توقّف عن قول “المجد لله على كل شيء”

شهادة الأب الراهب سينيسيوس

المتقدّم في الكهنة ستافانوس أناغنوستوبولوس

نقلها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

قبل عدة سنوات كنتُ كاهن رعية القديس باسيليوس في بيريا، ودُعيت إلى الاستماع إلى اعتراف أحد الشبّان المدعو كيسونوفون وعمره اثنان وأربعون عاماً.

عندما وصلتُ، أعلِمتُ أن أيامه معدودة. فالسرطان ينمو بسرعة وقد بلغ دماغه أيضاً. كان لوحده في جناح المستشفى، إلى جانبه سرير فارغ، لذا كنّا لوحدنا.

هذا ما أخبرني عن كيف آمن، لأنه كان سابقاً “ملحداً متصلّباً” بحسب ما وصف.

“لقد جئتً إلى هنا قبل خمس وثلاثين يوماً، وفي هذا الجناح سريران. بقربي كان مريض آخر في الثمانين من عمره تقريباً. كان يعاني من السرطان أيضاً، في عظامه. ومع أنه كان يختبر ألماً مبرحاً، كان يردد بشكل دائم التمجيد لله “المجد لله! المجد لله على كل شيء”. إلى هذا كان يتلو صلوات كنتُ أسمعها لأول مرة في حياتي، كوني كنت ملحداً لم تطأ قدماي الكنيسة. بشكل عام، كانت هذه الصلوات تريحه، فكان ينام لبعض الوقت، ومن ثم بعد ساعتين أو ثلاثة، يستيقظ مجدداً من شدّة الألم، ويعود من جديد “يا مسيحي، أشكرك! المجد لاسمك! المجد لله! المجد لله على كل شيء!”. أنا كنتُ أنوح من الألم، وهذا المريض في التخت المجاور لي كان يمجّد الله. أنا كنت أجدّف على المسيح ووالدة الإله، وهو كان يشكر الله على السرطان الذي أعطاه إياه، ولكل الألم المبرح الذي كان يعاني منه.

أنا كنت شديد التمرّد والسخط على هذا الوضع! ليس فقط بسب الألم المبرح الذي كنت فيه، بل بسبب هذا التمجيد الذي لا ينتهي. إلى هذا، كان يتناول يومياً، فيما أنا أتقيأ قرفاً.

– ‘أرجوك أن تصمت. اسكتْ وتوقّف عن تكرار «المجد لله». ألا تستطيع أن ترى أن هذا الله الذي تشكره أنت وتمجّده، هذا الله نفسه يعذّبنا بهذه الوحشية؟ أي نوع من الآلهة هو هذا؟ لا إنه غير موجود’. هذا ما كنتُ اقول له.

فكان المريض في السرير الذي إلى جانبي يجيبني بخنوع: ‘إنه موجود يا بُنيّ، وهو أب مُحِبٌّ جداً، إذ مع كل هذا المرض والألم، هو يطهّرني من خطاياي. إذا عملتَ على بعض المهمات الصعبة، وكانت ثيابك وجسدك تنفث رائحة كريهة، ألن تكون بحاجة إلى فرشاة خشنة لتنظيف هذا الوسخ؟ على هذا المنوال، الله يستعمل هذا المرض كبلسم، كتطهير مفيد لنفسي، لكي يهيئها لملكوت الله’.

أجاباته كانت تثير أعصابي وكنت أكفر بالآلهة وبالشياطين. كل ردات فعلي كانت سلبية وكل ما كنتُ أقوم به كان الصراخ: ‘ليس من إله… لا أؤمن بأي شيء… لا بهذا الله ولا بملكوته…’.

أذكر كلماته الأخيرة: ‘انتظر وسوف ترى بعينيك كيف تفترق نفسُ المسيحي المؤمن عن جسده. أنا خاطئ لكن نعمته سوف تخلّصني. وسوف تعاين وتؤمن’.

وجاء ذلك اليوم. أرادت الممرضات أن تضعن فاصلاً، كما تقتضي مهمتهن، لكنني اعترضتُ ومنعتهن. لقد قلت لهن: ‘لا، لا تضعن أيّ فاصل، لأني أريد أن اراقب كيف يموت هذا العجوز!’

وهكذا شاهدته يمجّد الله كل الوقت. أيضاً، كرّر ‘إفرحي يا عروساً لا عروس لها’ لوالدة الإله، وقد عرفت لاحقاً أن هذه اسمها المدائح. كما أنشد ‘عذراء يا أمّ الإله…’، ‘من كثرة خطاياي…’، و’بواجب الاستئهال حقاً نغبّط…، كما كان يرسم إشارة الصليب مرات كثيرة.

ومن ثمّ… رفع يديه الاثنتين وقال ‘أهلاً يا ملاكي! أشكرك على مجيئك مع هذه الرفقة البهيّة لأخذ نفسي. أشكرك! أشكركّ’ ورفع يديه أكثر قليلاً، رسم إشارة الصليب، ضمّ يديه بشكل صليب على صدره ورقد بالرب. فجأةً، امتلأ الجناح بالنور، كأنّ عشرة شموس لامعة أو أكثر أشرقت معاً، هكذا كان بهاء النور الذي أضاء الجناح. وليس فقط الجناح أضيء بل انتشر من حولنا طيب سماوي، في الجناح وحتّى خارج الممر، وكان قوياً حتّى أن المرضى في الجناحات المجاورة الذين كانوا غير نائمين وبمقدورهم النزول عن أسرّتهم، خرجوا وساروا صعوداً أو نزولاً في الممر، محاولين أن يميّزوا مكان نضح هذا الطيب الخاصّ.

وهكا يا أبتي، أنا الملحد المتعصّب آمنتُ وطلبتُ مجيئك لتسمع اعترافي.

كان كسينوفون ثابتاً وبلا رحمة مع نفسه، لكن رحمة الله كانت عظيمة، عظيمة جداً بالحقيقة! لقد اعترف اعترافاً صافياً، تقبّل القربان المقدّس مرتين، وانتقل في توبة عميقة، في سلام، في ميتة مقدسة ممجداً الله هو الآخر”.

جوّال القديس بورفيريوس

الراهبة بورفيريا (سبيريدولا موسخو)

نقلها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

كان الشيخ بورفيريوس يكلّمني يومياً على الهاتف من الرابعة إلى السادسة في الصباح ونقرأ السحرية. لذا قد فكّرتُ أنه كون الاتصال بعيد المدى، فلا بدّ أنه يدفع كثيراً إلى شركة الهاتف. لهذا عندما قبضت راتبي وضعتُ خمسين ألف دراخما في مغلّف لأعطيها له.

“أيها الشيخ، لقد جلبتُ بعض المال، إذ ينبغي أن فاتورة الهاتف كبيرة”.

“ما الذي تتحدثين عنه كالمغفّلة؟ نحن هنا نبني كنيسة. لما نعطي شركة الهاتف الكثير من المال؟ ضعيه في صندوق دعم بناء الكنيسة”

وضعتُه في الصندوق لكن أفكاري استمرّت: يبدو أن شركة الهاتف أعطته خطاً، أو أن أحداً ما يدفع الفاتورة.

“ارفعيني. أعطيني حذائي لأنتعله واربطيه”

من ثمّ التقط عصاه وقال لي: “لنذهب”

كنت متفاجئة. وعندما أمسكته فكّرت: إلى أين نحن ماضيان؟ خرجنا من باب الشرفة وتوجّهنا إلى المبنى الجديد الذي كان في حينه ورشة عمل. صعدنا بعض الدرجات وأراني القلالي الجديدة. كما أراني أيضاً الباطون الخفيف الوزن الذي كان يوضَع كمادة عازلة.

