عن بدعة قيد الإعداد في الكنيسة الأرثوذكسية

عن بدعة قيد الإعداد في الكنيسة الأرثوذكسية

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

كلمة بدعةمستمدة من الفعل اليوناني (αίρομαι)، أنا أختار، وهو يدلّ على اختيار وتفضيل جزء معين من التعليم، وتحويله إلى مطلَقٍ على حساب الحقيقة الكاملة كلها. من وجهة نظر الأرثوذكسية، الهرطقة انحراف عن تعليم الكنيسة المثبّت كما صاغه الرسل وآباء الكنيسة، وخاصة في المجامع المحلية والمسكونية. على سبيل المثال، تمّت صياغة التعليم عن اتحاد الطبيعتين في المسيح في المجمع المسكوني الرابع، وطبقاً لها يتمّ اتّحاد الطبيعة الإلهية والبشرية من دون امتزاج أو تشوّش ولا انقسام ولا انفصالفي أقنوم الكلمة. عندما يشدد شخص ما على الطبيعة الإلهية على حساب الطبيعة البشرية، فإنه يقع في بدعة الطبيعة الواحدة. عندما يقوم شخص آخر بالإفراط في التأكيد على الطبيعة الإلهية على حساب الطبيعة البشرية، ولا سيما على حساب اتحاد الطبيعتين، يقع في بدعة النسطورية.

هذا يدل على وجوب أن نقبل عقائد الكنيسة كما وردت في الكتاب المقدس والتقليد المقدس، أي في كتابات الأنبياء والرسل والآباء الذين صاغوها في المجامع المحلية والمسكونية. أما في خلاف ذلك فإن الحقيقة التي كشف عنها الإيمان تخضع للتغيير. ويأتي هذا التغيير في الغالب من خلال التكهنات والأفكار التقوية حول حقائق الكنيسة العقائدية.

1. نوعا الإكليسيولوجيا المزعومان في اللاهوت الأرثوذكسي

يتحدث علماء لاهوت مرحلة ما بعد الآباء عن نوعين من الإكليسيولوجيا، الإكليسيولوجيا الكتابية البدائية (primitive biblical ecclesiology) والإكليسيولوجيا الآبائية اللاحقة، ويقولون إن النوع الثاني من الإكليسيولوجيا والروحانية غيّر النوع البدائي، الذي تمّ التعبير عنه بالمجد الأخروي لملكوت الله“.

أيضاً يتحدث علماء لاهوت ما بعد الآباء، تحت تأثير البروتستانتية، عن اللاهوت الأفلاطوني الحديث الإفاغريوسي (نسبة إلى أفاغريوس البنطي)واللاهوت النسكي المكاريوسي (نسبة إلى مكاريوس المصري)“. وبهذه الطريقة ينقسم اللاهوت الأرثوذكسي.

ووفقاً لهذه النظرية، فإن التعبيرين عن الحياة الهدوئية، أي التصوّف التأمليعند إفاغريوس والمادية الروحيةعند مكاريوس المصري، عِبر القديس غريغوريوس اللاهوتي، القديس غريغوريوس النيصصي، القديس مكسيموس المعترف والقديس سمعان اللاهوتي الحديث في الكنيسة، ويبلغا الذروة عند القديس غريغوريوس بالاماس. إذاً، بحسب علماء اللاهوتي ما بعد الآبائيين، فإن الهدوئية والرهبنة المعاصرة قد تشكلتا من خلال هذين الاتجاهين.

هذه النظرية الجديدة، التي تحاول قلب حياة الكنيسة النسكية التقليدية، تؤكّد أن درجات الحياة الروحية، أي التطهّر والاستنارة والتمجيد، هي تأثير من أوريجنس. وبحسب هذا الرأي، فإن إفاغريوس تأثّر بأوريجنس، وكان لهذا التأثّر مفعول على الآباء اللاحقين (مكاريوس المصري، الكابادوكيين، مكسيموس المعترف، سمعان اللاهوتي الحديث، غريغوريوس بالاماس وغيرهم)، ووصل حتّى إلى القديس نيقوديموس الأثوسي، وبطبيعة الحال، آباء الفيلوكاليا.

تقوّض هذه النظرية التقليد الهدوئي والفيلوكالي وكل تعليم آباء الكنيسة عن تحرير النوس من الخيال والشكل، وتنقية القلب، واستنارة النوس ومعاينة الله، وصلاة النوس في القلب، وما إلى ذلك. وبعبارة أخرى، إنها تنتهك كل متطلبات اللاهوت الأرثوذكسي، والإكليسيولوجيا الأرثوذكسية والإفخاريستيالوجيا. كما سوف يتّضح أدناه، هذه في الواقع بدعة قيد الصنع في الكنيسة الأرثوذكسية.

2. دحض موجز

ينبغي التعامل لاهوتياً مع نظرة الإكليسيولوجيا المزدوجةالمزعومة، وإلا ينشأ ورم خبيث في جسد الكنيسة مع عواقب غير متوقعة. هنا سوف نفنّد هذه النظرية غير الأرثوذكسية بإيجاز، أمّا في القسم التالي فسوف نحلّل المسألة بمزيد من التفصيل.

أولاً وقبل كل شيء، ينبغي التأكيد على أن وجود إكليسيولوجيا مزدوجةو روحانية مزدوجةغير ممكن في الكنيسة. فالكنيسة هي جسد المسيح وما يصنّف بالروحانية هي الحياة في المسيح والروح القدس التي يعيشها المسيحيون من خلال الأسرار المقدسة والتقليد النسكي. ترتبط الإكليسيولوجيا الحقيقية ارتباطاً وثيقاً بتجسّد المسيح والعنصرة. في مطلَق الأحوال، لا تشكّل الهدوئية إكليسيولوجيا معينة. بل هي حياة الإنجيل وحفظ وصايا المسيح، وهي مطلب أساسي للمشاركة في قوة الله غير المخلوقة المطهِّرة المنيرة والمقدِّسة. إن العبادة في الكنيسة والأسرار تقدم هذا التقليد الهدوئي بالكامل. وهذا ما تمّ تثبيته مجمعياً في مجمع 1351، الذي يُعتَبَر المجمع المسكوني التاسع.

نعلم من مجمل تعليم الكنيسة أن تعاليم وخبرة الأنبياء والرسل والآباء متطابقة. لا يختلف الرسل عن الأنبياء، ولا الآباء يختلفون عن الرسل والأنبياء، فهم يشتركون في نفس التجربة والإيمان. الفرق هو أن أنبياء العهد القديم رأوا الكلمة غير المتجسّد، بينما في العهد الجديد وحياة الكنيسة يرون ويشاركون في الكلمة المتجسّد. كل شيء آخر لديهم مشترك. يقول القديس غريغوريوس بالاماس بشكل خاص: “… أي شيء آخر غير الكمال الخلاصي في المعرفة والعقائد يتكوّن من التفكير بنفس الطريقة كالأنبياء والرسل والآباء، ومع كل هؤلاء في الأساس، الذين من خلالهم يشهد الروح القدس عن الله ومخلوقاته“.

ونحن نعلم أيضا من لاهوت الكنيسة أن خبرة المعاينة الإلهية، التي تجري بكلمات لا تُسّر، ليست نفس تسجيل هذه الخبرة الذي يستخدم كلمات ومفاهيم وصوراً مخلوقة. إلى هذا، فإن الاختلاف في المصطلحات بين الأنبياء والرسل والآباء لا يشكل فرقاً في الخبرة. من المؤكد، أن الآباء والمعلمين في القرنين الثالث والرابع استخدموا مصطلحات معينة اعتمدوها من لغة عصرهم، لدحض الهراطقة. مع ذلك، هذا لا يعني أنهم غيّروا مضمون المصطلحات. قال الأب يوحنا رومانيدس: “التعامل مع المعتقدات الكاذبة جعل زيادة المصطلحات ضرورية. للتعامل مع الهراطقة نستخدم إعلانات الإيمان وهذه المفاهيم، كما نحاول أن نضرب قلب الاعتقاد الكاذب“.

لذلك من الغريب أن يًنظَر إلى التعليم عن التطهّر والاستنارة والتمجيد على أنه أوريجيني أو أفلاطوني حديث على اعتبار أن الآباء تبنّوا هذه المصطلحات ككلمات أو كوقائع. فيما هذه المصطلحات موجودة في الكتاب المقدس في مطلق الأحوال. لقد اتُّهِم القديس كيرللس الإسكندري باستخدام عبارات من نسطوريوس. ولذلك كتب في الرسالة التي أدرجت في وقائع المجمع المسكوني الثالث أنه لا ينبغي لنا تجنّب كلّ ما يقوله الهراطقة، إذ أن هناك أيضاً أشياء توافق تعليمنا. قوله الفعلي هو: “لا حاجة للفرار من كل ما يقوله الهراطقة ورفضه، لأنهم يعترفون بأشياء كثيرة نعترف بها أيضاً“. ويذهب إلى الإشارة إلى أمثلة ذات صلة. وهذا يعني أن المهم ليس ما إذا كان المصطلح قد قدّمه أوريجينوس أو إفاغريوس البنطي أو مكاريوس المصري. المهم هو أنه اعتُمِد من القديس باسيليوس الكبير، القديس غريغوريوس اللاهوتي، القديس غريغوريوس النيسسي والآباء اللاحقين، وتمّ تأكيده مجمعياً، على أنه من التقليد الأرثوذكسي. وبالتالي، طريقة التفكير بأنّ تعليم الكنيسة الثابت الذي اختبره آباء الكنيسة هو أوريجيني أو افاغريوسي أو ماكاريوسي أو غيره، ليست طريقة أرثوذكسية.

علاوة على ذلك، هناك فرق كبير بين اللاهوت والفلسفة، ويتجاوز هذا الفرق مجرد استخدام المصطلحات. اللاهوت هو نتيجة إعلان الله إلى الممجَّدين، في حين أن الفلسفة هي نتيجة التكهنات واكتشاف العقل البشري. إن وصف التقليد الهدوئي بأنه أوريجيني أو افاغريوسي أو ماكاريوسي أو حتى أفلاطوني حديث بسبب وجود تشابه خارجي في الكلمات هو تفسير سطحي، لا بلّ هو يعبّر أيضاً عن شيء أعمق، أي بعبارة أخرى هو محاولة لتقويض التقليد الأرثوذكسي الهدوئي.

مدى كون هذه الاستنتاجات سطحية واضح من حقيقة قدرة هؤلاء الناس وبالطريقة نفسها على إلقاء اللوم على آباء الكنيسة لاعتمادهم مصطلحات من الوثنيين والهراطقة (شخص، أقنوم، جوهر، الطاقة وهلم جرا) كما غيرها من العوامل الثقافية الخارجية، كما أن هؤلاء الناس يصفون بالوثنية لاهوت الآباء عن الإله الثالوثي وإكليسيولوجيتهم. لقد ذهب هرناك (Harnack) وغيره من البروتستانت إلى هذا الحد، وليس مستبعداً أن هؤلاء الأرثوذكس الذين يفكرون بشكل سطحي وخارج عن التقليد الأرثوذكسي، لأنها يجهلون محتوى التقليد السماوي والعميق، قد يصلون أيضاً إلى هذه النقطة (وقد وصل البعض بالفعل).

في نهاية المطاف، فإن الرأي القائل بأنه تسود في الكنيسة إكليسيولوجيا مزدوجة بدائية وأكثر حداثة هو ما يسمى لاهوت ما بعد الآباء“. إنها نظرة متأتية من البروتستانت وبعض الأرثوذكسيين الذين يحاولون بهذه الطريقة إنكار تعليم الآباء، وعبادة الكنيسة، والتقليد الهدوئي، وبطبيعة الحال، الرهبنة. ومن المدهش حقاً أن علماء اللاهوت والفلاسفة المذكورين أعلاه يسعون إلى جعل اللاهوت الأرثوذكسي بروتستانتياً عِبر الإشادة بالتفسير البروتستانتي وتقويض التقليد الهدوئي الكنسي الآبائي، من أجل إكليسيولوجيا بدائيةتشير إلى الإفخارستيا الإلهية ومملكة الله، وتعتمد ببساطة على نصوص العهد الجديد.

من الواضح تماماً مما يقوله هؤلاء اللاهوتيون والكتاب الجدد أن محاولة تُبذَل لتقويض كل التقليد النسكي وحياة الكنيسة، بالشكل الذي عبّر عنهما آباؤها العظماء، الكابادوكيون (القديس باسيليوس الكبير، القديس غريغوريوس اللاهوتي، القديس غريغوريوس النيسسي)، القديس ديونيسيوس الأريوباغي، القديس مكسيموس المعترف، القديس يوحنا الدمشقي، القديس سمعان اللاهوتي الحديث، القديس غريغوريوس السيناىي، القديس غريغوريوس بالاماس، وجميع آباء الكنيسة الصحويون والفيلوكاليون. وفي الوقت نفسه، يتم تقويض تعليم كل النساك القديسين الذين عرفناهم في السنوات الأخيرة (يوسف الكهف، أفرام الكاتوناكي، بايسيوس الأثوسي، بورفيريوس الكافسوكاليفي، إفرام الفيلوثي، وغيرهم) الذين يتحدثون عن الحياة النسك والتوبة والصلاة العقلية وعموماً عن طريق الإنسان إلى الله من خلال التطهّر والاستنارة والتمجيد.

وهذا يخلق أيضاً مشكلة خطيرة أخرى تقوّض كامل الإكليسيولوجيا. المقصود أن عقائد الكنيسة يتمّ تفسيرها خارج شروطها الأساسية، التي هي الخبرة التي تجد تعبيراً ملموساً في التطهّر والاستنارة والتمجيد. إلى هذا، إن حياة الكنيسة ألأسرارية أيضاً يتمّ تقويضها عندما تُقطَع المعمودية، والميرون، والمناولة المقدسة، وجميع الأسرار الأخرى عن حياة النسك، كما هي معبر عنها في التطهّر والاستنارة والتمجيد. فنحن نعلم أنه لا يمكن أن تكون الأسرار منفصلة عن التقليد الهدوئي، لأن هذا يشكّل طريقة حياة كالسحر، كما لا يمكن أن يعاش التقليد الهدوئي من دون أسرار الكنيسة، لأن هذا يؤدي إلى الفلسفة الشرقية والمصلينية (Messalianism).

3. تحليلات أوسع

إن الدحض الموجَز أعلاه لهذه البدعة قيد الصنع في الكنيسة الأرثوذكسية يمكننا من المضي قدماً في تقديم تعليقات أوسع نطاقاً وبشكل أساسي لتوسيع هذه الأفكار للتعامل مع هذه الحالة الخطيرة التي يمكن أن تضرّ أعضاء الكنيسة. ومن الواضح أنها خباثة بروتستانتية هرطوقية تسللت إلى بنية بعض أعضاء الكنيسة، ويجب ألا تصبح نمواً خبيثاُ من شأنها أن تهاجم بنية الكنيسة.

لإسقاط كل هذه النظريات أستطيع أن أعود إلى الكتاب المكون من مجلدين الذي نشرته بعنوان العقائد التجريبية، والذي يعرض تعليم اللاهوتي العقائدي الأصيل الموثوق الأب يوحنا رومانيدس. فهو كان على دراية بكل هذه الآراء في أمريكا، من اللاهوت السكولاستيكي والبروتستانتي اللذين درسهما. وهو الذي أوضح لنا أصالة الفكر والحياة الآبائيين. كل هذه الآراء التي طرحها بعض اللاهوتيين المعاصرين يتعامل معها الأب يوحنا رومانيدس بشكل جيد جداً بنصوص محددة. هذا هو سبب تشويههم له كثيراً. ولكن الحقيقة سوف تلمع، لأن الله لن يدع اللعنة تسود داخل مدى الكنيسة الأرثوذكسية المقدسة والمباركة، كما هو واضح من تاريخ هذه الكنيسة. ما هو أصيل سوف يحتمل الوقت والضغوط، في حين أن ما هو كاذب سوف يختفي.

سوف أركّز الآن على بعض النقاط المميزة التي تكشف عن هذا الخباثة البروتستانتية الهرطوقية التي أثرت أيضا على بعض الأرثوذكسيين.

أ) متطلبات النطق باللاهوت بطريقة أرثوذكسية

قد علّمنا الآباء القدّيسون أنه للتعامل مع تعليم ما، يجب التأكيد على متطلبات اللاهوت الأرثوذكسي. السؤال هو: مَن، في نهاية المطاف، هو لاهوتي في الكنيسة، ومن يستطيع النطق باللاهوت؟ جابه القديس غريغوريوس اللاهوتي بخطبه اللاهوتية بدعة الأريوسيين الذين استخدموا الحجج الفلسفية، ولا سيما إفنوميي زمانه الذين شكّلوا المجموعة الهرطوقية السائدة بين بين الأريوسيين. ومن السمات أنه احتاج إلى أن يحدد في بداية خطبه اللاهوتية متطلبات النطق باللاهوت. لقد أشار إلى مَن يستطيع وينبغي أن ينطق باللاهوت. ويشير القديس غريغوريوس اللاهوتي إلى أن أولئك الذين يفخرون ببلاغتهم، الذين يفرحون بالثرثرات البذيئة والباطلةوتناقضات ما يسمى كذباً بالمعرفة“. إنهم أيضاً سفسطائيون، سخيفون ومتلاعبون بالكلمات غريبون“. وعلى ضوء تفكير الأفنوميين الفلسفي يقولإن سرنا الكبير معرّض لخطر أن يصير ابتذالاً“. فهو يسمّي الأفنوميين الذين يتكلّمون فلسفياً عن الله فيما يعيشون خارج تقليد الكنيسةجدليين مولعين بالكلمات.”

لهذا هو يفسّر ما هي المتطلبات الأساسية للاهوت الأرثوذكسي فيقول أن اللاهوت ليس مجرد أي اهتمام، وبالتأكيد لا يأتي من أصل وضيع. النطق باللاهوت ليس مهمة للجميع، بل هي لأولئك الذين اختٌبِروا وتقدّموا في الثايوريا [المعاينة]، وقد تطهّروا بالروح والجسد، أو على الأقل هم في مرحلة التطهّر“. هذا أمر أساسي، لأن من الخطِر أنّ النجس يلامس الطاهر، تماماً كما أن أشعة الشمس خطرة على العيون. لذلك، على مَن ينطق باللاهوت أن يكون أولا قد تطهّر، وإلا فسوف ينتهي هرطوقياً. ولتلبية متطلبات اللاهوت، يجب أن يعبر بالهدوئية. وبعبارة أخرى، يمكننا أن ننطق باللاهوت عندما نكون متحررين من كل حالات التلوّث أو الاضطراب الخارجي، وقدرتنا الآمرة لا تخالطها صور وهمية أو خاطئة، كخلط الكتابة اليدوية الجميلة مع بالخربشة القبيحة، أو عطر الميرون بالقذارة. على الإنسان أن يكون أولاً هادئاً لمعرفة الله. “لأنه من الضروري فعلاً أن يكون هادئاً ليعرف الله“.

يأتي تعليم القديس غريغوريوس اللاهوتي هذا في بداية خطبه اللاهوتية، مظهراً بوضوح أنّ أهمية كبيرة تُعزى إلى متطلبات اللاهوت الأرثوذكسي. إذا تم تغيير هذه الشروط المسبقة، فإن الناس حتماً يُقادون إلى الانحراف عن الحقيقة، ونتيجةً لذلك يقعون في المعتقدات الكاذبة والبدع. وبالتالي، فإن المتطلبات الأساسية للاهوت الأرثوذكسي هي الهدوئية المقدسة، السكون الإلهي، تطهّر القلب من الأهواء، واستنارة النوس. ما يتحدث عنه القديس غريغوريوس اللاهوتي ليس إكليسيولوجيا مختلفة وأكثر حداثة، بل الإكليسيولوجيا الكنسية الصحيحة التي نلتقيها عند الرسل وأنبياء العهد القديم. ليس من المؤكد على الإطلاق أن ما يتمّ التعبير عنه هو التعليم والإكليسيولوجيا الأرثوذكسيين إذا ما أُلغيَت هذه المتطلبات.

في عظته عن الظهور، يتحدّث القديس غريغوريوس اللاهوتي عن التطهّر والاستنارة والتمجيد باعتبارها الشروط المسبقة الأساسية للاهوت الأرثوذكسي لكي يحصّل إنسان ما موهبة الحقيقة الروحية ويخدم الله الحي والحقيقي“. فقط بهذه الطريقة يمكن للمرء أن يتفلسفأو ينطق باللاهوت عن الله. ويتابع إلى تحديد طريقة اللاهوت الأرثوذكسي: “حيث يكون الخوف يكون الحفاظ على الوصايا؛ وحيث يوجد حفظ الوصايا يكون تطهير الجسد من تلك السحابة التي تغطي النفس ولا تسمح لها أن ترى الأشعة الإلهية بوضوح. حيث يوجد التطهّر تكون الاستنارة. والاستنارة هي إشباع رغبة أولئك الذين يتوقون إلى أعظم الأشياء، أو أعظم شيء، أو ما هو أبعد من العظيم“. هذا لا غنى عنه لذلك علينا أن نطهّر أنفسنا أولاً، ومن ثم التكلّم مع من هو الطاهر“. ومن الواضح أن هذا إشارة إلى التطهّر والاستنارة والتمجيد، والتقدم نحو العظيم“: معاينة النور غير المخلوق، المعاينة الإلهية، حين تُكتَسَب معرفة الله الحقيقية.

الهدوئية المقدسة هي الطريقة الأرثوذكسية للحياة كما نلتقيها في الكتاب المقدس وتقليد الكنيسة، وكما عاشها الأنبياء والرسل والقديسون على مرّ القرون. إنها ليست إكليسيولوجيالاحقة أزاحت الإكليسيولوجيا البدائيةوحلّت محلها، ولا هي أن بعض الآباء أثّروا على آباء آخرين أتوا بعدهم. أسأل نفسي: هل أنّ الذين عبّروا عن وجهات النظر هذه يعتبرون آباء الكنيسة كما لو أنهم حمقى وغير ناضجين ليقبلوا ببساطة ومن دون تحقق النظريات التي ينتجها الآخرون نظريات غيّرت تقليد الكنيسة وبالتالي ليكونوا قد ساهموا بسذاجة في الانحراف بعيداً عن اللاهوت الأرثوذكسي؟ أسوأ من ذلك كله، الزعم أن الكنيسة أتت في وقت لاحق إلى المجالس المسكونية بآبائها وأكّدت هذا التغيير! أنا أندهش كيف يدعم هذه الثغرات من يدّعون الأرثوذكسية، الذين يجترّون النظريات التي صاغها البروتستانت. إن وجهة النظر المذكورة أعلاه تهمل تماماً وجود الروح القدس في الكنيسة والتعليم بأن القديسين متألّهون، كما كما يرد تكراراً في نصوص الآباء والمجامع المسكونية.

عندما نتكلم عن طريقة الحياة الهدوئية نعني كامل حياة الإنجيل، والتي تشير إلى الجهاد ضد الشيطان والموت والخطيئة. شفاء الأفكار، تنقية القلب؛ وتفعيل المَلَكة النوسية بحيث يصلي النوس بطهارة لله؛ اقتناء المحبة غير الأنانية؛ والعلاج أجزاء النفس الثلاثة، وهلم جرا. ترتبط هذه الحياة النسكية ارتباطاً وثيقاً بالحياة الأسرارية وتشكّل جوهر طريقة الحياة الإنجيلية والكنسية.

جدير بالذكر أن إفاغريوس البنطي الذي يرى اللاهوتيون الذين يفكرون يروتستانتياً أنه أدخل الانحراف عن الإكليسيولوجيا البدائيةوأنه أثّر بالقديس غريغوريوس بالاماس قد سامه القديس غريغوريوس اللاهوتي وخدم شماساً له أثناء كان بطريركاً على القسطنطينية. على الأكيد أن إفاغريوس تأثّر بأوريجنس في بعض آرائه وتعابيره، لكنه في الأمور اللاهوتية كان متأثّراً بلالآباء الكبادوكيين. في الواقع، إن تعليمه النسكي يحمل بصمات تقليد الصحراء الرهباني كما كان يُعاش في زمانه، بحسب ما يؤكّد الأب جورج فلوروفسكي. في مطلق الأحوال، إن تعليمه عن معرفة الله وصياغته لهذا التعليم قبلهما القديس مكسيموس المعترف والقديس يوحنا السينائي كاتب السلّم، وكل آباء الكنيسة اللاحقين.

بالتأكيد لا يمكن اعتبار لاهوت القديس غريغوريوس اللاهوتي متأثراً بإفاغريوس البنطي، على العكس، العكس صحيح. في الأمور الهدوئية القديس غريغوريوس أثّر بإفاغريوس الذي عبّر عن تقليده الهدوئي بكلماته الخاصة. يجب أن أشير هنا إلى أن اسم القديس غريغوريوس هو اللاهوتي وليس النزينزي كما كان يسمّيه أعداؤه الأريوسيون ويكرره في زماننا البروتستانت وبعض الأرثوذكس المتأثّرون بهم. نحن الأرثوذكسيون علينا أن نناديه بما نادته به الكنيسة: القديس غريغوريوس اللاهوتي بطريرك القسطنطينية.

ما يلي سوف يزيد من توضيح تعليم القديس غريغوريوس اللاهوتي.

ب) خبرة مجد الله وصياغتها بكلمات

الكنيسة هي جسد المسيح، وأعضاء الكنيسة أعضاء في جسده القائم وهم يسلكون أسراريا ونسكياً. لا يوجد نوعان أو أكثر من الإكليسيولوجيا، ولا أي نوع من الإكليسيولوجيا ينشأ من نوع آخر تحت الضغط. هناك إكليسيولوجيا واحدة، كما هو تحدده حياة الكنيسة الأرثوذكسية بكاملها. لم يغير آباء الكنيسة التقليد القديمالذي ورثوه، ولكنهم يعيشون موحدين عضوياً مع جميع القديسينوينتمون ضمن وحدة الأنبياء والرسل والآباء.

الكنيسة نفسها، من خلال الآباء المستنيرين بقوة الروح القدس، تختبر مجد الله وتصوغ خبرتها بكلمات بحسب تحديات كل عصر. وبالتالي فإن نفس الحقيقة التي كُشِفَت محفوظة، ولكن في بعض الأحيان تتغير المصطلحات والكلمات، دون فقدان معناها الروحي.

وهكذا فإن كلمة التألّه (theosis) لا توجد في الكتاب المقدس، ولكن من خلالها يتمّ التعبير عن المعاني التي تنقلها الكلمات الأخرى، مثل الكمال، التمجيد، وغيرها. لا يمكننا أن نجد كلمة هوموسيوس (المشارِك بالجوهر، المشارك بالطبيعة) أو غيرها من المصطلحات المماثلة في الكتاب المقدس. اعتمد الآباء هذه المصطلحات من الفلسفة، لأن الهراطقة في تلك الحقبة كانوا يستخدمونها. وقد أفرغها الآباء من المعنى الذي كان لها، وأعطاها معنى مختلفاً. هل يشكّل هذا، وفقاً لعلماء اللاهوت التحزريين، تغييراً في اللاهوت الأرثوذكسي والإكليسيولوجيا؟

ما فعله الآباء في ما يتعلق بالعقيدة طبّقوه أيضاً على ما يتعلق بمتطلبات العقيدة، وهو الهدوئية المقدسة، وتطهير القلب، والصلاة النوسية الداخلية، والمعاينة الإلهية، وغيرها. وكما أننا لا نستطيع أن نتّهم الآباء بتغيير اللاهوت القديمفي ما يتعلق بعقيدة الثالوث الأقدس لأنهم استخدموا المصطلحات الفلسفية في عصرهم، كذلك لا يمكننا إلقاء اللوم عليهم لاستخدامهم بعض مصطلحات الفلسفة الأفلاطونية الحديثة، أو مجرد قبول المصطلحات التي استخدمها إفاغريوس البنطي ومكاريوس المصري. هذه ليست إكليسيولوجيا مختلفة ومعارضة، بل نفس الإكليسيولوجيا التي صيغت بمصطلحات تنقل بشكل أفضل التجربة التي عاشوها بأنفسهم الآباء المتألِّهون. في الواقع، استخدم آباء الكنيسة مصطلحات مختلفة من اللغة الفلسفية في عصرهم بهدف قلب آراء الفلسفة وآراء الهراطقة، كما سوف نرى في جزء آخر. كلّ مَن لا يستطيع أن يفهم الفرق بين الكلمات غير المخلوقة والكلمات والمفاهيم التي تمّ إنشاؤها، على ما اعتاد الأب يوحنا رومانيدس قوله، لا يمكن أن يفهم الحد الأدنى من اللاهوت الأرثوذكسي. إن خبرة مجد الله ليست هي نفسها صياغتها بكلمات.

عاش الآباء في عصر هيمنت فيه الفلسفة اليونانية وكان من الضروري بالنسبة لهم استخدام المصطلحات عصرهم للتعامل مع المسيحيين الهيلينيين. لو كانوا أحياء اليوم، لكانوا استخدموا مصطلحات عصرنا البشرية، أي لكانوا استخدموا مصطلحات من علم الحياة (الأب جون رومانيدس)، شريطة، بالطبع، أن لا يٌقضى على مصطلحات المجامع المسكونية أو تُقوّض.

وبقدر ما يمكن، فإن المصطلحات التي استخدمها الآباء وثبتتها المجامع المسكونية هي الآن حقيقة مفروغ منها. إنها جزء لا يتجزأ من التقليد. لا أحد قادر، باسم كنسية قديمة مزعومة، أن يقلبها وأن يبطل الأسطورة التي فيها“. إن دراسات الأب يوحنا رومانيدس الأولى على آباء الكنيسة الرسوليين، وأيضاً على كتاب الصلاة في الكنيسة، تكشف أن التقليد الصحوي والنسكي هو الجزء الأكثر أهمية في التقليد الأرثوذكسي. إنه يظهِر الشروط المسبقة الحقيقية للعقائد الأرثوذكسية ومجمل حياة الكنيسة.

إن مفهوم التقليد الصحوي والهدوئي للتطهر والاستنارة والتمجيد موجود في الكتاب المقدس – بعهديه القديم والجديد عندما يفسران مع المسلّمات الأرثوذكسية وليس بطريقة اللاهوت البروتستانتي التفسيرية. لقد قدمت مادة وفيرة حول هذا الموضوع في الكتب التي نشرتها من وقت لآخر. وسأقدّم هنا بعض الأمثلة.

التطويبات هي أول تعليم للمسيح، وهي تظهِر بالضبط ما هي الحياة الروحية، وتحافظ على كل السمات المميزة لتقليد الكنيسة الصحوي الهدوئي. تتحدث التطويبات عن فقر الروح كشرط مسبق لملكوت الله. عن الحزن الإلهي الذي يؤدي إلى التعزية؛ عن الوداعة كشرط مسبق لوراثة الأرض؛ عن الجوع والعطش إلى بِرّ المسيح الذي يجلب الشبع؛ عن الرحمة التي تجتذب رحمة الله؛ عن نقاوة القلب التي بها يعاين الإنسان الله؛ عن صنع السلام، لأنه بهذا يصير الإنسان ابن الله؛ عن الاضطهاد وقبول اللعنة من أجل بر الله، لأن هذا هو السبيل للحصول على الفرح والسعادة، والمكافأة في السماء (متى 5: 1-13).

مَن يدرس هذه التطويبات بعناية، وهي التي تشكّل في الواقع الطريق الكنسية الحقيقية إلى الحياة، يرى أن المسيحيين مدعوون بشدة إلى الحفاظ على وصايا المسيح، ولكن قبل كل شيء يلاحظ أن كل البركات العظيمة، أي معاينة الله، والمشاركة في مملكته، واختبار التبنّي كابنٍ، كلها مشروطة بحياة النسك، الذي هو التواضع، الحزن، الوداعة، نقاوة القلب واحتمال الاضطهاد والاستشهاد لمجد المسيح.

للتقدم من هناك، إذا درس الإنسان حدث تجلي المسيح على جبل ثابور ومشاركة التلاميذ الثلاثة في مجد النور غير المخلوق (متى 16: 28-17: 1-8)، إلى جانب ظهور المسيح القائم وخبرة سر العنصرة، يفهم ما يشكّل الحياة الروحية.

يشير الرسول بطرس في رسالته العامة إلى مجمل هذه الحياة الهدوئية التي على المسيحيين أن يعيشوها: “كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى، بِمَعْرِفَةِ الَّذِي دَعَانَا بِالْمَجْدِ وَالْفَضِيلَةِ، اللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ، لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ.” (2 بطرس 3:1-4).

على الإنسان أن ينأى بنفسه عن العقلية الدنيوية ويبلغ إلى الشركة مع الله. ويتابع الرسول بطرس إلى الإشارة إلى الإيمان المرتبط بالفضيلة والمعرفة وضبط النفس والصبر والقوة واللطف الأخوي والمحبة. من خلال هذه الأمور يصل الإنسان إلى معرفة المسيح. مَن يفتقر إلى هذه الأشياء هو أَعْمَى قَصِيرُ الْبَصَرِ، قَدْ نَسِيَ تَطْهِيرَ خَطَايَاهُ السَّالِفَةِ.” (2 بطرس 5:1-9)

إنه يحثّ المسيحيين على السعي لتحقيق هدفهم: “لِذلِكَ بِالأَكْثَرِ اجْتَهِدُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَاخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْنِ. لأَنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذلِكَ، لَنْ تَزِلُّوا أَبَدًا. لأَنَّهُ هكَذَا يُقَدَّمُ لَكُمْ بِسِعَةٍ دُخُولٌ إِلَى مَلَكُوتِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الأَبَدِيِّ.”(2 بطرس 10:1-11).

في تحديد ما هو ملكوت الله هذا، يشير الرسول بطرس إلى ظهور مجد الله على جبل ثابور. هذا متميز بشكل واضح جداً عن الفلسفة، التي هي خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً“: “لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً، إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ. لأَنَّهُ أَخَذَ مِنَ اللهِ الآبِ كَرَامَةً وَمَجْدًا، إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ صَوْتٌ كَهذَا مِنَ الْمَجْدِ الأَسْنَىهذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي أَنَا سُرِرْتُ بِهِ». وَنَحْنُ سَمِعْنَا هذَا الصَّوْتَ مُقْبِلاً مِنَ السَّمَاءِ، إِذْ كُنَّا مَعَهُ فِي الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ. وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا، كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ“(2 بطرس 16:1-19).

