كيف توقّف عالمنا عن كونه مسيحيًا: تشريح الانهيار

كيف توقّف عالمنا عن كونه مسيحيًا: تشريح الانهيار

جان كلود لارشيه

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

هذا النص هو مراجعة جان كلود لارشيه لكتاب غويوم كوشيه (Guillaume Cuchet) “كيف توقّف عالمنا عن كونه مسيحيًا: تشريح الانهيار” (Comment notre monde a cessé d’être chrétien. Anatomie d’un effondrement) منشورات Seuil، باريس 2018, 276 صفحة.

هذا النص وإن يكن يحكي عن الكثلكة في فرنسا إلا أن فيه الكثير للتعلّم في أنطاكية.

على مدى نصف قرن ، لاحظ العديد من المؤلفين الانهيار المذهل للكثلكة في فرنسا وعلى نطاق أوسع في أوروبا، وقد أثار الأمر قلقهم: لويس بويير في تحلل الكثلكة” (1968) ، وسيرج بونيه في تجسيدات الإكليروسية في الجمهورية الخامسة” (1973) ، ميشيل دي سيرتو وجان ماري دوميناخ في المسيحية انفجرت(1974) ، بول فيجنرون فيتاريخ أزمات الكهنة الفرنسيين المعاصرين” (1976) ، جان ديلومو فيهل سوف تموت المسيحية؟” (1977) ، إميل بولا في عصر ما بعد المسيحية” (1994) ، المطران سيمون فينحو فرنسا وثنية؟” (1999) ، دينيس Pelletier في الأزمة الكاثوليكية” (2002) ، دانييل هيرفيو ليجي الكثلكة: نهاية العالم” (2003) ، إيف ماري هيلير في هل سوف تختفي الكنائس؟” (2004)، دينيس Pelletier في الأزمة الكاثوليكية: الدين، المجتمع، السياسة في فرنسا (1965-1978)” (2005) ، عمانوئيل تودوهرفيه لوبرا في “السرّ الفرنسي” (2013)، إيفون ترانوفويه في “تحلل المسيحية الغربية” (2013). [1]

يلعب عنوان هذا الكتاب على عنوان كتاب بول فاين متى أصبح عالمنا مسيحيًا، لكنه يعلن انقلاب العملية التي حللها هذا الأخير. فغيوم كوشيه، وهو أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة باريس آست كريتاي، متخصص في تاريخ الكثلكة، يقترح في كتابه إظهار اللحظة التي بدأ فيها هذا الانحطاط وتحديد أسبابه. واحدة من الأدوات العلمية الرئيسية التي يستخدمها هي التحليل الإحصائي، فيما يعتبر معدل حضور الفرنسيين المنتظم إلى الكنيسة يوم الأحد أحدَ المعايير الموضوعية. هذا المعدل انخفض من 27٪ في 1952 إلى 1.8٪ في 2017. يمكن التساؤل حول هذا المعيار لأنه وفقاً لمقالٍ نُشر مؤخراً في صحيفة لا كروا (La Croix) الكاثوليكية الفرنسية ، يمكن للمرء أن يكون كاثوليكياً ممارساًولكن إلى جانب التزامات أخرى. من الصحيح أن بغياب هذه الممارسة يوم الأحد يمكن أن تستمر الثقافة المسيحية لفترة من الوقت. لكن فقدان الاتصال بالحياة الليتورجية لا يؤدي إلا إلى ضعف هذه الثقافة التدريجي واختفائها في نهاية المطاف.

يحدد الثلث الأول من الكتاب الالتزام بالكثلكة كما يظهر من كتلة من البيانات الإحصائية التي جمعها الإكليروس بين عامي 1945 و 1965، وعلى وجه الخصوص الإحصائيات التي وضعها كانن بولارد بعناية وانتظام على مدى فترة أوسع (1880-1965) بواسطة فرناند بولارد (Canon Boulard)، وهو عالم اجتماع ومؤلف كتاب من أربعة أجزاء عنوانه مواد التاريخ الديني للشعب الفرنسي، القرنان التاسع عشر والعشرون”[2].

وفقًا لكوشيه ، فإنه يمكن تأريخ التمزق الذي يفتتح عملية الانحطاط الكاثوليكي في فرنسا في الستينيات وبشكل أكثر دقة في عام 1965. يتزامن هذا القطع مع المجمع الفاتيكاني الثاني، وفي هذا الأمر تناقض، لأن المجمع صُمّم على يد منظميه كتحديث لإحياء كثلكةٍ تواجه العالم الحديث. ومع ذلك، يشير المؤلف، بعد دراسة فرضيات مختلفة، لا نرى ماذا يمكن أن يكون الحدث الآخر الذي ولّد مثل هذا التفاعل. فبمجرد وجوده، إلى الحد الذي فجأةً جعل إصلاح المفاهيم القديمة ممكناً، كان المجمع كافياً لزعزعة هذه المفاهيم، خاصة وأن الإصلاح الليتورجي وهو في الدين الجزء الأكثر ظهوراً لغالبية الناس قد بدأ تنفيذه في وقت مبكر منذ عام 1964″.

في النصف الثاني من كتابه، يحلل المؤلف بشكل دقيق ما يتعلّق بالمجمع من أسباب التمزق وعملية الانحطاط المستمرة إلى اليوم في جميع أنحاء العالم.

لقد تسبب المجمع بفقدان المؤمنين لمراجعهم. النص الذي نُشر في عام 1965 حول الحرية الدينية (Dignitatis humanae) ظهر كنوع من التفويض غير الرسمي للاعتماد على حكم الفرد فيما يتعلق بالمعتقدات والسلوك والممارسة، ما يتناقض بقوة مع النظام السابق“. هذا أثار ملاحظة الأب لويس بويير الحزينة: “لا أحد يؤمن بعد الآن. كل واحد يفعل فقط ما يريد“.

في ما يختص بالتقوى، يشير كوشيه إلى أوجه من الإصلاح الليتورجي التي قد تبدو ثانوية، ولكنها لعبت دوراً مهماً ولم تكن أبداً على المستوى النفسي والأنثروبولوجي. من هذه الأمور التخلي عن اللاتينية، المناولة باليد، والاستنسابية في الفروض القديمة. إلى هذه، يمكن إضافة انتقادات المناولة الرسمية التي تضاعفت منذ 1960 وبخاصةً منذ 1965، كما الممارسات الرعائية الجديدة في المعمودية (منذ 1966) والزواج (منذ 1969-1970)، والتي اتجهت نحو زيادة مستوى إتاحة الأسرار بطلب المزيد من التهيئة والانخراط الشخصي من الراغبين بالحصول عليها.

في حقل المعتقدات، المهم كان وجود التغيير بحد ذاته. التغيير في التعاليم الرسمية جعل المؤمنين البسطاء مشككين، إذ استنتجوا بأنه إذا كان النظام مخطئاً في الأمس بإعلانه ثبات ما لم يعد ثابتاً، لا يستطيع المرء أن يبقى واثقاً بأن هذا الأمر لن يتكرر في المستقبل. إن سلسلة كاملة من الحقائقالقديمة سقطت فجأة في الاندثار، وكأن الإكليروس أنفسهم توقفوا عن الإيمان بها أو لم يعرفوا ماذا يقولون عنها بعد أن كانوا تكلّموا عنها لزمان طويل على أنها شيئ أساسي.

من جهته، يشير الكاتب إلى أن هذا الوضع كان قادراً على زعزعة المؤمنين في حقل آخر هو صورة الكنيسة وبنيتها التراتبية والكهنوت.الأزمة الكاثوليكية في سنوات 1965-1978 كانت في البداية أزمة الإكليروس والمجاهدين الكاثوليك. إن التخلي عن القلنسوة (منذ 1962) والزي الكهنوتي، وتسييس الإكليروس (نحو اليسار)، عدول الكهنة والرهبان والراهبات، بَدَت للكثيرين على أنها خيانة كهنوتية لا موازٍ لها منذ الثورة الفرنسية التي كان لها نفس الآثار المفقِدَة للاستقرار“.

فوق هذا، شقّ المجمع الطريق إلى ما يمكن تسميته خروجاً جماعياً من الممارسة الإلزامية تحت ألم الخطيئة المميتةالتي احتلّت موقعاً مركزياً في الكثلكة القديمة.[…] هذه الثقافة القديمة حول إلزامية الممارسة كان يُعبّر عنها بشكل رئيسي في حيّز وصايا الكنيسةالتي يتعلّمها الأولاد عن ظهر قلب في التعليم الديني والذي يتمّ التحقق من الحفاظ عليه خلال فحص الضمير عند التهيئة للاعتراف. هذا تضمّن أيضاً واجب حفظ قداسة أيام الآحاد والأعياد، الاعتراف بالخطايا، والمناولة على الأقل مرة في السنة، صيام أيام الجمعة، وأمسيات قبل الأعياد الكبرى، وخلال ما يسمّى الفصول الأربعةمن الفترات الصيامية. كل هذه المتطلبات أُرخيَت إلى نقطة الاندثار ما عدا المناولة التي صارت منتظمة ويمكن الحصول عليها من دون أي تهيئة، لأن الاعتراف والصوم عملياً قد اختفيا. إن حلّ الصوم الإفخارستي تمّ على عدّة مراحل تحضيرية: في 1953 قرر بيوس الثاني عشر أن شرب الماء لا يكسر هذا الصوم مع الحفاظ على إلزامية الصوم منذ منتصف الليل قبل المناولة. في 1957، رسالة البابا المعنونة سر المناولة” (motu proprio Sacram communionem)[3] اختصرت الصوم قبل المناولة إلى ثلاث ساعات للأكل الجامد وساعة واحدة للسوائل. في 1964، أفتى بولس السادس بأن ساعة واحدة تكفي في الحالتين، ما عنى عملياً اختفاء الصوم الإفخارستي، لأن ساعة واحدة هي مدة الانتقال إلى الكنيسة والقداس قبل المناولة.

خلال هذه الفترة المجمعية وما بعد المجمع، يشير الكاتب إلى أنه من الصادم ملاحظة إلى أي مدى حذف الإكليروس طوعياً نظام الأصول القديم الذي عانوا صعوبات جمّة لوضعه، مثيرين في الشعب، بشكل لا يمكن تلافيه، شعوراً بأنهم غيّروا دينهمومحرّكين في البعض منهم انطباعاً بالنسبية المعممة.

يخصص الكاتب فصلَين كاملين لأسباب الانحدار التي تبدو له جذرية: أزمة سر الكَفّارَة وأزمة التعليم عن الأمور الأخيرة.

1) بحسب كوشيه، ازمة الاعتراف هي إحدى الأوجه الأكثر إعلاناً وصدماً للأزمة الكاثوليكية لسنوات 1965-1978”. “إن تراجع الاعتراف هو بحد ذاته حقيقة اجتماعية وروحية لم يعطِها المؤرّخون وعلماء الاجتماع الاعتبار المناسب: فهي ليست أقل من التحوّل الغامر من خلال التخلّي الكثيف في فترة لم تتعدَّ بعض السنوات عن ممارسةٍ لطالما تحكّمَت بعمقٍ بالمواقف الكاثوليكية لفترة طويلة من الزمن. في 1952، 51 بالمئة من البالغين الكاثوليك أقرّوا بأنهم يعترفون على الأقلّ مرة في السنة (في الفصح، إذ كان هذا إلزامياً منذ نشر القانون 21 من المجمع اللاتراني الرابع سنة 1215). في 1974، تراجع هذا الرقم إلى 29 بالمئة، وفي 1983 إلى 14 بالمئة. بحسب الكاتب، نقطة التحوّل هي في 1965-1966 حين لم يعد يُقَدَم الاعتراف على أنه سر الكفّارةوصار يُقَدَّم على أنه سر المصالحة“. هذا جرى يداً بيد مع التالي:

انتهاء الممارسة الإلزاميةالمذكورة أعلاه وإنهاء تجريم الامتناع عن الممارسة الدينية، وقد كان هذا الامتناع يُعتَبَر سابقاً خطيئة بقدر ما هو خرق لوصايا الكنيسة التي كانت تُطرَح كواجبات على المرء تطبيقها.

