العظة الثالثة على كولوسي 1: 15-18

للقدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم

ترجمة الأب الحارث إبراهيم

من الضروري بالنسبة لي اليوم، أن أدفع الدين الذي قمت بتأجيله أمس، حتّى أتمكّن من تقديمه لعقولكم عندما تكون في جاهزيّتها الكاملة. كما أظهرنا، يتكلّم بولس عن كرامة الابن، فيقول هذه الكلمات: “الذي هو صورة الله غير المنظور”. على صورة مَن ستعتبرونه؟ على صورة الله؟ إذًا، هو بالضبط كالذي يُمثّله. لأنّه إذا كان يقول على صورة إنسان، فأكون قد تكلّمتُ كمجنون. ولكن إذا كان يقول على صورة الله، فابن الله، على صورة الله، يُظهِرُ الشبه الدقيق له. لماذا لم يتمّ إطلاق تسمية “صورة” أو “ابن”، في أي موضع، على ملاك بل أطلق هاتَين التسميتَين على الإنسان؟ لماذا؟ لأنّه في الحالة الأولى، قد يؤدّي تعظيم طبيعتها فعلاً إلى دفع الكثيرين في الوقت الحاضر إلى العقوق؛ لكن في الحالة الأخرى، الطبيعة الحقيرة والدنيا تحفظ من العقوق، ولن تسمح لأيٍّ كان، حتّى لو رغب في ذلك، أن يشكّ في أي شيء من هذا القبيل، ولا تُقلِّل هذه الطبيعة من شأن “الكلمة” إلى هذه الدرجة. لهذا السبب، حيث تكون الحقارة كبيرةً، يؤكّد الكتاب المقدّس الشرف بقوة، ولكن حيث تكون الطبيعة أعلى، فإنه يتمنّع. “صورة غير المنظور” هو نفسه غير منظور أيضًا، وبطريقة مماثلة غير منظور، وإلّا ما كان صورة. لأنَّ الصورة، بقدر ما هي صورة، حتّى عندنا، يجب أن تكون مطابقة تمامًا للأصل، على سبيل المثال، من حيث السمات والشبه. لكن في الحقيقة، عندنا هنا، هذا غير ممكن على الإطلاق؛ لأنَّ فَنَّ الإنسان يفشل في كثير من النواحي، أو بالأحرى يفشل في كلّ النواحي، إذا ما فحصنا بدقّة. لكن حيث الله، لا يوجد خطأ ولا فشل.ـ

ولكن كمخلوق: كيف هو صورة الخالق؟ لأنّه لل يمكن للحصان أن يكون صورة للإنسان. لأنّه إذا لم تكن “الصورة” تعني الشبه الدقيق لغير المنظور، فما الذي يعيق الملائكة أيضًا عن أن يكونوا صورته؟ لأنّهم هم أيضًا غير منظورين؛ ولكن ليس لبعضها البعض. لكنّ الروح غير منظورة، ولكونّها غير منظورة، تكون ببساطة صورة بحسب هذا المنطق، ولكن ليس كما هو والملائكة صورًا.ـ

“بكر كلّ خليقة”. يقول أحدهم: “يا للعجب. إنّه مخلوق”. منذ متى؟ أخبرنى. لأنّه قال “بكر”؟ لاحظ، إنّه لم يقل “أول خليقة” بل “أول مولود = بكر”. وإلاّ يصبح منطقيًّا أن يُطلق عليه أسماء كثيرة، كأن يسمّى أيضًا أخًا “في كلّ شيء” عبرانيين 2: 17، وأن نأخذ منه كينونته كخالق، ونصرّ على أنّه لا يتفوّق علينا لا في الكرامة ولا في أيّ شيء آخر! ومَن هو الفهيم الذي يمكن أن يقول هذا؟ لأنّ كلمة “بكر” ليست معبرةً عن الكرامة والشرف، ولا عن أيّ شيء آخر، وإنّما عن الزمن فقط. ماذا تعني كلمة “بكر”؟ يجيبون: إنّه مخلوق. حسنًا. إذا كان الأمر كذلك، فللكلمة أيضًا معاني مرادفة. إذ من ناحية أخرى، يكون البكر من نفس الجوهر مع مَن وُلِدَ منهم أولاً. وعليه، سيكون الابن البكر لكلّ شيء – لأنّه مكتوب “كلّ خليقة”؛ لذلك، سيكون الله الكلمة هو بكر (المولود الأول) من الحجارة أيضًا، ومنّي. ولكن مرّة أخرى أخبرني: عن ماذا تعلن كلمات “بكر من بين الأموات” كولوسي 1: 18؛ ورومية 8: 29؟ أليس أنّه هو قام أولاً؟ لأنّه لم يَقُل ببساطة “من بين الأموات”، بل “بكر من بين الأموات”، ولا حتّى قال، “إنّه مات أولاً”، لكنّه قام كَبِكْرٍ من بين الأموات. بحيث لا يعلنون أيّ شيء آخر غير هذا، أنّه هو أول ثمر القيامة. بالتأكيد ليس المقصود أيًّا من هذه هنا. [ليس يقصد الرسول بولس أنَّ يسوع بكرٌ لكونه مولودًا من الآب، بل لأنَّ الخليقة به ظهرَت إلى الوجود. وتاليًا هو يُشير إلى أنَّ يسوع هو بداية الخليقة] بعد ذلك ينتقل إلى العقيدة عينها، لكي لا يفتكروا في أنّ وجوده حديث، لأنّه في الأوقات السابقة كان التواصل من خلال الملائكة، ولكنّه الآن من خلاله. لقد أوضح أولاً أنّه لم يكن لديهم قدرة (وإلا لما أنقذهم من سلطان الظلمة، الآية 13)، ثمّ بعد ذلك، يقول هو أيضًا كان قَبلَهم. ويستخدم كدليل على وجوده قَبلَهم، هذه العبارة أنّه “خلقهُم”. لأنّه “فيه”، كما يقول، “خُلِقَ الكلّ”. فماذا يقول هنا أتباع بولس الساموساتي؟ [يعتبر بولس الساموساتي الكلمةَ الإلهيّ والحكمة صفات وليس شخصًا. لذلك فشخص ربّنا ببساطة بشريّ تحت تأثير إلهي.] لقد وضع في المرتبة الأولى “ما في السماوات”، أي ما كان السؤال عنه مطروحًا، ثمّ “ما على الأرض”. ثمّ أردف يقول “ما يُرى وما لا يُرى”. ما لا يُرى، مثل الروح، وكلّ ما خُلِقَ في السماء؛ وما يُرى، مثل الإنسان والشمس والسماء، “سواء كان عروشًا”، مؤكّدًا ما هو مشكوك فيه وتاركًا ما هو معروف. “سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ”. نفهم من كلمَتَي: “سواء” و “أم”، الكلّ. وهكذا بالكلام عن الأشياء الأعظم يُظهِر أنّها تشمل الأقلّ أيضًا. لكنّ الروح ليست من بين “السلاطين”. لقد قال: “الكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ”. يا للعجب، “فيه” (الآية 16 “فِيْهِ خُلِقَ الكُلّ”) تعني “به”، لأنّه إذ قال “فيه” أضاف هنا “به”. ولكن ماذا تعني “له”؟ المعنى هو هذا: الكُلّ يَعتمد عليه من أجل ديمومته. ليس أنّه هو نفسه أخرجهم من العَدَم إلى الوجود فقط، بل هو نفسه يحفظهم الآن، بحيث أنّه لو كانت العناية الإلهيّة نبذتهم، لعادوا إلى العدم من ساعتهم وفنوا. وهو لم يَقل إنّه “يجعلهم يستمرّون”، والتي كانت طريقة أكثر جرأة في الكلام، بل ما هو أكثر دقة: “إنّهم يعتمدون عليه“. أن يكون الاعتماد عليه فقط كافٍ لأن يجعل أيّ شيء مستمرًا ويرتبط به بسرعة. هكذت أيضًا كلمة “بكر”، بمعنى الأساس. لكنّ هذا لا يُظهر المخلوقات أنّها من ذات جوهره، بل أنَّ الكلّ به، وأنّها قائمة فيه. لأنَّ بولس، عندما يقول في مكان آخر: “لَقَدْ وَضَعْتُ الأساس” (1 كورنثوس 3: 10)، لم يكن يتحدّث عن الجوهر، بل عن العمل. ولكي لا تَفتكر به أنّه خادم، يقول إنّه يجعلهم يستمرّون، وهذا لا يَقِلُّ شأنًا عن خلقهم. بالتأكيد، معنا هي حتّى أعظم: إذ بالنسبة للسابق، فإنّ المبادئ تَهدينا، لكن ليس كذلك بالنسبة إلى الأخير، إذ لا يبقى شيئًا منحلاً.ـ

يقول: “الذي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ”. هذا يليق بالله. أين بولس الساموساتي؟ ويقول أيضًا: “وفيهِ يَقُوْمُ الكُلّ”، أي إنّها مخلوقة فيه! يُكرِّر هذه التعبيرات في تسلسل وثيق، وكأنَّ تعاقبها الوثيق يعمل كطرقات سريعة تقتلع العقيدة المُميتة من الجذور. لأنّه حتّى لو أنَّ الإعلان عن مثل هذه الأشياء العظيمة قد تمّ، ينبت بعد فترة طويلة بولس الساموساتي، فكم [سيكون الحال] أعظم، إنْ لم تكن هذه الأشياء قد قيلَت من قَبْلُ؟ يقول: “وفيهِ يَقُوْمُ الكُلّ”، كيف تقوم (تتكوَّن) في مَن لم يكن، لأنَّ ما تمّ في الملائكة تمّ من خلاله؟

“وَهُوَ رَأسُ الجَسَدِ: الكَنيسَةِ”. إذ تحدَّث عن كرامته، يتكلّم بعدها عن حُبّه للإنسان أيضًا. يقول: “هُوَ رَأسُ الجَسَدِ: الكَنيسَةِ”. ولم يقل “[رأس] الملء” [المسكونة هي المقصودة بالملء هنا، مثلما يقول الرسول بولس في 1 كورنثوس 10: 26 “للرب الأرض وملأها τοῦ πληρώματος”]، (بالرغم من أنّ هذا مشارٌ إليه أيضًا)، بدافع من الرغبة في إظهار مودّته الكبيرة لنا، لأنّه وهو فوق، وفوق الكلّ، يربط نفسه مع أولئك الذين أدناه. لأنّه هو الأول في كلّ مكان: هو الأول فوق، والأول في الكنيسة، لأنّه هو الرأس، وهو الأول في القيامة. وفي قوله: “لكي يكون متقدِّمًا في كُلِّ شَيءٍ” (الآية 18)، يكون هو الأول أيضًا في الأجيال. وهذا ما كان بولس يسعى لإظهاره بشكلٍ رئيسيّ. لأنّه إن كان حسنًا أنّه كان قَبل جميع الملائكة، فمن ثمّ تكون النتيجة المواكبة أيضًا أنّه قام بأعمالهم من خلال أمرته لهم. وكم هو رائع حقًا، أنّه أشار إلى أنّه هو الأول في الأجيال اللاحقة. ومع أنّه يدعو آدم، في مكان آخر، أولاً (1 كورنثوس 15: 45): “صار آدَمُ، الإنسانُ الأولُ”، وهو هكذا في الحقيقة، لكنّه هنا يجعل الكنيسة مكان الجنس البشريّ بأكمله، فهو الأول من الكنيس، والأول من الناس بحسب الجسد، كأول الخلق. وعلى هذا، فهو يستخدم هنا كلمة “بكر”.ـ

فما هو معنى “بكر” في هذا الموضع؟ مَن الذي خُلِق أولاً، أو قام قبل الكلّ، كما كان المعنى في الآية السابقة “الذي هو قَبْلَ كُلِّ شيء”. وهنا يستخدم في الواقع كلمة “الثمرة الأولى” قائلاً: “مَن هو الثمرة الأولى، بكر من بين الأموات، لكي يكون هو مُتقدِّمًا في كلّ شيء”. موضحًا أنَّ الباقين هم أيضًا مثله؟ لكن في المقام الأول ليس الثمرة الأولى للخليقة. وهناك، هو صورة الله غير المنظور، ثمّ “بكر”.ـ

الآية 19 و20. لأنَّ الآبَ سُرَّ أنْ يَحُلَّ فيه كُلُّ الملء. وإذ صنع السلام بدم صليبه، لكي يُصالِحَ بِهِ الكُلَّ لنفْسِه، سواء ما كان على الأرض، أم ما في السماوات”.ـ