يبيّن هذا النص الرسولي بوضوح دعوة المسيحيين، ماهية ملكوت الله، وكيف يمكن اعتبار إنسان ما جديراً بهذه الثايوريا (المعاينة)، وبطبيعة الحال، أن هذه هي خبرة المجد غير المخلوق المتميّز عن أي نوع من الفلسفة، أفلاطونية أو أفلاطونية حديثة.

التقليد الهدوئي واضح في الإصحاح الأول من رسالة الرسول بطرس الأولى العامّة. كل المسيحيين مُحَضّون على توطيد أذهانهم، وأن يكونوا يقظين، وأن يضعوا رجاءهم بالكامل النِّعْمَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ“. وكأولاد للطاعة، لا ينبغي بهم أن يتكيّفوا مع الرغبات التي كان لهم حين كانوا في الجهل، أي قبل المعمودية، بل أن يسلكوا بحسب دعوة الله القدوس، حتى أنهم أيضاً يتقدّسون في كل سيرتهم (1 بطرس 13:1-17).

وهنا أيضاً اختبار البركات العظيمة مشروط بتركيز العقل واليقظة الروحية والرجاء بالتمتع بالله، أي بعبارة أخرى، المعاينة الإلهية. بهذه الطريقة يصيرون قديسين. القداسة ليست أمراً مفروغاً منه يُعطى ميكانيكيا وسِحرياً، بل هي تفترض مسبقاً عمل الله وتعاون الإنسان.

هذه أمثلة قليلة من العهد الجديد، ولكن هناك وفرة من هذه المقاطع التي تظهِر المنظور الكامل لتطهير القلب، واستنارة النوس والمعاينة الإلهية. وبالتالي لم يكن الآباء بحاجة لتبني هذا التعليم من الأفلاطونية والأفلاطونية الحديثة. يمكن للإنسان أن يجد مادة وفيرة في رسائل بولس الرسول، على شاكلة واحد من النصوص التي كتبتها وعنوانه الهدوئية والمعاينة الإلهية في رسائل بولس الرسول“.

ج) التقليد الصحويالهدوئي والآباء القديسون

نلتقي التقليد الهدوئي في جميع النصوص الآبائية. ليس هناك في الكنيسة أي أبٍ مختَبَر في الحياة الروحية ولا يشير إلى التطهّر والاستنارة والتمجيد. هذه ليست مسألة تأثر بالفلسفة الأفلاطونية والأفلاطونية الحديثة، بل بالتعبير عن خبرتهم الشخصية بعبارات عصرهم. في أي حال، كما ذكرنا أعلاه، في هذا الموضوع سجّل إفاجريوس البنطي التقليد الذي وجده بين رهبان فلسطين، وذلك باستخدام المصطلحات المعاصرة له. لذلك من التجديف النظر إلى الآباء على أنهم غير ناضجين روحياً بحيث أنهم تأثّروا بالفلسفة الأفلاطونية الحديثة. حتى لو كانوا قد تأثروا خارجياً بالعبارات، فإنهم في الواقع صاغوا كامل تقليد الكنيسة الصحوي الهدوئي بالكلمات التي تبنوها.

يشير القديس غريغوريوس اللاهوتي مرات عديدة إلى التطهر والاستنارة والتمجيد. لقد استشهدت سابقاً بعبارات قليلة له تبيِّن أن التطهر والاستنارة والتمجيد هي الطريقة التي لا غنى عنها للاهوت الأرثوذكسي، وبدون هذه الشروط المسبقة، هناك خطر البدعة. وهنا يجب أن أذكر عظته عن الكهنوت، التي فيها يبرر لماذا، عندما طُرِح عليه موضوع الكهنوت، تهرّب منه وانسحب إلى البنطس. فيقول من بين جملة أمور أخرى: “لقد تملّكني شوق شديد إلى بركة الهدوئية والاعتزال، وهي ما كنت أعشق منذ البداية“. ثم يذكر أنه كان يسعى إلى التطهر والاستنارة، لأن مهمة الكهنوت عظيمة، لأن فقط مَن كان طاهراً وسلوكه كالمسيح يمكنه أن يستوعب ذاك الطاهر“. عليه أن يجعل خطابه مشرقاً بنور المعرفة، وكذلك نوسه وسمعته. ومن الخطورة على شخص ما أن يكون لاهوتياً ما لم تتطهّر هذه المَلَكات الثلاث إذا لم يكن نوسه مستنيراً، أو خطابه ضعيفاً، أو سمعته غير نقية فهو غير مقبول“.

الأكثر إثارة للدهشة من كل ذلك هو حقيقة أن خطبة القديس غريغوريوس اللاهوتي هذه، وبصرف النظر عن الإشارة إلى التطهر والاستنارة والمعاينة الإلهية التي هي الخصائص الأساسية ليس فقط للاهوت الأرثوذكسي بل أيضاً للخدمة الكهنوتية، فهو يتحدث مطوّلا عن علاج الإنسان. فهو يصف التطهر والاستنارة ومعرفة الله على أنها شفاء البشر. يريد أن يكونَ الكاهنُ معالِجاً. يتمّ العلاج في الكنيسة من خلال الأسرار والنسك، وكل عمل التجسد الإلهي يهدف إلى شفاء البشرية. وعندما يتحدث عن العلاج، فإنه يحدده في عالم الإنسان الداخلي، أي قلبه. “إن كل العلاج والجهد اللذين نقوم بهما يتعلقّان بالإنسان الخفي للقلب، وحربنا موجهة ضد الخصم والعدو الذي في داخلنا، الذي يستخدمنا كأسلحته ضد أنفسنا، والأكثر إثارة للخوف من كل هذا، أنّه يسلمنا لموت الخطيئة “.

لتعريف الفضيلة، يقدّم القديس غريغوريوس النيسسي النبي موسى كنموذج الإنسان المثالي. في كتابه حياة موسىيتحدث عن التقليد الهدوئي الذي لا غنى عنه لمعرفة الله. انه يكيّف مع حالة البشرية الروحية كلّ ما حدث في العهد القديم أثناء ظهور الله على جبل سيناء. أمر الله موسى بوجوب أن يكون الشعب متطهراً من كل أشكال النجاسة. حتى الحيوانات غير العقلانية يجب أن تُبعد عن الجبل، ووحده موسى يجب أن يصعد. هذا هو تطهير النفس والجسد، وأيضاً هو إزالة الملابس الجلدية، التي هي قابلية الموت والفساد.

بالإشارة إلى ارتقاء الإنسان إلى معاينة الله، كتب القديس غريغوريوس النيسسي: “إن طريقه إلى هذه المعرفة هي الطهارة، ليس فقط طهارة جسده عبر طقوس الرش، ولكن أيضاً ملابسه، التي يتم غسلها من كل الأوساخ بالماء“. التطهير يشير إلى النفس والجسد معاً. “وهذا يعني أن مَن يقارب ثايوريا الأشياء الجليّة يجب أن يكون طاهراً من كل الأوجه، حتى يكون طاهراً وغير ملوّث في النفس والجسد، مغسولاً نظيفاً من النجاسة في كليهما، حتى نظهر أطهاراً أمام الذي يرى ما هو مخفي…” إنه يوضح أن مَن يريد أن يرتقي إلى الثايوريا عليه أولاً تطهير سلوكه من كل ميل حسّي وغير عقلاني وتطهير نوسه من كل رأي تشكّل داخله بأي تحامل، ويجب أن يفصل نفسه عن حس الإدراك الذي يرافقه باستمرار. متى تطهّر من هذا، يستطيع التجرؤ على ارتقاء جبل المعاينة الإلهية، كما فعل موسى.

متابعاً هذا التفسير، يقول: “إنّ مَن تطهّر نوسه واكتسب قلبه سمعاً حاداًيسمع صوت القوة الإلهية التي تأتي من معاينة الكائنات، يدخل إلى خيمة غير مصنوعة بيدين ويكتسب المعرفة الإلهية، الذي يظهره فيما بعد لأولئك الذين دونه عن طريق تشابه المادة، من خلال الخيمة المصنوعة باليد. هذا إشارة واضحة إلى المعاينة الإلهية بكلمات لا توصَف، بعد التطهّر والاستنارة، والتعبير بهذه الكلمات التي يُنطَق بها باستخدام كلمات ومفاهيم وصور مخلوقة.

للقديس مكسيموس المعترف، أبي الكنيسة العظيم الذي لعب دوراً حاسماً في حياة الكنيسة، كلام مهمّ: “المعرفة بدون تجربة هي بالتأكيد لاهوت الشياطين“. هذا يعني أن اللاهوت هو نتيجة استنارة النوس ومعاينة الله، عندما يكشف الله نفسه للمتألّهين، لأولئك الذين عبروا بتطهّر القلب. ونتيجة لذلك، اللاهوت الذي ليس نتيجةً وانعكاساً لخبرة النوس واستنارته وللحياة العملية التي هي التطهر من الأهواء، هو لاهوت الخيال، الذي هو شيطاني بالتأكيد.

من هذا المنظور يفسّر القديس مكسيموس المعترف كتابات القديس ديونيسيوس الأريوباغي ويتحدث عن تدرجات المؤمنين الثلاثة، وفئات المخلَّصين الثلاثة. هذا هو التعليم النسكي عند القديس مكسيموس المعترف الذي نجده في كل كتاباته. إنه يشير إلى الاستيعاب الشخصي للخلاص ويقسمه إلى ثلاثة أجزاء، أي الفلسفة العمليةأو الخبرة؛ الثايوريا الطبيعيةأو الثايوريا؛ واللاهوت الصوفيأو اللاهوت. الفلسفة العملية، التي لها جانب سلبي وآخر إيجابي، تطهّر الإنسان من الأهواء وتزيّنه بالفضائل. الثايوريا الطبيعية تنير النوس بالمعرفة الحقيقية. واللاهوت الصوفي يتوّجه بأعلى تجربة، التي يسمّيها القديس ماكسيموس المعترف الابتهاج الغامر (ecstasy). وهكذا يشير تعليم القديس مكسيموس إلى درجات حياة النسك المسيحي الثلاث: المرحلة العملية، مرحلة الثايوريا، ومرحلة اللاهوت الصوفي. كما أنه يتحدث عن التقسميات الثلاث بين المسيحيين الذين يخلصون. في بعض الأحيان يشير إليهم بالمؤمنين، الفاضلين وأصحاب المعرفة الروحية، وأحياناً بالخدّام، الأجراء والأبناء.

القديس سمعان اللاهوتي الحديث، أب النور غير المخلوق، الذي استنار بخبرة الملكوت السماوي ومعاينة النور غير المخلوق، غالباً ما يشير في أعماله إلى تقدم الإنسان من التطهّر إلى الاستنارة والتمجيد. أحد أعماله الذي يلخّص لاهوته بأكمله عنوانه الفصول العملية واللاهوتية، لأن الخبرة هي تطهير القلب من الأهواء، أما اللاهوت فيشير إلى استنارة النوس ومعاينة النور غير المخلوق.

يقول في مقطع مميز أن الإيمان، ومخافة الله وحفظ الوصايا تجلب المكافآت بما يتناسب مع الطهارة“. “وبقدر ما نحن متطهرون، نرتفع من مخافة الله محبته“. نحن نتحرّك من مخافة الله تدريجياًإلى محبته. من ثم يحبنا المسيح والآب ويتقدمنا الروح القدس ليعدّ مكان سكن“. وهكذا بالوحدة الساكنة في الأقانيم نصبح مسكن الآب والابن والروح القدس“.

في حديث توجّه به القديس سمعان اللاهوتي الحديث لرهبانه عبّر عن فرحته في رؤية التقدم في حياتهم فيما تتقدمون في الإيمان والطهارة وخوف الله والتقوى والتوبة والدموع، التي بها يتطهّر الإنسان الداخلي ويمتلئ بالنور الإلهي، ويصبح بالكامل مقتنى من الروح القدس في نفس تائبة وفكر بسيط. ويصير فرحي بركةً لكم وازدياداً في الحياة المباركة التي لا تفنى في المسيح يسوع ربنا.”

نجم الكنيسة العظيم، القديس غريغوريوس بالاماس أثبت بلاهوته أن التقليد الهدوئي بتمامه هو شرط مسبق للتجربة الروحية لله ومعرفته. وهذا واضح من مقالته في الدفاع عن الهدوئية المقدسة، التي بها دمّر كل حجج السكولاستيكية الغربية، التي كان يرلعام يمثّلها، وأيضاً حجج كل البرلعاميين عبر العصور، الذين يريدون الإطاحة بإكليسيولوجيا آباء الكنيسة وبلاهوت وإكليسيولوجيا المجامع المحلية والمسكونية. ومن المثير للدهش أنه عندما أصبح مطراناً على تسالونيكي، وضع كلّ هذا التقليد الهدوئي المقدس في العظات التي ألقاها على قطيعه. هناك وفرة من المواد حول هذا الموضوع [وهي موجودة في نصوص أخرى ولا حاجة إلى تكرارها هنا]. والشيء الأكثر أهمية هو أن تعليم القديس غريغوريوس بالاماس الهدوئي عن المعاينة الإلهية ثبتته المجامع التي عُقِدَت في وقته، ولا سيّما مجمع 1351، الذي يُعتَبَر المجمع المسكوني التاسع.

من الواضح أن كلّ آباء الكنيسة المذكورين أعلاه، وكثيرين آخرين، يتحدثون عن التطهر والاستنارة والتمجيد، وعن الهدوئية المقدسة كشرط مسبق لا غنى عنه للنطق باللاهوت بطريقة أرثوذكسية. ولذلك فإن آراء لاهوتيي التخمين المتأثرين بالبروتستانتية الذين يزعمون أن الآباء تأثّروا بالنظريات الأفلاطونية الحديثة وغيّروا التقليد الذي سبقهم هو إهانة لهم. لقد كان كل هؤلاء الآباء على بيّنة من كونهم خلفاء الآباء القديسين في طريقتهم بالتفكير كما بطريقة حياتهم.

بالتأكيد، يبدو أن هناك تشابه خارجي في المصطلحات بين الآباء و الأفلاطونيين الحديثين، ولكن هناك فرق أساسي بينهما. إن تعليم الأفلاطونيين والأفلاطونيين الحديثين يشير إلى إله لا يحبّ الإنسان، لأن الحب عنده هو رغبة النفس الخالدة بطبيعتها بالعودة إلى عالم المُثُل غير المتجدد الذي سقطت منه. على النقيض من ذلك، يتحدث الآباء عن محبّة الله للإنسان.

إن نظرية الأفلاطونيين والأفلاطونيين الحديثين تقيم تمايزاً بين النفس الخالدة بطبيعتها والجسد المائت بطبيعته، وهو ما يعني أن النفس كانت تنتمي في السابق إلى عالم المُثُل غير المتجدد، وانحرفت عنه، لذلك تم إرفاقها في الجسد كعقاب. إذ تجد النفس نفسها في الجسد تسعى إلى التحرر والعودة إلى عالم المُثُل. وبالتالي، وفقاً للأفلاطونيين و الأفلاطونيين الحديثين، فإن تطهّر النفس هو في نفيها من الجسد؛ واستنارة النفس هي معرفة نماذج الكائنات أي الأفكار؛ وخلاص النفس هو الابتهاج الغامر وتحررها من الجسد.

لا تحمل هذه النظرة الأفلاطونية الحديثة أي علاقة بتعليم آباء الكنيسة، الذي بحسبه النفس هي خليقة الله وقد خُلِقَت من العدم مباشرة عند خلق الجسد. الجسد ليس سجناً للنفس، بل الله خلقه بطريقة إيجابية. إن الاستنارة هي الصلاة القلب النوسية، بعمل الروح القدس، وهي تتمّ داخل القلب، أي في الجسد. ليس الابتهاج الغامر رحيل النفس من الجسد بل تحررها من العقلية الجسدانية. أمّا التمجيد فليس عودة النفس إلى عالم المُثُل غير المتجدد، بل بالشركة مع الله والمعاينة الإلهية.

في خبرة الأفلاطونيين الحديثين لا يشارك الجسد البشري في رحلة النفس إلى الله. وهناك أيضاً يُشار إلى خبرة النور، لكنه نور يبقى منفصلاً وخارج الإنسان. إن له مكان ولون، وفي نهاية المطاف هو ضوء شيطاني. ومع ذلك، بحسب آباء الكنيسة، الاستنارة والمعاينة الإلهية هما اختبار للنور غير المخلوق. يشترك الإنسان في النور الإلهي ويختلط معه. لا تتحوّل النفس لوحدها بل ومعها الجسد أيضاً.

إذاً، إن خبرة الرواقيين والأفلاطونيين الحديثين ترتبط بالابتهاج الغامر بمعنى رحيل النوس من الزمن والمسافات وتعاقبات الفكر المرتبة“. ومع ذلك، بحسب الآباء، إن هذه الخبرة شيطانية، كما يقول الأب يوحنا رومانيدس. وبعبارة أخرى، يسعى الأفلاطونيون الحديثون إلى التحرر من أوجه قصور الفكر الإنساني، من الأشياء المخلوقة والمتغيّرة، في حين أنه في لاهوت الآباء، يشارك الإنسان بكليّته في خبرة التمجيد.

عندما يتحدث إفاغريوس البنطي عن نوس متحرر من الخيال والصور خلال الصلاة، هذا لا يعني لاهوت الأفلاطونيين والأفلاطونيين الحديثين السلبي. بل هو بشكل أساسي وسيلة لدحض نظرية الأفلاطونيين والأفلاطونيين الحديثين حول ما يسمى عالم المُثُل وعودة النفس إليه، ومعرفة نماذج الكائنات. الروح البشرية ليست نسخة من الأفكار. وعندما يتحدث القديس مكاريوس المصري عن عودة النوس إلى قلب الإنسان من تشتته في عالم الحواس وهذا ما طوّره القديس غريغوريوس بالاماس لاهوتياًإنما يقول ذلك لدحض نظريات الأفلاطونيين والأفلاطونيين الحديثين حول أن الجسد الميت بطبيعته هو سجن للنفس الخالدة بطبيعتها. یرید القديس مكاريوس أن یظھر أن الجسد هو خليقة إیجابية من االله وهو يتألّه مع النفس وسوف يُقام في المجيء الثاني للمسيح.

وعليه، من غير العادل وغير العلمي وغير التقليدي أن يساوى التعليم عن النوس المتحرر من الصور والخيال وعودة النوس إلى القلب بنظريات الأفلاطونيين والأفلاطونيين الحديثين، لأن تعليم الآباء يضحد هذه الآراء. من الواضح أن الآباء ومعلمي الكنيسة استخدموا هذا النوع من المصطلحات بهدف التعامل بفعالية مع آراء الهراطقة.

يقول القديس غريغوريوس بالاماس، في شرح تقليد الكنيسة الصحوي الهدوئي ومواجهة عقلية برلعام السكولاستيكية، أن الحكمة والفلسفة البشريتين هما عكس المعرفة الروحية. في الواقع، إنه يعلن أنّ كل البدع نشأت من الحكمة والمعرفة البشريتين، أي الحكمة الدهرية. “إذا تفحّصت المشكلة، فسوف ترى أنّ كلّ البدع المؤذية أو أكثرها تستمد مبادئها من هذا المصدر“. لقد استخدم الهراطقة مبادئ الفلسفة، في حين أن الآباء نطقوا باللاهوت من اختبارهم لله. وقد مكّنتهم نعمة الله غير المخلوقة وعاينوا الله، لا الأشياء المخلوقة والأوهام الشيطانية.

من المؤكد أن الآباء استخدموا مصطلحات عصرهم للتعبير عن خبراتهم، ولكنهم أعطوا معنى وأهمية مختلفين. لهذا السبب يكتب القديس غريغوريوس بالاماس: “إذا نطق أحد الآباء بشيء مطابق لما يقوله مَن هم خارجاً، فالمسألة مجرّد كلمات؛ في ما يتعلق بالمعاني هناك فرق كبير، لأن للآباء فكر المسيح، في حين أن الذين في الخارج، يتكلمون من الفكر البشري“. ويذكر كلمات النبي إشعياء (55: 9) “لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ، هكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ“.

هذا المقطع يبيّن أنه عندما نرى الآباء يستخدمون نفس المصطلحات كالفلاسفة، لا ينبغي أن نفترض أنهم يقولون نفس الأشياء. فقط الكلمات المنطوقة مشتركة في ما بينهم، في حين أن المعنى مختلف جداً. هذا أمر طبيعي، لأن للآباء فكر المسيح، في حين أن الآخرين يتكلّمون، في أحسن الأحوال، من فكرهم البشري، وفي أسوأ الأحوال (“ما لم يكن هناك أسوأ“)، من الطاقة الإبليسية الشيطانية.

كلام القديس غريغوريوس بالاماس هذا يوجّه ضربة لأولئك الذين يؤكدون أن الآباء قد غيّروا الإكليسيولوجيا البدائيةوأنهم يعبّرون عن التقليد الأفلاطوني الحديث. كل من ينشر مثل هذه النظريات يدلّ على أنه لا يعرف تعليم الآباء، بل معرفته سطحية خارجية، أو أنه يسيء فهمهم عن إدراك بطريقة بروتستانتية. في هذه الحالة إنه لا يشوّه الآباء وحسب بل أيضاً كل الكنيسة التي تبنّت تعليمهم مجمعياً في عبادتها.

هنا ينبغي إضافة كلام هام آخر للقديس غريغوريوس بالاماس. بالإشارة إلى أنواع الإلحاد الثلاثة، يضمّن القديس في إحدى هذه الفئات اللاهوتيين الذين ينكرون تعليم آباء الكنيسة القديسين أو يقللون من تقديره، فيكتب: “إن عدم الشك في الآباء المتوشحين بالله هو تقوى صحيحة“. ويشير إلى تعليم القديس ديونيسيوس الأريوباغي، الذي يدعوه عظيماً، كما تعاليم القديس أثناسيوس الكبير، القديس باسيليوس الكبير والقديس غريغوريوس اللاهوتي ويقول معلّقاً: “إن التعاليم اللاهوتية للقديسين المذكورين آنفاً هي تعريف وقانون لتقوى الله الحقيقية، وكل واحد منهم يكمّل، كما هو، السور والجدار اللذين يحميان التقوى ملتفّين حولها. لأنه إذا أزال أحد ما واحدة من هذه التعاليم اللاهوتية، فإن حشداً كبيراً من الضلال الهرطوقي سوف يفيض من هناك.”

يتحدث هذا المقطع عن التقوى الحقيقية وتوقير الله، وهو ما يتفق تمامًا مع تعاليم الآباء القديسين، الذين تعليمهم اللاهوتي هو تعريف للإخلاص الحقيقي، وقاعدة وحاجز للحماية. إلى هذا، يقول أنه عندما يرمي أحدهم تعليماً آبائياً واحداً، يحلّ حشد الضلال الهرطوقي“… وبالتالي، فإن التشكيك في تعليم القديس ديونيسيوس الأريوباغي والقديسين الأكثر حداثة يشكّل قلة احترام وانحرافاً عن التقليد الأرثوذكسي، وينتهي بالإلحاد، لأنه إنكار لإله آبائنا.

ه) التقليد الصحوي – الهدوئي والمجامع المسكونية

لقد اعتُمِد التقليد االهدوئي بقرارات المجامع المحلية والمسكونية وهو لاهوت كنسي موهوب. العقائد هي سجل اختبار الوحي، وترتبط القوانين بتعزيز وحدة الكنيسة، كما أنها تظهِر أيضاً متطلبات اختبار الوحي، ولا سيما تلك القوانين التي تعالج تنظيم توبة المسيحيين. يظهر كامل لاهوت المجامع المحلية والمسكونية في المجمع المسكوني الخامس السادس، وخاصة في كلمة الافتتاحوالقانونين 1 و 102.

كان للقديس غريغوريوس بالاماس دور قيادي في مجامع الهدوئية في القرن الرابع عشر (1341، 1347، 1351، 1368)، حيث حمل لاهوته الهدوئي كجوهر لاهوت جميع الآباء القديسين الأرثوذكسيين. هذه المجامع ثبّتت الهدوئية كشرط مسبق للقداسة والتألّه، كما صاغت عقائد عن لاهوت المشاركة في قوة الله المؤلِّهة غير المخلوقة. عندما يدرس المرء هذه المجامع، وخاصة مجمع 1351 الذي قبل قرارات المجمعين السابقين (1341، 1347) وهو يستوفي جميع متطلبات وصفه بالمجمع المسكوني التاسع، يدرك أن تقليد الكنيسة الصحوي الهدوئي العظيمة هو الحياة الإنجيلية والكنسية الأصيلة.

مَن يقرأ بعناية محاضر وقرارات مجمع 1351 يميّز بوضوح أن له كل صفات المجمع المسكوني، بما فيها واقع اعتنائه بمعالجة قضية عقائدية خطيرة، كتكملة لمجمعين المسكونيين الرابع والسادس؛ وأن الأباطرة وقعوا المحاضر وأن آباء المجمع أنفسهم يطلقون عليه اسم مجمع مقدّس إلهي“. لهذه الأسباب تمّ وصفه بالفعل على أنه المجمع المسكوني التاسع. إن محاضر هذا المجمع تجعل النقاط التالية واضحة بشكل خاص:

أولاً، تم تضمين محاضر مجمعي 1341 و 1347 وبهذا اكتسبا السلطة المسكونية. يرد في محاضر مجمع 1351: “… وبعد النظر في ما سبق ذكره ودراسته بطريقة دقيقة ومناسبة، وبعد تأكيد محاضر المجامع السابقة على أنه غاية في التقوى، أو بالأحرى على ضوء هذه المحاضر…” وبالتالي، فإن تُعتَبَر جميع هذه المجامع مجمعاً واحداً، وبطبيعة الحال، أدانت هذه المجالس وجهات نظر برلعام ومن بعده أكيندينوس وغريغوراس البرلعاميين.

ثانياً، يعتبر المجمع نفسه استمراراً للمجامع المسكونية السابقة، ولا سيما المجمع المسكوني السادس، الذي أعلن أن للمسيح إرادتين: إرادة إلهية وإرادة إنسانية. وهكذا، فقد ذكر المحضر المجمعي: “وقد ثبت هذا أيضاً إذ قد أعلنه القديسون بوضوح، برئاسة المجمع المسكوني المقدس، كما تمّ بالفعل إثباته بشكل كافٍ من خلال الإعلانات الخاصة التي تمّ إيرادها“. في الواقع، برلعام وومَن يشاركه عقليته، الذين يتحدثون عن قوة الله المخلوقة، يُوصَفون بأنهم أسوأ من أصحاب الإرادة الواحدة: “وهنا يظهر بوضوح أن هؤلاء أسوأ بكثير من أولئك [أي أتباع المشيئة الواحدة]”،أسوأ وأكثر فظاعة، لأن أصحاب المشيئة الواحدة أكدوا أن هناك في المسيح إرادة واحدة وقوة واحدة ولكنهم اعتبروا أن هذه القوة غير مخلوقة، في حين أن البرلعاميين يعتبرون أن في المسيح إرادة واحدة وقوة واحدة، ولكن من الواضح أنهم يقبلون أن هذه القوة مخلوقة“.

ثالثاً، تسجل المحاضر آراء برلعام وأكيندينوس وغريغوراس الهرطوقية والتي تتعلّق بالقوة غير المخلوقة ومشاركة القديسين المتألّهين في القوة غير المخلوقة. والشيء المهم هو أن مجمع 1351 أكّد أيضاً قرارات المجامع السابقة التي تشير أيضاً إلى الهدوئية المقدسة، وهي شرط مسبق لا غنى عنه لرؤية قوة الله غير المخلوقة. وهذا يعني أن هذه القرارات لا تشير إلى طبيعة النور غير المخلوق وحسب، ولكن أيضاً إلى الهدوئية المقدسة، الشرط الأساسي لرؤية النور غير المخلوق.

في المحاضر أن بارلام هاجم بشدة الآباء القديسين، الذين تطهرت قلوبهم بوصايا اللهوالذين يتلقّون إضاءات إلهية سرياً وبشكل لا يوصَف. كما هاجم بعنف الرهبان الذين يعيشون في الهدوئية“. لقد شوّه برلعام وأدان كتابةً العديد من عادات الهدوئيةوحتى انه هاجم صلاة الهدوئيين المعتادة، وصلاة جميع المسيحيين، وصلاة أيها الرب يسوع المسيح، ابن الله، ارحمني“.

يشير المجمع إلى العلاقة بين الهدوئية والصلاة ومعاينة النور غير المخلوق، الذي هو ملكوت الله نفسه. هناك مقطع مميز: “الهدوئية هي أمّ الصلاة. الصلاة هي ظهور المجد الإلهي. عندما نغلق حواسنا ونبدأ بالحوار مع أنفسنا ومع الله، ونحرر أنفسنا من تشوش العالم الخارجي، ندخل في أنفسنا، فسوف نرى بوضوح في أنفسنا ملكوت الله. «لأن ملكوت السماوات، الذي هو ملكوت الله، في داخلنا»، كما أعلن يسوع إلهنا“. ومن الواضح إذن أن معاينة ملكوت الله والخبرة الأخروية التي تبدأ في هذه الحياة ترتبط ارتباطاً لا انفصال له بالهدوئية. فالهدوئية ليست شيئاً دخيلاً على حياة الكنيسة في وقت لاحق، تحت تأثير الأفلاطونية الحديثة، وتخطى كما يُزعَم إكليسيولوجيا الكنيسة الأولى، التي كانت تقوم على الإفخارستيا الإلهية والشعور بملكوت الله. فالهدوئية على عكس ذلك هي الشرط المسبق لمعاينة النور غير المخلوق، كما أكّد مجمع 1351 الإلهي المقدس“.

لقد اعتمد برلعام على الفلسفة بشكل كبير بدلاً من اتباع تعليم الأنبياء والرسل والآباء. فاعتبر أن نور الألوهية الذي أضاء على جبل ثابور لم يكن غير مقتَرَب منه ولا هو حقاً نور الألوهية، ولا كان أكثر قداسة من نور الملائكة، بل هو دون فهمنا الخاص وأدنى منه“. وبعبارة أخرى، اعتبر برلعام أنّ كل المفاهيم والحقائق العقلية تفوق هذا النور نبلاً“.

رابعاً، توثّق المحاضر كل هذا اللاهوت في نصوص الكتاب المقدس العهدين القديم والجديد وفي تعليم آباء الكنيسة القديسين، كالقديس أثناسيوس الكبير، القديس باسيليوس الكبير، القديس غريغوريوس اللاهوتي، القديس غريغوريوس النيسسي، القديس يوحنا الذهبي الفم، القديس ذياذوخوس فوتيكي، القديس ديونيسيوس الأريوباغي، القديس مكسيموس المعترف، القديس يوحنا الدمشقي، القديس أندراوس الكريتي وآخرين غيرهم. تشير الاقتباسات من الرسل والآباء القديسين إلى الهدوئية المقدسة، والصلاة النوسية في القلب، واليقظة النوس الروحية، طهارة القلب، والصلة بين الهدوئية المقدسة وأسرار الكنيسة، معاينة النور غير المخلوق، والمشاركة في ملكوت الله. وبهذه الطريقة يثبت بشكل لا جدال فيه أن الاختبار الأخروي الوحيد لملكوت الله هو المشاركة من خلال الهدوئية المقدسة في مجد الله غير المخلوق، الذي هو معاينة النور غير المخلوق.

خامساً، أكد مجمع 1351 أحكام القطع العادلة التي أعلنتها المجامع السابقة ضد برلعام وأكينذينوس، لأنهما لم يتوبا. أولئك الذين يشابهانهما بالفكر وبكل بساطة كل الذين انتموا إلى فصيلهمعوقبوا كمروزين ومرفوضين من كنيسة المسيح الجامعة الرسولية، إلا إذا غيّروا اعتقاداتهم. كما فرضت حكم الفصل وجرّدت الكهنة من كل الوظائف الكهنوتية، إذا تشاركوا عن علم مع هؤلاء الهراطقة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن كلّ مَن يشالهدوئيين والقديس غريغوريوس بالاماس في المستقبل هو مدان. وفيما يتعلق بالموضوع الذي يهمنا، فإن قرارات مجمع 1351 تثبّت الإدانة السابقة.

ولكن إذا وجد في أي وقت شخص آخر يفكّر أو يقول أو يكتب نفس الأشياء ضد أسقف ثيسالونيكي الأكثر المقدسة [يرد في قرارات مجمع 1347:” الكاهن الراهب الأكثر جدارة غريغوريوس بالاماس والرهبان معه“] أو بالأحرى، ضد اللاهوتيين القدّيسين وهذه الكنيسة، فنحن نصوّت بنفس الأشياء ضده ونضعه تحت نفس الإدانة [التجريد من الكهنوت والحرم]، سواء كان كاهناً أو علمانيا ًعادياً“.

واضح من هذا المقطع أنّ الكنيسة اعتمدت مجمعياً كامل تعليم القديس غريغوريوس بالاماس والهدوئيين عن قوة الله غير المخلوقة والنور على ثابور، ولكن أيضا حول الهدوئية المقدسة. إذن، هذا ليس تعليم القديس غريغوريوس بالاماس بل تعليم الأنبياء والرسل والآباء، والكنيسة نفسها. ليس فقط في ذلك الحين بل أيضاً في المستقبل (“في أي وقت“) أي شخص يفكر أو يتكلم أو يكتب ضد هذه الأشياء، أي شخص ينكر الهدوئية المقدسة، المعاينة الإلهية وقوة الله غير المخلوقة، سواء كان واحداً من الكهنة أو العلمانيين، هو عرضة لنفس الطرد والحرم تماماً كما جرى لمعادي الهدوئية المعاصرين للقديس غريغوريوس بالاماس.

تظهِر هذه المحاضر بوضوح مطلَق أن الذين يدّعون أن آباء الكنيسة من القرن الثالث فصاعدا تأثروا بإكليسيولوجياأفلاطونية حديثةويزعمون أنّ إفاغريوس البنطي ومكاريوس المصري اكتشفاها وقدّماها، وكلاهما أثّر في وقت لاحق في الآباء اللاحقين، بشكل أدّى إلى رفض إكليسيولوجيا الإفخارستيا وملكوت الله البدائية والتغاضي عنها، هم في الواقع يعبّرون عن البدعة المُدانة من عند برلعام وأكيندينوس وغريغوراس. هم بالتأكيد برلعاميون، وهذا له عواقب وخيمة.

و) تقليد الفيلوكاليا

بعد المجامع الهدوئية في القرن الرابع عشر، فإن التقليد الهدوئي كله، والذي كانت الكنيسة قد تبنّته مجمعياً وأكّدت على أنه كطريقة حياة إنجيلي حقيقي، كنسي وآبائي، بحاجة إلى تدوين. وهكذا بدأ تجميع النصوص المختلفة وأخيرا تم تصنيف فيلوكاليا للقديسين الصحويين. هذا لم يغفل الأسرار، ولكنه سجّل المتطلّبات الكنسية الحقيقية للاشتراك بالنعمة من خلالها.

لقد جمع افيلوكاليا ونشرها القديس مكاريوس نوتاراس أسقف كورنثوس والقديس نيقوديموس الأثوسي. وتظهِر المقدمة التي كتبها القديس نيقوديموس الأثوسي، قيمة الفيلوكاليا الكبيرة إذ تحتوي على نصوص تبيّن للناس الوسيلة لاكتشاف نعمة المعمودية المقدسة والميرون. هذه النعمة موجودة في قلب المسيحيين المعمّدين، ولكن الأهواء تخفيها في الكثيرين منهم.

من الواضح أن فيلوكاليا القديسين الصحويين تحوي طريقة الإيمان الأرثوذكسي، وهي الهدوئية المقدسة. وترتبط هذه الطريقة ارتباطاً وثيقاً بأسرار الكنيسة المعمودية، الميرون، المناولة الإلهية المقدسةوتظهِر للناس طريق الوصول إلى التألّه. ويترتب على ذلك أن الأسرار والهدوئية ترتبطان ارتباطاً وثيقاً معاً. لذلك فإن مَن يقلّل من قيمة الفيلوكاليا، ويتحدث عنها بشكل مهين هو في الواقع يقوض كامل تعليم الكنيسة عن النسك، والذي تم تأكيده مجمعياً.

ز) اللاهوت الصحوي، أسرار الكنيسة وعبادتها

دخل التقليد الهدوئي كله إلى صلوات أسرار الكنيسة، خدمها المقدسة وعبادتها. ومن المعروف أن الكنيسة وضعت كل لاهوتها حول الأسرار في الصلوات التي تُتلى فيها. هذه الصلوات تظهر بوضوح هدف الأسرار وما هي الشروط المسبقة هي لاختبار هذا الهدف. والهدف من ذلك هو التقديس، والتألّه ومعاينة النور، والشروط المسبقة هي التوبة والتقليد الكنيسة الهدوئي بمجمله.

مَن يقرأ خدمة الصلاة على الموعوظيفهم الهدف من تعليم الموعوظين: “أبعِدْ منه كل روح شرير نجس مخفي ومعشش في قلبه“. “انزعْ عنه العتاقة، وجدده للحياة الأبدية، واملأه من قوة روحك القدوس للاتحاد بمسيحك“.

هذا يشير إلى خروج الشيطان بنعمة الله من أعماق قلب الإنسان المُقبِل على المعمودية، ومن كيانه المملوء بقوة الروح القدس، حتى يتّحد بالمسيح ويصير عضواً في جسده القائم.

تشير صلاة المعمودية إلى نداء المسيح العظيم وتذكّر بتعليم الرسول بولس: “امنح المعتمد فيه [الماء] أن يستحيل بخلعه الإنسان العتيق المنفسد بشهوات الخديعة وبلبسه الإنسان الجديد المتجدّد على صورة خالقه“. إن صلاة مباركة الماء الذي فيه سيعتمد الموعوظ لكي يصير مسيحياً تحتوي الكلمات الهامة التالية للمتقدم إلى المعمودية: “وإذا حفظ موهبة روحك القدوس وأنمى وديعة النعمة نال جائزة الدعوة العلوية وانضمّ إلى عدد الأبكار المكتوبين في السماء“. في صلاة تغسيل المعمود يقول: “أيها الرب… سرَّ مرتضياً أن تظلّ استنارة وجهك مشرقة في قلبه على الدوام“. هذه وغيرها من الطلبات إلى الله تتطلّب الجهاد مدى الحياة في التقليد الهدوئي الصحوي. من خلال المعمودية المقدسة، الله الثالوث يعطينا التنقية المباركة، ومن خلال المسح بالميرون المحيي يمنحنا ختم موهبة الروح القدس المسجود له والقادر على كل شىء“.

يوجد مقطع مميز جداً من خدمة اقتبال الأرثوذكسي الجاحد المرتدّ إلى الإيمان الأرثوذكسي: “فأَنِر ذهنه بقوة وفعل الروح القدس، حتى أن شرارة المعمودية الخلاصية الباقية في نفسه تلتهب عقلياَ بنسمات النعمة، والختم المرسوم فيه يتّضح بالأكثر في قلبه وفي أفكاره، بعلامة صليب مسيحك، للرجاء بك ولمعرفة الحق، لكي يعرفك ويسجد لك أنت وحدك الله الآب وابنك الوحيد، ربنا يسوع المسيح وروحك القدوس“.

يقرأ البطريرك المسكوني صلاة تعبيرية جداً لتقديس الميرون المقدس الذي به يتم سر المسحة: “أرسل روحك القدوس وقدّس هذا الميرون. اجعله زيتاً للابتهاج بالروح القدس، ميرون التجديد، ميرون التقديس، والمسحة الملكية، ترس البر، لضحد كل القوى الشيطانية، ختماً سلامياً ، سعادةً للقلب وفرحاً أبدياً. أمّا الممسوحون فاجعلهم لامعين كمثل كوكب السماء، من دون بقعة أو عيب، وليُستَقبَلوا في أماكن الراحة الأبدية، ويحصلوا على مكافأة الدعوة العلوية“.

إن سر المسحة، الذي يقام بالميرون المقدس، مرتبط بتجدد البشر. إنه رداء ملكي، منع لكل القوى الشيطانية، وختم لا يمكن تعويضه وسعادة للقلب. إنه ينير نفس الإنسان ويعطيه مكافأة من الدعوة العلوية. إن صلاة تكريس الهيكل المقدس هي أيضا مهمّة. عندما يصلي الأسقف إلى الله لتدشين مبنى الكنيسة، في الوقت نفسه يلتمس الله تجديد البشر في مكان قلبهم: “وأن ترسل روحك الكلي قدسه علينا وعلى ميراثك وحسبما يقول داود النبي روحاً مستقيماً جدد في قلوبنا وبروح رئاسي اعضدنا.”

وفي صلاة تجديد بناء كنيسة حتّى يصير فيها المؤمنون مشاركين بالروح القدس وحتى تقدّم التقدمات النوسية في أعماق قلوبهم من خلال تطهير نوسهم: “… احفظها (الكنيسة) إلى آخر الزمان وجددها بروحك القدوس، حتّآ أننا فيها نقدّم لك القرابين غير الدموية ونصير مشاركين بالروح القدس ونتجدد في دواخلنا ونتقوّى في ملكة عقولنا، وامنحنا أن نقدّم لك سرياً أيها الإله الرب، القرابين العقلية من خلال تطهير النوس“. هذه إشارة واضحة إلى الكهنوت الروحي، إلى طقس حلول النوس في القلب عن طريق تطهير القلب الذي هو جوهر اللاهوت الصحوي.

عند قراءة صلوات الاشتراك في جسد المسيح ودمه، الموجودة ضمن صلوات القداس الإلهي، كما في صلاة الاستعداد للمناولة، يجد كل الممارسة الهدوئية كشرط مسبَق للمناولة. إحدى الصلوات النموذجية: “أيها السيد المحب البشر، إيّاك نودع حياتنا كلّها ورجاءنا، ونطلب ونتضرّع ونسأل أن تؤهّلنا لأن نتناول بضمائر نقيّة أسرارك السماوية المرهوبة، أسرار هذه المائدة المقدّسة الروحيّة، لصفح الخطايا، وغفران الزلاّت، وشركة الروح القدس، وميراث ملكوت السماوات، والدالة لديك، لا لمحاكمة ولا لإدانة.” نقاوة الضمير ليست أمراً يتمّ في تلك اللحظة. إنه يفترض مسبقاً الجهاد للتطهّر وهذا أساسي للمناولة المقدسة، حتى لا يكون لمحاكمة أو لإدانة” بل لشركة الروح القدس، وميراث ملكوت السماوات“.

صلاة القديس سمعان اللاهوتي الحديث قبل المناولة هي صلاة نموذجية. التواضع والجهد النسكي يأتيان أولاً ومن ثم يُسعى إلى غفران الخطايا، حتّى يجلب جسد المسيح ودمه التألّه والتقديس: “انظر إلى ذلّي. أنظر إلى تعبي، ما أكثره. واغفر لي خطاياي جميعها، يا إله الكلّ. لكي أتناول بقلب طاهر وذهن مرتعد ونفس منسحقة أسرارك الكليّة النقاوة، التي بها يحيا ويتألّه كلّ مَن يأكلك ويشربك بقلب نقي“.

إن هذه الصلاة بأكملها تعبّر عن التوبة والدموع والنفس المنسحقة، لكن في الوقت نفسه يتطلّه المصلّي نحو محبة الله للبشر. إنه يطلب رحمة الله لأنه يعرف أن المناولة المقدسة تعمل بحسب حالة المتلقّي الروحية، أي بتعبير آخر، إنّها تطهّر وتنير وتقدّس. “لكنّك تطهّر وتضيء بزيت شفقتك التائبين بحرارة، وتجعلهم شركاء النور، وتقيمهم شركاء ألوهيتك بسخاء. والأمر المستغرَب عند الملائكة وأذهان البشر أنك تخاطبهم مرّات كثيرة كأحبّاء لك أخصّاء“.

نحن نرى كل هذا التعليم النسكي في عبادة الكنيسة. في قراءة الطروبريات التي ترتّل يومياً في الخدم في الكنيسة، نجد وفرة من المواد عن تطهّر القلب واستنارة النوس والتألّه. سوف أورد مثالاً مميزاً من قانون العنصرة الذي هم من عمل القديس يوحنا الدمشقي، لاهوتي القرن الثامن العظيم: “إن الألكن اللسان لما انحجب في الغمام الإلهي كرز الشريعة المدوّنة من الله لأنّه نفض الحمأة عن حدقة العقل، فعاين الموجود وحاز معرفة الروح ناشداً تسابيح إلهية“.

يظهر في هذه الطروبارية كل لاهوت كنيستنا الممتاز. موسى، وكل معايني الله من آباء الكنيسة، اعتُبر مستحقاً لأن تغطيه العتمة الإلهية وأن يعاين ذاك الذي هو، ملاك الرأي العظيم، الكلمة المتجسّد، الذي هو اللاهوتي الحقيقي، متى طرح عن عيني نوسه كلّ نجاسة من الأهواء وكل فكر أرضي“. متّبعاً هذه الخبرة والثايوريا، يتأسس في معرفة الروح التي هي سر مكتوم عن غالبية الناس. من ثم يعلن بفصاحة الناموس الذي وضعه الله، مع أنه بطبيعته بطيء اللسان، ويمجّد الله بترانيم موحى بها. هذا يصير لكل قديس يحمل الله. اللاهوت الأرثوذكسي، الصلوات والخدمة الرعائية تأتي جميعاً ضمن هذا المنظور.

كل المادة التي في السنكسار، أي سيَر القديسين والنساك والشهداء وكل القديسين بشكل عام، تظهِر أن القديسين اتّبعوا طريقة الحياة النسكية والهدوئية من خلال التوبة والإيمان ونقاوة القلب واستنارة النوس ومحبة الله وقبِلوا الشهادة كنتيجة للثايوريا.

إن صلوات الكنيسة اليومية تخطّ هذا الطريق من التطهّر إلى الاستنارة فالتمجيد، الذي هو العلاج الوحيد للكائنات البشرية. من المذهل أن الكنيسة تريد أن يحيا المؤمنون بالسهر الروحي ليس أثناء يقظتهم وحسب بل أيضاً اثناء نومهم. في صلاة النوم الصغرى يسأل المؤمنون الله أن يرسل نعمته ليوقف جماح الأهواء ويمنحهم عقلاً ساهراً وفكراً طاهراً وقلباً مستيقظاً ونوماً خفيفاً معتقاً من كل تخيّل شيطاني“. هذا يعني أن الكنيسة تريد أن يكون المؤمنون ساهرين، أن يكون لهم قلباً طاهراً وساهراً، حتى خلال النوم. على المسيحيين أن يعيشوا التقليد الهدوئي حتى أثناء راحة أجسادهم. فكم بالحري ينبغي أن يكون ذلك خلال النهار.

ز) تفسير الأب يوحنا رومانيدس

إن نظرة اللاهوتيين والفلاسفة الجدد، التي أُشير إليها في بداية هذه المقالة، حول الإكليسيولوجيا المزدوجة المزعومة، التقليد الأولو اللاحق، يقوض كلّ تقليد الكنيسة كما هو مُعبَّر عنه في الكتاب المقدس، وتعليم الآباء، وعبادة الكنيسة وقرارات المجامع المسكونية. أساساً، يشير هذا التقليد إلى التطهر والاستنارة والتألّه واختبارقوة الله المطهّرة والمنيرة والممجدة. إن النظرة المغرورة هذه هي خطر يريد تدمير هيئة الكنيسة الروحية وتغيير كامل اللاهوت الأرثوذكسي.

إن السؤال الذي يُطرح هو كيف وصلت هذه الجرثومة والتلوّث الروحيين إلى الكنيسة الأرثوذكسية.

الجواب هو أن العديد من اللاهوتيين أو المفكّرين الذين كانوا طلاباً في الكليات البروتستانتية وكان معلموهم بروتستانتيين، وكانوا يجلّونهم، أو الذين درسوا التحليلات البروتستانتية، من دون معرفة كافية لتقليد الكنيسة الأرثوذكسية الصحوي، جلبوا من دون تمييز هذه الآراء بشكل عشوائي إلى بيئة اللاهوت الأرثوذكسي والكنيسة الأرثوذكسية. ونتيجة لذلك، تأثر أفراد كائن الكنيسة الحي. الأب يوحنا رومانيدس، الذي التقى هذه العقلية في الكليات البروتستانتية في أمريكا، قدّم الملاحظة التالية: “ويرى البعض أن التعليم عن الكمال بحسب آباء الكنيسة المقدسة هو من أصل وثني، وأن آباء الكنيسة تأثروا بهذه الفوارق بين التطهر والاستنارة واللتمجيد، لأن هناك أوجه تشابه في الأفلاطونية الحديثة أيضاً، حيث يوجد هذا التقسيم بين مراحل الكمال بوضوح. وبسبب التشابه، تبنّى شعبنا هذه النظرة التي تأتي أساساً من دراسات قام بها بروتستانتيون.

بعد رفض الرهبنة واعتماد قدرية كالفن أو تعليم لوثر عن خلاص الإنسان بالإيمان وحده، واجه البروتستانت شكلاً من أشكال الرهبنة في التقليد الذي واجهوه (الفرانكو لاتيني)، الذي كان قائماً على الاستحقاقات. بعد اكتشافهم أن التعليم عن الاستحقاقات خاطئ، أدانوه ومعه البتولية والرهبنة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن لوثر بشكل أساسي، وكالفن أيضاً، أثارا ردة فعل ضد مراحل الكمال. لاحقاً، درس المؤرخون البروتستانتيون هذه المسألة، وكانوا سعداء جداً لإيجاد التشابه المدهش بين التعليم الآبائي وتعليم المشركين فأكّدوا أن أصل التعليم عن مراحل الكمال وثني.”

لأن شعبنا متشوقون للذهاب والدراسة في الجامعات الأجنبية أنا لا أقول أنه لا ينبغي أن يذهبوا ويدرسوا، ولكن أقلّه فليمارسوا تقييمهم، لأنهم يذهبون إلى الجامعات الأجنبية من دون تمحيصفأنتم ترون الآن كتابات اللاهوتيين الأرثوذكسيين ممتلئة بهذه الفكرة، أنتم ترونها في كل مكان، بأن الكنيسة قد تأثرت بالوثنيين، ولا سيما فيما يتعلق بمراحل الكمال“.

هذا التفسير محفّز ومعبّر وغير قابل للإصلاح.

4. الخلاصة

أشرنا إليها في بداية هذه المقالة إلى الطريقة الهرطوقية بالتفكير، عن النوعين المزعومين للإكليسيولوجيا حيث النسخة الأخيرة تنقلب على البدائية، أو على الأقل أنهما تتواجدان متوازيتين جنباً إلى جنب. بتقديري، هذه الطريقة الهرطوقية بالتفكير تتطوّر بشكل بغيض ولكن علمياًداخل كنيستنا. للأسف عدد قليل من الناس يتنبذهون لهذا المرض الروحي. الغالبية مشغولة بمسائل سطحية، مثل الحريات الإنسانية الفردية وحقوق الإنسان الفردية، أو العقلية بعض رجال الدين والعلمانيين المسكونية، وهي أمور بالطبع خطيرة أيضاً في طريقهم. ومع ذلك، إنهم يتجاهلون هذا التخريب للاهوت الأرثوذكسي، الذي سببه التفسيرات الخاطئة، المهينة والافترائية بحق آباء الكنيسة.

ومن الواضح تماماً أن هذه الهرطقة التي يجري تصنيعها تخفي الإنسانوية البروتستانتية الغريبة عن التقليد الأرثوذكسي. يوجد محاولة لتفكيك التقليد الأرثوذكسي كله كما تمّت صياغته في الكتاب المقدس، وعبّر عنه آباء الكنيسة العظام، وتبّتته المجامع المسكونية، وودوِّن في كتب الصلوات وفي عبادة الكنيسة. إن الذين يؤيدون هذه النظريات لم يفهموا شيئاً عن جوهر اللاهوت الأرثوذكسي.

إلى هذا، إنّ الذين يعلّمون نظريات ما يسمى ب الإكليسيولوجيا والروحانية المزدوجتينعاجزون عن فهم التعليم الآبائي الأساسي بأنّ خبرة التألّه التي لا تصفها الكلمات، بحسب الرسول بولس، ليست هي نفسها كالتعبير عن هذه الخبرة الموحى بها بكلمات ومفاهيم مخلوقة، بحسب ما اعتاد الأب يوحنا رومانيدس قوله، لأن الآباء القديسين يعتمدون، عند الضرورة، مصطلحات العصر للتعبير عن خبرة التألّه المعلَنة. هذا ما ذكره القديس مكسيموس المعترف: “إن نوساً نقياً يرى الأشياء بشكل صحيح. الكلام الذي يمارسه يظهِر ما يعاينه“.

إن تقليد الكنيسة، كما هو مبين في سينودكون الأرثوذكسية، يعلن بوضوح: “كما رأى الأنبياء، كما كان يدرس الرسل، كما تلقت الكنيسة، كما المعلمين المنصوص عليها في العقائد، كما أن العالم كله كما اتضح من الحقيقة، لأن الخطأ قد نفي، لأن الحكمة تجعل جريئة أن تعلن، كما قرر المسيح، لذلك نعتقد، لذلك نحن نتكلم، لذلك نحن نبشر المسيح إلهنا الحقيقي وهذا هو إيمان الرسل، وهذا هو إيمان الآباء، وهذا هو إيمان الأرثوذكسي، وهذا الإيمان قد أقامت العالم كله “.

The tradition of the Church, as it was set out in the Synodikon of Orthodoxy, clearly proclaims: “As the Prophets saw, as the Apostles taught, as the Church has received, as the teachers set out in dogmas, as the whole world has agreed, as grace has shone forth, as the truth has demonstrated, as error has been banished, as wisdom makes bold to declare, as Christ has decided, so we think, so we speak, so we preach Christ our true God… This is the faith of the Apostles, this is the faith of the Fathers, this is the faith of the Orthodox, this faith has established the whole world.”

ويوضح هذا النص أن خبرة وتعليم الأنبياء والرسل والآباء متطابقة، لذا لا يوجد مجال لـِإكليسيولوجيا مزدوجة، أو نوعين من الإكليسيولوجيا المزعوم أنها تتعارض مع بعضها البعض، وإلا فإن الواحدة تحطّ من قدر الأخرى، أو حتى أن الاثنتين تتحرّكان بموازاة بعضهما. هذه النظريات يعبر عنها البروتستانت أو الدوائر البروتستانتية، وهي تقوّض الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية نفسها.

في الواقع يوجد إكليسيولوجيا واحدة، هي تلك التي عاشها الأنبياء والرسل وآباء الكنيسة. الكنيسة هي جسد المسيح القائم والصاعد. المسيح الممجّد هو مركز الكنيسة، كما عاينه التلاميذ على جبل ثابور، واكتسبوا الشركة معه في العنصرة بقوة الروح القدس. هذا هو مفتاح الحياة الكنسية. لكن المشاركة في هذ الجسد والبقاء فيها تتحقق من خلال الأسرار والنسك. الشرط المسبق لاختبار نعمة الله من خلال الأسرار هو الهدوئية المقدسة، وبعبارة أخرى، التطهر والاستنارة والتمجيد.

من دون هذه الدمج بين أسرار والنسك تنشأ مشكلة كنسية كبيرة. وهذا يعني أن المشاركة في الكنيسة دون قيد أو شرط بمجرّد المشاركة بالقداس الإلهي والزعم بوعي ملكوت الله من دون مراحل المشاركة في جسد المسيحهو وثنية إفخارستية وإكليسيولوجية” (الأب يوحنا رومانيدس)، إذ يُنظَر إلى الاشتراك في الأسرار على أنه أمر عقائدي، وقبل كل شيء ممارسة سحرية. نظرة كهذه تحبّذ الفاتيكان والبروتستانتية، ويتم الترويج لها بعقلية مسكونية. لذلك هي بدعة كبيرة يتمّ صنعها في الكنيسة، وهي تهدف إلى تجاهل التعليم النبوي، الرسولي والآبائي الحقيقي، وبعبارة أخرى، اللاهوت الكنسي. وهذه البدعة تُسمّى ما بعد الآبائية (post-patristic) “.

يتّضح مما سبق أن الذين لم يفهموا حتى الآن ما هو اللاهوت ما بعد الآبائيوما يمثله حتى الآن يمكنهم أن يدركوا الآن على ضوء المكتوب هنا جوهر لاهوت ما بعد الآباءالمستورَد. إنّ الذين ينتجون هذه النظريات في الواقع يعتبرون أن آباء الكنيسة المتوشحين بالله منذ القرن الثالث وصاعدا كانوا مضللين بالتقاليد الأفلاطونية الحديثة، والآن ظهر هؤلاء اللاهوتيون الأكثر حداثة، الذين فهموا خطأ هؤلاء الآباء العظماء ويريدون بطريقة بروتستانتية، أن يعيدوا الكنيسة إلى فترة ما قبل القرن الثالث.

إن أولئك المهجوسين بمثل هذه الآراء يظهرون أنهم في الواقع منزعجون من الهدوئية، ومن كل شيء له علاقة بها، بالتطهر والاستنارة والتمجيد، وأنهم يريدون أن ترفض هذه الإكليسيولوجيا، حتى يتحزّروا عن الله والأمور الإلهية. ولكن، إذا رفض أحد شروط اللاهوت الأرثوذكسي المسبقة، أي الهدوئية المقدسة، فإن الطريق تصير مفتوحة وواسعة أما لاهوت الكاثوليك والبروتستانت المدرسي والأخلاقي للوصول إلى الكنيسة الأرثوذكسية.. في الواقع هذا هو العلمانية في الكنيسة واللاهوت، أو بالأحرى، علمنة اللاهوتيين الأرثوذكس.

نيسان 2011

العلم في مدى الأرثوذكسية

العلم في مدى الأرثوذكسية

ديمتريوس غريغوروبولوس

هناك انطباع يبلغ عند البعض حدّ الاقتناع بأن الدين والعلم يتعارضان، بقدر ما يُعتَقَد أن الدين أدان مرات عديدة البحث العلمي. مهما كان هذا صحيحاً، فهو لا يتعلّق بأي طريقة بالأرثوذكسية أو حياة الكنسية الأرثوذكسية، وهذا لسببين:

بحب الكنيسة الأرثوذكسية، المسيحية ليست فلسفة ولا إيديولوجية ولا مجرّد قانون كنسي. هذا يعني، أنها ليست دينًا (religion) بالمعنى اللاتيني للكلمة (مصدرها ريليغار Religare” أي الخضوع للقواعد والقوانين). ففي اللغة اليونانية، الإيمان هو ثريسكياالتي تعني ببساطة الصعود”.

تمارس الأرثوذكسية في حياتها الكنسية الحقائق أو الوقائع التي أُعلنَت عن المسيح. يتّخذ القديس سمعان اللاهوتي الحديث موقفاً مميزاً حيث يرفع خبرة الحياة المسيحية فوق الكلمة المكتوبة من الكتاب المقدس. وفيما يتعلق بالأرثوذكسية، فإن الشعور الديني الناشئ عن عالمنا هو الدافع الأقوى والألطف للبحث العلمي. البحث هو النتائج أو الاستنتاجات التي تخدم الإنسان وتوجهه نحو الحقيقة؛ لأن الحقيقة تُكشَف جزئياً وتعتمد على كيف وأين نبحث عنها. عالم الفيزياء الشهير، روبرت ماير، الذي غالباً ما يُشار إليه باسم نيوتنفي القرن التاسع عشر، ذَكَر بكل وضوح أنّ الحقيقة بحد ذاتها وذاتها أبدية وما هو أبدي لا يمكن تعريفه أو إثباته“. بالنسبة إلى الأرثوذكسية، فإن الحقيقة هي المسيح وتحديداً المسيح المصلوب كمخلص للانسانية، وهي حقيقة يرى القديس بولس أن الأمم يعتبرونها جهالة والعبرانيين خزياً. أصبح الله الإنسان ليرفع الإنسان إلى حالة الإله، ولكن ليس الله.

أما بالنسبة للأرثوذكسية فلا يوجد نزاع بين الأرثوذكسية والعلوم. على العكس من ذلك، يتم التعبير عن موقف الأرثوذكسية في المسائل المتعلقة بالعلم والتكنولوجيا، على كل المستويات في الحياة الأرثوذكسية. كتاب صلاة الكنيسة الأرثوذكسية (إفخولوجيون) مليء بالإشارات إلى إنجازات الإنسان في المجالات العلمية والتكنولوجية. عيد العنصرة المقدسة هو للعالم يوم التنوير والحكمة، وفيه يُشاد بيسوع المسيح كسيّد جميع الحرف (بانتيشنيمون) أي الذي يلهم الإنجازات العلمية ويحمي ببركاته العمل العلمي.

يترتّب على هذا الموقف نتيجة لاهوتية يعبّر عنها اللاهوتي الروسي العظيم جورج فلوروفسكي بأن البشرية والكون هما فيض محبة الله. بحسب الفيلسوف الفرنسي سيمون ويل مهما كانت سرعة الإنسان في الابتعاد عن المسيح نحو ما يعتقد أنه الحقيقة – هو في الواقع يتحرّك مباشرة الى المسيح“. في اطار الارثوذكسية، العمل العلمي مبارك بقدر ما يسبر العلم عمق المجهول بهدف مساعدة البشرية على فهم الكون وكذلك مكان الإنسان فيه.

وفي ضوء ذلك، يقول العالم الألماني يوهان مادلر: “من المؤكد أن العالِم الحقيقي الذي يبحث من خلال أدوات شعوره الديني الكونية يمكن أن يرى أن للعالم روح منحه إياها الله، وفيما يسير نحو وجهته النهائية، يكون مدعوماً بمحبة الله الكونية. يمكن أن يقال الكثير لإسناد المعنى والأهمية التي تعطيها الكنيسة الأرثوذكسية للعلم الذي هو هبة من الله بحسب الموقف الأرثوذكسي. من المفيد الإشارة إلى العبارة المكتوبة فوق باب مدرسة أثوس من القرن الثامن عشر، وهي تعود للفيزيائي اليوناني والذي كان لاهوتياً أرثوذكسياً ورجل آداب، آفيانيوس فولغاريس: “مَن يرغب في دراسة الهندسة (geometry) يمكن أن يدخل؛ ولن يواجه أي عقبة. أمّا مَن لا يرغب فسيجد الأبواب مغلقة“.

لا يجد فولغاريس أي صراع بين اللاهوت والعلوم. لا بل على العكس يجد انسجاماً بينهما، ويبحث عن عن تقييم دوريها وأهميتهما. وإلى ذلك، لا يسمح لأولئك الذين باسم العلم، يحاولون فرض أبعاد أخرى على دور العلم واللاهوت. في مقدمة كتابه لاهوتيات Theologikon” يقول من بين أمور أخرى: “هل المنطق والمذاهب الفلسفية يهملون اللاهوت؟ بالطبع لا، لأن كل هذه تخدم اللاهوتي، وكما ثبت، فإن الإيمان المسيحي لا يسقط منطقاً، ولا رأياً، ولا اقتراحاً ولا حظراً، لأن اللاهوت يمكن أن يستشهد بأمثلة من الكتاب المقدس، كما من آباء الكنيسة الأرثوذكسية، مظهراً الخطأ في النظريات الفلسفية والمذاهب المختلفة. بالإضافة إلى ذلك، يقبل اللاهوت تصريحات كل شعوب العالم ويأخذ القيّم من العلم والفلسفة. هذا يخدم هدف تزيين أخلاق المؤمنين (دون قبول العقائد الغريبة) بنفس الطريقة التي أمر بها الله اليهود زيين هيكلهم بالقطع الأثرية المصرية“.

معاصر آخر لفولغاريس، نيكيفوروس ثيوتوكيس، أسقف في روسيا وعالم فيزياء ورياضيات، يتحدث بثقة عالِم طبيعي في كتابه الشهير كيرياكودروميون، حيث يحاول تفسير أناجيل ورسائل الآحاد. يستخدم هذا الرجل معرفته بالفيزياء ليرفع نفسه ومن ثم رعيته إلى مدى غير المدرَك”. إنه هو الرجل الذي أدخل العلوم الطبيعية في اليونان ودرّس عن الله مستخدماً تقنية الاستقراء (induction) العلمية.

عند هذه النقطة يمكننا أن نتذكر ألبرت أينشتاين. لقد فصل أدوار العلم واللاهوت، وكذلك معنى كل منهما، بالقول أن العلم بدون دين أعرج، ولكن الدين بدون العلم أعمى“. على الأكيد أن أينشتاين يشير إلى الدين وليس إلى اللاهوت الأرثوذكسي.

ويمكننا أن نقدم العديد من الأمثلة على مواقف مثل مواقف فولغاريس وثيوتوكيس من تصريحات أدلى بها آباء الكنيسة وعلماء اللاهوت الروس مثل بولغاكوف وباردييف وفلوروفسكي ولوسكي وغيرهم. يجب ألا ننسى أنه حتى خلال الفترة البيزنطية كانت هناك أهمية كبيرة للعلم والحرف والرسائل. بالنسبة للعديد من الباحثين، إنجاز الفترة البيزنطية كان مزيجاً من العنصر اليوناني والمسيحي القديم الذي هو أساس الحضارة العالمية اليوم.

حتى في العالم غير الأرثوذكسي اعتمد العديد من العلماء العظماء مواقف الكنيسة الأرثوذكسية، حتى من دون أن يكونوا على بينة من ذلك. للدلالة، يمكننا تقديم والد علم النبات كارك ليناوس الذي يكتب في مقدمة كتابه نظام الطبيعة“: “إن هدف الخلق هو معرفة الله العجائبية كما هي في أعمال الطبيعة التي لا يمكن أن يتعرّف إليها أحد غير الإنسان“. تذكرنا هذه الكلمات بقول القديس بولس: “لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ“. ليست هناك حاجة لمزيد من الإضافات، إذا تذكّر المرء كلام إدينغتون وماكس بلانك أن قوانين الطبيعة هي سبل ووسائل التعبير عن إرادة الله“. لا تسقِط الكنيسة الأرثوذكسية المنطق ولا الأساليب العلمية وإنجازاتها، ولكنها تميّز الهدف بوضوح. بالقداس الإلهي وخاصة بالمناولة المقدسة، تعيش الكنيسة الأرثوذكسية الحقيقة وتوجّه الإنسان نحو القداسة. إنها تقبَل أن على الإنسان يخلُص من خطاياه، أي من فشله، لأن الخطيئةتعني الفشل في اليونانية.”

الإنسان ككيان منطقي فشل في أن يصبح مشابهاً لله بسبب إهماله. ولكي يستعيد مكانه الأصلي في الخليقة، يجب أن يكون حراً تماماً، ويطلب نعمة الله، التي صارت متاحة له من خلال صلب المسيح.

والأطروحة كما ينظر إليها أوغست كومت في نظريته عن الوضعية ستكون مملكة المنطق الخالص، مملكة العقل وموت القلب. ولكن المرء يتردد في تخيّل الإنسان في منصبه. وبالنسبة لجميع الذين يرفضون الإيمان بالحقيقة المعلَنة لمجرد أنه لا يمكن إثباتها بالأساليب العلمية، تكرر الكنيسة الأرثوذكسية: “طوبى للذين آمنوا ولم يروا، وهؤلاء هم مباركون لأن ما يلزِمهم ليس البرهان بل نيّتهم ضمن الحرية الكاملة.

قال العالم الإنجليزي السير جيمس سيمبسون: “إن أكبر اكتشافاتي كان خلاص نفسي، أي الشعور بأنني خاطئ وأن يسوع المسيح هو مخلصي“.

موقف العلم ضمن الأرثوذكسية مذكور بشكل جميل على حجر قبر إسحاق نيوتن: “هنا يكمن إسحاق نيوتن، بلا كلل، عبقري وباحث مخلص في الطبيعة والتاريخ والكتاب المقدس، بحكمته أثبت عظمة الله وحياته عبّرت عن بساطة الإنجيل “.

قد لا توجد طريقة أفضل للختام من فقرة من عمل دوستويفسكي القبو، حيث يسأل نفسه والقارئ: “يحب الرجل من دون أدنى شك أن يخلق ويفتح آفاقا جديدة. ولكن بعد ذلك لماذا يرغب بشغف بالدمار والفوضى؟ أمن الممكن أنه يحب الكثير من الدمار والفوضى لأنه يخشى الوصول إلى أهدافه والانتهاء من بناء عمله؟ مَن يعلم؟ ربما يحب أن ينظر إلى عمله من بعيد وليس من نقطة قريبة. ولعل أهدافه على هذه الأرض التي يحاول الوصول إليها ليست سوى عملية لا نهاية لها للنجاح والأهداف نفسها. هذا بطبيعة الحال، هذه العملية ليست سوى حساب مثل 2 + 2 = 4، أي أنه قانون العالم الفاسد. وإذا كان هذا هو الحال، فهذه ليست الحياة بل بداية الموت“.

قد تكون أفكار ماكسويل مثل أفكار دوستويفسكي. لذلك في صلاته يطلب من الله أن يعطينا علم الرحمة.