فقدان الحس بالخطيئة في ضمير الكثير من المؤمنين، وأيضاً بين الإكليروس الذين باتوا يخشون إثارة هذا المفهوم، كما فكرة الأمور الأخيرة. يلاحظ الكاتب في هذا السياق: “لقد امتنع الكهنة بغتةً عن التكلّم عن كل هذه الأمور الحساسة، وكأنهم لم يعودوا يؤمنون بها، فيما انتشر الكلام عن صورة إله كإله روسو إله الحبوليس إله المحبةفي الستينيات والسبعينيات. وكما لخّص أحد الفلاحين البريتانيين (من بريتون) في مطلع السبعينيات في مقابلة مع عالم الاجتماع فانش آلاغوا ( Fañch Élégoët) “لقد عبّد الكهنة الطريق إلى الملكوت“. هذا الطريق الذي كان جُرفاً وضيقاً فيما مضى صار طريقاً سريعاً يستعمله أي كان تقريباً. مع هذا الطريق، وإن لم يعد هناك أي خطيئة وأي جحيم، أو أقلّه لم يعد هناك خطايا جسيمة ممكن أن تحرمك الملكوت، فإن فاعلية الاعتراف بتحديده التقليدي صارت بالحقيقة أقلّ وضوحاً“.

الانفكاك بين الاعتراف والمناولة. “في النظام القديم، كنا نعترف أكثر مما نتناول، وكان الاعتراف نوعاً من طقوس التطهير التي تحدد الوصول إلى الإفخارستيا“. إن تطور المناولة المتواترة مرفوقاً بفقدان الحس بالخطيئة، كما الفكرة المنتشرة بين الكهنة، بتأثير من التحليل النفسي، بضرورة تحرير المؤمنين من الشعور بالذنب وبتحريرهم من الاعتراف، أنتجَت أن المؤمنين صاروا مدعوين إلى المناولة من دون الحاجة لأن يعترفوا. فمن ثمّ صارت المناولة مبسّطة، فيما إمكانية الاعتراف الفعلية صارت عملياً معدومة، وتمّ استبدال الاعترافات الفردية المنتظمة، منذ 1974، بالطقوس التكفيريةالتي تُقام مرةً في السنة قبل الفصح. في هذه التجمّعات، لا يعترف المؤمنون بأي شيء (يسمّي الكاتب هذه الطقوس أشكال كفارةٍ من دون اعتراف“) بل يحصلون على حلّ جماعي بعد الاستماع إلى عظة مبهَمَة غالباً ما يتمّ خلالها إغفال مفهوم الخطيئة. وعندما بقيت إمكانية الاعتراف قائمة أو استعيدَت في بعض الرعايا فإن المؤمنين لم يعرفوا جيداً كيف يعترفون أو حتّى ما إذا كان الاعتراف ما زال نافعاً“.

الفصل الأخير مخصص لأحد أسباب التدهور والذي يبدو على نفس الدرجة من الأهمية بالنسبة للكاتب: أزمة التعليم عن الأمور الأخيرة“. في عنوان الفصل يتفكّر الكاتب بأن ذلك لا يعني بالخلفية نهاية الخلاص، ويشير إلى أن في مجموعات التعليم الديني والمقالات القديمة أُعطي مكانة مهمة للموت والدينونة والوجهتين النهائيتين لما يلي، أي الفردوس والجحيم. في وقت مبكر، في كانون الأول 1966، إذ أقلق أساقفة فرنسا أن يروا هذه الأمور تختفي من التعليم والوعظ، فلاحظوا: “الخطيئة الأصلية… كما الأمور الأخيرة والدينونة هي نقاط في العقيدة الكاثوليكية مرتبطة بالخلاص في يسوع المسيح وعرضها للمؤمنين يجعل بالفعل تعليمها صعباً على الكثيرين من الكهنة. نحن لا نعرف كيف نحكي عن هذه الأمور“. قبل هذا بوقت قصير، لاحظ الكاردينال أوتافياني رئيس لجنة عقيدة الإيمان أن الخطيئة الأصلية اختفت بشكل شبه كامل من الوعظ المعاصر. يلاحظ كوشيه أن مشكلة تقديم العقيدة لم تكن رعائية وتربوية وحسب بل أيضاً بالحقيقة، كانت مسألة إيمان وعقيدة، وعدم ارتياح يتقاسمه الكهنة والمؤمنون. كل شيء يتمّ كما لو أن بغتةً عند نهاية عمل كامل من التهيئة الباطنية، أجزاء كاملة من العقيدة القديمة والتي كانت فيما مضى تُعتَبَر أساسية، كالدينونة والجحيم والمطهَر والشيطان صارت كلها غير قابلة للتصديق عند المؤمنين وغير ممكن التفكير بها لدى اللاهوتيين“. يحدد الكاتب مكان هذه الأزمة (بالغم من وجود العديد من الإشارات المنذِرة لبعض الوقت) في الستينيات، إلى جانب أزمة الاعتراف، مشيراً إلى أن الأولى مرتبطة بشدة بالأخيرة: “إن انهيار ممارسة الاعتراف تتبع تسلسلاً زمنياً مماثلاً. فخلال سنوات قليلة، لا بل حتّى أشهر قليلة، اختفت فعلياً مجموعة من الأمور التي كانت في وقت ما معروفة جداً لدى الذين يعترفون بتواتر. إن الأمر مرتبط بشكل مباشر، حتى لا نقول حصري، بحذف مفهوم الخطيئة المميتة (بمعنى أنها خطيئة تعرّض مرتكبها للعنة). لكن هذا كان له مفاعيله على الأسرار الأخرى المرتبطة بالأمور الأخيرة. في طقس المعمودية الجديد، تمّ اختصار الاستقسامات بشكل كبير (إذ لم يبدُ مرغوباً بالتشديد على دور الشيطان، الذي لم تخلّى عن الإيمان بوجوده عدد غير قليل من الكهنة، والذي بدا وكأنه ينتمي إلى ميثولوجيا ينبغي تحرير المؤمنين منها على اعتبار أنهم ساذجون). لقد كان هناك استهزاء واضح بالخطيئة الأصلية التي يُفتَرَض أن المعمودية تحرر منها وتؤمّن الحياة الأبدية“.

أما بخصوص المعمودية، فإن إصلاحاً آخراً سبّب تنفير الكثير من المؤمنين: ابتداءً من كانون الأول 1965، الهمّ الأول إلى الآن كان أن يعمّد الأطفال بأسرع وقت، لكن خدمة معمودية رعائية جديدة هي على العكس الآن حيث لا يحدد التاريخ بهدف انخراط الأهل أكثر في التحضير“. ينبغي إضافة أن الأمر بلغ ببعض الكهنة أن يتخلّوا عن تشجيع معمودية الأطفال واضعين الأمر في إطار أن المعمودية يجب أن تكون عملاً حراً طوعياً واعياً بالكامل، وشجّعوا على تأجيل مناقشة المعمودية إلى أن يبلغوا المراهقة.

مقترباً من الخاتمة، يشدد الكاتب مجدداً على التأثيرات الكارثية للستينيات على وعي المؤمنين العقائدي، الذي صار بشكل ما بروتستانتياً: “غالباً ما تمّ تفسير تكريس حرية الضمير من قبل المجمع في الكنيسة، بشكل غير متوقع في البداية، كحرية جديدة للضمير الكاثوليكي، مما يسمح ضمنيًا بالتمييز بين العقائد وممارسات الواجبات. لقد تحوّل مفهوم العقيدة (كاعتقاد ملزِم في الضمير) إلى مثير للمشاكل. هذا القرار الكبير للمجمع، مقروناً بمفهوم تراتبيةالحقائق، يبدو أنه اشتغل في عقول الكثيرين كنوع من رفع الجرم عن المؤمن الذي يصنع إيمانهما يغاير النظام السابق بشكل كبير، حيث كان ينبغي تبنّي الحقائق جميعاً وليس انتقائياً. كان يُتوقّع أن الأكثر سماجة من هذه المبادئ، أو تلك الأكثر مخالفةً للحدس، سيدفع الثمن، وهذا لم يفشل في الحدوث”.

مهما كانت العوامل الخارجية القادرة على لعب دور في انهيار الكثلكة (كالمقاربات الحديثة والضغط الاجتماعي وغيرها) فبحسب الكاتب، الظاهر هو أن العوامل الداخلية هي صاحبة الدور الحاسم.

تحمل الكثلكة مسؤولية جسيمة في إبطال مسيحية فرنسا (وبشكل أوسع أوروبا، لأن تحليلاً مماثلاً للوضع في الدول الأخرى سوف يؤدّي إلى نتائج مماثلة). إن العصرنة التي تحققت في مجمع الفاتيكان الثاني والتي اقترحت مواجهة تحديات العالم الحديث، لم تحقق سوى التأقلم مع هذا العصر؛ وإذ افترضت أنها تجذب العالم إلى جهتها انتهت في الاستسلام للعالم، وبالرغم من رغبتها في أن تكون مسموعة في المدى العلماني، صارت الكثلكة دهرية. في خوفها من تأكيد هويتها، صارت الكثلكة استنسابية إلى درجة أن عدداً كبيراً من المؤمنين فقد اللافتات التي كان معتاداً عليها أو التي كان يتوقعها، ولم يعد يرى معنى لأن يطلب في الكثلكة ما يقدمه له العالم بطريقةأقل التواءً.

تسعى السلطات الكاثوليكية إلى تخفيف الانهيار الموصوف في هذا الكتاب عن طريق حجج مختلفة (عدد كبير من الفرنسيين ما زال كاثوليكياً ويعمّد أطفاله؛ الممارسة الدينية تُقاس بالتزامات أخرى غير حضور القداديس؛ حلّت النوعية مكان الكمية؛ وغيرها). ومع هذا، إنهم يجاهدون ليكونوا مُقنِعين. لطالما قُدِّم يوحنا بولس الثاني على أنه هَندَس إبراءً من الفظائع التي تبعت الفاتيكان الثاني، لكن ينبغي ملاحظة أن التزام يوم الأحد الديني تراجع من 14 بالمئة عند انتخابه إلى 5 بالمئة عند وفاته في 2005. إذا كان صحيحاً أن الجماعات الحيّة الموجودة في المدن يمكن أن تقدّم مثالاً خاطئاً (كما كانت الحال في الكنائس القليلة التي بقيت مفتوحة خلال الفترة الشيوعية في الكتلة الشرقية حيث كانت مكتظة لأن غيرها كان مغلقاً)، كما اجتماع الشباب الاستعراضي خلال أيام الشباب العالمية، فإن الجنوب الفرنسي يظهِر حقيقةَ تصحرٍ مأساوي: تضاعُف الكنائس غير المستعملة (أي الكنائس التي لم تعد تعمل كأماكن للعبادة)؛ كهنة يهتمون بعشرين إلى ثلاثين رعية ويقيمون قداساً إقليمياًكل أحد لعدد صغير من المؤمنين بغالبيتهم من العجزة وأحياناً من القادمين من عشرات الكيلومترات بعيداً؛ غياب الجنانيز المُقامة من كهنة وغالباً لغياب المشاركين؛ انعدام التواصل بين الكهنة والمؤمنين بسبب المسافات الفاصلة بينهم وعدم توفّر الأخيرين لانشغالهم بالاجتماعات الكهنوتية أكثر من الزيارات الرعائية…

إن تطور الكنيسة الكاثوليكية البائس ما بعد الفاتيكان الثاني، كما يصفه كوشيه في كتابه، يجب أن يخدم كإنذار للأساقفة واللاهوتيين الأرثوكسيين الذين حلموا وما زالوا يحلمون بالدعوة إلى مجمع أرثوذكسي عظيممشابه بذاك الذي أرادت الكثلكة من خلاله تحقيق عصرنتها (aggiornamento)، لكن فعله الأول كان تحريك تحللها الداخلي والنزف المأساوي لعدد ضخم من مؤمنيها.

[1] Louis Bouyer, La Décomposition du catholicisme, Paris, Aubier, 1969

Serge Bonnet . A Hue Et A Dia. Les Avatars Du Cléricalisme Sous La Ve République. Cerf, 1973

– Michel de Certeau et Jean-Marie Domenach, Le christianisme éclaté. Un vol. 21 x 14 de 128 pp. Paris, Le Deuil, 1974

– Taveneaux René. Histoire des crises du clergé français contemporain. In: Revue d’histoire de l’Église de France, tome 63, n°171, 1977

– Jean Delumeau , Le christianisme va-t-il mourir?, Paris, Hachette,. 1977.

– Émile Poulat, Ère post-chrétienne, Paris, Flammarion, 1994.