كلُّ ما للآب، يقول إنّه للابن أيضًا، وذلك بكثافة أكبر، لأنّه قد مات عنّا وأَتْحد نفسه بنا. قال “الثمرة الأولى” كأنّه من الثمر. لم يقل “القيامة”، بل “الثمرة الأولى”، مُظهِرًا أنَّه قدَّسَنا جميعًا، وكأنّه قدَّمَ لنا ذبيحة. يعتبر البعض أنَّ مصطلح “الملء” يشير إلى الله، كما قال يوحنا، “ومِن ملئه كُلّنا أخذنا”. إذًا، أيًّا كان الابن، الابن كُلُّه حَلَّ هناك، وليس نوع من القوى، بل جوهر.ـ

ليس لديه سبب إلا مشيئة الله: لأنَّ هذا هو المغزى من قوله “فيه سُرَّ … ويصالح به الكُلَّ لِنَفْسِه”، خشية أن تعتقد أنّه اتَّخَذ رتبة خادم فقط، قال: “لنفسه” (2 كورنثوس ٥: ١٨). ومع ذلك يقول في مكان آخر، إنّه صالحنا مع الله، كما كتب في رسالته إلى الكورنثيّين [“18ولكنَّ الكلَّ مِنَ الله، الذي صالحَنا لنَفْسِه بيسوع المسيح، وأعطانا خِدمةَ المصالحة، 19أي إنَّ اللهَ كان في المسيح مصالِحًا العالَم لنفسِه، غير حاسِبٍ لهم خطاياهم، وواضعًا فينا كَلِمَةَ المصالحة” (2 كور 5: 18 و19)]. وقال حسناً “به لينهي المصالحة”. لأنّهم كانوا قد تصالحوا بالفعل، بل يقول بالتمام، بحيث لن تكون في عداوة معه في ما بعد. كيف؟ لأنّه ليس أنَّ المصالحة انطلَقَت فحسب، بل أيضًا طريقة المصالحة. “إذ صنع السلام بدم صليبه”. تُظهِر كلمة “مصالحة” أنَّ هناك عداوة، كما تُظهِرُ كلمة “صنع السلام” أنَّ هناك حربًا. “وإذ صنع السلام بدم صليبه، بنفسه، سواء ما كان على الأرض، أم ما في السماوات”. إنَّ المصالحة أمرٌ عظيم حَقًّا، فإن تمّمها بنفسه فهي أيضًا أعظم؛ وأعظم بكثير – كيف بنفسه؟ بدمه. بدمه، ولم يقل بدمه فقط، بل بما هو أعظم، بالصليب. حتّى صارت خمسٌ تدعو للعجب: صالحَنا، مع الله، بنفسه، بالموت، بالصليب. مثير للعجب مرّة أخرى! كيف خلطهم! فلئلا تظنّ إنّه أمرٌ واحد فقط، أو أنَّ الصليب هو شيء في حَدِّ ذاته، قال: “بنفسه”. ما مقدار معرفته أنَّ هذا كان أمرًا عظيمًا. لأنّه ليس بالكلام، بل بإعطاء نفسه للمصالحة، هكذا أبدع الكلّ.ـ

ولكن ما هي “ما في السماوات”؟ لأنّه بالعقل فعلاً يقول: “ما على الأرض”، لأنَّ أولئك كانوا ممتلئين عداوة، ومتعدِّدي الإنقسامات، وكان كلّ واحد منّا في اختلاف تامّ مع نفسه، ومع الكثيرين، لكن كيف صنع السلام بين “ما في السماوات”؟ هل كانت هناك معركة وحربٌ أيضًا؟ فكيف نصلّي إذًا قائلين: “لِتَكُن مشيئَتُكَ كما في السماء كذلك على الأرض”؟ (متّى 10: 6) ما هو إذن؟ انفصلَت الأرض عن السماء، وأصبح الملائكة أعداءً للناس، لرؤيتهم الربَّ مُهانًا. قال في أفسس 1: 10: “ليجمَعَ كُلَّ شيءٍ في المسيح، ما في السماوات، وما على الأرض”. كيف؟ ما في السماء فعلاً هكذا: لقد نقل الإنسان إلى هناك، لقد أحضر إليهم العدو الذي يكروهنه. لم يكتفِ بصنع السلام بين ما على الأرض، بل أحضر إليهم مَن كان عدوهم وخصمهم. هنا كان السلام عميقًا. فعادت الملائكة للظهور مرة أخرى على الأرض بعد ذلك، لأن ذاك الإنسان عاد فظهر أيضًا في السماء. ويبدو لي أنَّ بولس قد اختُطِفَ بهذا الأمر (2 كورنثوس 12: 2) [“أعرِفُ إنسانًا في المسيح قَبلَ أربع عشرةَ سنةً. أفي الجسد؟ لستُ أعْلَم، أمْ خارج الجسد؟ لستُ أعْلَم. الله يعلَم. اختُطِفَ هذا إلى السماء الثالثة”]، ولكي يُظهِر أنّ الابن أيضًا قد استُقبِلَ هناك. لأنّه في الحقيقة كان السلام في الأرض ذا شِقَّين: مع ما في السماء وفي ما بينهم؛ في حين أنَّ السلام كان في السماء بسيطًا. لأنَّه إذا كانت الملائكة تبتهج بخاطئٍ واحد يتوب، فكم بالأكثر سيبتهجون بكثيرين!ـ

يقول: إذا كانت قوة الله قد عملَت كلّ هذا، لماذا إذن تضعون ثقتكم في الملائكة؟ لأنّهم حتّى الآن كانوا بعيدين جدًّا عن قَبولهم بقربكم، إذْ كانوا أعداءكم الأبديّين، لولا أنّ اللهَ نفسه قد صالحكم معهم. فلماذا تركضون إليهم؟ هل تعرف مدى الكراهية التي كان الملائكة يكنّونها لنا، كم كانت عظيمة، وكيف كانوا ينفرون منّا دائمًا؟ لقد أُرسلوا للانتقام في قضيّة بني إسرائيل، وداود، والصادوميّين، ووادي البكاء. (خروج 23: 20). لكنّهم ليسوا كذلك الآن، بل على العكس من ذلك، رنّموا على الأرض (2 صموئيل 24: 16) بفرح شديد. وهو الذي أحدرهم إلى الناس (تكوين 19: 13)، وأصعد الناس إليهم.ـ

وأصلّي من أجلكم لتلاحظوا المذهل في هذا: لقد أتى بهؤلاء إلى هنا أسفل، ثمّ أصعد الإنسان إليهم، فأصبحت الأرض سماء، لأنَّ تلك السماء كانت على وشك استقبال ما على الأرض. لذلك، نقول عندما نشكر: “المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض سلام، وللناس المسرّة”. يقول: أنظروا، حتّى الناس بدوا سعداء به بعد ذلك. ما هي “المسرّة”؟ (أفسس 2: 14؛ التثنية ٣٢: ٨، السبعينيه) هي المصالحة. لم تَعُد السماء جِدارًا فاصلاً. في البداية كانت الملائكة حسب عدد الأمم، لكنّهم الآن، ليسوا بعدد الأمم، بل بعدد المؤمنين. مِن أين يتّضح هذا؟ إسمع المسيح قائلًا: “أنظروا، لا تَحتَقروا أحد هؤلاء الصغار، لأنّ ملائكتهم ينظرون كلَّ حين وَجْهَ أبي الذي في السماء”. (متّى 18: 10) لأنّ لكلّ مؤمن ملاك. لأنّه حتّى منذ البداية، كان لكلّ مَن اعتُمِدَ ملاكه، كما يقول يعقوب: “الملاك الذي يُطعمني، ويخلّصني منذ شبابي”. (تكوين 48: 15-16)، فإذا كان عندنا ملائكة، فلنكن متيقّظين، كما لو كنّا في حضور معلّمين؛ لأنّه يوجد شيطان أيضًا. لذلك نصلّي، نطلب ملاكَ سلامٍ، وفي كلّ مكان نطلب السلام (لأنّ لا شيء يعادله): يمنح للكنيسة السلام، في الكنائس، في الصلوات، في الطلبات، في التحيات؛ مرّة، ومرّتين، وثلاث مرّات، ومرّات عديدة، حين يقول: “السلام لكم”. لماذا؟ لأنَّ هذا هو أمّ كلّ الصالحات. هذا هو أساس الفرح. لذلك، أمر السيّدُ المسيحُ الرسلَ أنّهم عند دخولهم إلى المنازل يقولون هذا على الفور، باعتباره رمزًا للأشياء الصالحة. فقد قال: “عندما تدخلون إلى منزل، قولوا: السلام لكم”. لأنّه حيثما يكون هذا مطلوبًا، لا نفع من أي شيء آخر. وقال السيّد المسيح لتلاميذه: “السلام أترك معكم، سلامي أعطيكم”. (يوحنا 14: 27) هذا يُمَهِّدُ الطريق للحبّ. والناظر على الكنيسة [المتقدِّم الذي يرأس العبادة ὁπροεστὼς]، لا يقول ببساطة: “السلام لكم”، بل: “السلام لجميعكم”. ماذا لو كان لدينا سلام مع هذا الإنسان، ولكن مع غيره، حرب وقتال؟ ما هو الربح؟ لأنّه هل من الممكن الحفاظ على الصحة، إذا كانت بعض عناصر الجسد في حالة راحة وأخرى في اختلاف، بل فقط عندما تكون كلّها في انتظام جيد، ووئام، وسلام؟ فإن لم تكن كلّها في راحة، ومستمرة في حدودها الصحيحة، ستنقلب كلّها. وعلاوة على ذلك، إنْ لم تكن كلّ الأفكار في أذهاننا في حالة راحة، لن يوجد السلام. السلام هو الخير العظيم، بحيث أنَّ صانعيه ومخرجيه، بمنطق، يُدعَون أبناء الله (متّى 5: 9 و45)؛ لأنَّ ابن الله من أجل هذا السبب جاء على الأرض، ليثبّت السلام في ما في الأرض، وفي تلك التي في السماوات. فإذا كان صانعو السلام هم أبناء الله، فإنَّ صانعي الاضطراب هم أبناء الشيطان.ـ

ماذا تقول؟ هل تثير الإدّعاءات والقتال؟ وهل يسأل أحدهم مَن هو غير سعيد؟ هناك الكثيرون الذين يفرحون بالشر، والذين يمزّقون جسد المسيح، أكثر من طعنة الجند بالحربة، أو من ثقب اليهود له بالمسامير. ذاك كان أقلَّ شرًّا من هذا. أولئك الأعضاء المقطوعين، اتّحدوا مرّة أخرى، لكنّ هؤلاء المفصولين، إذا لم يتمّ توحيدهم هنا، فلن يتمّ توحيدهم أبدًا، بل سيبقون بعيدين عن الملء. عندما تفكّر في شنّ حرب ضدّ أخيك، تصوَّر أنّك تحارب أعضاء المسيح، وتوقّف عن جنونك. ماذا لو كان منبوذًا؟ ماذا لو كان دنيئًا؟ ماذا لو كان معرّضًا للاحتقار؟ هكذا يقول هو: “ليست إرادة أبي أن يهلك أحد هؤلاء الصغار”. (متّى ١٨: ١٤) وأيضًا: “إنَّ ملائكتهم ينظرون دائمًا وجه أبي الذي في السماء”. (متّى 18: 10) الله أصبح عبدًا من أجله ومن أجلك أيضًا، وذُبح، أفأنت تعتبره لا شيء؟ بالتأكيد، أنت بهذا تحارب الله، من خلال إصدارك حُكمًا مخالفًا لحُكمه. عندما يدخل الناظر على الكنيسة، يقول من فوره: “السلام لجميعكم”، وعندما يعظ: “السلام لجميعكم”، وعندما يبارك: “السلام لجميعكم”، وعندما يحَيّي: “السلام لجميعكم”، وعندما تنتهي الذبيحة: “السلام لجميعكم”: وأيضًا في الوسط: “نعمة لكم وسلام”، أفلا يكون ذلك وحشيًا، إذا كنا نسمع أنَّ علينا أن نكون في سلام مرات كثيرة إلى هذا الحدّ، ونكون في حالة من الخلاف مع بعضنا البعض؟ أفلا نكون في حالة حرب مع الذس يعطينا السلام حين نأخذ السلام ونردّه؟ أنت تقول: “ومع روحك”، أترميه خارجًا؟ ويحي! أنَّ استخدامات الكنيسة المهيبة أصبحت مظاهر فقط، وليست حقيقة. وَيحي! أن كلمات سرّ هذا الجيش لا تتعدّى كونها مجرّد كلمات. فإنْ كنت تجهل أيضًا قول المسيح: “السلام لجميعكم”، اسمع ما يعقبه: “وأيّ مدينة أو قرية تدخلونها … عند دخولكم إلى البيت، تحيّونه، فإن كان المنزل مستحقًا، يأتي سلامكم عليه، وإنْ لم يكن مستحقًا، يعود سلامكم إليكم”. (متّى 10: 11 و13) لذلك نحن جهلة، لأنّنا نعتبر هذا مجرّد صورة من الكلمات، ولا نؤيّدها في أذهاننا. فهل أنا أعطي السلام؟ إنّه المسيح الذي يتنازل ليتكلّم بنا. حتّى لو كنّا في جميع الأوقات الأخرى خالين من النعمة، لسنا نخلو منها الآن، من أجلكم. لأنّه إن كانت نعمة الله قد فعَلَت في حمارٍ ورائٍ، من أجل تدبير ومنفعة الإسرائيليّين (عدد 22)، فمن الواضح تمامًا أنّها لن ترفض العمل حتّى فينا، بل من أجل مصلحتكم سوف تحتمل حتّى هذا.ـ

فلا يقل أحدٌ عنّي إنّي خسيس ودنيء ولا أستحق أيّ اعتبار، ويستمعني بهذه الذهنيّة. وإنْ كنتُ أنا هكذا، لكن طريقة الله دائمًا هي هذه: أن تكون حاضرةً مع أمثالي من أجل الكثيرين. ولعلّكم تعرفون هذا، أنّه قَبِل أن يتكلَّم مع قايين من أجل هابيل (تكوين 4)، ومع الشيطان من أجل أيوب (أيوب 1)، ومع فرعون من أجل يوسف (تكوين 41)، ومع نبوخذنصَّر من أجل دانيال (دانيال 2؛ 4)، كما ومع بيلشاصّر من أجل دانيال أيضًا (دانيال 5)، وأعطى إعلانًا للمجوس (متّى 2)، وتنبّأ في قيافا، رغم أنّه قاتل المسيح، ورجل غير مستحق، بسبب استحقاق الكهنوت. (يوحنا ١١: ٤٩) ويقال إنّ هارون لم يُضرب بالجُذام [البرص] لهذا السبب. أخبرني، لماذا، عندما تطاول كلاهما [مريم وهارون أخوَي موسى] بالكلام على موسى، نالت وحدها العقاب؟ (عدد 12) لا تتعجّب: لأنّه، من حيث الكرامة الدنيويّة، إذا تمّ رفع عشرة آلاف دعوى ضدّ إنسان، فلا يُقدَّم للمحاكمة قَبل أن يترك منصبه، حتّى لا يُلام شرف المنصب معه؛ الأمر أهمّ بكثير من جهة المنصب الروحيّ، أيًّا كان شاغله، لأنَّ نعمة الله تعمل فيه، وإلّا فُقِدَ كُلُّ شيء. لكن مَتَى ترك منصبه، سواء توفّي أو حتّى ههنا، حينئذٍ سينال عقابًا أمرّ فعلاً.ـ

أتوسَّل إليكم ألّا تفتكروا أنَّي أتكلَّم هذه الأمور من عندي، بل هي نعمة الله التي تعمل في غير المستحق، ليس من أجلنا، بل من أجلكم. فاسمعوا إذن ما يقوله المسيح: “إذا كان المنزل مستحقًّا، فيأتي سلامكم عليه”. (متّى 10: 13-15) وكيف يصبح مستحقًّا؟ كما يقول: “إذا استقبلوكم” (لوقا 10: 8). أمّا إنْ لم يستقبلوكم، ولم يسمعوا كلامكم، … فإنّي الحقّ أقول لكم: إنّه يكون لأرض سدوم وعمورة في يوم الدينونة حالةً أكثَرَ احتمالاً مِمّا لتلك المدينة”. ما الذي يجعلك تستقبلنا إذن، ولا تسمع ما نقول؟ ما هو المكسب الذي تنتظره منّا، ولا تهتمّ بما نتكلّم به معك؟ هذه الخدمة الرائعة، النافعة لكم ولنا، ستكون شرفًا لنا، إن سمعتمونا. واسمع أيضًا قول بولس: “لم أكُنْ أعرف، أيّها الإخوة، أنّه رئيس كهنة”. (أعمال الرسل ٢٣: ٥) واسمع أيضا قول المسيح: “اعملوا بكل ما يوصونكم به” (متّى ٢٣: ٣)، فالوصية والعمل لا يحقّرانني أنا بل الكهنوت. احتقرني إذًا عندما تراني مُجَرِّدًا من الكهنوت، إذ حينها لن أجرؤ على فرض وصايا. لكن طالما نحن نجلس على هذا العرش، طالما أنَّ لدينا المركز الأول، فلنا الكرامة والقوة كليهما، بالرغم من عدم استحقاقنا. إذا كان لعرش موسى كلّ هذا التوقير، لدرجة أنّهم يطيعونه بسبب المقام، فكم بالأحرى أكثر عرش المسيح، الذي استلمناه بالتسلسل، والذي منه نتكلّم، منذ أن عَهَدَ لنا المسيح بخدمة المصالحة.ـ

يتمتّع السفراء، مهما كان نوعهم، بسبب كرامة السفارة، بشرف كبير. من أجل الوصيّة يذهبون بمفردهم إلى قلب أرض البرابرة، وسط أعداء كثيرين؛ ولأنّ قانون السفارة يتمتّع بقوة هائلة، يكرّمهم الجميع، وينظر الجميع إليهم باحترام، وجميعهم يرسلونهم بأمان. وها نحن الآن تلقينا كلمة سفارة، وقد أتينا من الله، لأنَّ هذه هي كرامة الأسقفيّة. لقد أتينا إليكم بسفارة، طالبين منكم وضع حَدٍّ للحرب، ونحن نقول شروطها؛ غير واعدين بإعطاء مدن، ولا كميات كثيرة من الحبوب، ولا عبيد، ولا ذهب؛ بل ملكوت السماوات، والحياة الأبديّة، والاجتماع إلى المسيح، والصالحات الأخرى، التي لا نستطيع أن نخبركم بها، طالما نحن لا نزال في هذا الجسد، والحياة الحاليّة. إذاً نحن سفراء، ونودّ أن نتمتّع بالشرف، ليس من أجل مصلحتنا الخاصّة، لا سمح الله، لأنّنا نعرف عدم جدواها؛ بل من أجلكم، لكي تسمعوا بجدّية ما نقوله، حتّى تنتفعوا، لكي لا تحضروا للإستماع إلى ما يقال بعدم اكتراث أو لامبالاة. ألا ترون سفراء، وكيف يبجّلهم الجميع؟ نحن سفراء الله إلى الناس. لكن، إن كنت منزعجًا، فمن رئاسة الأسقفيّة، وليس منّا، وليس من هذا الإنسان أو ذاك، بل من الأسقف. لا يَسمعني أحدٌ إلا الكرامة. لنعمل كل شيء إذًا وِفقًا لإرادة الله، حتّى نعيش لمجد الله، ونُحسَب مستحقين الخيرات التي وعد بها أولئك الذين يحبّونه، من خلال النعمة والمحبة، إلخ.ـ

Source. Translated by John A. Broadus. From Nicene and Post-Nicene Fathers, First Series, Vol. 13. Edited by Philip Schaff. (Buffalo, NY: Christian Literature Publishing Co., 1889.) <https://ccel.org/ccel/schaff/npnf113.iv.iv.iii.html> .Revised and edited for New Advent by Kevin Knight. <http://www.newadvent.org/fathers/230303.htm>.

عن يوسف الخطيب وحياتنا

على ضوء إنجيل الأحد بعد الميلاد

إعداد الأب أنطوان ملكي

“وَبَعْدَمَا انْصَرَف المجوس، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُفَ فِي حُلْمٍ قَائِلاً:«قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ». فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلاً وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ”. هذا ما نقرؤه من الكتاب المقدس في الأحد الذي يلي عيد الميلاد وهو محدد ليوسف الخطيب. هناك في المسيحية أكثر من موقف من يوسف كليم الملائكة. فالغرب في تعليمه عن عائلة مقدسة يعطي يوسف مكانة لا يشير إليها لا الكتاب المقدس ولا التقليد. واضح قول الكتاب المقدس “قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ” الذي لا يقول خذ امرأتك والصبي أو ابنك، وبالتالي لا مكان للحديث عن “عائلة مقدسة” تضمّ يوسف ومريم ويسوع. فيسوع “بلا أم من جهة أبيه وبلا أب من جهة أمه”. هذا هو التجسد الذي عيّدنا له في الميلاد.

نعرف أن يوسف كان مترملاً. لكن انخراطه في مسيرة الخلاص كرّسه وكرّس معه عائلته الكبيرة. فكلاوبا الذي كان أحد الرسل السبعين وقد ظهر له الرب على طريق عمواص كان أخاه. أما أبناؤه الذين نعرفهم فهُم الرسول يهوذا والرسول يعقوب أخو الرب الذي صار أول أسقف لأورشليم وسالومة حاملة الطيب التي كانت أمّ ابني الرعد الرسولين يعقوب ويوحنا. يوسف كان فاهماً أنه وكيل لكلمة الله وبهذا يمكن اعتباره أول اليهود المهتدين إلى المسيحية. فهو حين تشكك من حمل مريم عاد فأطاع الملاك و”أخذها إلى خاصته” منخرطاً في خدمة الطاعة للرب وللمخطط الخلاصي. وبعد ميلاد يسوع كرر طاعته إذ “أَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلاً وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ”.

من هذه الرحلة إلى مصر والعودة منها يمكننا أن نرى اتكال يوسف الكامل على الله وثقته بتدبيره. يخبرنا التقليد أن يوسف لم يكن يعرف مصر ولا أقارب له فيها ولا معارف. لكنه ببساطة تبع الرب يوماً بيوم. حتى في عودته أطاع ولم يمر بأورشليم ولا باليهودية بل ذهب إلى الجليل إلى الناصرة. في كل هذا الوقت تصرّف يوسف على أساس الثقة البسيطة بكلمة الله. لم يكن عنده ضمانات ولم يطلبها، ولا انشغل بما ينتظره في كل يوم. لكنه وثق بإعالة الله يومياً لأنه كان يعرف أن الله يعطيه حاجته طالما هو يسلك في طاعته. هذا الموقف طوّبه الرب يسوع المسيح بعد ثلاثين سنة في عظته على الجبل. فيوسف إذ قد سمع كلمة الله وحفظها باتكال ثابت على تدبير الله، يُحسَب بين الأبرار. فهو كخطيبٍ لمريم صار حامياً لها وللطفل الإله الإنسان الذي ولدته. وبهذا الدور صار كالملائكة الذين عملوا على تمام سر الخلاص، وكما يذكر التقليد هو استمر في هذا العمل حتى بعد موته، إذ إنه أخبر الذين في الجحيم عن مجيء المسيح والخلاص المنتظَر.

في كل ما نعرف عن سني يوسف المئة وعشرة نرى صورة التواضع والبِر وأعلى درجات الصلاح. فهو قد ربّى وحمى وغذّى الرب المتأنّس ووالدته الدائمة البتولية بطريقة تلزِمنا على تقديره ومديحه وطلب شفاعته، لأن الرب على الأكيد لا يهمل تمجيد مَن أحبّه بهذا المقدار والشكل. إن يوسف قد غمرت نتوءات النجارة يديه أما نفسه فقد ارتفعت بالمعرفة الإلهية وهذا ظاهر في ثقته بالله الثابتة والغالبة للشك والتي تضعه أمامنا مثالاً لامعاً عن كيف ينبغي أن ننظم حياتنا: حياةً تقوم على الثقة بالله والاتكال عليه واتّباع كلمته.

إن زماننا هو زمان العبيد البطالين الخائفين أن يخسروا نعومة أيديهم لهذا نحن مترددون نطلب راحتنا في كل شيء ونضع الشروط حتى على الله. إن نعومة الأيدي تعكس ضحالة النفوس المتهرّبة من الجهاد ومن الالتزام. لهذا ينتصب يوسف الخطيب أمامنا مثالاً يعلّمنا أن الإيمان بالمسيح والإخلاص له يكونان بالأعمال وليس بالكلام وحسب.

