنده روح الرّبّ.

إذًا، يا إخوة، في الكنيسة، بإمكاننا أن نوجز ديناميّة الحياة الكنسيّة بكوننا، دائمًا، بروح الرّبّ القدّوس، على علاقة مستديمة بالرّبّ يسوع، وبالآب السّماويّ، أيضًا، أي بالثّالوث القدّوس. الموضوع، إذًا، ليس، أبدًا، موضوعَ تعاليم، أو عقائد، أو قوانين، أو ما شابه ذلك، مع أنّ هذه موجودة. لكن، هذه كلّها ليست سوى خارطة تشير إلى طبيعة العلاقات الحيّة، في كنيسة المسيح، بين المؤمنين والثّالوث القدّوس. الموضوع يكمن في هذه العلاقة الحيّة الدّائمة بيننا وبين الله. الكنيسة هي المكان غير المحسوس الّذي نكون فيه في علاقة دائمة مع الثّالوث القدّوس. وما دامت هناك علاقة، فلا بدّ من أن تكون هناك لغة مشتركة. الرّبّ يسوع كلّمنا بلغتنا. ونحن علينا أن نتكلّم بلغة الله. لا يكفي، أبدًا، أن يتكلّم يسوع بلغتنا. هذا مهمّ، طبعًا. نحن لا يمكننا أن نفهم، إن لم يكلّمنا يسوع بلغتنا. لكن، في آن معًا، نحن مدعوّون إلى أن نكلّم الثّالوث القدّوس بلغته هو! الثّالوث القدّوس عنده لغة. وهذه اللّغة علينا أن نتعلّمها، في كلّ حين. ما هي هذه اللّغة؟! هي لغة الصّلاة والعبادة. لهذا السّبب، سأل التّلاميذُ الرّبَّ يسوع قائلين له: “علِّمنا أن نصلّي“! علِّمنا“! هو علّمهم كيف يصلّون، أي علّمهم كيف يكونون في صلة مع الله، كيف يكونون في علاقة مع الله. الصّلاة لها علاقة بالصّلة. من دون صلاة، لا علاقة بيننا وبين الله. مَن لا يصلّي، فلا يمكنه أن يكون في علاقة مع الله. لهذا السّبب، صلّوا في كلّ حين، صلّوا ولا تملّوا” (لو18: 1)؛ أي ما دمنا في كنيسة المسيح، فعلينا، بصورة مستديمة، أن نكون في حال العبادة. هو يعلّمنا؛ المزامير تعلّمنا! كتاب المزامير هو كتاب الصّلاة بامتياز. الصّلوات الّتي نتعاطاها، في كنيسة المسيح، من أين أتتنا؟! أتظنّون أنّها أتتنا من الشـّعراء؟! أتظنّون أنّها أتتنا من أصحاب المواهب البشريّة؟! الصّلوات، عندنا، في الكنيسة، وضعها القدّيسون، وقد وضعوها بوحي من روح الرّبّ، أي إنّ روح الرّبّ هو الّذي علمّ ويعلّم النّاس، في كلّ حين، كيف يصلّون. وما يُقال عن الصّلاة يُقال عن الأيقونات، مثلاً. الأيقونات، عندنا، عمل إلهيّ بشريّ. اليوم، بكلّ أسف، نعتبر أنّ أيّ رسّام بإمكانه أن يقوم برسم أيقونة، وكأنّ الموضوعَ موضوعُ فنٍّ كنسيّ، وهو ليس كذلك، أبدًا. موضوع الأيقونة هو موضوع التّجلّي الإلهيّ في المنظورات. وما دام موضوعَ تجلٍّ إلهيّ في المنظورات، فالله هو الّذي يُظهر ذاته. لهذا السّبب، يُفترَض برسّامي الأيقونات أن يكونوا قدّيسين، أيضًا. وهكذا دواليك. نحن لا يمكننا، أبدًا، أن نقبل بهذا المنحى الدّهريّ في تعاطي الكنسيّات. “القدسات للقدّيسين“! كلّ ما له علاقة بالقدسات يتعاطاه القدّيسون، الّذين يعمل فيهم روح الرّبّ القدّوس. إذًا، عملُنا، في كلّ حين، في كنيسة المسيح، هو عمل عبادة. حين نرسم الأيقونة، نصلّي، نعترف بخطاياناطبعًا، يُفترَض برسّام الأيقونات أن يكون، قليلاً أو كثيرًا، صاحب موهبة بشريّة. ونحن قلنا، في كلّ حال، إنّنا، في كنيسة المسيح، بإزاء حقيقة بشريّة إلهيّة، لا فقط إلهيّة. إذًا، هناك شيء بشريّ، لا شكّ في ذلك. لكن، نحن لا نقف عند حدود البشرة، أبدًا. أندريه روبلوف، مثلاً، هو الرّسّام عندنا، أو هو نموذج الرّسّام عندنا؛ لأنّه سلك في القداسة، وفتح داخلَه على نور الرّبّ، والرّبُّ تجلّى له، وبتجلّي الله عبّر بهذه الطّريقة البشريّة الّتي عبّر بها. ولا شكّ في أنّه كان يتحلّى بمواهب خاصّة بشريّة؛ لكنّ الموهبة الأهمّ الّتي كانت له هي الموهبة الّتي أُعطيت له من فوق. في كنيسة المسيح، لا قيمة لشيء، أبدًا، إلاّ إذا كان من روح الله! كلّ ما تحت الشـّمس باطل! ما يجعلنا في الحقّ هو روح الحقّ. لهذا، الإيمان عندنا، يا إخوة، مرتبط بالعبادة، والعبادة مرتبطة عندنا بالإيمان. لا يمكننا أن نكون مؤمنين، إن لم نسلك في العبادة، بصورة متواترة؛ إن لم نلهج بالعبادة؛ إن لم نتنفّس عبادة. وفي آن معًا، لا يمكننا أن نعبد بالرّوح والحقّ، ما لم يكن إيماننا قويمًا، أي ما لم يكن يسوع فينا. الإيمان القويم، في الحقيقة، ليس، فقط، فكرةً تستقرّ في ذهن الإنسان وتكون فكرة صحيحة! الإيمان القويم، عندنا، هو أن نتحوّل إلى مسكن لروح الرّبّ. إذ ذاك، يكون إيماننا قويمًا.

إذًا، هناك علاقة محبّة بيننا وبين الله. الله مقيم فينا؛ الثّالوث مقيم فينا؛ ونحن مقيمون فيه؛ ونحن، دائمًا، نتكلّم لغة الله بالسّعي في العبادة الدّائمة؛ كما أنّ الله يكلّمنا، دائمًا، بلغتنا من خلال ما هو بشريّ، من خلال المحسوسات، من خلال الخليقة. هكذا، تتحقّق العلاقة، وتكتمل، بين الله وبيننا، في كنيسة المسيح. وهكذا نحيا في كنيسة المسيح. إذًا، الموضوع موضوع جديد كلّيًّا، علينا أن نعتاد عليه. لهذا السّبب، علينا أن نتمسّك، دائمًا، بما يُسمّى تراثًا في كنيسة المسيح، ما يُسمّى تقليدًا في كنيسة المسيح. التّقليد، في الحقيقة، هو أن نسلك في خطى الّذين سبقونا؛ وفي آن معًا، أن ننفتح على ما انفتحوا هم عليه، أي على روح الرّبّ، حتّى يكون التّقليد لا مجرّد أمور فاتت نستعيدها، بل يكون أمورًا حدثت في الأمس، ونحياها اليوم؛ لأنّ روح الرّبّ الّذي فعل في الأمس هو نفسه يفعل اليوم. وروح الرّبّ هو روح التّقليد، عندنا، وما يجعل التّقليد قيِّمًا، وقيِّمًا جدًّا وحيًّا. إذا فهمنا هذه الأمور، يا إخوة، يصير بإمكاننا أن نتعاطى الكنيسة، ونتعاطى الإلهيّات في كنيسة المسيح، بطريقة جديدة بالكامل، وإلاّ نجد أنفسنا نعتبر الكنيسة مجرّد منظّمة، أو عُصبة من هذا الدّهر، وهي ليست كذلك، أبدًا.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول متّى9: 18- 26 في السّبت 18 تمّوز 2009

دماء الشـّهداء بذار الكنيسة

دماء الشـّهداء بذار الكنيسة

اﻷرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، في أوقات السّلم، لو سأَلَنا إنسان ما إذا كنّا مسيحيّين أو لا؛ فسهل علينا أن نجيب بأنّنا مسيحيّون. لكن، ماذا إذا كنّا في زمن اضطهاد؟! ماذا إذا كانت هناك حرب طائفيّة بين مسيحيّين وغير مسيحيّين؟! فماذا نفعل، إذا سُئلنا ما إذا كنّا مسيحيّين أو لا؟!

في الحالة الأولى، الجواب سهل، ولا يُكلّف الإنسان شيئًا. أمّا في الحالة الثّانية، فالجواب قد يكون مُكلِّفًا جدًّا. في الأحداث الّتي اندلعت بين العام ألف وتسعمئة وستّة وسبعين والعام ألف وتسعمئة وتسعين، قضى كثيرون عند الحواجز الّتي كان يُقيمها هذا الفريق أو ذاك. في ذلك الحين، كان عملاً بطوليًّا وشهاديًّا أن يُعلن الإنسان أنّه مسيحيّ، وهو يعلم أنّه قد يُقتَل إذا فعل ذلك. وكثيرون، في الحقيقة، قُتلوا، في ذلك الحين؛ لأنّهم أعلنوا، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، أنّهم مسيحيّون. هؤلاء هم الشـّهداء المجهولون، في كلّ زمان، في الحقيقة. في بلدة بحمدون، مثلاً، قُتل أكثر من ثلاثمئة شخص لأنّهم كانوا مسيحيّين، وهم ما كانوا يحاربون، بل كان بينهم أطفال وشيوخ، وكانوا كلّهم عُزَّلاً. بعضهم ذُبح، وبعضهم قُتل رميًا بالرّصاص. طبعًا، في بلد كلبنان، يسعى الإنسان، دائمًا، لطمس ما للذّاكرة؛ لأنّه يشعر بأنّه في حال تهديد متواتر. مسيحيًّا، لا يليق بنا أن ننسى شهداءنا. الشـّهداء، عندنا، هم الّذين قُتلوا، ولم يَقتلوا أحدًا، وما كانوا في سعيلقتل أحد، بل حملوا اسم يسوع، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. هؤلاء الّذين قُتلوا كان بإمكانهم أن يشهروا إسلامهم، مثلاً؛ وما كانوا، بعد ذلك، ليُقتَلوا! لكنّهم لم يفعلوا ذلك. قُتلوا لأنّهم محسوبون على الرّبّ يسوع المسيح. لا يحتاج الإنسان إلى تحضير كبير ليكون شهيدًا للمسيح. أحيانًا، الشـّهداء يُعدّون أنفسهم بالصّوم والصّلاة، يُعدّون أنفسهم بالاعتراف بخطاياهم، بالمناولة المقدّسة. وأحيانًا، تأتيهم ساعة الشـّهادة وهم لا يعلمون. في لحظة واحدة، يكون على الإنسان إمّا أن يعترف بيسوع، وإمّا أن ينكره. ومَن اعترف به، أُحصي في عداد الشـّهداء؛ ومَن أنكره، خسر؛ لأنّ السّيّد قال: “مَن ينكرني قدّام النّاس، أنكره أنا قدّام أبي الّذي في السّموات” (متّى10: 33)! في بلد كلبنان، السّياسيّون والعسكريّون لهم شهداؤهم. ليس على هؤلاء نتكلّم، إنّما على الشـّهداء الّذين لا يؤذون أحدًا، ويؤذيهم الآخرون. في الزّمن الأوّل، أي في الحقبة التّاريخيّة الّتي امتدّت، بصورة خاصّة، حتّى العام 312 للميلاد، والّتي دشـّنها الشـّهيد الأوّل القدّيس استفانوس الشـّمّاس؛ وختمها، في ما يبدو، القدّيس بطرس الإسكندريّ لذلك، الكنيسة القبطيّة تجعل تقويمها بدءًا من شهادة القدّيس بطرس أسقف الإسكندريّة شهادة الدّم، عند المسيحيّين، كانت طريقة الحياة المألوفة واليوميّة. المسيحيّون كانوا يُضطهَدون لأنّهم كانوا يُعتبَرون خارجين على القانون الرّومانيّ، في ذلك الحين. أوّلاً، كانوا يرفضون أن يقولوا عن أغسطس قيصر إنّه السّيّد. وهم كانوا يفعلون ذلك، أي كانوا يمتنعون عن تسمية قيصر بالسّيّد، لأنّ معلّمهم سبق أن أوصاهم بأن لا تدْعوا لكم سيّدًا على الأرض، لأنّ سيّدكم واحد في السّماء” (متّى23: 8). اليوم، نتبادل تسمية سيّدفيما بيننا بمعنًى مختلف عن المعنى الّذي كان سائدًا، في ذلك الحين. اليوم، بصورة تلقائية، نقول لفلان: “يا سيّد، ونقصد بالتّعبير الاحترام والإكرام؛ وأحيانًا، التّعظيم. في ذلك الحين، لفظة سيّدكانت لها نكهة عباديّة، نكهة إلهيّة. لهذا، كان المسيحيّون يعتبرون أنّ سيّدهم هو الله. والرّومانيّون، الّذين لم يعرفوا المسيح، كانوا يُطلقون على قيصر تسمية السّيّدلا فقط من باب الإكرام، بل أيضًا من باب العبادة؛ لأنّ قيصر، في ذلك الحين، بدءًا من أغسطس قيصر، بصورة خاصّة، كان يُعبَد، ويُعتبَر ابن الآلهة، وكان مطلوبًا أن يقدّم النّاسُ البخور والذّبائح للآلهة، في ذلك الحين، وأيضًا لقيصر. المسيحيّون رفضوا ذلك.

والمسيحيّون كانوا يُضطهَدون، أيضًا، لأسباب أخرى. كانوا يُضطهَدون، مثلاً، لأنّهم، في الحقبة الأولى حتّى نهاية القرن الثّاني للميلاد، كانوا يمتنعون عن الانخراط في الجيش الرّومانيّ؛ أو، على الأقلّ، كانوا لا يميلون إلى ذلك، على الإطلاق. الجيش، بالنّسبة إليهم، في ذلك الحين، كان معناه الخضوع لقيصر، وعبادته، وتقديم الذّبائح للآلهة. وكثيرون، في الحقيقة، قُتلوا لأنّهم رفضوا، كعسكر، حتّى العام 312 للميلاد، أن يقدّموا فروض العبادة للآلهة ولقيصر. على الرّغم من عدم وجود إنسان واحد مسيحيّ ارتكب جنحةً، في ذلك الحين، وعلى الرّغم من أنّهم كانوا، أخلاقيًّا، في مستوىً راقٍ جدًّا؛ فإنّ السّلطات الرّومانيّة كانت تضطهدهم.

أيضًا، كان المسيحيّون يُضطهَدون بسبب أنّهم كانوا يَدعون إلى العفّة والعذريّة، إلى عدم الزّواج. في ذلك الحين، لم تكن هناك راهبات، كما عندنا اليوم. لكن، كانت هناك عذارى. وكان، طبعًا، هناك ميل، وميل ليس بقليل، إلى اقتبال العذريّة. هذا كان شأنًا مشرِّفًا جدًّا، بين المسيحيّين، في ذلك الوقت. السّلطات الرّومانيّة كانت تأخذ عليهم أنّهم يهدّدون الأمبراطوريّة الرّومانيّة، الّتي تريد أن يتزوّج النّاس، وأن ينجبوا؛ لأنّ هذا يخدم المجتمع. هذا لم يكن موقفَ المسيحيّين. المسيحيّون، بصورة خاصّة في تلك الحقبة، كانوا يحيَون وكأنّ مرورهم بهذه الدّنيا عابر. قرأوا ما قاله الرّسول المصطفى بولس: “ليست لنا ههنا مدينة باقية، بل نطلب الآتية(عب13: 14)؛ وقرأوا أيضًا: “إن عشنا، فللرّبّ نعيش؛ وإن متنا، فللرّبّ نموت؛ فإن عشنا وإن متنا، فللرّبّ نحن” (رو14: 8)؛ وقرأوا أيضًا: “اطلبوا، أوّلاً، ملكوت السّموات وبرّه، وكلّ ما عدا ذلك يُزاد لكم” (متّى6: 33). إذًا، ذهنهم كان في الملكوت، لا بمعنى أنّهم كانوا ينتظرون الملكوت كما لو لم يأتِ، بل كانوا يحيَون في الملكوت، منذ الآن! إذًا، كانوا يسلكون في الحياة الأبديّة، منذ الآن. لهذا السّبب، الموت، بالنّسبة إليهم، في هذا السّياق، كان سببًا للفرح، وليس سببًا للحزن. الكنيسة كانت تربّي أبناءها وبناتها على الفرح بالشـّهادة. هذا كان المناخ الّذي عاش فيه المسيحيّون، والّذي بسببه اضطُهدوا.