– Bishop Simon Towards a Pagan France? 1999

– Denis Pelletier, La crise catholique. Religion, société, politique en France (1965-1978), Payot, 2002

– Danièle Hervieu-Léger, Catholicism: the End of a World, Bayard, 2003

– Yves-Marie Hilaire, Will the Churches Disappear? 2004

– Hervé Le Bras & Emmanuel Todd, Le mystère Français, Seuil, Paris, 2013

– Yvon Tranvouez, La décomposition des chrétientés occidentales (1950-2010), Centre de Recherche Bretonne et Celtique, 2014

[2] Fernand Boulard. Matériaux pour l’histoire religieuse du peuple français, XIXe-XXe siècles. Broché, 1982

[3] Motu Proprio عبارة تستعمَل لإشارة إلى الرسائل التي تصدر عن البابا نفسه

الكنيسة كمركز علاجي: مرض الروح

الكنيسة كمركز علاجي: مرض الروح

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

عندما نتحدث عن مرض الروح، فإننا نعني في الدرجة الأولى فقدان النعمة الإلهية، التي لها تداعياتها على الجسد أيضاً ما يجعل الشخص كلَّه مريضاً. قد لا يكون هناك وجود لمرض جسدي ولكن بدون نعمة الله لا توجد صحة.

من أجل فهم أفضل لسقوط الإنسان، من الضروري أن نبدأ بما يقوله الآباء القديسون عن أن النفس نوسية وعقلية، أي أن الروح تحتوي على كل من النوس والعقل وهما يتحركان بالتوازي. يتميز النوس عن العقل في أنه هو عين الروح، مركز الانتباه، في حين أن العقل لفظي بلاغي يصوغ الأفكار من خلال الدماغ. وهكذا، إذا تحرّك النوس بحسب الطبيعة، مما يعني أنه بصحة جيدة، يكون العقل أيضًا بصحة جيدة والروح التي هي المحبة تكون صحيحة أيضًا. إذا كان النوس غير صحيح، يكون الإنسان معتلّاً في عقله وفي محبته. إن الخلل في عمل هاتين القوتين، النوس والعقل، يسبّب المرض.

قبل السقوط ، عاش آدم في حالة طبيعية. كان نوسه موجّهاً إلى الله ويحصل على النعمة منه، في حين كان العقل خاضعاً للنوس الممتلئ نعمة، وبالتالي يعمل بشكل طبيعي.

السقوط الذي يشكّل المرض الحقيقي هو في الواقع ظلام النوس. فقد أظلم النوس إذ فقد نعمة الله ونشر الظلمة في الإنسان بأكمله. في التقليد الأرثوذكسي، نعني بسقوط الإنسان ثلاثة أمور: أولاً ، أظلم النوس وتوقّف عن العمل بشكل طبيعي. ثانياً، صار النوس محدداً بالعقل وصار العقل مركز الإنسان. ثالثًا، استعبدت المشاعرُ والظروفُ الخارجية النوسَ. هذا كان الموت الروحي للإنسان. وكما هو الحال عندما تتأذى عين الإنسان ويصبح الجسم كله مظلماً، أي عندما تعمى عين النفس فإن الكائن الروحي بأكمله يصير مريضاً ويقع في الظلام العميق. قال المسيح: “إِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَمًا فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ؟” (متى 6: 23).

ظلام النوس يخلق تشوّهات فظيعة في حياة الإنسان. إنه يؤدي إلى انهيار مدمّر في تكوينه الروحي بأكمله. من بين أمور أخرى، يصنع الإنسان صنماً من الله، لأن الله يصبح خليقة المنطق. يستغلّ الإنسان إخوته من البشر من أجل المتعة والطموح والجشع، وينظر إلى العالم كمقلعٍ يجب إخضاعه لحاجاته الشخصية الخاصة.

إذاً هكذا ندرك أن جميع المشاكل الاجتماعية والعلائقية بين الأشخاص على حد سواء، هي من داخل الإنسان وهي تشير إلى مرض الروح وفقدان النعمة الإلهية. عندما لا تعمل قوة الإنسان النوسية بشكل جيد، نلاحظ العديد من الشواذات. كل الأهواء تتمرد، ويستغلّ الإنسان الله وإخوته لتعزيز أمنه الشخصي وسعادته. ومن ثمّ يصير باستمرار تحت الضغط معتقداً أنه في السجن.

نتائج سقوط الإنسان

يرتبط تعليم الكنيسة الصحوي (neptic)، الذي يشير إلى العالم الداخلي، ارتباطًا وثيقًا بالتعليم الاجتماعي. قد يفترض البعض أن حياة الكنيسة النسكيّة لا علاقة لها بالواقع. في الحقيقة، العكس هو الصحيح. فقط من خلال هذا التحليل للسقوط يمكننا حلّ المشاكل الناشئة في حياتنا. لقد رأينا بعض النتائج سابقاً. سوف نعرض الآن العواقب المأساوية لمغادرة الإنسان لله والتي تُظهِر أن اللاهوت الأرثوذكسي هو العمل الأكثر أصالة وحداثة.

إن فقدان النعمة الإلهية يشكّل المرض الحقيقي للإنسان ويجلب الموت الروحي والجسدي. الموت الروحي هو رحيل الإنسان عن الله، والموت الجسدي هو انفصال النفس عن الجسد. لم يخلق الله الإنسان ليموت لكن الموت الجسدي جاء نتيجة للسقوط.

النتيجة الأولى للسقوط كانت ظلام النوس. يقول القديس غريغوريوس بالاماس: “إذا غادر النوس الله، يصبح إما وحشياً أو شيطانياً“. عندما يغادر نوس الإنسان الله ويصير مظلماً، لا يمكن تفادي تشوّه كل قوى الروح والجسد الداخلية. بعد أن يفقد النوس حركته الطبيعية التي هي حركة نحو الله، تتحوّل رغبته نحو أشياء غريبة ويصير إشباع جشعه غيرَ ممكن. إنه ينغمس في الملذات الجسدية دون أن يعرف أيَّ حد لهذه الملذات. وفي حين أنه يهين نفسه بأفعاله، يصرّ على أن يكّرمه الجميع. إنه يريد من الجميع أن يتملّقوه ويوافقوه ويتعاونوا معه، وعندما لا يتمّ ذلك يمتلىء من الغضب. إن غضبه وغيظه ضد إخوته البشر كالثعبان. من ثمّ الإنسان، الذي خُلِق على صورة الله وشبهه، يتحوّل إلى قاتل ويتشبّه بالشيطان قاتل الإنسان. إن ابتعاد النوس عن الله يجعل الإنسان وحشياً أو شيطانيًا، اي أنه يصير وحشًا أو شيطاناً. لذلك، مع ظلام النوس تتأجج الأهواء.

نتيجة ثانية لسقوط الإنسان هي أن النفس ومجمل الإنسان يتحرّكون بعكس الطبيعة. يعلّم اﻵباء القديسون أن هناك ثلاث حركات للنوس: بحسب الطبيعة، فوق الطبيعة، وضد الطبيعة. تتمّ حركة النوس بعكس الطبيعة عندما لا يرى تدبير الله وعدالته في ما يجري في حياته، بل باﻷحرى يؤمن بأنّ اﻵخرين ليسوا عادلين معه ويثور ضدهم. إن حركة النوس بحسب الطبيعة تظهر عندما يعتبر الإنسان نفسه هو والأفكار الشريرة مسؤولين عن مصاعبه. أما حركة قوى النفس فوق الطبيعة فتتمّ عندما يتحرّك النوس نحو الله ويجد ثمار الروح الكلي قدسه ويعاين مجد الله. في هذه المرحلة يصير النوس متناسقاً (amorphous ) ولا شكل له؛ أي أنه يتحرر من الصور والتخيلات والأفكار الشيطانية. في مرض النوس، نجد كل النتائج المريعة والمشوِّهة للعمل والحركة بعكس الطبيعة.

نتيجة ثالثة للسقوط هي تهيّج المخيّلة. بحسب تعليم اﻵباء القديسين، الخيال، اي الصور والتشبيهات، هي نتيجة السقوط. الله والملائكة ليس عندهم مخيلة. الشياطين والبشر الساقطون عندهم مخيلة مريضة. يقول اﻵباء أن المخيلة هي سلّم النوس الذي يغطّي الجزء العقلي من النوس؛ إنها الجسر بين البشر والشياطين. يملك الإنسان الصحيح المخيلة لكن لا التخيلات. كمثالٍ، يمكننا القول أن المخيلة عند إنسان متقدّس هي كمثل تلفاز مطفأ. فالجهاز موجود لكن لا الصور. بهذا المعنى نقول أن القديسين لا مخيلة لهم.

هذه نقطة فائقة الأهمية إذ طالما الإنسان مريض فهو واقع تحت سيطرة صور كثيرة ينتجها الجزء التخيلي من النفس. إن ما يسمّى بالمشاكل النفسية هي بالغالب نتاج الشك والأفكار المنطقية إذ تنمو في جو التخيّل. اليوم، إنها لحقيقة ملحوظة أنه بقدر ما يكون المرء مريضاً نفسياً يزداد تهيّج مخيلته.

النتيجة الرابعة لسقوط الإنسان هي مرض عالمه العاطفي. الشخص السليم روحياً متوازن في جميع أنشطته. في مختلف أحداث حياته، إنه لا يتحرك نفسياً وعاطفياً وحسب بل عنده شراكة حقيقية مع الله. لذلك ، لا يتحرك عاطفيًا بالطبيعة وجمالها، بل يراها روحياً، لأنه يرى قوة الله فيها. إن الفرح النفسي عديم الخبرة، الذي يمسه الخيال، مختلف عن الفرح الروحي الذي هو نتاج الروح القدس. في اﻹنسان المريض،تختلط العاطفة مع أهواء تبرير الذات.

في الكنيسة، بجهادنا وفوق كل شيء بحصولنا على نعمة الله، نقوم بتحويل كل العواطف وكل الحالات المرضية. هذا يتحقق بالتوبة. من ثمّ تتحوّل كل الأحداث النفسية إلى حالات روحية. إن تعابير الإنسان المريض نفسياً لا تُلاحَظ في الإنسان التائب.

ولذلك، مرض الروح الذي يظهر في المقام الأول في نوس الإنسان، له عواقب وخيمة على الكائن الحي بأكمله. الإنسان المريض يصير متلهفًا ومحباً لذاته، مبرراً لها، ولهذا تداعيات على المجتمع كله. نقول في الكنيسة الأرثوذكسية أنه من الممكن أن يتمتع إنسان ما بصحة جسدية ونفسية متوازنة بسبب ذكائه وعقله القوي فلا يحتاج إلى طبيب نفسي، ومع ذلك يبقى مريضًا من دون نعمة الله. إن ظلام النوس هو أعظم مرض للإنسان.

عمل المسيح على الصليب

عمل المسيح على الصليب*

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

يوم الجمعة العظيم، بالاقتران مع قيامة المسيح، هو يوم انفجار روحي، هو بيغ بانغ روحي، لم يخلق كونًا مبنيًا ولا صار مبدأ الحياة العضوية، بل خلق حالة مستوحاة من الخليقة الجديدة والولادة الجديدة.

إن الترانيم التي ننشدها في هذه الأيام، خاصة ليلة الجمعة العظيم، فيها مزيج من الإذلال والمجد، الجلال والإفراغ، والقوة والحنان. كل هذا يبدو متناقضًا ، لكنه يخلق تناغمًا يحرّك الجميع لأي مجموعة انتموا.

ترِد في إحدى تقاريظ جناز المسيح واحدة من أكثر الصفات إشارة إليه، وفيها:
كمثل البجعة، جُرحت في جنبك، وأعطيت الحياة لأبنائك المحتضرين، منقّطاً لهم قطرات الحياة[غير موجودة في العربية]

بحسب التقليد، عندما تحقن الحية السامة القاتلة السم في فراخ البجعة وتموت، تثقب البجعة جنبها ويجري منه الدم، فتستقطره إلى فراخها وتنعشهم فيما هي تموت. تُظهر هذه الصورة عمل المسيح على الصليب. الناس أموات بسمّ الموت والخطيئة والشيطان، فتبرّع السيد المسيح بدمه لنا، لمحاربة الموت والخطيئة والشيطان، ولإنعاشنا. وهكذا أصبح موته حياةً لنا.