من ثمّ صعدنا إلى قلاية فيها سرير مدمج حيث يبان البحر من النافذة.

“أيعجبك هنا؟”

“نعم، إنه جميل جداً، نسكي”

“أحب النساك كثيراً. لهذا السبب فكري دائماً في كافسوكاليفا، لكنهم لا يتركونني أذهب. يوماً ما سوف أذهب وأبقى هناك”

عدنا إلى باب الشرفة وانتظرته هناك ليطلب أن يتمدد ويرتاح. تقدم نحو باب القلاية وقال لي: “الآن سوف نذهب إلى القلالي القديمة الفارغة”

خارجاً في الممر كان هناك الكثير من الأشخاص ينتظرون وظنوا أنني كنت في قلايته معه كل هذا الوقت. كانوا ينتظرون أن أمضي حتى يدخلوا. عندما رأوا الشيخ واقفاً في الممر خابوا. بالنسبة للبعض منهم كانت أول مرة يرون الشيخ واقفاً. كانوا متفاجئين وركضوا لأخذ البركة. تقدمنا وصعدنا إلى الطابق الثاني. كانت أبواب القلالي مغلقة.

“في هذه القلاية عندهم بخور”

فكّرتُ: لربّما اشتمّها. قرأ أفكاري ورأى قلّة إيماني. “هنا يرشّون القمح المغسول ليطحنوه للتقدمة”

مجدداً قالت لي أفكاري: حسناً. للطحين الرطب رائحة ما أيضاً.

أدرك الشيخ افكاري مرة أخرى وقال عن القلاية الثالثة: “هنا خزان الحمام قد صدأ لأننا لا نضخ فيه للتنظيف. امضِ وادفقي بعض الماء فيه”

بالواقع فتحت الباب وما أن سحبت خزان الحمام حتى تدفق الماء وفيه صدأ. ففكرتُ الصدأ لا يعطي رائحة. وعندما عدتُ سمعتُه يجيب على مكالمة هاتفية من أحد الاشخاص.

“مرحبا! تابع! نعم، نعم، اعمل كذلك…”

لقد كان يعطي نصيحة لأحد ما. لكن لم يكن هناك هاتف في يديه. لقد كنا نحن الإثنان فقط. أنا وقفت جامدة. كيف يتحدّث إلى أحدهم من دون هاتف؟ سألت نفسي.

“حسناً. انهِ المكالمة الآن وتعالَ في يوم ما حتى نرى”

من ثمّ قال لي: “انظري. كان بحاجة لأن يسألني عن أمر ما فكان يطلبني إلى قلايتي أسفل. لكوني لستُ تحت أجبت من هنا”.

عندها وعيت وفهمت أن الشيخ لم يكن يتكلّم إلي عبر شركة الهاتف. كان يكلمني بطريقة روحية، لهذا طلب مني أن أضع المال في صندوق بناء الكنيسة.

“تعالي لنذهب الآن”.

Source: From the book Μαθητεία στον Άγιο Πορφύριο, έκδοση “Η Μεταμόρφωσις του Σωτήρος”, Μήλεσι, 2017.

“الاعتراف ينقذ الأرواح”: قصة حقيقية

الاعتراف ينقذ الأرواح“: قصة حقيقية

استقبل أحد الكهنة في تسالونيكي شابًا معذّبًا لم يكن يعرفه، وتقبّل اعترافه. استمع بعناية إلى ما قاله الشاب، ورأى المشاكل التي كانت تزعجه، وتعاطف معه، وأعطاه توجيهات حول كيفية التحرر من مشاعره ومشاكله. في النهاية ، أعطاه الحلّ. بعد ذلك، شعر الكاهن بالحاجة إلى التحدث إلى الشاب بطريقة تصويرية. وكما تأخذ الأم طفلها وتُظهِر ما يحدث في العالم، أخذ الشابَ إلى الكنيسة وراح يجول بعينيه بحثًا عن مشهد مناسب إلى أن توقّف عند أيقونة السيد المسيح وهو ينقذ بطرس من الأمواج، حيث يظهر المسيح يمد يده ويأخذ يد بطرس فيما يغرق الأخير. كان بطرس قد طلب من الرب أن يجعله قادراً على السير على الماء وأجابه الرب: “تعال“. لكن بشكل مفاجئ، فِكرُ بطرس أفقده الإيمان وبدأ يغرق في المياه. فهم الشاب القصة التي في المشهد وشكر الكاهن وغادر. بعد بضعة أيام، راح جرس هاتف الكاهن يرنّ باستمرار. كان والد الشاب، وقد أراد على وجه السرعة أن يخبر الكاهن بما حدث: كان الشاب يسير على الواجهة البحرية في المدينة عندما سمع صرخة استغاثة آتية من الماء.

بحسب ما نشرته جريدة كاثيميريني، قفز الشاب إلى مياه خليج مكدونية لإنقاذ رجل مسن سقط في البحر لأسباب غير معروفة. وقع الحادث عند الساعة الواحدة ليلاً على الواجهة البحرية القديمة لمدينة تسالونيكي، عند الطرف الأسفل لساحة أرستوتاليس. كانت مجموعة من الشبان تمرّ من هناك، وإذ بهم يسمعون رجلاً ثمانينياً يطلب المساعدة. بدون أي تردد، قفز أحدهم إلى الخليج، وبمساعدة أصدقائه، أخرج الرجل المسنّ من الماء. ثم نُقل الأخير إلى المستشفى للمراقبة.

إن الطرق التي تعمل بها نعمة الله في روحنا قادرة على الابتكار دائماً. كان الكاهن مندهشًا من الطريقة التي تصوَّر بها المقطع الإنجيلي عبر الأيقونة وانطباعه على روح الشاب. إلى هذا، لقد دُهش أيضًا لاهتمام الله بالتفاصيل. لم تكن اللحظة مناسبة لإنقاذ الرجل المسن وحسب بل أيضاً لكي يختبر الشاب يختبر في الممارسة ما تم نقلُه إلى روحه عبر الاعتراف. بحسب ما نقله والده إلى الكاهن، لقد كان الشاب يشعر بسعادة غامرة. ففي حين كانت حياته مليئة بالخيبات جاءت تجربة النجاح في شيء ما لتحرره. لقد كان الأمر بمثابة فداء له، إذ اقتبل نعمة الله دعماً لحياته.

(مترجمة عن PEMPTOUSIA في 4 آب 2018).

زيارة في السماء

زيارة في السماء

اﻷب أنطوان ملكي

هذه قصة تربوية مبنية على أقوال القديس باييسيوس* وخدمة القديس يوسف الدمشقي** وخدمة عيد القديس باييسيوس***.

تمثّل القصة حواراً دار بين القديسين حين جاء القديس باييسيوس الأثوسي في العاشر من تموز إلى عند القديس الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي ليعايده في عيده.

الاقتباسات من النصوص المذكورة مبثوثة من دون أي تغيير، احتراماً لقداسة النصوص.

القديس باييسيوس: بارك أيها الأب الشهيد في الكهنة، يا كاهن بيعة أنطاكية [طروبارية القديس يوسف الدمشقي]، هأنذا جئت أعايدك بعيدك. إلى أعوام عديدة.

القديس يوسف الدمشقي متفاجئاً من هذا الزائر: من أين لي هذا أن يأتي القديس باييسيوس إليّ؟ إنَّ عِيــشتك الوقــورة وغــزارةَ المُعجِــزات. قــد ذاعتـــا بـــسرعةٍ في أقطـــارِ المـــسكونة [من خدمة صلاة المساء الصغرى لعيد القديس باييسيوس].

القديس باييسيوس: أين صيتي من نعمة كهنوتك وعيشتي من إهراق دمك الذي عمّدتَ به أرض الشام؟ [طروبارية القديس يوسف الدمشقي]

القديس يوسف: لكني حزين جداً. ألم تَرَهُم يقرعون الدفوف ويعزفون القيثارات في تابوتي أي في كنيستي التي لوالدة الإله؟ [ذكصا غروب عيد القديس يوسف الدمشقي]

القديس باييسيوس: إني أتفاجأ من هذا الكلام!!!

القديس يوسف: للأسف فإننا لا نستعمل الحرية من أجل الخير والقداسة بل من أجل الأمور العالمية [بمحبة وألم، ص. 285].

القديس باييسيوس: هل وصلت موضة التجديد إلى أنطاكية حيث دُعي الرسل مسيحيين أولاً؟

القديس يوسف: يتحدثون اليوم عن تجديد الكنيسة وكأن الكنيسة شاخت وتحتاج إلى تجديد [بمحبة وألم، ص. 291]. صرنا نفسّر الإنجيل وأقوال الآباء على هوانا ونحدث أرثوذكسية خاصة بنا ونفصّل مسيحيتنا على حسب قاماتنا[بمحبة وألم، ص. 302].

القديس باييسيوس: هذا ليس في أنطاكية فقط. أرى ذلك في كل مكان.

القديس يوسف: عندما يبتعد العقل عن الله وينشغل بالعلم فقط تبدأ الشرور ويفقد الناس هدوءهم وتوازنهم الداخلي. [بمحبة وألم، ص. 180]

القديس باييسيوس: لكن ماذا جرى؟ أليسوا يقولون لك في خدمتك: إضرب أيها الحداد بكلمة الحق وجه الباطل. شتت فكر البدع والشيع الغريبة بالإنجيل. اكسر جسدك خبزاً للجائعين. أهرق دمك ماء للعطاش. [ليتين غروب خدمة القديس يوسف الدمشقي] وأراك قد فعلتَ كل ذلك، فماذا تغيّر؟

القديس يوسف: كان الآباء القديسون يحاولون منع قيام علاقات مع الهراطقة. أما اليوم فالمطلوب إقامة صلوات مشتركة مع الهراطقةويقولون على الأرثوذكس أن يشاركوا في الصلوات والمجامع. إنه حضور. وأي حضور هو. يحلّون كل شيء بالمنطق ويبررون الأشياء غير المبررة. [بمحبة وألم، ص. 293] صرنا نقلّد الغرب بدل أن ننيره ويتعلّم منّا.

القديس باييسيوس: لكن ما السبب؟ أليسوا تلاميذك وأنت قد نفخت في تلامذتك روح السلام، روح قوة الرب، روح الثالوث الذي بلا انقسام؟ [من ليتين غروب خدمة القديس يوسف الدمشقي]

القديس يوسف: أنا زرعتُ روح كنيستي الأرثوذكسية. الروح الأرثوذكسية تقضي بأن يتكلّم كل فرد بتواضع وأن يدوّن رأيه دون خوف أو تملّق حفاظاً على علاقته برئيس الأساقفة أو برئيس الدير. أما إذا حصل العكس فإننا نبتعد عن الروح الأرثوذكسية لنكون في الروح البابويةفوق هذا، يتولّى المناصب كهنة أحداث لا يملكون الخبرة المطلوبة فإن الشر المضاعف يقع لأن هؤلاء الأحداث يتحملون مسؤوليات قبل اكتفائهم الروحي واقتنائهم الغنى الروحي [بمحبة وألم، ص. 279] ألا تراهم يسعون وراء المجد البشري معرِضين عن المجد الإلهي الذي ينتظرنا عندما نهرب من المجد البشري[بمحبة وألم، ص. 274]؟

القديس باييسيوس: أحزن لهذا الكلام. فأنت يا رجل النهضة الأول، لقد حملت وحدك صليب أنطاكية في أيامك، وتحمّلت انشقاق أولاد بيعتك عنها، فواجهتَ نشاط المرسَلين الأجانب، وبكيتَ وهنَ وضياعَ وفقرَ وجهلَ رعيتك ورعاة كنيسنك، فصليّت إلى الرب الإله أن يطلق كنيستك من أسرها. [إينوس سحر خدمة القديس يوسف الدمشقي]

القديس يوسف: نعم! لكن تأتي سنوات صعبة يحدث فيها اهتزاز عنيف ونواجه فيها محناً كبيرة. علينا أن نأخذ الأمور على محمل الجد ونعيش روحياً. وخير لنا أن نقوم بهذه الأعمال بفرح ومن تلقاء أنفسنا وليس بحزن وبشكل إلزامي. [بمحبة وألم، ص. 33]

القديس باييسيوس: لكنك يا كاهن العلي يوسف، إنك مع وعظك وعلمك نسخت الكثير من المخطوطات لتعلّم بالحرف المكتوب ما علّمته بوعظك، وتترك لمحبّي الكلمة كلمة الله محفوظة بأمانة [من الأبوستيخن خدمة القديس يوسف الدمشقي]

القديس يوسف: امتلأ العالم من الخطيئة، وهو بحاجة إلى صلاة وليس إلى كتابات كثيرة تكون بمثابة أوراق نقدية معدنية قيمتها مرهونة بضماناتها [بمحبة وألم، ص. 181]

تفكّر القديس باييسيوس قليلاً ثم قال: بارك أيها الأب. أنا منطلق.

القديس يوسف: أشكر زيارتك. وأعايدك أيضاً. إلى أعوام عديدة. لا تنسَ أنطاكية في صلواتك.

وامتشق كل منهما مسبحته وعاد إلى صلاته.

* الناسك المغبوط باييسيوس الآثوسي. إلى الإنسان المعاصر، بمحبة مع ألم. سلسلة ياروندا – 1. ترجمة وإصدار دير الشفيعة الحارة، بدبا، الكورة. 2012 .

** القديس الشهيد يوسف الدمشقي. وضعت الخدمة الأم مريم زكا. ناشر غير محدد. تشرين الأول 1993.

*** ‫‫خدمة أبينا البار باييسيوس ‫الآثوسي‬ ‫. نظمتها راهبات دير القديس يوحنا اللاهوتي السوروتي، عربها الأرشمندريت بندلايمون الحماطوري.

قصة قصيرة: فضيحة، خطايا وقديس

قصة قصيرة: فضيحة، خطايا وقديس

يوحنا بانايوتوبولوس*

في سِيَر النساك، وهو كتاب كتبه بالاديوس أسقف هيلانوبوليس، إلى لافسوس، حاجب الإمبراطور ثيوذوسيوس الثاني قصة من أجمل القصص. إنها تصف حياةَ راهب هجر ديره ومضى للعمل على مرفأ الإسكندرية كحمّال. وكون المكان مرفأ يعني أنه لم تكن تنقصه بائعات الهوى. وكان الراهبيعمل طول النهار وفي المساء يصرف كل ما جناه على شراء رفقة أحدى بائعات الهوى طوال الليل.

لقد كان هذا الراهب عاراً على كل المسيحيين في المدينة وفضيحة للكنيسة كلها. وكانت السنون تمرّ وهو ماضٍ في حياته الفاجرة بالرغم من المناشدات والنصائح. من ثم، على غرار ما يجري لنا جميعاً، أتى الموت وأطلقه، وكأنه دواء لينقذه من خطاياه التي استمر بارتكابها إلى لحظة موته. لكن المسيحيين لم يستطيعوا أن يرفضوا إعطاءه دفناً ﻻئقاً. أتى الكهنة ليدفنوه ويدفنوا الفضيحة معه. انتشر الخبر بأن الراهب القذر العجوزمات. ولكن مَن قد يذهب إلى الكنيسة ليودّعه؟

عند الجناز، امتلأت الكنيسة بنساء من الاسكندرية، محتشمات مسيحيات، وكأنّهم أتين ليودّعن لا إنساناً مات بل قديساً! أحد الموجودين تعرّف إلى وجه إحدى بائعات الهوى التي قد رآها قبل زمان بعيد عند أحواض المرفأ، لكنها لم تكن كما يتذكرها. وغيرها أيضاً عددٌ من النساء الحاضرات هناك أثرنَ ذكرياتٍ مبهمة من الماضي لدى الحضور.

من ثمّ عرفت المدينة أنّ الراهب القذر العجوز كان بالحقيقة قديساً يدفع بالمال الذي يجنيه ثمنَأجساد بنات الهوى لكي يخلّص نفوسهن. عرفت المدينة أن الرجل الذي اعتبروه فضيحة كان الطهارة بحدّ ذاتها، المحبةَ من غير زيغ، إنكارَ الذات، كلمةَ الله، الصلاةَ والتمجيد.

لا يُحكَم على شعب الله خلال حياتهم، بل عند انتهائها، لأننا حتّى عندما نسلك كما يليقعلينا أن نكون على استعداد لأن نشهد وأن نتألّم. في النهاية، مَن هو حجر العَثَرة: الآخر أم نحن؟ ألست أنا مَن يضع قناعاً على الشخص الآخر لكي يتناسب مع ما أريد أن أرى؟ قد يكون ذلك لأني أخشى أن ينكشف قناعي.

في النهاية، كيف نتصرّف مع الفضيحة، مَن سوف يمضي بها، مَن سوف يبقيها مستمرة؟ هذا السؤال مهمٌ بشكل حيوي ﻷن للفضيحة التي تدور حول شخص آخر مهمة محددة. إنها تملأ فراغنا، فراغَ أنانيتنا. من السهل أن ندين وأن ندمّر، لكن من الصعب النطق بكلام حسن والعمل من أجل الخير العام. إننا نتبنى مواقف لأنفسنا تقود إلى مختلف أشكال الإدانة…

نحن نختبر اليوم الفقدان النوعي للمعايير الداخلية لمجتمع لم يعد يتواصل… الحياة الحقيقيةليست ملكنا، بل ملك الآخرين. ومع هذا علينا أن نسعى إلى تحقيق حياتنا الخاصة، وإلا فإن كتابنا وحياتنا يكونان فارغين في يوم الدينونة.

* محاضر في كلية اللاهوت في جامعة أثينا

Source: agiazoni.gr

صلاة الصغيرات

صلاة الصغيرات

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع، دده – الكورة

 إنّهنّ أربع فتيات في عمر الورود، إذ لم تتجاوز أعمارهنّ الثانية عشرة، ومع هذا عرفن السجن والألم كمجرمين كبار يهدّدون أمن البلاد. ففي صباح أحد الأيّام، دخلت المدرّسة الصفّ وهي تزمجر متهدّدة: “من منكم يؤمن بالله؟”. ولمّا لم تجد ردًّا على سؤالها هذا، غضبت جدًّا، وراحت تتوعّد التلاميذ بأنّهم إن لم يجيبوا على سؤالها فسوف تشكوهم إلى مديرة المدرسة لتأخذ في حقّهم العقوبات اللاّزمة.

– هيّا، أجيبوني، أيّها التلاميذ الجهلاء، من منكم يعبد الله؟

– أنا، أيّتها الآنسة.

– أنت، يا أديل؟ أنت؟ كيف تؤمنين بمن لا وجود له.

– نعم، أؤمن بأنّ الله موجود، وأؤمن بأنّ يسوع المسيح هو المخلّص الحقيقيّ.

وقبل أن تجيب المدرّسة وقفت إلى جانب أديل ثلاث فتيات تطفح وجوههنّ بالبراءة  والوداعة، وقلن بصوت تملأه الثقة والإيمان الوطيد: “ونحن، أيضًا، نؤمن بالله، لا بل إنّنا نصلّي مساء كلّ يوم: أؤمن بإله واحد…”. وهنا شرعت الفتيات الصغيرات يتلين دستور الإيمان: أؤمن بإله واحد آب ضابط الكلّ… وكانت المفاجأة غير المتوقَّعة لهذه المعلّمة أن بدأ الصفّ بجملته يتلو أؤمن بإله واحد آب… فوضعت المدرّسة يديها على أذنيها، وهي تصرخ: “كفى، كفى، لا أريد أن أسمع هذا منكم أيّها البؤساء”. ثمّ ما لبثت أن خرجت من الصفّ باتّجاه غرفة المديرة.

وبعد دقائق معدودة، أتت المديرة تصحبها المعلّمة وقد اصفرّ وجهها وشحب. فالتفتت المديرة وقالت بلطف شديد:

– يا أولادي، أنتم تعرفون بأنّ عقوبات فظيعة تنتظر من يعترف بإيمانه بالله، وأنتم أولاد صغار لا تستطيعون تحمّل العذابات. هذا بالإضافة إلى أنّه لا وجود حقيقيّ لهذا الإله الذي تؤمنون به، فحديث جدّاتكم وأمّهاتكم ما هو إلاّ قصص أطفال وأوهام كأيّ قصّة ترويها الأمّ لطفلها قبل أن ينام، أليس كذلك؟

– (لا جواب)

– والآن، يا أديل، أما زلت مصرّة على رأيك مع رفيقاتك؟

–  أجابت الصغيرات بصوت واحد: نعم، نعم.

–  ألا تخشين العذاب؟

– (بثبات): كلا، كلا.

 – سوف أرسل أسماءكنّ إلى السلطات العليا، وسوف يرسلوكنّ إلى السجن.

–  هذا لا يهمّنا.

حارت المديرة أمام ثبات هؤلاء الصغيرات، وخرجت من الصفّ وهي ترتجف، فهي لا تريد أن تسيء إلى هؤلاء الصغار، ولكنّها، في الوقت نفسه، لا تستطيع أن تبقى لا مبالية أمام إعلانهنّ، وإلاّ تنال أفظع العقوبات. وبعد أسبوع عرفت مديرة المدرسة بأنّ الفتيات الصغيرات نُفين وسُجنّ. وبعد أيّام قلائل، تسلّمت المديرةَ ظرفًا مُعَنونًا باسمها، ففضّته، وأخذت تقرأ:

 حضرة المديرة المحترمة

إنّنا نكتب إليك من غرفة سجننا المظلمة والباردة جدًّا، ولكنّ النور الإلهيّ يضيئنا ومحبّة يسوع الصغير تدفئنا. إنّ رائحة الغرفة كريهة جدًّا بسبب القاذورات الكثيرة الموجودة فيها، ولكنّ هذا لا يهمّ، فنقاوة قلوبنا تعوّض لنا عن هذه الأوساخ. إنّنا نركع، مساء كلّ يوم، على الأرض الباردة أمام أسرّتنا المهترئة القديمة، ونرفع أيدينا إلى العلاء ونصلّي:

يا ربّ، بارك نومنا، فلقد أغمض النهار عينيه، وأغمض التعب عيوننا،

جفّت مشاعرنا، وفارقتنا قوّتنا.

نشكرك، يا ربّ، على جميع النِعم التي أعطيتنا إيّاها اليوم. نشكرك على الصحّة والقوّة، وعلى الرجاء الذي زرعته في قلوبنا. نشكرك على هذه المعاناة، والكراهية والإهمال، التي سمحت لنا أن نتذوّقها. إنّنا نحتاج إلى طبيب، وإلى من يعزّينا، إلى أب يحتضننا، لكنّنا نعلم، يا يسوع، أنّك الطبيب والمعزّي والأب العظيم الحنون. يا يسوع، ربّنا، لقد كنت، دائمًا، معنا. إنّنا نشتاق إليك، نشتاق أن نتّحد بك. فيا يسوع، تعال إلينا، شجّعنا على تحمّل العذاب، عزّينا لنتقوّى.

يا يسوع، من وسط عذاب اليأس، ومن شفاه جمّدها البردُ نصرخ إليك،

فاقبل صلواتنا وتضحيتنا، واقبل دموع أهالينا وامسحها لهم بمحبّتك.

اقبل حزننا ذبيحة محبّة لك. وامنحنا شجاعة الشهداء وقوّتهم.

يا يسوع، افتقد الذين هم بعيدًا عنك، الذين يضطهدونك. وبارك، معلّمتنا ومديرتنا اللتين لا تعرفانك، عرّفْهما ذاتك، ليحبّاك ويؤمنا بك. بارك، يا يسوع، من نحبّهم ويكرهوننا، وكلّ من يعاني من أجل الحقّ، فأنت الرجاء الذي لا ينطفئ، والمحبّة التي لا تعرف حدودًا، آمين.

 تلميذاتكِ اللواتي يحببنكِ ويحترمنكِ ويصلّينَ لك في الربّ يسوع

أديل، ليوني، فالا، ليفوتا

 

قصتان ميلاديتان

قصتان ميلاديتان

 دير راهبات القديس يعقوب الفارسي المقطّع

حلـــم العذراء مريم

      مع بداية شهر كانون الأوّل لاحظت ماجدة على طفلتها الصغيرة أنّها كانت دائمة التفكير وكأنّ أمراً خطيراً يشغلها. وذات يوم قصدت ماجدة حجرة ابنتها، وبدأت تلعب معها ثمّ صلّيا معاً، وانتظرت الطفلة أن تسمع من والدتها قصّة المساء. وبابتسامة رقيقة سألت ماجدة ابنتها: بماذا تفكّرين يا حبيبتي في هذه الأيّام؟ فأجابتها الطفلة: لقد اقترب عيد الميلاد، وأريد أن أقدّم مفاجأة لأخي الصغير، ولا أعرف ماذا أشتري له كهديّة العيد. ناقشت الأمّ مع ابنتها موضوع الهديّة، واستقرّا على شراء لعبة يشتاق إليها الأخ. ثمّ روت الأمّ لابنتها القصّة التالية:

    استيقظت القدّيسة والدة الإله مريم من نومها، وبعد أن صلّت وقفت أمام طفلها العجيب تسبّحه. ثمّ نظرت إلى القدّيس يوسف وقالت له: “بالأمس كنت أفكّر في الأحداث العجيبة التي نعيشها، وبعدم استحقاقنا لأن يكون هذا الطفل بين أيدينا. السماء كلّها تسبّحه. الملاك جبرائيل بشّرنا بميلاده، وجوق من الملائكة بشّر الرعاة، والمجوس جاؤوا من أقصى الشرق ليسجدوا له. إنّني في حيرة أمام هذا الطفل العجيب المولود بغير قدرة بشريّة.

    بالأمس رأيت حلماً لم أفهمه. رأيت البشر في دول كثيرة يستعدّون، ولستّة أسابيع متوالية، للاحتفال بعيد ميلاد هذا الابن. لقد زيّنوا بيوتهم وشوارعهم ومتاجرهم بالأنوار والزينات العجيبة والضخمة. وزيّنت كلّ أسرة شجرة اصطناعيّة أو طبيعيّة بالأنوار وبكرات ملوّنة جميلة وبتماثيل الملائكة. اكتظّت الأسواق بالناس ليشتروا لبعضهم البعض هدايا يغلّفونها بأوراق مذهّبة ومفضّضة وملوّنة غاية في الجمال، ثمّ يرسلونها إلى معارفهم وأقاربهم ليضعوها تحت الأشجار يوم عيد ميلاد هذا الطفل. الكلّ منشغل بالهدايا، لكنّهم نسوا المولود نفسه. لم يقدّموا له هديّة، ولم يذكروا حتّى اسمه. وأظنّ أنّهم لا يعرفون عنه شيئاً، بل وبعضهم يسخرون بمن يذكر اسمه. أليس من العجب أن يرتبك كلّ هذا الكمّ من البشر لإقامة عيد ميلاد شخص لا يريدون أن يسمعوا عنه شيئاً؟!!

    وأظنّ أنّه لو زار ابني بيتاً من هذه البيوت لما فتح له أحد الباب، ولاعتبر الزيارة تدخّلاً في أمر لا شأن له به. حقّاً يبدو كلّ شيء جميلاً للغاية وجذّاباً، لكنّ كثيرين يرفضون حضرة من يُقام له الاحتفال بعيد ميلاده. أشكر الله أنّه حلم، وأرجو ألاّ يكون حقيقة”.

    وإذ سمعت الطفلة الصغيرة هذه القصّة قالت لأمّها: آه يا أمّاه، أنا أحزنت قلب يسوع. ماذا أفعل لكي يحضر سيّدي يسوع المسيح الاحتفال بعيد ميلاده؟ أيّة هديّة أقدّمها له؟ صمتت الأمّ قليلاً ثمّ قالت لابنتها:

– قبل أن تفكّري في تقديم هديّة لأخيك، قدّمي ليسوع هديّته.

– كيف؟

– ما تقدّمينه لمسكين أو مريض أو مسجون إنّما تقدّمينه له، كما سبق فقال: “كلّ ما فعلتم بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي قد فعلتموه”. (متى 40:25).

ميلاد جديد

     يحكى أنّ صيّاداً يقال له متّى كان يقيم هو وزوجته وطفلتهما مريم في منزل بعيد وسط الصخور يحيون في دعة وقناعة وسلام.

     فشاع في القرية، ذات يوم، أنّ دبّاً يجول بين الضواحي، فلمّا انتهى الخبر إلى متّى حتّى عزم على صيد الدبّ. فتناول بندقيّته، وخفّ إلى تلك الناحية. فلم يصادفه. فجعل يترصّده مرّة بعد مرّة. ثمّ سلخ أيّاماً يترقّبه في طول النهار ومعظم الليل، فلم يقف منه على أثر. فهمّ بالرجوع، وقد وافت ليلة الميلاد، فإذا الوحش على خطوات منه. ولم يكن دبّاً، بل كان دبّة ومعها ولدها يقفز حولها ويلاعبها، وهو أكثر أكثر ما يبدو براءة وأماناً، وهي من الرقّة والحنوّ على أوفى ما تكون. فصوّب متّى البندقيّة نحو الدبّة، وأطلق النار، وصغيرها يواثبها ويلعب. فأخطأها وأصاب الولد، فأراده قتيلاً. فوجمت أمّه كأنّما أُصيبت في الصميم. ثمّ أكبّت على ولدها تلحس جرحه، وتنضح عليه ماء من ينبوع قريب. ثمّ انقلبت عنه، وعينها إليه، علّه ينهض فيتبعها. إلاّ أنّها اشتمّت ريح الموت، فانكفأت مثقلة الخطى، ولم تبرح موغلة حتّى حجبها الضباب.

      انقضت سنة لم تشاهَد فيها الدبّة هناك. فلمّا دنا الميلاد التالي لمحها بعض القرويّين تجتاز بالضواحي، في ناحية الينبوع. فحذّروا متّى منها. وألحّت عليه زوجته تناشده الكفّ عن الصيد، ولو إلى حين، خوف أن تكون الدبّة قد عادت لكي تثأر لولدها. ومتّى مع ذلك، يأبى إلاّ رصدها.

     ثمّ حلّت ليلة الميلاد. وكان كلّ بيت من بيوت القرية تُهيَّأ فيه شجرة العيد. وكانت التسابيح والأجراس ألحانها تترجّع ما بين الأودية والجبال. بل القرية بأسرها كانت تستعدّ للطفل الإله، ما عدا متّى. فإنّه قد شُغل عنه بالدبّة، وصمّم على قتلها. فانطلق لا ينثني ولا يتراجع. فخرجت ابنته في إثره، فمنعها، فامتثلت، على أن يأتيها بدبّ صغير هديّة للعيد. ثمّ غافلت مريم أمّها، وجرت صوب الينبوع. وكان متّى في غضون ذلك، يرصد الدبّة في مكمن بين صخرتين، فوق منحدر سحيق. فبادت بعد قليل، واتّجهت نحوه. فبينما هو يسدّد إليها السلاح ينتظر أن تقترب أكثر ليرميها، إذا أقبلت مريم من الجهة الأخرى، ترنّم وتلوّح للدبّة بشيء كان في يدها، ثمّ تدنو منها من دون خوف ولا ارتياب. فلبث متّى في مكمنه، وقد تحيّر ماذا يفعل؟ فإن هو نادى مريم فقد يثير الدبّة، فتكون إلى الطفلة أسبق منه. وإن أطلق عليها النار، فقد يصيب ابنته كما أصاب ولد الدبّة. وما هي دقائق حتّى صارت مريم بين يديّ الدبّة، وهذه منتصبة تلاعبها.

     فركع متّى وأخذ يبتهل إلى الله، وقد أغمض عينيه كي لا يبصر ما توقّع من فجيعة. فلمّا فتحهما، بعد هنيهة، رأى أنّ الدبّة تحمل ابنته، فتسير بها غير بعيد، ثمّ تضعها على الطريق، برفق الأمّ وحنوّها، ومريم في غاية الثقة والأمان. ثمّ إنّ الدبّة سلكت عبر الصخور، ولم تبرح موغلة حتّى حجبها الضباب…

     عند ذلك برز الصيّاد، فهرع إلى ابنته، وضمّها إليه يبكي ويشكر. فأخبرته كيف لقيت الدبّة، فلاعبتها. وقالت لأبيها إنّ الدبّة لم يصحبها ولدها، وسألته عنه لعلّه يعرف أين يكون.

    كانت التسابيح والأجراس تتجاوب ألحانها في القرية، ساعة رجع متّى إلى بيته مطرقاً، ومريم على ذراعه، وفي نفسه غصّة وندامة، ومحبّة للخلق لم يشعر بها من قبل. أمّا البندقيّة فلم تكن معه، إذ تركها في ناحية الينبوع، حيث أريق على بياض الثلج دم بريء.

     وكانت القرية كلّها تمجّد الله في العلى وتنشد السلام على الأرض، في ما يتمنّى ههنا من أيّام السماء. ويومئذ وُلد يسوع في قلب متّى.

يا أيّها الإنسان، يا من خُلقت على صورة الله،،،،

لا تدع الحيوان أن يكون أكثر رفقاً منك،،،،

تعلَ وارمِ سلاح الحقد والكراهية والحسد عند مذود الطفل الإلهيّ،،،،

عساه يحوّل قلبك اللحميّ إلى آخر إلهيّ،،،،ّ

قلب مملوء بالعطف والسلام والمحبّة،،،،

 فتغمرك، عندئذ، الخيرات الزمنيّة والروحيّة،،،،

قصتان من الأدب الرهباني

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع – دده، الكورة

 المسامحة

منذ سنوات عدّة التحق الأخ جبرائيل بأحد الأديار، وبدأ حياته الرهبانيّة بجدّيّة وحماس. أخذ هذا الأخ يتقدّم، يومًا بعد يوم، في الفضيلة، فكان الأوّل في الطاعة والوداعة و…

لاحظ رئيس الدير، يومًا، الأخ جبرائيل يمرّ كلّ يوم سبت بعد صلاة الغروب على قلالي إخوته الرهبان يطلب منهم المسامحة قائلاً: “باركوني واغفروا لي” فكان يسمع ردّ الرهبان له: “ليباركْك الله ويغفر لك”، فظنّ، للوهلة الأولى بأنّ الأخ جبرائيل ارتكب ذنبًا ما، وهو يطلب المسامحة عليه.

ولكن، ولمّا تكرّر الأمر لأسابيع وشهور، استدعى الرئيس الراهب المجاهد، وسأله:

– أراك، يا بنيّ، تمرّ على قلالي الرهبان بتواتر تطلب منهم المغفرة، فهل أخطأت إليهم؟ وإن كان قد حصل ذلك، فلماذا لم تعترف لي به؟

– كلا، يا أبي، فأنا، بمعونة الله وصلواتك، حريص جدًّا ألاّ أزعج إخوتي الرهبان بتصرّفاتي أو بأقوالي.

– ولكن، لماذا، إذًا، تقوم بهذا العمل كلّ يوم سبت فقط؟

– سامحني، يا أبي، لقد سبق لي أن قرأت في كتاب روحيّ قديم وجدته صدفة في مكتبة الدير، أنّ كلّ يوم سبت بعد صلاة الغروب تجتمع الملائكة الحارسون أمام عرش الله لتقدّم تقارير عن تصرّفات البشر، فيأتيّ كلّ ملاك حارس، ويسجد أمام العرش الإلهيّ حيث يجلس الربّ يسوع المسيح الديّان، ويبلّغه أعمال الناس. فيفرح الربّ بالأعمال الصالحة ويبارك عامليها، ويحزن للأعمال السيّئة، آملاً أن يتوب مقترفيها، لئلاّ يُحكَم عليهم يوم الدينونة الرهيب مع الأشرار، وتصير الجحيم نصيبهم إن لم يتوبوا.

ولذلك، تراني، يا أبي القدّيس، أسامح الآخرين على أقلّ الهفوات الصادرة منهم، وأطلب، أنا أيضًا، مسامحتهم لي على زلاّتي تجاههم لأفلت من دينونة الله الرهيبة والقضاء الأبديّ.

أحكام الله

حدث، يومًا، أن ابتهل شيخ قدّيس إلى الله لكي يكشف له السرّ التالي: لماذا معظم الصدّيقين والأتقياء فقراء يشقون ويُظلَمون، فيما العديد من الخطأة والظالمين أغنياء يتنعّمون؟ وكيف تُترجم أحكام الله هذه؟

وإذ أراد الله أن يكشف له سؤل قلبه سمع صوتًا يقول له أن “اذهبْ إلى العالم وسوف ترى تدبير الله”.

لم يتباطئ الشيخ في طاعة الصوت الإلهيّ، بل قام، وغادر، للحال قلاّيته باتّجاه العالم. فوجد نفسه يسلك طريقًا واسعًا يعبره الناس بكثرة، وكان هناك مرج فسيح وصنبور ماء عذب. اختبأ الشيخ في جوف إحدى أشجار المرج مترقّبًا منتظرًا.

 وبعد هنيهة مرّ بالمكان رجل غنيّ، فترجّل عن حصانه وجلس ليأكل. ثمّ أخرج كيس نقود يحوي مائة ليرة ذهبيّة وأخذ يعدّها. ولمّا انتهى من عدّها أعادها إلى الكيس على أن يضعه بين طيّات ثيابه حيث كان أوّلاً عندما يفرغ من طعامه. وفي هذه الأثناء سمع صوتًا يناديه، فأسرع بسرعة البرق، وامتطى جواده من جديد وانطلق في طريقه مخلّفًا وراءه ذهبيّاته الثمينة.

لم يمضِ زمن قليل حتّى مرّ بالموضع نفسه عابر سبيل آخر، هذا وجد كيس النقود موضوعًا على الأرض، فالتقطه وحثّ خطاه مبتعدًا.

وبعد ذلك أتى رجل ثالث، وكان فقيرًا متعَبًا ينوء تحت حمل ثقيل يحمله على منكبيه، وهو يسير على قدميه متمهّلاً. فجلس، هو أيضًا، هناك ليرتاح. وفيما هو يخرج خبزة يابسة ليأكلها، جاء الغنيّ ووقع عليه قائلاً بغضب: “أسرع وأعطني النقود التي وجدتَها”. فأجاب الفقير بيمين معظّمة بأنّه لم يجد شيئًا من هذا القبيل. حينئذ ابتدأ الغنيّ يضربه بسِير الحصان الجلديّ. وبضربة على أمّ رأسه أصاب منه مقتلاً، فأرداه صريعًا، ثمّ شرع يفتّش ثياب الفقير وأغراضه كلّها، ولمّا لم يعثر على شيء ذهب والندم يتأكّله.

أمّا الأب الشيخ الذي كان يشاهد كلّ شيء، فأخذ ينتحب مدمّى الفؤاد من جرّاء القتل الجائر، متوسّلاً إلى الربّ: “يا ترى ما هي مشيئتك، يا ربّ، وكيف يحتمل صلاحك هذا الأمر؟!!”. وللحين حضره ملاك خاطبه قائلاً: “لا تحزن، أيّها الشّيخ، لأنّ جلّ ما يحصل إنّما يحصل بحسب مشيئة الله وتدبيره من أجل التأديب والخلاص. اعلم أنّ الذي أضاع المائة الذهبيّة هو جار لذاك الذي وجدها. هذا الأخير هو صاحب بستان يساوي مائة ليرة ذهبيّة، وقد أخذه منه الغنيّ الجشع بخمسين، فقط، وبطريقة غير قانونيّة. وبما أنّ البستانيّ الفقير توسّل إلى الربّ أن يأخذ العدل مجراه، فشاء الله أن ينال مطلبه مضاعَفًا إذ حصل على مائة بدلاً من خمسين.

أمّا ذاك الذي قُتل ظلمًا، فكان ارتكب جريمة قتل هو نفسه في الماضي، فإذ أراد الله أن يخلّصه ويطهّره من خطيئة القتل، بما أنّه كان قد قام  بأعمال حسنة قد أرضت الله، دبّر أن يُقتل هو ظلمًا لتخلص نفسه.

أمّا الجشع الطمّاع الذي سبّب القتل، فقد كان مزمعًا أن ينتهي أمره في الجحيم بسبب محبّته للفضّة. لذا سمح الله أن يقع في خطيئة القتل لكي تتوجّع روحه، فيطلب التوبة والرحمة. وها هو الآن قد ترك العالم وذهب يطرق باب أحد الأديار ليترهّب ويعيش حياة الانسحاق والندم ويبكي على خطاياه.

أمّا أنت، فعُدْ، الآن، إلى قلاّيتك، ولا تكثر من فحص أحكام الله لأنّها بعيدة عن الكشف والتنقيب”.

إنّنا نحن معشر البشر نحاول أن نبحث عن أمور لا تُحدَّد تفوق قدراتنا. فحيث يضع الله نقطة مثلاً، لا نستطيع نحن أن نستبدلها بعلامة استفهام. وكخاتمة فلنسمع القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم يدعونا قائلاً:  “الأحزان تولّد الصبر، ومحبّة الله تعرف مقدار تحمّلنا للأحزان. العناية الإلهيّة لا تُفسَّر واهتمامه بنا لا يُدرَك. إنّ أحكام الله عميقة جدًّا وبعيدة عن الاستقصاء”.

الفيلسوف القلق

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسي المقطّع

لا تهتمّوا للغد،  لأنّ الغد يهتمّ بما لنفسه يكفي اليوم شرّهُ”(متّى 34:6)

اعتاد أحد الفلاسفة أن يُسافر كثيرًا للبحث عن الحكمة والفلسفة. وفي أحد الأيّام، وبعد أن قضى النهار كلّه في المناقشات الفلسفيّة، دخل ليبيت مع تلميذه.

وبعد دخولهم غرفة النوم بدقائق استغرق التلميذ في نوم عميق، وأمّا الفيلسوف، فرغم إرهاقه الشديد لم يستطع أن ينام، وكان ينظر إلى تلميذه فيجده مُستمتعًا بنوم عميق. فاغتاظ جدًّا لعجزه عن النوم، وفي النهاية أيقظ تلميذه وسأله:

– كيف استغرقت بسرعة في نوم عميق، فيما أنا عاجز، تمامًا، عن النوم؟

كان التلميذ يعرف أنّ الفيلسوف لا يهدأ عن التفكير في كلّ شيء وما هي أسبابه ونتائجه، وكيف سيحلّ المشكلة الفلاّنيّة، وكيف سيواجه الفيلسوف الفلانيّ في الموضوع الذي كانا يتحاوران بشأنه، وكيف… وكيف… أيّ إنّه لا يهدأ عن التفكير، ولذا عجز عن النوم، فسأله:

– هل كان الله يدير الكون قبل أن تولد؟

– نعم.

– وهل سيُدبّر الله الكون بعد أن تموت؟

– نعم.

– إذًا، دعه يُدبّر، أيضًا، هذه الليلة.

– ولكنّي لا أستطيع، إذ ماذا…

– فقاطعه التلميذ قائلاً: ماذا وماذا وماذا، وماذا تستطيع أن تفعل إذا متّ في هذه الليلة. دع الله يدبّر أمورك كلّها ونمْ أنت بهدوء، فتفكيرك لا يجدي نفعًا إذا لم يُرد الله أن يبقيك إلى الصباح.

فوافق الفيلسوف، وحينئذ نام بهدوء.

أحبّاءنا، العقل هبة من الله يستخدمها الإنسان فيما يفيده، فيدرك به أعمال الله وعنايته للبشر، وبه، أيضًا، يسعى لراحة الآخرين وإسعادهم. هذا كلّه يحدث إن كان العقل خاضعًا للروح القدس الساكن فيه.

ولكن إن ازداد سُلطان العقل عليك يمكن أن يُقلقك، وبدلاً من أن تستخدمه يستخدمك، فيثير الاضطرابات داخل نفسك. ومع أنّك إنسان محدود، ولكنّك تودّ أن تعرف كلّ شيء بعقلك، وهنا يظهر عجزك وضعفك. أمّا النشاط العقليّ الزائد، فيؤدّي إلى تذمّرك على الله وضيقك من الناس.

ليتك تتّكل على الله في أمورك كلّها، واثقًا من محبّته ورعايته لك، فتعمل ما تستطيعه من دون إهمال أو كسل، وتترك الباقي بإيمان في يده.

إيّــــــاك

إيّاك أن تنظر باحتقار لإنسان يشكو من عاهة جسديّة: نظره ضعيف أو مشلول أو بيد واحدة أو برِجل واحدة… على العكس، يجب أن تقدّم له المعونة كابن صالح للربّ يسوع، ولأنّه هو أحد أعضاء جسد المسيح الذي تشاركه أنت الدمَ والجسدَ الإلهيّين.

               إن صادفت أعمى يعبر الشارع، حاول أن تساعده، إن تعرّض لخطر السيّارات أو لأيّة مساعدة يحتاج إليها.

               كن مثل ربّنا الذي كان يصنع الخير مع الجميع من دون تمييز، وشجّع رفاقك وإخوتك، أيضًا، على عمل الخير لكي تسود المحبّة والسلام، لأنّ إلهنا إله المحبّة والسلام.

               إيّاك أن تفتخر بأنّك صنعت خيرًا، وإلاّ فأجرك ضاع، بل قل الربّ الإله هو الذي شدّدني لأقوم بهذا الخير أي هو الذي يعمل فيّ.

طبيـــب يحيا حياة الصلاة

 

 

طبيب يحيا حياة الصلاة

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

 

الأطبّاء الذين يتعاملون مع جسد الإنسان حين يضعف وتعصف به الأمراض هم أقدر الناس على معرفة حقيقة الإنسان وضعفه وسرعة زواله.

كانت تربطني صلة ببعض الأطبّاء، وكنت أوجّه نظرهم دائمًا، كوني كاهنًا، إلى أمور غاية في الخطورة لكي يتمجّد الله بهم وفيهم. فالأمر الأوّل الذي لا يحتاج إلى برهان هو أنّ الجسد الذي نحيا فيه هو غاية في الضعف، فلا مجال، إذًا، للاتّكال على الذات، أو التباهي بالمعرفة أو الخبرة التي تقود الإنسان إلى هوّة الكبرياء. فرؤية الجسد على حقيقته في المرضى، هو رؤية الإنسان لذاته، وإدراكه مقدار حقارة طبيعتنا وضعفها. هذا هو سبيل الاتّضاع في حياة الطبيب.

وقد قرأت قصّة عن طبيب كان قد فاق في علمه أهل زمانه، فهو من روّاد علاج مرض السرطان، ولكنّه كان يتعامل مع المرضى كإله متعالٍ. يتكلّم عبارات مقتضبة، وكلمات قليلة وكأنّ قلبه قد قُدّ من صخر، فهو بالنسبة للمرضى بلا إحساس وبلا تقدير للآلام.

وقد حدث في حياة هذا الطبيب ما لم يكن في الحسبان، فقد أصيب هو نفسه بمرض السرطان، ثمّ بدأ في سلسلة الآلام والعلاجات أي نفس المشوار الذي كان يرى الناس تمشيه. ولكن بطريقة مختلفة هذه المرّة، إذ أصبح ملموسًا محسوسًا لدرجة كبيرة، ولحسن حظّه فإنّ العلاج أتى بنتيجة إيجابيّة، فشفي من مرضه. وبالحقيقة كان قد شفي من المرض الأخطر وهو الكبرياء، فعاد إلى عمله وإلى مرضاه إنسانًا جديدًا رحيمًا شفوقًا غاية الشفقة، إذ صار المرضى بالنسبة له كجسده الخاصّ.

هكذا كنّا نوجّه نظر الأحبّاء إلى هذه الحقيقة منذ بداية حياتهم المهنيّة. وهكذا نما الكثيرون نموًّا مطرَدًا ليس من جهة ما أصابوا من النجاح والشهرة في المجال الطبّيّ، بل من جهة نموّهم الروحيّ، وانفتاح وعيهم على هذه الحقيقة والعيش بمقتضاها.

ثمّة أمر آخر كنّا ننبّه إليه الأذهان. إنّ قدرات الإنسان محدودة مهما سمت، و”إن لم يبن الربّ البيت فباطلاً يتعب البنّاؤون” على ذلك يتفكّر الإنسان، دائمًا، أنّ الله هو الوحيد الذي يعرف سرّ مرض الإنسان لأنّه صُنع يديه وهو مكوّنه في الأحشاء قبل أن يولد.

فالطبيب الناجح يدرك، دائمًا، أنّ يد الله هي التي تمنح شفاء النفس والجسد معًا. فالمسيح هو طبيب الأرواح والأجساد، فإن سمح الربّ واستخدم آنية ضعيفة، فلكي يتمجّد هو، ولذلك نعطي المجد اللاّئق لله حين ينجح طريقنا ونشكره إن استخدمنا لمجده.

من الأمثلة الحيّة التي شهدت لنعمة المسيح وعمل الروح القدس، طبيب مشهور التصق بالربّ منذ شبابه المبكّر، إذ كان يتردّد على أب روحيّ ليعترف ويسترشد بنصائحه الأبويّة، إلى أن تخرّج من كلّيّة الطبّ، وصار طبيبًا لأبيه الروحيّ الذي راح يشجّعه في السير قُدمًا في طريق الجهاد.

ولقد ذاع صيت فضائله وعلمه وصار من أشهر الأطبّاء، إذ كان طويل الروح دائم البشاشة كثير الصلاة. لم يكن يضع يده ليكتب دواء إلاّ ويرفع قلبه لله في صلاة قصيرة، وكان الناس يظنّون أنّه يعصر فكره ويركّزه لكي يكتب الدواء المناسب، بينما كان هو يطلب نعمة الله ومعونته، ويمجّده من أجل حبّه ورحمته.

وقد أكرم الله هذا الأخ بقلب عجيب في المحبّة وعميق في الاتّضاع، سخيّ في العطاء، فصار عمله مجال خدمة لإخوة المسيح. فقراء كثيرون كانوا يجدون فيه حبّ السيّد الحنون، إذ يعالجهم مجّانًا وهم عاجزون عن الدفع، ويتبرّع بعيّنات الدواء، أو يساهم بجزء من ثمنه.

لقد مارس عمل الخدمة الباذلة آلاف المرّات ومع مختلف الناس وبلا تمييز أو محاباة، فحين كان يعالج أحد المرضى، ويشعر أنّ حالته حرجة، ما كان يترك منزله، بل يكرّس وقته حتّى إلى ساعات طويلة إلى جواره. وإن لزم الأمر ينزل بنفسه مسرعًا في منتصف الليل أو قبل الفجر إلى أقرب صيدليّة يتوفّر فيها الدواء، ويعود بلهفة ليتابع حالة المريض، ويسهر بنفسه عليه دون تكليف من أحد، وغير ناظر إلى أيّ شكر أو مكافأة، أو أجر.

كان تصرّفه عجيبًا في عيون الناس، لم يكن كباقي الأطبّاء الذين يؤدّون واجبًا، بل كانت محبّته لله تدفعه ليعمل الرحمة مع الجميع. فأحبّه الناس حبًّا فائقًا، إذ رأوا فيه صورة نادرة من صور الحبّ المجّانيّ الذي اقتناه من الذي بذل نفسه لأجلنا.