* عن نشرة الكرمة

حول إنجيل شفاء ابن أرملة نايين

الأب أنطوان ملكي

“فلما رآها الرب تحنن عليها”. أمام منظر الأم الثكلى لا ينفع الكلام الذي يتكرر في الجنازات، وحده حنان الرب يسوع ينفع. ترِد كلمة تحنن 13 مرة في العهد الجديد وهي دائماً تشير إلى السيد المسيح، لأنه هو المتحنن. في المقطع الإنجيلي يقابل الرب يسوع معطي الحياة موكب الجنازة، أي تتقابل الحياة مع الموت والحزن، فيغيّر تحننه الحزنَ إلى فرح. عند اليهود، كان لمس نعش الميت عملاً منجّساً، ولكن القدوس الطاهر لمس النعش وأقام الميت، فهو لا يتنجس.

في البداية قال الرب للأم “لا تبكي” أي أنه قبل أن يلمس النعش لمس قلبها. كلمة “لا تبكي” لا تعزّي أمّاً فقدت وحيدها إلا أن مقابلة المسيح أدخلت العزاء إلى قلبها. تختلف هذه المعجزة عن إقامة ابنة يايرس وإقامة لعازر، إذ إن المسيح هو الذي يبادر بصنع المعجزة دون أن يسأله أحد وذلك ليعلن أنه أتى ليعطي الحياة للبشر، فهو ليس قادراً على أن يقيم من الموت الجسدي وحسب بل على أن يقيمنا من موت الخطيئة أيضاً.

إيليا وأليشع وغيرهما ممن أقاموا أموات، أقاموهم بالصلاة لله. أما المسيح فبأمره ودون أن يصلي. الأرملة هنا تشير إلى البشرية التي صارت كأرملة بفقدها نعمة الله ولذة العشرة معه. أما الشاب الميت فيشير لكل نفس أفقدتها الخطيئة حياتها. هناك أموات كثيرين ماتوا أيام السيد المسيح ولم يقمهم، فالسيد لا يهتم بأن يقيم الأجساد لتموت ثانية، بل هو يريد أن يعلن أنه يريد قيامتنا من موت الخطيئة لحياة أبدية، وإقامته لهذا الشاب خير دليل على إمكانية حدوث هذه القيامة الأبدية.

لمسُ السيد للنعش يظهِر أن جسد المسيح المتحد بلاهوته قادر أن يعطي حياةً لمن يتلامس معه، فهو له سلطان على محو الموت والفساد “من يأكلني يحيا بي”، وهو بهذا يقصد سر الافخارستيا الذي يعطي فيه جسده للأكل “خذوا كلوا هذا هو جسدي”.

“قال ايها الشاب لك اقول قمْ. فجلس الميت وابتدأ يتكلم فدفعه الى أمه”. هذا هو يسوع المتحنن الرؤوف أعاد المفقود الى أمه لأنه هو القيامة والحياة وغالب الموت. إن يسوع المسيح هو ينبوع الحنان الحقيقي الذي يمكن أن يشرب منه الإنسان المُتعَب والمحتاج، فهو الذي أخذ جسداً وشابَهَنا في طبيعتنا حتى يمكن ان نرتوي من حنانه وبصورة مباشرة.

* عن نشرة الكرمة

الغلبة على الخطيئة في شفاء المخلع

الأب انطوان ملكي

تُظهر رواية شفاء المخلّع في كفرناحوم كيف أن يسوع هو محرّر الناس من الخطيئة ومن المرض الذي هو نتيجة لها. النقطة الرئيسية في الحادثة هي كرازة يسوع للكتبة بأن “لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا” وهي تسمح لنا أن نستنتج مساهمة الرواية في إرساء سلطة الكنيسة في غفران الخطايا، هذا السلطان الذي أخذته عن مؤسسها. وهذا المعنى مطلوب إيصاله مع الأحد الثاني من الصوم حيث يكون بعض المؤمنين قد بدأ يتعب ويتساءل عن جدوى ما يقوم به. كما أنه يكمّل القصد الذي تمت مباشرته في الأحد الأول، أحد الأرثوذكسية.

لا تعكس هذه المعجزة تعاطف يسوع مع ألم المريض وحسب بل هي تعبير عن سلطانه الذي به يبدأ زمن جديد في الإنسانية، زمن تضعف فيه قوّة الشيطان وتنهزم، ويتحرّر الإنسان من طغيانه وتُؤسَس الكنيسة حيث يذوق المؤمن مسبقاً عن طريق الأسرار خيرات ملكوت الله.

كل كلمة ينطق بها يسوع في هذا المثل لها معناها العميق. يمدح يسوع إيمان الرجال الأربعة الذين حملوا المفلوج. يرى بعض المفسرين أن المسيح أيضاً امتدح إيمان المفلوج نفسه لأنه رضي أن يحملوه بهذه الطريقة. إن إيمان مرافقي المريض الأربعة وقف خلف ابتكارهم. هنا نفهم أن الإنسان المؤمن حقاً لا ينثني أمام حواجز تعترض طريقه بل يوجِد طرق عمل لكي يحقق هدفه لا من أجل فائدته الروحية الشخصية فحسب بل أيضاً من أجل فائدة الآخرين، خصوصاً عندما يكون هؤلاء الآخرون في حاجة. هنا نفهم درساً مهماً لحياتنا الشخصية وهو أن الإيمان شرط ضروري من أجل الخلاص لكن للإيمان امتدادات اجتماعية لأن الإنسان المؤمن هو وسيلة لخلاص الآخرين. هذا يظهر من أن يسوع مدح إيمان مرافقي المخلّع قبل أن يشفيه. من جهة أخرى، في توجّه يسوع إلى المخلّع ومناداته “يا بنيّ” تظهر الصلة العائلية الوثيقة التي تتكون داخل الإنسانية الجديدة التي هي الكنيسة.

في قول الرب للمفلوج “مغفورة لك خطاياك” يطرح موضوع علاقة الخطيئة بالمرض. حسب يسوع وتعليم العهد الجديد يمكننا القول أن الخطيئة دخلت في العالم عن طريق آدم وكانت النتيجة المرض والفساد والموت. وجود المرض إذاً في العالم يشكّل مظهراً لحالة الخطيئة، لا بمعنى أن كل مرض عند الإنسان هو نتيجة خطيئة شخصية محددة، لكن بمعنى أن المرض بصورة عامة يدلّ على ضعف الإنسانية وخضوعها لقوّة الشرّ.

صحيح أن يسوع لا يفسّر مشكلة الخطيئة، ولا يحكي عن جوهرها أو مصدرها أو نتائجها المؤلمة. لكنه يلتقي بالإنسان الواقع فيها ويحرّره منها. هذا تعليمٌ عن أن زمن المسيّا المنتظر هو زمنٌ تُمحى فيه الخطيئة مع كل ذيولها. لذلك نحن نسمّي المسيح رافع خطيئة العالم، كما نرتّل في المجدلة الكبرى. ولهذا نحن نقرأ عجائب يسوع الواردة في الأناجيل كتعبير عن غلبة الله على القوات الشيطانية التي تقبض على الناس وتأسرهم ودلالة على بداية زمن النعمة والخلاص.

إن الكتبة الحاضرين اعتبروا كلام المسيح عن غفران خطاياه تجديفاً لأنهم لا يعترفون بسلطانه بل يعتقدون أنه ينسب لنفسه خصائص وسلطة إلهية تجديفاً. لكن يسوع يظهِر لهم أنهم إذا كانوا يعتبرون شفاء الجسد أصعب من غفران الخطايا لأنهم لا يستطيعون رؤية الخطيئة والتحقق منها، إلا أنه ينظر إلى السبب والنتيجة في آن واحد. بهذا يظهِر أن ابن الإنسان ليس فقط ذاك الذي سوف يتألم ويعود بمجد ليدين العالم، بل هو أيضاً العامل في الوقت الحاضر فيما بين الناس ومؤسس الكنيسة.

لقد غلب يسوع المسيح تسلّط الخطيئة على الناس مع كل ذيولها حتى ولو كانت الخطيئة لا تزال تؤثر على البشر، وهذا يعود إلى أن الدهر القديم مع كل قواته الفاسدة ما زال قائماً إلى جانب الدهر الجديد الذي بدأ مع المسيح وتحقق في الكنيسة ويكتمل في مجيء المسيح الثاني. عدم قبول الخطيئة في الكنيسة لا يعني أنه غير ممكن حصولها بل يعني أنه يمكن للمؤمن أن يتجنّبها. وحتى في حال سقوطه فيها فإن الكنيسة تملك سلطاناً “لغفران الخطايا”.

* عن نشرة الكرمة

نحن والقديسون: حول إنجيل أحد جميع القديسين

الأب أنطوان ملكي

” فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، وَمَنْ يُنْكِرُني قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.” هذا الكلام قاله الرب لتلاميذه جميعاً، من دون استتثناء، في كل الأزمنة والأماكن. هذا يعني أنه قاله لنا أيضاً نحن الذين نقف في هياكله اليوم والذين نحسب ذواتنا من تلاميذه بالمعمودية. كمثل البرق الذي يخترق السماء من دون أن يخسر شيئاً من لمعانه كذلك كلمات السيد وصلت إلينا في الإنجيل بكل قوة ووضوح.

إن تلاميذ الرب ليسوا أولئك الذين يسمّون أنفسهم كذلك بل الذين يعترفون به فعلياً سيداً لهم وملكاً أبدياً متّبعين تعاليمه ومحققين وصاياه. إن اعترافهم يجب أن يكون بالفكر والقلب والقول والفعل وبكل حياتهم. لا مكان للارتباك والخجل والتذبذب في هذا الاعتراف. هذا الاعتراف يتطلب إنكاراً للذات وشعوراً بالنصر كما أمام كل الناس والملائكة.

علينا أن نشابه في اعترافنا التلاميذ الذين لم يخجلوا أو يخافوا من أن يعترفوا بالإله-الإنسان محتملين الاضطهاد، معلنين اعترافهم أمام سلطات الدين والدنيا، أمام حكماء الأرض وسلاطينها، ونتمثّل بالشهداء الذين حملوا ألمهم ودمهم، بالذين أرضوا الرب بجهادهم على الأرض مهملين كل الأرضيات، الذين كانوا في العالم وليسوا من العالم. إن الاعتراف بالرب مصحوباً بإنكار الذات هو سمة القديسين.

إن الاعتراف الضعيف والمبهَم ليس مقبولاً، ولا حاجة له، ولا يستقيم أمام عيني الرب. لا يكفي أن يعترف الإنسان بالله في ذاته سرياً، بل الاعتراف يكون بالشفاه والكلمات، وأهم منها بالأعمال والحياة. لا يكفي الاعتراف بألوهة الرب وسلطانه، بل ينبغي الاعتراف بتعليمه ووصاياه في عيشها، حتّى ولو على عكس ما هو مقبول في المجتمع البشري. هذا المجتمع خاطئ وميال إلى الزنا لأنه استبدل محبة الله بمحبة الخطيئة. إن العادات السائدة في هذا العالم والتي صارت توازي ناموساً يعلو على القانون هي ضد الحياة المرضِيَة لله حتى العداوة. إن هذا العالم الذي يسوده الغرور يكره ويهزأ من الحياة المرضِيَة لله، لذا القلب الضعيف وغير الثابت في الإيمان يميل نحو إرضاء البشر مبتعداً عن تعليم الرب ومقصياً ذاته من صف المختارين.

إنه لأسهل على الإنسان أن يرفض متطلبات المجتمع من أن يرفض متطلبات العائلة التي تكون بالعادة أقرب إلى الناموس الطبيعي وليست بالضرورة قريبة من وصايا الله. الوضع المثالي هو أن تكون متطلبات العائلة من متطلبات الله. لهذا قال الرب مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي. غالباً ما يجد محب المسيح نفسَه مرتبكاً بتضارب المتطلبات، ويستصعب تمييز إرادة الله فيها. لهذا يريد الرب أن يقول بهذه الآية أن مَن يختار إرادة غيري يكون قد تخلّى عني.

إن الصعوبات التي تعيق الاعتراف بالرب وتأتي من الخارج لا تُقارَن بصعوبة تلك التي تأتي من الداخل. إن الخطيئة التي تعيش في الفكر والقلب والجسد تقوم كمضاد مباشر للاعتراف بالمسيح وتحقيق وصاياه. إن الخلطة التي تتواجد في ذواتنا بين صلاحنا الطبيعي والأذى المتأتي من الخطيئة هي العائق الأكبر أمام اعترافنا الكامل بالرب. قد يكون من السهل الابتعاد عن المجتمع والأقرباء، لكن أين نذهب من ذواتنا ومن طبيعتنا. لهذا يأمرنا الرب بأن نصلب الطبيعة بحملنا الصليب والسير وراءه عن طريق تخلينا عن الفكر الجسدي الذي يشتهي ويتأثر بالأهوية. من هنا أن كل الآيات التي ترد على لسان الأنبياء والرسل ويفسرها البعض في الكنيسة على أنها تعذيب للذات أو ما شابه فإنما هي صرخات من عمق النفس التي وعت ضعفها وتسعى لتخطي طبيعتها حتى تصل إلى ما هو أسمى.