هذا هو عمل الكنيسة. تحتضن العالم كله، بغض النظر عن العرق والإثنية واللون واللغة والجنس والعمل، وتعطيهم دم المسيح وكل حياة قيامته، للقضاء على السم الذي تعرضه عليهم قوات الشر القديمة والحديثة.

الإنسان اليوم مسموم بشكل مستمر من الصيغ الجديدة التي تضلله خارجياً، ومن أوهام الحياة، ومن الواقع الافتراضيالقاتل الذي هو جحيم حديث. إنها العقلانية والإثارة والأوهام التي يتم تمويهها خارجيًا بغطاء حلو، مما يخلق إحساسًا بالمتعة، ولكنه يشير إلى المعاناة والألم والفراغ واليأس الأجوف. إن الإنسان يعيش في عالم مزيف في واقع افتراضي“.

إن مصدر الطاقة الذي يغذي هذا الواقع الافتراضي هو حب الذات والغرور والغطرسة والأنانية، وعندما يتم إغلاق هذا القابس يدخل الإنسان في مأساة هي مأساة الفراغ. إن مجتمعنا قاسٍ ومريض وخطير يخفي ثعابين رنانة سامة تسبب الموت للإنسان. لذلك نحن بحاجة إلى نقل دم من المسيح ، الذي يموت من أجلنا لنحيا.

في الوقت نفسه، يحتاج مجتمعنا المسموم إلى أشخاص ذوي رؤية، أصحاب نظر قادرين على معالجة هذه الثعابين السامة الكامنة في كل مكان ناشرة الموت الروحي والنفسي، وإعطاء الناس الرجاء والقوة والشجاعة، والمعنى للحياة، والأكثر أهمية هو حماية الناس من الواقع الافتراضيالخطير الذي هو وهم مميت.

* من عظة في يوم الجمعة العظيم في إحدى ضواحي نافباكتوس

(Μεγάλη Παρασκευή, 18-4-2014. Λόγος στήν Περιφορά τῶν Ἐπιταφίων στήν Ναύπακτο )

السمات المميّزة للروح الأرثوذكسية

السمات المميّزة للروح الأرثوذكسية

خريستوس كاراذيموس

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

[الروح هنا هي Ethos وهي كلمة يونانية تعني الشخصيةالتي تستخدم لوصف المعتقدات أو المثل التوجيهية التي تميّز المجتمع أو الأمة أو الأيديولوجياالمترجم]

كلمة السر عند المؤمنين الأرثوذكس هي المسيح هو الكل وفي الكل” (كولوسي 11:3) ، إن لم يكن كل جانب من جوانب حياتنا غارقاً في المسيح، يكون منقسماً بطريقة غير مقبولة إلى ديني وغير ديني. يوجد مثل هذا الانفصال في الديانات الوثنية. التدين هو اقتصار الحياة على زمن الهيكل والتقدمة والعبادة. هذا التدين هو أحد جوانب أسلوب حياتهم. ما تبقى من حياتهم، الفردية والاجتماعية، مستقلّ. وبالتالي يمكن تقسيم نمط حياتهم إلى ديني أو غير ديني، تماماً كما تنقسم حياة الناس الذين يشغلون مناصب عامة إلى عامة وخاصة.

يؤدّي هذا الانقسام إلى فكرة الواجبات الدينية، وهي التزامات تجاه العنصر الإلهي، ولا علاقة لها بالتزامات تجاه الآخرين. إن هذا التديّن المتشرذم المفكك يولّد شكلِيّين، يؤمنون بأن الحياة الدينية محصورة فقط بالهيكل، ليس بالمنزل أو بمكان العمل أو بالسوق أو محاكم القانون أو سرير المرض أو زنزانة السجناء، إلخ. من الناحية الأخرى، الروح الدينية الأرثوذكسية هي تألّيهكلِّ حياتنا وتقديس كلّ جوانبها وتجميلها تحت التأثير المجدّد للمسيح بنور السماء.

لتحقيق ذلك ، نحن بحاجة إلى دراسة مستمرة وصلاة غير منقطعةوحياة الأسرار المقدسة. أول اسم للمسيحيين كان التلميذ” [discipulus = student]. يجب أن يكون المؤمنون الأرثوذكسيون اليوم أيضًا تلاميذ يسعون لتنوير مشاكلهم اليومية من خلال دراسة كلمة الله والفكر الآبائي. على وجه الخصوص، ينبغي أن تحفِّز الصلاة جميع جوانب حياتنا.

إن النعمة الإلهية المعطاة لنا بالأسرار يجب أن تدعونا كل يوم لنصبح حقاً ملح الأرضو نور العالم“. لا يمكن تصوّر مسيحيين حقيقيين لا يحاولون أن يتزيّنوا بالفضيلة، أقلّه، على سبيل المثال، فضيلة العدالة والنزاهة. هذا يجب أن يمسّ جميع علاقاتنا وتفاعلاتنا. يجب علينا جميعاً أن نجوع ونعطش إلى البِرّ، ليس فقط بالمعنى التقني، بل أيضاً بالمعنى الخاص للخضوع للعدالة، لقوانين الدولة.

إن الناس المتشظّين بالمعنى الروحي لا يهتمون بشكل خاص بالتوافق مع قوانين الدولة. إنهم يعتبرون الدولة شيئًا خارج نمط حياتهم الديني وبالتالي خارج احترامهم. وبالطبع ، فإنهم يحترمون القوانين التي تهدف إلى الحفاظ على الوصايا العشر، لكنهم لا ينخرطون بشكل خاص في قوانين أخرى كالضرائب أو الإدارة إن النزاهة والاجتهاد مفتقدَتان أحيانًا إلى حدٍ لا يتحمله حتّى الوثنيون“. الضمير المهني، بمعنى أن على المسيحيين أن يعطوا قدر استطاعتهم في عملهم، ليس متطوراً إلى حد كبير ويطغى عليه الاهتمام بالشبث والكمون، ويرتبط بالصلاة والضمير [ 1].

ثم ماذا نقول عن فضيلة المحبة؟ تاريخ المسيحية في هذا الموضوع هو الأكثر تنويرًا. هذه الفضيلة هي السمة المميزة للمسيحيين الأرثوذكسيين على مر القرون. منذ العصور القديمة ، سلّم الكثير من المسيحيين أنفسهم للخدمة مقدّمين ثرواتهم، وأطعموا الآخرين [2]. في كثير من الأحيان ، وفّر المسيحيون الأموال المتراكمة بالعمل الصادق ، واستخدموها لشراء [حرية] القديسين وإنقاذ العبيد والسجناء والأسرى والمظلومين والمدانين ومَن مثلهم [3]. عندما، على سبيل المثال، في زمان ماكسيميان، تفشّى الطاعون والمجاعة، المسيحيون كانوا الوحيدين الذين قدموا رعاية المحبة من دون تمييز لجميع الذين كانوا يعانون إلى درجة أن الوثنيين أنفسهم مجّدوا الله بسبب المسيحيين.

أهكذا يشتعل قلبنا بمحبة القديسين باسيليوس الكبير، يوحنا الذهبي الفم، يوحنا الرحوم، ثيوذوسيوس، أفرام السوري، أولمبياذا، فيلوثاي وغيرهم من أبطال وبطلات الإيمان والحياة الأرثوذكسيين؟ أم أننا نحصر النظرة الأرثوذكسية بالمشاجرة حول الاختلافات في المواضيع التقليدية من دون مضمون؟ لا يمكن أن نكون مؤمنين أرثوذكسيين حقيقيين إذا كنا نحتمل محنة الأطفال الذين يعانون من نقص التغذية وكل أشكال التعاسة الأخرى في محيطنا. لا يمكن أن نرتاح بسهولة عندما يعيش الآخرون بعيدًا عن المسيح، ويحصدون الاضمحلال والفساد بينما نحن لا نبالي بهم. “مَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌإِنْ قَالَ أَحَدٌإِنِّي أُحِبُّ اللهَ» وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟” (1يوحنا 8:4 و20)

المسيحيون الأرثوذكس هم أناس اجتماعيون متّزنون جدًا، أصحاب شجاعة مسيحية وجرأة متواضعة. ليسوا غرباء عن المجتمع، لديهم مشاعر المحبة من ناحيته. عندما يحين الوقت للاعتراف المسيحي الجريء والشجاع، فهم لا ينظرون إلى المجتمع بشعور بالهزيمة أو شعور بالدونية. إنهم لا يخجلون بالإنجيل أمام المجتمع، بل يريدون إظهار قوة الإنجيل. إنهم يشعرون بمسؤولية القيادةنحو الطريق الذي يتبعه المجتمع.

علينا جميعًا أن نتذكر أن السمات الرئيسية للروح الأرثوذكسية هي حياة تتمحور حول المسيح وولادة روحية جديدة. نحن مدينون لأنفسنا ولجيراننا ولله أن نعيش بالإيمان والحب والرجاء.

[1]. P. Melitis, Για ν’ ανοίξει ο δρόμος, Athens 1957, p. 180.

[2]. Clement I Cor. LV, 2.

[3]. Apostolic Constitutions IV, 9.

خبرات ما بعد الموت

خبرات ما بعد الموت

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

لقد رأينا… أن ساعة الموت مرعبة جداً بالنسبة للإنسان، لأن نفسه تنفصل عن جسده الذي كانت معه في وحدة غير منحلّة. لذلك يستعد قديسو الكنيسة لهذه اللحظة طوال حياتهم، وعندما يقترب الوقت يُصَّلون أكثر. إننا نرى في الكتابات النسكية اهتماماً كبيراً بالطريقة التي يرحل بها الناس. ويهتمّ النساك على الأخص بأن يرحلوا وهم في حالة وعي لموتهم. وفي الواقع هم يعتبرونه أمراً مروعاً أن يموتوا دون أن يكونوا مدركين لذلك، وأن يعبروا من الموت إلى الحياةدون أن يكونوا قد انفتحوا على الوعي به، وبالطبع دون أن يكونوا قد صلّوا لله. وهذا ما يجعلهم يفضلون أن يكونوا بمفردهم في تلك اللحظة لكي يصَّلوا.

سوف نتحدث عمّا يسمى خبرات ما بعد الموت التي تُناقَش بكثرة في العالم الغربي. كما نعلم، فإن روايات بعض الناس الذين عادوا إلى الحياة بطريقة ما ووصفوا ما رأوه أعطت انطباعاً عظيماً. وأتى هذا الانطباع لأن الحياة بعد الموت كانت قد نُسيت بدرجة ما في المجتمع الغربي. لقد كان الناس يظنون أن الشخص ينتهي بانتهاء حياته الأرضية. وإذ قد تعودوا كشعب أن يحدُّوا وجود الإنسان بما هو ملموس، اكتشفوا عالماً آخر واندهشوا.

لم يكن لهذه الخبرات المعاصرة، المعروفة بخبرات ما بعد الموت أو خبرات الاحتضار، نفس الانطباع في العالم الأرثوذكسي، لأن هذه المسائل موجودة في كتابات آباء الكنيسة القديسين وهي موضوعات مألوفة. فالآباء يصفون بقدر الإمكان الحالات المرتبطة برحيل النفس من الجسد.

يجب أن نؤكد وجود بعض القيامات من الأموات، كإقامة ابن أرملة صرفند صيدا بواسطة إيليا النبي، وإقامة الأموات الثلاثة الذين أقامهم السيد المسيح (ابن أرملة نايين، ابنة يايرس، ولعازر)، بالإضافة إلى إقامة طابيثا بواسطة بولس الرسول بقوة المسيح. وعلى أية حال، لم يعطنا أي من هؤلاء الذين عرفنا أنهم أُقيموا من الأموات أي وصف عما يحدث بالضبط عندما تغادر النفس الجسد، أو ما يحدث بالضبط في الحياة الآتية. فعلى الأقل ليس لدينا كتابات تصف شعور النفس عندما تعيش خارج الجسد، وما هي المشاعرالتي تتغلب عليها عندما تدخل الجسد ثانية وتستمر في الحياة في ظروفها المألوفة. كما أن أولئك الذين قاموا وقت الزلزال الذي جرى لحظة موت المسيح على الصليب لم يحفظوا لنا خبراتهم.

أحد تفسيرات هذه الظاهرة هي أن المسيحيين لا يغلبهم مثل هذا الفضول. وحيث أن لديهم كلمة الوحي، ويعرفون أنهم يُشفون بواسطة وصايا الله، وحيث أن وصية الله كما تظهر في مثل الغني ولعازر واضحة: “عندهم موسى والأنبياء ليسمعوا منهم، بالتالي لا يعود مهماً بالنسبة لهم أن يجمعوا معلومات عن خبرات ما بعد الموت هذه. بالإضافة إلى أن كلمة إبراهيم، أي كلمة الله: “إن كانوا لا يسمعون من موسى والأنبياء ولا إن قام واحد من الأموات يصدقون” (لو 31:16) تُظهر أن الإنسان الجسداني لن يؤمن حتى لو سمع الأشياء الأكثر غرابة، كما أنه يكون مستعداً لأن ينسبها لسبب آخر.

سوف نحاول فيما يلي أن نلقي نظرة مختصرة جداً على هذه الظاهرة التي لوحظت ووصفت، على أن يكون ذلك من منظور أرثوذكسي على الدوام.

1- خبرات ما بعد الموت المعاصرة

توجد شهادات مبكرة عن مثل هذه الحالات، ولكن الشعور الذي أثير حديثاً في أميركا أتى من ملاحظات الطبيب النفسي مودي (Moody)“. بعد ذلك، وبسبب الاهتمام الذي أظهره القراء، نُشرَِت أيضاً كتب أخرى تتناول هذا الموضوع. لقد قام مودي بجمع خبرات مئة وخمسين شخصاً، ولكن تحرياته تمركزت حول خمسين شخصاً كانت لهم فرصة الدخول في خبرات الاحتضار وخبرات ما بعد الموت.

لقد قام الأب سيرافيم روز بتحليل ونقد آراء مودي في كتاب عن هذا الموضوع. ولاحظ العلماء الغربيون أن بعض الناس في لحظة الموت أو عندما عادوا للحياة بعد الموت، رأوا أحداثاً مميزة جداً وغريبة لا يمكن تفسيرها بعلم الطب التقليدي. تتنوع أسباب هذه الخبرات.

السبب الأول هو اقتراب الموت. فعندما تقترب النفس من رحيلها من الحياة تختبر وضعاً جديداً. فالموت هو حقاً نقطة حادة في حياة الإنسان. ففي هذا الوقت يجد نفسه بين حياته الأرضية وحياة نفسه بدون الجسد.

والسبب الثاني هو اقتراب أرواح الشر والخير الذي أكد عليه العديد من القديسين كما ذكرنا بالفعل. فالإنسان يتلقى تأثيرات من الشياطين أثناء حياته إلا أنه يحصل أيضاً على مساعدة الملائكة، وهذا يحدث بالأكثر في الوقت الذي تنفصل فيه نفسه عن جسده.

والسبب الثالث هو أن تقدّم علم الطب جعل من الممكن أن يدخل الناس في خبرة الموت السريري لعدة أيام وساعات. فقد ازدادت ظاهرة الناس المعتبرين موتى سريرياً ويعودون للحياة بعد استحثاث ميكانيكي للقلب الذي توقف عن النبض.

وهكذا، بالإضافة للأسباب المألوفة التي ينتج عنها ما يسمى خبرات ما بعد الموت، يوجد سبب مرتبط بعلم الطب. ولو أضفنا الأمراض العقلية بالإضافة للعقاقير القوية التي توصف للمريض بمرض خطير، فإننا نستطيع أيضاً أن نفسر بعض التشوشات الحسية أو الأحاسيس غير الطبيعية التي تتكون في مثل هذه الأوقات. وهكذا يوجد خلط بين كل هذه الحالات ولا يكون من السهل تصنيف خبرة ما أو تحديد ماهيتها.

يركز الأب سيرافيم روز انتباهه على بعض النقاط المشتركة التي لاحظها مودي في الروايات التي سردها أولئك الذين مروا بمثل هذه الخبرات حيث توجد ثلاث نقاط مشتركة. الأولى، هي ما يسمى خبرات خارج الجسد“. وهي خبرات شعر بها الجميع كحالة تخرج فيها النفس من الجسد ومع ذلك لا تستمر في وعيها. فالنفس تجد نفسها في عالم تشعر فيه بدفء محمود وسهولة، كما أنها ترى الناس المحيطين بالجسد الميت ولكنها لا تستطيع التواصل معهم.

الظاهرة الثانية المشتركة بين خبرات ما بعد الموت هي الالتقاء بالآخرين“. أي كما يقول مودي، تشعر النفوس بالوحدة لفترة قصيرة فقط، ثم بعد ذلك تشعر بأنها تلتقي بآخرين حيث ترى فجأة، ليس فقط ما بعد الموت ولكن أيضاً ما قبله، أي أقرباء وأصدقاء كانوا قد ماتوا.

السمة المشتركة لخبرات ما بعد الموت تلك هي كيان النورأو الكيان المنير“. فكل من دخلوا في مثل هذه الخبرات وصفوا ظهور نور يزداد بسرعة في اللمعان. وتعرفوا عليه جميعاً كشخصية معينة مملوءة دفئاً وحباً ينجذب إليها المتوفي حديثاً بنوع من الانجذاب المغناطيسي. وأصر البعض منهم على أن هذه الشخصية هي المسيح، وأصر البعض الآخر على أنه ملاك.

لن نراجع هنا كل خبرة، ولكن ما نريد التأكيد عليه هو أن جميعهم يؤكدون على وجود شيء آخر مختلف عما نراه بحواسنا وما نفكر فيه بعقولنا.

وإذ يقدم الأب سيرافيم مثل هذه العناصر فإنه يقدم نقده الوافي معبراً عن حقيقة أن مثل هذه الأشياء تحدث في خبرة الكنيسة أيضاً. ولكنه يلاحظ تولّد التشويش. ونحن على كل حال لن نتوقف هنا عند تلك النقطة.

أثناء خدمتي الرعائية سمعت العديد من الناس يحكون عن حوادث مشابهة. أحياناً كانت تلك الخبرات خبراتهم الخاصة أثناء أمراض خطيرة، وفي أحيان أخرى كانوا شهوداً على أقاربهم الذين كانوا يشاهدونهم. عندما كنت شاباً شاهدت حادثة حيث أن امرأة أثناء رحيل نفسها تأوهت وفي نفس الوقت كانت تحرك يدها كما لو أنها كانت تطرد شخصاً ما بعيداً عنها.

يمكن أن يسمع الإنسان عن تلك الأحداث في الجبل المقدس. فقد أخبرني العديد من الآباء النساك عن حوادث في اللحظات الأخيرة للرهبان القديسين ومنهم الخطأة.

أسمح أن أقدّم شهادة شخصية مرتبطة بموضوع هذا الباب، وهي من مرض أبي الروحي الدائم الذكر المطران كالينيكوس مطران إديسا. بعد أن خضع سيادته لعملية جراحية لإزالة ورم بالمخ حدث له نزيف بالمخ ودخل في غيبوبة عميقة. وقال الأطباء المعالجون أنه على الحافة بين الحياة والموت. كان قلبه ينبض ولكنه يتنفس بواسطة جهاز تنفس اصطناعي. أي أنه إذا توقف الهواء الداخل لرئتيه يموت. لقد كانت كل الاحتمالات واردة، فإما أن يبقى حياً أو يموت أو يستعيد وعيه. وعندما استعاد وعيه بعد بضعة أيام، حكى بدموع وكرب شديد عن حادثة مروعة.

لقد قال أن ذلك لم يكن حلماً ولكنه حدث حقيقي، فقد كان واعياً أن ذلك كان واقعاً. لقد رأى نفسه خارج جسده، وكانت نفسه ترى جسده المتمدد على الفراش وكان يرانا جميعاً نحن الذين كنا نشعر بالأسى وكنا نجهز للجنازة. وفي الواقع، أشار لممرضة معينة من بين العديدين الذين كانوا هناك والتي كانت ترفع مقاساته لتشتري له الكفن! لقد فهم أن روحه خرجت من جسده، وفي الواقع قال أنه في تلك الساعة كان هو نفسه يتلو صلاة تجنيز الموتى لنفسه! وقد اختبر خبرات أخرى مماثلة، ولكن التي ذكرتها للتو هي الأكثر تعبيراً وارتباطاً بالموضوع الذي نناقشه. إنني لا أعرف حقاً إن كانت هذه خبرة خارج الجسد، أم أنها خبرة الاقتراب من الموت. ولكن الحقيقة الثابتة هي أنها كانت حالة غير مألوفة.

من المؤكد، أنه انتشرت في الآونة الأخيرة في أمريكا مناقشات كبيرة ليس فقط عما يسمى خبرات ما بعد الموت، ولكن أيضاً عن آراء الأب سيرافيم روز وبصورة رئيسية من قِبَل لعازر بوهالو رئيس أساقفة كنيسة أوكرانيا المستقلّة“. إن الموضوع واسع ولن نتوسع في تحليل تلك النقطة حيث يمكن على أية حال اكتشاف العديد من الأخطاء اللاهوتية والروحية.

يجب علينا أولاً أن نلاحظ أن رئيس الأساقفةلعازر يؤكد في كتابه على أن ما يسمى خبرات خارج الجسد هي حالات شيطانية، وأنها تكون أحياناً الآثار العضوية لتنشيط الجسد بعد حالة الغيبوبة. وبالإضافة إلى ذلك فهي أوهام وضلالات، ولكنه يؤكد أنها عادة ما تكون نتيجة لطاقات شيطانية.

وبوجه عام فإن توجهاته اللاهوتية سليمة. ونستطيع أن نشير إلى ثلاثة من براهينه.

أولاً: لا يمكن أن تُطلَب الخبرة الروحية وحياة ملكوت الله خارج جسد الإنسان، لأن جسد الإنسان هو هيكل الروح القدس. ومَن يتكلّم عن خبرات خارج الجسد هو جاهل بتعليم آباء الكنيسة القديسين، وواقع تحت التأثير الغربي الفلسفي الهليني.

ثانياً: لا تكون خبرات خارج الجسدأصلية أبداً، ولكنها تكون نتيجة إما لضلالات شيطانية، أو أوهام، أو خداعات، أو هلاوس، أو أمراض عقلية. فمن يتعرض لمغادرة النفس للجسد يُسقِط حقاً تخيلاته وانفعالاته على عالم الأرواح الشريرة التي تقدم إعلاناتها الخاصة. أي أنها خبرات شيطانية.

ثالثاً: خبرات آباء الكنيسة هي خبرات عقلية على نفس عمق كيانهم حيث يوجد ملكوت الله.

وهو إذ وضع هذه المفاهيم اللاهوتية في ذهنه، أصر على أن الذين يتحدثون عن خبرات خارج الجسد يتعاملون مع عبادة وثنية باطنية في الهندوسية والشامانية، مفترضاً ازدواجية تعليم أوريجانوس أو حتى المانوية.

لا يستطيع أحد أن ينكر هذا التوجه اللاهوتي العام، ولا البراهين اللاهوتية التي قدمها الكاتب. ولكنني أعتقد أنه لا ينبغي علينا أن نكون في المطلق، ولا أن نربط كل خبرة بخبرات مشابهة خارج المسيحية ما لم نتناولها من منظور أرثوذكسي. وسوف أذكر بعض النقاط البارزة.

عندما يتحدث الناس في الغرب عن خبرات خارج الجسد، فإنهم يربطونها بما يسمى خبرات ما بعد الموت. أي أنهم يشيرون إلى حالات أشخاص ماتوا، أو يُظَنّ أنهم ماتوا وعادوا للحياة ثانية فيما بعد. لا يتعلق الأمر بمجهود للعقل لكي يستطيع أن يترك الجسد.

ثم أن نصوص القديس غريغوريوس بالاماس وسفر نشيد الأنشاد التي يستعملها لعازر رئيس الأساقفةلا تشير لحالات ما يسمى خبرات خارج الجسد المرتبطة بالموت، ولكنها تشير لحالات من الدهش بالمفهوم الأرثوذكسي. وهذه أشياء مختلفة. فالنص الموجود في نشيد الأنشاد أنا نائمة وقلبي مستيقظيشير إلى حالة الصلاة. وبالمثل فإن نص القديس غريغوريوس بالاماس الذي بحسبه عندما يُحمَل النوس خارج الجسد يكون اختراعاً من الشياطين وتعليماً وثنياً، يشير إلى حالات الدهش الخاصة بالإغريق القدماء والتي كانت حالة شيطانية. لقد علَّم برلعام أنه ينبغي على النوس أن يؤخذ خارج الجسد في الصلاة، لأن الجسد شر. وقال القديس غريغوريوس بالاماس أن هذا كان شيطانياً، لأنه ينبغي على النوس أن يعود للقلب، ومن هناك لله. وبحسب القديس غريغوريوس بالاماس، ليس الدهش هو ابتعاد النوس عن الجسد، ولكنه إبعاد النوس عن الذهن الجسداني. فالنوس هو طاقة النفس وعينها، وهو ليس النفس كما ترجمها لعازر رئيس الأساقفة“.

لقد لاحظت أيضاً أن الأب سيرافيم روز يميّز باستمرار بين الخبرات الروحية والشيطانية التي تأتي من الديانات الأخرى. إنه يصنع في الواقع مداخلات مهمة في مواضيع عديدة. فهو يقول أن بعض الناس يفسرون مثل هذه الظاهرة أحياناً من وجهات نظر تخص السحر أو الروحانية، وأحياناً من مفاهيم معارضة ترى أن النفوس بعد الموت ستكون في حالة من اللاوعي، وأحياناً من وجهة نظر إلحاد عقائدي يرفض الرأي القائل بأن النفس تعيش بعد الموت، وأحياناً أخرى من وجهة نظر أرثوذكسيةمتحفظة ترى أن الأرثوذكسية لم تعطِ رأياً عن كيف ستكون الحياة الآتية. وفي النهاية، يصل الأب سيرافيم لنتيجة وهي أنه ينبغي على المرء ألا يتوقع الكثير من كتاب مودي ولكن أن يرى كل شيء في إطار التقليد الأرثوذكسي.

بالإضافة إلى ذلك، توجد العديد من الأحداث الموجودة في النصوص الآبائية حيث يبدو فيها أن شخصاً معيناً مات فعلاً ثم عاد للحياة ثانية بإرادة الله.

وفي قصص الإقامة من الموت في العهدين القديم والجديد، لا نجد وصفاً لما شعروا به في أثناء تلك الفترة. ومع ذلك نجد تعليماً قليلاً عن ذلك في بعض النصوص الرهبانية. وبالتالي لا نستطيع تجاهل هذه الحقيقة.

في الواقع، لا يمكن الإصرار على أرثوذكسية كل آراء الأب سيرافيم. وبالإضافة إلى ذلك، ليس لديّ أية نية لتأييده. كما أنه لا يمكن الإصرار على أن براهين رئيس الأساقفةلعازر اللاهوتية ليست صحيحة. الأكيد هو أن الحرص الشديد مطلوب. فمعظم ما يسمى خبرات ما بعد الموت قد بكون شيطانياً، أو عضوياً بسبب العقاقير، أو هلاوس أو ضلالات. ولكن البعض منها، حتى ولو القليل، صحيح ويظهِر وجود حياة بعد الموت. يعلّمنا التقليد الآبائي بأنه لا ينبغي إنكار أي شيء ولا قبول أي شيء ما لم يُحكَم عليه بالفكر المستنير بالتمييز وخبرة الاتحاد بالله. سوف نلقي نظرة سريعة في الفصل التالي على موضوع تمييز هذه الخبرات.

2- نقد هذه الخبرات من وجهة نظر أرثوذكسية

ليس من السهل الحكم على مثل هذه الحالات لأنها غير مألوفة. فنحن عادة ما نحكم على كل شيء على أساس افتراضاتنا المسبقة، وفي إطار العقل باستمرار. فربما يعتبر العديد منا ظهورات الملائكة والقديسين لأناس يتمتعون بالشفافية في حياتهم أنها نتيجة لحالات عاطفية، أو حتى نفسية مرضية. إذا قام إنسان بدرس رؤى القديسين بطريقة منطقية أو بحسب طب النفس العلمي، فقد يصل لاستنتاجات خاطئة. ومع ذلك، لكن هذه الإعلانات، كونها كثيرة في نصوص قديمة وفي تقاليد شفهية معاصرة، فهي موثوق فيها.

لا يحقّ لنا أن ننبذ كل الخبرات لمجرّد أنها تفوق افتراضاتنا. كما علينا بالتأكيد أن نكون حذرين جداً في قبول كل خبرة على أنها حقيقية لأن الضلالات قائمة. يجب علينا قبل كل شيء أن نؤمن بكلمة الله المعلنة، وأن نرى طريق خلاصنا تاركين المجهول لعناية الله. ومع ذلك لا ينبغي علينا أن نصل لرفض كامل كما يفعل مع الأسف بعض البروتستانت، حيث يؤمنون أن النفس بعد الموت تكون في حالة من اللاوعي، أو أنّها تستعجل على الفور لكي تكون مع المسيح“. كما لا ينبغي علينا أن نتصرف كالملحدين الذين يظنون أن النفس هي طاقة بسيطة للجسد وتفنى معه.

في تقليد كنيستنا العديد من صور الحياة أثناء وبعد الموت. لقد ذكرنا العديد من مثل هذه الحوادث في الباب السابق. سوف نكتفي هنا بالبعض المميّز منها.

نقرأ في أقوال آباء البرية عن اللحظات الأخيرة لرقاد العظيم الأنبا صيصوي. وهي تبدو بحق أنها ليست خبرة خارج الجسد بل خبرة روحية كان يحتفظ خلالها بوعيه ويتكلّم مع الحاضرين. وكان يقصّ للحضور بالترتيب: “أنظروا، ها هوذا الأنبا أنطونيوس قادمثم ها هي جوقات الأنبياء قادمةثم جوقات الرسل قادمة“. وفي كل مرة كان وجهه يزداد سطوعاً. وفي لحظة ما دخل في حوار، وعندما سأله الحاضرون قال أنه كان يتكلم مع الملائكة التي أتت لاستقبال نفسه. وقال أنه كان يتوسل للملائكة ألا يأخذوا نفسه لأنه كان يحتاج للتوبة أكثر. ثم أضاء وجهه مثل الشمس ثم أعلن أن الرب قد أتى بنفسه. وبعد ذلك أسلم الروح، وحدث شيء شبيه بالبرق، وامتلأ المكان برائحة عطرة.

يوجد في إفرجيتينوس مثالان بارزان محفوظان يشيران بوضوح لحالة ما بعد الموت.

الحادثة الأولى عن بطرس الراهب الذي قبل أن يقيم في الصحراء ضربه المرض ومات“. ثم رأى كل عذابات الجحيم وأماكن النار التي لا ينطق بها. لقد رأى في الواقع بعض رؤساء هذا العالم معلّقين، ومنع ملاك منير إلقاءهم في هذا المكان الناري، ثم أعيدت نفسه إلى جسده. “وعند قيامته من نوم الموت الأبديوعودته إلى جسده ثانيةأعلن كل ما رآه وعاش في توبة.

تشير الحادثة الثانية إلى إنسان أراد أن يصير راهباً ولم يستجب لتوسلات أمه أن يبقى معها، ولكنه مضى قائلاً أنه أراد أن يخلّص نفسه. وبعد قليل ماتت والدته ثم مات الراهب أيضاً. وفي الحقيقة قيل أنه مرض مرضاً خطيراً هدد حياته بالموت. وفي أثناء مرضه دخل في غيبة وخرج من جسده واقتيد إلى الدينونة“. ثم رأى أمه مع المحكوم عليهم، أي الخطأة. فاندهشت وسألته كيف أتى إلى ذلك المكان طالما أنه صار راهباً لكي يخلّص نفسه. وقيل أنه بعد ذلك سمع صوتاً ينبغي عليه أن يؤخذ من هذا المكان“. وفي الحال، إذ خرج من غيبته وعاد إلى نفسه أخبر الحاضرين بما رآه وسمعه…”.

يعود هذان المثلان إلى خبرات ما بعد الموت. وكما سنرى فيما يلي، فإن هذا قد حدث بحسب تدبير إلهي. هذا هو السبب الذي يجعلنا نقول أنه لا أحد يستطيع أن يغفل مثل هذه الخبرات، وعلى الأخص لأننا نجدها في تقليد الكنيسة أيضاً.

ومع ذلك ينبغي علينا أن نؤكد على أننا نخطئ خطأً كبيراً عندما نتعامل مع كل الخبرات وكل الحالات الموصوفة بطريقة واحدة من دون تمييز بينها. لأن البعض منها يأتي من حالات نفسية، والبعض من قوى شيطانية، والبعض الآخر هو نعمة وبركة من الله. التالي هو وصف بعض هذه الفروقات.

يوجد فرق بين خبرات ما يسمى الموت السريريوخبرات مشارف الموت“. يكون الشخص ميتاً سريرياًعندما يعيش بواسطة أجهزة صناعية، ويعتبره الأطباء قد مات بصورة رئيسية. وهم يحافظون على القلب بطرق استحثاث متنوعة. ومن المؤكد، أنه حتى في هذه الحالات لا نستطيع أن نكون متأكدين أن النفس غادرت الجسد. ولكن على أية حال هي حالة إشراف على الموت. تختلف خبرات مشارف الموتعن الخبرة السابقة، إذ عادة ما يكون الناس واعين بحالتهم ويتكلمون، بل وحتى عندما لا يكونون في وعيهم فإنهم يكونون في حالة رحيل. لا يمكن إذاً الربط بين هاتين الحالتين.

يوجد فرق آخر بين الهلوسات والأحداث الحقيقية التي تحدث في لحظة استعداد النفس لمغادرة الجسد. توجد صلة بين الهلوسات (التشوش الحسي والحس الخاطئ)، وبين العقاقير والأمراض المعنية والطرق التكنولوجية المستعملة. ففي الخبرة الحقيقية للأحداث يبقى الوعي.

يقول الأب سيرافيم روز أن الكُتَّاب الذين عالجوا هذه الظاهرة لاحظوا حقيقة أن أصحاب الذهن الحاد روحياً يرون ظهورات لموتى أو كائنات روحية. وهذا يعني وعي أولئك الناس بالظروف المحيطة بهم. فرق رئيسي آخر بين الهلوسات والأحداث الحقيقية هو أن أصحاب الهلوسات يرون أحياء، بينما يرى أصحاب الخبرات الأصيلة يرون أموات. كما أن الكتّاب لاحظوا حدوث خبرات أكثر ترابطاً وأكثر تميزاً على المستوى التجريدي عند مَن لديهم هلوسات بل هم على صلة بواقع ملموس.

توجد أيضاً فروقات بين الظهورات الشيطانية والظهورات الإلهية. ولا تُصَنَف هذه الفئة مع الفئات السابقة، ولكنها تتعلّق برؤية ملائكة أو شياطين. يوجد العديد من مثل هذه الأمثلة التي ذكرناها بالفعل وبالتالي لا نحتاج للرجوع إليها.

الأمر المهم هو أنّه لا ينبغي علينا أن نصنّف كل خبرات ما بعد الموت أو الاحتضار معاً في خانة واحدة. كما لا يجوز أيضاً أن نعزوها لسبب واحد ما قد يسبب التباساً عظيماً.

3- تميـيـز الخـبرات

يقودنا كل ما ذكرناه حتى الآن إلى دراسة كيفية حدوث هذه الحالات. وفي هذا الشأن لنا نحن الأرثوذكسيون ميزة، إذ لنا تقليد حي يعطينا القدرة على تمييز هذه الظواهر.

يوصي الرسول يوحنا في رسالته العامة الأولى للمسيحيين قائلاً: “أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟” (1يو1:4).

إننا نضع أهمية كبرى في اللاهوت الأرثوذكسي على فضيلة التمييز، إذ إن وجودها دليل على اقتناء نعمة الله. فاللاهوت الحقيقي هو تمييز مصدر الأرواح الله أم الشيطان. من هنا القول بأن اللاهوتي الذي يستطيع تمييز الأفكار والرؤى هو أب روحي سديد.

من الواضح في تعليم الآباء القديسين أن التمييز يفترض مسبقاً معرفة روحية وحياة روحية. يقول القديس مكسيموس المعترف أن مكافأة ضبط النفس هي اللاهوى، واللاهوى يولد التمييز.

يولي الآباء القديسون أهمية كبرى لفضيلة التمييز لأنها ترتبط بالمعرفة الروحية الحقيقية. وبحسب القديس ذياذوخوس فوتيكيس: “نور المعرفة الحقيقية هو قوة التمييز بدون خطأ بين الخير والشر“. يقول القديس يوحنا السلمي أن التمييز هو نور في الظلمة، وطريق للمسافر الضال، واستنارة للأعمى. والشخص المميِّز هو مكتشف للصحة ومدمر للمرض“. وتظهر أهمية فضيلة التمييز في قول القديس أنطونيوس أن بعض الناس ضيّقوا على أجسادهم وقهروها بالنسك، ولكنهم أعوزتهم موهبة التمييز وبالتالي هم بعيدون عن الله“.

يبدو إذاً أن التمييز هو عطية إلهية، وأنه مرتبط بحالة الشخص الروحية. يقول القديس يوحنا السلمي أن عند المبتدئين في الحياة الروحية يكون التمييز في معرفة الذات الحقيقية، وبالنسبة للذين هم في منتصف طريق الكمال يرتبط التمييز بالقدرة الروحية على التمييز الصادق بين ما هو حسنٌ بحق وما هو مضاد بالطبيعة لما هو حسن، وبالنسبة للكاملين يكون التمييز مرتبطاً بالمعرفة الروحية التي تأتي مع الاستنارة الإلهية وتلقي الضوء حتى على تلك الأشياء المظلمة بالنسبة للآخرين.

لقد أردنا مما قيل عن التمييز أن نظهر عدم سهولة الحكم على كل خبرة يصفها أشخاص على وشك الموت. إنها موهبة للآباء الروحيين العظام الذين يرون الحقيقة بعمقها ولا يفحصون السطح ببساطة. فهم يميزون إن كان الأمر ثمرة لحالة نفسية غير سوية، أم هو ظهور للشيطان، أم أنه نتيجة لظهور الله والقديسين. هذا هو السبب الذي يجعل من الصعب على أي أحد أن ينخرط في تحليل خبرات الاحتضار وما بعد الموت.

ولكن توجد بعض النقاط الخارجية التي تميّز وتحدد هذه الخبرات. فالمسيح إذ يتكلم عن الأنبياء الكذبة الذين يأتون في ثياب الحملان وهم من داخل ذئاب خاطفة، ينصح تلاميذه قائلاً: “من ثمارهم تعرفونهم“. كل شجرة جيدة تعطي ثمراً جيداً وكل شجرة رديئة تعطي أثماراً رديئة. “لاَ تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، وَلاَ شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا جَيِّدَةً“(مت 7: 18).

المحك إذاً هو الثمار الناضجة. فإذا ساد السلام والهدوء في القلب بعد رؤية ما، تكون هذه علامة على أنها من الله، ولكنها إن تسببت باضطراب فهذه علامة على أنها من الشيطان. يحدث نفس الشيء من جهة هوى الكبرياء. فعندما يتكبر الشخص بعد مثل هذه الخبرة، يكون ذلك علامة على أن قوة شريرة تتملكه. بينما الشخص الملهَم بنعمة الله يتواضع أكثر، وعادة ما لا يقول أي شيء.

وبالتالي تُقَيَم الخبرة بحسب حياة الشخص التالية للخبرة. تظهر هذه الحقيقة في المثالين اللذين أوردناهما من إيفيرجيتينوس.

بطرس الراهب الذي مات ورأى أهوال الجحيم وعاد للحياة شعر أن ذلك كان من أجل توبته. والملاك الذي منعه من أن يؤخذ في النار قال له: “اذهب واعرف كيف ستعيش بعد ذلك، وانتبه لنفسك“. وفي الواقع يقول غريغوريوس اللاهوتي أن الله سمح له بهذا الموت بعنايته الرائعة لئلا يموت إلى الأبد“. إذ أنه من الممكن أنه بعد عودة الناس من رؤية الجحيم ألا يُقادوا إلى التوبة، وهكذا يعودون للحياة الحاضرة بعد رؤية هذه الأمور المرعبة ويبقون غير قابلين للتغيير، ولا يبقى لهم أي عذر“.

والراهب الثاني الذي عاد للحياة الحاضرة بعد أن رأى أمه في محاكمة المدانين، أغلق على نفسه في القلاية واعتنى بخلاصه تائباً ونائحاً على ما فعله من قبل خلال التواني“. وقيل في الواقع أنه تاب بشدة، وكانت دموعه وتأنيباته لنفسه كثيرة لدرجة أن بعض الذين رأوه ترجوه أن يستريح قليلاً لكي لا يعاني من المرض بسبب إسرافه في النحيب”.

لا يستطيع أحد أن يبقي بدون تأثر وبلا توبة بعد مثل هذه الخبرات. فإذا انتفخ يعني أن ما اختبره كان إما شيطانياً، أو علامة من الله ولكنه شوهها وخسرها. فمن الممكن أن تكون خبرة واحدة كهذه سبباً للدينونة والملامة العظيمة.

ولكن حتى في حالة أبي الروحي، أستطيع أن أضمن حقيقة أنه حكى مرة واحدة ما رآه ولكنه لم يحكيه ثانية أبداً. ولكن هذا الحدث أنشأ فيه توبة عظيمة، محبوبة، غير محدودة. فهو لم يكن يدين أي أحد، وكان يشعر أنه حاضر في كرسي دينونة الله المخوف. وفي مرة من المرات قلت له كلمة حمقاء فغضب بسبب أنني حرمته من نقاوة عقله، وبسبب أنني أعطيته فرصة للإدانة على حين أنه كان تحت الحكم في ذلك الوقت بحسب قوله. لقد قال لي مراراً وتكراراً أنه لو شفاه الله ومنحه أن يقيم الخدمات الطقسية ثانية، فلن يبشر ولكنه بدلاً من ذلك سيذهب ليقف أمام العرش ويقول: “اللهم ارحمني أنا الخاطئ“. لقد وصل لعمق الاتضاع والتوبة. وهذا ما يجعلني واثقاً أن هذه الخبرة، بالإضافة إلى كل حياته النسكية المتجردة، أوصلته إلى نهاية مقدسة جداً.

وعلى أية حال، من الصعب علينا أن نفهم نوع وطبيعة الرؤى، لذا يجب علينا أن نلجأ لأصحاب الخبرة والمعرفة بالحياة الروحية كما ينصحنا الآباء. ليس للأطباء النفسيين وعلماء هذا الدهر ما يقولونه في هذه المسائل. فهم يستطيعون أن يتوقعوا ويدركوا وجود شيء وراء الحياة الحاضرة، ولكنهم في كل الأحوال غير قادرين على تقديم تشخيص حقيقي معصوم من الخطأ.

خلاصة هذا الموضوع، أننا نستطيع أن نقول أن الشخص الذي يقترب من الموت يدرك حقيقة أخرى، ومن الجائز أنه لم يكن يعرفها من قبل. فنحن نظن أن الحياة التي نراها هي الحياة الحقيقية. ومع ذلك، فطالما أنه توجد خليقة نوسية وحسية بآن واحد، فبالتالي هناك عالم آخر لا يخضع للعقل والحواس يفوق عالم المحسوسات والمدركات. وهكذا من يتوجّه نحو الموت يُقاد نحو الواقع والأصالة. فالباطل على ارتباط بوجودنا في عالم الحواس والمادة.

ومع ذلك، لا ينبغي ترك نوس الإنسان يُستَنـزَف بلا هدف في شئون كثيرة حتى ولو كانت رؤى. على النوس ألا يكف عن تذكّر الله المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالوعي بالخطية. وبالتالي لا ينبغي على النوس أن يتمعن فيما يسمى الحالات فائقة الطبيعة“. وحتى لو كان الإنسان مختبراً بشكل ما، لا ينبغي عليه أن يعتمد عليها بصورة مطلقة. القديسون أصحاب النوس النقي يرون خزيهم حتى في وسط رؤيتهم لله. وفي كتاب الأرشمندريت صوفرونيوس معاينة الله كما هو، هو يؤكد باستمرار حقيقة أن النوس، بالرغم من معاينته للنور الغير مخلوق ولخبرات أخرى، كان منشغلاً بخطاياه وليس بالحالات التجريبية المختلفة.

يقول القديس اسحق السرياني أن الذي يُحسَب مستحقاً لأن يرى نفسه هو أعظم من الذي يُحسَب مستحقاً لرؤية الملائكة“. وأن الذي يُحسَب مستحقاً لأن يرى خطاياه هو أعظم من الذي يقيم الموتى بصلواته“.

نحن لا ننتفع من رؤية الملائكة ومن إقامة الأموات إن لم نكن قد اكتسبنا المعرفة الروحية بذواتنا، وقد أقمنا أنفسنا الميتة من الأهواء والخطايا. يسمح الله ببقائنا في الحياة لنستطيع أن نتوب ونتذوق ملكوت السموات.

* من كتاب الحياة بعد الموت، الباب الثاث. ترجمة د. نيفين سعد. مراجعة الأب أنطوان ملكي

– Hieromonk Seraphim Rose: The soul after death, Platina, California, 1977.

– Archbishop Lazar Puhalo: The soul, the body and death, Synaxis Pess, Canada.

– The Sayings of the Desert Fathers, Mowbrays, London, 1975.

أفكار معاصرة حول الأرثوذكسية

أفكار معاصرة حول الأرثوذكسية

قسطنطين سكوتيريس

أين الأرثوذكسية اليوم؟ ماذا تعني الملاحظات التاريخية بالنسبة لنا الآن؟ هل للعالم الأرثوذكسي كما هو عليه أي وعي لتقليده؟ هل خطاب الأرثوذكسية ذو صلة بعصرها؟ هل لاهوتها نظري جداً وبالتالي غير واقعي؟ هل هناك نقطة مرجعية مشتركة بين الشعوب الأرثوذكسية اليوم، قاعدة وحدة أم أن القومية والطموحات المحلية تظلل أفق رابطة المحبة؟ هذه الأسئلة، وغيرها أيضاً، تلزمنا بصياغة أفكار تمهيدية معينة قد تؤدي إلى نقد ذاتي أكبر، لإدراك مسؤوليتنا ورسالتنا. في البداية، نحتاج إلى أن نشير مجدداً إلى أن الشرق في القرن الحادي والعشرين يجد أن الأرثوذكسية تواجه حالات تتحداها جدياً للإعراب عن شهادتها. يعتقد الكثيرون أن زمان الأرثوذكسية قد أتى. في الجوهر، نحن نعيش في عالم من القلق، ولكن أيضا من الترقّب الشديد. بعد عقود من الهدوء والازدهار الاقتصادي وانفجار التكنولوجيا، وفيما ساد الاعتقاد بأن القيم الروحية قد فقدت جاذبيتها، نحن بالحقيقة نندهش لرؤية العالم الحديث مثكلاً بالتساؤلات الميتافيزيقية. فالناس اليوم، مرهقون مما حققوه، عبيد للتقدم الذي خلقوه، هم أنفسهم يتحولون، طوعياً أو كرهياً، إلى ما هو خارج نطاق نفوذهم. تُلاحظ مشاركة الكنيسة بشكل خاص في أماكن حيث الدعاية المعادية للدين هي وسيلة للسياسة والسلوك الاجتماعي.

الدول الاستبدادية، باضطهادها للكنيسة استطاعت فقط أن تؤكّد كلمات القديس يوحنا الذهبي الفم: “كثيرون قاتلوا الكنيسة والمهاجمون اختفوا؟ لأنها قد ارتفعت فوق السماوات. هذه هي عظمة الكنيسة: يحاربونها فتفوز. يتآمرون عليها فتزدهر. يلعنونها فتزداد إشعاعاً“. وإلى جانب هذا الالتزام مع الكنيسة، الذي كما ذكرنا، يثير الإعجاب بشكل خاص في الأماكن التي تحكّم فيها العنف على مدى عقود، لا يجدر بنا أن نبقى غير مبالين إزاء حقيقة أن الفروع الهرطوقية، فضلاً عن الأديان الشرقية وشبه الديانات أخذت تتزايد ليس فقط في البيئة الغربية تقليديًا، بل أيضاً في الشرق الأرثوذكسي. وبطبيعة الحال، لا يسعنا التغاضي عن صعود الإسلام الذي ولعدة قرون كان منطوياً في مناطقه التقليدية، إلا إنه اليوم يطمح إلى أن ينتقل إلى بلدان أخرى. يوجد اليوم تحرّك سكاني لأسباب تتعلّق بالعمل أو الاستجمام أو ربما بسبب سهولة السفر خاصةً في البلدان التي كانت تقليدياً مسيحية. فإلى جانب الاقتناص المنظم من الجماعات الدينية وشبه الدينية تتسبب حركة السفر هذه بمشاكل إضافية.

إن أتباع التقاليد والمعتقدات الدينية الأخرى يخلقون أركاناً داخل البيئات المسيحية وبالتالي يغيّرون الميزات والأعراف الاجتماعية. هذه الظاهرة لم تترك البلدان الأرثوذكسية من دون تأثّر. فالكنائس الغربية، ولا سيما تلك الموجودة في المدى البروتستانتي، تعالج هذه الظاهرة بطريقة مرتجلة لا بل بطريقة رومانسية. وهم يذهبون بالفعل إلى حد الحديث عن ضرورة التعددية والاعتراف بالإسلام والديانات الشرقية الأخرى كشركاء على قدم المساواة. وكثيراً ما ينشأ الانطباع بأن الإيمان المسيحي في تقهقر، مفسحاً المجال لظاهرة دينية جديدة، سمتها الرئيسية هي التلفيقية (syncretism).

في العالم الأرثوذكسي، كثيراً ما تثير هذه الغارات التي تقوم بها الأديان الأخرى حالة من الذعر، وتُواجه المشكلة برمتها بشعور من الدفاعية. بالتأكيد، ما هو مفقود هو الدراسة الجادة والإعداد واستخدام تجربة الشعوب الأرثوذكسية الأخرى الذين عاشوا في بيئات غير مسيحية. وبطبيعة الحال، وفي سياق الاجتماعات والاتصالات الأرثوذكسية، تُبذَل جهود لتوفير خطاب أرثوذكسي جدي في مواجهة هذه التحديات، ولكن الحاجات والأحداث تجري بمعدل سريع تعجز الآليات الأرثوذكسية عن اللحاق به. فهل يمكننا القول أننا إجمالاً نفتقر إلى الشغف الرعائي والإرسالي ما من شأنه أن يؤدي حقاً دوراً حاسماً في هذه المواجهة؟

في محاولتنا رسم واقع اليوم وتسجيل بعض التحديات التي يواجهها العالم الأرثوذكسي اليوم، لا يمكننا تجاهل الحقائق التي تختبر بالفعل صحة العلاقات بين المسيحيين. لقد سمي القرن العشرين قرن اللقاء المسكوني، وحوار الحقيقة والمحبة. ولكن إلى أي مدى كانت هذه الاتصالات حقيقية وكان الحوار صادقاً؟ هل كان هناك، ربما، نوع من الدافع الطائفي المخفي وراء الاجتماعات المسكونية؟ بالطبع، كان للوجود الأرثوذكسي في الحوارات المسيحية والاجتماعات المسكونية منظور ثابت ووحيد، منظور الشهادة. لا يمكن التوفيق بين هذه الشهادة مع تكتيك الاقتناص، كما ولا مع النظرة التي تنادي بالتسوية.

والسؤال الذي نود أن نورده هو: ما هي الصلة الممكنة بين الأحداث التي تتكشف اليوم في أوروبا الشرقية وعقلية البحث المسكوني والحوار اللاهوتي الحقيقية؟ إن الشعوب الأرثوذكسية، التي تحتاج إلى الوحدة بعد ليل وظلم طويل من الشمولية، والاضطهاد، والإهانة الإنسانية، تنقسم مرة أخرى. المأساة هي أن العامل الأهم في تأليب هذه الخلافات هي التعصب الديني، وعقلية مسيحيي القرون الوسطى التوسعية ومفهوم السلطة، وهذا كلّه تشكّل في أزمنة الانحطاط الروحي.

وفي 20 كانون الثاني 1992، أعربت كلية اللاهوت في جامعة أثينا في قرار عن عدم ارتياحها ل الجهود المنسقة للفاتيكان لتفعيل بقايا الاتحادية في أوكرانيا ومولدوفا ويوغوسلافيا وألبانيا وتشيكوسلوفاكيا على حساب الشعوب الأرثوذكسية المنكوبة، بهدف فرض سيطرة البابوية في أوروبا الشرقية“. في عيد الكرسي المسكوني (عيد القديس أندراوس في 30 تشرين الثاني) 1991، البطريرك بارثولومايوس، في خطابه أمام وفد البابا، صرّح بجلاء أن الحوار بين الأرثوذكسية والكاثوليكية الرومانية في خطر ليس فقط لكونه تأجّل إلى أجل غير مسمى، مع عواقب لا يمكن التنبؤ بها، بل قد يتم إلغاؤه تماماً على الرغم من كون الإلغاء أمراً مؤسفاً، بسبب الوضع غير المقبول الذي أنشأه الاتحاديون في أوروبا الشرقية والوسطى فيما يتعلق بعلاقاتهم مع الكنائس الأرثوذكسية المحلية، وهي العقيدة المسيحية الأقدم انتشاراً في المنطقة، والتي على الأكيد من الضروري إظهار المزيد من الاحترام والثقة الأخوية نحوها“.

ومن الممكن تسجيل العديد من الملاحظات والاحتجاجات المماثلة من أجزاء مختلفة من العالم الأرثوذكسي وحتى من الدوائر المسكونية. كل هذه الملاحظات تؤكّد أوقات التجربة والأزمة في الاتصالات المسكونية. هل نحن، ربما، في بداية حقبة ما بعد المسكونية؟ يواجه العالم الأرثوذكسي معضلات وتفكيراً صعباً، الأمر الذي قد يؤدي إلى تغيير الخطط، وألا نحو تواجد أكثر مسؤولية. قد حان الوقت لتفضيل المسائل الأرثوذكسية الداخلية، لأن تكون وحدة الشعوب الأرثوذكسية مطلباً. لقد حان الوقت لكي ندرك أننا لا نستطيع أن نكون أرثوذكسيين، في عالمنا المتغير، إذا استمر كل واحد منا في العيش في برج عاجي.

إنها لضرورة وجودية أن نسعى إلى الخروج من حدودنا الإقليمية الضيقة حتى نتمكن من مواجهة واختبار الأرثوذكسية المسكونية. يجب أن يكون لاهوتنا وخدمتنا، تعليمنا ورعايتنا: “مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ” (أفسس 3:4). ومن واجبنا أن نعترف بأننا غالباً ما نتميز بكسلنا، وفي الحقيقة غالباً ما نمضي فترات طويلة كما لو أننا مصابون بالبكم. نحن نعيش مع رؤية الأبدية، لكن ننسى الحاضر.

في بعض الأحيان تزيد متلازمة الاحتراف من ثقل مهمتنا، فتفتقر خدمتنا إلى الحماس والخيال والجرأة. يمكننا جميعاً أن نرى فقدان الجاذبية والمسؤولية في أعمالنا. نحن نعمل بشكل أكثر غريزية، كالهواة، وأقل شعوراً بأنه مَلْعُونٌ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الرَّبِّ بِرِخَاءٍ” (إرمياء 10:48). إن الأحداث التي نعيشها تجري أساساً على المسرح الأوروبي، وما يصل إلينا لا يترك مجالاً كبيراً للرضا عن النفس. نحن الأرثوذكس لا يمكن أن نكون متفرجين سلبيين في مواجهة التطورات السريعة والمدمرة للأرض والتي سوف تختم بالتأكيد تاريخ أوروبا لعقود قادمة. في ظروف اليوم، إن كنيسة الغرب، أعني الفاتيكان، جعلت وجودها واضحاً بشكل خاص. من خلال تعبئة جميع القوى التي تحت تصرفها، الدبلوماسية والتجمعات السياسية التي تعترف بالسلطة البابوية، وخاصة في إعادة تشكيل الاتحادية، إنها تسعى إلى إنتاج واقع جديد حيث للشعب الأرثوذكسي قرون من التاريخ.

بالتأكيد، نحن الأرثوذكس ليس لدينا القوة الدهرية للتأثير على الأحداث، ونشكر الله على ذلك، ولا تسمح روحنا بمواجهةٍ تقوم على آليات سياسية. ولكن لدينا عاصمة روحية تركها لنا الآباء، ولدينا كنز ليتورجي ثمين، ونحن أعضاء في مجتمع الكنائس الأرثوذكسية المتحدة في إيمان واحد وفكر واحد. إن واجبنا الأسمى هو تحقيق أفضل استخدام لوحدتنا.

لا ينبغي أن يبقى ضوءنا تحت مكيال (متى 15:5). لقد حان الوقت حتى أن كل واحد منا، بالاعتدال وبقدر مستطاعنا، يستغل الكنز الذي عندنا، والذي مع كونه في آنية ترابية إلا إنه لا يزال إنجيل مجد المسيح (2كورنثوس7:4). الرسالة في هذا اليوم العظيم، إذ نحتفل بانتصار الأرثوذكسية، هي بالتأكيد رسالة تفاؤل. في ظل اليأس المتفشّي وعدم اليقين، ترتفع الأرثوذكسية كإمكانية حقيقية وفريدة من الأمل والحياة. يقع على عاتق كل منا، من خلال البحث المتواصل عن إرادة الله، وضع هذا الأمل موضع التنفيذ في حياتنا اليومية وعملنا، إذ في الواقع إن الذين يسعون إلى إرادة الله ويحققونها هم الفلاسفة وعندهم الخطاب العملي والأعمال البليغة “(القديس غريغوريوس بالاماس).

إصلاح التعليم – أهو للشخص أو لسوق العمل؟

إصلاح التعليم أهو للشخص أو لسوق العمل؟

الشيخ أفرام الفاتوبيذي

الرهبنة الأرثوذكسية الأثوسية ليست معزولة عن العالم؛ ليست منطوية على نفسها. على العكس من ذلك، يمكن للمرء أن يقول أن الراهب الحقيقي هو أكثر اجتماعية من العلمانيين، لأنه يتصل مباشرة مع الكائن الاجتماعي الأعلى، خالق الإنسان والمجتمع: الرب. كرهبان أثوسيين نحن نتألّم ونقلق حول مستقبل الإنسان هذه الأيام. الكثير من الناس الساخطين يزورون الجبل المقدس، مضطربين من مشاكل مستحيلة تؤدّي إلى طرق مسدودة. إن أسلوب العيش الخاطئ، أي الحياة خارج الكنيسة، هو الجاني الرئيسي في كل هذه المصاعب.

من صفات زماننا أنّ كل محيطنا وقيمنا تمرّ بأزمة. إن التقدم العلمي والتكنولوجي يؤثر على حياتنا الاجتماعية؛ الاستهلاك، الشهوانية، الفوضى الأيديولوجية، ووفرة النظريات وتشوشها، فضلاً عن العولمة، تشير إلى أن الإنسان الحديث يجد نفسه في نقطة تحول حاسمة في تاريخه.

في ظل هذه الظروف، من الصعب جداً، حتى بالنسبة للبالغ الرصين أن يكوّن فكرة واضحة عن وضعه وأن يدرك ما هي خياراته الشخصية بالحقيقة، من دون أن يتأثر بعوامل أخرى، أو أن يفهم المدى الذي يمكن أن يتحرك فيه بحرية وكيف يقع تحت هيمنة شيء ما أو شخص ما. إذا كان هذا صعباً بالنسبة لشخص ناضج، تخيّلوا كم يكون معقّداً بالنسبة للطالب أو التلميذ، الذين عليهم إلى هذا أن يتعاملوا مع عصر يجهلونه إلى اليوم فيما عليهم أن يؤسسوا شخصياتهم ويخلقوا هويتهم الخاصة!

التربية هي مؤسسة تهدف إلى تنمية الفرد كشخص، لتطوير قيمه الروحية واستكمال شخصيته. لقد كان الفيلسوف اليوناني القديم أفلاطون يقول: “كل المعرفة عند فصلها عن العدالة والفضيلة تصير مكراً وليس حكمة” (Plato Collected Dialogues: Menexenus: p 196, 246e-247a). إذا كان أسلافنا قد اعتقدوا بأن المعرفة تنمّي الروح من خلال الفضيلة، وأن هذا ليس اقتناءً خارجياً، كيف يفترض بنا التعامل معها، ونحن لسنا مسيحيين أرثوذكسيين وحسب، بل أيضاً أحفاد الفلاسفة الإغريق القدماء، كما أحفاد الرسل و آباء كنيستنا العظماء؟

ترتبط التربية ارتباطاً لا رجعة فيه بتاريخ كلّ بلد وثقافته وتقاليده. في جزيرتنا، قبرص، كانت الأرثوذكسية النموذج الذي ارتكزت عليه التربية، لأنها كانت عاملاً في مشكّلاً ومانحاً للحياة، وليس فقط للتعليم بل ولكل المