قصة قصيرة: فضيحة، خطايا وقديس

قصة قصيرة: فضيحة، خطايا وقديس

يوحنا بانايوتوبولوس*

في سِيَر النساك، وهو كتاب كتبه بالاديوس أسقف هيلانوبوليس، إلى لافسوس، حاجب الإمبراطور ثيوذوسيوس الثاني قصة من أجمل القصص. إنها تصف حياةَ راهب هجر ديره ومضى للعمل على مرفأ الإسكندرية كحمّال. وكون المكان مرفأ يعني أنه لم تكن تنقصه بائعات الهوى. وكان الراهبيعمل طول النهار وفي المساء يصرف كل ما جناه على شراء رفقة أحدى بائعات الهوى طوال الليل.

لقد كان هذا الراهب عاراً على كل المسيحيين في المدينة وفضيحة للكنيسة كلها. وكانت السنون تمرّ وهو ماضٍ في حياته الفاجرة بالرغم من المناشدات والنصائح. من ثم، على غرار ما يجري لنا جميعاً، أتى الموت وأطلقه، وكأنه دواء لينقذه من خطاياه التي استمر بارتكابها إلى لحظة موته. لكن المسيحيين لم يستطيعوا أن يرفضوا إعطاءه دفناً ﻻئقاً. أتى الكهنة ليدفنوه ويدفنوا الفضيحة معه. انتشر الخبر بأن الراهب القذر العجوزمات. ولكن مَن قد يذهب إلى الكنيسة ليودّعه؟

عند الجناز، امتلأت الكنيسة بنساء من الاسكندرية، محتشمات مسيحيات، وكأنّهم أتين ليودّعن لا إنساناً مات بل قديساً! أحد الموجودين تعرّف إلى وجه إحدى بائعات الهوى التي قد رآها قبل زمان بعيد عند أحواض المرفأ، لكنها لم تكن كما يتذكرها. وغيرها أيضاً عددٌ من النساء الحاضرات هناك أثرنَ ذكرياتٍ مبهمة من الماضي لدى الحضور.

من ثمّ عرفت المدينة أنّ الراهب القذر العجوز كان بالحقيقة قديساً يدفع بالمال الذي يجنيه ثمنَأجساد بنات الهوى لكي يخلّص نفوسهن. عرفت المدينة أن الرجل الذي اعتبروه فضيحة كان الطهارة بحدّ ذاتها، المحبةَ من غير زيغ، إنكارَ الذات، كلمةَ الله، الصلاةَ والتمجيد.

لا يُحكَم على شعب الله خلال حياتهم، بل عند انتهائها، لأننا حتّى عندما نسلك كما يليقعلينا أن نكون على استعداد لأن نشهد وأن نتألّم. في النهاية، مَن هو حجر العَثَرة: الآخر أم نحن؟ ألست أنا مَن يضع قناعاً على الشخص الآخر لكي يتناسب مع ما أريد أن أرى؟ قد يكون ذلك لأني أخشى أن ينكشف قناعي.

في النهاية، كيف نتصرّف مع الفضيحة، مَن سوف يمضي بها، مَن سوف يبقيها مستمرة؟ هذا السؤال مهمٌ بشكل حيوي ﻷن للفضيحة التي تدور حول شخص آخر مهمة محددة. إنها تملأ فراغنا، فراغَ أنانيتنا. من السهل أن ندين وأن ندمّر، لكن من الصعب النطق بكلام حسن والعمل من أجل الخير العام. إننا نتبنى مواقف لأنفسنا تقود إلى مختلف أشكال الإدانة…

نحن نختبر اليوم الفقدان النوعي للمعايير الداخلية لمجتمع لم يعد يتواصل… الحياة الحقيقيةليست ملكنا، بل ملك الآخرين. ومع هذا علينا أن نسعى إلى تحقيق حياتنا الخاصة، وإلا فإن كتابنا وحياتنا يكونان فارغين في يوم الدينونة.

* محاضر في كلية اللاهوت في جامعة أثينا

Source: agiazoni.gr

صلاة الصغيرات

صلاة الصغيرات

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع، دده – الكورة

 إنّهنّ أربع فتيات في عمر الورود، إذ لم تتجاوز أعمارهنّ الثانية عشرة، ومع هذا عرفن السجن والألم كمجرمين كبار يهدّدون أمن البلاد. ففي صباح أحد الأيّام، دخلت المدرّسة الصفّ وهي تزمجر متهدّدة: “من منكم يؤمن بالله؟”. ولمّا لم تجد ردًّا على سؤالها هذا، غضبت جدًّا، وراحت تتوعّد التلاميذ بأنّهم إن لم يجيبوا على سؤالها فسوف تشكوهم إلى مديرة المدرسة لتأخذ في حقّهم العقوبات اللاّزمة.

– هيّا، أجيبوني، أيّها التلاميذ الجهلاء، من منكم يعبد الله؟

– أنا، أيّتها الآنسة.

– أنت، يا أديل؟ أنت؟ كيف تؤمنين بمن لا وجود له.

– نعم، أؤمن بأنّ الله موجود، وأؤمن بأنّ يسوع المسيح هو المخلّص الحقيقيّ.

وقبل أن تجيب المدرّسة وقفت إلى جانب أديل ثلاث فتيات تطفح وجوههنّ بالبراءة  والوداعة، وقلن بصوت تملأه الثقة والإيمان الوطيد: “ونحن، أيضًا، نؤمن بالله، لا بل إنّنا نصلّي مساء كلّ يوم: أؤمن بإله واحد…”. وهنا شرعت الفتيات الصغيرات يتلين دستور الإيمان: أؤمن بإله واحد آب ضابط الكلّ… وكانت المفاجأة غير المتوقَّعة لهذه المعلّمة أن بدأ الصفّ بجملته يتلو أؤمن بإله واحد آب… فوضعت المدرّسة يديها على أذنيها، وهي تصرخ: “كفى، كفى، لا أريد أن أسمع هذا منكم أيّها البؤساء”. ثمّ ما لبثت أن خرجت من الصفّ باتّجاه غرفة المديرة.

وبعد دقائق معدودة، أتت المديرة تصحبها المعلّمة وقد اصفرّ وجهها وشحب. فالتفتت المديرة وقالت بلطف شديد:

– يا أولادي، أنتم تعرفون بأنّ عقوبات فظيعة تنتظر من يعترف بإيمانه بالله، وأنتم أولاد صغار لا تستطيعون تحمّل العذابات. هذا بالإضافة إلى أنّه لا وجود حقيقيّ لهذا الإله الذي تؤمنون به، فحديث جدّاتكم وأمّهاتكم ما هو إلاّ قصص أطفال وأوهام كأيّ قصّة ترويها الأمّ لطفلها قبل أن ينام، أليس كذلك؟

– (لا جواب)

– والآن، يا أديل، أما زلت مصرّة على رأيك مع رفيقاتك؟

–  أجابت الصغيرات بصوت واحد: نعم، نعم.

–  ألا تخشين العذاب؟

– (بثبات): كلا، كلا.

 – سوف أرسل أسماءكنّ إلى السلطات العليا، وسوف يرسلوكنّ إلى السجن.

–  هذا لا يهمّنا.