إن الكنيسة لكي تشرح لنا مصير مختاري الله، بعد أن أظهرت لنا في القراءة الإنجيلية المصير المتوقف على اتباعنا الرب، تسمِعُنا السؤال على لسان الرسول بطرس: «هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ. فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟» وإذا بوعد الرب واضح بأنّه سوف يعوّض كل خسارة بما هو أغلى منها بكثير. إن الاضطهاد الفعلي هو الحياة على الأرض لأننا طُرِدنا إليها وحُكِم علينا برحلة عذاب نعيشها على الأرض قبل أن نعود إلى السماء، إذا عملنا لذلك. إن الحياة الحالية هي العذاب لأن أمير هذا العالم يحكمه والخطيئة تسيطر عليه ولا تكفّ تضطهد محبي المسيح. إن الخطيئة تهاجم محبي المسيح من الخارج والداخل وبهذا تعذبهم.

لكن الرب لا يترك محبيه، بل يترك لهم نعمته. نعمته تحوّل عذاباتهم وتجاربهم وتوبتهم إلى قداسة، والقداسة تمنحهم التعزية وتفتح لهم أبواب المجد والغنى السماوي. كل ما يمتّع الإنسان يبقى هنا أما المجد الذي من المسيح فهو يبدأ هنا ويستمر إلى الأخير. النعمة التي نكتسبها هنا هي الثروة الوحيدة التي تعبر القبر معنا. هكذا عبر القديسون الذين نعيّد لهم اليوم، وهذا ما هو مرسوم لنا ونحن مدعوون إليه.

* عن نشرة الكرمة

المرأة في كتابات بولس الرسول

ماريَّا قباره

يبدو لنا بولس الرسول للوهلة الأولى، رجل متناقض عبر نصوصه المتعلّقة بالمرأة. فهو من جهة، يُعيد المرأة، التي عزَّز يسوع دورها الاجتماعيّ، إلى الوراء، مكتسبًا بلا منازع صفة مناهضها، وقد أصبحت هذه الصفة ملازمة لشخصه (1كورنثوس 11، 14). وهو من جهة ثانية، المناصر الأول للمساواة الاجتماعيّة. فما أن نطمئن إلى غلاطية (28:3) وإعلان نهاية التمييز الاجتماعيّ والدينيّ الذي كان يفرّق بين الرجل والمرأة – ليس يهوديّ ولا يونانيّ، ليس عبد ولا حرّ، ليس ذكر وأنثى، حتّى يفاجئنا بولس بالقول: “لتصمت النساء في الكنيسة” (1كورنثوس 34:14)، وبالتأكيد على أنَّ “الرجل هو رأس المرأة” (1كورنثوس 2:11-16).

فمن هو بولس الرسول؟ هل هو قائد مسيرة تحرير المرأة أم أنَّه سيّد المحافظين الأول؟ وهل يكفي قوله: “لتصمت النساء في الكنيسة” كي يكون ألدّ أعداء المرأة؟ أم هل يمكننا أن ننسب إليه ازدواجيّة في مبادئه الأخلاقيّة، بحيث نتلمس جوهر إيمانه في غلاطية (28:3)؛ ونكتشف ميوله الرافضة للمرأة في 1كورنثوس (14)؟ أم أنّنا نستطيع أن نُعيد ما ورد في الرسالة إلى أهل غلاطية (28:3) إلى ثقافته اليونانيّة، وما ورد في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس (14) إلى بيئته اليهوديّة؟

لا بدَّ لقارئ نصوص بولس من التوقف أمام التناقض في ما يتعلّق بموقفه من المرأة. ويبدو هذا التناقض من قراءة سطحية قد تقود إلى التساؤل عن تلك المواقف التي تبدو للقراءة الأولى مختلفة عمّا ينادي به بولس الرسول في المساواة بين الجنسين.

غير أنَّنا، قبل البدء في قراءة النصوص واستخلاص فكر بولس ونظرته إلى المرأة، لا بدَّ لنا من توضيح بعض النقاط الأساسيّة في قراءتنا نصوصه الكتابيّة هذه. أوّلاً، علينا الانتباه إلى المساحة الزمنيّة والاجتماعيّة التي تفصلنا عن نصوص العهد الجديد والتي تعود إلى ألفي سنة تقريبًا. ثانيًا، علينا الانتباه إلى اختلاف ثقافة عصرنا الحاليّ ومبادئه وقوانينه عن ثقافة عصر بولس ومبادئه وقوانينه.

بولس الرسول وحضارة عصره

كان بولس الرسول أو “رسول الأمم” مواطنًا يهوديًّا من مدينة طرسوس بآسيا الصغرى، وهي مدينة غير دينيّة من أعمال كيليكية (Cilicia) (أعمال 39:21). وكان يلمُّ إلمامًا تامًّا باللغة اليونانيّة، وقد اكتسب المواطنة الرومانيّة بحقّ المولد. وما عاد ثمّة شكّ في أنَّه تلقى تعليمه في المنزل قبل أن يسافر إلى أورشليم ليجلس بين يدي الحاخام غمالائيل (Gamalil). ما يعني أنَّه، عندما ذهب إلى أورشليم، جمع في شخصه وفي ثقافته تراث اليهود والهيللينيّين.

كان بولس، أيضًا، حبرًا من أحبار اليهود، تربّى في مدارسهم وتشبَّع من مبادئهم وعاداتهم، وحفظ طقوسهم وشعائرهم حتى قبل أن يصبح تلميذًا للحكيم الفريسيّ غمالائيل الذي واظب على دروسه في أورشليم طيلة خمسة عشر عامًا.

يشهد المؤرّخون والآباء على أنَّ القدّيس بولس، رغم ثقافته اللاهوتيّة والفلسفيّة، ورغم عبقريته كرسول للأمم، قد دفع ضريبةً لحضارة زمانه. يورد المطران جورج خضر في مداخلة له في برنامج المرأة لمجلس كنائس الشرق الأوسط، رأيًا للقدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم يتعلّق بارتباط بولس الرسول بثقافة عصره، فيقول: “يشهد القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم في أواخر القرن الرابع، مع قسوته في الحديث عن المرأة، أنَّ بولس كان على شيء من حضارة عصره. يوحنّا الذهبيّ الفم رأى أنَّ كلام بولس مرتبط بترتيب حضاري”[1].

تأثّر الرسول بولس إذًا وهو يهوديّ المنشأ، بالتبعيّة التي كان يتميّز بها وضع المرأة كما حددّته الأعراف اليهوديّة التي ذكرناها أعلاه. غير أنَّه في الوقت عينه تحرّر بفضل رسالة الإنجيل من وطأة الأعراف اليهوديّة. لذا نراه، على صعيد المبادئ، يعلن المساواة الأساسيّة القائمة بين الرجل بالمرأة في المسيح، كما يعلن مساواة الحرّ بالعبد، والبربريّ باليونانيّ، (غلاطية 28:3؛ كولوسي 11:3). ويطبق المبدأ ذاته على الزواج، مشيرًا إلى التساوي الكامل بين الزوجين في الحقوق والواجبات (1كورنثوس 3:7-5، 10-16)[2].

لكنَّ بولس لا يبدو منسجمًا بالكليّة مع المبادئ التي أعلنها. ولعلَّ التقاليد، التي تربّى عليها والّتي سادت محيطه، لا تزال تشدّه إليها وتقاوم في نفسه جدّة الإنجيل. فإنَّه، وبحسب قوله، كان يحمل الكنز في وعاء خزفي (2 كورنثوس7:4)، لذا نراه، في ما يتعلّق بالمرأة، متجاذبًا بين الموقف الجديد والموقف العتيق. فهو، مثلاً، يجاري محيطه بتوجيه المرأة نحو الخضوع لزوجها (أفسس 22:5؛ كولوسي 18:3)، لكنَّه يجعل من هذا الخضوع خضوع حبّ، لا خضوع عبوديّة، على غرار خضوع الكنيسة للمسيح “لأنَّ الرجل هو رأس المرأة كما أنّ المسيح أيضًا رأس الكنيسة، وهو مخلّص الجسد” (أفسس 23:5-24).

ولكن “كما تخضع الكنيسة للمسيح، كذلك النساء لرجالهنَّ في كلِّ شيء” (أفسس 23:5-24). يثبت بولس، على سبيل المثال، رئاسة الرجل في بيته، وهي رئاسة نادى بها المجتمع الأبويّ الذي عاش فيه. لكنَّه، في الوقت عينه، يدعو الرجل إلى أن يحوّل جذريًّا معنى السيادة هذه بأن يجعلها سيادة محبّة على طريقة محبّة المسيح للكنيسة. غير أنَّه، في المقطع الذي نحن بصدده (أفسس 22:5)، يبدو وكأنَّه تراجع إلى مستوى الأفكار والعادات اليهوديّة، وغاب عنه أنَّ كلّ شيء بالمسيح قد صار جديدًا كما أعلن هو نفسه في غلاطية (15:6). لكنَّه سرعان ما يستدرك، في الأسطر اللاحقة، إذ يعود إلى مبدأ المساواة بين الجنسين في الربّ. يكتب بولس قائلاً: “إلاَّ أنّه لا تكون المرأة في الربّ بلا الرجل ولا الرجل بلا المرأة، فإذا كانت المرأة استُلت من الرجل، فالرجل تلده المرأة، وكلّ شيء يأتي من الله” (1كورنثوس 11:11-12)[3].

لذا، شكَّلت نصوص بولس عند الكثيرين نقطة عثرة وجب تجاوزها، علمًا أنَّ الأدب المسيحيّ يراها كعمقٍ يجب سبر غوره بغية إيجاد لؤلؤته الحقيقيّة. ففي حين تساعد نصوص العهد الجديد وتعاليم وأفعال يسوع المسيح وحياة الجماعة المسيحيّة الأولى، كما تتبدّى في سفر أعمال الرسل، وقصص النساء اللواتي برزن في الأدب المسيحيّ في توضيح نظرة بولس الاسختولوجيّة لدور المرأة في الخلاص، تبقى نصوصه ترمي بعض الارتباك عند قارئيها، فيختلف المفسّرون في تأويلها وتتغاير وجهات نظرهم فيما يتعلّق بصورة المرأة فيها. ولعلَّ هذه العقدة تشكّل بالنهاية مفتاح حلّ المسألة، إذ يظهر عنده بعض التضارب والتناقض حول موقع المرأة في حياة الكنيسة. هذا التضارب خلق التباسًا حول ما كان بولس الرسول يريد التعبير عنه بالضبط. فهو، تارةً، يعتبر المرأة معلّمة للرجل، وطورًا، يدعوها رسولة وشمَّاسة (رومية 1:16)، وطورًا آخر، يأمرها بالصمت في الكنيسة (1كورنثوس 34:14).

إنَّ أقسى العبارات المتعلّقة بالمرأة وُجدت في رسائل بولس الرسول، وأنَّ أكبر عدد للنساء العاملات في خدمة الكنيسة ورد كذلك ذكرهنَّ في رسائله. وقد وصلَ به الأمر مرات عديدة إلى تفضيله النساء على الرجال وإعطائهنَّ سلطة عليهم، وهذا توضَّح في سلامه، أوّلاً، في الرسالة إلى أهل رومية على بريسكيلا ومن ثمّ على زوجها أكيلا (رومية 2:16).

رؤية بولس الرسول إلى الإنسان

بغية فهم رؤية بولس للإنسان ولصورة المرأة تحديدًا، يجب علينا هَهنا أن نطرح بإيجاز مسألة أساسيّة في الفكر المسيحيّ تتضح بالذات في كتابات هذا الرسول. ولعلَّ هذه المسألة تنحصر في التناقض القائم بين العالم الساقط وبين عالم الأصل، ليس من وجهة نظر أفلاطونيّة، بل من مبدأ اسختولوجيّ مسيحيّ.

لقد قلنا أعلاه إنَّ المسيحيّة تنظر إلى حالة عالمنا الراهن، على أنَّها حالة غير طبيعيّة. كما أنَّها تنظر إلى التدبير الإلهيّ كمحاولة لاقتلاعنا من هذه الحالة، ناظرةً إلى الأمور من منظار اسختولوجيّ على رجاء التقرّب من العالم الحقيقيّ المنشود. فالكنيسة تميّز بين الواقع والمطلوب، بين الراهن والآتي، بين الحالة الطبيعيّة والحالة تحت- الطبيعيّة، بين اللاهوت والمجتمع، بين الفكر والتنفيذ. هذا التمييز لا يعني فصلاً، بل يدعو إلى تسليط الضوء على مسؤوليّة المسيحيّين في خلق المجتمع المسيحيّ الذي يعمل على إلغاء التوّتر الحاصل بين الواقع والدعوة. وهذا الفارق ينعكس على وضع المرأة كما الرجل. ونحن نتناوله ههنا على صعيد وضع المرأة.

لقد قلنا إنَّه من أهم المواضيع الرئيسة في رسائل بولس الرسول موضوع صراع الجسد والروح، وعن هذا الأمر يفسّر المطران بولس يازجي في كتابه باللغة اليونانيّة “الاسختولوجيا والأخلاق”[4] نورد منه بإيجاز، حيث يقول: “قد أساء العديد من المفسرين الحديثين فهم رؤية بولس في الصراع القائم بين الجسد والروح، لدرجة اتهام بولس بانفصام أنثروبولجيّته عندما يقول: “لستُ أعرف ما أنا أفعله إذ لست أفعل ما أريده بل ما أبغضه فإيَّاه أفعل” (رومية 15:7). ويصلّي لمن ينقذه “من جسد الموت هذا”، وهو يقمع جسده ويستعبده (1كورنثوس 27:9). فبحسب بولس “الجسد يشتهي ضدّ الروح، والروح ضدّ الجسد، وهذان يقاوم أحدهما الآخر حتّى تفعلون ما لا تريدون” (غلاطية 16:5-17)”[5].

إنَّ الجسد والروح عند بولس الرسول لا يعنيان البشرة والنفس الإنسانيّة وإنَّما لهما المعنى الخلقي. أيّ أنَّه يقصد بهذين المفهومَين السلوك الجسداني أو السلوك بحسب عالم الدعوة. لذلك حين يعدّد بولس الرسول أعمال الجسد يقول: “ظاهرة زنى، نجاسة، دعارة، عبادة وثن، سحر، عداوة، خصام، غيرة، سخط، تحزّب…” (غلاطية 19:5-20). فإذا كان لدى البعض فكرة أنَّ الدعارة والزنى هما من أعمال الجسد، فهل عبادة الوثن والسحر وما يليهما، أيضًا، من أعمال الجسد؟[6].

ومن هذا المنظار يصبح ثمر الروح عند بولس الرسول “فرح وسلام وطول أناة ولطف وصلاح وإيمان وكذلك وداعة وتعفّف” (غلاطية 22:5). فالصراع إذًا هو بين واقع يسمّى بحسب الجسد؛ عالم ساقط أو عالم خطيئة، وبين الدعوة المسمّاة الروح أو العالم المطلوب أو عالم الملكوت[7].

وبالتالي نجد ممَّا سبق، أنَّ وضع المرأة عند بولس يخضع، تمامًا، كوضع الرجل، لهذه الرؤية. ومنها سننطلق إلى طرح الحلول المسيحيّة مقارنة بالحلّ الإنسانيّ والاجتماعيّ لوضع المرأة عند بولس الرسول.

التناقضات الظاهرية في بعض آيات بولس الرسول في ما يتعلّق بصورة المرأة

يمكننا أن نشرح رأي بولس في ما يتعلّق بصورة المرأة بحسب الأدب المسيحيّ مرتكزين إلى ثلاث نقاط رئيسة:

  1. التناقضات الظاهرية في بعض آيات رسائل القدّيس بولس.
  2. نصّه الشهير في بريسكيلا وأكيلا ونصّه حول المرأة المؤمنة والرجل الوثنيّ.
  3. النصّ المعروف في الإصحاح الخامس من رسالته إلى أهل أفسس عن السيادة بالعلاقة بين الرجل والمرأة في الزواج.

أولاً: التناقضات الظاهرية في بعض آيات رسائل القدّيس بولس

نورد أدناه شواهد من الرسائل تظهر تناقضات بولس الرسول المتعلّقة بالمرأة

يقول الرسول: “على المرأة أن تتعلّم بسكوت في كلِّ خضوع ولا يأذن لها أن تعلّم ولا تتسلط على الرجل بل تكون في سكوت. لأنَّ آدم جُبل أولاً ثمّ حواء. وآدم لم يُغوَ لكن المرأة أُغويت فحصلت في التعدّي” (1تيموثاوس 11:2-14)

“ويجب على النساء أن يصمتن في الكنائس لأنَّه ليس مأذون لهنَّ أن يتكلمنَّ بل يخضعن كما يقول الناموس، ولكن إن كنَّ يردنَ أن يتعلّمنَ شيئًا فليسألنَ رجالهنَّ في البيت لأنَّه قبيح بالنساء أن تتكلّم في الكنيسة. الله ليس إله تشويش بل إله سلام” (1كورنثوس 32:14-36).

يطلب بولس من المرأة بشدّة أن “تغطي رأسها عندما تصلّي أو تتنبّأ” (1كورنثوس 5:11)

غير أنَّه في الوقت عينه يكتب معطيًا إيّاها دورًا قياديًّا مميّزًا

ففي رسائله يصف العمل الرسوليّ الذي كانت تقوم به نساء عديدات، كعمل فيبي، شمّاسة كنخرية (رومية 1:16)، والتي قد كلّفت بحمل رسالته إلى مسيحيّي رومية. ويصف بولس كذلك بإيجابيّة ملفتة عمل مريم التي يقول عنها أنَّها “أجهد تنفسها في سبيلهم كثيرًا” (رومية 6:16). ولاحقًا، يكرّر القول نفسه عن طروفانيا وطروفوسة، إذ يذكر أنَّهما “أجهدتا نفسيهما في الربّ” (رومية 12:16). وفعل “أجهد” يشير في لغة بولس إلى النشاط الرسوليّ. ففي رسالته إلى مسيحيّي فيليبي، يشهد لأفودية وسُنتيخة قائلاً: “إنَّهما جاهدتا معي في سبيل البشارة” (فيليبي 2:4-3).

ويورد بولس في رسائله كذلك أقوالاً إيجابيّة عن المرأة. ففي 1كورنثوس 5:11، ها هي المرأة تتنبأ وتصلّي أيّ أنَّها تؤدّي وتقود الصلاة. يكتب الرسول قائلاً: “الرجل ليس من دون المرأة ولا المرأة من دون الرجل في الربّ، لأنّه كما أنَّ المرأة هي من الرجل هكذا الرجل، أيضًا، هو بالمرأة” (1كورنثوس 11:11). ويضيف “والحدثات عليهنَّ أن يكنَّ محبّات لرجالهنَّ (…) خاضعات لهم لكي لا يجدّف على كلمة الله” (تيموثاوس 4:5). وها هو يعبّر كذلك في كلماته الشهيرة برسالته إلى غلاطية عن أهمية دور المرأة وعمق إيمانها، إذ نقرأ “لأنّكم كلّكم الذين اعتمدتم بالمسيح المسيح قد لبستم، ليسَ يهوديّ ولا يونانيّ، ليس عبد ولا حرّ، ليس ذكر ولا أنثى لأنَّكم جميعًا واحد في المسيح” (غلاطية 27:3-28).

إنَّ هذا التناقض البولسيّ تجاه المرأة، والمعبّر عنه في عبارات قاسية وفي مواقف صارمة أو في رحابة إنسانيّة تعطيها مكانة مميزة تطرح علينا السؤال الآتي: ما سبب هذا التناقض؟

يبدو أنَّ هذا التناقض يشير إلى أنَّ بولس كان صارمًا في ما يتعلّق باحترام العادات الاجتماعيّة السائدة، لا سيّما تلك المتعلّقة بالعبادة والعمل الكنسيّ. ولعلَّ مبرّر صرامته، “لكيّ لا يجدَّف على كلمة الله” ( تيطس 2:2-6؛ 1 تيموثاوس 9:2-15؛ 1 بطرس 1:1)، من مجتمع لا يسمح آنذاك بغير هذه العادات. هذا يعني أنَّ بولس الرسول كان متشدّدًا في ما يتعلّق بالإيمان، ومتحفظًا بسبب من عادات المجتمع، حرصًا منه على الكلمة وبشارتها. لذا شكّل موقفه الصارم ردّ فعل على “تشييء” المرأة في المجتمع الرومانيّ وتحجيمها في صورة خليعة[8]. و يبدو لنا كذلك أنَّ قسوة الآيات البولسيّة التي تتحدّث عن المرأة كانت متأثرة إلى حدّ بعيد بمجتمع عصره.

ثانيًا: التناقضات الظاهرية في نصّه الشهير في بريسكيلاّ وأكيلا، ونصّ المرأة المؤمنة والرجل الوثني

من المواقف الأساسيّة التي توضح حقيقة فكر بولس المسيحيّ هو سلامه إلى بريسكيلا وأكيلا “تحيّة إلى بريسكيلا وأكيلا (…)”، وذكرهما كزوجَين في رسائله. وقد أورد الرسول ذكر بريسكيلا، كما أشرنا سابقًا[9]، قبل زوجها أكيلا في نصّه.

وفي كتاب أعمال الرسل (26:18)، يروي الكاتب قصّة اليهوديّ أبُلّوس الاسكندريّ، وهو رجل فصيح مقتدر في الكتب (…) لمَّا سمعه أكيلا وبرسيكيلا أخذاه “وشرحا له طريق الربّ بأكثر تدقيق” (2تيموثاوس 19:4). في تفسيره لهذا النصّ، يعتبر هارناك أنَّ الشخصيّة الأساسيّة في نصّ بولس إنّما هي بريسكيلا[10]. والذهبيّ الفم يؤكّد أنَّ المقصود بالمعلِّم هنا هو المرأة برسكيلا. لأنَّ بولس يعتبرها أولاً في رسائله، وهذا بيّن في سلامه: “سلّم على بريسكيلا ثمَّ على أكيلا والعاملين معه في المسيح” (رومية 2:16).

إذا قارنا مضمون (1تيموثاوس 12:2) مع (1كورنثوس 13:7-16) حيث، أولاً، يمنع بولس المرأة من التعليم، ثمّ ثانيًا، يسمح للمرأة المؤمنة المتزوجة من رجل وثني أن تبقى معه وتعلّمه لتخلّصه، نجد أنَّ هاتين الآيتين تبيّنان لنا أنّ بولس، وحسب توضيح الذهبيّ الفم في تفسيره للآية “وشرحا له طريق الربّ بأكثر تدقيق” (2تيموثاوس 19:4)، “يطلب من المرأة أن توجّه زوجها وتعلّمه، إذ إنّها سيّدة البيت”[11]. هذا يعني أنَّ الزوجة المؤمنة تستعيد تدريجًا السيادة والحريّة حين أضاع زوجها الإيمان والسيادة.

يتضح لنا مما تقدَّم، وعبر مثال بريسكيلا مع أبولّس؛ ومثال المرأة المؤمنة مع الرجل الوثنيّ، أنَّ بولس، وبحسب تفسير الذهبيّ الفم، يعطي أحيانًا السلطة والسيادة والتعليم للمرأة (1كورنثوس 4:7).

ثالثًا: السيادة بالعلاقة بين الرجل والمرأة في الزواج (أفسس 24:5-26)

قلنا إنَّ الرسول بولس يأخذ بعين الاعتبار القيود الاجتماعيّة السائدة في عصره. فتارةً يحظر على المرأة التعليم والتكلّم في الكنيسة، وطورًا يسمح لها بنعمة الإيمان أن تعلّم وتتنبأ.

ففي أفسس (24:5-26) يحدّد الرسول طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، قائلاً أنَّ الرجل هو رأس المرأة كما المسيح هو رأس الكنيسة. لا يعني بولس بهذا القول أنَّ الرأس يفيد السلطان أو السيادة، بل أنَّه على الرجال أن يحبُّوا “نساءهم كما أحبَّ المسيح الكنيسة وأسلم ذاته…” (أفسس 24:5-26).

يعلّق الذهبيّ الفم، أيضًا، على هذا النصّ بالقول أنَّ بولس يبدو ههنا أكثر تطلّبًا من الرجل منه من المرأة. فإن كان وقع كلمة طاعة على مسامعنا أقوى من كلمة محبّة، إلاّ أنّنا نعرف كلّنا ماذا تعني محبّة المسيح للكنيسة. فبحسب الذهبيّ الفم “إنَّ الطاعة الكاملة عند المرأة تترافق مع المحبّة الكاملة، أيّ محبّة المسيح للكنيسة عند الرجل. وبما أنَّ الرجل يسير مع المرأة فعندما تطيع المرأة (كعبدة) من يعبدها حبًّا تصير هي سيدته. فالمحبّة حتى البذل تلغي الاستغلال والتعالي، ويلزمها الطاعة. والطاعة الكاملة، أيضًا، تلغي التعالي والاستغلال، ويلزمها المحبّة الكاملة. فالمحبّة حصن للطاعة، والطاعة حماية للمحبّة. والمحبّة بالطاعة ممكنة، والطاعة بالمحبّة مهمّة”[12].

ويتضح من قراءة الفكرة كاملة، أنّ الرسول يطلب خضوع المرأة “في كلّ شيء” لرجلها الذي يبذل ذاته من أجلها، كما المسيح بذل ذاته من أجل الكنيسة. والرجل يبذل ذاته وينصلب عندما يتخطّى أهواءه وأنانيّته ومشيئته الذاتيّة. فالمحبة حسب مثال المسيح التي يطلبها الرسول من الرجل تكون يإخلاء الذات، وهي تنأى بذاتها عن ميل الاستملاك والتنافس[13].

يقتدي الرسول بولس بجرأة الرب يسوع المسيح في معاملته المرأة بمساواة مع الرجل ومخاطبتها بالإنجيل متخطّيًا العوائق الاجتماعية التي كانت سائدة في العالمين اليهودي واليوناني. فبحسب ما كتبه في غلاطية 28:3 ” لَيْسَ يَهوديٌّ ولا يونَانيٌّ. ليس عبد ولا حرٌّ. ليس ذكرٌ وأنثى، لأنّكم جميعًا واحدٌ في المسيح يسوع”، أعطى الرسول بولس المرأة مقامًا في الكنيسة مساويًا للرجل، وعلّم بأنّها عضوٌ كاملٌ في الجماعة الكنسيّة شأنها شأن الرجل[14].

نستنتج إذًا ممّا سبق:

إنَّ السيادة مرتبطة بالإيمان بدلاً من الجنس. وقد دخلت لأسباب خلاصيّة ولغاية ضمان المحبّة والارتباط الحميم الذي مزقه السقوط.

إنَّ الرسول، كرجل عمليّ، يعي الفوارق المفروضة على الإيمان في المجتمع. لكنَّه يعي، أيضًا، في العقيدة، أنَّ الدعوة هي ذاتها للجنسين. لذا نراه يميّز بين وضع المرأة ودورها اجتماعيًّا وبين طبيعتها ودعوتها الإيمانيّة.

[1] المطران جورج خضر، “رؤياي في المرأة”، في “المرأة في اللاهوت الكنسيّ”، برنامج المرأة مجلس كنائس الشرق الأوسط، بيروت، 1980، ص 22.

[2] كوستي بندلي، “المرأة في موقعها ومرتجاها”، بيروت، منشورات النور، 2000، ص 117.

[3] المرجع نفسه، ص 117- 118.

[4] راجع باللغة اليونانيّة: Παύλου, Ιεροδ Yazigi, Εσχατολογία kαι Ηθική, Η εσχατολογική θεµελίωση της εν Χριστώ ζωής κατά τον άγιο Ιωάννη τον Χρυσόστοµο, ∆ιατριβή επί διδακτορία, Θεσσαλονίκη 1992.

راجع أيضًا، المطران بولس يازجي، عنصرة العصرنة بلسمة العصر الجريح، مكتبة الحكمة، منشورات حلب، 2008، ص 223.

[5] Ibid, P. 88-103.

[6] المطران بولس يازجي، عنصرة العصرنة بلسمة العصر الجريح، مكتبة الحكمة، منشورات حلب، 2008، ص 220.

[7] المرجع نفسه، ص 220.

[8] كوستي بندلي، ص 102.

[9] أعمال الرسل 2:18- 26، رومية 3:16، 1كورنثوس 19:16، 2تيموثاوس 19:4.

[10] Θρησκευτική και Ηθική Εγκυκλοπαίδεια, τόµ.∆’, Εκδότης Αθ. Μαρτίνος, Αθήναι, 1962-1968, σ.861.

[11] راجع باللغة اليونانيّة: Χρυσοστόµου, Εις το δια δετας πορνείας 3, PG 51, 212. Εις Γεν. Λόγος 5, 11, PG 54, 600.

راجع أيضًا، المطران بولس يازجي، عنصرة العصرنة بلسمة العصر الجريح، ص 227.

[12] انظر باللغة اليونانيّة:

Χρυσοστόµου, Εις Εφ.Οµ., 20, 4, PG 140-1, Αναλυτικό τεραγιατις θέσεις του Χρυσοστόµου.

انظر، أيضًا:

Παύλου, Ιεροδ Yazigi,Εσχατολογία και Ηθική, Η εσχατολογική θεµελίωση της εν Χριστώ Ζωής κατά τον άγιο Ιωάννη τον Χρυσόστοµο, ∆ιατριβή επί διδακτορία, Θεσσαλονίκη, 1992, σ. 229-324.

[13] الأرشمندريت يعقوب خليل،” كيف يكون الخضوع للآخر في الزواج، مقال منشور، http://www.jkhalil.com/index.php/publications/319-2013-12-08-22-38-24

[14] المرجع السابق.

حول إنجيل السامرية

حول إنجيل السامرية

الأب أنطوان ملكي

التقت السامرية بالرب عند البئر فغيّر مفهومها للماء الحي. لم يعد الماء مادة تُعبّأ بدلو وجرة. صار عندها الماء الحي للنفوس. بدأ الحديث بنحن وأنتم وانتهى به هو الألف والياء. أمران ينبغي التوقف عندهما في إنجيل المرأة السامرية الذي نقرؤه كل سنة. الأمر الأول هو أنها بطلبها التعرّف على المسيح تعرّفت على نفسها. ومن معرفتها لذاتها صارت تعرف المسيح. هذا ينطبق على كلّ منا. عندما يمسّ المسيح قلبنا وحياتنا يصير لا نبيّنا وحسب بل إلهنا. أمّا إذا أبقينا المسيح محصوراً بأحاديثنا ومناقشاتنا فلا ننتفع منه بشيء. بمعرفتنا لأنفسنا بنور المسيح نعرف أن الدين ليس حرفاً ولا انتماءً مناطقياً ولا وراثة عائلية بل هو روح محيٍ وماء حي نشربه فيتدفّق منّا. ولبلوغ هذه المعرفة علينا الخروج من مادياتنا وتخطي حاجتنا إليها. عندما نظرت السامرية إلى يسوع عبر حاجتها المادية رأته رجلاً يهودياً ولمّا انتقلت إلى معرفة الذات رأته نبياً اعظم من يعقوب، وصارت رسولة له تعالوا انظروا“. كان المسيح خصمها في الماديات وصار إلهها في الروحيات. هذه قيامة المسيح فاعلة في البشر، تحوّلهم من مجبولين بالحاجة وبالمادة إلى رسل منيرين فوتينيناقلين للنور وحاملين للحياة.

الأمر الثاني الذي ينبغي التوقّف عنده في إنجيل أحد السامرية هو شكل العبادة. فعبادة الإنسان تحدد علاقة الإنسان بالله. الرب يكلّمنا بالإنجيل ونحن نكلّمه بالصلاة، كما يقول آباؤنا. من هنا ضرورة أن ينتبه الإنسان إلى نقاوة صلاته. الرياء يحوّل الصلاة طقوس فارغة وحسابات مع الله. الشكليات قد تأكل صلاتنا، بالحرف والناموس والشرائع والقوانين. كل هذه تحوّل الصلاة إلى مظاهر لا تنعكس بالضرورة في التقوى المباركة والأعمال الحسنة. لقد كان صعباً على السامرية أن تقبل تحديد مكان الصلاة في هذا الجبل أو ذلك الهيكل، أمّا يسوع فأفهمها أن الصلاة هي بالحق والروح ولا يحددها المكان. هذا لأن للرب الأرض وكل ما فيها ولأن يسوع هو الباب الذي ندخل فيه إلى الهيكل الحقيقي الذي هو يسوع نفسه. أن تكون العبادة بالروح والحق يعني أن تكون من الروح القدس وتتمحور حول الحق الذي هو المسيح. هنا الفرق بين العبادة الحقيقية والعبادة الظاهرية. في العبادة الظاهرية نحكي عن الحق ونصفه بينما في العبادة الحقيقية نمارسه ونعيشه وننقله إلى الآخرين. العبادة الحقيقية لا يمكن أن تنحصر بالعادة بينما العبادة الظاهرية لا تتخطى إكرام الله بالشفاه فيما القلوب بعيدة عنه. العبادة الظاهرية تنحصر بتأدية الواجبات والطقوس، أي بالشكل الخارجي ولا تدخل إلى الجوهر بالضرورة، كالذي يصوم عن الأكل ولا يشارك في صلوات الصوم. قد تتحوّل العبادة الظاهرية إلى روتين بينما العبادة الحقيقية مغامرة وجهاد مع الذات في كل مرة يقف الإنسان للصلاة أو لتقديم مساعدة إلى محتاج أو للرد على فكر مضاد للإيمان. العبادة الحقيقية تزكّي الإنسان أمام الله فيصير السجود في كل الأمكنة ممكناً ويصير الإنسان معادلاً للرسل منيراً كمثل فوتيني السامرية.

* عن نشرة الكرمة

عبادة الذات

عبادة الذات

الأرشمندريت ييرونيموس نيكولوبولوس

كثيراً ما تكرر، على مدى القرون الماضية، بأن الناس أغوتهم النظريات الفلسفية والمشاريع الاقتصادية والنظم الاجتماعية، فنسوا الله وأعلنوا الاستقلال عنه. إذ نتعثر بوعود السعادة الأرضية ونتكرّس للسعي خلف السلع المادية، ليس لدينا لا القوة ولا الرغبة لرفع رؤوسنا من غبار طبيعتنا القاتلة والنظر إلى أبينا السماوي. وحتى عندما نكون عالقين في المستنقع المستمر من المشاكل المتعددة ونسمع الآخرين يقولون بسلطة بأنّ الأزمة ليست اقتصادية بل هي أساساً أزمة أخلاق وروحانية، فإننا نرفض عملياً تحويل هذه الموافقة إلى أفعال من شأنها أن تجلب قيامتنا الروحية وتوقف الانحدار الفوضوي نحو المزيد من التعاسة.

وعلاوة على ذلك، بما أن كل واحد منا يسعى إلى ما هو أفضل له شخصياً، فإننا نقصر ذواتنا على المسائل الشخصية ولا نبالي بشؤون المجتمع والبلد وإخوتنانعتقد أن رعاية المصالح الذاتية هي واجبنا الوحيد، ونتصرّف وكأننا مركز كلّ شيء. وفي النهاية، نتوصل إلى استنتاج مفاده أن وحدها آراءنا ونظرياتنا هي الصحيحة والدقيقة. هذا يكمّل عملية عبادة الذات عندنا، وهي عملية مختلفة جداً عن طريقة التألّه بالنعمة التي يدعونا إليها المسيح.

وقت الصلاة

يشير مثل الفريسي والعشّار إلى بداية أكثر فترات السنة روحانية، وقت إعدادنا للفصح، أعظم أعياد الكنيسة. هذه الفترة تأخذ اسمها من الكتاب الليتورجي، تريوديون، لأن استخدامه يبدأ في الغروب مساء يوم الأحد الذي فيه يُقرأ المثل ويمتد إلى سهرانية يوم السبت العظيم. وبالتالي فإن هذه الفترة هي فترة صلاة تصاعدية، من حيث الكمية والنوعية.

ولأن هذا الوقت هو بالضبط مناسبة لصلاة أكثر كثافة وحماسة فالكنيسة تبدؤه مع تعليم المسيح نفسه عن كيفية إرضاء الله بصلاتنا. ويأتي هذا التعليم في قصة، في هذا المثل الأكثر منفعة عن الفريسي والعشار، الذي تمّ تحليله على نطاق واسع على مرّ القرون، وأثار الكثير من النقاش والتفكير.

إن سمته الرئيسية هي الملاحظة البسيطة للمخاطر الروحية التي تبدد الصلاة وتجعلها إهانة للروح القدس، أو بل والأسوأ من ذلك، تدنيس المقدسات. ففي الوقت نفسه، يشير الرب إلى الطريقة التي بها تصل الصلاة إلى عرش الله، وتكون مرضية له، وتجلب نعمة لأولئك الذين يصلّون ويطئون طريق القداسة والتمجيد.

كان يصلي لنفسه

يبدو الأمر وكأن ناس هذه الأيام كانوا في بال المسيح عندما وصف الفريسي قبل ألفي سنة. ومن الواضح، وبدون تنميق كلمات، أن المسيح يشدد على أنه رغم وجود الفريسي في المعبد، فإنه لم يكن يصلّي إلى الله، بل لنفسه، التي كان يعبدها. هذا يفسر صلاته، التي كانت مفعمة بالغرور والخيلاء. “أنا كامل؛ كل شخص آخر عنده الكثير من العيوب. أنا أفعل ما عليّ، بل أكثر من ذلك؛ الآخرون لا يفعلون ما عليهم وهم مسؤولون عن كل العلل في العالم. أنا لا أرتكب أخطاءاً ولا أخطئ أبداً؛ الآخرون مملؤون بالخطيئة، هم دائماً على خطأ، والأسوأ من ذلك كله، أنهم لا يعترفون بأنني متفوق عليهم“. لا شيء عن احتمال مملكة السماء، لا شيء عن إمكانية الأبدية، لا إشارة إلى الآب وغيره من الناس، لا بل بالأحرى، فصل عام للآب واشمئزاز تجاه الآخرين، أو حتى أسوأ من ذلك، إدانة قوية للآب بسبب جميع أخطاء الناس الآخرين، الذين لا يمكن اعتبارهم بأي حال من الأحوال إخوة وأخوات.

لطالما صلّى الناس دائماً. ومع ذلك، فإن المشكلة هي لمَن يوجهون صلاتهم. وهذه المشكلة واضحة بشكل خاص هذه الأيام، إذ يتوجّه معظم الناس نحو أنفسهم وليس نحو الله. إنهم يحاولون إيجاد حلولهم الخاصة للمشاكل والمصاعب والضيقات، معتمدين فقط على حكمهم وعلى ما قد يكون لديهم من قدرات، في وقت لا يثقون فيه بالآخرين. كل ما يحققونه من خلال هذا، هو رفع الجدران التي تعزلهم عن الله وغيرهم من الناس والتي تحاصرهم في الوحدة واليأس.

لقد أصبح زماننا مدمّراً. نحن نُشَجّع على الاعتقاد بذاتنا غير الكاملة والضعيفة وحسب. نحن محرومون من خيار الحياة الروحية، كما من الاعتماد على الله ومحبته. نحن محاصرون في الهُنا والآن، ومثقلون بالمشاكل الشائكة، حتى نتورّط فيها باستمرار، ونضيّع الوقت من حياتنا ونُحرَم من الاتصال بمصدر الحياة وسبب وجودنا . في كل هذا، هناك حلّ واحد فقط من شأنه أن يتوفّر لنا: الركوع على ركبتينا أمام الأيقونات، بندامة العشّار وتوبته، مصلّين يا الله ارحمني أنا الخاطئ“.

لا يستطيع المال أن يشتري كل شيء

لا يستطيع المال أن يشتري كل شيء

حول (لوقا 18:18-27)

برنابا، ميتروبوليت نيابوليس وستافروبوليس

مثل أي شخص آخر، الناس المتديّنون، الذين على احتكاك مع حياة الكنيسة الأسرارية، يريدون التحسينات المستمرة في حياتهم. لذلك يكرّسون أنفسهم لتحسين مستوى معيشتهم ولاقتناء الأشياء المادية لأنفسهم ولأقرب الناس إليهم وأعزهم عندهم.على الرغم من ذلك، معظمهم لا يريدون أن ينسوا الله، ويواصلون الالتزام بوصايا الإنجيل.

ولكن خطراً ما يكمن هنا: قد يبدأ الناس بالتفكير بأن الثروة التي تراكمت هي علامة على تأييد الله لهم. هذا كان الاعتقاد في زمان العهد القديم. وحتى اليوم، فإن الكثير من المسيحيين يحفظون مفاهيم من هذا القبيل، كمثل البروتستانت الذين يفسّرون العهد القديم حرفياً. وهناك أيضاً الذين يعتقدون بأنه، كما أن ثروتهم توفر لهم مجموعة من السلع المادية، كذلك يمكنهم أن يضمنوا خلاص نفوسهم عبر القوة المالية.

قد يبدو أن هذا ما كان يعتقده الإنسان البارز في المقطع الإنجيلي من لوقا 18:18-27. فقد اقترب من يسوع وسأله ما ينبغي أن يفعله لكسب الحياة الأبدية. ولكن الرب الذي يقرأ قلوب الناس، أدرك ما كان عليه الرجل. لذلك عندما خاطب المسيح بأنه صالح، أجابه يسوع بأن الله وحده صالح. بعبارة أخرى، أدرك أن هذا الشخص لم يرَه كإله، بل كإنسان من شأنه أن يبرر اختياراته. هذا ما أراده وهذا ما سعى إليه من المسيح. أراد أن تكون المحادثة على مسمع الجميع وأن يعرف الحاضرون أنه صالح وقد ضمن خلاصه.

لذلك عندما سأله المسيح عن تطبيق وصايا الناموس، شعر بالارتياح. وقال إنه لم ينتهِكْها أبداً. ولكنه ليس مستحيلاً أن يكون ذلك بسبب قوته الدهرية. قد يكون مرتاحاً لدرجة أنه لم يكن يوماً بحاجة لانتهاك أي من وصايا الناموس الموسوي. والحقيقة هي أن بعض تفسيرات هذا الناموس تورِد إمكانية شطببعض الفروض الدينية.

لهذا السبب أضاف الرب أن الرجل كان يفتقر إلى شيء ما. وقال له أن عليه بيع جميع ممتلكاته وتوزيع المال على الفقراء. كلمات الرب أحزنت الرجل كثيراً، لأنه كان فائق الغنى. الأمر واضح جداً: الله يطلب من الإنسان كلّ شيء. إنه يريد أرواح الناس خالية من المصلحة الذاتية في هذه الحياة. اتّخذ الرجل الغني قراره على الفور: هو يفضّل الخيرات الدنيوية على الحياة الأبدية. هو ليس على استعداد للتخلي عن ملذاته لصالح ما كان يبدو، قبل دقيقتين فقط، أنه اهتمامه الأساسي.

بعد ذلك مباشرة، يوضح المسيح بالضبط ما على المحك. من الصعب جداً، إن لم يكن من المستحيل على شخص غني دخول ملكوت السماوات. هؤلاء الناس مرتبطون بثرواتهم إلى درجة أنهم يرفضون التخلّي عن أي شيء، حتى من أجل أمر جذّاب كالملكوت. الذين كانوا يستمعون أدركوا أن التعلق بالأمور المادية يشكل خطراً على الجميع، الأغنياء والفقراء على حد سواء، وسرعان ما سألوه: “إذاً مَن يخلص؟

ولكن إلهنا الرحوم لن يترك أحداً في اليأس. هو يحبّ مخلوقاته ولن يسمح لهم أن يضيعوا. إن رغبته هي أن يعيش معهم أبدياً، وهذا هو سبب مواساته لهم: ما لا يستطيع الناس إنجازه لوحدهم، يمكنهم تحقيقه بمعيّة محبة الله. لذلك لا تنشغلوا بممتلكاتكم ولا تتباهوا بفضيلتكم. أبقوا رجاءكم في الله وفي محبته، وكلّ ما تبقّى تهتمّ به العناية الإلهية.

أبناء النور وأعمال الظلمة

أبناء النور وأعمال الظلمة

الأب أنطوان ملكي

اسلكوا كأَوْلاَدِ للنُور، فالمؤمن يولَد من الله ولادة جديدة، والله نور، فيصير ابناً للنور، لذا يطيع وصايا الله ولا يهرب من الله ويختبئ كما فعل آدم أو يتذاكى كما فعل قايين. ثمر الروح يظهر في أولاد النور لأن الروح يعطي الاستنارة. وبهذا يصير اختبار ما هو مرضي عند الرب. يستعمل الرسول كلمة مختبِرينلا بمعنى مجرِّبين بل مختبرين أي عائشين لهذه الخبرة، خبرة الراحة التي يشعر بها مَن يرضي الله إذ يمتلئ قلبه فرحًا وسلامًا ورضى. لهذا، الحزن والغم وفقدان السلام هي علامات على عدم رضا الله. ابن الله لا يشترك في أعمال الظلمة غير المثمرة بل بالحري يوبّخها. التوبيخ هنا هو بمعنى إظهار أعمال الظلمة وفضحها. هذا التفسير يضعنا أمام سؤال وجودي يقلق كلّ مَن يسأله لنفسه: أهذا ما يفعله المسيحيون اليوم، أفراداً أو جماعات؟ أهم يوبّخون أعمال الظلمة أم يغطّونها بحجة أنهم حكماء ومسامحون وسلاميون؟ الظلمة لا يكشفها إلا النور، ومتى كان أبناء النور سالكين بحسب النور الذي فيهم لا بدّ لأعمال الظلمة من أن تُفضَح. لكن متى ضعف النور في العيون تزداد أعمال الظلمة ويصير الضعفاء من المسيحيين يعتبرونها الحقيقة والبِرّ. طبعاً ذكر الأعمال القبيحة قبيح، لكن السكوت عنها أقبح. السكوت على العمل القبيح هو شهادة زور على المسيح. أن لا تدين الجماعة، أي الكنيسة، الخطأ المعلَن هو إنكار للنور وإخفاء للقنديل تحت المكيال.

أكبر ظلم يمارسه المسيحي، في أي موقع كان، إكليريكي أو علماني، هو إخفاء عمل الظلمة. إن مَن يخفي عمل الظلمة يصير شريكاً فيه. وأسوأ ما في الأمر أنه يمنع عن مَن قام بالعمل أصلاً إمكانية الخلاص، لأن هذا العاثر سوف يعتبر أن عمله عمل نور، فيكرره ويعتاده، إلى أن يصير جزءً منه. بينما لو توبخت أعمال الظلمة التي في إنسان ما لربما يخجل من نفسه ويتوب فيتحول إلى نور.

يقول الرسول: انظروا كيف تسلكون بحذر لا كجهلاء بل كحكماء. الترجمة الأدقّ هي بتدقيق. الذي يدقق لا يسمح بدخول الخطايا الصغيرة حتّى مع الوقت لا يسمح بالخطايا الكبيرة. المسيح هو الحكمة، وإتباع وصاياه هو منتهى الحكمة، لأن من يتبع وصاياه سيحيا في سلام على الأرض وتكون له حياة أبدية. والله يعطى لأولاده أن يكونوا حكماء.

مفتدين الوقت لأن الأيام شريرة. الوقت غالٍ وحياة الإنسان على الأرض هي ثروته الحقيقية. حياتنا الحالية هي علة حياتنا الأبدية أو هلاكنا الأبدي. لأنّ مَن يسلك في النور، ويحيا حياة سماوية الآن سيكمل ما بدأه على الأرض في السماء ويكون نصيبه في النور في السماء. ما هو افتداء الوقت؟ إنه عدم تمريره في ما لا ينفع الإنسان. الأيام شريرة لأنها تخدع الإنسان فينجذب للزمنيات وينسى أنه سوف يموت.

أترى لو جاء الرسول بولس إلينا في هذا الزمان، هل سوف يجد أبناءً للنور؟ ليس بالأمر اليسير. فالناس في أيامنا اعتادوا التستّر على ما يرون من الخطأ، وصاروا أجبن من أن يوبّخوا أعمال الظلمة، حتّى يظن المرء أن البوصلة ضائعة ولا أحد يميّز بين النور والظلام. الذين يفتدون الوقت صاروا نادرين حتّى ومضطهَدين. الأيام شريرة وفاعلو الشرّ يتباهون ويستكبرون لأنهم يحصلون على ما يشتهونه وما من بارّ يمنعهم. نحن أغبياء من ناحية فهم مشيئة الرب، مع أن عِلمَنا طال الفضاء الخارجي. الرب ينادينا قائلاً استيقظ أيها النائم وقم من بين الأموات فيضيء لك المسيح، لكننا صممنا آذاننا ولم نعد نميّز بين الموت والنوم، لذا قيامتنا صعبة ومثلها معاينتنا لضوء المسيح.

* عن نشرة الكرمة، حول الرسالة إلى أفسس في الأحد السادس والعشرين بعد العنصرة