الاستحقاق

الاستحقاق

الأب أنطوان ملكي

ما مفعول كلمة مستحق؟ هل حجبُها يؤثّر على السيامة؟ في إطار أوسع، هل يستطيع الشعب أن يردّ بأن المُسام غير مستحق، خاصةً إذا كان يُسام أسقفاً انتخبه المجمع؟ هذه الدراسة السريعة مساهمة في الإجابة على هذه الأسئلة على ضوء تقليد الكنيسة الأرثوذكسية.

إن المشاركة في ترتيل مستحق، حدث ينتظره الكثيرون ويثير الحماسة في المؤمنين. الكثلكة ألغت هذه الممارسة من زمان ومنها انتقلت إلى إلغاء دور الشعب بالكليّة. في الكنيسة الأرثوذكسية ما زالت الممارسة قائمة مع بعض الجدل حول فعاليتها خاصةً أن مستوى التعاطي الجدي معها يختلف بين كنيسة وأخرى.

بين الاختيار والسيامة

إن اختيار الأساقفة عملية مختلفة عن سيامتهم. في وقت ما كان الشعب يسمّي أو يشارك في تسمية المرشّحين، لكن الكنيسة عرفت خيارات شعبية غير صحيحة خاصةّ أن الطامحين إلى الأسقفية صاروا يستغلون الناس للمطالبة بهم. أوقفت الكنيسة الاحتكام إلى الشعب في اختيار الأساقفة لكنها أبقَت على هذا الجزء من الخدمة حتّى يكون للشعب كلمة في السيامة.

يذكر القديس كبريانوس القرطاجي أن الرب ينزل لينتخب ويعيّن لنفسه أساقفة في كنيسته” (الرسالة 4:48). وفي صلاة قديمة محفوظة في التقليد الرسولي لهيبوليتوس روما يقول أيها الرب، ثبّت هذا الذي هيأتَه لنا“. هل ينفي هذا التعليم دور الشعب ويحوّل الأسقفية إلى خدمة منزَلة؟

التقليد يقول غير ذلك. فقد ورد في القوانين القديمة لبعض الكنائس أنّه يجب انتخاب الأسقف من الشعب. ومثله ورد في الديداخيه: “على هذا الأساس، انتخبوا لكم أساقفة وشمامسة، رجالاً هم شرف للرب… مخلِصون ومجرَّبون” (الفصل الخامس عشر). القديس يوحنا الذهبي الفم في تفسيره الرسالة إلى تيطس يوضِح أنّ على الأسقف أن يحكم الشعب بإرادتهم“. كيف نفهم كل هذه التعاليم؟

معنى الإعلان

مستحق أو أكسيوس هي تزكية أو إعلان عن موافقة الشعب على السيامة القائمة سواء كانت لشماس أو كاهن أو أسقف. في كتاب الخدمة أن الأسقف يصرخ مستحق ويجيب الشعب بالمثل. يتّضح من تعاليم الآباء أن هذه الصرخة هي تعبير مسموع عن مشاركة الشعب الحقيقية بالسيامة وبالتالي تأكيده على حسن الاختيار. بالتطبيق هي تعني أن هذا الذي وُضعَت عليه الأيدي صار مستحقاً للقيام بالخدمة المنوطة به (هابغود ص. 606) [1].

تنقل هابغود في الملحق الثاني لكتابها عن المصادر القديمة أن هذه الصرخة من الشعب هي شهادة على عيشة المُسام التي لا عيب فيها وأخلاقه الحسنة (هابغود ص 607)، بما أن اختيار الأسقف قد أُعلِن لهم بهدف الحصول على شهادتهم وإعطائهم الفرصة للتعبير مع أو ضد الاختيار. لقد تمّ الحدّ لاحقاً، بسبب عدد من الصعوبات، من تأثير الشعب على اختيار أساقفته. وحتّى في اختيار الكهنة والشمامسة لم يعد للشعب الكثير لقوله. لكن وجود هذا الإعلان (أكسيوس) حفظ التقليد الذي يحفظ حقهم في التعبير عن ملاءمة المُسام” (هابغود ص 605). إذاً الردّ بـ غير مستحقيعني أن بعض الشعب يرى خللاً في عيشة المُسام وأخلاقه وبالتالي هو غير ملائم.

هل توقَف السيامة عند هذه النقطة؟ الأمر يعود إلى ضمير المتقدّم. فالقانون الثاني من المجمع المسكوني السابع يقول: “… ويجب على الميتروبوليت (البطريرك) أن يقوم بفحص دقيق ليتحقق من كون هذا الرجل ذا رغبة في المطالعة بإمعان وتفهّم وأنّه مواظب على مراجعة القوانين الشريفة وقراءة الأناجيل المقدّسة وكتاب الرسائل الإلهي وسائر الكتب المقدسة وأنه يعيش سالكاً بوجب وصايا الله…” (الشرع الكنسي، ص 811). فإذا كان قد تحقق كما هو مطلوب منه عليه أن يشرح للمعترضين ذلك، أمّا إن كان لم يتحقق فعليه سؤالهم. في تاريخ الأرثوذكسية الحديث أكثر من حادثة من هذا النوع. تذكر سجلات الكنيسة الأرثوذكسية في أميركا أن الميتروبوليت ديمتري كان في سيامة أحد الأساقفة في نيويورك فتقدّم أحد الأشخاص وصرخ غير مستحق، فوضع الميتروبوليت كرسياً أمام الباب الملوكي واستدعى الشخص وسأله عن السبب، ولمّا لم يكن سبباً مهماً تمّ تجريده. حالة أخرى في بلغاريا أوقفت السيامة [3].

دور الشعب في سيامة الأساقفة

وضع القديس إكليمندس الإسكندري في الكنيسة الأولى قانوناً باسم الرسل يقول بأن هذه الشهادة يجب أن تُقام بدقة، خاصة في سيامة الأساقفة، كردّ على سؤال محدد، يُطرَح ثلاثاً على الشعب، أهو بالحقيقة مستحق لهذه الخدمة؟” (هابغود ص 607).

الكنيسة بتركيبتها تمثّل كلاً من الإكليروس والعلمانيين، وعليه فإن اشتراك الشعب في اختيار الأسقف هو من حيث المبدأ مبرر بالكامل. بحسب القانون الأول من مجمع قرطاجة الرابع: “يُنتَخَب الأسقف بالاتفاق مع الإكليروس والشعب“. وهذا الأمر تؤكّده قوانين الرسل: “… لكي يُسام الأسقف يجب أن يكون… بلا لوم، شخصاُ مختاراً، منتقىً من كل الشعب، ومتى سُمّي وتمت الموافقة عليه، فليجتمع الشعب… في يوم الرب، وليعطوا موافقتهم” (VIII:4) وعندما يكون هناك قرار بالإجماع، يعرب الشعب عن حكمه بإعلانه مستحقأو غير مستحق“. [2]

تاريخياً، ساهم تدخل الملوك في تعيين الأساقفة في الحد من دور الشعب في الاختيار. هذا الأمر استحق الإدانة في المجمع المسكوني الثاني سنة 381، حيث صدر القانون الثالث الذي يمنع تدخل الملوك، ولكن من حينه صار الشعب أيضاً خارج اللعبة، لا دور له في الانتخاب.

في أنطاكية، يحفظ قانون مجلس الأبرشية الحق للشعب في تسمية المرشحين من خلال تركيبة محددة. لكن هذا الأمر ينطبق فعلياً على المطارنة وليس على الأساقفة لكونهم بحسب القانون مساعدين للبطريرك. وضع الأساقفة القانوني ليس موضع إجماع وهناك تساؤلات حوله (أنظر الأرشمندريت توما بيطار، نقاط على الحروف، بيان المجمع المقدّس حول الأساقفة المساعدون، 12 أيلول 2010). إلى هذا درجت العادة بأن يتمّ تعيينهم من البطريرك بموافقة المجمع لا أن يُنتَخَبوا بحسب القوانين.

خاتمة

لا ينبغي فهم مشاركة الشعب وكأنها عملية ديموقراطية. فاﻷسقف ليس نائباً منتَخباً من الشعب بل هو معيّن من الله، بعمل الروح القدس في المجمع، ليعلّم الشعب ويقوده، ولهذا يضع الله عليه مواهب الروح القدس. المجمع مسؤول أن يسلك بالروح القدس. الشعب مسؤول أن يفهم طبيعة الكنيسة مقتنياً حساً بالشركة وفرادة في الفكر تليق بجسد المسيح، حتى تؤدّي صرخة مستحقأو غير مستحقالقصد الذي وراءها. وفي الممارسة، فإن مسؤولية الإدارة الكنسية تقضي بأن تحفظ حقّ الشعب في التعبير عن نظرته للمُسام وأن تستمع إليه. إنّ غضّ النظر عن صوت فئات محددة من المؤمنين يطال من شفافية الإدارة الكنسية ويهزّ ثقة المؤمنين بها. خطأ المؤمنين في التعبير عن رأيهم لا يفقدهم حقهم بالاستماع إليهم، خاصةً حين يكونون غير مثقّفين كنسياً. فهنا تقع على الإدارة الكنسية مسؤولية تعليم الشعب عن سلوكه في الكنيسة وكيفية التعبير فيها.

خبرة الكنيسة أنّ منهجية التعليم الفضلى فيها هي تعالَ وانظر“. إن نظرنا ماذا نرى؟

[1] Isabel Hapgood. SERVICE BOOK OF THE HOLY ORTHODOX-CATHOLIC APOSTOLIC (GRECO-RUSSIAN) CHURCH. Cambribge. 1906

[2] Editor. Axios. Orthodox America. Issue 136. Vol XV, No. 4. November – December, 1994

[3] https://www.reddit.com/r/OrthodoxChristianity

الاختزال في أنطاكية، إلى أين؟

الاختزال في أنطاكية، إلى أين؟

الأب أنطوان ملكي

مَن أخطأ في واحدة، أخطأ في الكلّ. هذا كلام للسيّد، ينطبق على الأهواء بعامّة، إنّما أكثر ما ينطبق على خطيئة الاختزال. مَن اختزل في واحدة يصير مستعداً للاختزال في الكلّ. هدف هذه السلسلة من المقالات الحديث عن اختزال الناس والمحبة، فهذا وصف يطول والكلّ يقع أو قابل للوقوع فيه، لكنّه قادر على التبرير والإسناد لدعم خيارات لا يرحم الزمن في إظهار خطئها. تبدأ السلسلة بمناقشة الاختزال في الطقوس تحديداً، وبلوغه حدّ الإلغاء في بعض الأمور، لتنتهي إلى ما هو أخطر. ففي التقليد الأرثوذكسي العبادة هي العصب الذي يخلق الجماعة. الطقوس، بحسب تعبير البطريرك اغناطيوس الرابع، هي معابر لنعمة الله المطهِّرة والمقدِّسة“. والكنيسة بتعبير البطريرك يوحنا العاشر تمنح بالأسرار نعمة الروح بعلامات محسوسة لتقديسهم وجعلهم أبناء حقيقيين لله بعبادة فريدة“.

إذاً، واضح من قول الرجلين الذين رأسا الكنيسة في الفترة الزمنية التي نعيشها أنهما يؤمنان بقدسية الطقوس وقدرتها على التقديس ونقل النعمة. فهل الأجزاء التي يتمّ اختزالها والاستغناء عنها هي إضافات أم أنها فقدت قدرتها على التقديس؟ وإذا كانت فقدت قدرتها على التقديس فلأن عندها طاقة نفدت أم لأن المتعاطين بها لم يعودوا يرون فيها قناة للقداسة؟ أم أنهم متكاسلون فلم يعودوا يستحقون القداسة؟

إن هذه السلسلة من المقالات تغطي الاختزال في المعمودية، من ثمّ في في الإكليل ومن بعده الجناز، انتهاءً إلى الاختزال في الشعب أو اختزال الشعب كنتيجة حتمية للاختزالات السابقة.

الاختزال في المعمودية

الاختزال في خدمتي الخطبة والإكليل

الاختزال في الجناز

اختزال الشعب

الاختزال في المعمودية

الاختزال في المعمودية

الأب أنطوان ملكي

قبل الشروع في الحديث عن الاختزال في خدمة المعمودية، لا بدّ من التوقّف عند الضغوط التي يخضع لها الكاهن أو لبعضها، عند كل معمودية.

1) تحوّل المعمودية إلى حدث اجتماعي بامتياز. قد تؤجّل المعمودية سنوات إلى أن تتوفّر مقوّمات الحفلة التي تتبع المعمودية، وقد يُصار إلى تعميد الإخوة معاً بهدف التوفير.

2) اختيار العرّابين أمر يخضع للاعتبارات العائلية والعلاقات الاجتماعية بالدرجة الأولى. بشكل خاص، يأتي الضغط على الكاهن في حال كانت الوالدة من عائلة غير أرثوذكسية. هذه ليست الحالة الوحيدة، فهناك أن هذا أو ذاك طلب الميرون، وغيرها أن هذا العراب أغنى من ذاك، وكل هذه الحالات من دون القبول بالحد الأدنى من القانون الكنسي.

3) الضغط الأكبر يأتي من أن هناك أديار أو كهنة آخرون مستعدّون لتعميد أبناء الرعايا التي يحاول كهنتها الحفاظ على الحد الأدنى من الترتيب. أغلب الكهنة يتراجعون عن هذا الحد الأدنى خوفاً من أن يبدوا في هيئة المتخلّي عن أبنائه. كثيرون من الكهنة يخشون سهولة تخلّي أبنائهم عن أمّهم الكنيسة وعن أبيهم الكاهن إن لم يسيروا بحسب رغباتهم.

4) طقوس المعمودية المستحدَثة، من تلبيس الذهب وفرش الثياب وتحكّم المصوّر بسير العملية. فالكاميرا تنزل إلى جرن المعمودية قبل الطفل فيما تلاقيه كاميرا أخرى في المنشفة. العرّابان إجمالاً مشغولان بتنفيذ أوامر المصوّر للتوصّل إلى الوضع الأفضل للصورة. وقد يصل الأمر بالمصوّر إلى الطلب من الكاهن التوقّف أو إعادة بعض اللقطاتالتي لم يتسنَّ له تصويرها كما يليق.

5) توقيت المعمودية يتحدد على ضوء ما يناسب المدعوّين أو توفّر المطعم، ويُعلَم الكاهن بالنتيجة، وعليه أن يدبّر الأمور بحيث تسير العملية كما خطط الأهل. الكنيسة جزء من الاحتفال، بل الجزء الأخير.

هذه بعض الحالات العامّة، وقد يكون هناك حالات خاصّة هنا وثمّة. البعض يصرّ على التعميد في البيت، أو في حديقة المنزل، أو على البحر. كل هذه هي مصادر ضغط على الكاهن تحوّل فرح دخول شخص إلى الكنيسة إلى وجعة رأس يرجو الكاهن أن تنتهي بأسرع ما يمكن.

هذا الاستعجال يؤدّي إلى اختزال أجزاء من المعمودية. يُحكى عن كاهن لا يقرأ الاستقسامات لأن الزمان تخطّاها. أغلب الكهنة لا يقرؤونها كاملة. استغرب أحد آباء الجبل المقدس أن الناس يستغربون انتشار الأمراض النفسية فيما المعمودية تجري من دون الاستقسامات. فهل هذه وضعها الآباء لأنهم كانوا يؤمنون بالخرافات؟ هل الصراع مع رؤساء هذا العالم انتهى؟

من ثمّ لا يبارك هذا الكاهن الماء بل يسكب في الجرن ماءً مقدّساً من عيد الظهور. ولا يبارك الزيت بل يسكب زيتاً تمّت مباركته في الأربعاء العظيم. ولا يقصّ الشعر لأن هذه كانت عادة تخطاها الزمن. ولا يناول بل يطلب جلب الولد إلى أول قداس بعد المعمودية. ماذا بقي من الخدمة عند هذا الأب المبارَك؟

إن درس شرح خدمة المعمودية يظهِر دور كل عبارة تُقال. قد يكون ضرورياً أن يبادر الكاهن إلى قراءة هذا الشرح في كل مرة يبادر فيها إلى تعميد أحد الأولاد. وعلى غرار ما تقوم به أغلب الأبرشيات من التهيئة للزواج، فقد يكون أكثر ضرورة أن تقيم دورات تهيئة للمعمودية تشمل الأهل والعرّابين. إن هذه التهيئة قد تلغي تلك، لكنها أكثر صعوبة ودونها مشاكل أكثر. وبما أن المجمع بادر إلى التغيير في القوانين فقد يكون من النافع أن يصدر قانون يحدد أن العرّابين هما الأم والأب دون سواهما، وهذا الأمر يمكن تبريره ولا يخالف التقليد بشيء.

الاختزال في خدمتي الخطبة والإكليل

الاختزال في خدمتي الخطبة والإكليل

الأب أنطوان ملكي

يفرد صاحب الغبطة دراسة كاملة لخدمتي الخطبة والإكليل. إن دراسة هذا الكتاب الصادر عن معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي في 2004، تجيب على الكثير من الأسئلة حول الاختزال، على افتراض أن أغلب الاختزال يصير عن قلة فهم وتقدير لكل جزء من أجزاء الصلاة.

لن نخوض في إلغاء صلاة الخطبة كما يحدث في الكثير من الكنائس اليوم، حيث أن هذه المناقشة بحاجة إلى أكثر من طرف وعلى مستوى رعائي عالٍ. التعليق الوحيد على إلغائها هو أن في الإلغاء، كما في الاختزال والاختصار، خروج على ما هو مشتَرك بين كل مكوّنات الكنيسة. أبسط أصول الأعمال التطبيقية يقول بأنه لو كان جميع الكهنة يتبعون ما بين يديهم من الكتب بدقة لما كان هناك أي فروقات في الخدمة ما بين أبرشية وأخرى وحتّى ما بين رعيتين متجاورتين.

أمّا خدمة الإكليل فالاختزال الذي طالها أقلّ بكثير من خدمة الجناز. الإفشين الافتتاحي ملغى، الإكتاني بعد الإنجيل والإفشين المرافق لها لا يقرءان. من جهة أخرى يضيف بعض الكهنة إلى الخدمة السؤال المنسوخ عن الكثلكة عمّا إذا كان كل من العروسين يريد الآخر. من حيث المبدأ، هذه الإضافة انحراف عن لاهوت سرّ الزواج في الكنيسة الأرثوذكسية، خاصةً إذا سبقته خطبة. فهذا السؤال بالأصل يسأله الكاهن قبل الإكليل، واليوم المفتَرَض أن مكاتبالزواج في المطرانيات سألته. فالشخص الآتي إلى الإكليل يعرف أنه آتٍ إلى إكليل وليس إلى قاضٍ. السؤال موجود عند الكاثوليك لأن الكثلكة تعتبر نفسها حاكمة على الدين والدنيا. نحن في تقليدنا، أن الزواج قد تمّ مدنياً عند القاضي قبل وصول العروسين إلى مباركة إكليلهما في الكنيسة. لهذا لا نجد في خدمتنا إلا طلب البركة. خدمة الإكليل لا تعلن العروسين زوجاً وزوجة، كما يجري في نهاية الإكليل الكاثوليكي. الكنيسة ليست قاضياً ولا تستطيع أن تكون.

إن العبادة هي إحدى صورة الوحدة الظاهرة. لهذا وبحسب الشرع الكنسي، يوجد في كل أبرشية كاهن مسؤول عن التأكّد من أن الخدم متناغمة خاصةً من حيث الشكل. في اليونان مثلاً، يأتي تعميم مكتوب من المطران يحدد أوقات ابتداء الصلاة. بهذا تسمع أجراس الكنائس المتجاورة تقرع مع بعضها جميعاً. أما عندنا فكل رعية تثبت توقيتها، وهذه تؤجّل وتلك تبكّر، وهذا الكاهن يزيح عيداً سيدياً وذاك يلغي السحرية أو جزءً منها. باختصار، الاستنساب في أنطاكية بلغ حدّ الفوضى.

مشكلة الاختزال الكبرى التي تطال الأكاليل هي في أوقات الإذن بالزواج. ورد في الدليل الرعائي إلى الأسرار الصادر عن المجمع الأنطاكي سنة 1996، المادة 133: “تجيز الكنيسة إتمام زواج في كل يوم على مدار السنة عدا الأيام التالية:

1- كل يوم أربعاء أو جمعة ﻷنها أيام صوم

2- ليلة كل أحد أي مساء كل سبت لأنها تهيئة ليوم الربّ

3- ليلة عيدَي الصليب في 14 أيلول وقطع رأس يوحنا المعمدان في 29 آب لأنهما يوما صوم

4- في صوم الميلاد من 20 كانون الأول وحتى عيد الظهور الإلهي

5- أيام الصوم الكبير مع أسبوع البياض وأسبوع التجديدات أي من أحد مرفع اللحم حتى أحد توما. ويجوز إتمام الزواج، لسبب صوابي، في اسبوع البياض بعد استئذان السلطة الروحية المختّصة

6- أيام صوم الرسل. ويجوز إتمام الزواج فيه لسبب صوابي، بعد استئذان السلطة الروحية المختّصة

7- أيام صوم السيدة.

تمنع الكنيسة إتمام الزواج في الأيام الواردة أعلاه، إمّا:

1- بسبب وقوعه في فترة صوم، والصوم يستدعي الخشوع والتقشّف والابتعاد عن مظاهر الفرح العالمي

2- بسبب وقوعه في فترة أعياد سيدية، تقتضي الدخول في الأفراح الخلاصية النابعة من هذه المواسم والمشاركة فيها دون أن يؤثّر عليها أي فرح عالمي آخر

3- بسبب وقوعه ليلة سبت، وليلة كل سبت هي تهيئة ليوم الربّ! واستعداد للإتحاد بجسد المسيح ودمه الكريمين.”

أما في الدليل الرعائي الصادر المجمع الأنطاكي في 2012، فقد تغيّرت فترات منع الزواج وصارت:

في 4- من 20 إلى 25 كانون الأول ضمناً ويوم بارامون الظهور الإلهي وعيد الظهور الإلهي استناداً إلى قرار المجمع، الدورة العادية، دير البلمند 13-10/21/ 1998. أي أن الزواج صار مسموحاً في الفترة بين العيدين، من دون أي تعليل.

أُضيف أحد العنصرة، وهو بالواقع ليس إضافة لأن أحد العنصرة هو غروب عيد الروح القدس أي عيد سيدي وبالتالي هذه الإضافة توضيحية لا غير.

التفسير الذي تمّ تداوله للسماح بالزواج بين عيدي الميلاد والظهور كما عدا البارامون، هو أن غالبية شبابنا مسافرون وتأتي فرصهم في تلك الفترة التي تضمّ أيضاً رأس السنة الميلادية. لم تثر أي ضجة مع أن عدداً من الكهنة لم يعتبر نفسه معنياً بالتغيير خاصةً أن التعليل لا يستند إلى أي منطق لاهوتي.

أما بيان المجمع الأنطاكي برئاسة غبطة البطريرك يوحنا العاشر في دورته العادية الثامنة من 3 وحتى 5 من تشرين الأول 2017، فقد أورد ما يلي: “واطلع الآباء على الدراسة المقدمة بشأن سر الزواج وأوقات إتمام هذا السر وشددوا على أهمية الرابط الزوجي وقدسيته كَسِرٍّ وكلُبنةٍ أولى وأساس في بناء العائلة المسيحية واتخذوا قراراً بالتشديد على التالي: أولاً: يُحتفل بالزواج في الكنيسة وليس في أماكن أخرى. ثانياً: تقام الخدمة وفقاً للمراسيم الليتورجية المحددة في كتاب الخدمة دون سواها. ثالثاً: تجيز الكنيسة إتمام سر الزواج في كل يوم على مدار السنة عدا الأيام التالية: يوم عيد الصليب في 14 أيلول، يوم عيد قطع رأس يوحنا المعمدان في 29 آب. من 20 إلى 25 كانون الأول ضمناً، يوم برامون الظهور الإلهي ويوم عيد الظهور الإلهي. من الأربعاء في أسبوع البياض (قبل الصوم الكبير) ولغاية السبت الجديد (بعد الفصح) ضمناً. يوم عيد العنصرة. أيام صوم السيدة من 1 إلى 15 آب (ضمناً)”.

إذاً اختزل المجمع 3 أيام من أسبوع البياض، صوم الرسل، ليلة عيدَي الصليب وقطع رأس يوحنا المعمدان، وكل أيام الأربعاء والجمعة والسبوت، وصار ممكناً إقامة الزواج فيها.

يذكر البيان أن المجمع استند إلى دراسة مقدّمة. كالعادة، لم تُنشَر هذه الدراسة، وهذا ما يحدّ من إمكانية التوسّع بالتعليق على هذا الاختزال، من دون أن يمنع طرح الأسئلة التالية:

ما هو السند اللاهوتي الممكن لهذا التغيير؟ لماذا لم تتوصل إليه أيٌ من الكنائس الأرثوذكسية الأخرى في العالم؟

في تعليم 1996 يُذكر 3 أسباب لمنع الزواج في يوم ما. فهل السماح بالزواج أيام الأربعاء والجمعة يعني أن هذه الأيام لم تعد أيام صوم؟ هل السماح بالزواج في صوم الرسل يعني الاستغناء عن هذا الصوم؟ هل السماح بالزواج يوم السبت يعني أنّه تمّ الاستغناء عن الاستعداد ليوم الربّ؟

تعليق

انعقد لقاء 1923 التاريخي في القسطنطينية حيث قاطعت بعض الكنائس وأنطاكية كانت من بين الحضور. تقدّم بطريرك القسطنطينية في حينه ملاتيوس ميتاكساكيس. كان البرنامج مثقلاً بالأمور الخلافية حتى أن بعض الدارسين يعتبرونه انقلاباً على التقليد. من أهم الأمور التي كانت مطروحة في اللقاء المذكور إعادة النظر بالأصوام، وتحديداً الاستغناء عن صوم الأربعاء والجمعة وصوم الرسل، إعادة النظر بالتقويم اليولياني، زواج الأساقفة، التخلّي عن القيافة الكهنوتية التقليدية كتقصير الشعر وحلق اللحى واللباس المدني وغيره. الكنائس التي حضرت تبنّت التقويم المعدّل، المتّبع حالياً لدينا، بحيث نعيد كل الأعياد بحسب التقويم الغريغوري الغربي المتّبع في كل العالم ما عدا الفصح الذي نعيّده على التقويم اليولياني. أرجئ البتّ بالقضايا الأخرى، لكن عملياً وعلى غرار التقويم اعتُمِد أغلبها من دون قرار أرثوذكسي جامع.

في التحضير للقاء كريت المهزلة أعيد طرح العديد من القضايا التي لم تُعتَمَد في 1923. من أهمّ الأمور التي لم تصمد حتّى انعقاد اللقاء: 1) إعادة النظر في أصوام الأربعاء والجمعة والرسل و2) التقويم الأرثوذكسي. موضوع إعادة النظر في الأصوام لاقى ممانعة قوية وأسقِط باكراً. أما موضوع التقويم فأسقِط لاحقاً وتبيّن أن الهمّ فيه لم يكن إعادة النظر بكل التقويم بل فقط بتعييد الفصح ومحاولة ملاقاة الكثلكة والأقباط في السعي إلى تاريخ موحّد للتعييد بالفصح. أنطاكية لم تذهب إلى كريت لأن موضوع توحيد العيد لم يعد وارداً (بيان المجمع الأنطاكي في 6 حزيران 2016)، وها هي اليوم بقرار المجمع الأخير حول مواعيد الأكاليل تلغي عملياً صوم الأربعاء والجمعة وصوم الرسل.

ينظر الكثير من الدارسين إلى لقاء 1923 على أنه محاولة للخروج عن الأرثوذكسية تأتي قضية التقويم التي شقّت العالم الأرثوذكسي كإحدى ظواهر هذه المحاولة. واليوم تقوم أنطاكية لوحدها بهذا الخروج.

الاختزال في خدمة الجناز

الاختزال في خدمة الجناز

الأب أنطوان ملكي

في كتاب مختصر الإفخولوجي الذي يحتوي على جميع الصلوات التي يحتاج إليها الكاهنومنه في أنطاكية نسختان قيد التداول. الأقدم هي من مراجعة الخوري نقولا خوري في القدس سنة 1934، والأخرى من مراجعة سرجيوس أسقف سلفكية في 1964. واضح أن الثانية هي اختصار للأولى. كعادة أغلب ما بين يدينا، ليس من دراسة حول سبب الاختصار سوى ما العبارة التي ترد في النسخة المختصرة نفسها إن العادة الآن لأجل السرعة والاختصار…” أنظر مثلاً ص. 198 حيث يرد أن العادة الآن لأجل السرعة والاختصار هي أن الكاهن يتلو المزمور 119 “طوباهم الذين بلا عيببكامله، وهو المزمور الأطول، على انفراد قبل الابتداء بصلاة الجناز إلى أن يجتمع الناس. وفي حين تلاوة صلاة الجناز يقتصر على ترتيل الاستيخونات الستة فقط الموضوعة هنا“. إذاً، العادة والاختصار اقتضتا أن لا يبقى من كل مزمور إلا ست استيخونات، وفي أيامنا هذه لم تعد تُقال جميعها ولا حتّى الطلبات التي ما بينها. إلى هذا، فإن صلاة الجناز في نسخة 1964 تبدأ بالمزمور الحادي والتسعين الساكن في عون العليوقد أُسقِط. من ثمّ تتبع الإفلوجيتاريا مبارك أنت يا رب، فطلبة، فثلاث طروباريات غالباً ما يقرأها اليوم الكاهن الكاثوليكي المشارك، من ثم المزمور الخمسون الذي حُذِف فقانون على كل قطعة منه يُقال «أرِح يا رب نفس عبدك هذا الراقد»يتضمن كاثسماتات حُذِفَت، ولم يبقَ منه إلا أرموس وطلبة ومن ثم قنداق وطلبة من دون البيت. من ثم إرموس تمّ حذفه تتبعه طلبة فالدمشقيات، أي القطع التسع التي لا يوجد ما يضاهيها روعة في وصف سر الموت، والتي أُسقِطَت من الخدمة وبقيت مرتلة لمحبي الترتيل البيزنطي حيث أن متري المرّ أبدع في ضبطها وجوقة أبرشية طرابلس أبدعت في أدائها على أحد أقراصها المدمّجة. هذه الدمشقيات صار أهل الفقيديختارون منها ما يريدون سماعه على الآن في المكارزمي الذي اختُصرَت قطعه ولم يبقَ منها إلا الاستيخونات. الرسالة والإنجيل يتبعان المكارزمي، وهنا يسقط السرعة والاختصار حيث قد تمتدّ قراءة الرسالة إلى خمس دقائق ومثلها الإنجيل تتبعهما عظة قد تتخطّى العشر دقائق خاصةً إذا بدأت بالتحية لأصحاب المناصب وممثلي الرؤساء الذي يضّيقون الكنيسة بكراسيهم المفروضة في الصفوف الأولى حتّى ليظن الغريب أن ما يجري هو حفل تكريم لهم لا صلاة من أجل الراقد. من ثم يعود الاختصار فيُحذَف أربعة عشرة طروبارية قد تتفتّق القريحة البشرية عن ما يشبهها في تفصيل سرّ الموت وشرحه وربطه بالحياة الحالية وبالقيامة الآتية وليس من السهل إيجاد ما يوازيها من الكلام المعزّي في أفئدة الناس. من بعد هذا تأتي صلاة الحل فتريصاجيون فالختم. طبعاً هذا التريصاجيون الأخير تمّ حذفه.

تنتشر اليوم بين يدي الكهنة نسخة هي اختصار الاختصار لعدد من الخدم صادرة عن أبرشية بيروت، كما بين يدي كهنة طرابلس والكورة نسخة للجناز جمعها الإيكونوموس جبران اللاطي عن طريق قطع صور من مختصر الإفخولوجي ولصقها. هذه النسخة تعطينا فكرة من الناحية الإحصائية، ففيما خدمة الجناز في كتاب مختصر الإفخولوجي لعام 1964 هي في 43 صفحة، أمّا نسخة اللاطي فهي في 18 صفحة، إذا أسقطنا منها صفحة المزمور الخمسين الذي يرتّل على الطريق لا في الكنيسة، وأنه كرر الطلبة لا الإشارة إليها مقتطعاً صفحة كاملة لكل مرة وأبقى على طروباريات المكارزمي، كما أفرد صفحة كاملة لصلاة الحل، لا يبقى في هذه النسخة إلا 12 صفحة. بغض النظر عن حجم الصفحات وقول علم المطبوعات، فإنّنا نحكي عملياً على ربع الخدمة.

لا يوجد في اللغة العربية أي دراسة تشرح خدمة الجناز، ولا أي دراسة تشرح مراحل زمّه“. مبرر الاختزال الوحيد هو السرعة والاختصار“. أليس معيباً الكلام عن السرعة والاختصار في خدمة الجناز فيما معدل حضور التلفزيون عالمياً لمَن أعمارهم بين 33 و59 هو 33 ساعة في الأسبوع أي ما يزيد عن 4 ساعات في اليوم؟ أليس معيباً أن يكون السرعة والاختصار سبباً لاختصار خدمة الجناز إلى ما دون العشرين دقيقة فيما لا تقلّ عدد ساعات تقبّل التعازي، رسمياً، لأي فقيد عن 32 ساعة؟

طبعاً، ليس إيراد هذه الأرقام أن تكون هدفاً بذاتها. أن تكون ساعات تقبّل التعازي غير خاضعة للاختزال فيما فقط الصلاة خاضعة، معناه المباشر أننا لم نعد نؤمن بأن العزاء الفعلي يأتي من الله بل من الناس والتفافهم وتعاضدهم. أن تقبل الكنيسة بذلك معناه أنه ترضى أن تتحوّل مكتباً للتجنيز قد يأتي يوم يحدد فيه أهل الفقيد ماذا يريدون من الصلوات، كما يحددون اليوم مَن يريدون من الكهنة وعدد باقات الزهر وساعات تقبّل التعازي. أن يقبل الإكليروس هذا الكلام معناه أنه استقال من دور نقل وجه المسيح المسيح إلى الناس وصار منخرطاً في تقديم إلى كل واحد المسيح الذي يناسبه. وصل الأمر ببعض الآباء أن تتحوّل أبوّتهم إلى شرطي سير يقول للناس اجلسوا أو قفوا في خدمة الجناز، طبعاً من دون أن يشمل الأمر أهل الميت الذين يعطيهم حزنهم الحق في عدم الوقوف عند قراءة الإنجيل. لماذا ننمّي الجوقات إن لم تكن لترتّل الدمشقيات في الجنانيز فتحمل فكر الدمشقي إلى قلوب الناس وأولهم أهل الفقيد؟ فبدل أن ينشغلوا في حزنهم وحرمانهم من فقيدهم، أو في اهتمامهم بأن لا يقصّروا مع أحد من الحضور وفي حجم الحضور في جنازهم الذي فاق جناز جارهم، أو في عدد المطارنة والكهنة المنتصبين في الباب الملوكي وحوله، الراكضين إلى التعزية في الكنيسة فيما الشعب يعزّي خارجاً، لأن وقت الإكليروس أثمن وقت الشعب. وبدل أن ينشغل أهل الفقيد بالكلمة التي سوف يلقيها ممثلهم داخل الكنيسة بمخالفة صريحة لكل القوانين الكنسية وحتّى للأعراف الاجتماعية، فإن طروباريات وداع الميت تحمله، وتحمل أهله ومحبيه وكل الذين لبّوا الواجببالحضور إلى الجناز، إلى باب السماء وتضعه بين يدي ملاكه الحارس وتصالحه مع الكثير من الرؤى التي كان خاصمها في حياته.