حارت المديرة أمام ثبات هؤلاء الصغيرات، وخرجت من الصفّ وهي ترتجف، فهي لا تريد أن تسيء إلى هؤلاء الصغار، ولكنّها، في الوقت نفسه، لا تستطيع أن تبقى لا مبالية أمام إعلانهنّ، وإلاّ تنال أفظع العقوبات. وبعد أسبوع عرفت مديرة المدرسة بأنّ الفتيات الصغيرات نُفين وسُجنّ. وبعد أيّام قلائل، تسلّمت المديرةَ ظرفًا مُعَنونًا باسمها، ففضّته، وأخذت تقرأ:

 حضرة المديرة المحترمة

إنّنا نكتب إليك من غرفة سجننا المظلمة والباردة جدًّا، ولكنّ النور الإلهيّ يضيئنا ومحبّة يسوع الصغير تدفئنا. إنّ رائحة الغرفة كريهة جدًّا بسبب القاذورات الكثيرة الموجودة فيها، ولكنّ هذا لا يهمّ، فنقاوة قلوبنا تعوّض لنا عن هذه الأوساخ. إنّنا نركع، مساء كلّ يوم، على الأرض الباردة أمام أسرّتنا المهترئة القديمة، ونرفع أيدينا إلى العلاء ونصلّي:

يا ربّ، بارك نومنا، فلقد أغمض النهار عينيه، وأغمض التعب عيوننا،

جفّت مشاعرنا، وفارقتنا قوّتنا.

نشكرك، يا ربّ، على جميع النِعم التي أعطيتنا إيّاها اليوم. نشكرك على الصحّة والقوّة، وعلى الرجاء الذي زرعته في قلوبنا. نشكرك على هذه المعاناة، والكراهية والإهمال، التي سمحت لنا أن نتذوّقها. إنّنا نحتاج إلى طبيب، وإلى من يعزّينا، إلى أب يحتضننا، لكنّنا نعلم، يا يسوع، أنّك الطبيب والمعزّي والأب العظيم الحنون. يا يسوع، ربّنا، لقد كنت، دائمًا، معنا. إنّنا نشتاق إليك، نشتاق أن نتّحد بك. فيا يسوع، تعال إلينا، شجّعنا على تحمّل العذاب، عزّينا لنتقوّى.

يا يسوع، من وسط عذاب اليأس، ومن شفاه جمّدها البردُ نصرخ إليك،

فاقبل صلواتنا وتضحيتنا، واقبل دموع أهالينا وامسحها لهم بمحبّتك.

اقبل حزننا ذبيحة محبّة لك. وامنحنا شجاعة الشهداء وقوّتهم.

يا يسوع، افتقد الذين هم بعيدًا عنك، الذين يضطهدونك. وبارك، معلّمتنا ومديرتنا اللتين لا تعرفانك، عرّفْهما ذاتك، ليحبّاك ويؤمنا بك. بارك، يا يسوع، من نحبّهم ويكرهوننا، وكلّ من يعاني من أجل الحقّ، فأنت الرجاء الذي لا ينطفئ، والمحبّة التي لا تعرف حدودًا، آمين.

 تلميذاتكِ اللواتي يحببنكِ ويحترمنكِ ويصلّينَ لك في الربّ يسوع

أديل، ليوني، فالا، ليفوتا

 

قصتان ميلاديتان

قصتان ميلاديتان

 دير راهبات القديس يعقوب الفارسي المقطّع

حلـــم العذراء مريم

      مع بداية شهر كانون الأوّل لاحظت ماجدة على طفلتها الصغيرة أنّها كانت دائمة التفكير وكأنّ أمراً خطيراً يشغلها. وذات يوم قصدت ماجدة حجرة ابنتها، وبدأت تلعب معها ثمّ صلّيا معاً، وانتظرت الطفلة أن تسمع من والدتها قصّة المساء. وبابتسامة رقيقة سألت ماجدة ابنتها: بماذا تفكّرين يا حبيبتي في هذه الأيّام؟ فأجابتها الطفلة: لقد اقترب عيد الميلاد، وأريد أن أقدّم مفاجأة لأخي الصغير، ولا أعرف ماذا أشتري له كهديّة العيد. ناقشت الأمّ مع ابنتها موضوع الهديّة، واستقرّا على شراء لعبة يشتاق إليها الأخ. ثمّ روت الأمّ لابنتها القصّة التالية:

    استيقظت القدّيسة والدة الإله مريم من نومها، وبعد أن صلّت وقفت أمام طفلها العجيب تسبّحه. ثمّ نظرت إلى القدّيس يوسف وقالت له: “بالأمس كنت أفكّر في الأحداث العجيبة التي نعيشها، وبعدم استحقاقنا لأن يكون هذا الطفل بين أيدينا. السماء كلّها تسبّحه. الملاك جبرائيل بشّرنا بميلاده، وجوق من الملائكة بشّر الرعاة، والمجوس جاؤوا من أقصى الشرق ليسجدوا له. إنّني في حيرة أمام هذا الطفل العجيب المولود بغير قدرة بشريّة.

    بالأمس رأيت حلماً لم أفهمه. رأيت البشر في دول كثيرة يستعدّون، ولستّة أسابيع متوالية، للاحتفال بعيد ميلاد هذا الابن. لقد زيّنوا بيوتهم وشوارعهم ومتاجرهم بالأنوار والزينات العجيبة والضخمة. وزيّنت كلّ أسرة شجرة اصطناعيّة أو طبيعيّة بالأنوار وبكرات ملوّنة جميلة وبتماثيل الملائكة. اكتظّت الأسواق بالناس ليشتروا لبعضهم البعض هدايا يغلّفونها بأوراق مذهّبة ومفضّضة وملوّنة غاية في الجمال، ثمّ يرسلونها إلى معارفهم وأقاربهم ليضعوها تحت الأشجار يوم عيد ميلاد هذا الطفل. الكلّ منشغل بالهدايا، لكنّهم نسوا المولود نفسه. لم يقدّموا له هديّة، ولم يذكروا حتّى اسمه. وأظنّ أنّهم لا يعرفون عنه شيئاً، بل وبعضهم يسخرون بمن يذكر اسمه. أليس من العجب أن يرتبك كلّ هذا الكمّ من البشر لإقامة عيد ميلاد شخص لا يريدون أن يسمعوا عنه شيئاً؟!!

    وأظنّ أنّه لو زار ابني بيتاً من هذه البيوت لما فتح له أحد الباب، ولاعتبر الزيارة تدخّلاً في أمر لا شأن له به. حقّاً يبدو كلّ شيء جميلاً للغاية وجذّاباً، لكنّ كثيرين يرفضون حضرة من يُقام له الاحتفال بعيد ميلاده. أشكر الله أنّه حلم، وأرجو ألاّ يكون حقيقة”.

    وإذ سمعت الطفلة الصغيرة هذه القصّة قالت لأمّها: آه يا أمّاه، أنا أحزنت قلب يسوع. ماذا أفعل لكي يحضر سيّدي يسوع المسيح الاحتفال بعيد ميلاده؟ أيّة هديّة أقدّمها له؟ صمتت الأمّ قليلاً ثمّ قالت لابنتها:

– قبل أن تفكّري في تقديم هديّة لأخيك، قدّمي ليسوع هديّته.

– كيف؟

– ما تقدّمينه لمسكين أو مريض أو مسجون إنّما تقدّمينه له، كما سبق فقال: “كلّ ما فعلتم بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي قد فعلتموه”. (متى 40:25).

ميلاد جديد

     يحكى أنّ صيّاداً يقال له متّى كان يقيم هو وزوجته وطفلتهما مريم في منزل بعيد وسط الصخور يحيون في دعة وقناعة وسلام.

     فشاع في القرية، ذات يوم، أنّ دبّاً يجول بين الضواحي، فلمّا انتهى الخبر إلى متّى حتّى عزم على صيد الدبّ. فتناول بندقيّته، وخفّ إلى تلك الناحية. فلم يصادفه. فجعل يترصّده مرّة بعد مرّة. ثمّ سلخ أيّاماً يترقّبه في طول النهار ومعظم الليل، فلم يقف منه على أثر. فهمّ بالرجوع، وقد وافت ليلة الميلاد، فإذا الوحش على خطوات منه. ولم يكن دبّاً، بل كان دبّة ومعها ولدها يقفز حولها ويلاعبها، وهو أكثر أكثر ما يبدو براءة وأماناً، وهي من الرقّة والحنوّ على أوفى ما تكون. فصوّب متّى البندقيّة نحو الدبّة، وأطلق النار، وصغيرها يواثبها ويلعب. فأخطأها وأصاب الولد، فأراده قتيلاً. فوجمت أمّه كأنّما أُصيبت في الصميم. ثمّ أكبّت على ولدها تلحس جرحه، وتنضح عليه ماء من ينبوع قريب. ثمّ انقلبت عنه، وعينها إليه، علّه ينهض فيتبعها. إلاّ أنّها اشتمّت ريح الموت، فانكفأت مثقلة الخطى، ولم تبرح موغلة حتّى حجبها الضباب.

      انقضت سنة لم تشاهَد فيها الدبّة هناك. فلمّا دنا الميلاد التالي لمحها بعض القرويّين تجتاز بالضواحي، في ناحية الينبوع. فحذّروا متّى منها. وألحّت عليه زوجته تناشده الكفّ عن الصيد، ولو إلى حين، خوف أن تكون الدبّة قد عادت لكي تثأر لولدها. ومتّى مع ذلك، يأبى إلاّ رصدها.

     ثمّ حلّت ليلة الميلاد. وكان كلّ بيت من بيوت القرية تُهيَّأ فيه شجرة العيد. وكانت التسابيح والأجراس ألحانها تترجّع ما بين الأودية والجبال. بل القرية بأسرها كانت تستعدّ للطفل الإله، ما عدا متّى. فإنّه قد شُغل عنه بالدبّة، وصمّم على قتلها. فانطلق لا ينثني ولا يتراجع. فخرجت ابنته في إثره، فمنعها، فامتثلت، على أن يأتيها بدبّ صغير هديّة للعيد. ثمّ غافلت مريم أمّها، وجرت صوب الينبوع. وكان متّى في غضون ذلك، يرصد الدبّة في مكمن بين صخرتين، فوق منحدر سحيق. فبادت بعد قليل، واتّجهت نحوه. فبينما هو يسدّد إليها السلاح ينتظر أن تقترب أكثر ليرميها، إذا أقبلت مريم من الجهة الأخرى، ترنّم وتلوّح للدبّة بشيء كان في يدها، ثمّ تدنو منها من دون خوف ولا ارتياب. فلبث متّى في مكمنه، وقد تحيّر ماذا يفعل؟ فإن هو نادى مريم فقد يثير الدبّة، فتكون إلى الطفلة أسبق منه. وإن أطلق عليها النار، فقد يصيب ابنته كما أصاب ولد الدبّة. وما هي دقائق حتّى صارت مريم بين يديّ الدبّة، وهذه منتصبة تلاعبها.

     فركع متّى وأخذ يبتهل إلى الله، وقد أغمض عينيه كي لا يبصر ما توقّع من فجيعة. فلمّا فتحهما، بعد هنيهة، رأى أنّ الدبّة تحمل ابنته، فتسير بها غير بعيد، ثمّ تضعها على الطريق، برفق الأمّ وحنوّها، ومريم في غاية الثقة والأمان. ثمّ إنّ الدبّة سلكت عبر الصخور، ولم تبرح موغلة حتّى حجبها الضباب…

     عند ذلك برز الصيّاد، فهرع إلى ابنته، وضمّها إليه يبكي ويشكر. فأخبرته كيف لقيت الدبّة، فلاعبتها. وقالت لأبيها إنّ الدبّة لم يصحبها ولدها، وسألته عنه لعلّه يعرف أين يكون.

    كانت التسابيح والأجراس تتجاوب ألحانها في القرية، ساعة رجع متّى إلى بيته مطرقاً، ومريم على ذراعه، وفي نفسه غصّة وندامة، ومحبّة للخلق لم يشعر بها من قبل. أمّا البندقيّة فلم تكن معه، إذ تركها في ناحية الينبوع، حيث أريق على بياض الثلج دم بريء.

     وكانت القرية كلّها تمجّد الله في العلى وتنشد السلام على الأرض، في ما يتمنّى ههنا من أيّام السماء. ويومئذ وُلد يسوع في قلب متّى.

يا أيّها الإنسان، يا من خُلقت على صورة الله،،،،

لا تدع الحيوان أن يكون أكثر رفقاً منك،،،،

تعلَ وارمِ سلاح الحقد والكراهية والحسد عند مذود الطفل الإلهيّ،،،،

عساه يحوّل قلبك اللحميّ إلى آخر إلهيّ،،،،ّ

قلب مملوء بالعطف والسلام والمحبّة،،،،

 فتغمرك، عندئذ، الخيرات الزمنيّة والروحيّة،،،،

قصتان من الأدب الرهباني

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع – دده، الكورة

 المسامحة

منذ سنوات عدّة التحق الأخ جبرائيل بأحد الأديار، وبدأ حياته الرهبانيّة بجدّيّة وحماس. أخذ هذا الأخ يتقدّم، يومًا بعد يوم، في الفضيلة، فكان الأوّل في الطاعة والوداعة و…

لاحظ رئيس الدير، يومًا، الأخ جبرائيل يمرّ كلّ يوم سبت بعد صلاة الغروب على قلالي إخوته الرهبان يطلب منهم المسامحة قائلاً: “باركوني واغفروا لي” فكان يسمع ردّ الرهبان له: “ليباركْك الله ويغفر لك”، فظنّ، للوهلة الأولى بأنّ الأخ جبرائيل ارتكب ذنبًا ما، وهو يطلب المسامحة عليه.

ولكن، ولمّا تكرّر الأمر لأسابيع وشهور، استدعى الرئيس الراهب المجاهد، وسأله:

– أراك، يا بنيّ، تمرّ على قلالي الرهبان بتواتر تطلب منهم المغفرة، فهل أخطأت إليهم؟ وإن كان قد حصل ذلك، فلماذا لم تعترف لي به؟

– كلا، يا أبي، فأنا، بمعونة الله وصلواتك، حريص جدًّا ألاّ أزعج إخوتي الرهبان بتصرّفاتي أو بأقوالي.

– ولكن، لماذا، إذًا، تقوم بهذا العمل كلّ يوم سبت فقط؟

– سامحني، يا أبي، لقد سبق لي أن قرأت في كتاب روحيّ قديم وجدته صدفة في مكتبة الدير، أنّ كلّ يوم سبت بعد صلاة الغروب تجتمع الملائكة الحارسون أمام عرش الله لتقدّم تقارير عن تصرّفات البشر، فيأتيّ كلّ ملاك حارس، ويسجد أمام العرش الإلهيّ حيث يجلس الربّ يسوع المسيح الديّان، ويبلّغه أعمال الناس. فيفرح الربّ بالأعمال الصالحة ويبارك عامليها، ويحزن للأعمال السيّئة، آملاً أن يتوب مقترفيها، لئلاّ يُحكَم عليهم يوم الدينونة الرهيب مع الأشرار، وتصير الجحيم نصيبهم إن لم يتوبوا.

ولذلك، تراني، يا أبي القدّيس، أسامح الآخرين على أقلّ الهفوات الصادرة منهم، وأطلب، أنا أيضًا، مسامحتهم لي على زلاّتي تجاههم لأفلت من دينونة الله الرهيبة والقضاء الأبديّ.

أحكام الله

حدث، يومًا، أن ابتهل شيخ قدّيس إلى الله لكي يكشف له السرّ التالي: لماذا معظم الصدّيقين والأتقياء فقراء يشقون ويُظلَمون، فيما العديد من الخطأة والظالمين أغنياء يتنعّمون؟ وكيف تُترجم أحكام الله هذه؟

وإذ أراد الله أن يكشف له سؤل قلبه سمع صوتًا يقول له أن “اذهبْ إلى العالم وسوف ترى تدبير الله”.

لم يتباطئ الشيخ في طاعة الصوت الإلهيّ، بل قام، وغادر، للحال قلاّيته باتّجاه العالم. فوجد نفسه يسلك طريقًا واسعًا يعبره الناس بكثرة، وكان هناك مرج فسيح وصنبور ماء عذب. اختبأ الشيخ في جوف إحدى أشجار المرج مترقّبًا منتظرًا.

 وبعد هنيهة مرّ بالمكان رجل غنيّ، فترجّل عن حصانه وجلس ليأكل. ثمّ أخرج كيس نقود يحوي مائة ليرة ذهبيّة وأخذ يعدّها. ولمّا انتهى من عدّها أعادها إلى الكيس على أن يضعه بين طيّات ثيابه حيث كان أوّلاً عندما يفرغ من طعامه. وفي هذه الأثناء سمع صوتًا يناديه، فأسرع بسرعة البرق، وامتطى جواده من جديد وانطلق في طريقه مخلّفًا وراءه ذهبيّاته الثمينة.

لم يمضِ زمن قليل حتّى مرّ بالموضع نفسه عابر سبيل آخر، هذا وجد كيس النقود موضوعًا على الأرض، فالتقطه وحثّ خطاه مبتعدًا.

وبعد ذلك أتى رجل ثالث، وكان فقيرًا متعَبًا ينوء تحت حمل ثقيل يحمله على منكبيه، وهو يسير على قدميه متمهّلاً. فجلس، هو أيضًا، هناك ليرتاح. وفيما هو يخرج خبزة يابسة ليأكلها، جاء الغنيّ ووقع عليه قائلاً بغضب: “أسرع وأعطني النقود التي وجدتَها”. فأجاب الفقير بيمين معظّمة بأنّه لم يجد شيئًا من هذا القبيل. حينئذ ابتدأ الغنيّ يضربه بسِير الحصان الجلديّ. وبضربة على أمّ رأسه أصاب منه مقتلاً، فأرداه صريعًا، ثمّ شرع يفتّش ثياب الفقير وأغراضه كلّها، ولمّا لم يعثر على شيء ذهب والندم يتأكّله.

أمّا الأب الشيخ الذي كان يشاهد كلّ شيء، فأخذ ينتحب مدمّى الفؤاد من جرّاء القتل الجائر، متوسّلاً إلى الربّ: “يا ترى ما هي مشيئتك، يا ربّ، وكيف يحتمل صلاحك هذا الأمر؟!!”. وللحين حضره ملاك خاطبه قائلاً: “لا تحزن، أيّها الشّيخ، لأنّ جلّ ما يحصل إنّما يحصل بحسب مشيئة الله وتدبيره من أجل التأديب والخلاص. اعلم أنّ الذي أضاع المائة الذهبيّة هو جار لذاك الذي وجدها. هذا الأخير هو صاحب بستان يساوي مائة ليرة ذهبيّة، وقد أخذه منه الغنيّ الجشع بخمسين، فقط، وبطريقة غير قانونيّة. وبما أنّ البستانيّ الفقير توسّل إلى الربّ أن يأخذ العدل مجراه، فشاء الله أن ينال مطلبه مضاعَفًا إذ حصل على مائة بدلاً من خمسين.

أمّا ذاك الذي قُتل ظلمًا، فكان ارتكب جريمة قتل هو نفسه في الماضي، فإذ أراد الله أن يخلّصه ويطهّره من خطيئة القتل، بما أنّه كان قد قام  بأعمال حسنة قد أرضت الله، دبّر أن يُقتل هو ظلمًا لتخلص نفسه.

أمّا الجشع الطمّاع الذي سبّب القتل، فقد كان مزمعًا أن ينتهي أمره في الجحيم بسبب محبّته للفضّة. لذا سمح الله أن يقع في خطيئة القتل لكي تتوجّع روحه، فيطلب التوبة والرحمة. وها هو الآن قد ترك العالم وذهب يطرق باب أحد الأديار ليترهّب ويعيش حياة الانسحاق والندم ويبكي على خطاياه.

أمّا أنت، فعُدْ، الآن، إلى قلاّيتك، ولا تكثر من فحص أحكام الله لأنّها بعيدة عن الكشف والتنقيب”.

إنّنا نحن معشر البشر نحاول أن نبحث عن أمور لا تُحدَّد تفوق قدراتنا. فحيث يضع الله نقطة مثلاً، لا نستطيع نحن أن نستبدلها بعلامة استفهام. وكخاتمة فلنسمع القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم يدعونا قائلاً:  “الأحزان تولّد الصبر، ومحبّة الله تعرف مقدار تحمّلنا للأحزان. العناية الإلهيّة لا تُفسَّر واهتمامه بنا لا يُدرَك. إنّ أحكام الله عميقة جدًّا وبعيدة عن الاستقصاء”.

الفيلسوف القلق

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسي المقطّع

لا تهتمّوا للغد،  لأنّ الغد يهتمّ بما لنفسه يكفي اليوم شرّهُ”(متّى 34:6)

اعتاد أحد الفلاسفة أن يُسافر كثيرًا للبحث عن الحكمة والفلسفة. وفي أحد الأيّام، وبعد أن قضى النهار كلّه في المناقشات الفلسفيّة، دخل ليبيت مع تلميذه.

وبعد دخولهم غرفة النوم بدقائق استغرق التلميذ في نوم عميق، وأمّا الفيلسوف، فرغم إرهاقه الشديد لم يستطع أن ينام، وكان ينظر إلى تلميذه فيجده مُستمتعًا بنوم عميق. فاغتاظ جدًّا لعجزه عن النوم، وفي النهاية أيقظ تلميذه وسأله:

– كيف استغرقت بسرعة في نوم عميق، فيما أنا عاجز، تمامًا، عن النوم؟

كان التلميذ يعرف أنّ الفيلسوف لا يهدأ عن التفكير في كلّ شيء وما هي أسبابه ونتائجه، وكيف سيحلّ المشكلة الفلاّنيّة، وكيف سيواجه الفيلسوف الفلانيّ في الموضوع الذي كانا يتحاوران بشأنه، وكيف… وكيف… أيّ إنّه لا يهدأ عن التفكير، ولذا عجز عن النوم، فسأله:

– هل كان الله يدير الكون قبل أن تولد؟

– نعم.

– وهل سيُدبّر الله الكون بعد أن تموت؟

– نعم.

– إذًا، دعه يُدبّر، أيضًا، هذه الليلة.

– ولكنّي لا أستطيع، إذ ماذا…

– فقاطعه التلميذ قائلاً: ماذا وماذا وماذا، وماذا تستطيع أن تفعل إذا متّ في هذه الليلة. دع الله يدبّر أمورك كلّها ونمْ أنت بهدوء، فتفكيرك لا يجدي نفعًا إذا لم يُرد الله أن يبقيك إلى الصباح.

فوافق الفيلسوف، وحينئذ نام بهدوء.

أحبّاءنا، العقل هبة من الله يستخدمها الإنسان فيما يفيده، فيدرك به أعمال الله وعنايته للبشر، وبه، أيضًا، يسعى لراحة الآخرين وإسعادهم. هذا كلّه يحدث إن كان العقل خاضعًا للروح القدس الساكن فيه.

ولكن إن ازداد سُلطان العقل عليك يمكن أن يُقلقك، وبدلاً من أن تستخدمه يستخدمك، فيثير الاضطرابات داخل نفسك. ومع أنّك إنسان محدود، ولكنّك تودّ أن تعرف كلّ شيء بعقلك، وهنا يظهر عجزك وضعفك. أمّا النشاط العقليّ الزائد، فيؤدّي إلى تذمّرك على الله وضيقك من الناس.

ليتك تتّكل على الله في أمورك كلّها، واثقًا من محبّته ورعايته لك، فتعمل ما تستطيعه من دون إهمال أو كسل، وتترك الباقي بإيمان في يده.

إيّــــــاك

إيّاك أن تنظر باحتقار لإنسان يشكو من عاهة جسديّة: نظره ضعيف أو مشلول أو بيد واحدة أو برِجل واحدة… على العكس، يجب أن تقدّم له المعونة كابن صالح للربّ يسوع، ولأنّه هو أحد أعضاء جسد المسيح الذي تشاركه أنت الدمَ والجسدَ الإلهيّين.

               إن صادفت أعمى يعبر الشارع، حاول أن تساعده، إن تعرّض لخطر السيّارات أو لأيّة مساعدة يحتاج إليها.

               كن مثل ربّنا الذي كان يصنع الخير مع الجميع من دون تمييز، وشجّع رفاقك وإخوتك، أيضًا، على عمل الخير لكي تسود المحبّة والسلام، لأنّ إلهنا إله المحبّة والسلام.

               إيّاك أن تفتخر بأنّك صنعت خيرًا، وإلاّ فأجرك ضاع، بل قل الربّ الإله هو الذي شدّدني لأقوم بهذا الخير أي هو الذي يعمل فيّ.

طبيـــب يحيا حياة الصلاة

 

 

طبيب يحيا حياة الصلاة

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

 

الأطبّاء الذين يتعاملون مع جسد الإنسان حين يضعف وتعصف به الأمراض هم أقدر الناس على معرفة حقيقة الإنسان وضعفه وسرعة زواله.

كانت تربطني صلة ببعض الأطبّاء، وكنت أوجّه نظرهم دائمًا، كوني كاهنًا، إلى أمور غاية في الخطورة لكي يتمجّد الله بهم وفيهم. فالأمر الأوّل الذي لا يحتاج إلى برهان هو أنّ الجسد الذي نحيا فيه هو غاية في الضعف، فلا مجال، إذًا، للاتّكال على الذات، أو التباهي بالمعرفة أو الخبرة التي تقود الإنسان إلى هوّة الكبرياء. فرؤية الجسد على حقيقته في المرضى، هو رؤية الإنسان لذاته، وإدراكه مقدار حقارة طبيعتنا وضعفها. هذا هو سبيل الاتّضاع في حياة الطبيب.

وقد قرأت قصّة عن طبيب كان قد فاق في علمه أهل زمانه، فهو من روّاد علاج مرض السرطان، ولكنّه كان يتعامل مع المرضى كإله متعالٍ. يتكلّم عبارات مقتضبة، وكلمات قليلة وكأنّ قلبه قد قُدّ من صخر، فهو بالنسبة للمرضى بلا إحساس وبلا تقدير للآلام.

وقد حدث في حياة هذا الطبيب ما لم يكن في الحسبان، فقد أصيب هو نفسه بمرض السرطان، ثمّ بدأ في سلسلة الآلام والعلاجات أي نفس المشوار الذي كان يرى الناس تمشيه. ولكن بطريقة مختلفة هذه المرّة، إذ أصبح ملموسًا محسوسًا لدرجة كبيرة، ولحسن حظّه فإنّ العلاج أتى بنتيجة إيجابيّة، فشفي من مرضه. وبالحقيقة كان قد شفي من المرض الأخطر وهو الكبرياء، فعاد إلى عمله وإلى مرضاه إنسانًا جديدًا رحيمًا شفوقًا غاية الشفقة، إذ صار المرضى بالنسبة له كجسده الخاصّ.

هكذا كنّا نوجّه نظر الأحبّاء إلى هذه الحقيقة منذ بداية حياتهم المهنيّة. وهكذا نما الكثيرون نموًّا مطرَدًا ليس من جهة ما أصابوا من النجاح والشهرة في المجال الطبّيّ، بل من جهة نموّهم الروحيّ، وانفتاح وعيهم على هذه الحقيقة والعيش بمقتضاها.

ثمّة أمر آخر كنّا ننبّه إليه الأذهان. إنّ قدرات الإنسان محدودة مهما سمت، و”إن لم يبن الربّ البيت فباطلاً يتعب البنّاؤون” على ذلك يتفكّر الإنسان، دائمًا، أنّ الله هو الوحيد الذي يعرف سرّ مرض الإنسان لأنّه صُنع يديه وهو مكوّنه في الأحشاء قبل أن يولد.

فالطبيب الناجح يدرك، دائمًا، أنّ يد الله هي التي تمنح شفاء النفس والجسد معًا. فالمسيح هو طبيب الأرواح والأجساد، فإن سمح الربّ واستخدم آنية ضعيفة، فلكي يتمجّد هو، ولذلك نعطي المجد اللاّئق لله حين ينجح طريقنا ونشكره إن استخدمنا لمجده.

من الأمثلة الحيّة التي شهدت لنعمة المسيح وعمل الروح القدس، طبيب مشهور التصق بالربّ منذ شبابه المبكّر، إذ كان يتردّد على أب روحيّ ليعترف ويسترشد بنصائحه الأبويّة، إلى أن تخرّج من كلّيّة الطبّ، وصار طبيبًا لأبيه الروحيّ الذي راح يشجّعه في السير قُدمًا في طريق الجهاد.

ولقد ذاع صيت فضائله وعلمه وصار من أشهر الأطبّاء، إذ كان طويل الروح دائم البشاشة كثير الصلاة. لم يكن يضع يده ليكتب دواء إلاّ ويرفع قلبه لله في صلاة قصيرة، وكان الناس يظنّون أنّه يعصر فكره ويركّزه لكي يكتب الدواء المناسب، بينما كان هو يطلب نعمة الله ومعونته، ويمجّده من أجل حبّه ورحمته.

وقد أكرم الله هذا الأخ بقلب عجيب في المحبّة وعميق في الاتّضاع، سخيّ في العطاء، فصار عمله مجال خدمة لإخوة المسيح. فقراء كثيرون كانوا يجدون فيه حبّ السيّد الحنون، إذ يعالجهم مجّانًا وهم عاجزون عن الدفع، ويتبرّع بعيّنات الدواء، أو يساهم بجزء من ثمنه.

لقد مارس عمل الخدمة الباذلة آلاف المرّات ومع مختلف الناس وبلا تمييز أو محاباة، فحين كان يعالج أحد المرضى، ويشعر أنّ حالته حرجة، ما كان يترك منزله، بل يكرّس وقته حتّى إلى ساعات طويلة إلى جواره. وإن لزم الأمر ينزل بنفسه مسرعًا في منتصف الليل أو قبل الفجر إلى أقرب صيدليّة يتوفّر فيها الدواء، ويعود بلهفة ليتابع حالة المريض، ويسهر بنفسه عليه دون تكليف من أحد، وغير ناظر إلى أيّ شكر أو مكافأة، أو أجر.

كان تصرّفه عجيبًا في عيون الناس، لم يكن كباقي الأطبّاء الذين يؤدّون واجبًا، بل كانت محبّته لله تدفعه ليعمل الرحمة مع الجميع. فأحبّه الناس حبًّا فائقًا، إذ رأوا فيه صورة نادرة من صور الحبّ المجّانيّ الذي اقتناه من الذي بذل نفسه لأجلنا.




جامعة الظلام

جامعة الظلام

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

 

دعا إبليسُ رئيسَ جامعة الظلام وعمداءَ كلّيّات الجامعة إلى اجتماع مغلق وعاجل ليتدارس وإيّاهم أوضاع الجامعة ونشاط عمدائها وأساتذتها. كان إبليس يشتعل غضبًا وعيناه تقدحان نارًا، وهو ثائر على أعوانه الشياطين يقول لهم: “كلّكم متكاسلون، كلّكم خاملون. انظروا كيف خسرنا الكثير من ضحايانا من البشر. أين الآلهة الوثنيّة التي اخترعناها ونشرنا عبادتها على مدى أجيال وأجيال: إيزيس وجوبتير وفينوس و…؟ أين عبادة الفراعنة والملوك والأباطرة؟ أين الإلحاد الذي فقدناه؟ أين الشيوعيّة التي نشرناها والتي مُنينا بسقوطها فشلاً ذريعًا؟ أين… وأين…

ساد الصمت، برهة، احترامًا لحزن إبليس، ثمّ وقف عميد كلّيّة المجد الباطل، وقال: “نحن لا ننسى أتعابك وأعمالك، أيّها الرئيس، منذ غواية حوّاء إلى قتل هابيل إلى … إلى… لكنّنا نحن ناشطون وما زلنا نعمل وسوف نعمل حتّى نفني الإيمان كلّه عن وجه الأرض. فالإلحاد لا يزال موجودًا ولكن بأشكال حديثة، ولنا أتباع كثيرون. وانبرى شيطان الإلحاد يقول: “إنّني أبذل قصارى جهدي لإزالة الإيمان بواسطة تلميذي الشكّ، أو على الأقلّ زعزعة الإيمان بالله وبكتابه الذي يدعونه المقدّس”. فشجّع إبليس هذا الشيطان، ووعده إن استمرّ في نشاطه هذا أن يمنحه وسام الاستحقاق الإبليسي. وهنا وقف عميد كلّيّة الفساد، وقال متباهيًا: “اطمئنّ، أيّها الزعيم، فعلى الرغم من أنّنا خسرنا الكثير إلاّ أنّنا نعمل في ميادين متعدّدة، وكلّها مهمّة: في أفلام السينما، في أماكن الرقص واللهو، في الأنترنت، في بيوت الفسق… كما قدّمنا بدل الإلحاد عقائد جديدة كشهود يهوى والمرمون…، وهكذا جعلنا مؤمنين يحاربون مؤمنين.

ووقف عميد كلّيّة الخرافات وقال: “لا تنسَ، أيّها الزعيم، أنّ تلاميذي ينشطون كلّ النشاط في مجالات التنجيم وقراءة الكفّ والفنجان وضرب الرمل وما تقوله النجوم والأبراج”. فانبرى إبليس وقال: “ولكنّني أرى، رغم كلّ جهودكم، دور العبادة مزدحمة بالناس، حتّى إنّهم يعلّمون الأطفال الصلاة”. فانتصب عميد كلّيّة العبادة الشكليّة، وقال: “لقد تدخّلنا بسرعة لنبطل صلواتهم بواسطة التشتّت كتذكيرهم، أثناء الصلاة، بالأعمال الهامّة التي تركوها وراءهم، أو بالبورصة والمال. كما جعلنا من صلواتهم أن تكون لفظيّة، فقط، فأصبحت صلاة بلا روح وعادت غير مقبولة لدى إلههم”.

وهنا جاء دور عميد كلّيّة الغضب، فقال: “أنا، يا سيّدي، من أعظم أتباعك نشاطًا، ولي كثير من المساعدين: شيطان المشاجرة والخصام، شيطان الحروب، شيطان الفتن والدسائس، شيطان الكرامة الشخصيّة والحساسيّة الزائدة…”. ثمّ انبرى شيطان الزنا، وقال: “أمّا أنا، فلي نشاط ملحوظ، وأستطيع السيطرة على معظم أبناء البشر، وبخاصّة من كان منهم في عمر المراهقة. إنّي أوقع الغالبية من الناس في علاقات محرَّمة، وأزرع في أذهانهم بأنّها علاقات تفرضها طبيعتهم وغرائزهم وليست علاقات خاطئة، فيرتاحون ويمارسونها باقتناع. صحيح إنّ بعض الرهبان غلبوني كأنطونيوس وغيره، إلاّ أنّي لم أيأس، أنا أتعقّبهم حتّى أنتصر عليهم”. فهنّأ إبليسُ شيطانَ الزنا، وقرّر أن يمنحه وسام الأبالسة العظماء تقديرًا لجهوده الجبّارة.

ثمّ وقف عميد كلّيّة الذات، وقال: “يا زعيمي الجبّار، لماذا تغضب ظانًّا أنّ عبادة الأصنام قد زالت من العالم؟ كلا، يا سيّدي، أنا الصنم الجديد الذي يتعبّد له غالبيّة البشر اليوم، وعادوا لا يحتاجون معه إلى أصنام أخرى من الخارج، إنّما بإيحاءاتنا وأفكارنا جعلنا ذاتَ كلّ إنسان صنمَه. فكلّ جهاده صار محصورًا من أجل رفع كرامة الذات ومكانتها بين الناس، وحتّى خدمة الله أدخلنا فيها الذات، وكذلك الوعظ جعلناه قصد إبراز المعلومات. وأيضًا محبّة العالم والطمع والمتعة والسلطة والنفود والتعالي والكبرياء والقسوة…”. وهنا صفّق الحاضرون للذات تصفيقًا حادًّا، طالبين من إبليس مكافأة شيطان الذات التي أصبحت بامتياز الصنم الأوّل في هذا العصر.

حينئذ وقف إبليس ليختم الجلسة، ولكنّه سمع أصواتًا تحتجّ وسط جمهرة أساتذة جامعة الظلام، إذ وقف كلّ من شيطان التمرّد والعصيان والإغراء والخيانة وأخطاء اللسان والشائعات والتجديف واليأس والخوف والرشوة والإهمال والنسيان والفزع والخوف يطلبون أن يقدّموا هم أيضًا تقاريرهم وخبراتهم. غير أنّ إبليس وعدهم بذلك في جلسة أخرى. ثمّ قال بافتخار: “إنّي أهنّئكم جميعًا. بالحقيقة إنّكم تقومون بجهود جبّارة لإسقاط الإنسان، فهلمّوا بنا نتعاضد، أكثر فأكثر، لنلقي الناس في أحضاننا، وإلى اللقاء في اجتماع آخر”. علا التصفيق والهتافات بحياة إبليس والنجاح لجامعة الظلام.

اعمل الخير، وارمه في البحر

اعمل الخير،  وارمه في البحر

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسي المقطّع

 

نسمع هذا المثل الشعبيّ منذ أن كنّا صغارًا، وهو يعبّر عن خبرة وحكمة شعبنا البسيط. لا يمكن لأحد أن يدرك ما هي الأبعاد التي يمكن أن يأخذها هذا “الخير” مهما بدا بسيطًا، وكم من الأشخاص يمكن أن يساعد. تؤكّد القصّة التالية التي سنرويها حقيقة هذه الحكمة الشعبيّة:

كان في أحد الأيّام فلاّح فقير يعمل في حقله عندما تناهى إلى أسماعه صوت طفل يبكي ويصرخ طالبًا المساعدة. ترك أدواته وعمله على الفور وهرع بأقصى سرعة باتّجاه الصوت. فإذا به يرى طفلاً صغيرًا يرتجف من الخوف والرعب، غارقًا حتّى وسطه في حفرة عميقة موحلة، يتخبّط داخلها محاولاً الخروج منها دون جدوى.

لم يتردّد الفلاّح لحظة عن مساعدة الطفل، وبعد جهد كبير، تمكّن من إخراجه من الحفرة وإنقاذه من موت محتّم كان سيصيبه، على الأقل نتيجة ذعره الشديد.

وفي اليوم التالي، توقّفت عربة فخمة يقودها حصانان أمام حقل المزارع الفقير، وإذا برجل من طبقة النبلاء يقترب إليه مقدّمًا نفسه على أنّه والد الطفل الذي أنقذ الفلاّح حياته بالأمس.

– أريد أن أكافئك على عملك وإنقاذك لطفلي، فاطلب ما شئت من المال وسأقدّمه لك.

– لا أبدًا لن أقبل أيّ مال…

في تلك اللحظة بالذات خرج طفل صغير بثياب رثّة من الكوخ الفقير الذي كان في الحقل… كان ابن الفلاّح.

– هل هذا هو ابنك؟

– نعم. أجاب الفلاّح بابتسامة فخورة.

– حسنًا إذًا، سنعقد اتّفاقيّة فيما بيننا. اسمح لي أن أساعد طفلك في تعليمه، كما ساعدت أنت طفلي. سأتكفّل بتعليمه وسأقدّم له المستوى التعليميّ نفسه الذي أقدّمه لولدي. وإذا كانت أخلاقة حميدة مثل أبيه، فمن المؤكّد أنّه عندما سيكبر سيحقّق شيئًا عظيمًا يجعلنا نحن الاثنين فخورين به.

وهذا ما حدث. تلقّى ابن المزارع دروسه في أحسن المدارس، حتّى تخرّج من كلّيّة الطب المشهورة في مشفى القدّيسة ماري في لندن. إنّه مَن أصبح في ما بعد معروفًا في العالم بأسره باسم ألكسندر فلمنج، أبو البنسلين.

بعد مضيّ العديد من السنوات، أصيب ابن الرجل الغنيّ بمرض شديد في الرئتين. فمن أنقذ حياته هذه المرّة أيضًا؟ إنّه البنسلين…     كان ذلك الرجل الغنيّ هو اللورد راندولف تشرشل، أمّا ابنه، فكان السير ونستون تشرشل رئيس وزراء انكلترا خلال الحرب العالميّة الثانية.

أحبّاءنا، لا يذهب شيء عند الله سدىً. اذكروا فلس الأرملة كم كان له قيمة كبيرة في عينيّ الله. كلمة “يا ربّ ارحم” التي نردّدها، أو شمعة صغيرة قد نشعلها لأجل شخص ما، أو دمعة نذرفها، كلّ منها له قيمته. لا شيء يضيع عند الله، بل يراه ويقدّره.

كلّ منّا مسؤول بشكلّ خاصّ عن كلّ ما يحدث في العالم، حتّى في التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو غير هامّة. نحن مسؤولون ليس، فقط، عن الشرّ الذي نصنعه، إنّما، أيضًا، عن الخير الذي لم نصنعه. فالخير الذي قد نفعله أو لا، له نتائج لا يمكن تخيّلها.

قـــــــوّة الله

قـــــــوّة الله

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

 

“اخرج من هنا أيّها السكّير المتسكّع المفلّس. لن تشرب من هذا المحلّ نقطة واحدة قبل أن تدفع ثمنها ـ أخرج وإلاّ استدعيت البوليس لطردك من هنا”. هكذا طُرِدَ توم كونور من إحدى الحانات، ولكنّه قبل أن يخرج التفت إلى الزبائن الآخرين، وقال لصاحب الحانة: “لقد وصلت هذه المدينة منذ ثلاثة أيّام، وكنت خلالها أتسكّع على أبواب المطاعم لأستجدي الناس لقمة خبز يابسة. ولكنّي لم أكن كذلك، فلقد كان في مقدوري أن أشتري عشرة أمثال هذا المحلّ. كنت رجل أعمال ناجحًا، وكانت لي عائلة سعيدة موفورة الهناء، ولكن المسكر والخمر سبّبا خرابي. وأنا، الآن، وحيد في هذا العالم لا أجد من يحبّني أو يعتني بي. صحيح أنّي لا أملك ثمن الكأس التي أطلبها، وصحيح لست إلاّ سكيرًا متسكّعًا، وسأخرج كما تريد، ولكن قبل أن أغادر هذا المكان أقول لكم أيّها الرفاق المحترمين : انظروا إليَّ وإلى هذه الثياب القذرة البالية، وخذوا لأنفسكم عبرة وموعظة. فلأجل خاطر السماء اتركوا هذا المكان اللعين، لأنّه سيوصلكم إلى نفس النهاية التي وصلت إليها أنا”.

خرج توم كونور هائمًا على وجهه يسعى في شوارع المدينة على غير هدى، فمرَّ في طريقه على إحدى الكنائس، ورأى الناس يدخلون إليها، فقال في نفسه: “إنّ أمثالي ليس لهم هنا مكان”. ولكنّ ترنيمة شجيّة شدّته، فوقف يسمع جموع المرنّمين ترنّم: “المسيح قام من بين الأموات…”. وقف كونور العجوز يستمع إلى هذه الترنيمة التي سمعها لآخر مرّة منذ وقت طويل جدًّا، وكأنّه لم يسمع قط نغمات شجيّة مثل هذه في كلّ حياته. ورغمًا عنه حملته أقدامه إلى الداخل، وجلس على كرسيّ قرب أحد العواميد، وأخذ ينصت لما يقوله الكاهن، وإذا به يسمعه يصلّي صلاة حارة من أجل الخطأة المساكين المشرّدين في مسالك الشرّ. تَفتَّح قلب كونور لهذه الصلاة، وهاجت ذكريات الماضي، وأخذ يبكي ويكفكف دموعه. لقد تذكّر بيته المريح اللطيف، وتذكر زوجته التي كانت ترنّم بصوتها الرخيم هذه الترنيمة نفسها، فبكى وبكى وعاش في ذكريات الماضي. لقد مرَّ بخاطره كيف ذهبت نضارة صحته، وعبث به شيطان الخمر فانتزع منه زوجته. وكيف غادره السلام، وكيف ضاع البيت الجميل، وبيعت مفروشاته الأنيقة لإشباع شهوة السكر. وكيف شحب وجه زوجته بسبب دأبها، يومًا بعد يوم، أمام طست الغسيل لتكسب أجرًا ضئيلاً لسدّ رمقها ورمق طفلها وزوجها السكّير. وأخيرًا مرَّ بخاطره منظرها وهي مسجّاة في كفنها البالي داخل صندوق بسيط من خشب الصنوبر، وكيف ذهب بابنها إلى ملجأ لليتامى. ثمّ استعرض صُوَر سكّير متشرّد بائس يهيم على وجهه عشرين سنة كاملة يستعطي درهمًا من هذا، ويستجدي لقمة من ذاك بلا احترام ولا كرامة. فقال متحسّرًا: “آه، يا ربّ، لِمَ لم أمتْ قبل أن تموت هي؟ ولماذا أعيش بعد؟”.

وكانت الخدمة قد انتهت، وأعلن الكاهن أنّ خدمة الغد تبدأ في الساعة السابعة والنصف. وهنا نهض الرجل العجوز، وتسلّل إلى الخارج قبل أن يراه الناس. ولم تكد الساعة تدق السابعة في مساء اليوم التالي حتّى كان توم كونور، مرّة أخرى، يجلس في الكنيسة. ولم تكن الخدمة قد بدأت بعد، فتقدّمت إليه فتاة رقيقة، وقالت له: “اسمح، يا مستر جونسون، بفتح درج المنضدة، لأنّي أريد كتابًا لوالدي قبل أن تبدأ الخدمة”. فنهض الرجل العجوز واقفًا، وخلع قبّعته القذرة، وقال لها: “عفوًا، يا آنسة، أنا لست مستر جونسون”. فقالت الفتاة: “إنّي أعتذر لقد ظننتك الطرّاش”. فهمّ كونور بالخروج، فقالت له الفتاة: “لماذا تخرج؟ تعال واقترب من الصفوف الأماميّة لتسمع جيّدًا، إنّ الخدمة ستبدأ سريعًا”. فرد بسرعة: “لا. لست أهلاً لأن أوجد في مكان نظيف مثل هذا، وقد لا يرغب الكثيرون في أن أجلس إلى جوارهم. فأجابت الصبيّة: “كلا، بل إنّهم يرحّبون بك. إنّ والدي هو الكاهن. وهو يحبّ أن يأتي إليه الشيوخ المتقدّمين في السنّ ليسمعوه”. ثمّ أمسكت بيده قائلة: إنّي أؤمن بأنّ الربّ يسوع يحبّك ويستطيع أن يجعلك رجلاً صالحًا إن كنت تدعه يفعل ذلك. أرجوك أن تأتي لتسمع هذه الترنيمات الجميلة، وأنا واثقة أنّك ستكون مسروراً”.

وسار توم كونور معها إلى الصفوف الأماميّة يتعثّر خجلاً، ولكن سرعان ما ملكت النغمات والترنيمات على مشاعره، وكانت الصلوات التي أعقبتها حارّة وعميقة ملؤها المحبّة، حتّى خيّل إليه أن كلّ الصلوات التي قُدِّمت في ذلك اليوم كانت لأجله. ثمّ قام الكاهن وتلا الفصل الخاصّ بالابن الضالّ، وتكلّم الكاهن عن محبّة الله للخطأة الهالكين، وعن رحمته العجيبة بكلمات لم يسمعها كونور العجوز من قبل. ثمّ ختم كلمته بهذه العبارة : “إنّ أبانا السماويّ المُحبّ فاتح ذراعيه ليرحّب بكلّ ضالّ شريد، ويقبّله بقبلة الغفران، ويلبسه حلَّة البِرّ الأولى إن كان يريد أن يقبل إليه”. ثمّ ما لبث أن انصرف الحاضرون، وبقي ذلك الرجل العجوز منكّس الرأس يشهق بالبكاء كطفل صغير، ولكنّه شعر بيد رقيقة توضع على كتفه، فرفع بصره ووجد الفتاة اللطيفة أمامه وهي تقول: “إنّ الربّ قادر أن يُخلِّصك. تعال إليه وثق به، وهو سيساعدك، فهو لا يردّ تائبًا نادمًا”. وقادته الشابّة إلى حيث كان أبوها، فمد الكاهن يده إلى الرجل مباركًا، فقال كونور: “يا سيّدي، إنّني إنسان بائس، وكنت أظنّ أن لا رجاء لأمثالي، ولكنّك قلت في هذه الليلة إنّ الله يرغب في خلاص الجميع”. ثمّ أخذ توم يسرد تاريخ حياته، فلمّا وصل إلى ختام القصّة احمرّت وجنتا الكاهن، وانهمرت دموعه، وقال للرجل باضطراب: “ما اسمك؟”، فقال: “توم كونور، وقد اشتهرت باسم العجوز السكّير”. فصاح الكاهن قائلاً: “أبي… أبي!!”، وضمّ الرجل إلى صدره، وقبّله وهو يقول: “أبي أنا ابنك الذي تركته طفلاً في ملجأ اليتامى. لقد بحثت عنك طويلاً، وأخيرًا ظننت أنّك متّ”. ثمّ عرف الأبُ قصّةَ ابنه، وكيف خرج من الملجأ، وعاش وسط عائلة مسيحيّة تبنّته وأحسنت تربيته، وصار خادمًا للربّ.

معجزة القدّيس نيقولاوس

معجزة  القدّيس نيقولاوس

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

مساء ليلة رأس السنة من العام 1956 دعت زويي سبعةً من أصدقائها لتناول العشاء في منزلها ليقضوا أوقاتهم في الغناء والرقص. راح المدعوّون يتوافدون الواحد بعد الآخر إلاّ نيقولاوس خطيب زويي.

بدأ الرفاق بالرقص والغناء، وفي لحظة من اللحظات وجدت زويي نفسها وحيدة من دون خطيبها، فاعتراها حزن شديد وغضب جنونيّ، إذ كانت تحبّ أن يكون خطيبها إلى جانبها في هذه الليلة لا سيّما وإنّه لم يعلمها عن سبب تأخيره المفاجئ. ومن دون أن تفكّر أخذت أيقونة القدّيس نيقولاوس العجائبيّ من على الجدار وهي تقول: “سآخذ هذا النيقولاوس لأرقص معه”. ذُعر رفاقها لهذا القول، وبدأوا يحذّرونها على عملها هذا قائلين لها بأنّه نوع من التجديف، ولكنّ زويي لم تلتفت إلى أقوالهم، بل راحت تستهزأ بإيمانهم “الحيّ” بالقدّيس قائلة: “إن كان القدّيس عجائبيًّا، كما يدّعون، وإن كان، فعلاً، موجودًا، فليعاقبني”. وبدأتْ بالرقص مع الأيقونة، وما إن قامت بدورتين حتّى حصل ضجيج مفاجئ في الغرفة، وزوبعة هوجاء أطاحت بالستائر، وضوء باهر يعمي أضاء كالبرق.

تحوّل الفرح إلى خوف، وهرب الجميع من الغرفة مذعورين، فقط زويي وقفت من دون حراك متسمّرة في مكانها وجامدة كالرخام مع أيقونة القدّيس نيقولاوس الملتصقة بصدرها.

وصل الأطبّاء بسرعة، ولكنّهم رغم محاولاتهم لم يستطيعوا إعادتها إلى رشدها. كلّ الحقن التي حاولوا حقنها بها تكسّرت عندما لمست جسدها الرخاميّ. أرادوا نقلها إلى المستشفى، لكنّهم عجزوا عن زحزتها من مكانها كما لو كانت قدماها مسمّرتين في الأرض. ولكن رغم كلّ هذا كان قلبها ينبض. بقيت زويي على قيد الحياة غير أنّها عادت غير قادرة على تناول الطعام أو الشراب.

صُعقت الأمّ عندما رأت ما حدث لابنتها، هرعت إلى الكنيسة تمرّغ أرضها بدموعها وهي تطلب من الله أن يغفر لابنتها إثمها، وأن يعيد إليها حيويّتها، ثمّ لجأت إلى أيقونة القدّيس نيقولاوس تطلب منه التدخّل لخلاص ابنتها من هذه الحالة الغريبة التي جرت لها. وبفعل صلاة الأمّ وتضرّعها الحارّ استعادت زويي وعيها، وأخذت تطلب هي الأخرى المغفرة من الله وقدّيسه بدموع غزيرة. لم تُشفَ زويي تمامًا، إذ كانت كلّ ليلة تملأ الدنيا صراخًا وعويلاً يجعلان الناس يتجمّعون حول منزلها وهم يتساءلون عن سبب هذا الصراخ المخيف.

كانت أمّها تركع إلى جانبها وهي تصلّي وتصلّي طالبة شفاعة القدّيس نيقولاوس، ولمّا أبلغوا كاهن الرعيّة بالحدث، قال: “صلّوا إلى الذي عاقبها، فهو الذي سيرحمها أيضًا”.

ومنذ ذلك الحين بدأ الأطبّاء يتناوبون على زيارتها للتأكّد من نبض قلبها الذي كان ينبض بشكل اعتيادي ومنتظم، كما زارها الكهنة محاولين نزع الأيقونة من يديّ زويي، ولكنّهم أخفقوا في محاولاتهم رغم الابتهالات الحارّة التي كانوا يرفعونها إلى الله وإلى القدّيس نيقولاوس.

بقيت زويي على هذه الحالة ثلاثة أشهر حتّى كان عيد البشارة حين دخل الغرفةَ شيخٌ ودود بلحية بيضاء كالثلج وهو يقول لزويي بابتسامة عذبة: “هل تعبت من الوقوف يا ابنتي؟ أتريدين، أيضًا، أن ترقصي معي وأنا شيخ جليل؟ لا تخافي”، ثمّ اختفى. وفي الليلة عينها صرخت زويي بصوت عال: “صلّوا صلّوا. لقد أتى وحلّني من وثاقي. نعم، لقد أتى”. ولمّا سألوها من تقصد، قال: “إنّه الشيخ الوقور، القدّيس نيقولاوس ذو اللحية البيضاء”.

وهكذا بدأت أعضاء زويي تلين، وتمكّن ذووها من نقلها إلى فراشها. ولمّا استفسروا منها كيف استطاعت أن تبقى من دون طعام 128 يومًا، قالت: “كان الشيخ يأتيني بالطعام، ويزوّدني بالقوة”.

ذهبت زويي يوم الفصح المجيد إلى الكنيسة حيث اعترف بخطاياها وتناولت القرابين المقدّسة، وفي اليوم الثالث من الفصح انتقلت إلى الربّ لتعيش الحياة الأبديّة رفقة القدّيسين في السماء.

يا قدّيس الله نيقولاوس تشفّع بنا