إذًا، الاعتراف بالرّبّ يسوع المسيح لا فقط كان مُكلِّفًا، ومكلِّفًا جدًّا؛ إنّما، أيضًا، كان يتمّ في إطار سعي المسيحيّين لأن يُفرغوا أنفسهم بالكامل من كلّ رغبة شخصيّة، ومن كلّ تعلّق بهذا الدّهر؛ لكي يلتصقوا، بصورة كاملة وكلّيّة، بالرّبّ يسوع المسيح. ولأنّ قـِبلة أنظارهم كانت ملكوت السّموات، كانوا يطلبون الحياة الأبديّة، ولا يكتفون بالحياة الوقتيّة على الأرض. لذلك، عالمهم الدّاخليّ كان عالمًا مختلفًا عن العالم الّذي كان يحيا فيه غير المؤمنين، في زمن الرّومان. الحقيقة أنّ المسيحيّين كانوا يسعون، دائمًا، لكي يكونوا أنقياء، من جهة النّاس! لا يؤذون أحدًا، على الإطلاق! مثلاً، القدّيس كـِبْريانوس القرطاجيّ، الّذي استُشهد حوالَي العام 256 للميلاد، حاكموه بسبب تمسّكه بالرّبّ يسوع المسيح، ولفظوا في حقّه حكم الموت. فلمّا جيء بالجلاّد لكي يقطع رأسه، اهتمّ القدّيس كبريانوس بإعطاء الجلاّد أجرته كاملةً، خمسةً وعشرين دينارًا، وكان مسامحَه بالكامل! وبعد ذلك، مدّ رأسه، فقُطع! هكذا كان المسيحيّون يسلكون. لسان حالهم كان كما قال معلّمهم للآب السّماويّ: “اغفر لهم، يا أبتاه، لأنّهم لا يدرون ماذا يعملون” (لو23: 34)! ما كانوا يحملون ضغينة ضدّ أحد، لأنّ روح الرّبّ الّذي فيهم كان روح محبّة. إذًا، كان المسيحيّون يُقتَلون، ولا يدافعون عن أنفسهم. كان يُفترَض، عدديًّا، إحصائيًّا، بشريًّا، أن ينقرضوا! لكنّهم كانوا في ازدياد هائل. لذلك، سرى القول، في ذلك الحين: “دماء الشـّهداء بذار الكنيسة“. النّعمة الإلهيّة كانت تدفق دفقًا مع دفق دم الشـّهداء، وكانت تحرّك قلوب النّاس بشكل مدهش.

هكذا، بطريقة لا يألفها البشر، غزا المسيحُ العالمَ، الّذي ربحه بالوداعة، والحبّ، والبذل. وجاء قسطنطين الملك، وصار العالمُ القديمُ مسيحيًّا. وشيئًا فشيئًا، مع بداية القرن السّادس للميلاد، لم يبقَ هناك وثنيّون. أقول هذا لأؤكّد ما ورد في إنجيلنا، وعلى لسان آبائنا ومعلّمينا، أنّ المسيحيّة تستمرّ بهذه الرّوح. حين تخفت هذه الرّوح، فإنّ المسيحيّين يقعون في أزمة. هذا هو السّبب لكوننا خسرنا القسطنطينيّة، مثلاً؛ لأنّ المسيحيّين المتأخـّرين كفّوا عن السّلوك كما سلك المسيحيّون الأوائل. المفترَض أن يعود المسيحيّون إلى محبّتهم الأولى. واليوم، في العالم كلّه، لو سألـْنا: “لماذا تراجعت المسيحيّة في الكثير من البلدان، كما في أوروبّا، مثلاً؟، لَقلنا: لأنّ المسيحيّين، في الكثير من الأحيان، نسوا محبّتهم الأولى؛ وصاروا، نظيرَ غيرهم من النّاس، يفكّرون بالطّريقة نفسها الّتي يفكّر بها النّاس، في هذا الدّهر؛ ويحيون بالطّريقة نفسها الّتي يحيا بها النّاس، في هذا الدّهر. المسيحيّون يعانون خطرًا كبيرًا، اليوم، وهو أنّهم يَتَدَهْرَنون، أي يصيرون من أبناء هذا الدّهر. إذا لم نعد إلى محبّتنا الأولى، وإذا لم نعد إلى التصاقـِنا بالمسيح، واعترافـِنا به بالرّوح والحقّ، في كلّ يوم، وإذا كنّا لنحوّل الكنيسة إلى ساحة لدهريّات الإنسان؛ فإنّنا، لا شكّ، سوف نتراجع بصورة متنامية. أقول هذا، وأدعو نفسي وإيّاكم إلى العودة إلى الذّات من أجل استعادة الأمانة، حتّى يكون لنا أن نساهم في استرداد الملكوت بذواتنا، وبالشـّهادة للآخرين.

آمين.

عظة حول متّى10: 32- 36؛ 11: 1، السّبت 4 أيلول 2010

الحبّ والحرّيّة

الحبّ والحرّيّة*

اﻷرشمندريت توما بيطار

الرّبّ يسوع يوصي تلاميذه، ولا يأمرهم. بين الوصيّة والأمر فرق شاسع. في الوصيّة هناك عشراء، هناك صداقة، هناك مودّة، هناك محبّة، هناك قربى. الأب، عادة، يوصي أولاده. الرّجل الشـّيخ يوصي الفتية، الرّجل الحكيم يوصي مَن هم أقلّ حكمةً منهأمّا الأمر، فيصدر عن صاحب سلطان. والرّبّ يسوع، على الرّغم من أنّه صاحب سلطان، لا يأمر، ولا يشاء أن يأمر؛ لأنّه جاء لا ليُخدَم، بل ليَخدِم (مر10: 45). لم يأتِ كرئيس، بل جاء كخادم للجميع. وهو لا يشاء أن يعطي الانطباع أنّه كالرّؤساء، في هذا الدّهر، الّذين يأمرون، وكلمتهم تكون قاطعة من جهة النّاس. الرّبّ يسوع ينعطف على تلاميذه؛ ومن ثمّ، ينعطف علينا، ليوصينا بالوصيّة الوحيدة، وصيّة المحبّة: “أوصيكم أن يحبّ بعضكم بعضًا“. الحقيقة أنّ محبّة الله لنا ومحبّتنا لله تظهران من خلال محبّتنا بعضنا لبعضنا الآخر. مَن لا يحبّ أخاه، فلا يكون محبًّا لله، ولا يعكس محبّة الله له. وهذه المحبّة علينا أن نتعاطاها في العالم الّذي لا يحبّ، ولا يعرف أن يحبّ. على العكس، في العالم، هناك مصالح، وليست هناك محبّة. لذلك، الّذين لا يسلكون وفق منطق العالم، أي منطق المصلحة، والمداهنة، والرّياء، والكذبفإنّ العالم يُبغضهم. العالم لا يمكنه أن يستوعب محبّة الله، ولا أن يقبلها. محبّة الله تنكر العالم، لأنّ العالم الّذي تكلّم عليه الرّبّ يسوع، هنا، ليس العالم الّذي خلقه الله. العالم الّذي خلقه الله عالم مُبارَك. الخليقة تساوي العالم. لكن، هنا، العالم يساوي الخطيئة، الّتي أضحت متمثِّلة في المجتمع بشكل مؤسّسة، وأصبحت خطيئة منظَّمَة. لذلك، أركان العالم هي، بالضّبط، أركان الخطيئة، أوّلاً وأخيرًا. العالم يحبّ خاصّته الّذين، عمليًّا، يحبّون ذواتهم، ويحبّون الخطيئة. في عالم كهذا، لا مكان، في الحقيقة، للوصيّة الإلهيّة؛ ومن ثمّ، لا مكان للمحبّة الأصيلة.

أنتم لستم من العالم، أنا اخترتكم من العالم. لأجل هذا يبغضكم العالم“. نحن ننتمي إلى عالم آخر، وعلينا أن ندرك أنّنا لا ننتمي إلى هذا العالم. وإذا رأى النّاس، في هذا العالم، أنّنا مختلفون عنهم، فهذا لا يجوز أن يكون سببًا لكي نكون مثلهم، لكي نعمل أعمالهم، لكي نفكّر كما يفكّرون! نحن مختلفون عن العالم، لا بالضّرورة لأنّنا بشر قدّيسون، بل لأنّ علينا أن نكون قدّيسين. نحن ننتمي إلى الله، ننتمي إلى قداسة الله. لذلك، ننتمي إلى فكر آخر، ننتمي إلى طريقة أخرى، في الحياة. لهذا، نحن ننتمي إلى الملكوت على الأرض. طبعًا، هذا يستلزم أن يُحاذر كلٌّ منّا اقتبال فكر العالم، وطريقته، وخبراته. هذه علينا أن نجتنبها في كلّ الأحوال. لا يمكن الإنسان أن يكون محبًّا للعالم ومحبًّا لله، في آن. تعلمون القول الإلهيّ: “محبّة العالم عداوة لله” (يع4: 4)، ولا تحبّوا العالم ولا الأشياء الّتي في العالم، لأنّ محبّة العالم عداوة لله” (1يو2: 15). إذا أردنا أن نتبيّن هذا الاختلاف بيننا، نحن الّذين ينتمون إلى ملكوت الله، وبين العالم؛ فبإمكاننا أن نأخذ أمثلة عديدة. مثلاً، العالم يعتبر أنّ الكذب أمر مقبول، إذا كان ينفع مصلحة الإنسان والمجتمع. كذلك الأمر، الأمانة، في العالم، ليست مطلوبة. المطلوب هو أن يسعى كلّ إنسان لمصلحته ومصلحة جماعته، وحتّى لمصلحة وطنه. هذه ليست أمانة، أبدًا! الأمانة أن يكون الإنسان أمينًا للقيم، للمبادئ، للوصيّة الإلهيّة الّتي أسلمنا إيّاها الرّبّ يسوع. في العالم، مثلاً، الزّنى أمر عاديّ جدًّا! لا بل هو شيء مرغوب فيه، ويُعتبَر مرتبطًا بالطّبيعة! هذا ليس، أبدًا، ما نفكّر فيه، أو ما نقبلهبإمكان الإنسان أن يسترسل في الحديث عن أركان العالم الّتي تختلف، تمامًا، عن أركان ملكوت السّموات، وعن أركان الكنيسة. لهذا السّبب، لا يمكننا، أبدًا، أن نجعل حياتنا من طينة هذا العالم. نحن من طينة مختلفة! نحن نقرأ في غير كتاب! نحن نقرأ في كتاب الله، وننتمي إلى جسد المسيح! هذا علينا أن نحافظ عليه، دائمًا، في هذا العالم! ليس المطلوب أن نخرج من هذا العالم، إنّما أن نحافظ على أنفسنا، بنعمة الله، في هذا العالم. نحن في هذا العالم، لكنّنا لسنا من هذا العالم. طبعًا، هذا ليس بالأمر السّهل، أبدًا؛ لأنّ الإنسان لا بدّ له من أن يشعر، إذا ما سلك في هذا المسار، بأنّه غريب! ولا بدّ للآخرين، أيضًا، من أن ينزعجوا منه، لأنّه مختلف عنهم. لكن، هذا، بالضّبط، هو الواقع المستمَدّ من الوصيّة الّتي أسلمنا إيّاها الرّبّ يسوع؛ ونحن، بكلّ بساطة، أبناء الملكوت على الأرض! نحن ننتمي إلى مملكة أخرى، وإلى ذهنيّة أخرى، وإلى مفاهيم أخرى. كلّ هذا يجب أن يجعلنا، لا أمناء فقط لله؛ إنّما، أيضًا، نسلك بفرح وسرور في ما أوصانا به الرّبّ الإله؛ إذ ذاك، نحقّق هويّتنا. نحن لنا هويّة مختلفة! الرّبّ يسوع، هنا، يقول إنّه قد أعطانا نفسه مثلاً. هو في العالم قد اضطُهد. فإذا كنّا نحن له، فعلينا أن نتوقّع أن نُضطَهَد نحن أيضًا: “إن كانوا قد اضطهدوني، فسيضطهدونكم أنتم أيضًا، وإن كانوا قد حفظوا كلامي، فسيحفظون كلامكم أيضًا“.

طبعًا، هناك أناس، في هذا العالم، يحافظون على الأمانة لله. ليس كلّ النّاس، في نهاية المطاف، يتعاطَون بعداوة مع الله. هناك، أيضًا، أناس لم يحنوا ركبة لبعل” (رو11: 4)، الله عارف بهم، وهؤلاء سيسمعون الكلمة ويحفظونها. يسوع جاء وكلّم العالم بالحقّ. وكلّ الّذين كانت فيهم نفحة الحقّ، هؤلاء سمعوا وحفظوا. أمّا الّذين لم يشاؤوا أن يسمعوا، فالكلام الّذي كلّمهم به الرّبّ يسوع يكون دينونة لهم، يكون خطيئة لهم: “لو لم آتِ وأكلّمهم لم تكن لهم خطيئة“! كلمة الرّبّ يسوع إمّا تبرّرنا، أو تجعلنا خطأة. لهذا، علينا أن نتعاطى مع الكلمة الإلهيّة بالكثير من الجدّيّة والرّصانة، لأنّها هي الّتي تبرّرنا، وهي الّتي تديننا. ثمّ إنّ مَن يُبغض التّلاميذ يُبغض الرّبّ يسوع؛ ويبغض، أيضًا، الآب السّماويّ. الرّبّ يسوع عمل كلّ ما يمكن أن يُعمل لكي يُخرج النّاس من الخطيئة الّتي يتمرّغون فيها، في العالم. هو شفى المرضى، وطهّر البرص، وأقام الموتى، وطرد الشـّياطين، وعلّم الوصيّة: “لو لم أكن قد عملتُ بينهم أعمالاً لم يعملها آخر، لم تكن لهم خطيئة“! الرّبّ يسوع عمل ويعمل، في الحقيقة، كلّ ما نحن في حاجة إليه للخلاص. لكن، إذا كان الإنسان لا يشاء أن يسمع، ولا يشاء أن يقبل، ويعاند، ويتمسّك برأيه وأهوائه؛ فإنّه، إذ ذاك، يجعل خطيئةً على رأسه. الحقيقة أنّ الإنسان الّذي يحبّ نفسه يُبغض الرّبّ يسوع المسيح بلا سبب، ولا يحتاج إلى سبب، أبدًا، لكي يدخل في عداوة مع الله. السّبب هو أنّ قلبه ليس نقيًّا، هو أنّه لا يشاء أن يسمع الكلمة، لا يشاء أن يقبلها لأنّها تزعجه، لأنّها تناقض أهواءه، تناقض رغباتهمشكلة الإنسان الأساسيّة أنّه يريد أن يعيش على هواه! كثيرون، في الحقيقة، يفضّلون التّفلّت، لأنّه يجعلهم يشعرون بأنّهم أحرار. طبعًا، وصيّة المسيح تقيّد الإنسان، لكنّها تقيّده إلى الحرّيّة، لا إلى العبوديّة، أبدًا. إنسان الخطيئة يتصوّر أنّ الحرّيّة معناها أن يفعل الإنسان ما يشاء. طبعًا، هذا يجعل الإنسان يسقط في الخطيئة. ومَن يسقط في الخطيئة، يفقد حرّيّته، ويصير عبدًا لها. أمّا الرّبّ يسوع، فإذ يعطينا وصيّته، يعطينا، في الحقيقة، فرصة للحرّيّة الحقّ، الّتي هي أن يعرف الإنسان أن يقيّد نفسه بوصيّة الله، لأنّها تفتح له أبواب الحرّيّة الحقّ المرتبطة بالحبّ، وإن كانت، في الظّاهر، تقيّد الإنسان. الإنسان الّذي لا يقتبل وصيّة الحبّ لا يمكنه أن يكون حرًّا، بل يكون عبدًا لنفسه وللخطيئة. لذلك، بوصيّة الحبّ وحدها يصير الإنسان حرًّا بمعنى الكلمة.

إذًا، الحرّيّة، تحديدًا، هي أن يكون الإنسان حرًّا من هواه، حرًّا من عبادته لنفسه، حرًّا من مشيئته الخاصّة. إذ ذاك، يكون الإنسان حرًّا. أمّا الحرّيّة المطلقة، أي أن يصنع الإنسان ما شاء ومتى شاء، فهذه ليست حرّيّة، هذه خدعة من خـِدع الشـّيطان الّذي يوهمنا بأنّنا، إذا فعلنا ما نشاء، إذا فعلنا ما نرغب فيه، نصير أحرارًا. هذا كذب! بالنّسبة إلى الله، إذا أردتَ أن تصير حرًّا، فعليك أن تحبّ، عليك أن تتعلّم كيف تخرج من نفسك، كيف تخرج من أهوائك. إذ ذاك، متى فعلتَ ذلك، تصير حرًّا بمعنى الكلمة. إذًا، الإنسان الّذي يحبّ العالم، أي الّذي يحبّ نفسه وإرادته وأهواءه، هذا يُبغض الرّبّ يسوع المسيح بلا سبب! الرّبّ الإله يعطيه كلّ الأسباب حتّى يتحرّر، حتّى يتنقّى، حتّى يتقدّس، حتّى يحبّ، لكنّه (أي الإنسان) لا يشاء لأنّه يفضّل أهواءه على كلّ شيء آخر. والرّبّ يسوع يعطينا المعزّي لكي يشهد لِما قاله إلى الأبد. إذًا، نحن، كلّ يوم، نتلقّى شهادة الرّوح القدس عن الآب السّماويّ، وعن الرّبّ يسوع الّذي أعطانا وصيّة المحبّة. المطلوب أن نكون متعاونين مع الرّوح القدس، وأن نشهد معه، لأنّ المفترَض بنا أن نكون قد تمرّسنا بالحرّيّة الحقّ والمحبّة الحقّ: “أنتم أيضًا تشهدون لأنّكم معي منذ الابتداء. قد كلّمتكم بهذا لكي لا تشكّوا، إذ تكون هناك، دائمًا، أسباب للشـّكّ بالرّبّ يسوع. لكنّ الرّبّ يسوع أعطانا، أوّلاً، الوصيّة، ثمّ أعطانا القيامة ختمًا للحقيقة، لكي لا نشكّ فيما بعد. إنّما علينا أن نكون واقعيّين، وأن نفهم أنّ العالم سوف يُخرجنا من المجامع، أي إنّه لن يقبلنا في وسطه، بل سيضايقنا، سيزعجنا، سيتسبّب لنا بآلام كثيرة، وسوف تأتي ساعة يظنّ فيها كلّ مَن يقتلكم أنّه يقدّم عبادة لله“!

إذًا، نحن قطيع مُباع، عمليًّا، للموت من أجل الحقّ، للموت من أجل الوصيّة، للموت من أجل الله! العالم لا يمكنه إلاّ أن يضطهدنا، لأنّه حامل الخطيئة، والخطيئة حاملة لروح الشـّيطان، والشـّيطان يحاول، بكلّ الطّرق، من خلال عملائه، من خلال نَفَسه، من خلال تعليمه، أن يُفسد علينا الوصيّة الّتي أسلمنا إيّاها الرّبّ يسوع. لكن، علينا أن نتوقّع الأسوأ، إذا ما سلكنا بأمانة من جهة الله. “سوف تأتي ساعة يظنّ فيها كلّ مَن يقتلكم أنّه يقدّم عبادة لله“! هذا منتهى العمى! حين يصل الإنسان إلى حدّ يضطهد فيه مَن هم لله باسم الله، فإنّ الحسّ فيه، إذ ذاك، يكون قد مات، ويصير لا يرى أبدًا، ولا يميّز أبدًا بين ما هو للحقّ وما هو للباطل. كلّ هذا لا بدّ من أن يأتي علينا. لكن، مَن يصبر إلى المنتهى، فهذا يخلص” (متّى10: 22). علينا أن نتمسّك بالأمانة، في كلّ حين؛ والرّبّ الإله يعطينا، في نهاية المطاف، أن ننتصر: “كلّ الأمم أحاطوا بي، وباسم الرّبّ قهرتهم” (مز117: 10).

آمين.

* عظة حول يو15: 17- 27، 16: 1- 2، في السّبت 24 نيسان 2010

الرّاعي الصّالح باب الحظيرة!

الرّاعي الصّالح باب الحظيرة!

اﻷرشمندريت توما بيطار

قال الرّبّ للّذين أتوا إليه من اليهود…”. الرّبّ يسوع لا يكلّم الّذين لا يأتون إليه. على الإنسان أن يبادر إلى المجيء إلى يسوع. الكلمة أساسها حرّيّة الإنسان، إذا ما كُرز بها. الرّبّ الإله يوقّر حرّيّة النّاس. لكنّ الّذين يأتون إليه يعطيهم كلمة الحياة. “الحقّ الحقّ أقول لكم…”. هذا التّأكيد للحقّ يأتي من الدّاخل. الرّبّ الإله، حين يعطي النّاس كلمة الحقّ، يعطيهم الفرصة أن يسمعوا، إن أرادوا؛ ويعطيهم نعمة خاصّة حتّى يقتبلوها. لكن، عليهم، أوّلاً وأخيرًا، أن يفتحوا قلوبهم؛ لأنّ كلمة الحقّ تلتمس قلوب النّاس، ولا تلتمس خداعهم، أو إقناعهم. الرّبّ يسوع لا يخدع أحدًا، ولا يفرض نفسه على أحد، ولا حتّى يشاء أن يقنع أحدًا من النّاس. الإقناع موجَّه إلى العقل، والرّبّ يسوع يخاطب القلب. لذلك، إن كان الإنسان محِبًّا للحقّ؛ إن كان الإنسان، في قرارة نفسه، ملتمِسًا للحقّ؛ فإنّ الرّبّ الإله يعطيه نعمة في القلب، لكي يقتبل، ولكي يقتنع؛ إنّما في مستوى القلب، لا في مستوى العقل.

الحقّ الحقّ أقول لكم إنّ مَن لا يدخل من الباب إلى حظيرة الخراف، بل يتسوَّر من موضع آخر؛ فهو سارق ولصّ“. طبعًا، اللّغة، هنا، لغة رمزيّة؛ لذا، علينا أن نوضـِح المعاني، الّتي يشاء الرّبّ الإله أن يمرّرها لنا.

أوّلاً، الرّبّ يقول: “مَن لا يدخل إلى حظيرة الخراف“. الحظيرة هي كنيسة المسيح. وهذه الحظيرة ليس فيها ماعز، ولا ذئاب، بل فيها خراف. إذًا، قطيع الرّبّ يسوع هو قطيع خراف. طبعًا، الإنسان يصير خروفًا، ولا يولَد خروفًا. الكلام، هنا، هو على الخراف العقليّة. الإنسان بإمكانه أن يصير ذئبًا؛ وبإمكانه، أيضًا، أن يصير خروفًا. لماذا حظيرة الرّبّ يسوع فيها خراف، وليس فيها نوع آخر من الحيوانات؟! أوّلاً، لأنّ يسوع نفسه خروف، هو حمل الله. إذًا، الرّبّ يسوع الحمل يرعى الحملان. هو لا يرعى الحملان ليذبحها، بل لأنّ كنيسة المسيح ليس فيها سوى خرفان. والرّبّ يسوع الحمل يبذل نفسه عن الخراف. هو الرّاعي وهو الحمل، في آن معًا . وهذا الّذي دخل، بدم نفسه، مرّةً، إلى قدس الأقداس، فوجد فداءً أبديًّا لكلّ البشريّة، هذا هو الرّاعي الصّالح. الرّاعي الصّالح هو مَن يبذل نفسه عن الخراف. وطبعًا، الرّبّ يسوع يرعى خرافه بمعنى أنّه يدرّبها على أن تدخل إلى قدس الأقداس، إلى الآب السّماويّ، إلى قلب الله بدم نفسها. خراف المسيح تتمسّك بكونها خرافًا، ولا يفرض أحد عليها أن تكون كذلك. لذا، لا يأخذ أحد خراف المسيح عنوةً. هي تقدّم نفسها. ولو لم تشأ أن تقدّم نفسها، لَكان بإمكانها أن تكون ذئابًا! لَكان بإمكانها أن تحفظ نفسها، في هذا العالم؛ لأنّ العالم يحبّ خاصّته! لكن، بالضّبط، لأنّها خراف المسيح، ولأنّها تتمسّك بكونها خرافًا للمسيح إلى المنتهى؛ فلا يمكن إلاّ أن تكون معرَّضَةً للذّبح، نظير راعيها، نظير معلّمها، نظير مثالها! “إن كانوا قد اضطهدوني، فسيضطهدونكم أنتم أيضًا” (يو15: 20). لكن، على الخراف أن تحافظ على الأمانة، أن تبقى خرافًا إلى المنتهى. وهذا، طبعًا، ليس بالأمر السّهل، لأنّ عالمنا عالم ذئاب بامتياز؛ وأيسر على الإنسان، بشريًّا، أن يكون ذئبًا من أن يكون خروفًا. لهذا، الشـّهادة لله، الشـّهادة لراعي الخراف، الشـّهادة للحظيرة، الشـّهادة للآب السّماويّ، هي أن يتمسّك الخراف بسيرة الخراف إلى المنتهى. هذه هي الشـّهادة المطلوبة من كلّ واحد منّا. وكما قلت، حظيرة المسيح فيها خرفان؛ فساعة يتحوّل الإنسان إلى غير الخروف؛ فإنّه، بصورة تلقائيّة، يجعل نفسه خارجًا! فلا يكون انتماؤه، بعدُ، إلى الحظيرة، ولا إلى كنيسة المسيح!

ثانيًا، يتكلّم الرّبّ يسوع على الباب: “مَن لا يدخل من الباب“. أوّلاً، موضوع الدّخول معناه أنّ الإنسان هو في الخارج. خارج ماذا؟! الإنسان هو خارج الكنيسة، خارج النّعمة الإلهيّة، خارج الرّضى الإلهيّ، خارج العشرة الإلهيّة. هو في الخارج! هو في الظّلمة! إذا كان يريد أن يدخل في النّور، فعليه أن يدخل من الباب. والرّبّ يسوع يتحدّث عن باب واحد، ولا يتحدّث عن أبواب، بل عن بابمع ألالتّعريف! للحظيرة باب واحد! مَن هو هذا الباب؟! أو ما هو هذا الباب؟! النّصّ نفسه، بعد قليل، يقول، حين كشف الرّبّ يسوع عن معنى ما كان يقوله لتلاميذه: “أنا هو باب الخراف“! إذًا، هو راعي الخراف، وهو باب الخراف! وهو، أيضًا، كما قلنا، الخروف بامتياز! وكلّ الخراف الأخرى تتبعه، أي تكون على مثاله بالإيمان به، وبقوّة روح الرّبّ القدّوس الّّذي يقيم فيها؛ فيجعلها واحدًا فيما بينها؛ ويجعلها، أيضًا، واحدًا مع حمل الله. إذًا، هذا هو الباب. مَن أراد أن يدخل إلى الحقّ، فعليه أن يدخل من هذا الباب؛ مَن أراد أن يدخل في النّور، فعليه أن يدخل من هذا الباب. خارج هذا الباب، لا يمكن الإنسان، مهما فعل، أن يدخل إلى حضرة الله.

مَن لا يدخل من الباببل يتسوّر من موضع آخر، فهو سارق ولصّ“. قد يبدو لنا، لأوّل وهلة، أنّ الرّبّ يسوع، إذ يتحدّث عن الّذين يتسوّرون من موضع آخر، إنّما يتحدّث عمّن يريدون أن يدخلوا إلى الحظيرة. لكن، أيضًا، بعد قليل، إذ يقول الرّبّ يسوع إنّ جميع الّذين أتوا قبله هم سرّاق ولصوص، نفهم أنّ الّذين يتسوّرون من موضع آخر ليدخلوا إلى الحظيرة هم مسحاء كذبة، هم رعاة غير صالحين؛ وهم إنّما يريدون أن يتسوّروا من موضع آخر ليدخلوا إلى حظيرة الخراف بقصد الفتك بكنيسة المسيح، بقصد الفتك بالحظيرة، بقصد الفتك بخراف الحظيرة. يريدون أن يدخلوا ليأكلوا لحم الخراف، ليذبحوها، ليُهلكوها! السّرّاق واللّصوص، إذًا، هم الأبالسة وعملاؤهم، أو أبناؤهم. وبما أنّهم يدّعون أنّهم مسحاء، فهذا معناه أنّهم يتظاهرون بأنّهم مسحاء. في الظّاهر، يتلبّسون بلباس الحملان؛ لكنّهم ذئاب خاطفة. هؤلاء لا يُعرَفون بحسب الظّاهر. بحسب الظّاهر، نرى أمامنا حملانًا، خرافًا. إبليس، بعدما سقط، تحوّل إلى كائن ممثِّل. همّه الأساسيّ أن يتظاهر بأنّه ملاك من نور. لهذا السّبب، قيل عنه إنّه الكذّاب وأبو الكذّاب. هو الخدّاع، هو المرائي الأوّل. ونحن، هنا، قرأنا هذا المقطع من إنجيل يوحنّا، الّذي، في رسالته الأولى، يتكلّم على أضداد المسيح. إذًا، هؤلاء هم أضداد المسيح، الّذين يدّعون أنّهم المسيح، وأنّهم يقولون الحقّ، وأنّهم نور من عند الله، وأنّهم يريدون الخلاص للبشريّة. هؤلاء هم سرّاق ولصوص. هنا، علينا أن ندرك أنّ كلّ ما يُقال عن أنّ هناك ديانات في العالم، وأنّ كلّ هذه الدّيانات تُفضي إلى مخرج واحد، وإلى نتيجة واحدة، وهي تقول الشـّيء نفسه إنّما بلغات مختلفة، وبطرق مختلفة، وبمفاهيم مختلفةكلّ هذا القول هو بدعة من الشـّيطان؛ والقصد منه أن نسمح للسّرّاق واللّصوص، الّذين يحملون مثل هذه الأفكار وهذه الاتّجاهات وينشرونها، بالدّخول إلى كنيسة المسيح، إلى الحظيرة. لكن، متى سمحنا لهم بالدّخول إلى الحظيرة، فماذا سيحدث؟! سيفتكون بخراف المسيح! لهذا السّبب، الرّبّ يسوع ينبّه. نحن لا يمكننا أن نتحدّث عن ديانات، في هذا العالم. بالنّسبة إلينا، هناك باب واحد، وهناك راعٍ واحد، وليس أحد يأتي إلى الآب إلاّ بهذا الحمل، بهذا الرّاعي، من خلال هذا الباب! لذلك، لا علاقة لنا بما يُسمّى الدّيانات الأخرى؛ ولا يهمّنا أن ندخل في حوارات مع دعاتها؛ لأنّ الحوار لا يمكن، إذا دفعناه إلى غايته القصوى، إلاّ أن يؤدّي إلى مساومة؛ والمساومة معناها أن نعترف، بشكل من الأشكال، بالدّيانات الأخرى؛ ومن ثمّ، أن نعترف بأضداد المسيح أنّهم مسحاء أيضًا، وهم أضداد المسيح! في نهاية المطاف، كلّ مَن يدّعي أنّه من الله، أي من روح الله، لا يمكن إلاّ أن يأتي، إذا كان صادقًا، إلى الاعتراف بالرّبّ يسوع المسيح أنّه هو الباب الأوحد إلى الآب السّماويّ. وإذا لم يعترف بأنّ هذا هو ابن الله، هذا هو المخلّص، هذا هو الباب؛ فإنّه يكون كاذبًا! إذًا، إذا افترضنا أنّ هذه الدّيانات هي من الله؛ فلا يمكنها إلاّ أن تصبّ في مصبّ حظيرة الخراف؛ فإذا لم تصبّ في حظيرة الخراف، بل ناهضت هذه الحظيرة، وعملت على إتلافها، وتمييعها، وعلى الفتك بخراف مسيح الرّبّ؛ فإنّها لا تكون من الله، بل تكون من عدوّ الله. هؤلاء هم السّرّاق واللّصوص، الّذين يدّعون الحقّ وهم في الباطل؛ الّذين يدّعون أنّهم في النّور وهم في الظّلمة.

وأمّا الّذي يدخل من الباب، فهو راعي الخراف“. الرّبّ يسوع هو الباب، وهو راعي الخراف، في آنٍ معًا، كما قلت. إذًا، هو الّذي أُعطي، من فوق، أن يكون المخلِّص الأوحد للبشريّة. والإثبات الّذي يقدّمه على أنّه هو الرّاعي الصّالح أنّه يبذل نفسه عن الخراف. “له يفتح البوّاب، والخراف تسمع صوته“. لراعي الخراف يفتح البوّاب. البوّاب هو، عمليًّا، الآب السّماويّ. والخراف تسمع صوته، لأنّها تعرفه. والحديث، طبعًا، ليس عن الصّوت الخارجيّ، الظّاهريّ، بل عن الصّوت الدّاخليّ. وفي الأساس، الخراف لا تصير خرافًا؛ أو، بالأحرى، البشر لا يصيرون خرافًا، إلاّ إذا سمعوا كلمة راعي الخراف في قلوبهم ونفوسهم، واقتبلوها. لهذا السّبب، الخراف، بالصّوت الدّاخلي، يعرفون أن يميّزوا بين ما هو لراعي الخراف وما ليس لراعي الخراف.

فيدعو [راعي الخراف] خرافه بأسمائها، ويخرجها“. للخراف أسماء! هو يعرف اسم كلّ خروف من خرافه. وأسماء الخرفان مدوّنة في قلبه، في كتاب الحياة. لكن، إلى أين يخرجها؟! يخرجها إلى عند الآب السّماويّ، إلى الملكوت، إلى الحياة الأبديّة. “ومتى أخرج خرافه، يمضي أمامها، والخراف تتبعه، لأنّها تعرف صوته“. الرّبّ يسوع يمضي أمامها. هو الّذي دخل إلى قدس الأقداس بدم نفسه. نحن كلّنا لنا دخول إلى ملكوت السّموات براعي الخراف. من دونه لا إمكانيّة لدخول أحد إلى الملكوت. “يمضي أمامها، والخراف تتبعه“! تفعل ما يفعله! تتحرّك في الاتّجاه الّذي يتحرّك هو فيه! يصعد الجبال، فتصعد هي وراءه! ينزل الوديان، فتنزل هي وراءه! وهو، في كلّ ذلك، يعطيها أن تعرف صوته. تتبعه لأنّه يكلّمها. لا يتركها، أبدًا. هو يسير أمامها، ويكلّمها، ويتطلّع إليها، ينظر إلى حيث هي، بوعي كامل.

وأمّا الغريب…”: الغريب هو السّارق واللّصّ؛ الغريب هو ضدّ المسيح؛ الغريب هو الشـّيطان. “أمّا الغريب، فلا تتبعه؛ لكنّها تهرب منه؛ لأنّ الصّوت الدّاخليّ، الّذي زُرع في الخراف بكلمة الله، يعطيها أن تميّز المسيح من ضدّ المسيح، والحقّ من الباطل، والنّور من الظّلمة. لهذا السّبب، الخراف لا تتبع الغريب، لكنّها تهرب منه. هذه هي الخراف الأصيلة. الخراف الأصيلة ليست تلك الّتي تظهر كخراف؛ بل الّتي هي، بالفعل، خراف؛ لأنّ الخراف لا تعرف صوت الغرباء، بمعنى أنّها لا تقبل كلمةً غير كلمة الرّاعي. هي لا تعرف صوت الغرباء، لا تتبنّاه، لا تقبله، لا تُدير أذنها الدّاخليّة إليه. لذلك، تعرف أن تميّز بسهولة، وبسرعة. الإنسان الّذي تختلط الأمور في قلبه؛ الّذي يقبل الله ويقبل الشـّيطان، في آن معًا؛ يقبل كلام الله ويقبل كلام الشـّيطان، في آن معًا؛ هذا لا يمكنه، أبدًا، أن يهرب من الشـّيطان؛ لا بل يقع فريسة له، في وقت من الأوقات. طبعًا، هذا الأمر مدعاة إلى الجهد الدّؤوب الّذي على الخروف، على الحمل، على كلّ واحد منّا أن يبذله، حتّى ينقّي نفسه من كلّ فكر غريب، من كلّ قول غريب، من كلّ ما هو للغريب، أي للشـّيطان.

هذا المثل قاله لهم يسوع. وأمّا هم، فلم يفهموا ما الّذي كان يكلّمهم به“. يستحيل على الإنسان أن يفهم لغة الله، ما لم يعطه الرّبّ الإله فهمًا! والرّبّ الإله لا يعطي فهمًا، إلاّ للّذين يريدون أن يفهموا، يطلبون أن يفهموا، يجاهدون لأن يفهموا! لا يكفي أن نعبّر عن رغبة في المعرفة؛ ثمّ ننسى، بعد ذلك، ما عبّرنا عنه. علينا أن نسلك في ما نرغب فيه من جهة الله، في كلّ حين، بأمانة كاملة! “فقال لهم يسوع، أيضًا: الحقّ الحقّ أقول لكم إنّي أنا هو باب الخراف، وجميع الّذين أتوا قبلي هم سرّاق ولصوص. ولكنّ الخراف لم تسمع لهم. أنا الباب. إن دخل بي أحد، يخلص، ويدخل ويخرج، ويجد مرعًى“. وبالإمكان القول، أيضًا: “مَن لا يدخل بي، لا يخلص؛ ومن ثمّ، لا يمكنه أن يدخل، ولا أن يخرج، ولا أن يجد مرعًى“. هذا يأكل هباءً؛ وإذا ما دخل وخرج؛ فإنّه يدخل في العتمة، ويخرج في العتمة، ولا يعرف أين يقع. وفي نهاية المطاف، مَن لا يدخل من باب يسوع، فلا بدّ له من أن يقع فريسة الذّئب العقليّ.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول يو10: 1- 9 في السّبت 21 أيّار 2011

الإنسان ويوم السّبت

الإنسان ويوم السّبت*

اﻷرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، التّمسّك بيوم السّبت، عند اليهود، جاء إثر السّبي إلى بابل. هناك، وجد اليهود أنفسهم محرومين من الهيكل. والهيكل هو المؤسّسة الّتي حولها كانت تدور حياة اليهود العباديّة. فلمّا بات الهيكل خلفهم، أرادوا مؤسّسة أخرى يتمسّكون بها، تكون تعبيرًا عن إخلاصهم لله؛ فكان السّبت. وقد تفنّن اليهود، لاسيّما الفرّيسيّين، في الأحكام الخاصّة بيوم السّبت. ظنّوا أنّهم، بهذه الطّريقة، يحافظون على هويّتهم كشعب لله؛ فقالوا بأحكام عديدة جدًّا، في شأن الأصول المرتبطة بيوم السّبت. لا يجوز، مثلاً، أن يُشعل اليهوديّ نارًا، يوم السّبت؛ ولا أن يعمل. القطاف ممنوع، يوم السّبت؛ وكذلك السّير إلى مكان بعيد كان. لقد أجاز اليهود للمؤمن أن يسير بعيدًا عن بيته مسافة سبت، فقط؛ أي ما يعادل ستّمئة خطوة.

إذًا، اليهود جعلوا يوم السّبت سلسلة من القيود الّتي فرضوها على أنفسهم. وكانوا، طبعًا، يقرأون الكتاب العزيز. والفرّيسيّون، الّذين يحبّون تحويل الشـّريعة إلى أحكام شكليّة، قالوا بأكثر من ذلك. الفرّيسيّون اعتبروا أنفسهم قيّمين على الشـّريعة، وعلى أحكامها، وعلى كلّ ما يرتبط بها. وكانوا هم، في الحقيقة، الأكثر تأثيرًا بين اليهود. وهم الّذين احتجّوا، هنا، في هذا الإنجيل، على يسوع، لمّا اجتاز في السّبت بين الزّروع، وجعل تلاميذُه وهم سائرون يقلعون السّنابل“. إذًا، يسوع وتلاميذه كانوا يتحرّكون بحرّيّة، وكانوا يقلعون السّنابل ليأكلوا. هذا اعتبره الفرّيسيّون منافيًا لأحكام يوم السّبت، لأنّه ضَرْبٌ من العمل. يسوع ردّ عليهم بعنف، قال: “السّبت جُعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السّبت“. ما معنى هذا الكلام؟! السّبت جُعل لأجل الإنسان، لأنّ الرّبّ الإله خلق الخليقة في ستّة أيّام، وفي اليوم السّابع استراح. الرّاحة، هنا، كانت تعبيرًا عن الفرح، لأنّ كلّ شيء قد تمّ. والسّبت، أيضًا، هو اليوم الّذي أُعطي للإنسان لكي يشكر، ويفرح، ويتعاطى الكلام الإلهيّ، ويتعاطى، أيضًا، كلّ عمل خير. إذًا، السّبت كان نوعًا من تفرّغ لله، تفرّغٍ للرّكون إلى الله، لشكر الله؛ لأنّ الإنسان، في نهاية المطاف، ليس آلة تعمل، بصورة دائمة. العمل الأساسيّ، الّذي يُفترض بالإنسان أن يقوم به، هو أن يجلس إلى ربّه بعمل الخير، بالكلمة الإلهيّة، بالشـّكر، بالتّسبيحلذا، السّبت كان، بمعنًى من المعاني، تخطّيًا لِما هو من هذا الدّهر إلى ما هو من الدّهر الآتي. المهمّ أن يعمل الإنسان عمل الله، في كلّ حين. وفي السّبت، بخاصّة، يتروّض الإنسان على عمل الله، وعلى أن يكون في عشرة مع الله، أن يذكر الله، أن يسبّح الله، أن يمجّد اللهوالإنسان يمجّد الله بكلّ عمل صالح، وبالشـّكر والتّسبيح. الإنسان، في الحقيقة، ليس إنسانًا عاملاً، في هذا الدّهر، أي إنّه ليس إنسانًا يعمل، بصورة دائمة، في أمور هذا الدّهر. الإنسان، في الحقيقة، هو إنسان عابد، هو إنسان مُسبِّح، هو إنسان ليتورجيّ، هو إنسان يشكرإذًا، هذا الإقبال على ما هو لله كان هو جوهر يوم السّبت، وكان يحمل في طيّاته نَفَسًا من ملكوت السّموات، من عشرة الإنسان الكاملة والأبديّة مع الله. من هنا، الإنسان يفرح بالملكوت، منذ الآن؛ ويتروّض على عشرة الله، منذ الآن، في كلّ عمل، وقول، وفكرلكن، أيضًا، الأمور تأتي في زمن، تتمّ في زمن. لذلك، إذ يتفرّغ الإنسان، بالكامل، لوجه ربّه؛ يعبّر، في الحقيقة، عن توقه إلى أن يكون مع الله، أوّلاً وأخيرًا. المهمّ أن يملأ ذِكرُ الرّبّ الإله ذهنَ الإنسان، وفكرَه، وقلبَه. السّبت، إذًا، هو هذه النّفحة الإلهيّة، الّتي أُعطيت لنا، حتّى نكون مع الله، بصورة متواترة. لكنّ الفرّيسيّين جعلوا السّبت فروضًا وحملاً ثقيلاً؛ بدلاً من أن يخفّف عن الإنسان، يثقّل عليه؛ وبدلاً من أن يفرّح قلب الإنسان، يجعله في الغمّ والضّيق: افعل هذا، ولا تفعل ذاك؛ تحرّك إلى هنا، ولا تتحرّك إلى هناكوهذه أمور شكليّة، لا قيمة لها؛ لأنّها لا تعطي الإنسان فرصة لأن يفتح قلبه وكيانه للرّبّ الإله، وأن يستمدّ منه نعمة، وأن يشتاق إليه، وأن يسعى لعبادته وشكره، في كلّ آن.

إذًا، السّبت جُعل لأجل الإنسان. والإنسان، في الحقيقة، جُعل لأجل الملكوت! لكن، هنا، الكلام أنّ الإنسان صار لأجل السّبت وهذا ما نفاه، طبعًا، الرّبّ يسوع يشير إلى تحويل السّبت إلى قيد للنّاس، بدلاً من أن يكون إطلاقًا لهم في ضروب الحرّيّةِ: حرّيّةِ الرّوح، وحرّيّةِ القلب؛ الحرّيّةِ، في الحقيقة، من الدّهريّات، والانطلاق في الإلهيّات؛ لأنّ الإنسان، فقط، إن عرف الله، صار حرًّا: “تعرفون الحقّ، والحقّ يحرّركم“. إذًا، اليهود، لا سيّما الفرّيسيّين، قتلوا السّبت، وقتلوا الإنسان من خلال السّبت؛ جعلوا عليه قيدًا؛ فقيّدوه، وخنقوه، وظنّوا أنّ لهم في ذلك حياة، وكانوا أغبياء! السّبت يعبّر عن نفسه، بخاصّة، بين النّاس، بعمل الخير. لذا، دخل يسوع المجمعَ، في السّبت، أيضًا، وكان هناك إنسان يده يابسة، وكانوا يراقبونه هل يشفيه في السّبت، لكي يشكوه. انتبهوا لهذا الأمر! لم يكن هَمُّ الفرّيسيّين ما إذا كان يسوع من الله أم لا، ولا كان همّهم أن يُشفى إنسان يده يابسة. تمسّكهم بشكليّات الأمور خنق فيهم الرّوح! خنق فيهم الحسّ! كانوا يعرفون، نظريًّا، أنّ الإنسان لا بدّ من أن يكون من الله، إن شفى أحدًا يدُه يابسة. لكنّ الحفاظ على شكليّات السّبت ارتبط فيهم بالقلق، والخوف، والاضطراب؛ حتّى إنّهم فقدوا الإحساس بالإلهيّات! الإنسان، أحيانًا، يتمسّك بشكليّات الأمور، إلى حدّ أنّه يقتل الرّوح، فلا يحسّ بعمل الرّوح، من بعد، بأيّ شكل من الأشكال. هذا، بالضّبط، ما حدث للفرّيسيّين ولليهود: “كانوا يراقبونه هل يشفيه في السّبت لكي يشكوه“! بدلاً من أن يمجّدوا الله، صار همّهم أن يسجّلوا عليه وقوعه في ما اعتبروه محظورًا، أن يأخذوا عليه مخالفته لأحكام يوم السّبت! وأحكام يوم السّبت هذه اختراع من النّاس، لا من الله. إذًا، مات في اليهود الإحساسُ بالخير: الإحساس بالله، ومن ثمّ الإحساس بالإنسان. كلّ مفهوم الصّلاح والخير تغيّر، نتيجة ذلك. الإنسان، إذا ما تحوّلت حياته إلى مجموعة من الأحكام الشـّكليّة يسلك فيها؛ لا يبقى، إذ ذاك، إنسانًا! يفقد حتّى إنسانيّته، يفقد شعوره الإنسانيّ! لا يفقد، فقط، شعوره من جهة الله؛ إنّما يفقد، أيضًا، شعوره من جهة الإنسان!

طبعًا، إذا ما شاءت الكنيسة أن تجعل هذا الإنجيل في هذا اليوم بالذّات، أي في السّبت الأوّل من الصّوم؛ فالقصد أن نحذر لكي لا نقع، ونحن سائرون في الصّوم، في ما وقع فيه اليهود! نحن، إن أكلنا، فلا نزيد؛ وإن لم نأكل، فلا ننقص! الموضوع ليس، أبدًا، موضوع الامتناع عن الطّعام. الموضوع ليس، أبدًا، موضوع إتمام مجموعة من الفروض: أن نأتي، مثلا، كلّ يوم، إلى الكنيسة لنشترك في صلاة النّوم الكبرى، أو في القدّاس السّابق تقديسهالموضوع ليس موضوع واجبات! لا يمكننا أن نحوّل ما رتّبته الكنيسة إلى أحكام شكليّة! حتّى لو أتممنا الصّيام والانقطاع عن الزّفر كما يليق، إذا لم يتغيّر في قلوبنا الإحساس من جهة وقفتنا قدّام الله، وقدّام النّاس، وقدّام أنفسنا؛ وإذا لم يَنْمُ، نتيجة الصّوم، إحساسُنا بأنّنا بشر خطأة، وبأنّنا لا نحبّ كفاية، وبأنّنا لا نطيع الله كما يليق؛ وإذا لم يكن لدينا سعي لفتح صفحة جديدة في علاقتنا بالله، في محبّتنا لله؛ وإذا لم نفتح صفحة جديدة في سلوكنا في رحمة النّاس، في الصّدقة الّتي نتعاطاها مع النّاس؛ وإذا لم نفتح صفحة جديدة في نظرتنا إلى أنفسنا؛ فإنّنا، بلا أدنى شكّ، نتمّم فروض الصّوم الشـّكليّة، لكنّ النّتيجة تكون أنّنا نشعر بالبِرّ الذّاتيّ، وبأنّنا أتممنا فروضنا كما يليق؛ ومن ثمّ، قد صرنا على قاب قوسين وأدنى من ملكوت السّموات. وهذا كذب! المهمّ أن يتغيّر القلب. المهمّ، إذا كنّا لا نحبّ الآخرين كفاية، أن نمتدّ صوبهم، أن ننعطف عليهم. المهمّ، إذا كنّا، في السّابق، قد فترنا من جهة علاقتنا بالله، أن نستعيد حرارة الوقوف قدّام الله، أن نستردّ الإحساس بأنّنا لا نستحقّ أن نكون عبيدًا لله. إذا لم نحقّق شيئًا من هذا كلّه، فإنّ فروض الصّوم لا تنفعنا شيئًا.

إذًا، علينا أن نحذر لئلاّ يصير الصّوم سبيلاً إلى الغطرسة، والبرّ الذّاتيّ، وإدانة الآخرين، والشـّكليّات. لذلك، نحن نخفي كلّ ما نصنعه في الصّوم، سواء امتناعًا عن الطّعام كان، أم إحسانًا إلى النّاس، أم عبادة للهكلّ تفصيل من تفاصيل حياتنا في الصّوم ينبغي أن يكون لدينا مجالاً للتّملّؤ من حضرة الله، للتّملّؤ من الوعي بأنّنا بشر في حاجة إلى تنقية، وأنّ الرّبّ الإله هو مُنقّينا! وللتّملّؤ، أيضًا، من الإحساس بوجود الآخرين، من الإحساس بمحبّة الآخرين، برحمة الآخرينهذا كلّه هو المُرتجى، وهو ما علينا أن نسعى إليه، لكي يكون صومنا لأجل الإنسان، ولا نكون نحن لأجل الصّوم. نحن لسنا لأجل الصّوم! هناك، ربّما، مَن يظنّ، في الكنيسة أو في خارجها، أنّه، إن تمّم فروضًا معيّنة؛ فإنّه يقتني الملكوت. وهذا كذب. المهمّ أن تتغيّر قلوبنا، أوّلاًَ وأخيرًا، وأن نصير جُدُدًا، وأن نمتلئ من روح الله. إذ ذاك، يتسلّل الفصح إلينا، لكي يقيم فينا؛ فنفهم، حينئذٍ، معنى الحياة الجديدة، ومعنى القيامة في الرّوح!

فمن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة في السّبت 7 آذار 2009 حول مر2: 23- 28، 3: 1- 2

لا تحكموا بحسب الظـّاهر!

لا تحكموا بحسب الظـّاهر!

اﻷرشمندريت توما بيطار

إنجيل اليوم، يا إخوة، له عنوان رئيسيّ واحد، وهو: “لا تحكموا بحسب الظّاهر“. في القسم الأوّل من الإنجيل، الكلام هو على الكتبة. مَن هم الكتبة؟! الكتبة هم جماعة المتخصّصين بتداول الشـّريعة. يُفترَض بهم أن يكونوا معلِّمين للشـّريعة. الرّبّ يسوع يحذّر منهم. لماذا؟! لعدّة أسباب:

أوّلاً، لأنّهم يطلبون أن يمشوا بالحُلَلِ؛ بكلام آخر، عندهم حبّ الظّهور. يهتمّون بأن يكون لباسهم فاخرًا، مرتّبـًا. وطبعًا، محبّتهم للظّهور تقترن بروح الزّنى الّذي فيهم. الآباء القدّيسون يعلّموننا أنّ مَن يهتمّ بلباسه فوق الحدّ يكون الدّافعُ إلى فعلته هو الزّنى. الإنسان يُفترَض به أن يهتمّ بلباسه ليؤمّن لنفسه الدّفء. لكن، لا يليق بالإنسان المؤمن أن ينفق مالاً فوق الحدّ، أو وقتًا فوق الحدّ، على اللّباس. المهمّ للإنسان أن يستتر، وأن يستدفئ. هؤلاء، إذًا، يمشون بالحلل؛ وفي أعماقهم يحبّون الظّهور، وهم مائلون إلى روح الزّنى.

ثانيًا، لأنّهم يحبّون التّحيّات في الأسواق، وأن يقول لهم النّاس: “سيّدي، سيّدي؛ بكلام آخر، يحبّون التّفخيم، والتّعظيم، وأن يكونوا بارزين في القوم.

ثالثًا، لأنّهم يحبّون صدور المجالس في المجامع، وأوّل المتّكآت في العشاء“. مَن هو الّذي يجلس، عادة، في المجمع، في المقاعد الأولى؟! ومَن هو الّذي يجلس، عادة، في العشاء، في المقاعد الأولى؟! طبعًا، علّيّة القوم. الكتبة يهمّهم، دائمًا، أن يقدّموا أنفسهم باعتبارهم من علّيّة القوم.

رابعًا، لأنّهم يأكلون بيوت الأرامل“. ما معنى ذلك؟! في ذلك الحين، كانت الشـّريعة تطلب أن يكون لكلّ أرملة من الأرامل كفيل. والأرملة، الّتي كان زوجها غنيًّا، كان العديدون يشتهون أن يكفلوها. لماذا؟! لأنّ مَن يكفلها كان يضع يديه على ما عندها من مال. الكتبة كانوا يأكلون بيوت الأرامل، وبعلّة يُطيلون صلواتهم“. طبعًا، كان للأرملة الحقّ في أن تختار الكفيل المناسب لها. وبطبيعة الحال، كانت تختار مَن ترى فيه تقوًى، مَن ترى فيه استقامة، مَن ترى فيه أمانة. والكتبة كان يهمّهم أن يتظاهروا بأنّهم أتقياء. لذلك، يقول السّيّد عنهم إنّهم بعلّة يُطيلون صلواتهم“. السّبب أنّهم كانوا يريدون أن يراهم النّاس يصلّون، لكي يقولوا عنهم إنّهم أتقياء. وهذا، طبعًا، يجعلهم ذوي سمعة جيّدة، ويصوّرهم على أنّهم قوم محبّون لله. بهذه الطّريقة، كان الكتبة يخدعون الأرامل، لكي يأكلوا أموالهنّ. لذلك، الكتبة الّذين كانوا يحبّون المظاهر، وكانوا مرائين، قال عنهم السّيّد: “ستنالهم دينونة أعظم، لأنّهم كذبة، ومخادعون. ولهذا السّبب، لا يمكن، أبدًا، أن يثق المرء بهم. إذًا، على المرء أن يحذر الحُكـْمَ بحسب الظّاهر، وأن ينظر إلى الأعماق، ما أمكن؛ والأعماق تظهر، في العادة، من خلال الثّمار. إذا كانت الثّمار جيّدة، فإنّ الأعماق تكون نقيّة. لكنّ ثمار الكتبة ملؤها التّعظّم، والتّفخيم، والمجد الباطل، والكبرياء، والرّياء، والسّرقةلذلك، على التّلاميذ أن يحذروهم؛ وأن يحذروا، أيضًا، كلَّ مَن يبدو أنّه تقيّ، أو مَن يبدو أنّه سخيّ ويحبّ الفقراء. الفضائل، في الحقيقة، نتعاطاها في الخفية، ما أمكن؛ ولا نتعاطاها في الظّاهر. الإنسان، بسهولة، يمكن أن يستخدم ظاهرَ الفضائل لكي يخدع بسطاء القوم. هذا بالنّسبة إلى القسم الأوّل من إنجيل اليوم.

بالنّسبة إلى القسم الثّاني، لاحظ يسوع أنّ الأغنياء كانوا يلقون تقادمهم في الخزانة“. الخزانة عند الهيكل كانت المكان الّذي يضع فيه النّاس مساعداتهم. إلى أين تذهب هذه المساعدات؟! عمومًا، تذهب إلى الهيكل، إلى خدّام الهيكل، وربّما إلى بعض الفقراء. إذًا، هناك أغنياء كانوا يلقون تقادمهم. طبعًا، كانوا يلقون، عمومًا، بوفرة. يتصوّر الإنسان، في السّياق الّذي يتكلّم فيه يسوع، أنّ الأغنياء كانوا يلقون تقادمهم بطريقة ظاهرة، حتّى يمجِّدهم النّاس. في مقابل ذلك، جاءت امرأة أرملة مسكينة. الكلام في القسم الأوّل هو على الأرامل، والكلام في القسم الثّاني هو على الأرملة المسكينة. الأرامل، بعامّة، إمّا كانت تُنهَب أموالهنّ، أو كنّ يعـِشن في الحاجة، في الفقر. إذًا، هذه صورة عن أرامل فلسطين: أرملة مسكينة، فمَن يهتمّ لها؟! مَن يبالي بها؟! وماذا ستضع في الصّندوق، في كلّ حال؟! ألقت هذه الأرملة الفقيرة فلسَيْن. كلّ النّاس، في الحقيقة، يهتمّون، أوّلاً، بقيمة ما يُلقى، في الخزانة؛ حتّى في الكنيسة! وكلاء الكنيسة، مثلاً، بِمَ يهتمّون، في الدّرجة الأولى؟! يهتمّون بأن يكون المبلغ الموجود في الصّندوق مبلغًا كبيرًا! مَن يبالي بالمبلغ الصّغير؟! مَن يبالي بمئتين وخمسين ليرة لبنانيّة، مثلاً؟! إنّها لا تعني شيئًا لمعظم النّاس. لكن، هنا، الرّبّ يسوع يشير، بوضوح، إلى وجوب عدم الاهتمام بكمّيّة المال الّتي تُلقى في الخزانة، أو في الصّندوق. اهتمامنا، في الدّرجة الأولى، ينبغي أن يكون بمَن أعطى. ومَن يعطي، يحكم، في الحقيقة، على نفسه إذا كان يعطي من فضلاته؛ فمَن يعطي من فضلاته، فقيمة ما يعطيه تكون بخسة، قليلة، ولو كان المبلغ، نقديًّا، كبيرًا! قيمته، في عين الله، تكون قليلة. المهمّ أن يعطي الإنسان من حاجته، لا من فضلاته، إذا أراد أن يعطي. طبعًا، ليس أحد ملزَمًا بأن يعطي. الإنسان يعطي من فيض قلبه، لا من فيض جيبه! فإذا كان قلبه قويمًا، ومحبًّا؛ فإنّه يعطي في كلّ الأحوال، ولو كان هو في حاجة إلى ما يعطيه. إذًا، المهمّ في العطاء قصد القلب. إذا كان الرّبّ الإله يحكم على العطاء على هذا النّحو؛ فعلينا، نحن أيضًا، أن نحكم بالطّريقة نفسها، وأن نتعاطى العطاء بالطّريقة ذاتها. ليس سيّئًا، طبعًا، أن يعطي الإنسان القليل، وله وفرة من المال. هذا لا بأس به. لكنّ العطاء الحقّ، العطاء الكبير هو أن يحرم الإنسان نفسه ممّا عنده، لكي يعطي مَن ليس عنده. هذا يرى الرّبّ الإله قلبه، يرى محبّته، يرى اتّكاله عليه. وهذا ينال نعمة فوق نعمة.

إذًا، لا نهتمّنّ بما هو بحسب الظّاهر. ليكن همّنا مركَّزًا، أوّلاً وأخيرًا، على نيّة القلب؛ على الّذي يسلك بمحبّة مع الفقراء، وبسخاء من جهة بيوت الله؛ وعلى مَن عطاؤه في الخفاء، وباتّضاع؛ على مَن لا يطلب ما لنفسه: لا مجدًا، ولا عظمةً؛ على مَن يطلب، فقط، رحمة الله. مَن يعطي، في الحقيقة، يطلب رحمة الله. لذلك، قيل، في المزمور، إنّ مَن يعطي الفقراء يعينه الرّبّ الإله على سرير ألمه (مز40: 3). إذًا، نحن، من خلال العطاء، نسأل رحمة الله، ونسأل بركته، ونسأل غفران خطايانا، إذ يقول الكتاب: “المحبّة تستر جمًّا من العيوب” (أم10: 12؛ 1بط4: 8). ومن ثمّ، المحبّة، في العطاء النّابع من القلب، تستر جمًّا من العيوب. على هذا النّحو، حتّى الأمور الّتي تُعتبَر، وفق مقاييسنا، عاديّة تتحوّل إلى آنية للخلاص، وإلى أسباب للتّقديس.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول لو20: 46- 47؛ 21: 1- 4، في السّبت 19 شباط 2011

رأس السّنة بين الزّمن الدّهريّ والزّمن الأبديّ

رأس السّنة بين الزّمن الدّهريّ والزّمن الأبديّ*

اﻷرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، اليومُ، بحسب عرف النّاس، هو أوّل السّنة. طبعًا، في الماضي، أوّل السّنة لم يكن، بالضّرورة، في الأوّل من كانون الثّاني. كان هناك أكثر من تاريخ لبداية السّنة، وفقًا للأزمنة، ووفقًا للشـّعوب. مثلاً، قديمًا، أوّل السّنة كان في تشرين الأوّل. بحسب ترتيبات أخرى، كان في نيسان. وبحسب ترتيبات أخرى أيضًا، كان في أيلول. أمّا نحن، في الكنيسة، فلا نحتفل برأس السّنة في الأوّل من كانون الثّاني. نحن نحتفل برأس السّنة الكنسيّة في الأوّل من أيلول.

من المهمّ جدًّا أن نعرف أنّ السّنة الكنسيّة مختلفة عن السّنة الدّهريّة، الّتي من هذا الدّهر، والّتي يحتفل بها النّاس بحسب هذا الدّهر. السّنة الدّهريّة هي سلسلة أيّام. ومن وقت إلى آخر، يجعل أهل هذا العالم لهم أعيادًا، أيضًا، من هذا الدّهر؛ كالاحتفال، مثلاً، بعيد الاستقلال، أو عيد التّحرير، أو عيد العمل، أو عيد الشـّهداءهذه كلّها أعياد بشريّة دهريّة؛ وليست لنا، كنسيًّا، علاقة بها؛ وإن كنّا، بطبيعة الحال، كمواطنين في هذا البلد، نشترك مع غيرنا، من غير المؤمنين بيسوع، بهذه الأعياد. السّنة الكنسيّة ليست كذلك، أبدًا. السّنة الكنسيّة، عندنا، ليست سلسلة أيّام، بل تبدأ بعيدٍ للقدّيسين. وكلّ يوم من أيّام السّنة الكنسيّة فيه عيد لقدّيس، أو عيد للسّيّد، أو عيد للسّيّدة والدة الإله. ما من يوم، أبدًا، من أيّام السّنة الكنسيّة، إلاّ وفيه عيد لمجموعة من القدّيسين. علامَ يدلّ هذا الأمر؟! هذا الأمر يدلّ على أنّ الزّمن الكنسيّ مختلف عن الزّمن الدّهريّ، عن الزّمن العالميّ. وإذا كنّا نحتفل بأعياد القدّيسين، فهذا معناه أنّنا قد دخلنا في زمن جديد. نعم، هناك زمن عتيق، وهناك زمن جديد؛ هناك زمن من هذا العالم، وهناك زمن من العالم الآخر. الاحتفال بأعياد القدّيسين وبالمناسبات الكنسيّة المختلفة إنّما يدلّ على أنّ حياتنا، في المسيح، باتت تنتمي إلى غير هذا الزّمن. نحن، بعدما اعتمدنا باسم الآب والابن والرّوح القدس، وبعدما أخذنا نسلك بالإيمان بيسوع، وبعدما أصبح الإنجيل دستور حياتنا؛ صارت حياتنا تنتمي إلى الحياة الأبديّة، إلى الزّمن الأبديّ.

نعم، هناك زمن جديد دخل إلى البشريّة، هو الزّمن الأبديّ. هذا الزّمن الّذي نحن فيه، اليوم، على الأرض، هو زمن يبدأ، ثمّ ينحدر بالخليقة، قليلاً قليلاً، إلى أن يصل بها إلى الموت. الشـّجرة تبدأ بذرة. وهذه البذرة تنمو؛ لكنّها، في أثناء نموّها، تتحرّك، بصورة حثيثة لا يمكن إيقافها، باتّجاه الموت. الزّمن العالميّ، أو الزّمن الدّهريّ، هو زمن مائت، أي زمن يؤدّي إلى الموت. يعيش المرء عددًا محدّدًا من السّنوات. لكن، تأتي ساعة ينحدر فيها إلى القبر. حتّى منذ أن يبدأ الكائن في الحشا، منذ أن يبدأ الإخصاب في حشا الأمّ، تبدأ الحياة؛ وفي آنٍ، يبدأ الموت. لذلك، علميًّا وطبّيًّا، جسم الإنسان يُنتج، دائمًا، خلايا جديدة، حياة جديدة. حين يتوقّف الجسم عن إنتاج خلايا جديدة؛ فالإنسان، بكلّ بساطة، يموت. لكن، فيما يُنتج الجسم خلايا جديدة، هناك، في المقابل، خلايا تموت. إذًا، حركة الحياة تبدأ من الحشا، وكذلك حركة الموت. لكن، ما يحدث أنّ المرء يصل إلى وقت تتوقّف فيه حركة الحياة. الحياة تتباطأ، قليلاً قليلاً، ويسود الموت. لهذا السّبب، قلنا إنّ الزّمن الّذي نحن فيه، في هذا العالم، هو زمن مائت.

أمّا الزّمن الأبديّ، الّذي كنتُ أتكلّم عليه قبل قليل، فمختلف. الزّمن الأبديّ يبدأ بالإيمان بالرّبّ يسوع. إذا كان الإنسان طفلاً، فإيمان أمّه وأبيه يكون كافيًا؛ لأنّه ينتمي إلى أبويه، ينتمي إلى عائلة. يبدأ، إذًا، بالايمان؛ ثمّ ينتقل إلى المعموديّـة، أي إلى الولادة الجديدة بالماء والرّوح. عندها، تدخل في الإنسان حياة جديدة. هناك حياة عتيقة، وهناك حياة جديدة. قلت إنّ الحياة العتيقة تنحدر إلى الموت. أمّا الحياة الجديدة، فلا تنحدر إلى الموت، إنّما هي في تصاعد مستمرّ. الإنسان في حالة تصاعد مستمرّ لا يتوقّف! نحن في حركةٍ نحو الحياة الأبديّة؛ لهذا، نحن ندخل، بالإيمان والمعموديّة، في الزّمن الجديد، في الزّمن الأبديّ. وهذا، عمليًّا، يعني أنّ الإنسان ينمو، بصورة خفيّة، تصاعديًّا، إلى فوق؛ ولا يظهر، بشكل واضح وصريح، لعيون الّذين لا يؤمنون. لكنّ هذا حقّ، هذا يحدث. في الزّمن العتيق، الإنسان ينتهي بالموت؛ في الزّمن الجديد، الإنسان المؤمن يكتمل على الأرض بالموت. وهذه مرحلة ينتقل منها الإنسان إلى مرحلة أخرى، ينتقل إلى عالم آخر، ينتقل إلى حياة مختلفة لكنّها حقيقيّة جدًّا ويكمل سيره تصاعديًّا نحو الحياة الأبديّة. هذا ما يحدث، حين يموت الإنسان المؤمن بالجسد. إذ ذاك، يكون قد تكمّل هنا، كالشـّجرة الّتي تعطي ثمرة جيّدة بعد أن تكون دورة الحياة فيها قد اكتملت. متى بلغ الإنسان الاكتمال بالجسد، وصار ثمرةً ممتلئةً من روح الرّبّ القدّوس؛ فإنّ الرّبّ الإله يأخذه ويضمّه إليه. إذ ذاك، يدخل في عالم النّور، الّذي هو عالم الله. وهناك، يستمرّ بالنّموّ، يستمرّ صُعُدًا بالحياة، ويبقى في وضع النّموّ، بصورة متواترة، إلى الوقت الّذي حدّده الرّبّ الإله. بعد كم من الوقت؟! لا نعرف.

لكن، نعرف أنّ وقتًا سيحين، وهو ما يُسمّى وقت القيامة العامّة، فيه، الّذين آمنوا ونموا بالنّعمة والقامة يستردّون، بنعمة الله، أجسادهم الّتي سبق لها أن انحلّت. هذا الجسد سينحلّ إلى ذرّات مختلفة. وقد يبقى من هذا الإنسان بعض العظام. في القيامة العامّة، تجتمع الذّرّات الخاصّة بكلّ إنسان بعضها إلى بعضها الآخر. (مَن يريد فكرة أوضح، يستطيع أن يقرأ الإصحاح السّابع والثّلاثين من نبوءة حزقيال النّبيّ، حيث يتكلّم بشكل جميل جدًّا على هذا الموضوع). ربّما يكون بعض الذّرّات موجودًا هنا، وبعضها هناك، في غير مكان. ليس ضروريًّا أن تكون الذّرّات كلّها في المكان نفسه. لكن، بنعمة الله، تجتمع الذّرّة إلى الذّرّة، لتعود فتشكّل خليّة من جديد؛ والخليّة تجتمع إلى الخليّة لتستعيد العضو، كلّ عضو من أعضاء جسد الإنسان؛ والأعضاء يتضافر بعضها مع بعضها الآخر، إلى أن يُستَعاد الإنسان كلّه بقوّة الله، وبنعمة الله. والإنسان الّذي يكون قد مات جسدُه هذا الإنسان الّذي استمرّ في الحياة سنين طويلة من دون جسد يستعيد جسده، ويعطيه الرّبّ الإله نعمة خاصّة حتّى لا يكون بالإمكان، بعدُ، أن يتفكّك هذا الجسد من جديد. هذا الجسد هو نفسه، بروح الله، يصير جسد المجد. الرّسول بولس يتكلّم على جسد المجد غير القابل للتّفكّك. الإنسان، إذًا، كلّ إنسان، يستعيد جسده نفسه. لكنّ هذا الجسد يكون ممتلئًا بالحياة، ويصير غير قابل للموت، ومن ثمّ للتّفكّك. إذ ذاك، يكتمل قصد الله للإنسان. ما من إنسان من دون جسد. الإنسان لا يستطيع أن يتحوّل إلى روح. الملاك روح، بمعنًى من المعاني، ولو كان له جسده الخاصّ. لكنّ أجساد الملائكة تختلف عن أجساد البشر. نحن، كبشر، جمع الله فينا بين ما هو من الرّوح وما هو من التّراب. وفي وقت من الأوقات، قال: “أنتَ، يا إنسان، من التّراب وإلى التّراب تعود” (تك3: 19)؛ فصار الإنسان يموت بحسب الجسد. حين يصل الإنسان إلى القيامة العامّة، يستردّ هذا الجسد التّرابيّ، الّذي يصير ممتلئًا من نور الله، ومن نعمة الله؛ ويصير إنسانًا غيرَ قابل للموت، فيما بعد. هذا، بطبيعة الحال، إذا كان مؤمنًا بالرّبّ يسوع. لا تسألوني: ما مصير الّذين لا يؤمنون؟! فهذا موضوع آخر. لكن، كلّ هذا يحدث للإنسان، في الزّمن الجديد، الّذي نبدأ باختباره منذ الآن! ما دام روح الرّبّ يعمل فينا، منذ الآن، فنحن قد دخلنا في دائرة الزّمن الجديد، ونحن ننمو صُعُدًا بالحياة الأبديّة إلى وجه الله.

إذًا، تصوّروا واقع الإنسان، واقع كلّ واحد منّا، هنا على الأرض! هو يسير نحو القبر؛ وفي الوقت نفسه، يسير نحو السّماء، نحو وجه الله! الإنسان يختبر هذين الأمرين معًا، وهاتين الحالتين معًا. لا نستطيع أن نفهم؟! ليس للمرء، بالضّرورة، أن يفهم. المهمّ أن يقبل. لكن، هذا هو واقع الإنسان الجديد. لهذا السّبب، الإنسان الجديد، بمعنى الكلمة، هو القدّيس. وكلّ واحد منّا مدعوّ إلى أن يصير قدّيسًا. عند الرّبّ ليس هناك سوى قدّيسين. القدّيسون هم الّذين يحيون بروح الله. إذًا، هناك فرق كبير بين الزّمن العتيق، زمن الموت؛ والزّمن الجديد، زمن الحياة الأبديّة. لهذا السّبب، بالنّسبة إلينا، السّنة الكنسيّة لا تبدأ في الأوّل من شهر كانون الثّاني، وليست سلسلة أيّام؛ إنّما تبدأ في الأوّل من شهر أيلول، وهي سلسلة قدّيسين؛ أو، بالأحرى، هي عمل الرّوح القدس في الّذين يؤمنون. الرّوح القدس له عمل أساسيّ، على الأرض، وهو أن يُنتج قدّيسين. هؤلاء القدّيسون نُدخلهم نحن في هذه السّنة الكنسيّة، ونحتفل بأعيادهم. نحن ننظر، دائمًا، إلى هناك، إلى الآتي، إلى ما نحن ذاهبون إليه. ليس أحد منّا قابعًا ينتظر القبر. نحن ننظر إلى ما بعد القبر. بالنّسبة إلينا، القبر هو مرحلة ننتقل بها إلى حياة أكمل، وإلى حضور أوفى مع الله. هذا هو سعينا. لا أحد منّا يستطيع أن يضمن حياته، هنا، لثانية واحدة. لا ضمانة للإنسان، أبدًا، على الأرض. الموت يمكن أن يأتي في أيّة ساعة كانت. أمّا في الزّمن الجديد، ما دمنا متمسّكين بالإيمان بالرّبّ يسوع المسيح، فنحن في حياة مزدهرة، تنمو فينا بصورة دائمة، وتملؤنا من حياة الله، من حضور الله، من روح الله، من نعمة الله. وهذا ما ننظر إليه الآن، وغدًا، وبعد غدٍ، وإلى ما لا نهاية.

إذًا، اليوم، نحن لا نحتفل برأس السّنة، بل نحتفل بختانة ربّنا يسوع المسيح بالجسد، ونحتفل بتذكار أبينا القدّيس الجليل باسيليوس الكبير. وختانة الرّبّ يسوع لها معنيان. أصلاً، الختانة، عند اليهود، لم تكن فريدة من نوعها، إذ كانت موجودة عند الشـّعوب القديمة. بعض هذه الشـّعوب كانت الختانة عنده لها معنى دينيّ. عند اليهود، الختانة لها معنى النّقاوة، ولها معنى الحياة. والنّقاوة والحياة أمران ارتبطا بإيمان الشـّعب العبري بالله. إذًا، في هذا اليوم، نحن نحتفل بعيد النّقاوة وعيد الحياة. لكنّنا لا نقف عند ما كان يفكّر فيه العبرانيّون، قديمًا؛ لأنّ ما كانوا يفعلونه اتّخذ، اليوم، معنًى جديدًا. في الماضي، النّقاوة، عند اليهود، كانت نقاوة في الجسد. اليوم، نحن نسعى للنّقاوة في القلب. وهذا له علاقة بنعمة الله، وله علاقة بتعاوننا مع نعمة الله. لهذا السّبب، العهد الجديد يقول: “طوبى لأنقياء القلوب، فإنّهم يعاينون الله” (متّى5: 8). نحن نطلب مثل هذه النّقاوة، نقاوة القلب؛ حتّى نعاين الله، أي حتّى ندخل في نور الله، في عالم النّور الإلهيّ غير المخلوق. والختانة كانت تعني للقدامى، أيضًا، الحياة؛ إنّما بحسب الجسد. أمّا بالنّسبة إلينا، فالحياة صارت هي الحياة الأبديّة. نحن نسلك في نقاوة القلب التماسًا للحياة الأبديّة. لذلك، الختانة، في كنيسة المسيح، استُعيض عنها بالمعموديّة، معموديّة الماء والرّوح. من هناك، يدخل الإنسان في نفق النّقاوة الإلهيّة، وفي نفق الحياة الأبديّة.

ثمّ إنّ الختانة كانت مرتبطة بتسمية الطّفل، في اليوم الثّامن. بكلام آخر، بعد ثمانية أيّام من ولادة الطّفل، كانوا يختنونه بالجسد، ويعطونه اسمًا. هذا يعني أنّه لم يكن يُسمّى قبل ذلك. إعطاء الاسم، في الماضي، كان مهمًّا جدًّا؛ لأنّ معناه هو هويّة الإنسان. إذا قلتُ، مثلاً، أوفيميّا؛ فهذا يعني أنّني أشير إلى هويّة معيّنة. إذا قلتُ نسيم، فأنا أشير إلى هويّة محدّدة. هذا مهمّ جدًّا، في الكنيسة، إذ بالمعموديّة يُعطى الإنسان اسمًا جديدًا. وفي كتاب رؤيا يوحنّا، الإنسان يُعطى اسمًا جديدًا لا يعرفه إلاّ هو، أي يُعطى هويّة جديدة، يُعطى انتماء إلى ملكوت السّموات! في الوقت نفسه، لا شكّ في أنّ إعطاء الاسم وإجراء الختانة في اليوم الثّامن أمر لافت؛ لأنّ اليوم الثّامن، حسب آبائنا القدّيسين يشير، بشكل واضح جدًّا، لا إلى هذا الدّهر، بل إلى الدّهر الآتي، أي إلى الزّمن الجديد. بشريًّا، الأسبوع مؤلَّف من سبعة أيّام، وما من يوم ثامن. لكنّ المقصود باليوم الثّامن هو اليوم الّذي يتخطّى زمن هذا الدّهر. والزّمن الّذي يتخطّى زمن هذا الدّهر هو زمن الدّهر الآتي، هو زمن الحياة الأبديّة، هو الزّمن الأبديّ، هو الحياة في ملكوت السّموات.

إذًا، نحن، اليوم، احتفلنا بعيد الختانة، ختانة الرّبّ يسوع المسيح؛ لأنّ الرّبّ اقتبل أن يكون تحت الشـّريعة، واختتن كما يختتن كلّ يهوديّ. هذا تنازل عظيم منه. لكن، بمجرّد أنّه اقتبل ختانة بشريّة، فقد ألغاها، وأبطل قيمتها، وأدخلنا إلى ختانة جديدة، هي المعموديّة باسم يسوع. لهذا السّبب، ما نحتفل به، اليوم، هو، عمليًّا، الزّمن الجديد. وقد شاءت الكنيسة أن تجعل هذا اليوم يوم الختانة، لتقول لنا إنّنا لا ننتمي، بعدُ، إلى زمن هذا الدّهر؛ بل ننتمي، من الآن فصاعدًا، إلى زمن الدّهر الآتي. وأوّل قدّيس نحتفل به، في هذه السّنة العالميّة، هو القدّيس باسيليوس الكبير، الّذي هو نموذج هامّ جدًّا من نماذج القدّيسين. نحن، من الآن، نقدّم، لا أيّامًا نحتفل بها في مناسبات من هذا الدّهر؛ بل نقدّم مناسبة واحدة نحتفل بها، وهي القداسة. وهذا نموذج من أكمل نماذج القدّيسين، تقول لنا الكنيسة به إنّنا قد دخلنا في زمن القداسة، وبالقداسة وحدها يتمّ الاحتفال، كلّ يوم؛ إلى أن ندخل، بالموت حسب الجسد، إلى حياة النّور؛ وننمو، من هناك، صُعُدًا إلى وجه الله.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول لو2: 20- 21؛ 40- 52 في السّبت 1 كانون الثّاني 2011

توبوا فقد اقترب ملكوت السموات

توبوا فقد اقترب ملكوت السموات

اﻷب أنطوان ملكي

أول عظة قالها السيد للشعب، من بعد معموديته، كانت “توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات” (متى 17:4)، فهو يدعوهم لأن التوبة أمر أساسي في حياتنا. يقول إشعياء النبي “الشعب السالك في الظلمة قد أبصر نوراً عظيماً”، فهل من ارتباط بين التوبة والنور؟ طبعاً، ﻷن النور الحقيقي هو الذي يأتي من المسيح الذي لا نعرفه من دون توبة.

فالتوبة كما يعرّفها الآباء القديسون هي “تغيير الذهن أو العقل”. التوبة ليست الندامة وحسب بل هي تغيير الذهن وطريقة التفكير، التوقّف عن التفكير بالخطيئة والبدء بالتفكير بالأمور الصالحة، فهكذا يكون تغيير الذهن عن التفكير بالشر للتفكير بالأعمال الصالحة، هذا هو الشكل الحقيقي للتوبة. إذاً التوبة ليست حالة نفسية أو عصبية، ليست أن يتوتّر اﻹنسان ويصرخ قد تبت، قد تبت، بل هي بناء الذات، أي أن يعود لذاته ويبنيها بناءً صالحاً، لا أن يبكي ويعول أو أن يعاتب نفسه. هي تغيير الذهنك لإصلاح الحياة، لإصلاح الذات والتحول إلى إنسان جديد.

التائب هو الذي لا ينظر إلى الوراء بل إلى فوق إلى الله المحب البشر. التوبة هي عودة إلى النور، هي عبور من الظلمة إلى النور. إذا كان اﻹنسان غارقاً في الظلمة سيحتاج إلى نور كي يفضح نفسه ويكشفها فيراها على حقيقتها، يرى أهواءها، ويرى خطاياها. لكن عن أي نور نتكلم؟ عن نور المسيح، الذي أخذه الجميع يوم المعمودية، لكن أما يزال مشتعلاً فينا؟ أما زال ينير الظلمة التي دخلنا فيها بسبب خطايانا؟ كل إنسان معمّد لديه نور المسيح وخصوصاً مَن يشترك بجسد المسيح ودمه، أما الذي لا يشترك بهما فلا يغذي هذا النور بل يدعه ينطفئ. الإنسان التائب هو الذي يهيئ نفسه لاتقاد النور في داخله.

أن يتوب اﻹنسان مغيّراً ذهنه عن الخطيئة، مصلحاً ذاته، موجهاً عقله نحو السماء، نحو الله، هو هدف التوبة، عندها يكتشف أنه ابن لله، ابن للنور، والمسيح يدعوه ليكون ابناً للنور. لن يشتعل النور الحقيقي، الذي بداخله من يوم المعمودية، بدون التوبة، فيمكن أن يكون هذا النور عند أي مسيحي خامد ولكنه سيكون متقداً عند التائب فيقدسه. نور الرب هو الذي يطهر.

ما علاقة النور بالتوبة؟ كي نتوب يجب أن يدخل فينا النور، وما دمنا معتمدين فنحن نملك هذا النور. لكن ما نتائج التوبة؟ من نتائج التوبة أن يسكن فينا نور المسيح، وينضح منّا هذا النور. هذه هي علاقة النور بالتوبة، علاقة متبادلة، أي إن تاب اﻹنسان سيحصل على النور الحقيقي، ومن جهة أخرى بدون النور لن تُكشف خطاياه ولن يستطيع أن يتوب توبة حقيقية مغيّراً ذهنه ومصلحاً ذاته مطهّراً إياها ناظراً لفوق إلى العلى إلى الملكوت السماوي.

الإنسان التائب هو الإنسان الذي يمتلك حياة جديدة ملؤها السلام والمحبة والتواضع، وبالنهاية يكون الملء من روح الله، هذا هو هدف الإنسان المسيحي الحقيقي الذي يسعى لملكوت السموات. التوبة ليست عملاً مؤقتاً بل هي عمل مستمر حتى نهاية العمر، أي لا يمكننا القول أننا تبنا اليوم فقد خلصنا، طبعاً لا، ومن ناحية أخرى إن لم نكن تائبين العمر كله فلن نخلص، ولن نحصل على النور الحقيقي ولا على ملكوت السموات. يدعونا المسيح أن نكون من أهل التوبة لأننا سنخلص بها “توبوا فقد اقترب ملكوت السموات” أي لا تنوحوا، لا تبكوا، بل غيّروا أنفسكم وطريقة تفكيركم وحياتكم، فالمعتاد على عدم الصوم فليصُم، إن والمعتاد على الكفر فليكفّ عنه، والمعتاد على الكذب فليتمسّك بالصدق، عندها تكون التوبة قد بدأت والقلب يتّسع لسكنى المسيح ويصير مفيضاً للنور فيتمّ الخلاص.

جنون الوصيّة الإلهيّة!

جنون الوصيّة الإلهيّة!

اﻷرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، أودّ، بإذن الله، أن أتوقّف، اليوم، عند سؤال طُرح على الرّبّ يسوع، وعند جواب أعطاه. السّؤال صدر عن إنسان ليس معروفًا. قال: “يا ربّ، هل الّذين يخلصون قليلون؟!”، فأجاب يسوع: “اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضّيّق“. الرّبّ يسوع لم يعطِ جوابًا مباشرًا عن السّؤال الّذي طرحه هذا الإنسان. لقد كان من المتوقَّع أن يجيب الرّبّ يسوع إمّا بنعم، وإمّا بلا؛ أي نعم، الّذين يخلصون قليلون، أو لا، الّذين يخلصون ليسوا قليلين“. لكنّه أعطى جوابًا عن سؤال كان يجب أن يُطرَح. عند الرّبّ يسوع، ليس لكلّ سؤال جواب. أحيانًا، يطرح النّاس أسئلة قد لا يكون لها أجوبة، عند الرّبّ الإله. عادة، الجواب يكون صائبًا، أو مُخطئًا. أمّا عند الرّبّ يسوع، فالسّؤال ينبغي أن يكون صائبًا، أوّلاً؛ حتّى تكون له إجابة صائبة.

لماذا يسأل الإنسان هل الّذين يخلصون قليلون؟؟! هذا سؤال فضوليّ، والنّاس عندهم الكثير من الفضول! يحبّون أن يعرفوا من أجل المعرفة. هذه ميزة من ميزات عالمنا، اليوم. نبحث عن المعرفة من أجل المعرفة. يكدّس الإنسان المعلومات والمعارف، ويتعب عبثًا في جمعها، وأكثرها ليس نافعًا في شيء. هذا، في الحقيقة، من دلائل سقوط الإنسان. بعد أن سقط الإنسان، صار هناك خلل في كلّ البنية الإنسانيّة. تركيز الإنسان صار على القوى الدّماغيّة، على العقل، على الفكر؛ لأنّ الدّماغ هو ما يمكن أن تتجلّى فيه قوّة الإنسان. قوّة الإنسان، في العمق، كإنسان، هي قوّة دماغيّة. اليوم، كلّ الحضارة، الّتي نحن في كنفها، هي حضارة تعتمد، في الدّرجة الأولى، على قوى الإنسان الدّماغيّة. من أجل إبراز هذه القوى الدّماغيّة وتنميتها، تقيم الشـّعوب مدارس، مثلاً! ما القصد من المدارس؟! في الدّرجة الأولى، القصد هو صقل القوى الدّماغيّة عند الإنسان، وتنميتها، وتوجيهها. ونحن نرى، في العالم، أنّ الإنسان، بسبب هذا التّركيز على القوى، يمكنه أن يصنّع أمورًا لا حاجة إليها، وبإمكانه أن يعيش من دونها، وحتّى بشكل أفضل. ومع ذلك، يصنّع هذه الأدوات، وهذه الوسائل. مثلاً، السّلاح! لماذا يصنع الإنسان السّلاح؟! هو يقول إنّه في حاجة إلى أن يدافع عن نفسه. الشـّعوب تقول إنّها في حاجة إلى أن تدافع عن نفسها. لكنّ السّلاح، عمليًّا، هو للقتل! والإنسان، عبر السّنوات، لا سيّما عبر القرنين العشرين والواحد والعشرين، تفنّن كثيرًا في صناعة الأسلحة! حتّى إنّه صنع، ويصنع، أسلحة ليست، أبدًا، للدّفاع عن النّفس. مثلاً، القنابل الرّهيبة الإشعاعيّة والذّرّيّة، الّتي تُصنَع، ليست للدّفاع عن النّفس! هذه لقتل البشريّة! هذه لتدمير ما له علاقة بالأرض، ما له علاقة بالبشر، ما له علاقة بالحضارات! اليوم، مثلاً، كلّ الصّناعات، الّتي يهتمّ بها الإنسان، لا يحتاج، في الحقيقة، إلاّ ربّما إلى جزء قليل منها، ليجعل الحياة على الأرض أفضل ممّا هي عليه. الإنسان، اليوم، ليست عنده حدود، في وجدانه، تردعه عن صناعة أيّ شيء! هو مستعدّ لأن يستعمل قواه العقليّة لتصنيع أيّ شيء! خذوا، مثلاً، الصّناعات البيولوجيّة. الإنسان، اليوم، يحاول أن يصنع إنسانًا! ويحاول أن يصنعه بقواه العقليّة! يُجري التّجارب من أجل ذلك، ويسخـّر طاقات هائلة لغرض صنع إنسانٍ جديد، إنسانٍ مصنَّع! طبعًا، المحاولات جارية لصنع حيوانات، أيضًا! انظروا، مثلاً، ماذا فعل، ويفعل، الإنسان في موضوع الغذاء. قلّة منّا، ربّما، تدرك أنّ معظم الغذاء الّذي نتناوله قد أصبح مصنَّعًا. طبعًا، لا بدّ من اعتماد الزّراعة. لكن، هناك زراعة مصنَّعة. البذور، مثلاً، الّتي تُبذَر في الأرض من أجل الحصول على الخضار والفاكهة، القسم الأكبر منها صار، اليوم، مصنَّعًا! النّاس يتلاعبون بالجينات الخاصّة بهذه البذور، بحيث يوجِدون ما لم يكن موجودًا، ويوجِدون الخضار والفاكهة وفقًا للمصالح: مصالح الأفراد، ومصالح الجماعات؛ ووفقَا لزيادة الإنتاج، وأمور كهذه! الكلّ القصد منه التّجارة الكبيرة. مثلاً، معظم البندورة الّتي نأكلها بندورة مصنَّعة، ملعوب فيها جينيًّا. وقد ثبت أنّ أربعين في المئة، على الأقلّ، من أمراض الإنسان المستحدَثَة، عائد إلى التّغذية المغلوطة، الّتي بتنا معرَّضين لها.

باختصار، إذًا، الإنسان بات يستعمل قواه العقليّة حيث ينبغي، وحيث لا ينبغي! لم يبقَ هناك أيّ فاصل بين الأمرين! لا حدود لاستعمال القوى العقليّة، عند الإنسان. هذا من علامات السّقوط! الإنسان، من خلال استعمال قواه العقليّة بهذه الطّريقة، يهمّه، في الدّرجة الأولى، أن يتعاطى القوّة، في العالم! يريد أن يتعاطى الخَلـْق! يريد أن يكون خالقًا! طبعًا، هو لا يستطيع ذلك؛ لأنّ الخَلـْق كان، في الأساس، من العدم. أمّا الإنسان، فلا يخلق، ولا يمكنه أن يخلق شيئًا من العدم. الإنسان، بكلّ بساطة، يحاول أن يبتدع أشكالاً من الحياة، غير الأشكال الّتي شاءها الرّبّ الإله أن تكون. طبعًا، هذا يصير مكلِّفًا جدًّا، إذ يرتدّ الأمر على الإنسان؛ وبسببه، يعاني مشكلات لا حدّ لها ولا حصر. مثلاً، مَن منّا لا يتناول أدوية كيميائيّة؟! الكيميائيّات، في المبدأ، ولو بتنا معتادين عليها، هي تفكيك لخليقة الله، عمليًّا، وإعادة تركيبها بطريقة مختلفة. المشكلة الكبرى، مثلاً، في موضوع الأدوية الكيميائيّة، أنّ الإنسان لا يمكنه أن يتوقّع ما يمكن أن تكون عليه تأثيرات هذه التّركيبات الكيميائيّة، بعد عشرين سنة، أو ثلاثين سنة. يعرف أنّه إذا تناول قرص بنادول، مثلاً؛ فهذا يمكن أن يخفّف، آنيًّا، ألم رأسه؛ أو إذا كان معرَّضًا للزّكام، يتناول بعض الأدوية؛ فتكون النّتيجة أنّ وضع زكامه يتحسّن. لكن، ما هي التّأثيرات الجانبيّة، الّتي تخلّفها هذه الأدوية في صحّة الإنسان؟! هذا مجال يبدو مستحيلاً على الإنسان أن يخوض فيه. الإنسان لا يمكنه أن يتوقّع ماذا يمكن أن يكون عليه الأمر، بعد سنوات طويلة، بالنّسبة إلى ما يستعمله اليوم. لكن، نحن نعرف، بصورة عامّة، وفق الدّراسات، أنّ الإنسان، اليوم، يعاني معاناة شديدة بسبب الأدوية المصنَّعَة، وبسبب الأدوية الكيميائيّة، كما تعاني الطّبيعة، أيضًا. كلّ هذه الأدوية والكيميائيّات المستعملَة، وبشكل متزايد، وفق الدّراسات، تؤثّر سلبًا في الطّبيعة، وتؤثّر سلبًا في الإنسان.

إذًا، هذا، الّذي جاء إلى الرّبّ يسوع، سأل سؤالاً لا يحتاج إليه: “هل الّذين يخلصون قليلون؟!”. ما همّك، أيّها الإنسان، إذا كان الّذين يخلصون قليلين أو لا؟! ماذا ينفعك أن تعرف الجواب؟! وكأنّ الرّبّ يسوع، بطريقة غير مباشرة، يدعونا إلى طرح الأسئلة الّتي تنفع، لا إلى طرح الأسئلة لمجرّد الأسئلة، لمجرّد الحصول على إجابات ترضي غرورَ الإنسان، وغرورَ عقله، وشعورَه بالقوّةِ، والعظمةِ، والأهمّيّةِلهذا السّبب، تجاهل الرّبّ يسوع السّؤال الّذي طرحه هذا الإنسان، وأجاب عن سؤال آخر: “اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضّيّق“. في الحياة الرّوحيّة، ليست هناك نظريّات. في الحياة مع الله، يُفترَض بالإنسان أن يطرح السّؤال الّذي ينفعه في عمليّة الخلاص، الّذي ينفعه في دخول ملكوت السّموات، الّذي ينفعه في علاقته بالله، الّذي ينفعه في اقتناء الحياة الأبديّة، الّذي ينفعه في علاقته بالآخرين. الأسئلة ينبغي أن تنصبّ، إذًا، على ما هو نافع ومفيد لنا، من جهة علاقتنا بالله، ومن جهة علاقتنا بالآخرين. الرّبّ يسوع، في الجواب الّذي أعطاه، الكلمة الأولى الّتي قالها هي اجتهدوا“. هذا موضوع له علاقة بالإرادة. إذًا، بالنّسبة إلى موضوع الخلاص إذ إنّ هذا الإنسان كان يسأل عن الخلاص النّقطة الأساسيّة هي الاجتهاد. والاجتهاد هو موضوع إرادة. علينا أن نجتهد، وإلاّ لا نخلص! علينا أن نرغب، عميقًا، على مستوى الإرادة، في الخلاص، وإلاّ لا يكون لنا نصيب في الخلاص. الاجتهاد معناه أن يبذل الإنسان جهدًا، لأنّه يريد أن يبذل! إذًا، موضوع الباب الضّيّق، الّذي تكلّم عليه الرّبّ يسوع، هو، عمليًّا، موضوع له علاقة بالإرادة. الإنسان يدخل من الباب الضّيّق، حين يطلب، إراديًّا، ما هو نافع له، ولو كان غير مريح. السّارق، مثلاً، إذا أراد أن يسرق بيتًا؛ يأتي، أحيانًا، ويجد نافذةً لها قضبان من حديد، والمسافة بين القضيب والقضيب الآخر ضيّقة. فيحاول، قدر الإمكان، أن يدخل من المكان الضّيّق! يغصب نفسه! يكون منزعجًا، لكنّه يريد أن يبلغ مأربه، يريد أن يبلغ غايته! لهذا السّبب، يدخل، مهما كان الأمر مزعجًا، بالنّسبة إليه! وهو يتجشـّم كلّ هذه المشقّات من أجل الحصول على مبلغ من المال، أو شيء من أمور هذه الدّنيا. أمّا نحن، فإنّنا نطلب الحياة الأبديّة. لهذا السّبب، علينا أن نغصب أنفسنا على الدّخول من الباب بالتّعب. ماذا يعني ذلك؟! نحن، مثلاً، نحبّ النّوم. التّعب، أو الدّخول من الباب الضّيّق يعني السّهر! أن يسهر الإنسان، لكي يصلّي! أن يسهر الإنسان، لكي يسجد! أن يسهر الإنسان، لكي يقف قدّام الله ويسبّح! هذا كلّه غصب للنّفس، هذا كلّه تضييق على النّفس. لكنّ القصد هو أن يدخل الإنسان في علاقة مع الله، الّذي علّم: “صلّوا في كلّ حين، صلّوا ولا تملّوا” (لو18: 1). الرّبّ يسوع يعطي وصيّة، ونحن علينا أن نتمسّك بها، ونسلك بحسبها. ولكي نسلك بحسبها، علينا أن نغصب أنفسنا عليها، علينا أن نضيّق على أنفسنا، علينا أن نثبت في هذا العمل، إلى المنتهى. كذلك الأمر، بالنّسبة إلى الصّوم، مثلاً. الإنسان، بصورة تلقائيّة، لا يرغب في الصّوم. مثلاً، السّيّدات، بخاصّة، يرغبن في الامتناع عن أنواع من الطّعام، لا من أجل غاية روحيّة، بل من أجل غاية لها علاقة بالنّحافة، بالأنوثة والجمال؛ ويغصبن أنفسهنّ على أمور، ويحاولن أن يدخلن من باب ضيّق، إنّما من أجل اقتناء جسم أكثر نحافة! الإنسان، إذا أراد، فهو قادر على أن يدخل من الباب الضّيّق. الرّبّ الإله يريدنا أن نريد الدّخول من الباب الضّيّق ابتغاءَ الخلاص، ابتغاءَ الحياة الأبديّة، ابتغاءَ الملكوت. لهذا، نحن، إذا أردنا أن نصوم، علينا، طبعًا، أن نضبط شهوة البطن، ولذّة الحلق، وكلّ ما له علاقة بالشـّراهة. وهذا ليس بالأمر السّهل، بخاصّة بالنّسبة إلى الإنسان الّذي يحبّ الطّعامَ اللّذيذ، وريادةَ المطاعم، والمشروبات الكحوليّة، وغيرَها. الأمر لن يكون سهلاً، بالنّسبة إليه! لكن، إذا شاء الإنسان أن يكون له نصيب في الملكوت؛ فعليه أن يتعلّم الصّيام، عليه أن يغصب نفسه عليه، عليه أن يدخل من الباب الضّيّق، عليه أن يضيّق على نفسه. الباب الضّيّق ليس قائمًا هناك، إنّما قائم في إرادتنا. نحن نضيّق على أنفسنا من أجل الملكوت. هذا هو الباب الضّيّق، في نهاية المطاف!

الموضوع، إذًا، يُطرَح على هذا الصّعيد؛ ونحن نهتمّ، أوّلاً وأخيرًا، بكلّ تفصيل من تفاصيل الحياة الرّوحيّة، بكلّ تفصيل من تفاصيل ملكوت السّموات، بكلّ تفصيل من تفاصيل محبّة الله، وتسبيح الله، والوقوف في حضرة الله، وإتمام كلّ شيء في حياتنا لأجل الله؛ بحيث لا يعمل الإنسان، من بعدُ، أيّ شيء، على الإطلاق، إلاّ لأجل الله. لا يعمل، أبدًا، الأشياء لأجل ذاتها، بل يعملها كلّها من أجل الله، بحسب ما قال الرّسول بولس، مثلاً: “إذا أكلتم أو شربتم، فليكن كلّ ذلك من أجل الله” (1كور10: 31)! إذًا، ما يشاؤنا الرّبّ الإله أن نسلك بحسبه هو أن يكون كلّ شيء، في حياتنا، من أجل الله. كلّ ما يمجّد الله نحن نفعله! كلّ ما يساعد على التصاقنا بالله نحن نفعله! وكلّ ما لا ينفع في تمجيد الله، ولا في الاتّحاد بالله، نسعى لأن نمتنع عنه! لهذا السّبب، نحن، مثلاً، حين نأكل، ليس الموضوع، بالنّسبة إلينا، أن نملأ بطوننا! الموضوع، بالنّسبة إلينا، في الدّرجة الأولى، هو أن نأكل في إطار ذكر اسم الرّبّ يسوع، في كلّ حال. لهذا السّبب، كلّما جئنا إلى المائدة، نصلّي! “أعين الكلّ إيّاك تترجّى، وأنت تعطيهم طعامهم في حينه. تفتح يدك، فيمتلئ كلّ حيّ سرورًا” (مز144: 15- 16)… نعتبر أنّ هذا الطّعام هو من فوق، من عند الله. نحن نعترف بذلك، ونشاء أن نبارك هذا الطّعام؛ حتّى يكون مفيدًا لنا، في رحلتنا إلى قلب الله، في سعينا إلى ملكوت السّموات، في طلبنا للحياة الأبديّة. لهذا السّبب، نحن نأكل بهذه الرّوح، ولا نأكل لمجرّد أن نملأ بطوننا، ولمجرّد أن نسدّ حاجاتنا. أنا لا أقول، أبدًا، إنّ الإنسان لا يحتاج إلى أن يأكل! طبعًا، نحن نحتاج إلى أن نأكل مقادير معيّنة من الطّعام، لكي نبقى على قيد الحياة ونستمرّ. لكنّ هذا البقاء على قيد الحياة له هدف، وهو الله، وليس هو قائمًا في ذاته. لهذا السّبب، كلّ موضوع فنون المطبخ، مثلاً، لا علاقة له بالإلهيّات، أبدًا. هذا، تمامًا، مثل المعرفة الّتي هي لأجل المعرفة، ولا فائدة له. على العكس، فنون المطبخ تُبعد الإنسان عن الله. المفترَض أن يكون الطّعام، مثلاً، بسيطًا قدر الإمكان. لا مانع، أبدًا، من أن يكون طيّب المذاق! لكن، أن نتفنّن بصناعة الأطعمة، وأن نمضي ساعات وساعات من وقتنا نُعدّ وجبةً، لنأكلها في عشر دقائق؛ فهذا أمر سخيف، في الحقيقة، ولا يحتاج إلى هذا الاهتمام الكبير. هذا كلّه ينتمي إلى حضارة السّقوط؛ ولا ينتمي، أبدًا، إلى حضارة الخلاص. طبعًا، بإمكان المرء أن يسترسل في الكلام على هذا الموضوع. لكنّ القصد، أوّلاً وأخيرًا، أن نفعل كلّ ما نفعله لأجل الخلاص، لأجل مجد الله، أن نفعله تعبيرًا عن محبّتنا لله، وتعبيرًا عن محبّتنا بعضنا لبعضنا الآخر! اسمعوا، مثلاً، ما قاله الرّبّ يسوع في الإنجيل، مرّةً، وهو شيء يبدو غريبًا جدًّا جدًّا عن واقعنا اليوم. اليوم، مثلاً، إذا أراد إنسان أن يعمل مأدبة عظيمة، فمَن يدعو إلى هذه المأدبة العظيمة؟! طبعًا، هو يدعو أصدقاءه، وبعض أقربائه، ويدعو النّاس الّذين سبق لهم أن دعوه إلى مآدبهم، ويدعو بعض العظماء. ربّما يدعو نائبًا من هنا، أو وزيرًا من هناك، أو موظّفًا كبيرًا، أو مدير مصرف، أو غيرهم؛ لأنّه يفتخر بنفسه، ويريد أن يستغلّ المأدبة لتكون مجالاً لتنمية العلاقات الاقتصاديّة والاجتماعيّة مع الآخرينهذا هو نمط التّفكير السّائد بين النّاس، بصورة عامّة. أمّا الرّبّ يسوع، فعنده طريقة أخرى، في التّفكير، مختلفة تمامًا؛ وهو يدعونا، بالضّبط، إلى اتّباع هذه الطّريقة المختلفة. يقول: “إذا أردت أن تصنع مأدبةً، فاذهب وادعُ الفقراء والمساكين والبشر الّذين لا يمكنهم أن يدعوك إلى مآدبهم، إذ لا قدرة لهم على ذلك” (لو14: 13- 14)! تخيّلوا إنسانًا يفعل أمرًا كهذا! يدعو بعض المتسوّلين، يدعو بعض العجزة والفقراء، يدعو بعض المرضى، يدعو بعض المتروكين هنا وهناك!… ويدعوهم إلى مائدة سخيّة! هذا لا يمكن أن يَرِدَ في أذهان النّاس، اليوم! وهو غير وارد، أبدًا! لكنّ هذا، بالضّبط، هو ما ورد، ويرد، عند الرّبّ يسوع. وفي أزمنة النّهضة، في الواقع، كان المؤمنون يتعاطون مثل هذه المآدب. الإنسان الّذي يهتمّ بمثل هذه المآدب، يكون له، إذ ذاك، نصيب في المأدبة السّمويّة! يجلس مع الرّبّ يسوع في مأدبته السّمويّة!

إذًا، هناك نمط جديد في الحياة، في التّفكير، في التّعامل، يجعله الرّبّ الإله في حياتنا. طبعًا، مهما بدا هذا النّمط غريبًا عنّا، اليوم؛ فإنّه يبقى هو القاعدة، لا ما نفعله نحن، وما اعتدنا على فعله. القاعدة هي، بالضّبط، ما يقوله يسوع، ما يوصي به الرّبّ يسوع، ما يشاؤنا الرّبّ يسوع أن نسلك فيه. هذا النّمط من التّعامل معروف عند بعض القدّيسين. مثلاً، القدّيس فيلاريت الرّحيم كان مُحـِبًّا للفقراء والمساكين، بشكل مدهش! ذات مرّة، طلب من أهل بيته ومن كلّ الّذين كانوا عنده، قائلاً: “اليوم، علينا أن نُعـِدّ مأدبة عظيمة، لأنّ الملك سوف يأتي، مع كلّ حاشيته، ليتناول الطّعام لدينا“. فأخذوا هم كلامه على ما قال. ظنّوا فعلاً أنّ الملك سوف يأتي إلى بيت فيلاريت، الّذي كانت ابنته زوجةَ الملك. فصنعوا مأدبة عظيمة جدًّا. وإذا بالمدعوّين، الّذين دعاهم فيلاريت الرّحيم، مجموعة من البشر المهمَّشين، والمساكين، والفقراء، والمرضى! هؤلاء دعاهم إلى مأدبته، وقام وخدمهم! للوهلة الأولى، دُهش أهل بيته: ماذا يفعل هذا الإنسان؟! لكنّ هذا، بالضّبط، هو ما فعله. أطعمهم، وخدمهم بنفسه. هو لم يكن يتكلّم على الملك الأرضيّ، بل على الملك السّماويّ، الآتي إلى بيته بأشخاص هؤلاء المساكين، والفقراء، والمجدوعين، والمقطوعين!… خدمهم، بكلّ معنى الكلمة؛ وجعلهم يفرحون! وفي نهاية المطاف، أعطى كلّ واحد منهم ليرة ذهبيّة، وتركهم يذهبون! هذا هو الجنون، الّذي يصعب جدًّا على العاقلين، اليوم، الّذين يعتبرون أنفسهم عاقلين، أن يتبنّوه. لكن، يبدو أنّ الرّبّ الإله يشاؤنا، أوّلاً، حتّى ندخل من الباب الضّيّق، أن نتبنّى جنون الوصيّة الإلهيّة. وبعد ذلك، كلّ شيء ينسكب فينا؛ ليصير حكمةً إلهيّة حقيقيّة.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول لو13: 19- 29، السّبت 10 كانون الأوّل 2011

مصباح العفّة وزيتها

مصباح العفّة وزيتها

الأرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، مثل العذارى العشر، الّذي نسمعه، من وقت إلى آخر، إنّما يشير، في العمق، إلى طبيعة المسيرة المسيحيّة، في هذا العالم. نحن، كمؤمنين بالرّبّ يسوع، ننتظر مجيئه. لذلك، يرد، هنا وهناك، في بعض رسائل الرّسول بولس، وفي سـِفـْر الرّؤيا، ذاك النّداء: “أيّها الرّبّ يسوع، تعال” (رؤ22: 20). حياتنا كلّها ينبغي أن تكون مرتكـِزَةً على مجيء الرّبّ يسوع. ليس بإمكان أحد أن يقول: “غدًا يأتي الرّبّ يسوع، أو لن يأتي قبل زمان طويل“! ما دمنا لا نعرف متى يأتي ربّنا، فإنّه يمكن أن يأتي بعد دقيقة، كما يمكن أن يأتي بعد سنوات. في كلا الحالين، علينا أن نكون مستعدّين استعدادًا كاملاً وكلّيًّا. لا يمكننا أن نتغافل، ولو لحظة واحدة؛ لأنّ هذه اللّحظة، بالذّات، قد تكون اللّحظة الّتي يأتي فيها الرّبّ. وإذا ما وَجَدَنا غيرَ مستعدّين، فإنّه يُقفل الباب في وجوهنا.

من هنا الاستنتاج الّذي ورد، في آخر تلاوة هذا الإنجيل الكريم، اليوم: “اسهروا، فإنّكم لا تعلمون اليوم، ولا السّاعة الّتي يأتي فيها ابن البشر“. لفظة اسهروالا تعني أنّ علينا أن نسهر في اللّيل، وأن نتغافل في النّهار. السّهر، هنا، معناه أنّ علينا أن نكون في حال يقظة دائمة؛ لأنّنا، هنا، نعيش كما في ليل! حياتنا كلّها، في هذا العالم، هي كأنّها ليل، قياسًا بالنّور الّذي نرجو أن يُشرق، في حياتنا، بيسوع المسيح. إذًا، السّهر هو الصّحو، صحو القلب؛ هو اليقظة؛ هو الانتباه الكامل؛ هو عكس الغفلة، أي أن يكون الإنسان غافلاً عن حفظ الوصيّة. “اسهروا، إذًا، بمعنى أنّ علينا، في اللّيل وفي النّهار، أن نهذّ باسم الرّبّ يسوع؛ في اللّيل وفي النّهار، علينا أن نجعل أنفسنا في مناخ الرّبّ يسوع المسيح. تعلمون القول الّذي ورد في العهد القديم بشأن اليقظة، كما في نشيد الأنشاد: “أنام وقلبي مستيقظ” (نش5: 2). الإنسان الّذي يسهر؛ أو، بكلام آخر، الإنسان الّذي يتعب لكي يحفظ وعيه، وانتباهه، والتزامه الوصيّة الإلهيّة؛ ما دام وهو في هذا الجسد في وضع اليقظة الذّهنيّة، فحتّى لو نام بالجسد، فإنّ ما يكون قد فعله وهو في اليقظة يستمرّ حتّى في أثناء النّوم. الإنسان الّذي يصلّي، في يقظته، يصلّي، أيضًا، في نومه؛ والإنسان الّذي يسعى إلى النّقاوة، وهو في يقظته، تستمرّ النّقاوة في نومه، أيضًا. حين نعاين أحلامًا غير نقيّة، في أثناء نومنا بالجسد، فإنّ هذا، في الحقيقة، يكون دليلاً على أنّنا لسنا في وضع السّهر على أنفسنا، في شأن حفظ الوصيّة الإلهيّة؛ هذا يدلّ على أنّنا في تراخٍ. الإنسان اليقـِظ، الّذي يكون قلبه يقـِظًا، حتّى لو جعل رأسه على الوسادة ونام، ولو حاول الشـّرّير أن يبثّ في ذهنه صورًا، أو خيالات، أو أفكارًا، أو أحاسيس غير نقيّة؛ فإنّه، باليقظة الّتي فيه، بالنّعمة الإلهيّة الّتي تفعل فيه، يصحو ويقاوم؛ وإذا لزم الأمر، فإنّه يخرج من نومه، حتّى يقطع حبل الأحلام، والأفكار، والتّصوّرات، والخيالات، والأحاسيس غير النّقيّة.

لهذا، يا إخوة، علينا أن نعمل، في كلّ حين، على حفظ الأمانة للرّبّ يسوع. التّوبة التّوبة في كلّ وقت! حتّى لو شردنا قليلاً، نتوب مباشرة. أودّ، هنا، أن ألفت أنظاركم إلى بعض ما ورد في هذا الإنجيل الكريم. الكلام هو على العذارى. في الحقيقة، في الكنيسة، لا مكان إلاّ للعذارى. طبعًا، ليس المقصود الكلام على الزّواج أو عدم الزّواج. المقصود الكلام على عذريّة القلب، في الدّرجة الأولى؛ أو، بكلام أدقّ، المقصود هو عفّة السّيرة، سيرة المؤمنين. العفّة أمرٌ الكلُّ، في كنيسة المسيح، مطالبٌ به، سواء أمتزوّجًا كان أم غير متزوّج. علينا، دائمًا، أن نسلك في العفّة. والعفّة هي أن يعفّ الإنسان، بصورة دائمة، عن كلّ ما لا يرضي الله. التّمسّك بالوصيّة والسّلوك فيها يستلزمان موقف عفّة؛ وإلاّ ما النّفع، إذا لم يكن القلب نقيًّا؟! ماذا ننتفع، إذا حفظنا بعض الوصايا، وأهملنا سواها؟! علينا، في الحقيقة، أن نحمل، في ذواتنا، موقفًا عفيفًا، بمعنى أن نكون في استعداد دائم لحفظ كلّ الوصايا. قد نقصّر، أحيانًا؛ وقد ننجح، أحيانًا أخرى؛ لا بأس! هذا كلّه يدخل ضمن التّدبير الإلهيّ لأجلنا. لكن، مهما كان الأمر، فإنّ علينا أن نلتزم الرّبَّ يسوع، بالكامل؛ أن نلتزم وصاياه، بكلّ معنى الكلمة؛ لأنّ مَن سمح لنفسه بأن يُخطئ، إراديًّا؛ مَن سمح لنفسه بأن يتخلّى ولو عن وصيّة واحدة؛ يكون، عمليًّا، قد تخلّى عن كلّ الوصايا. موقفنا ينبغي أن يكون موقفًا كاملاً كلّيًّا. في المحبّة، ليست هناك، أبدًا، أنصاف حلول! إمّا أن يكون الإنسان مُحـِبًّا، أو لا يكون محبًّا! لا يمكنه أن يكون محبًّا، بصورة جزئيّة! عليه أن يكون محبًّا، بصورة كاملة! لا شكّ في أنّ الإنسان، بسبب ضعفه، قد يقصّر، إنّما عن غير إرادة، في محبّته لله. لكن، لا يليق بالإنسان المؤمن أن يخبّئ، في نفسه، قصدًا غير نقيّ يدفعه إلى التّفريط، ولو قليلاً، بمحبّته لله. الله، في كلّ حال، إله القلوب. هو يعرف، تمامًا، ما نخبّئه في نفوسنا؛ وهو يطالبنا بأن نكون أنقياء القلوب، في الدّرجة الأولى. لا يظنّنّ أحد أنّ أنقياء القلوب لا يُخطئون! لكنّهم لا يُخطئون عن قصد! علينا أن ننتبه، حتّى نعرف ما في داخلنا معرفةً جيّدة، بحيث ننقّي نوايانا، وننقّي دواخلنا؛ حتّى يكون هذا القلب كلّه مرفوعًا إلى الرّبّ يسوع المسيح.

إذًا، العذريّة؛ أو، بكلام آخر، العفّة هي نصيب كلّ المؤمنين، من دون استثناء. ومن هنا الكلام على العذارى العشر. لكن، هناك خمس عذارى حكيمات، وخمس عذارى جاهلات. لماذا الكلام على خمس عذارى حكيمات، وخمس عذارى جاهلات؟! العدد “5” هو عدد كامل؛ ومن ثمّ، الكلام على خمس عذارى حكيمات يشير إلى مجمل النّاس الحكماء، في تعاملهم مع الله. وكذلك الأمر، الكلام على خمس عذارى جاهلات يشير إلى مجمل النّاس الّذين لا يسلكون باستقامة، من جهة الرّبّ يسوع المسيح. إذًا، العفّة مطلوبة من الجميع؛ لكن، ينبغي أن نترجمها إلى أعمال، في علاقتنا بعضنا ببعضنا الآخر. لهذا السّبب، بالإضافة إلى الكلام على العذارى العشر، الكلام يأتي، أيضًا، على المصابيح، وعلى الزّيت. لا يكفي، أبدًا، أن يكون عندنا مصباح. العفّة هي مصباح. لكنّ هذا المصباح، لكي يشتعل، يحتاج إلى زيت. والزّيت هو علامة الرّحمة. لذلك، علينا أن نُكثر من أعمال الرّحمة. القول الإلهيّ هو: “الإنسان الّذي لا يرحم، لا يرحمه الله“. لهذا السّبب، علينا أن نستزيد، دائمًا، من أعمال الرّحمة؛ حتّى نقتني، في أنفسنا، زيتًا كافيًا. حتّى لو اقتنينا زيتًا كثيرًا، فإنّ موقفنا ينبغي أن يكون كموقف العذارى الحكيمات، اللّواتي حسبن أنّ زيتهنّ أي أعمال الرّحمة الّتي فَعَلـْنَها قد لا يكون كافيًا. الإنسان الّذي يصنع الرّحمة بروح الله فإنّه، مهما صنع، يعتبر نفسه أنّه لم يصنع الرّحمة بالقدر الكافي! يعتبر نفسه، دائمًا، مقصِّرًا في عمل الرّحمة. لكن، لا يمكن إلاّ أن يتعاطى الإنسان أعمال الرّحمة، وأن يتعاطاها بصورة دائمة. العذارى الجاهلات كان عندهنّ زيت، أيضًا! لكنّ زيتهنّ لم يكن كافيًا. ماذا يعني ذلك؟! هذا، ربّما، يشير إلى أنّ الجاهلات كنّ يتعاطين الرّحمة، إنّما على نحوٍ مزاجيّ، من وقت إلى آخر. الإنسان، أحيانًا كثيرة، يعتبر أنّ عطاءه القليل، هنا أو هناك، يكون كافيًا. الحقيقة أنّنا، في وسط الظّلمة الرّوحيّة، الظّلمة الدّاخليّة الّتي تعيش فيها البشريّة، نحتاج إلى أكبر كمّيّة ممكنة من الزّيت؛ حتّى تستضيء سُبُلُنا، وحتّى نتمكّن من أن نعاين سبيلنا إلى الله. لهذا، إذا كان الإنسان يصنع إحسانًا، هنا أو هناك، ثمّ يعود إلى ظلمته، أي إلى خطاياه؛ فإنّ ما يكون قد حصّله من عمل الرّحمة يضيّعه بعمل الخطيئة. لذلك، نحتاج، دائمًا، إلى الحرص الكبير؛ كما نحتاج، دائمًا، إلى الرّحمة الكبرى. على كلّ واحد منّا أن يتعب، كلّ يوم، حتّى يصل إلى ما سبق للرّبّ يسوع أن حدّده له: “أَحِبَّ قريبَكَ كنفسك” (متّى22: 39). علينا أن نجتهد، حتّى نبلغ هذا الحدّ في عمل الرّحمة، هذا الحدّ في المحبّة، بحيث لا يبقى هناك من فاصل بيننا وبين النّاس، بيننا وبين الآخرين، بيننا وبين الضّعفاء، والفقراء، والمرضى، والمساكين الّذين يحتاجون إلى أن نهتمّ بهم.

إذًا، السّقف الّذي يحدّده لنا يسوع هو: “أَحِبَّ قريبكَ كنفسك“. لا يمكننا الاكتفاء بأن ندبّ على الأرض، بل علينا أن نصل إلى السّقف الّذي حدّده الرّبّ يسوع. وهذا لا يأتي، في الحقيقة، إلاّ إذا مارس الإنسان الرّحمة والإحسان، كلّ يوم، بصورة دائمة. إذا حمل الإنسان الرّحمة في قلبه كهَمٍّ، كهاجس؛ فإنّ الرّبّ الإله، إذ ذاك، يعطيه نعمة خاصّة من عنده، حتّى يتمكّن من أن يحقّق الوصيّة. نحن لا يمكننا أن نحقّق أيّة وصيّة من وصايا الله، ما لم يُعـِنّا هو على تحقيقها. إذًا، نحن بإمكاننا أن نصل إلى هذا السّقف، الّذي هو محبّة القريب كالنّفس، بنعمة الله. لكنّ نعمة الله ينبغي أن تقترن باجتهادنا الدّائم، بمثابرتنا على تعاطي عمل الرّحمة، كلّ يوم، ومن دون تحفّظ. في الحقيقة، كلّ واحد منّا عنده تحفّظات، في نفسه، من جهة عمل الرّحمة. كلّ واحد منّا يجعل حدودًا لنفسه، ويكتفي بالبقاء ضمن هذه الحدود. عند الرّبّ يسوع، كلّ هذه الحدود، الّتي يجعلها النّاس لأنفسهم في علاقتهم بالآخرين، ساقطة وغير مقبولة. هو الّذي يحدّد الحدود! هو الّذي يحدّد السّقف! وقد حدّده لنا. لذلك، نحن نسعى وِسْعَنا، بكلّ معنى الكلمة، بكلّ صدق، بكلّ أمانة، من كلّ القلب، بكلّ عزم؛ والرّبّ الإله يعطينا أن نصل إلى هذا السّموّ في العلاقة مع الآخرين، بنعمة من لدنه. إذ ذاك، في الحقيقة، يجد الإنسان زيتًا في مصباح قلبه. الرّبّ ينظر إلى القلب، الّذي ينبغي أن يستضيء بعمل الرّحمة، في كلّ حين. والّذي يحمل، في قلبه، نور الرّحمة يكون مستعدًّا لاستقبال الرّبّ يسوع، في كلّ حين. يأتي اليوم، يأتي غدًا، يأتي الأسبوع المقبل، يأتي بعد شهر، يأتي بعد عشر سنوات…. هذا شأنه وليس شأننا. نحن علينا، بإزاء هذه الوصيّة، بإزاء هذه الدّعوة إلى انتظار الرّبّ يسوع، أن نسلك في العفّة، وأن ننقّي قلوبنا، وأن نتعاطى الرّحمة، في كلّ وقت. وكلّما سقطنا، نعود ونتوب من جديد، ونبدأ من جديد، وبسرعة، ولا نترك أنفسنا تتمرّغ في خطاياها.

مَن جعل هذا هدفًا له، في الحياة؛ ومَن جعل هذه المسيرة مسيرته، في هذه الحياة؛ يكون هو الإنسان الحكيم، وهو الّذي يُحصى في عداد العذارى الحكيمات. أمّا الّذي يتغافل عن نقاوة نفسه، عن عفّة قلبه، عن عمل الرّحمة، في كلّ حين؛ فهذا يُحصى في عداد الجاهلات. والجاهلات، في نهاية المطاف، أُلقين خارجًا، في الظّلمة البرّانيّة، كما تقول أناجيلنا الكريمة. الرّبّ يسوع يعطينا الفرصة أن نفتدي الوقت. فإذا عرفنا أن نفتدي الوقت، فإنّنا ننفع ذواتنا؛ وإذا لم نفتدِ الوقت كما يجب، فإنّ ساعةً تأتي سوف يكون فيها ربّنا صارمًا في تعامله معنا، وسوف يلقينا خارجًا. وكما بكى آدم، لمّا أُخرج من الفردوس؛ هكذا، سيُمضي الجهلةُ أيّامهم في البكاء، الّذي لا يُجدي نفعًا. المهمّ أن نتوب، اليوم؛ وأن نتوب، غدًا؛ وأن نتوب، في كلّ يوم من أيّام حياتنا؛ وأن نصنع، في كلّ يوم، الرّحمة؛ وأن نحفظ أنفسنا في النّقاوة، في كلّ حين. بعد ذلك، يحدث ما يحدث! تقوم أمم على أمم، هذا كلّه يدبّره الله! تثور عناصر الطّبيعة، هذا ربّنا يدبّره! نحن لسنا في حاجة، أبدًا، إلى أن ننهمّ لكلّ ما يمكن أن يأتي على البشريّة. علينا أن نركّز همّنا في أمر واحد، فقط، وهو أن نكون مستعدّين، بالرّوح والحقّ، لأن نستقبل الرّبّ يسوع، متى جاء. فليكن اسم الرّبّ مباركًا. آمين.

* عظة حول متّى25: 1- 13، السّبت 26 تشرين الثّاني 2011