هذا الاختزال إلى أين؟ إنه اختزال للفكر واللاهوت والدور والرسالة، ولا بدّ في النهاية أن ينعكس اختزالاً للبشر، فيصير التعاطي مع الراقدين على أنهم حالات عابرة وأهلهم زبائن عابرين. هنا العثرة. مطلوب أن تعيد الكنيسة، طبعاً المقصود هنا هو الإدارة الكنسية، ترتيب أمر الاختزال حتى لا نصل إلى ما هو أسوأ.

اختزال الشعب

اختزال الشعب

الأب أنطوان ملكي

هذا العنوان مثير للرهبة لأن اختزال الإنسان هو أكبر الخطايا. “هل أنا حارس لأخي؟لم يكن القتل خطيئة قايين الكبرى بل الإنكار. واليوم أين يأتي الاختزال في الكنيسة؟ أهو خطيئة؟ لقد بيّننا مخاطر الاختزال في الأكاليل والجنانيز. لن نتطرق إلى الاختزال في القداس، بل سوف نعبر مباشرة إلى الحديث عن اختزال الشعب.

لمَ قد ينتبه إلى أنه يختزل الشعب مَن اختزل الطقوس؟ الطقوس أصلاً قنوات لتقديس الشعب. إذا اختزلناها يعني أننا ضيّقنا القناة التي تعبر فيها القداسة وصار المستفيدون منها أقلّ. إذا كنّا فعلاً نهتمّ بالمستفيدين من القناة، الطالبين القداسة، فإننا لا نضيّقها، يعني لا نختزل. الأمر بسيط ويمكن شرحه بمَثَل. عندما كان يأتي البعض طالبين إذناً للإكليل مساء السبت، كان مطران طرابلس يحاول إقناعهم بأن الإكليل مساء السبت لا بَرَكة فيه. هو لم يحكِ معهم بقوانين بل بالبَرَكة. مَن يريد البَرَكة يلتزم القانون. اليوم ماذا لدى المطران ليقوله للشعب؟ اليوم لا شيء يردع المتردد عن اختيار الوقت الذي يناسب مصفف الشعر والمطعم والمصوّر وبائع الزهر. لم يعد هناك عوائق كنسية، ولكنه لن يلحظ أنه لم يعد هناك برَكة. وبحجة القانون الجديد سوف تنهار دفاعات الكهنة المتمسّكين بعدم جواز الإكليل مساء السبت. ومن نتائج هذا الانهيار استقواء الشعب على الكاهن المتمسّك بأنه ليس موظّفاً في محكمة عملها إصدار شهادات الزواج بل هو ناقل بَرَكة، ولهذا يرفض أن يقيم الطقس إلا بحسب الأصول. هذا الكاهن سوف يزداد الضغط عليه، أمّا الكاهن المتردد فسوف يسلك بحسب القانون تبريراً لذاته بحجة الطاعة.

أن نحرم الشعب من البركة هو اختزال له. في ظل سيطرة الذهنية غير اللاهوتية، قد يبدو هذا الكلام اجتهاداً نظرياً للكثيرين. لكن ماذا عن الواقع الذي يعكس هذه الذهنية:

يزيد عدد الأبرشيات والمعتمديات الأنطاكية عن العشرين، فيما عدد الأبرشيات التي تمّ تشكيل مجلس مليّ فيها، أو مؤتمر أبرشية، لا يصل إلى عدد أصابع اليد الواحدة. فأين دور الشعب؟

ما هو وضع مجالس الرعايا في كل الأبرشيات؟ فأين مساهمة الشعب؟

كم هو عدد الأبرشيات التي تتشكّى من تفرّد المطارنة، أو من إحاطتهم بمجموعات من المتسلّطين أو المتنفّعين، الذين يدفعون بالأمور باتّجاه أهوائهم؟

لماذا تستطيع كنائس رومانيا وصربيا وجورجيا وغيرها إقالة مطارنة بسبب العجز أو التقصير، فيما أنطاكية تستجدي استقالة العاجزين من أقربائهم؟ وهل كان ذلك ممكناً لو أن المجالس التي تنصّ عليها القوانين المتّبعة موضوعة قيد التفعيل؟

على كافة مستويات الكرسي، كم هو عدد اللجان التي تضم علمانيين وتستمر في عملها حتّى إنجازه؟ أليس كل الرؤساء يفضّلون العمل مع أفراد لا لجان؟

هل يمكننا الكلام عن أدوات إعلامية أو تواصلية في أنطاكية، في وقت لا تبث الآليات القائمة إلا أخبار الرؤساء؟ وفي أغلب الأحيان من دون حساب دقيق لأبعاد البث وتأثيره على الشعب أو استغلال أعداء الكنيسة له؟ قبل أن يُعلَم الشعب بكل لقاءات الرؤساء فلتُنشَر كل المحاضر والدراسات واجتماعات التخطيط حتى تصير الصورة كاملة. في القرن الحادي والعشرين مات الإعلام ليعيش التواصل، والتواصل يحتاج إلى اتجاهين من تبادل الرسائل. إعلام أرثوذكس أنطاكيا تلقيني وعظي وباتّجاه واحد، ما يزيد من التباعد بين الشعب والرئاسات، أي من الاختزال.

ليس الهدف هنا التركيز على وضع الشركة ولا تحميل الرئاسات وحدهم مسؤولية هذا الوضع. هناك حركات وجمعيات استأثرت تاريخياً بتمثيل الشعب هنا وثمة، في بعض الأبرشيات أو على مستوى الكرسي، وامتطى رؤساؤها المؤسسات الكنسية، فساهمت في إيصال الحالة إلى ما هي عليه. إن الاستئثار هو الوجه الآخر للاختزال. المشكلة ليست في لجنة واحدة أو في قضية محددة، بل في الروح الذي يحرّك الأمور، روح الاختزال والاستئثار والسلطة. في الكثلكة بابا واحد محكوم بشبكة من القوانين، في أنطاكيا كمّ لا يُحصى من البابوات على مستوى الكرسي والأبرشيات والرعايا والمؤسسات وحتّى اللجان في مجالس الرعايا حين تتشكّل. نموذج السلطة التي تبيح لنفسها احتكار الرؤيةيسهل نسخه.

أين الحلّ؟ في الدرجة الأولى في التزام الكنيسة عملها الحقيقي، أي التقديس. في عهد أستاذ أساتذة الليتورجيا، لا تستقيم الأمور خارج مكانها الصحيح. كل شيء آخر هو قشور. اللجان والمجالس والمحاكم وحتى المجمع لا ثمار لهم خارج عملية التقديس التي تبدأ في هذا الاحتكاك الذي يتحوّل لقاءً في الكنيسة على الصلاة. الكلّ توقّع تمسكاً في تطبيق الأصول لا ازدياداً في التراخي، المنتَظَر كان لا أكاليل في السبت ولا ذكرانيات في الأحد، لأن القداسة هي الهمّ. فإذ بأكاليل السبوت تصير شرعية، وتُلغى الأصوام، وتعود صور الراقدين إلى الكنائس في ذكرانيات الآحاد. لا يمكن التكهّن بالآتي، طالما أن ذهنية التقليد معطّلة. في أنطاكية دعي التلاميذ مسيحيين أولاً، فآخراً ما سوف يُدعَون؟

الديموقراطية والشركة في الوضع الأنطاكي القائم

الديموقراطية والشركة في الوضع الأنطاكي القائم

الأب أنطوان ملكي

هل يمكن الحديث عن الديموقراطية في الكنيسة الأرثوذكسية؟ للإجابة عن هذا السؤال ينبغي التوقّف عند المعنى الحقيقي للكلمة. فالديمقراطية هي شكل من أشكال الحكم يشارك فيها جميع المواطنين المؤهلين على قدم المساواة إما مباشرة أو من خلال ممثلين عنهم منتخبين في اقتراح، وتطوير، واستحداث القوانين. وهي تشمل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تمكن المواطنين من الممارسة الحرة والمتساوية لتقرير المصير السياسي.”

إذاً واضح أنّ لا مكان للحديث عن الديموقراطية في الكنيسة لأن آلياتها الفعليّة لا تنطبق على الجسم الكنسي البشريالإلهي. أصلاً يظهر هذا الاختلاف من الاسم بحد ذاته. قراطية (Κρατία ، kratia ) في اليونانية تعني حكم. ديمو من ديموس (Δήμος ، Demos) وتعني عامة الناس. في الكنيسة لا نحكي عن حكم ولا عامّة الناس بل عن الخدمة وعن الشعب (Laos، Λαος).

إذاً الديموقراطية معنية أكثر بالطبقية، وتستند أصلاً إلى تصنيف الناس إلى درجات. بينما المثال في الكنيسة هو الثالوث. لهذا يصحّ الكلام عن الشركة. لا مكان للطبقات لأن المفهوم الصحيح هو المواهب. طبعاً هنا تدخل مفاهيم إضافية لا بدّ من التمعّن بتأثيراتها، كالتراتبيّة (hierarchy) والطاعة. تبقى الشركة محفوظة طالما النظر مركّز على المثال، والاستناد هو إلى المواهب لا إلى الطبقات. أمّا متّى اهتزّت الشركة فتتحوّل التراتبية إلى طبقيّة وتصير الطاعة عرضةً للاستغلال.

في الديموقراطية تصدر القرارات بالأكثرية. هذه آلية حوّلتها الصراعات السياسية والفلسفات الحديثة إلى حقّ شبه إلهي. في الكنيسة القرارات تأتي بما يحسن للروح القدس وللجماعة. ولا تقرأ الجماعة الروحَ القدس إلا إذا تكلّم فيها القديسون الذين استناروا وتطهروا. في زمان الرسل، الآلية كانت القرعة.

فالحق في الكنيسة ليس في القانون. بل في الحق الذي هو يسوع المسيح. قوة القانون هي الخطيئة، ولولا الخطيئة لما كان القانون. هذا يظهِر هشاشة كل القوانين.

هناك قوانين للمجلس المليّ ومجالس الأبرشيات ومجالس الرعاية والمجالس التأديبية والمجالس الاقتصادية ويمكن كتابة الكثير غيرها. لكن أين الشركة؟ أين هي هذه المجالس التي قد تؤمّن الحد الأدنى من الشركة؟ في عدم استقبال عامة المؤمنين؟ في الصور التذكارية على موائد الأغنياء فيما الفقراء يعجزون عن إيصال رسالة إلا عبر الفايسبوك؟ في عدم تسلّم الرسائل في البريد المضمون؟ صحيح أن الشركة هي في الكأس الواحدة، لكنها من هناك تمتّد إلى كلّ أوجه الحياة، وإلا فهي تحوّل القداس الإلهي إلى طقس لا شركة فيه.

يعلّم صاحب الغبطة يوحنّا العاشر في الرِّسَالةُ الرِّعَائِيَّةُ الثَّانِيَة” التي أصدرها في عيد رقاد السيدة 2017، أن المطران يُنتَخَبُ في المَجْمَع، وَيَعِيشُ في المَجْمَعِ حَيثُ يُراقِبُ ويُراقَب، وَيُحاكَمُ في المَجْمَعِ مَتى خالَفَ الإيمان.” عدة أسئلة يثيرها هذا التعليم: هل الكلام عن انتخابه في المجمع إلغاء للدور الذي تعطيه القوانين للشعب في تسمية المرشحين؟ ما معنى يعيش في المجمع؟ التقليد والحاجة أنه يعيش في رعيّته ويموت فيها كل يوم. ما معنى أن المجمع يراقبه؟ أليس لرعيته أي دور في المساءلة؟ لماذا يُحاكَم متى خالف الإيمان؟ أليس التمسّك بالكرسي بعد العجز مخالفة للإيمان؟ أليس العيش خارج الأبرشية والتنقّل هنا وهناك أغلب الوقت مخالفة للإيمان؟ أليس الامتناع عن استقبال أبناء الرعية مخالفة للإيمان؟ أليس التفرّد والتسلّط والبطش مخالفة للإيمان؟ هذا التعليم بحاجة إلى توضيح وإلى ربطه بأمثلة. الخطر كبير في أخذ هذا الكلام كتفويض لفصل الشعب وحتّى الإكليروس عن المطارنة. مجمعٌ بكنائس فارغة أو شبه فارغة هو شركة توصية بسيطة لا شراكة فيها.

إن في تقليدنا الكثير مما نهمله فيما يمكننا أن نتعلّم منه. يذكر القانون 26 من مجمع خلقيدونية المسكوني الرابع: “بما أنّه قد بلغنا أنّ بعض الأساقفة يديرون مصالح الكنيسة المالية بدون إيكونومس، فَلاحَ لنا أنّه يحسن بأن يُعيّن مدبرٌ لكلّ كنيسة فيها أسقف ينتخبه الإكليريكيّون عنده، ويُعهَد إليه بالاعتناء بمصالح الكنيسة المالية وإدارتها بموافقة الأسقف ومراقبته لمنع حدوث تلاعب أو تبذير في أموال الكنيسة مما يسبّب اللوم على أرباب الثوب الإكليريكي. وإذا رفض الأسقف العمل بموجب 1ذا القانون يكون عرضة لما تفرضه القوانين الإلهية من عقوبات“. هذا كلام كتبه آباؤنا سنة 451، أين كان حينئذ المتحدّثون عن توزيع السلطات؟ وأين كان المنظّرون عن الرقابة والشفافية؟ لكن أين واقعنا من هذا الكلام؟ الوكيل اليوم يُعيّن والشرط هو أن يكون متبتّلاً. مَن ربط التبتّل بالتعفف عن المال والسلطة؟ وأين الإثبات على ذلك؟ الوكيل ينتخبه الإكليريكيون. مَن يستمع للإكليريكيين اليوم في تعيين الوكلاء وترقية الكهنة وانتخاب الأساقفة؟

قد يكون كل هذا الكلام سبباً للقنوط والتأفف. لكن هناك ما يبعث بعضاً من الاطمئنان ويساهم في خلق حافز للتمسّك بالتقليد لأن القائمين على الكنيسة يدركون ذلك. أفضل تعبير عن هذا الكلام جاء في رسالة صاحب الغبطة المذكورة أعلاه حيث يقول: “لَقَد حالَتْ أَوضاعٌ كَثِيرَةٌ، هُنا وَهُناك، دُونَ تَألِيفِ الهَيئاتِ الّتي نَصَّ عَلَيها النِّظامُ الدّاخِلِيُّ لِلكُرْسِيّ بِشَكْلِها الكامِل، مِمّا قَلَّصَ مِنَ المُشارَكَةِ الفاعِلَةِ لأَبناءِ الكَنِيسَةِ في إدارةِ شُؤُونِ رَعاياهُم وَأَبْرَشِيّاتِهِم. ولَقَد دَفَعَ هذا الأَمرُ بِالكَثِيرِينَ إلى التَّشَكِّي مِن هذا الواقع، أَوِ التَّكَتُّلِ في هَيئاتٍ مُوازِيةٍ لِلتَّعبيرِ عَن رَأيِهِم. لِذلِكَ لا بُدَّ لَنا كَكَنِيسَةٍ مِنْ أَنْ نَتَجاوَزَ هذا الخِلافَ على القَوانِين، الّذي تَعْرِفُهُ كَنِيسَتُنا مُنذُ الخَمسِينِيّات، وَأَنْ نَنْصَرِفَ الآنَ إلى تَوطِيدِ وَحْدَتِنا وَتَوحِيدِ كَلِمَتِنا مِن خِلالِ إنشاءِ الهَيئاتِ الّتي تَنُصُّ علَيها أَنْظِمَتُنا، وَمِن خِلالِ وَضْعِ قَراراتِ المُؤتَمَرِ الأنطاكِيِّ الأَخِيرِ مَوضِعَ التّنفيذ. لَقَدَ مَرَّ على إقرارِ أَنْظِمَتِنا ما يُقارِبُ الخَمسِينَ سَنَةً، وَقَد أَصْبَحَتْ بِلا شَكٍّ بِحاجَةٍ إلى تَعدِيلٍ وَاسْتِكْمالٍ بِحَيثُ تُواكِبُ النّهضةَ الّتي نَرْنُو إليها جَميعُنا على صَعيدِ الكُرْسِيِّ الأنطاكيّ. وَلكِنَّ مِحَكَّ صِدْقِنا جَميعاً يَبقى في الْتِزامِنا الآنَ تَنفِيذَ الأَنْظِمَةِ المَعمُولِ بِها وَمُراكَمَةِ الخُبُراتِ الّتي تُفِيدُنا في أّيِّ تَعدِيلٍ نَقُومُ بِهِ في المستقبل، لأنَّ القَوانينَ إنّما تُوضَعُ لِتُخَلِّصَ الجَماعةَ مِنَ المِزاجِيَّةِ وَالفَرْدِيّة.”

الكلّ يتطلّع إلى أن يرى هذا الكلام في التنفيذ فنرى الشركة زاهرة مثمرة ولا تبقى الظروف والأوضاع تتحكّم بمسيرتنا بل نحن نسيّرها إلى لقائنا الكبير بوجه المسيح.

مجمع” كريت: وقائع الانحراف المتعمّد

السنة الثالثة عشرة، العدد الحادي عشر، آب 2017

عدد خاص

مجمعكريت: وقائع الانحراف المتعمّد

الأرشمندريت أثناسيوس أناستاسيو

مقدمة الترجمة الإنكليزية(الأب بيتر هيرز )

هذا هو إلى حد بعيد السرد التاريخي الأكثر اكتمالاً والتحليل الروحي لمجريات مجمعكريت، ما يعطي القارئ نظرة عامة كما ونظرة داخلية إلى كل الأحداث المؤدية إلى المجمعوما جرى خلاله، مع التركيز على انخراط كنيسة اليونان. تضع الترجمة الإنكليزية هذا النص بمتناول المسيحيين الأرثوذكسيين في كل العالم، على رجاء أن تتمّ ترجمته إلى لغات أخرى حتى تصير الكنيسة كلها أكثر علماً وتتخذ الإجراءات المناسبة لتأمين رد أرثوذكسي كوني ومعه وحدة أرثوذكسية في وجه هرطقة مسببة للشقاق.

مقدمة الترجمة العربية (الأب أنطوان ملكي)

عند قراءة هذه الدراسة، يجد المؤمن الكثير من النقاط التي تنطبق على وضع الكنيسة الأرثوذكسية الناطقة بالعربية، سواء لجهة تغييب الشعب أو اختيار الممثلين في المحافل الخارجية، والأهم هو في كيفية تسلل الفكر المسكوني إلى الكنيسة الأنطاكية وتكوّنه وتقدّمه على الفكر التقليدي، وأدوار بعض الأشخاص والأحداث الذين قد يبدون طارئين على تسلسل التاريخ الأنطاكي فيما هم بالواقع كانوا مساهمين فاعلين.

حول الكاتب

الأرشمندريت أثناسيوس رئيس دير الميتيورا الكبير، لاهوتي درس في جامعة تسالونيكي، معروف جداً لحضوره الفعّال في الجهادات من أجل إيمان الأجداد، كما موقعه المميز في تقديم شهادة إيمانية، له عدد من المقالات والعظات وأعمال أخرى في الدفاع عن إيماننا الساطع خاصةً في وجه الخطر المسكوني المعاصر.

أ. مدخل

في تاريخ كنيستنا عبر الأجيال، كان المؤمنون من شعب الله دوماً حرّاس وأبطال حقيقة إيماننا الأرثوذكسي؛ فهم الحكم النهائي على صحّة وشرعية قرارات أي مجمع. إن الشعب بضميره الكنسي والعقائدي الساهر هو مَن يوافق أو يرفض ما يقدمه المجمع [1].

بهذه الطريقة سوف يُحكَم على مجمعكريت. كلّنا مدعوون كمؤمنين أعضاء في جسد المسيح لتقديم تقييمنا. إنه متوجب علينا أن نتكلّم بصوت عالٍ. إن واجبنا هو التعبير عن ضميرنا الكهنوتي والرهباني لطرح أفكارنا ببساطة وتواضع، والتعبير عن نظرتنا أمام رعاتنا. إن من واجبنا أن نأخذ نصيبنا من المسؤولية الشخصية كما من مسؤوليتنا نحو أبنائنا الروحي الذين يعهدون إلينا بألمهم وقلقهم وأيضاً بغضبهم من مجريات مجمعكريت.

ما نكتبه هنا في هذا العمل، كما كتاباتنا الأخرى عن المواضيع نفسها التي سبقت أو ما قد نكتبه في المستقبل بمعونة الله، يشكّل ردّنا الصغير على حقائق إيماننا الواضحة، على وديعة الإيمان المسلّمة من القديسين من البطاركة والأساقفة والكهنة والرهبان الموقّرين والعلمانيين المعترفين من أجل الإيمان، كواجبنا نحو الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية. إنها طاعتنا لآبائنا القديسين الذين أوضحوا لنا أنّ في أمور الإيمان علينا أن نقدّم حساباً، ليس على أساس الآراء الشخصية بل على أساس إيمان الآباء القديسين والمجامع المقدّسة المسكونية والمحلية الموحى بها من الروح القدس، والكلمة الحيّة في شيوخنا المعاصرين وكلّ الملتزمين بالتقليد الأرثوذكسي والثابتين في اتّباع الآباء.

1. نداء القديسين والأساقفة المعاصرين، والكهنة وأساتذة اللاهوت

يذكر القديس ثيوذوروس الستوديتي بوضوح إنها وصية من الله بأن لا نصمت عندما يكون الإيمان في خطر… عندما يتعلّق الأمر بالإيمان، لا يمكننا أن نقول «مَن أنا؟ أكاهن؟ لا. أرَجل نبيل؟ لا. أقائد؟ لا. من أين؟ مزارع؟ ولا حتى هذا. أنا رجل فقير، أسعى لتأمين خبزي اليومي. أنا غير متعلّم ولا أهتمّ بهذا الأمرالويل لك! الحجارة سوف تبكي وأنت سوف تبقى صامتاً وغير مبالٍ؟ حتّى الرجل الفقير لن يجد مبرراً في يوم الدينونة إن لم يحكِ الآن، لأنّه سوف يُحاسَب حتّى ولو على هذه فقط“.[2]

في ما يتعلّق بشهادة الرهبان بشكل خاص في شؤون الإيمان، يشدد الطيب الذكر الشيخ جورج كابسانيس، على أنه عندما يكون الإيمان في خطر، فإن المتعلمين من الرهبان، وخاصةً أولئك الذين أوكِلَت إليهم مهمة رعاية آخرين، من أجل القيادة الصحيحة لمَن حياتهم الروحية في عهدتهم، كما من أجل عقائد التقوى الحقيقية، عليهم مسؤولية أن يتكلّموا، لا لكي يعلّموا الكنيسة بل ليعترفوا بالإيمان بما يوافق وصية السيّد: «كُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ» (متى 32:10). إن الاعتراف بالمسيح ليس عمل خدمة بل تعبير عن الحياة. لا يقول المسيح كلّ مَن يعترف ليبل كلّ مَن يعترف بي“. إن الاعتراف بالمسيح هو تعبير عن الشركة مع المسيح، عن الحياة في المسيح. والرهبان الذين يحيون في المسيح يعترفون ويعلّمون المسيحيين بهذه الطريقة. إنهم يقومون بذلك بتواضع، لا لي يعلّموا، بل لكي يقدّموا اعترافاً. هذا تقليد ثابت تاريخياً في الرهبنة الأرثوذكسية“. [3]

إن الذين أوحوا بهذا المجمع ونظّموه قد أخذوا على عاتقهم، بطريقة عنيفة وسلطوية، أن يرموا تقليد الكنيسة الآبائي وأن يرفعوا المجمع كمؤسسة بحد ذاته إلى درجة السلطة المطلقة، من دون أي شروط. إن هدفهم الأساسي هو خلق مؤسسة موحدة محورها الأسقف، بموازاة الخطوط البابوية ومن مصدر بابوي، بحيث، من دون عائق ومن دون رقابة، يستطيعون أن يضفوا الطابع المؤسساتي على تعاليمهم المبتكرة والابتداعية، أي نسبةَ الحقيقة الكنسية إلى مجموعات هرطوقية بهدف وحدة الكنائسالتي سوف تؤدّي في نهاية المطاف إلى توحيد الأديان كما يتوقّعه تيار العصر الجديد (New Age).

على أساس هذا النظام الأحادي الجانب والموحّد في اتّخاذ القرارات، تمّ التأسيس لوجود أولّ من دون مساوين في الشرق الأرثوذكسي. إن التعبير عن هذا النهج المتماسك هو في وثيقةعلاقات الكنيسة الأرثوذكسية مع باقي العالم المسيحي، حيث يرِد التالي: “إن الحفاظ على الإيمان الأرثوذكسي الحقيقي مضمون فقط عِبر النظام المجمعي، الذي كان دائماً ممثِلاً السلطة العليا في الكنيسة في شؤون الإيمان والأحكام القانونية.” [4]

بحسب أستاذ اللاهوت العقائدي، ديمتريوس تسالانغيدس، بهذه الطريقة يستبق المجمع العظيم المقدس المقبِل عصمة قراراته… إن النظام المجمعي بحد ذاته لا يضمن بشكل تلقائي صحّة الإيمان الأرثوذكسي. هذا يحدث فقط عندما يكون الروح القدس في مجمع الأساقفة وأيضاً الطريقة الأقنومية، أي المسيح، فاعلة في المجمع، وهكذا هم (“syn”—“odikoi”) [أي عابرون الطريق معاً] عملياً «متّبعين الآباء»” [5].

إن هذا النظام المبلوَر المتمحور حول الأسقف هو غريب بالكليّة عن الأرثوذكسية. وعلى نفس النسبة من التغرّب أيضاً هو الانطباع التعسفي والمضلّل الذي يجري زراعته عمداً بأنّ من المفترض أن تكون الكنيسة محددة بطاقمها الإداري أي أساقفتها. استناداً إلى هذه الفكرة الخاطئة، صار من المعتاد لدى كثيرين أن يرددوا كلّ ما تقوله الكنيسةأو سوف نطيع الكنيسةبمعنى أن الكنيسة هي الأساقفة أو مجمع الأساقفة، حتّى عندما يفكّر هؤلاء الأساقفة أو يعملون على عكس الإيمان الأرثوذكسي.1

بحسب الأستاذ تسالانغيدس، يوجد تمييز واضح بين الكنيسة بذاتها، كجسد المسيح الإلهي الإنساني السري، وإدارة الكنيسة التي تعبّر بشكل حقيقي وصحيح عن الكنيسة في ظروف محددة وواضحة فقط” [6].

كما يلاحظ الأب جورج فلوروفسكي، لم يتلقَّ الأسقف كامل سلطة التعليم من شعبه بل من المسيح عِبر التسلسل الرسولي. لكن هذه السلطة المُعطاة له هي قدرته على حمل الشهادة لخبرة الكنيسة الجامعة. إنها مقيّدة بخبرته. بالتالي، في مسائل متعلّقة بالإيمان، على الشعب أن يحكم على تعليمه. إن واجب الطاعة يكفّ عن الإلزام عندما يحيد الأسقف عن المعيار الجامع وفي هذه الحالات للشعب الحق بإدانته وحتّى عزله” [7].

ويشدد اللاهوتي الكبير نفسه أيضاً: “على الأسقف أن يتبنّى في داخله الكنيسة كلها؛ عليه أن يعبّر عن خبرتها وإيمانها ويظهرهما. لا ينبغي عليه أن يحكي عن ذاته، بل بما توافق عليه الكنيسة وعنه.” ويستنتج أنّ لكل جسم الكنيسة الحقّ في التحقق. أو بتعبير أكثر دقة، لكل جسم الكنيسة لا الحق فقط بل عليه واجب «التصديق». وعلى هذا الأساس، كتب بطاركة الشرق في رسالتهم الشهيرة سنة 1848 أنّ «حامي الدين هو… حتّى الشعب نفسه»” [8].

سيادة الميتروبوليت ييروثيوس مطران نافباكتوس يحدد بوضوحٍ مطلَق الخطوطَ العريضة لدور المؤمنين من العلمانيين في مجامع الكنيسة: “… والمؤمنون من العلمانيين هم شهود للحقيقة، إنهم رعاة (بطريقة غير مباشرة) لشعب الله. إنهم عاملون مشاركون للرعاة. حتّى أنهم يشاركون كمستشارين في المجامع المسكونية وفوق هذا يقبلون أو يرفضون قرارات المجامع المسكونية. الشعب (كهنة وعلمانيون) لم يقبلوا وحدة <الكنائس> التي تمّت في فيريرافلورنسا” [9].

القديس يوحنا الذهبي الفم يستعرض بوضوح مطلَق حدود طاعة المؤمنين ﻷساقفتهم حين يتكلّمون أو يعملون على عكس إيماننا: “لماذا إذاً يقول بولس «أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا»؟ وقد سبق له أن قال: «الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ»، ومن ثمّ «أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا». إذاً ماذا، إذا كان شريراً فهل علينا أن نطيع؟ شرير؟ بأي معنى؟ إن كان بالحقيقة من جهة الإيمان، فابتعدوا عنه واجتنبوه؛ ليس إن كان رجلاً، بل حتى ولو كان ملاكاً نازلاً من السماء؛ لكن من جهة الحياة، لا تكونوا مفرطين بالفضولية… إلى هذا لا تدينوا كي لا تُدانوا في ما يخص الحياة، لا الإيمان. أترون أن الحديث ليس عن العقائد بل عن الحياة والأعمال؟” [10]

والذهبي الفم الإلهي، في وقت آخر، مشيراً إلى الانقسامات البشريةبين أعضاء الجسم الكنسي إلى قطعان ورعاةيلاحظ أن تمييز الحمل عن الرعاة هو بشري، أمام المسيح الكل قطيع، الرعاة والمرعيين، الكل يرعاهم راعٍ واحد سامٍ.” [11]

والشيخ جورج كابسانيس الطيب الذكر، في كتابة عن الموضوع نفسه يقول: “حين يتعلّق الأمر بالإدارة والتعليم، فإن مشاركة الشعب أساسية، لأن الشعب هو حامل الروح والله يعلمه. إنه يشكّل، إلى جانب الكهنة، الضمير الساهر للكنيسة الذي يشهد (يحكم، يميّز، يوافق ويقبل، أو يدين ويرفض) تعليم الرؤساء وأعمالهم بحسب ما ذكر بطاركة الشرق في رسالتهم في السادس من أيار 1848.”[12]

2. تقنيات فريق العمل المسكوني

لقد تمّ تجاهل الشعب والكهنة والرهبان وغالبية الأساقفة، إذ دُفِعوا جانباً، هُمِّشوا وكُذِب عليهم من مجمعكريت. لقد أُسكِتوا، استُهزِئ بهم، لُعِنوا، هُزِء بهم وهُدِّدوا. يقدّم الميتروبوليت ييروثيوس مطران نافباكتوس، وهو أحد الأساقفة المشاركين، شهادة ذات دلالة وهي تكشف الروح التي هيمنت على هذا المجمع“: “أقلّ ما فيه، يمكنني أن أشهد على أني شخصياً تعرّضتُ لضغوط كبيرة ومعاملة تعسفية من الرؤساء بسبب موقفي، وقد أُعلِمتُ أن الأساقفة الآخرين من كنيستنا أيضاً تعرَّضوا لهذه الضغوطات. ولأنني أجاهد دائماً لأن أتصرّف بهدوء ورصانة وحرية، لم أكن أستطيع قبول هذه التصرفات المهينة.” [13]

إن حملة القذف والترهيب التي اشترك فيها دوائر معروفة قبل وبعد المجمعهي بالحقيقة غير مسبوقة. هناك مؤسسة معروفة جداً، منها فريق العمل الذي يعمل في ضواحي الفنار [مركز البطريركية المسكونية] وغيرها من المراكز المسكونية، قد حملت بشكل منهجي مشروع تعزيز ونشر الأفكار المبتكرة والتعاليم غير الأرثوذكسية التي تدخل عالم اللاهوت الأرثوذكسي. هذه المجموعة المغلقة هي الحامل الرئيسي والمؤيد للاهوت العقلي الأكاديمي، الفكري، غير الليتورجي، الفرداني، غير الملتزم بالاشتراك بحياة الكنيسة الأسرارية، الخالي من الروح، وفي النهاية غير اللاهوتي. إنه لاهوت اللجان والمؤتمرات المنفصل عن الجسم الكنسي، لاهوت متغرّب دهري متعصرن وما بعد آبائي.

ليس من باب الصدفة أن نلتقي بنفس أعضاء هذه المجموعة المغلقة في كل مرة يتم الدفاع فيها عن الأفكار التي تشوّه وتحطّم الروح (Ethos) والتقليد الأرثوذكسيين. إنهم يدعمون التجديدالليتورجي المخادع، تغيير شكل التعليم الديني في المدارس أو دهرنته، أو حتّى إلغاءه. إنهم يقدّمون الدعم ويروّجون لقضية إعادة تقييم مكان المرأة في الكنيسةحتّى نُقاد تدريجياً إلى سيامة النساء كما في البروتستانتية. إنهم يسمسرون للتيارات المتعددة للمجموعات المختلفة من الحق في التعدديةوحرية التوجّه الجنسي وحتّى لقبول المثلية الجنسية بما يخالف الكتاب المقدس.

هؤلاء الأشخاص أنفسهم، من أساقفة وكهنة وأكاديميين ولاهوتيين، هم دائماً المنتَقون ممثلين للكنائس في الحوارات اللاهوتية ومؤتمرات كافة الأرثوذكس. وأيضاً على القنوات الإعلامية هم الضيوف ومديرو صفحات الإنترنت، المشجعون الذين يغطّون المؤتمرات والندوات والمنتديات العالمية وهم دوماً على الإنترنت عبر مداخلات ومساهمات ومقالات.

إنه لعبث مطلق وفضيحة واضحة أن أولئك الذين بمخالفاتهم المسكونية قد ثبّتوا موقعهم المريب ضمن الكنيسة يعيّرون المؤمنين الأتقياء وكل المقاومين لانحرافاتهم المسكونية. إنهم يعيّنون أنفسهم قضاة ومراقبين للجميع، معاقبين المخالفات؛ إنهم يتظاهرون دعماً للتجريد ويدفعون نحو الحرم! حتّى أنّهم ينادون الذين يرفضون أن يتخلّوا عن إيمان قديسينا وآبائنا بأنهم تـخلّوا عن الكنيسة الأرثوذكسية وعزلوا أنفسهم” [14]. فليكن معلوماً عندهم أنهم يعملون عبثاً. وبقدر ما هم يتمنون هذا الشيء فسوف يظهرون على خطأ بنعمة الله.

نحن لا نركع للتهديدات، ولا نُروَّع بالإرهاب، ولن نُسكَت، ولن نتراجع، ولن نهجر أو نسلمهم كنوز أرثوذكسيتنا. نحن نبقى، بمعونة الله، مخلِصين وثابتين في كنيستنا المقدسة، نثبت متّبعين الآباء القديسين، بثبات وحزم على أسوار النضال من أجل إيماننا غير المنثلم حتى الموت.

إن معاصرنا العظيم والقديس باييسيوس الأثوسي، كنور يظهِر الطريق، أوضح بطريقته النبوية الموحية: “لنتذكّر أن كنيستنا الأرثوذكسية ليس فيها أي شائبة. الخلل الوحيد التي تظهره هي افتقادها إلى رؤساء جديو الفكر ورعاة ذوي مبادئ آبائية. المختارون قليلون.” [15] وفي مكان آخر، أعلن القديس نفسه بوضوح مطلَق: “الكنيسة هي كنيسة المسيح وهو يحكمها. ليست معبداً مبنياً من حجارة، رمل، وإسمنت على يد رجال أتقياء ومن ثمّ مخرّبة بنيران البرابرة، إنها مبنيّة من المسيح نفسه. وكلّ مَن يقع على هذه الصخرة يتكسّر: وكلّ مَن تقع عليه تطحنه إلى مسحوق” [16] [17].

ب. قرار متعمد ومنهجي

شرط أساسي لأي تقييم لمجمع كريت هو في أن نتتبّع خصوصياته لاحظين نقاط اختلافه الكلي عن كل المجامع الأرثوذكسية. هذا المجمعالخاص لم ينعقد لإدانة أي هرطقة، بل ليعزو صفة الكنيسة إلى الهرطقات، لا ليحلّ أي مسائل قانونية بل لكي ينتهك القوانين بوعي وليثبّت قرارات غير شرعية، لا ليقوي الوحدة الأرثوذكسية ويظهرها بل ليفرِض وحدةمفبركة مع الهراطقة!!

كما يلاحظ سعادة الميتروبوليت سارافيم مطران بيريه: “مجمع لا يميز بين البذيء والمقدس (محاضر المجمع المسكوني السابع)، بين الأرثوذكسية والهرطقة، بين حقيقة المسيح وخديعة الشياطين، مشرعاً الهرطقة على مستوى كنسي، لا يمكن أن يكون أرثوذكسياً بالحقيقة بل يصير مجمعاً منحولاً.” [18]

هذا المجمعكان منذ البداية جزءً من مسعى أوسع لتفكيك وحدة الكنيسة بالروح القدس. هذا المسعى بدأ بالتعاون مع الشرير في بداية القرن العشرين بأمر البطريركية المسكونية، متعدد المستويات ويضمّ جبهتين. إنه يتحرك على طول محورين:

1- الحوار اللاهوتي مع غير الأرثوذكسي

2- اللقاءات والمؤتمرات الشاملة لكل الأرثوذكس، التي تمّ تنظيمها وترتيبها منهجياً في 1961، على الطريق نحو المجمع المقدس الكبير“.

العامل المشترك بين المحورين هو المسكونية.

1. ما هي المسكونية؟

ظهرت المسكونية للمرة الأولى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في العالم البروتستانتي الهرطوقي كمحاولة للتقارب والتعاون بين الطوائف البروتستانتية المختلفة.

من ثمّ في بداية القرن العشرين، بمبادرة إفرادية من البطريركية المسكونية، ظهرت المسكونية وانتشرت وتدريجياً فرضت نفسها على الكنيسة الأرثوذكسية كتيار هدفه بحسب المروّجين له إعادة توحيد المسيحيين والكنائس المنقسمين“. إنها تهتمّ بـِ إعادة توحيدخلواً من المسلّمات اللاهوتية مهملةً الفروقات العقائدية والتقليد الأرثوذكسي وممارسةَ الآباء القديسين وقرارات المجامع المسكونية والمحلية وقوانينها المقدسة. إنها محاولة إعادة توحيدقائمةً فقط على ما يوحّدنا، وعلى النقاط المشتركة، لا اللاهوتية بلّ على العوامل الاجتماعية والسياسية الصرفة. لهذا السبب، إنّ الذين يساهمون فيها يسقطون أكثر فأكثر في الخطط التسووية التوفيقية التي تنتهك مبادئ إيماننا الأرثوذكسي الرئيسية” [19] وتكسر الوعي العقائدي للكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة والرسولية.

إن الرؤية المسكونيةبمجملها ليست محدودة فقط بـِ وحدة الكنائس المسيحية” (الأرثوذكس، الكثلكة البابوية، البروتستانت، وغير الخلقيدونيين)، بل تمتدّ حتى لتضمّ أديان العالمالمختلفة.

في المرحلة الأولى، إنها تضمّ ما يُسمّى بالأديان التوحيدية (المسيحية واليهودية والإسلام) بهدف التوسع اللاحق لضمّ كل الباقين (الهندوسية، البوذية، وغيرها). ما لدينا ليس مسكونية مسيحية وحسب بل أيضاً مسكونية دينية.

تنتشر المسكونية وتعمل وتفرض ذاتها بمصطلحات ووسائل وممارسات العصر الجديد. خصوصية المسكونية بالمقارنة مع الهرطقات الأخرى المعروفة أنها تضمّها جميعاً، ولهذا السبب وصفها القديس يوستينوس بوبوفيتش بجدارة بأنها الهرطقة الشاملة“. فقد كتب: “المسكونية هي الاسم المشترَك للمسيحية المنحولة والكنائس المنحولة في أوروبا الغربية. في داخلها يقع قلب الإنسانوية الأوروبية، والبابوية رأسها. كل المسيحية المنحولة، كل الكنائس المنحولة، ليسوا سوى هرطقة تلو الأخرى. واسمها الإنجيلي المعروف هو الهرطقة الشاملة” [20].

لا تطعن المسكونية حقيقة واحدة فقط، بل كامل بنية الإيمان الأرثوذكسي، من دون أن تلقي بها في التشكيك. إن البعد الوحدوي للشكل المسكوني الذي تمّ إرساؤه في أيامنا يقوم على منطق مستَخرَج بشكل واضح من العصر الجديد. إنه لا يلمس الأرثوذكسية من خارج بل يجرّدها من صفتها الموحى بها الخلاصية، فيما في الوقت نفسه يساويها بالهرطقة التي يعتبرها شكلاً آخراً من الحقيقة نفسها.

إن التكتيكات التعسفية للمسكونيين المعاصرين وخياراتهم، المعادية للأرثوذكسية، وأعمال خائني الإيمان، تعمل معاً نحو تفكيك وحدة الكنيسة بالروح القدس، والترويج لأول من دون مساويين في الشرق الأرثوذكسي، والعمل على فرضه، والاعتراف بحقيقة كنسية بين الهراطقة، وفرض فكرتهم الخاطئة للوحدة والتي سوف توصِل بالنهاية إلى ما يُسمّى وحدة الكنائس، فيما الهدف الأخير هو خلق ديانة العصر الجديد الشمولية.

كل هذه المحاولات لتفكيك الكنيسة تمّ دفعها مؤسساتياً وبثبات في مجمعكريت. من الواضح أن الانحراف القانوني والإكليسيولوجي وبالنتيجة العقائدي لم يكن مجرد قرار عقائدي خاطئ؛ كما أنه لم يأتِ فجأة ومن دون توقّع خلال سير المجمع. على العكس، لقد شكّل قراراً خاصاً للبطريركية المسكونية ومُواليها؛ لقد كان انحرافاً متعمّداً، منظماً تنظيماً جيداً، منهجياً، وموجّهاً ضمن إطار المشروع الذي سبق وصفه.

2. الإعداد للـمجمع

إن تحقيق هذه الأهداف تطلّب معالجة مدروسة. لهذا السبب أخذ الأمر قرناً كاملاً للمحاولة؛ قرناً كاملاً من استغلال السلطة، والنشاطات الأحادية والإملاءات؛ مليئاً بالسرية والتهديد والتخويف، والابتزاز وبشكل عام بفقدان الشفافية بشكل كامل.

بهذه الممارسات، تمّ تحضير كل الحركات الضرورية وإنجازها خطوة خطوة خلال قرن من الزمن حتى أن انحراف الفنار المسكوني الذي بدأ في بداية القرن العشرين، فجأة ومن دون أي محفّز لاهوتي، يستطيع أن يكتسب سلطة على كل الأرثوذكس مع اعترافهم به.

إن الرسائل البطريركية في 1902 و1904 و1920 غيّرت على الأكيد موقف البطريركية المسكونية الذي كان ضد هرطقات الغرب فَقَلَب بشكل جذري الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية وداسها.

يلاحظ الأب جورج ميتيلينوس حول رسالة 1902: “ما هو مفاجئ هو اللغة المستعملة في هذا النص. من دون أي تحرك ولو صغير من البروتستانت نحو الكنائسية، وبعد ثلاثين عاماً من تحديد عصمة البابا كعقيدة في الفاتيكان الأول (1870)، دُعيَت الهرطقات المسيحية الغربية «فرعَي المسيحية العظيمين»” [21].

إن الرسالة البطريركية في 1902 كانت موجّهة إلى الكنائس الأرثوذكسية المستقلّة طالبة نظرتها في ما يخصّ التقارب مع البابوية. كل أجوبة الكنائس الأرثوذكسية كانت سلبية من جهة هذه الإمكانية. وبالرغم من الجواب السلبي، عادت البطريركية المسكونية مجدداً إلى الموضوع نفسه في الرسالة اللاحقة في 1920 (“إلى كل كنائس المسيح في كل مكان)التقارب بين مختلف الكنائس المسيحية والزمالة فيما بينها لا تمنعه الخلافات العقائدية القائمة” [22].

بالرغم من غياب السنَد اللاهوتي، اقترحت الرسالة البطريركية تشكيل عصبة كنائسسابقة لمجلس الكنائس العالمي، على شكل عصبة الأممالتي تمّ تشكيلها قبل ذلك بقليل. تَصيغ الرسالة ثماني نقاط أساسية لتُبنى عليها العلاقات الحسنة الضرورية والصداقة بين الكنائس“. من المعلوم تماماً أن الافتراضات والأساليب ازدادت من ذلك الوقت لتصير أحد عشر نقطة شكّلت الثوابتالأساسية للعمل المسكوني الذي تبعها خطوة خطوة بإخلاص مطلَق إلى أيامنا هذه. ما أن تنجَز مرحلة حتى تبدأ التحضيرات لتحقيق التالية. تصف الرسالة البطريركية هذه النقاط كما يلي:

1) قبول تقويم موحّد للأعياد المسيحية الكبرى في نفس الوقت لدى كل الكنائس. 2) تبادل الرسائل الأخوية في مناسبات الأعياد الكبيرة كما هي العادة، كما في المناسبات المميزة. 3) العلاقات الحميمة بين ممثلي كل الكنائس حيثما وُجدوا. 4) العلاقات بين المدارس اللاهوتية وأساتذة اللاهوت؛ وتبادل النشرات اللاهوتية والكنسية وغيرها من الأعمال المطبوعة في كل كنيسة. 5) تبادل الطلاب للمزيد من التدريب بين طلاب المعاهد في الكنائس المختلفة. 6) الدعوة إلى مؤتمرات لكل المسيحيين لدراسة المسائل ذات الاهتمام المشترك لكل الكنائس. 7) الدراسة الموضوعية والعميقة للفروقات العقائدية من قِبَل كلٍ من المعاهد والكتب. 8) الاحترام المتبادل للعادات والممارسات في الكنائس المختلفة. 9) السماح كلٌ للآخر باستعمال الكنائس والمقابر لجنانيز ودفن مؤمني الطوائف الأخرى الذين يتوفون في أراضي الغربة. 10) حل مسألة الزيجات المختلطة بين الطوائف. 11) أخيراً، المساعدة المتبادلة المخلصة للكنائس في مساعيها للتقدم الديني وأعمال المحبة وغيرها.” [23]

لقد تنظّم المشروع وبدأ كله في العقود الأولى من القرن العشرين، من ثمّ زُرع التغيّر الأحيائي في الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية وثُبِّت بشكل منهجي. طوال قرن كامل، كانت موافقة المؤسسة الأرثوذكسية الشاملة مطلوبة ويُسعى إليها حتى يتمكن المسكونيون من دفعها واستعمالها على أنها قرار أرثوذكسي عام. هذا بالتحديد ما أنجزه مجمعكريت: نَسَب المنزلة الكنسية إلى الهرطقات واعترف بها ككنائس.

نحن هنا نتحدّث عن تحقيق عقد متّفق عليه مسبقاً، إذ إنه من المعروف جيداً أن كل الأحداث التي جرت خلال المئة سنة الماضية كانت باتفاق مطلَق وتعاون حميم بين الفنار والفاتيكان وهي مندمجة ضمن إطار المسكونية ومجلس الكنائس العالمي.

إن التغيّر الكنائسي مع تأسيس كنائسية جديد تمنح المنزلة الكنائسية للهرطقات وتعترف بها كنائس، كانت قد تمّ إقرارها والاتفاق عليها مسبَقاً، تماماً كما أن وحدة الكنائسالتي تمّ الترويج لها وعرضها بشكل جيد كانت مقررة مسبقاً ومتفقاً عليها. لكنها تُقدَّم للشعب قطعة قطعة، بخطى حذرة، حتّى لا تثير أي ردة فعل كبيرة بين المؤمنين الأرثوذكسيين وحتى يتمّ بلعها بسهولة من المؤمنين المطمئنين.

في السطور التالية سوف نشرع بأقصى الإيجاز إلى كشف وتقديم الروابط التي في السلسلة والتي على مدى قرن كامل وإلى الآن تهدد بشكل منهجي بأن تحيط بكنيستنا المقدسة.

3. المحاولات الأولى لعقد مجمع أرثوذكسي شامل للجميع

إن القرار الأول لعقد المجمع الكبير العظيماتُّخِذ في غياب أغلبية الكنائس الأرثوذكسية سنة 1923 في القسطنطينية برئاسة البطريرك ملاتيوس ميتاكساكيس، وهو المعروف بالانشقاق الشنيع وغير القابل للإصلاح الذي أثاره في جسد المسيح بشكل وقح من خلال قرار فرض التقويم الغريغوري غير المشروع.

من ثمّ بدأت عملية تحديد لائحة المواضيع التي سوف يعالجها المجمع. الهدف الأول كان عقد مجمع مسكونيجديد في 1925 بمناسبة الذكرى 1600 لانعقاد المجمع المسكوني الأول في نيقية سنة 325. في النهاية، لم يكن هذا قابلاً للتنفيذ وظهر أنه مثال آخر على الاختلافات والاحتجاجات التي أحاطت بهذا المجمع منذ البداية. من ثمّ نوقشت الدعوة إلى المجمع ضمن إطار اللجنة التحضيرية لكل الأرثوذكسفي 1930، والتي اجتمعت في الجبل المقدس أثوس. انتهى هذا اللقاء مجدداً من دون أي نتيجة.

إن مدخل النصف الثاني من القرن العشرين أظهر ازدياداً وازدهاراً للمسكونية مرتبطاً بأشخاص وأحداث محددة. نشير هنا إلى نشوء مجلس الكنائس العالمي في سنة 1948 ووصول رجلين، ذوي تاريخ مسبق ومعرفة شخصية وأهداف مشتركة وأسلوب مشترك في التعبير، إلى تبوء عرشي روما والقسطنطينية: انتخاب الكاردينال أنجيلو رونكاللي في 1958 بإسم البابا يوحنا الثالث والعشرين، ورئيس أساقفة أميركا أثيناغوراس بطريركاً مسكونياً في 1948.

في تلك الفترة بالتحديد، دخلت السياسة إلى الشؤون الكنائسية، وبخاصة العامل الأميركي. في ذلك الوقت بدأت الحرب الباردة وراحت الولايات المتحدة الأميركية تعمل بفعالية على تقوية الفنار لتبطل التأثير الذي كان السوفيات يرغبون بممارسته عِبر الكنيسة الروسية على الأمم الأرثوذكسية في أوروبا الشرقية. من هذه الزاوية، دعمت الحكومات الغربية وشجّعت الحوار المسكونيومحاولاته تمتين العلاقات بين الكنائس في الشرق والغرب2.

في 1948، خُلِع البطريرك مكسيموس الخامس عن العرش المسكوني لاتّهامه بمشاعر ونشاطات ميّالة إلى الروس. قررت الولايات المتحدة أن تعمل بحزم وسَعَت إلى زرع شخصية قوية وموثوقة في الفنار ، شخصيةً مناسبة للاستجابة إلى الحاجات المذكورة أعلاه وإنجاز الغايات المحددة لها. على ضوء انتخاب البطريرك الجديد، أزالت الحكومة التركية كل مطارنة مجمع البطريركية الدائم من لائحة المرشحين حتّى تمّ انتخاب أثيناغوراس أميركا بموافقة الحكومتين الأميركية واليونانية.

4. فرض أسقف أول على الأرثوذكسية

ابتداء من ذلك الحين، قدّمت الولايات المتحدة، كوسيلة لإزالة مفعول العامل الروسي، دعمها لهدف الفنار الثابت بتثبيت أوليّته في الشرق الأرثوذكسي. تمّ الترويج لكل هذه المسألة بشكل منهجي من قِبَل ممثلي البطريركية المسكونية. ميتروبوليت بروسا أتى مباشرة إلى هذه النقطة مديناً بالهرطقة كل الذين لا يقبلون فرض الأولية في الكنيسة الأرثوذكسية، فكتب: “إن رفض الاعتراف بأيّ أوليّة في الكنيسة الأرثوذكسية، أوليّة لا يمكن تجسيدها إلا في <أوّلٍ> ما، أي في أسقف عنده امتياز أن يكون أولاً بين إخوته الأساقفة، إن هذا الرفض يشكّل هرطقة. ما يُقال عادةّ بين الأرثوذكس عن الوحدة بأنها مؤمَّنَة من خلال إيمانهم المشترك وعبادتهم المشتركة أو من خلال مؤسسة المجمع المسكوني كلام مرفوض. كلا النموذجين غير شخصي، بينما في اللاهوت الأرثوذكسي مبدأ الوحدة هو دوماً شخص. بالواقع، كما في الثالوث القدوس، مبدأ الوحدة ليس الجوهر الإلهي بل أقنوم الآب (رئاسة الآب)؛ الأمر نفسه على المستوى الإكليسيولوجي، في الكنيسة المحلية، نقطة الوحدة ليست الخدمة الكهنوتية ولا العبادة المشتركة بين المسيحيين، بل شخص الأسقف. بالتالي، على مستوى الأرثوذكس بشكل شامل، مبدأ الوحدة لا يمكن أن يستند إلى فكرة أو مؤسسة، بل يجب أن يكون شخصاً، إذا كنّا بالفعل نريد أن نبقى ثابتين في إيماننا” [24].

واضح أن نظرة ميتروبوليت بروسا تتوالد في الأفكار التي في لاهوت ميتروبوليت برغامن (يوحنا زيزيولاس) في ما يتعلّق بالشخص. بحسب مطران نافباكتوس، إن السلالة الكاملة من الفكر المتعلّق بالشخص، من دون المخاطرة بقول الكثير، هي هرطقة، استمرار للأريوسية والمشيئة الواحدة وهي تنتج من خلال تأثير الفلسفة الوجودية.” [25] “الكنيسة بحسب تعليم الرسول بولس، هي جسد المسيح؛ أساس الكنيسة هو محورية المسيح وليست محورية الثالوث، لأن المسيح، أحد الثالوث، صار إنساناً واتّخذ الطبيعة البشرية وألّهها. عندما تُوصَف الكنيسة بأنها أيقونة أو على صورة الثالوث القدوس، إذّاك من وجهة نظر لاهوتية صرفة يحصل خلط بين اللاهوت والتدبير والتباس بين المخلوق وغير المخلوق. إلى هذا، في صياغة أن الكنيسة هي أيقونة للثالوث القدوس تظهر عدة صعوبات في ما يتعلق بالصِلة بين الكنائس والصفات الأقنومية لأشخاص الثالوث القدوس” [26]

على خلاف ذلك، من المميز أن مع لاهوت الشخص هذا، الكنيسة كأيقونة للثالوث، واستعمال هذا اللاهوت لدعم فَرض الأوليّة، فإن ميتروبوليت برغامن يتخطّى حتّى لاهوتيي البابوية! ففي اجتماعات اللجنة المشتركة للحوار في عمان الأردن في أيلول 2014،لقد فاجأ حتّى ممثلي البابوية. “خلال الاستراحات بين الجلسات كانوا يتحدّثون مع ممثلي الكنائس الأرثوذكسية وأعلنوا أن الكنيسة الكاثوليكية لم تدعم يوماً أوليّة البابا بحجج كالتي قدّمها ميتروبوليت برغامن! لاحَظَ الكاثوليك أنهم فهموا البابا كخليفة في السلطة على كنيسة بطرس، لكنّهم لم يعبّروا أبداً عن أنّ البابا بالمماثلة هو في مكان الله الآب في الثالوث، أي في الموقع الذي يدعم به مطران برغامن روما والقسطنطينية!” [27]

للأسف، في نص رسالة مجمعكريت، الفصل العاشر يحمل أفكار مطران برغامن، وهو المعنوَن الكنيسة: جسد المسيح، أيقونة الثالوث القدوس“. من البداية، كان أحد أهداف المجمع، من بين أهداف أخرى، إقامة البطريرك المسكوني كأول من دون مساوين في الكنيسة الأرثوذكسية. إن ممارسات البطريركية المسكونية الأحادية في أمور المسكونية – استبعاد وإهمال ومخاصمة وتهميش جميع الكنائس الأرثوذكسية الأخرى – خلقت وأسست بحكم الواقع وضعية الأولية هذه للفنار. ممثلو الفنار، باتّباعهم الاستراتيجية الأحادية الجانب بفرض خياراتهم بشكل منهجي ومتكرر، تخطوا دور البطريركية المسكونية كمنسّق في الحوارات اللاهوتية والمؤتمرات الشاملة لكل الأرثوذكس. لقد استفزّوا بهذه الطريقة ردّة فعل مبررة من جهة الكنائس الأرثوذكسية الأخرى.

بالإشارة مجدداً إلى أحداث الماضي، نكتشف أن كنيسة اليونان كانت أخذت على عاتقها مقاومة شرسة لمخططات الفنار رافضة بأي شكل الاعتراف باحتكار السلطة على كل الكنائس الأخرى كما حاول الفنار أن يؤسس. بتعبير آخر، لقد رفضت الاعتراف بفَرض أوّل، لا بين متساوين، بل على غير متساوين؛ رفضت فرض أوليّة في السلطة لا أوليّة شرف ضمن الكنيسة الأرثوذكسية.

لتصوير هذه النقطة، نحن بحاجة فقط إلى تذكّر ردة الفعل القوية لكنيسة اليونان على التلهّف الذي انتاب البطريرك أثيناغوراس إلى الدعوة سريعاً إلى عقد المؤتمر الأرثوذكسي الشامل في 1963 ومحاولته أن يؤسس لأوليّة كرسيه على كل الأساقفة الأرثوذكسيين الآخرين. مجمع كنيسة اليونان أدان بالإجماع الطريقة التي بها يتمّ التحضير لتنظيم المؤتمر الأرثوذكسي من دون أي احترام للترتيب القانوني، وتعيقه الشرائع المقدسة عن الاعتراف بحصر السلطة في أي من الأساقفة الأُوَل في الكنيسة” [28]. وتوجّه المجمع إلى البطريرك أثيناغوراس: “توصّل المجمع إلى القرار الثابت بالامتناع عن المشاركة في المؤتمر الأرثوذكسي الشامل الذي قررتموه بمفردكم يا صاحب القداسة، والذي نتائجه تؤدّي إلى تخريب كنيستنا المقدسة” [29].

5. بطريركية أثيناغوراس – الاتفاق على الوحدة

بطريركية أثيناغوراس، باقتراحاتها المسكونية غير المتوقّعة وغير المرغوبة، وازدرائها الفاحش الذي لا يوصَف لقوانين ونظام الكنيسة، ودوسها عليها، كما تقرّبها المتهوّر والمفرِط من البابويين، من دون حدود ولا نهاية، بحسب ما وصفها هو نفسه، والتراجيكوميديا التي لا تُصدّق والكلام الفائض عن المحبة في لقاءاتهم معاً، والبطولات التواصلية وحرب الانطباعات، كل هذه كانت استفزازاً متواصلاً للخُلُق الأرثوذكسي وتقليد الكنيسة، وكما نتوقع، لم يحظَ ولا بأي لحظة بموافقة الكنائس الأرثوذكسية الأخرى.

من بين نشاطاته المسكونية الوفيرة، كان البطريرك أثيناغوراس مسؤولاً عن إعادة إطلاق عملية عقد المجمع الأرثوذكسي الشامل. بهذه الطريقة، نرى العلاقة الداخلية البديهية والمباشَرة بين ما يُسمّى المجمع الكبير وأهداف وغايات المسكونية.

مع تبوئه عرش القسطنطينية، بدأ البطريرك أثيناغوراس اتصالات رسمية وخاصة مع الفاتيكان. “كانت تجري مفاوضات خلف الستائر بين أثيناغوراس والفاتيكان لترتيب لقائه مع البابا. كان الوسطاء لهذا اللقاء شخصيات مختلفة من العالم الكاثوليكي، لكن بوجه خاص الأرشمندريت سكريما الروماني، وهو لاهوتي متميز.” [30]

العلاقة الوثيقة والتواصل الذي تمت رعايته لسنوات مع الكاردينال أنجيلو رونكالي، لاحقاً البابا يوحنا الثالث والعشرون، أدّى إلى اتفاقات للترويج معاً لـوحدة الكنائس“. بالنسبة للبابا يوحنا، الوحدة سوف تكون وحدة قلوب، وحدة صلاة: ثمرة بحث الواحد عن الآخر” [31] والتي ينبغي أن تقوم على أسس الثورة الفرنسية. “إن لم يَسُد شعار الثورة الفرنسية: حرية، مساواة، أخوّة، فلن يكون هناك سلام بين الأمم ولا وحدة بين الكنائس” [32].

هذا الاتفاق الخاص بين الفنار والفاتيكان للترويج لـوحدة الكنائسحرّك سلسلة من الإشارات والمبادرات ذات معنى رمزي ضخم، وأهمها اللقاء المثير بين البطريرك أثيناغوراس والبطريرك التالي بولس السادس في أورشليم سنة 1964. لقد كان قراراً جديداً وغير متوقّع للبطريرك أثيناغوراس، أطاح بلحظة واحدة بكل ما كان مفروغاً منه في الكنيسة الأرثوذكسية – قوانينها المقدسة، مبدأ المجمعية، التقليد الآبائي، ضميرها العقائدي والكنائسي والكثير غير ذلك. وهل هناك منَ يعتقد بأن كل ذلك تمّ على يد رجل واحد من دون أي اتفاق مسبَق بين كل الأرثوذكس! مرة جديدة شجبت كنيسة اليونان هذا العمل: “إن أفكار البطريرك المسكوني المذكورة أعلاه… خلقت انطباعاً هدّاماً… هذه الخطوة المصيرية غير المتوقعة من البطريركية، مطلوب تحديدها كموضوع مناقشة مشتركة وقرار بين كل الكنائس الأرثوذكسية المقدسة.” [33]

وقد تمّ استثمار اجتماع البابا والبطريرك بشكل منهجي مع قوة الصورة والرمزية والتصورات. تكتيكات العلاقات العامة، المنشورات المثيرة، والفيض المتواصل لـلغة المحبةساد على الاجتماع الشهير، على حسب ما كشف البطريرك أثيناغوراس نفسه. وفي الوقت عينه تضمّن اجتماعات خاصّة وإنهاء اتفاقات مخبأة بين البابا والبطريرك: “دخلنا نحن الاثنان يداً بيد إلى غرفته وكان لنا نقاش منعزل. ماذا قلنا؟ مَن يعرف ماذا تقول روحان عندما تتحدثان! مَن يعرف ما يقول قلبان عندما يتبادلان مشاعر المحبة!… ماذا قلنا؟ لقد وضعنا مشروعاً مشتركاً، بمساواة مطلقة، من دون أي فرق في السلطة.” [34]

هذا المشروع المشترك يتمّ تنفيذه تدريجياً، خطوة خطوة، حتى اليوم. “الوحدةوُصّفت واتُّخِذ قرارها منذ تلك النقطة. لقد كان هناك اتفاق واضح على الوحدة في الكأس المشتركةكما يظهر من حقيقة أن هذا كان الرغبة الأساسية للفريقين. يتابع البطريرك أثيناغوراس وصفه “وقلنا أننا وجدنا أنفسنا على طريق عمواص… وأننا ماضون للقاء سيدنا في الكأس المقدسة المشتركة. جواباً، أعطاني البابا كأساً مقدسة كهدية. لم يعرف ما كنت سوف أقول عن الكأس المشتركة ولا أنا عرفت ما سوف تكون هديته. ما هذا؟ رمز للمستقبل.” [35]

إن رفع الحرمالشائن بين الفاتيكان والفنار في أواخر 1965 كان محاولة لتحقيق خطوة مهمة نحو هذه الوحدة في الكأس المشتركة، وهذا كان قراراً أحادياً من البطريركية المسكونية. ردة فعل الكنيسة اليونانية كانت مميزة: “بكثير من الامتعاض تمّ الإعلام عن مبادرة البطريرك المسكوني في القسطنطينية الكلي القداسة أثيناغوراس. ما من أحد له الحق بالتقدم في أعمال مماثلة. هذا الحق يعود للأرثوذكسية ككل.” [36]

في نص رفع الحرماللاتيني، ترد عبارة excommunicatio التي تعني الحرم، بينما في ترجمة البطريركية المسكونية الرسمية فتُرجِمَت إلى لعنة anathema.” بتعبير آخر، تكلّم النص عن رفع الحرم“. [37] يعلِمنا المطوّب الذكر المتقدّم في الكهنة يوحنا رومانيدس ذكرت النيويورك تايمز حول الإعلان من الفاتيكان والفنار في السابع من كانون الأول 1965 عن رفع الحرم (الحرم لا اللعنة في النص اللاتيني) على الصفحة الأولى، أنه وضع حد لانشقاق 1054 واستعادة للشركة الأسرارية التي انقطعت. واضح أن النص اليوناني الذي يعلن رفع اللعنات كان مضللاً عمداً. كان المقصود منه الردّ على ردات الفعل السلبية الممكن صدورها عن الكنائس الأرثوذكسية الأخرى.” [38]

ما يؤكّد الاتفاق الذي تمّ لرفع الحرم هو أن البابا يوحنا بولس الثاني قبل زيارته للفنار (11/30/1979)… عبّر عن ثقته بأن الوحدة قد استعيدَت من خلال هذه العملية.” [39]

لقد كانت قناعة البطريرك أثيناغوراس راسخة بأن وحدة الكأس المشتركةلن تتأخّر وأنّ وحدة كل المسيحيينسوف تتبع ومن ثمّ وحدة كل البشر من كل الأديان، أي دين العصر الجديد الشامل. “أنا أؤمن أنها آتية. لأن من المستحيل أن لا تأتي، لأنها أصلاً بدأت بالقدوم. ففي أميركا أصلاً أنت تناول الكثيرين من الكأس المقدسة وحسناً تفعل! وأنا هنا، عندما يأتي كاثوليكيون وبروتستانت ويطلبون المناولة أقدم لهم الكأس المقدّسة! والأمر نفسه يحدث في روما كما في بريطانيا وفي فرنسا. إنها آتية من ذاتها. لكن لا ينبغي أن تأتي بالشعب والكهنة. على الرؤساء واللاهوتيين أن يكونوا على اتفاق. لهذا السبب، نحن نحاول أن يكون لاهوتيونا معاً، حتى تأتي هذه الحقيقة العظيمة، المسيحية الشاملة. ومعاً مع هذه الحقيقة العظيمة، يأتي يوم حلمنا، البشرية الشاملة.” [40]

من المعبّر أن كلّ ما تقرر في الاجتماعات الخاصة والاتصالات بين ممثلي الطرفين (الفاتيكان والفنار) نلقاه لاحقاً يتطور كمخطط للتحقيق تدريجياً من خلال الخيارات والأفعال المنسجمة. هذا ما يعبّر عنه كل أبطال المسكونية الذين يؤكّدون لنا أن في الحقيقة، في العقود الأخيرة، رؤساء الكنائس، بمَن فيهم البابا فرنسيس والبطريرك برثلماوس، عبّروا ليس فقط بالأقوال عن إرادتهم بأن يحققوا رغبة الربّ باستعادة وحدة الكنائس، لكنهم كانوا يتحركون متقدمين من خلال أعمال الرجاء والأخوّة الملموسة والمحبة الكاملة والاحترام المتبادل، والأفعال التي تبرهن نواياهم المخلِصة والشريفة.”[41]

إن الحاجة لأن يكون الرؤساء واللاهوتيون على اتفاق، بحسب صياغة البطريرك أثيناغوراس، كان ينبغي إعطاؤها برنامجاً زمنياً للتمام حتّى تتحقق الوحدةالتي يسعون إليها وتكتسب اعترافاً مؤسساتياً وتصديقاً من مجمع أرثوذكسي شامل. وباتّجاه تحقيق هذا الهدف، وبموازاة حوار المحبة، تمّ تصميم مجمعين كبيرين، أحدهما يعقده الأرثوذكس والآخر البابويون (الفاتيكان الثاني). كلا المجمعين كان لا غنى عنه، على المستوى المؤسساتي، لخلق الظروف الضرورية والتغيرات التي ينبغي حصولها لكي تتقدم الوحدة“.

ج. الفاتيكان الثاني – المجمع الأرثوذكسي الشامل: الطريق والأهداف المشتركة

في العالم الكاثوليكي، كان هناك إعلان وتحضير وإنجاز للمجمع الفاتيكاني الثاني؛ على المقلب الأرثوذكسي كان هناك عملية من خلالها اللقاءات الأرثوذكسية الشاملة تتم كمراحل في التهيئة لـالمجمع المقدس الكبير“.

في اللقاءات الخاصّة مع ممثلي البطريرك أثيناغوراس، كشف البابا يوحنا الثالث والعشرون نوايا الفاتيكان في ما يتعلّق بمجمع الفاتيكان الثاني الذي كان على وشك ابتداء أعماله. فقد صرّح بأنّ “أحد أهداف المجمع الجديد هو إعادة وحدة الكنائس.” [42] في الخامس والعشرين من كانون الثاني 1959 أعلن ابتداء المجمع الفاتيكان الثاني الذي استمرت أعماله أربع سنوات (1962-1965) في 178 اجتماع.

في 1961، دعا البطريرك المسكوني إلى أول اجتماع شامل للأرثوذكس في رودس، وتبعه العديد (1961، 1963، 1964، 1968) كما لقاءات تحضيرية للمجمع (1976، 1982، 2009، 2015) متّبعة نفس منهجية الفاتيكان الثاني. عند نقطة ما، أثناء كان مطراناً لفيلادلفيا منذ 1977، كشف البطريرك المسكوني برثلماوس ميزة المجمع الذي كان في طور التصميم، وذلك في مقابلة مع مجلة The National Catholic Reporter، حيث ذكر: “إن غايتنا هي تماماً مثل غاية يوحنا (البابا يوحنا الثالث والعشرين): تحديث الكنيسة والترويج للوحدة المسيحية… أيضاً، المجمع سوف يعني فتح الكنيسة الأرثوذكسية للأديان غير المسيحية، للبشرية ككل. هذا يعني مقاربة جديدة للإسلام، البوذية، للحضارة المعاصرة، نحو تطلعات لأخوّة متحررة من التمييز العنصري… بتعبير آخر، سوف تكون علامة انتهاء اثني عشر قرناً من العزلة بالنسبة للكنيسة الأرثوذكسية.” [43]

منذ البداية هذه كانت أهدافهم؛ هذه كانت فلسفتهم. هذا هو الهدف الذي خدمه مجمعكريت وما كان يُرجى منه. مرفوض كنائسياً ويتخطّى المنطق الكنائسي أن يصوغ أسقف أرثوذكسي هذه المواقف غير الأرثوذكسية، ناهيك عن أن هذا الرجل عنده الشرف الأعلى في تراتبية الكنيسة الأرثوذكسية بأكملها أي البطريركية المسكونية. إنه فعلاً مؤلم وغير مبرر، لكن ما يتصوّره برثلماوس على أنه انتهاء اثني عشر قرناً من العزلة بالنسبة للكنيسة الأرثوذكسيةليس إلا نهاية الأمانة لآباء كنيستنا القديسين – نهاية التقليد وخبرة الروح القدس. صحيح إنه عزلة، لكن عن حقيقة كنيسة المسيح الحيّة!!!

هذه الأقوال تؤكّّد ما أوحِي به إلى الشيخ أفرام الكاتوناكي الطيّب الذكر، في ما يختصّ بالمسكونية، أي أن مدخِل كل الشرور يعمل في الداخل.

1. هرطقة الإكليسيولوجيا الجديدة

إن التغيير الكبير الذي كان على المجمعين فرضه كشرط ضروري لـوحدة الكنائسكان الاعتراف، من قبل الطرفين، بالحقيقة الكنسية للطرف الآخر. كان على الكاثوليك أن يعترفوا بأن الأرثوذكس كنيسة، ومثله على الأرثوذكس أن يعترفوا بالكثلكة. لتحقيق هذا الهدف، تمّ اكتشافإكليسيولوجيا جديدة ذات أصل مسكوني وفرضها. كأساس لهذه الإكليسيولوجيا الجديدة، كان ضرورياً الابتعاد عن مسكونية العودةوالتوجه نحو مسكونية التكامل.” [44]

أول عظة على الراديو للبابا يوحنا الثالث والعشرين في تشرين الأول 1958 يمكن اعتبارها الحركة الأخيرة قبل هذا الانعطاف، حيث بثّ دعوته للأرثوذكس للعودة إلى بيت الآب المشترك.” “نحن نصلّي أن يعود الكلّ طوعياً، وأن يتمّ ذلك قريباً بمعونة الله…” [45] يبدو أن هذه الدعوة إلى العودةأقلقت البطريرك أثيناغوراس الذي في رسالة رأس السنة 1959 أشار إلى أنّ التقارب بين الكنيستينيجب أن يتمّ في روح من المساوة والعدالة والحرية الروحية والاحترام المتبادل.” [46]

في السنتين اللتين تلتا، تشكّل المناخ المناسب لكي يتمكن الفاتيكان الثاني من تقديم ركيزة مسكونية التكامل” [47] وإكليسيولوجيا الفاتيكان الجديدة. استندت مسكونية التكاملإلى نظرية طوّرها الفرنسي الدومينيكاني إيف كونغار في 1939، حيث صاغ فكرة أن بعض العواملالمستقلّة كالمعمودية يمكن فصلها عن كامل الكنيسة، فيما تستمرّ بمدّ النعمة وتفعيل التكامل (voto) الروحي مع الكنيسة في نفس المسيحي المنشقّ، مثبتاً المنشقّ كعضو في الكنيسة. [48]

يعطي اللاهوتي والمفسّر الكتابي يوهانس فاينر وصفاً واضحاً لـإكليسيولوجيا الشركة (communio ecclesiology)” في الفاتيكان الثاني: “لأن الكنيسة تظهر كشركة (communio) أو كواقع معقّد على شكل شركة، فإن الوحدة التي يتسبب بها عدد من العوامل المختلفة، تبقي الإمكانية مفتوحة لأن يكون بعض العناصر المكوّنة للكنيسة موجودة حتّى في الجماعات المسيحية خارج الكنيسة الكاثوليكية وقد تعطي هذه الجماعات طبيعة الكنيسة. وعليه، إن كنيسة المسيح الواحدة يمكن أن تكون موجودة خارج الكنيسة الكاثوليكية، وهي موجودة…” [49]

إن السنوات الكثيرة التي انقضت في التحضير للمجمع الأرثوذكسي الشامل ارتكزت تحديداً على النماذج والفلسفة التي قد تمأسِس هذه الإكليسيولوجيا الجديدة ضمن العالم الأرثوذكسي أيضاً.

2. النقاط الرئيسية في الإكليسيولوجيا الجديدة

ارتكزت الإكليسيولوجيا الجديدة على فكرة أن حقيقة إيمان الرسل، أو جزء منها، محفوظ (ومُختَبَر روحياً) في الكنائس والطوائف المسيحية الأخرى. إذاً، بهذه الطريقة، تُنتَهَك حقيقة الكنيسة الخاصة كما هويتها وفهمها لذاتها.

مع تقبّل هذه الإكليسيولوجيا الجديدة، عندنا توسيع لحدود الكنيسة حتّى أن الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية لم تعد تتطابق حصرياً مع الكنيسة الأرثوذكسية. وبهذا نصل إلى الإعلان والاعتراف مع خليط الطوائف البروتستانتية والجماعات المثيرة للجدل في مجلس الكنائس العالمي، بأنّ كل كنيسة تحقق جامعيتها عندما تكون في شركة مع الكنائس الأخرى… من دون بعضنا نحن فقراء.” [50]

واضح أنّ الإكليسيولوجيا الجديدة تتخطّى في آن واحد الأفكار الغربية غير الأرثوذكسية عن الكنيسة غير المنظورة، الكنيسة المنقسمة، نظرية الفروع، صورة رئتي الكنيسة، ومفردات الكنائس الشقيقة واللاهوت ما بعد الآبائي.

في الفاتيكان الثاني، وتحديداً في مرسوم المسكونية، نجد أول حجارة الأساس الرسمي الذي وُضِع للإكليسيولوجيا الجديدة، في فصل عنوانه علاقات الإخوة المنفصلين مع الكنيسة الكاثوليكية“. في هذا الفصل يرد بشكل خاص أن في بدايات كنيسة الله الواحدة والوحيدة هذه نشأت بعض الشقاقات التي أدانها الرسل بقوة. لكن في القرون اللاحقة ظهر الكثير من الانشقاقات الخطيرة ووصل الأمر بجماعات كبيرة إلى الانفصال من الشركة مع الكنيسة الكاثوليكية – حيث يُلام عليها رجال من كلا الطرفين. إن الأولاد الذين وُلِدوا في هده الجماعات ونشؤوا على الإيمان بالمسيح لا يمكن اتهامهم بخطيئة الانفصال، والكنيسة الكاثوليكية تقبلهم كإخوة باحترام ومودة.” [51]

من المقلق حقاً أن نلاحظ الإخلاص الذي به المسكونيون الأرثوذكس يقلّدون الفاتيكان الثاني في مأسستهم للإكليسيولوجيا الجديدة ضمن الأرثوذكسية. رئيس اساقفة ألبانيا، متماهياً بشكل كامل مع قرارات الفاتيكان الثاني، يقول بشكل مميز: “إنه بديهي، بغض النظر عن سهولة تجاهله من قِبَل بعض الأرثوذكس، أنّ الأوروبيين الآخرين لم يختاروا عن قصد الدخول في الهرطقة (الطائفة المسيحية التي ينتمون إليها حالياً) بل هم وُلدوا في بلد حيث طائفتهم هي المهيمنة لعصور، أي النروجيون في الكنيسة اللوثرية، والاسكتلنديون في المشيخية. كيف لنا أن ندينهم لأنهم ليسوا أرثوذكسيين؟” [52]3

إن مرسوم المسكونية يضع الأساس أيضاً للاهوت التعميدي وصلاحية الأسرار في الكنائس الشقيقة“. ففيه يرِد بشكل خاص: “لأن الذين يؤمنون بالمسيح وتعمّدوا حقيقةً هم في شركة مع الكنيسة الكاثوليكية حتى ولو تكن شركتهم كاملة… ويبقى صحيحاً أن كل الذين تبرروا بالإيمان في المعمودية هم أعضاء جسد المسيح، ولهم الحق بأن يُسمّوا مسيحيين، وعليه فمن الصحيح قبولهم كإخوة لأبناء الكنيسة الكاثوليكية.” [53]

ويتابع المرسوم: “إن الإخوة المنقسمين عنّا يستعملون أيضاً الكثير من أفعال الدين المسيحي الليتورجية. هذه على الأكيد يمكن أن تولّد بالحقيقة حياة نعمة بطرق تتغيّر بحسب ظروف كل كنيسة أو جماعة. هذه الأفعال الليتورجية يجب أن يُنظَر إليها على أنها تتيح الوصول إلى جماعة الخلاص.” [54]

جوهرياً، وضع الفاتيكان الثاني الأساس لوحدة الكاثوليك والأرثوذكس على المقلب الكاثوليكي، مصوراً إياها على أنها طليعة المسكونية الجديدة. الأساس عينه وضعه المسكونيون الأرثوذكس على المدى الطويل في التحضير للمجمع الكبير.

3. الطريق إلى الانحراف الإكليسيولوجي

كما أشرنا سابقاً، إن الهدف الثابت لعملية التحضير هذه كان التحويل التدريجي للإكليسيولوجيا الأرثوذكسية. ولتحقيق هذا التحويل، كانت بعض الخطوات ضرورية ويمكن فهمها وفقا للمبادئ التوجيهية العامة التالية:

أ) تبديل اتجاه حدود الكنيسة القانونية

ب) تبديل اتّجاه الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية وفهمها الذاتي

ج) تكييف الأرثوذكس نحو التقارب والاتحاد مع غير الأرثوذكس، وهو الهدف الأخير

د) قبول صلاحية المعمودية بالبداية، ومن ثمّ لاحقاً كل أسرار الكاثوليك وغير الأرثوذكس الآخرين.

إن سنوات التحضير الطويلة للمجمع الكبير دارت حول هذه المحاور الرئيسية. وعليه بحسب رئيس الأساقفة ييرونيموس: “دعت البطريركية المسكونية إلى أربع مؤتمرات لكل الأرثوذكس… لكي تضع المعايير القانونية للكنيسة الأرثوذكسية وتحدد حدود علاقتها مع الكنائس والطوائف غير الأرثوذكسية.” [55]

يشدد المسكونيون على هذه الحاجة لإعادة تحديد واضحة ومباشرة للإكليسيولوجيا الأرثوذكسية، كما على الحاجة للحصول على القبول من كل الأرثوذكس. الميتروبوليت خريسوستوموس مطران ميسينياس يشدد على أنّ على الأرثوذكس أن يوضحوا أولاً وقبل كل شيء موقف كنيستهم وعلاقتها بالعالم خارجها، حتّى لا تزحف الشكوك إلى الداخل، ولا يبقى مراوغات، لا ارتياب عند الآخر حول آرائها، حتّى تكون القرارات المتّخذة لا لبس فيها وتعكس توافق كل الأرثوذكس وقبولهم. فقط بهذه الطريقة يُسمَع صوتنا ويُحتَرَم.” [56]

في البند العشرين من وثيقة علاقات الكنيسة الأرثوذكسية مع باقي العالم المسيحي، والذي أقرّه مجمعكريت، يرد: “إن آفاق إجراء الحوارات اللاهوتية بين الكنيسة الأرثوذكسية وباقي العالم المسيحي هي دائماً محددة على أساس المبادئ القانونية في الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية وفي المعايير القانونية في تقليد الكنيسة المعتَرَف به أصلاً.” [57].

يلاحظ خريسوستوموس ميتروبوليت ميسينيا أن في المقطع الحالي، لم تكن حدود الكنيسة الأرثوذكسية بالنسبة للكنائس والطوائف المسيحية الأخرى موضع شكّ قبل تحديدها على مستوى أرثوذكسي شامل، فبالتدبير تمّ الاعتراف بواقع وصلاحية معموديتهم بما يتوافق مع تقليدهم القانوني. وعليه فإن مبدأ التدبير الكنائسي هو موضع تشجيع في العلاقة مع الكنائس والطوائف المسيحية الأخرى، كتعبير عن محبة الكنيسة الأرثوذكسية للبشرية، فيما يُخفَف مبدأ الدقة.” [58]4

بعبارة تقليد الكنيسة المعتَرَف به أصلاًفي البند العشرين، إنهم بالطبع لا يعنون تقليد كنيستنا الآبائي الموحى به من الروح القدس في الألفيتين الأخيرتين، بل التقليدالذي تشكّل في القرن الأخير ضمن إطار الحركة المسكونية وعلى مدى الخمسين سنة الماضية.

يفترض تقليد الكنيسة المعتَرَف به أصلاًالجديد للمسكونية أنّ بحكم الواقع هناك قبول ومأسسة للاهوت التعميدي ضد الأرثوذكسي، على أساس أن للاعتراف بالمعمودية أهمية رئيسية لقبول كنائسية غير الأرثوذكس.

استناداً إلى هذه الفكرة المسكونية، يعلن كيرللس مطران أفيدوس، أنّه يمكن أن تُدفَع الكنيسة الأرثوذكسية إلى الاعتراف بحقيقة معمودية غير الأرثوذكس، حين وقبل كل شيء، تبتعد عن غطرسة التفرد. هذا التفرد لا يشكّل تعليماً عقائدياً في الكنيسة الأرثوذكسية.”[59]

البروفسور ستيليانوس تسومبانيدس، وهو أستاذ في الكلية اللاهوتية في جامعة أريسطوطاليس في تسالونيكي وعضو اللجنة المجمعية لعلاقات كنيسة اليونان مع المسيحيين، يحدد كأحد المبادئ في المجمع الكبير: “التحديد، بشكل أكثر إقناعاً وحسماً، موقف الكنيسة الأرثوذكسية ضمن الحوار المسكوني المعاصر والتوجه إلى مَن يتمّ التحاور معهم بأن الأرثوذكسية تختبر علاقتها معهم ومَن هم بالنسبة إلى الأرثوذكسيةإن إرسالية الأرثوذكسية المعاصرة، من خلال هذا المجمع الآتي، هي تأكيد الرغبة الأرثوذكسية بالسير مع الكنائس والطوائف المسيحية الأخرى على الطريق المؤدّية إلى الوحدة المسيحية.” [60]5

غالبية المشاركين في مجمعكريت عملوا في المزاج نفسه وخاصة الذين لعبوا أدواراً قيادية في تشجيع هذه الأفكار الجديدة والترويج لها.

قلة مختارة منهم اختارت العمل كرواد، كفريق عمل، لخلق جو من النزاع، مهاجمين بوقاحة ومن غير لين كل مَن يرغب في أن يبقى أميناً لتقليد الكنيسة. إنه تكتيك عدواني معروف، يحاول الإنسان المذنِب أن يغطّي ذنبه برميه على الآخر. في الحالة الحاضرة، هناك استهجان للمقاومين ووصمهم بأنهم غيارى (zealots)، متعصبون، متطرفون، أصوليون، أنانيون، مرضى نفسيون، وحتى هراطقة.

صرّح المستشار الخاص للبطريرك، مكاريوس ميتروبوليت خريستوبولي، في مقابلة قبل أيام قليلة من بداية مجمعكريت: “يحكي البعض عن هرطقة المسكونيةقد يكون ضرورياً أن تنشغل الكنيسة بهرطقة أخرى، شكل جديد من الهرطقة التي تُخلَق اليوم، هرطقة التعصب؟إن الخائفين من المسكونية ينضوون في هرطقة التعصّب.” [61]

على نفس الموجة، يشير أنستاسيوس رئيس اساقفة ألبانيا في خطابه في الجلسة الافتتاحية: “بعض الناس يسألون: في المجامع الأرثوذكسية الكبيرة كانت تُجابه بعض الهرطقات. ما هي الهرطقة التي سوف يعالجها هذا المجمع الكبير المقدس؟ الجواب بسيط. الهرطقة العظيمة، أمّ كل الهرطقات، الأنانية (egocentrism) – الشخصية، الجماعية، القبلية، المحلية، الكنائسية، وغيره – وجميعها تسمّم العلاقات البشرية وكل أشكال التعايش المتناغم والخلاق.” [62]

حتّى رئيس أساقفة قبرص، خريسوستوموس، في الجلسة نفسها علّق على ما يتعلّق بالخارِجين عن المجمع بأنّ حقل الكنيسة ينتِج أيضاً زواناً بذره العدو.” [63]

اللاهوتي ما بعد الآبائي جاورجيوس فلانديس، وهو باحث في أكاديمية الدراسات اللاهوتية في مطرانية ديميترياس (فولوس)، باصقاً النكد والسخرية على الذين يقاتلون من أجل الإيمان، كتب عنهم: “كونهم عاجزين عن الكنيسة كطريق، الأصوليون الأرثوذكس في كل العالم مدانون باختبارها كرصيفإن الأفضل أن يتمّ التعامل مع هذياناتهم الصاخبة على يد طبيب نفسي بدلاً من الردّ لاهوتياًفي كل الأحوال، ما هو أكثر إثارة للاهتمام من نوبات الغضب عند أولئك الرجال المختلّين والجهلة، هو وجود هرطقة ضمنية، تُعرَف بالأصولية…” [64]

يوجد سلسلة من الإشارات والتعليقات المشابهة، تيار لا نهاية له من الإساءة الذي لن نكرره هنا. هذه السلسلة تكشف نمط أنصار الفنار وأخلاقيتهم. إلى هذا، الخداع، الضغط، التهديدات، والترهيب تشكّل سياسة ثابتة في التعاطي مع المخالفين.

إن الضغط الممارَس على كنيسة اليونان من خلال التهديد بالأراضي الجديدة وشكوى رئيس الأساقفة من أنّ كنيسة اليونان تُقوَّض” [65] ذات دلالة. ضغط مماثل يُمارَس في أزمة أوكرانيا حيث الفنار يلوّح مهدداً سلطة موسكو بإعلان استقلال الكنيسة المنشقة.6

كما أن هناك دلالة في أن الاضطهاد يُمارَس على رهبان جبل أثوس لأنهم يعبّرون عن معارضتهم الاقتراحات المسكونية وقرارات مجمعكريت. أخيراً، هناك حقيقة أن ضغطاً مماثلاً، تحديداً بالتهديد برفع سلطة الجبل الذاتية، وهو ضغط يُمارَس على كل جماعة الجبل المقدس حتّى لا يقوموا بردات فعل ضد المجمع“.

فوق هذا، هذه ليست المرة الأولى التي يتولّى فيها الفنار انتهاك مؤسسة الجبل المقدس لإسكات الرهبان وإيقاف مقاومتهم ومراقبتهم لانحرافات الفنار المسكونية. ففي 1994، بعد اتفاق البلمند الغادر أشتعلت عاصفة من الجدال بين المؤمنين الأرثوذكسيين كما في الجبل المقدس. لقمع ردات الفعل هذه، أرسل الفنار وفداً بطريركياً مؤلّفاً من ثلاثة مطارنة مدّعين المشاركة في الاجتماع المشترك لرؤساء وممثلي أديار الجبل، وهذا أمر ممنوع بشكل واضح كما أنه انتهاك لوضع الحكم الذاتي لأثوس. مع هذا سار الاجتماع، وفُرِضت عقوبات من دون محاكمة ولا دفاع، وحتّى أنه أُعلِن عن خلع رؤساء أديار وممثلين بسبب عصيان الكنيسة الأم والفتنة ضدها.” [66]

4. موقف الجبل المقدس

يمكن لكل هذا، إلى حد ما، أن يفسّر موقف رؤساء الأديار الأثوسيين لكنه على الأكيد لا يبرر لشركة الجبل المقدس رفضها الكلام وصمتها الأصمّ الذي تستمرّ به في قضايا الإيمان، موقف على طرفي نقيض مع الذهنية الاعترافية والشهادة التي حملها الجبل المقدس عبر العصور.

كلنا ننتظر أن نسمع موقف جبل أثوس من مجمعكريت الذي أعطاه شرعية بمشاركة ممثل منه، رئيس دير ستافرونيكيتا. نحن ننتظر ردة فعل الجماعة المقدسة على أن الكثير من اقتراحات التغيير في النصوص التحضيرية قد أهمِلَت من المجمع“.

ماذا سوف يكون الموقف النهائي لجماعة الجبل المقدس في ما يتعلّق بغير الأرثوذكس؟ هل سوف يعترفون بهم ككنائس، بما يتماشى مع قرارات المجمعأم سوف يعترفون بأنهم تعاليم وطوائف مسيحية” [67] كما فعلوا في رسالتهم التوضيحية في 25/12 آذار 2016 إلى برثلماوس البطريرك المسكوني؟

سوف نقتبس بعض المقاطع المميزة من معالجات قديمة لهذا السؤال المحدد على يد الجماعة المقدسة في جبل أثوس، حيث تعبّر بطريقة واضحة وسلطان عن الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية والفهم الذاتي الذي خالفه مجمعكريت. نحن ننتظر تأكيد هذه المواقف من الجماعة الحالية في الجبل المقدس.

إعلانات جماعة الجبل المقدّس:

1980: “… إن ترك الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية وتبنّي غير الأرثوذكسية، بأنّ الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية لا تشكّل وحدها الكنيسة بل هناك فروع أخرى للكنيسة، أي الأرثوذكسية والبابوية /الكثلكةيقنعنا بأن الوضع قد ازداد سؤاً وأنّ وحدة أمر واقع، كما تمّ تصميمها وتنفيذها في الفاتيكان الثاني، هي على الأبواب.” [68]

1981: “إن رهبان الجبل المقدّس قد تربّوا على يد الآباء المتوشحين بالله والبطريركية المسكونية الموقّرة على أن يعتبروا البابوية هرطقة، هرطقة مشابهة للأريوسية…” [69]

1987: “فوق ذلك، لا يشارك الجبل المقدّس في النظرة بأنّ خارج الأرثوذكسية يوجد «كنائس». هناك فقط جماعات من الهراطقة والمنشقين الذي يعترفون بالإيمان بالمسيح، غير أنه بخلاف وعكس ما تعترف به كنيسة المسيح المقدسة، كنيسة المسيح التي هي واحدة مع الكنيسة الأرثوذكسية ومطابقة لهاالكاثوليك هم منشقون وهراطقة من دون أسرار صالحة ولا نعمة إلهية.” [70]

1994: “نحن ملزَمون، من أجل الكاثوليك والعالم كلّه، الذين بالنسبة لهم الأرثوذكسية هي الأمل الأخير، بألا نقبل الوحدة، ولا بأن نصف الكنيسة الكاثوليكية على أنها «كنيسة شقيقة».” [71]

1995: “كيف يكون ممكناً أننا كنائس شقيقة، في حين أن بيننا فروقات عقائدية ولا شركة أسرارية بيننا؟ هذا كلام متناقض، جديد في تاريخ الكنيسة، واستعماله غير مفهوم. نحن ملزَمون بما يمليه ضميرنا بأن نعلن بأننا لا نقبل نظرية «الكنائس الشقيقة» المتغطرسة.” [72]

5. موقف كنيسة اليونان

منذ بداية الحركة المسكونية، كانت كنيسة اليونان دائما حذرة من الانفتاحات نحو غير الأرثوذكس وحافظت على مسافة واضحة من مغامرات الفنار. في البداية، ردّت كنيسة اليونان سلبياً على رسالة البطريرك الشهيرة في 1902، التي كتبها البطريرك يواكيم الثالث ووجهها إلى الكنائس الأرثوذكسية طالباً رأيها في ما إذا كانت مسألة وحدة الكنائسيجب أن تتقدّم. رئيس الأساقفة خريسوستوموس الثاني (خاتزيستافرو) ردّ بقساوة على مبادرات البطريرك أثيناغوراس المسكونية في الستينيات ووصل الرجلان إلى حد الانخراط في نزاع شرس. رئيس الأساقفة سارافيم كان على نفس الدرجة من التمسك بالتقليد. نذكر صراعه مع حكومة قسطنطين كارامانليس حول إيجاد سفارة فاتيكانية في اليونان سنة 1979.

السؤال الذي بقي في الخلف في كل مرة حُكي عن وحدة الكنائس“: “هل الفاتيكان كنيسة؟“[73] ويُفهَم من العلاقات بين الإجابات أنها ليست كنيسة، بل دولة مدنية. بدأ الموقف التقليدي لكنيسة اليونان بالتغيّر تدريجياً والتحوّل والانزلاق نحو الممارسات المسكونية التي تتوجّت في زيارة البابا يوحنا بولس الثاني إلى أثينا سنة 2001 والزيارة التي بادله بها رئيس الأساقفة خريستوذولس إلى الفاتيكان في 2006.

بعد هذا بدأنا نرى تجنيد اللجان المجمعية المناسبة بالأساقفة واللاهوتيين الأكاديميين المسكونيين. السؤال الذي يُطرَح هو ما هي المعايير التي على أساسها يتم اختيار ممثلي كنيسة اليونان إلى الحوارات اللاهوتية ومجلس الكنائس العالمي واللقاءات الأرثوذكسية. هل هناك تقييم لجودة عملهم وكيفية القيام به؟ هل يقرّ الرؤساء نصوص الحوارات؟ إذ كما هو معلَن بقرار من الرئاسة الكنسية في 2008، شرط مراجعة كل الكنائس المستقلّة والتصديق عليها.” [74]

بالواقع، إن إصرار المجمع المقدس على تعيين هؤلاء الممثلين في الحوارات يشكّل استفزازاً قاسياً للحساسية الأرثوذكسية للشعب المؤمن، خاصةً وأنّ المجمع يعرف بشكل جيد أفكارهم المسكونية المعلَنة. من الأمثلة المميزة المطرانان خريسوستوموس ميسينياس وإغناطيوس ديميترياس.

وأكثر من ذلك هو أن ما حدث في مجمعكريت يشكّل تحديًا من ناحية الانقلاب على اتفاق المطارنة حول تبديل النص علاقات الكنيسة الأرثوذكسية مع باقي العالم المسيحي“. إن الطريقة التي تطورت فيها القضية كلها تظهِر النقص المطلَق للشفافية، والتغطية بالسريّة، للانتهاء بفرض أمر واقع قام على أساس العملية التحضيرية لهذا المجمعالخاص. إن حفنة من الناس، مجموعة مغلقة ومختارة من النخبة، وهي نواة صلبة من الرجال الثقاة وأصحاب الإرادة، شكّلَت حكم أقلية من الأساقفة واللاهوتيين العلمانيين تمكنوا من فرض إرادتهم على الكنيسة بأكملها.

بشكل خاص، في ما يختص بكنيسة اليونان، لسنوات كثيرة كان أغلبية رؤساء الكهنة والمؤمنون الأتقياء جاهلين تماماً ولا يشكّون في ما كان يجري إتمامه بالسر طوال عقود. وكما قال الميتروبوليت ييروثيوس مطران نافباكتوس في رسالته إلى رئيس الأساقفة ييرونيموس: “كنيستنا لم تكن مستعدة بما يكفي للتعاطي مع هذه المسائل. على العكس، رؤساء الكهنة الذين انشغلوا بهذه الأمور أكّدوا لنا أنه لن يكون هناك مشاكل ضمن الكنيسة بسبب الوثائق. ولكن في الحقيقة هناك مشاكل لاهوتية.” [75] في رسالة أخرى وجهها أيضاً إلى غبطته، أثار سلسلة من الأسئلة طارحاً إياها على الأساقفة: “تقرير لجنة العلاقات مع الأرثوذكس ومع المسيحيين إلى مجلس المجمع المقدس، وأعطيَت بعض التوجيهات للجنة لتحسين النص.” [76]

ما زال الجواب الواضح مطلوباً وينبغي تقديم الحقيقة كاملة. إن لم يكن رؤساء الكهنة على علم بالوقت المناسب بمحتوى الوثائق، على حسب ما يقول أغلبيتهم، فمَن هو المسؤول عن هذا؟ مَن هو المسؤول عن إخفاء هذه النصوص المهمّة عن رؤساء الكهنة؟ هل يتمّ البحث عمّن أخفى الوثائق؟ في حال الإيجاب، مَن كان المسؤول؟

إذا كانت الإمكانية الأخرى صحيحة، بأنّ المجمع كان على علم في حينه وأن الرؤساء كانوا يعرفون محتوى الوثائق، فلماذا لم يتفاعلوا في الوقت المناسب حتّى تكون ردة فعلهم أكثر فاعلية؟ لمَ لم يكن هناك أي كلمة في هذه المسألة الخطيرة؟ لمَ لم يكن هناك إعلان عامّ، ولا حتى ملاحظة، لأنه لم يوجّه إلى الشعب أي شيئ مطلَقاً؟ من الواضح أن العملية بأكملها كما جرَت، كانت لهدف واحد هو صياغة أمر واقع وفرضه، واقع من القرارات السابق اتخاذها في غياب رؤساء الكهنة والشعب المؤمن.

خلال المجمع في الخامس والعشرين من أيار 2016، كان هناك خلف الستائر حركة ومناقشة عنيفة، مع أصوات عالية واختلافات، بالتأكيد لم يُفصَح عن محتواها. سمة عدم الشفافية والغموض التي اكتنفت كلّ هذا ظهرت في أن البيان الصحفي والإعلانات والرسالة الموجّهة إلى الشعب من الرئاسات، لم تأتِ على ذكر ما تمّ إقراره بالتحديد وما هي التعديلات المقتَرَحة على المجمع الكبير.

للأسف، لم يتمّ إعلام المؤمنين بالتعديلات التي قدمتها كنيسة اليونان والتي كانت موضوع الكثير من النقاشات في المجمعفي كريت. المعلومات الوحيدة التي لدينا إلى اليوم هي السرد الذي نشره الميتروبوليت ييروثيوس عمّا جرى في موضوع الوثائق، وما تسرّب إلى وسائل الإعلام.

أول سؤال للطرح من قرارات الرئاسات وأعلاناتهم هو كيف تُفهَم جملة: “القرار الأخير للرئاسات (…) سوف يدعمه غبطته خلال جلسات المجمع الكبير.” [77]

ما هو بالضبط ما دَعَمَه صاحب الغبطة في مجمعكريت وما كان أساس حججه؟ ما كان الأساس اللاهوتي الذي قدّمه لحججه؟ هل كانت ناضجة ما يكفي؟ سؤال مهم آخر هو عمّا إذا كان الرؤساء الذين شاركوا في وفد كنيسة اليونان قد تبنّوا فعلياً التغييرات وقبلوها وهم كان مفترضاً أن يدعموها، أو أنّ بعضهم تراجع لمعرفته السابقة بأنّ في النهاية هذه التغييرات لن تُقبَل في مجمعكريت.

إلى جانب هذا، بحسب المقطع الثاني من البند 11 من قوانين عمل المجمع، التغيير الذي لا يُصدّق عليه بالإجماع لن يمر.” [78].

التسوية مصيرها الفشل

في مطلق الأحوال، كان واضحاً منذ البداية أن اقتراح رئاسة كنيسة اليونان شكّل جوهرياً حركة تكتيكية ومساومة تمت لتوحيد الوفد ووصل الآراء المتضاربة التي كان عبّر عنها العديد من المطارنة. بالواقع قد كانت مسألة استرضاء ردات فعل المؤمنين العنيفة والتي عبّروا عنها بعدد من المقالات والإعلانات والرسائل والمطبوعات والمؤتمرات وغيرها.

معروف جيداً أن في أمور الإيمان لا مساومة. لهذا كان التشديد مسبقاً على أن وثيقة علاقة الكنيسة الأرثوذكسية بباقي العالم المسيحييجب رفضها بالكامل لكونها إشكالية على مستوى أساسي وغير قابلة للتصحيح.

إن اقتراح أساقفة كنيسة اليونان كان محكوماً عليه بالفشل مسبقاً. يمكن أن نلاحظ، بنيّة طيبة، أن الأساقفة كانوا يرغبون ومستعدين لتحسين النص. لكن هل كانت هذه هي الحال؟

مقوّض من الداخل

بعد أيام قليلة من اتفاق مطارنة كنيسة اليونان على اقتراح تعديلات على نص علاقة الكنيسة الأرثوذكسية بباقي العالم المسيحي، في السابع من حزيران 2016، أجرت جريدة La Stampa الإيطالية (النسخة الإلكترونية)، مقابلة مع الميتروبوليت خريسوستوموس مطران ميسينياس. من بين أمور عديدة تمّ التطرق إليها، سأله المراسل أندريا تورنييلي أن يعلّق على معلومة مفادها أن العديد من أساقفة كنيسة اليونان الأرثوذكسية كانوا يسعون إلى إبطال تطبيق كلمة كنيسةعلى الكاثوليك، فأجاب الميتروبوليت متساءلاً: “لكن إلى اليوم، ألم يكن الكاثوليك مُعتَبَرين كنيسة؟ بالطبع نعمالكنيسة الكاثوليكية كانت دائماً مُعتَبرة كنيسة حقيقية. ما تشير إليه هو اقتراح قدّمه بعض المحافظين الذين لا يريدون أن تكون الكنائس على نفس المستوى. لكني أعتقد أن لا حظّ لأن يمرّ الاقتراح. هناك كثيرون غيرهم لا يوافقون على هذا التعديل.” [79]

نرى إذاً أنه مباشرة بعد قرار المطارنة المُفتَرَض أنه اتُّخِذ بالإجماع حول التعديلات المقترحة، فإن ممثل كنيسة اليونان في اللقاءات التحضيرية للمجمع نأى بنفسه رسمياً عن الموقف الرسمي. إنه يَصِم زملاءه الأساقفة بأنهم محافظونويسارع إلى تطمين الجمهور الكاثوليكي بأن هذا الاقتراح لن يُقَرّ في كريت. إنه يحكم مسبقاً برفض اقتراح مطارنة كنيسة اليونان ويعلن ذلك.

الانقلاب على قرار المطارنة

كما توقعنا، لم تكن الأقنعة بطيئة بالسقوط وكشف الوجه الحقيقي للمطارنة في وفد كنيسة اليونان. بحسب شهادة الميتروبوليت ييروثيوس مطران نافباكتوس الذي كان عضواً في هذا الوفد، يوم الجمعة الماضي، عند مناقشة هذا النص [في كريت]، وصلت النقاشات إلى طريق مسدود عند المقطع السادس، حيث موضوع النقاش كان كيفية الإشارة إلى غير الأرثوذكسفي اجتماع خاص لوفدنا بعد ظهر اليوم نفسه، تقرر أن نلتزم قرار مطارنتنا حتى ولو قُدمت اقتراحات حلول بديلة، كمثل «تعترف الكنيسة الأرثوذكسية بوجود غير الأرثوذكس أو المسيحيين أو المسيحيين غير الأرثوذكس».” [80]

عاد وفد كنيسة اليونان إلى الاجتماع مجدداً يوم السبت صباحاً، حيث طرح رئيس الأساقفة تقديم اقتراح جديد، بأن الكنيسة الأرثوذكسية تقبل التسمية التاريخية للكنائس والطوائف الأخرى غير الأرثوذكسية.” [81]

بحسب المعلومات التي تمّ تسريبها لوسائل الإعلام، نشأ جدال دام طوال الليل بين مطارنة الكنائس الأرثوذكسية.” [82] في هذه العمليات الليلية، شارك الميتروبوليت غفرئيل مطران نيا يونيا والأستاذ فلاسيوس فيداس، وهناك قناعة واسعة بأنهما كاتبَي الاقتراح الجديد الذي انقلب على قرار المطارنة. تلا النقاش تصويت حيث قبل كل الحاضرين (من كنيسة اليونان) بالاقتراح الجديد باستثناء الميتروبوليت ييروثيوس، الذي رفض الاقتراح وقرر أن لا يوقّع على نص الوثيقة، ومن أجل الوحدة، قرر أن ينسحب من المناقشات التالية.” [83]

في النهاية، ما جرى في كريت كان عكساً كاملاً لقرار المطارنة في أيار 2016 في الجوهر كما في الروح، لأن همّ المطارنة في الموضوع برمّته كان صحّة اعتبار غير الأرثوذكس كنائس أو لا. بعد ساعات من النقاش الملأى بتبادل الاتهامات، توافقوا على أن كل الجمل التي تصف غير الأرثوذكس ككنائس سوف تُستَبدَل. بحسب الاقتراح القرار من كنيسة اليونان، هذه النصوص المرفوعة للتصديق في المجمع الكبير، حيثما تُستَعمَل كلمة «كنيسة» للإشارة إلى الكاثوليك أو البروتستانت، سوف تُستَبدَل بعبارات «طائفة» أو «جماعة مسيحية».” [84]

بالواقع، وافق المطارنة على دعم هذا الاقتراح بقوة ودون تنازلات. “فلنبقَ وحيدين. الدعاة الوحيدين للأرثوذكسية. المفسرين الأصيلين،” [85] صرّح مطران آلايا، وهو أحد المحركين الرئيسيين للقضية بين المطارنة، معطياً قوة الدفع لهذا القرار. إن الهدف والالتزام اللذان باتفاقهم قدمهما المطارنة لرئيس الأساقفة والأساقفة الآخرين من أعضاء الوفد، كان واضحاً: عدم السماح لعبارة كنيسةبالإشارة إلى غير الأرثوذكس.

لقد مضى رئيس الأساقفة وأعضاء الوفد بانتهاك قذر للتفويض المُعطى لهم. لقد تصرّفوا بطريقة معاكسة كلياً للمجمعية، متخطّين السلطة المعطاة لهم من أعلى هيئة في كنيستهم، أي المطارنة في مجمع. وهذا الاتفاق الخاص لم يتضمّن أي احتياط لإمكانية تغيير الاقتراح. وها الميتروبوليت إغناطيوس مطران ديميترياس يعتبر الإطاحة بالمجمعية وانتهاك كل نظام ومبدأ التمثيل الديموقراطي مظهراً للوحدة! بحسب الميتروبوليت: “كنيسة اليونان، مع غبطة رئيس أساقفة أثينا وكل اليونان ييرونيموس، أثبتت قدرتها على التقدّم واحدةً، للتوفيق بين وجهات نظر أولئك المختلفين، وللمساهمة في توضيح وسلطة صياغة رسالة الأرثوذكسية.” [86]

فهذا المطران نفسه، في مقال في جريدة كاثيميريني قبل مجمعكريت ببعض الأيام، كتب من بين جملة أمور أنّ “… القرارات سوف تؤخذ بحسب ما يشير تقليدنا: «حَسُن للروح القدس ولنا». فالحاضرون يأخذون القرارات.” [87] هذا بيان قابل للعديد من التفسيرات ويثير عدداً من الأسئلة. هل كان قرار المطارنة في أيار 2016 “بحسب ما يشير تقليدنا؟ هل انتُهِكت الاقتراحات في كريت بالروح القدس؟

وأخيراً، إذا كان الحاضرون يأخذون القرارات” (أي الحاضرون في كريت) كما يفترض المطران إغناطيوس، فما قيمة قرارات المطارنة؟ ألم يمثّل الوفد في كريت المطارنة؟ ألم يمثّلوا الأساقفة الآخرين؟ ألدينا فرز وتقسيم للأساقفة إلى نوعين، الذين يقررون والذين يقبلون القرارات؟ رئيس الاساقفة ييرونيموس أجاب على التحدي الذي قدمه له رئيس أساقفة قبرص بالإشارة إلى أن في اليونان مجمعنا مؤلّف من ثمانين مطراناً.” [88]

على ضوء هذا الكلام، فإن اجتماع المطارنة القادم في تشرين الثاني في غاية الأهمية، إذ سوف نعلم كلنا كيف سوف يتعامل المطارنة مع الانقلاب على قرارهم. ماذا سوف يعملون؟ هل سوف يستمرون بالتعامي والتصرف من دون اهتمام؟ هل سوف يقبلون انقلاب هذه الأقلية الأسقفية التي بشكل منظم وممنهج ولسنوات تفرض أفكارها المسكونية وتحتلّ المراكز الاستراتيجية في اللجان المجمعية في الحوار مع غير الأرثوذكس؟ هل سوف يستمرون في المشاركة في المسؤولية والذنب عن الجرائم التي تُرتَكَب ضد إيماننا الطاهر؟

6. تقييم

إن مجمعكريت لم يفشل في إظهار وحدة الأرثوذكسيين وإثباتها وحسب، كما ادُّعي أنه سوف يكون، بل على العكس أدخل الأرثوذكسيين في تجربة مؤلِمة. بدلاً من تعدين الوحدة، زاد الانقسامات والمعارضات والتنافسات والعداوات. ألعاب الرؤساء السياسية، حتّى من دون أن تؤدّي إلى أي انتصار واضح، سببت ضرراً مدمّراً في الكنيسة الأرثوذكسية، مما يؤدّي بها إلى دوامة داخلية مكثّفة وعواقب غير متوقعة. إن غياب أربع بطريركيات تمثّل أكثر من نصف الأرثوذكسيين في كل أنحاء العالم، ألحقت جرحاً قاتلاً بصورة الوحدة وبالمجمع بشكل عام.

لاحظ المحلل فيكتور غايتن أنّ من خلال رفضها المشاركة في المجمع، الكنيسة الأرثوذكسية الروسيةأحبطت حلم البطريرك المسكوني برثلماوس بإبراز الوحدة الأرثوذكسية العالمية.” وهكذا تركت أسئلة أكثر من الإجابات…” [89]

إن السؤال المفهوم ذا الأهمية القصوى والذي نشأ عن هذه الأحداث وقد طرحه الأغلبية الساحقة من المعلقين إذ راقبوا مجمعكريت وحللوه، هو هذا: لماذا أظهر البطريرك المسكوني برثلماوس كلّ هذا الإصرار على تحقيق هذا المجمع؟ لماذا أصرّ على عقد هذا المجمع” – كمحاكاة ساخرة للمجمع، مع اشتراك قلة صغيرة من المطارنة الذين بالكاد يشكّلون الجزء الأصغر من الجسم الأسقفي، وأغلبهم حُرموا من حقهم بالتصويت وأهملوا كلياً جسد الكنيسة، المؤمنين الأرثوذكسيين؟

لماذا أصرّ البطريرك برثلماوس بهذا القدر بأن يتحقق المجمع كمهزلة، حيث رفض البعض أن يأتي، والبعض عبّر عن تحفظات جديّة، بينما آخرون رفضوا قبول أو توقيع الوثائق التي تمّ الاتفاق عليها، فوقّع غيرهم عنهم كما هي حال رئيس أساقفة قبرص الذي وقّع نيابة عن مطارنة قبرص الذين رفضوا التوقيع؟ من الطبيعي أنّ هذا جرى من دون موافقتهم، ما يسقِط كل مبادئ التعبير والتمثيل الديموقراطيين، حتّى بالمعنى الدنيوي المحض.

لماذا أصرّ البطريرك برثلماوس على عقد هذا المجمعالذي سوّد صورة الكنيسة الأرثوذكسية، مرسلاً إلى العالم رسائل ملتبسة، مما يضعف في نهاية المطاف تماسك الكنائس الأرثوذكسية من خلال تأثيره السلبي؟

وفي الختام، لماذا فضّل البطريرك أن يعاني من هزيمة استراتيجية؟ لماذا قبِل بعلاقات عامة انتحارية فيها مخاطرة بانهيار التصميم الكبير الذي كان يعمل له قرابة نصف قرن لتنظيمه وتنفيذه؟

الجواب، بعد كل ما أوردنا، بديهي. أهداف المجمعكانت مختلفة، وهي ما وصفناه بالتفصيل وقد تمّ التحضير لتحقيقها بتأنٍّ وحيلة ومَكر، خلال قرن كامل وبخاصة في الخمسين سنة الأخيرة: إنّه الاعتراف بأنّ الهرطقات كنائس، تسريع العملية التي سوف تقود إلى وحدة الكنائسالنهائية وإلى الكأس المشتركة، وهذه تمّ تقريرها، ورفع البطريرك المسكوني كأول من غير مساوٍ في الأرثوذكسية.

إلى هذا، كما تمّ برهانه، كل شيء كان ذا أهمية ثانوية أمام إنجاز الأهداف الاستراتيجية الأساسية لدى المسكونيين. على المنوال عينه، تقليد آباء الكنيسة القديسين واللاهوت الأرثوذكسي، الموحى به من الروح القدس نفسه، اعتُبِر ذا أهمية ثانوية وأُهمِل ورُفِض. تمّ تجاهل عدد من المجامع المسكونية وديس عليها، المجامع التي شجبت بشكل لا لبس فيه الأوهام الهرطوقية المختلفة التي حتى يومنا هذا يعترف بها البابويون والبروتستانت على السواء. وفي كريت، بُرِّئت هذه الأوهام عندما اعترف المجمعبأن الطوائف غير الأرثوذكسية هي كنائس“. لهذا السبب، لاحظ الميتروبولت ييروثيوس وبشكل دقيق جداً: “إن تحييد لاهوت الكنيسة المعبّر عنه من خلال قديسيها، من أجل إيجاد بعض النقاط المشتركة مع المسيحية الغربية، هو خيانة للإيمان. لا أستطيع العثور على توصيف أكثر اعتدالاً.” [90]

هنا سوف نورِد فقط بعض المجامع التي ديسَت في مجمعكريت:

1. المجمع المسكوني الثاني (381) الذي حرّم إضافة أو نزع أي شيء من دستور الإيمان. كل المجامع اللاحقة كررت هذا الحرم.

2. المجمع المسكوني الثامن (879-880) برئاسة القديس فوتيوس الكبير الذي أدان علناً هرطقتي انبثاق الروح القدس وعصمة البابا.

3. المجمع المسكوني التاسع (1341-1351) الذي أدان الأوهام البابوية عن النعمة المخلوقة وقوى الله.

4. مجمع لاتران المحلي (649) ومعه كل مجامع القسطنطينية المحلية في 867، 1009، 1054، 1089، 1170، 1273، 1282، 1484، 1642، 1722، 1727، 1838 و1895.

5. مجامع نيمفايون في 1324 وروسيا في 1441 وأورشليم في 1443.

6. وجواب بطاركة الشرق إلى البابا بيوس التاسع في 1848 واللقاء الأرثوذكسي الشامل في موسكو في 1948.

من المعبّر أيضاً أنه لا يوجد واحد من قديسي كنيستنا لم يُدِن البابوية. ما من أبٍ أو شيخ أو معاصر منذ الأزمنة القديمة إلى القديس باييسيوس الأثوسي في أيامنا ولم يُدِن أوهام البابويين. إنهم يشكّلون اتفاق رأي بالإجماع على رفض وإدانة مبادئ البابوية. إن مجمعكريت انتهك وداس بوحشية كل القرارات المجمعية للكنيسة والآباء على مر العصور.

د. الخاتمة

إن مجمعكريت انتهك الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية، وكسر المجمعية، وداس بوحشية على قرارات المجامع المسكونية والمحلية، كما تجاهل ورفض تقليد آباء الكنيسة القديسين والروح اللاهوت الأرثوذكسية الموحى بها.

لهذا السبب أيضاً، هذا المجلسباطل وقراراته لا سلطة ملزِمة لها على المؤمنين. ولهذا السبب، ضمير مؤمني الكنيسة اليقظ رفض قبول أعمال هذا المجمع“. لقد أبطل هذه الأعمال بالممارسة. من الأكيد أن في المستقبل، سوف يأتي مجمع شامل للأرثوذكس فعلياً يدين كل آراء هذا المجمعغير الأرثوذكسية ويحيي الحقيقة. هذا المجمعهو بالفعل غير موجود في وعي المؤمنين للكنيسة لأنه يتعارض بشكل صارخ مع وحدة الكنيسة الحيّة في الروح القدس. هذه الوحدة تترك عمليات الشرير ورفاقه عاجزة في نهاية المطاف. هذه الوحدة تحبط خطط المسكونيين ومخططاتهم.

إن الذين ألهموا ونظموا هذا المجمعسوف يتابعون عملهم الشيطاني من أجل تحقيق هدفهم النهائي وهو الاتحاد في الكأس المشترك، وفي نهاية المطاف الاعتراف بوحدة جميع الأديان وطبيعتها الخلاصية (“الدين الشامل“). لهذا السبب لا ينبغي أن يصاب المؤمنون بالجمود، عدم اليقظة، الرضا عن النفس، الخوف أو الجبن في أي حال من الأحوال. إن الشجاعة وعقلية المعترفين مطلوبة، الشجاعة، الرجولة الروحية، اليقظة، الحركة، المعلومات، والاعتراضات كمثل ما نقوم به اليوم، حتى نحصّن أرضنا قبل الانقضاض المسكوني ونكبح أعمالهم الخبيثة. يجب أن نتجمّع منسّقين ومبادرين لإعلام أساقفتنا وكهنتنا ورهباننا ولاهوتيينا وكل مؤمني الكنيسة بأن لنا الحق، وليس فقط الحق، بل واجب إطاعة” [91] قرارات المجامع.

إن المؤمنين الذين ما زالوا ساهرين بضميرهم الكنسي يبقون، والحمد لله، ثابتين في الكنيسة إلى جانب المسيح كمنتصرين عبر الأجيال. المسيح، من خلال الكنيسة، خَرَجَ غَالِبًا وَلِكَيْ يَغْلِبَ.” [92] إن الذين ألهموا ونظموا مجمعكريت ومعهم الذين ساهموا بتفكيك وحدة الكنيسة يجب أن يعرفوا أن صَعْبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ.” [93]

لنبقَ بالتالي جميعاً راسخين وثابتين في المسيح. فلنضع أمامه عذابنا وقلقنا بسبب ما يجري داخل كنيسته. فلنكثّف صلاتنا وتوبتنا، وعملنا النسكي، وتقشفنا، والتزامنا بوصاياه في حياتنا حتّى نصير مشاركين في نعمته ورحمته، وحت تُشفى ضعفاتنا ونعوّض عن سقطاتنا.

في النهاية، لقد برهن المجمع الكبير العظيمالموصوف كثيراً والمُروّج له كثيراً بأنه جهد مخفق آخر انتهى إلى هزيمة مدمرة أخرى لملهميه المسكونيين. من الأكيد أن مجمعكريت هو الآن في وعي مؤمني الكنيسة حدثاً لم يكن7.

* * *

الحواشي

[1] أنظر النص المأخوذ من رسالة بطاركة الشرق الأربعة (1848): “إلى هذا، لا البطاركة ولا المجامع بمقدورها إدخال أي تجديدات بيننا، لأن حامي الدين هو جسم الكنيسة نفسها، الشعب أنفسهم، الذين يشتهون بأن تكون عبادتهم الدينية دائماً ثابتة ومن نفس طبيعة إيمان آبائهم…”

[2] St. Theodore the Studite, Epistle 81, Philokalia 18G, p. 77 (Greek)

[3] Arch. George Kapsanis, Abbot of Holy Monastery of Grigoriou on Mt. Athos, Interview in Orthodoxos Typos, 14 March 1997. (Greek)

[4] Text “Relations of the Orthodox Church with the Rest of the Christian World,” article 22. Found online at the official Holy Synod website: << https://www.holycouncil.org/-/rest-of-christian-world?_101_INSTANCE_VA0WE2pZ4Y0I_languageId=en_US>>

[5] Demetrios Tselengidis, “Observations on the Text Prepared For the Pan-Orthodox Council: ‘Relations of the Orthodox Church with the Rest of the Christian World.’” Found online at Pravoslavie.ru << http://www.pravoslavie.ru/english/90489.htm>>

[6] Demetrios Tselengidis, Letter to the Synod of the Church of Greece, 30/8/2016 (Greek)

[7] Fr. George Florovsky, Themes in Orthodoxy Theology, publ. Artos Zoes, Athens 1989, p. 207 (Greek)

[8] Fr. George Florovsky, ibid.

[9] Metropolitan Hierotheos of Nafpaktos, Anatolika, vol. 1, publ. Holy Monastery of the Nativity of the Theotokos (Pelagia), 1993, p. 94

[10] St. John Chrysostom, Homily 34 on Hebrews 13:17. Translated by Frederic Gardiner. From Nicene and Post-Nicene Fathers, First Series, Vol. 14. Edited by Philip Schaff. (Buffalo, NY: Christian Literature Publishing Co., 1889.) Revised and edited for New Advent by Kevin Knight.

[11] St. John Chrysostom, On the Ascension of our Lord Jesus Christ , PG 52,784

[12] Arch. George Kapsanis, Pastoral Service According to the Holy Canons , Piraeus 1976, p. 110-112 (Greek)

[13] Metropolitan Hierotheos of Nafpaktos, “Why I didn’t sign the text ‘Relations of the Orthodox Church with the Rest of the Christian World’” Found online at <http://www.pravoslavie.ru/english/94945.htm>

[14] Petros Basileiadis, “The ministry of the Ecumenical Patriarch in the Orthodox Church” <http://www.amen.gr/article/i-diakonia-tou-oikoumenikou-patriarxi-stin-orthodoksi-ekklisia> (Greek)

[15] http://aktines.blogspot.gr/2016/07/blog-post_353.html (Greek)

[16] Matt. 21:44-45

[17] http://aktines.blogspot.gr/2016/07/blog-post_353.html (Greek)

[18] Announcement of the Diocese of Piraeus, March 2, 2016.

[19] Commentary concerning Ecumenism, Holy Monastery of the Paraclete, Oropos Attikes, 2004 (Greek)

[20] St. Justin Popovich, “Humanistic Ecumenism” in Orthodox Faith and Life in Christ, by Father Justin Popovich, trans. by Asterios Gerostergios (Belmont, MA: Institute for Byzantine and Modern Greek Studies, 1994), p. 169. Found online at << http://orthodoxinfo.com/inquirers/papism.aspx>>

[21] Protopresbyter George Metallinos, “The Ecumenical Patriarchate and Ecumenism,” The Acts of the Pan-Orthodox Academic Conference: Ecumenism, Origins-Expectations-Disenchantment, Vol. 1, publ. Theodromia, Thessaloniki 2008, pp. 237-238. (Greek)

[22] Original Greek found in Ioannis Karmires, Ta Dogmatika kai Symvolika Mnemeia tes Orthodoxou Katholikes Ekklesias, vol. 2, Athens 1953, p.957. English translation available here from the Orthodox Peace Fellowship: <>

[23] Original Greek found in Ioannis Karmires, Ta Dogmatika kai Symvolika Mnemeia tes Orthodoxou Katholikes Ekklesias, vol. 2, Athens 1953, p. 958-959. English translation available here from the Orthodox Peace Fellowship: <>

[24] Episkepsis, issue 698, 31/3/2009, p. 25 (Greek)

[25] Metropolitan Hierotheos of Nafpaktos, “Observations concerning the Holy and Great Synod” at the Synod of the Hierarchy of the Church of Greece.” <http://www.parembasis.gr/index.php/el/menu-teyxos-236/4447-2016-03-18> (Greek)

[26] Metropolitan Hierotheos of Nafpaktos, “A little bit after the ‘Holy and Great Synod’”, <<http://www.parembasis.gr/index.php/el/menu-teyxos-240/4566-2016-07-09-ligo-meta-amsoe>(Greek)

[27] Giorgos Papathanasopoulou, “Infectious Germ Papal Primacy” <http://aktines.blogspot.gr/2014/11/blog-post_899.html> (Greek)

[28] Chrysostomos II, Archbishop of Athens and All Greece, Proceedings from 15/7/1963 to 15/7/1964, pp. 18-19 (Greek)

[29] Ibid. pp.19-20

[30] D. Tsakonas, Athenagoras: The Ecumenism of New Ideas , Athens 1976, p. 93 (Greek)

[31] Ibid., p. 95

[32] Ibid., p. 95

[33] State of Archbishop Chrysostomos of Athens, newspaper. Orthodoxos Typos, November 1965

[34] The Address of Athenagoras, Protopresbyter G. Metallinos, Professor of the University of Athens, “The Dialogues Unmasked” [reproduced from the periodical Parakathiki], p. 4 (Greek)

[35] Protopresbyter G. Metallinos, ibid. p. 4

[36] Statement of Archbishop Chrysostomos of Athens in Orthodoxos Typos, November 1965 (Greek)

[37] The original texts are published in the Tomos Agapis (Book of Love). Vatican-Phanar (1958-1970 ), Rome-Istanbul 1971, pp. 288-289

[38] Fr. John Romanides, Orthodox and Vatican Agreement Concerning the Unia

<http://www.romanity.org/htm/-rom.e.14.orthodoxi_kai_vatikania_sumfonia_peri_ounias.01.htm>

Available in English here <http://www.romanity.org/htm/rom.13.en.orthodox_and_vatican_agreement.htm> [Trans. the translation does not seem to match the Greek text, and thus has been translated anew here.]

[39] Ant. Papadopoulou, Theological Dialogue between Orthodox and Roman Catholics (History-Texts-Problems) , publ. Kyraikides fraternity, Thessaloniki-Athens 1996, p. 40 (Greek)

[40] The Address of Athenagoras, Protopresbyter G. Metallinos, p. 5

[41] Grigorios Larntzakis, “The new form of communication between Rome and Constantinople-Pope of Rome and Ecumenical Patriarch. Continuities or discontinuities?” http://blogs.auth.gr/moschosg/

[42] D. Tsakonas, Athenagoras: The Ecumenism of New Ideas , p. 95

[43] “Council coming for Orthodox, » interview by Desmond O’ Grady, The National Catholic Reporter, in the January 21, 1977 edition.

[44] See Fr. Peter Heers, “The Recognition of the Baptism of the Heterodox As the Basis for a New Ecclesiology (In Step with Vatican II)” < http://www.pravoslavie.ru/english/92066.htm>

[45] The election of the Pope John XXIII as reported in Kathimerini http://www.kathimerini.gr/806488/article/epikairothta/kosmos/h-eklogh-toy-papa-iwannh-23oy (Greek)

[46] Ibid.

[47] See paragraph 3 of the Decree on Ecumenism <http://www.vatican.va/archive/hist_councils/ii_vatican_council/documents/vat-ii_decree_19641121_unitatis-redintegratio_en.html>

[48] Fr. Peter Heers, ibid.

[49] Fr. Peter Heers, ibid.

[50] Text 9 of the General Convention of the WCC in Porto Algere, February 2006. p. 257 

< https://www.oikoumene.org/en/resources/documents/assembly/2006-porto-alegre/official-report-of-the-wcc-9th-assembly>

[51] Decree on Ecumenism. http://www.vatican.va/archive/hist_councils/ii_vatican_council/documents/vat-ii_decree_19641121_unitatis-redintegratio_en.html

[52] Archbishop Anastasios of Albania, “The Relationship of the Orthodox with Other Christians” <http://panorthodoxcemes.blogspot.gr/2016/06/2007.html> (Greek)

[53] Decree on Ecumenism, para. 7 < http://www.vatican.va/archive/hist_councils/ii_vatican_council/documents/vat-ii_decree_19641121_unitatis-redintegratio_en.html>

[54] Ibid, p. 11.

[55] Archbishop Ieronymos, Epistle to the Hierarchs of the Church of Greece regarding the Great Council, 755, 16/2/2016 (Greek)

[56] Metropolitan Chrysostomos of Messinias, “The Orthodox Church and the ‘others’” Introduction to the Day Conference of the Synodal Committal of Divine Worship and Pastoral Care, Pentele, 4/6/2010 (Greek)

[57] Synod Text, “Relations of the Orthodox Church with the Rest of the Christian World,” https://www.holycouncil.org/-/rest-of-christian-world

[58] Metropolitan Chrysostomos of Messinias, “The relations of the Orthodox Church to the rest of the Christian churches and confessions on the basis of Pan-Orthodox decisions,” (Greek)http://blogs.auth.gr/moschosg/2015/12/08

[59] Kyrillos of Avydos, “I Trust the Church.” (Greek)

[60] Stylianos Tsompanidis, ”The Orthodox Church and the Ecumenical Movement: An ecclesiological approach on the way to the Holy and Great Synod” <http://blogs.auth.gr/moschosg/2015/12/17> (Greek)

[61] Bishop Makarios of Christoupoli, Interview with the reporter Nikos Panagiotopoulos, <http://flashnews.gr/post/272241/apokleistikh-synenteyksh-toy-ep-xristoypolews-sto-flashnews-meros-a> (Greek)

[62] Archbishop Anastasios of Albania, Opening Session of the Holy and Great Council, 19 June 2016, < https://www.holycouncil.org/-/opening-archbishop-anastasios> (Greek)

[63] Archbishop Chrysostomos of Cyprus, Opening Session of the Holy and Great Council, 19 June 2016, < https://www.holycouncil.org/-/opening-archbishop-chrysostomos> (Greek)

[64] Giorgos Vlantis, “Fear before the Spirit, The Holy and Great Council and the Fundamentalists,” <http://fanarion.blogspot.gr/2016/06/blog-post_78.html> (Greek)

[65] <http://www.romfea.gr/katigories/10-apopseis/6311-i-ixiri-apantisi-tis-athinas-sto-fanari> (Greek)

[66] Orthodoxos Typos, 1064, 25/2/1994

[67] Letter of the Holy Community of the Holy Mountain, 12/25 May 2016. Translation available here < http://www.pravoslavie.ru/english/93943.htm>

[68] Orthodoxos Typos, issue 426, 10/10/1980

[69] Ibid. issue 440, 16/1/1981

[70] Ibid. issue 772, 15/1/1988

[71] Ibid. issue 1067, 18/3/1994 Ibid. issue 1154 22/12/1995

[72] Ibid. issue 1154 22/12/1995

[73] Interview with reporter Gorgos Tragas on the show “Without an aesthetic”  https://www.youtube.com/watch?v=2Sg6uZnPtFw (Greek)

[74] Announcement of the Holy Synod of the Church of Greece, 16/10/2009 <http://www.ecclesia.gr/greek/holysynod/anakoinothenta.asp?id=1120&what_sub=announce> (Greek)

[75] Metropolitan Hierotheos of Nafpaktos http://www.parembasis.gr/images/anakoinoseis/2016/NAYPAKTOY_DIS_PARATHRHSEIS_M_SYNODO-MAR2016.pdf (Greek)

[76] Ibid.

[77] <http://www.ecclesia.gr/epikairotita/main_epikairotita_next.asp?id=1819>

[78] “Regulations, Organization and Operation of the Holy and Great Synod of the Orthodox Church”

< https://www.holycouncil.org/-/procedures?_101_INSTANCE_VA0WE2pZ4Y0I_languageId=en_US>

[79] Interview with Metropolitan Chrysostomos Messinias (English) 

< http://www.lastampa.it/2016/06/07/vaticaninsider/eng/inquiries-and-interviews/the-panorthodox-council-is-an-historic-event-no-one-must-be-absent-WTlAVSXZ3omyacCGvpoJiO/pagina.html>

[80] Metropolitan Hierotheos of Nafpaktos, “Why I didn’t sign the text ‘Relations of the Orthodox Church with the Rest of the Christian World’” < http://www.pravoslavie.ru/english/94945.htm>

[81] Ibid.

[82] Maria Antoniadou, “The background of the Synod which exiled the Catholics”

http://www.tovima.gr/society/article/?aid=803331 (Greek)

[83] Met. Hierotheos, ibid.

[84] Antoniadou, ibid.

[85] Antoniadou, ibid.

[86] Metropolitan Ignatius of Demetrias, “The Synod of Orthodoxy is the beginning” 

http://www.tovima.gr/opinions/article/?aid=812280 (Greek)

[87] Metropolitan Ignatius of Demetrias, “The Pan-Orthodox Synod” (Greek) 

http://www.kathimerini.gr/863416/opinion/epikairothta/politikh/h-panor8odo3os-synodos

[88] http://orthodoxia.info/news/(Greece)

[89] Victor Gaetan, Pan-Orthodox Council: Russian Absence Saves Ecumenical Patriarchate’s Status — for now, http://www.ncregister.com/daily-news/pan-orthodox-…

[90] Metropolitan Hierotheos Vlachos, “Just before the great and holy council, “ <<http://www.pravoslavie.ru/english/94354.htm>>

[91] Fr. George Florovsky, Themes in Orthodoxy Theology, publ. Artos Zoes, Athens 1989, p. 207 (Greek)

[92] Revelation 6:2

[93] Acts 26:14

حواشي المترجم

1 للأسف هذا المنطق يأخذ أحياناً صفة الطاعة فتتحوّل الكنيسة الأرثوذكسية إلى ممارسة العصمة البابوية ليس فقط على مستوى البابا الذي لا تملكه بل أيضاً على مستوى الأساقفة ما يعطّل مجمعية الكنيسة ويساهم في تحكّم الأهوائية والمزاجية خاصةً في ظل عدم الالتزام بقوانين الكنيسة بحجة التدبير .

2 الواقع أنه لو كان فعلاً الأميركيون مهتمّون بتقوية الكنيسة الأرثوذكسية بحدّ ذاتها، أو المسيحيين بشكل عام، لكانوا مارسوا بعض الضغط على تركيا لوضع حد لاضطهاد المسيحيين فيها، وتحديداً الفنار وساكنيه.

3 هذا المنطق نفسه استعمله الفاتيكان، ومن بعده بطريرك الروم الكاثوليك في بلادنا، لتبرير أن اليهود الحاليين لم يقتلوا المسيح، وبالتالي هم مبررون من دمه بالرغم من موقف آبائهم.

4 هذا الكلام المُطبَّق في كل الكنائس، حتّى ولو لم يكن كلاماً معلَناً أو مكتوباً، إنّما هو دليل على وجود محرّك خلف كل هذه التغيرات يفرض خطته على الكنيسة. قد يرى البعض أن هذا الكلام نابع من اعتقاد بنظرية المؤامرة من دون أن يثبتوا عكس ذلك. هذا من ضمن ما يُمارَس اليوم

5 كلام واضح لا لبس فيه ويلتقي فعلياً مع ما ورد في رسالة المجمع الأنطاكي بأن من الأسباب المهمة التي جعلت أنطاكية تقاطع كريت هو عدم التطرق إلى موضوع التقويم، وواضح أن موضوع التقويم يعني بالدرجة الأولى توحيد العيد. أحياناً يختلف بعض الشعب الأنطاكي مع بعضه البعض حول هذا الموضوع. لماذا لا يصارح المجمع الشعب بما يرغب هو به؟

6 أليست قضية قطر وخطف المطرانيين الحلبيين جزءً من هذا الضغط؟

7 أهمّ ما في هذه الورقة، إلى تسلسل الأحداث وما يستفيد القارئ العربي من مطابقتها مع أحداث عندنا، هو في أنها تظهِر كيف تكون الكنيسة الحية حيث يكون ممكناً التعبير عن الرأي الآخر ومقارعته. هذا دليل على أن الهدوء في الرعية ليس بالضرورة دليل صحة بل قد يكون دليل مرض.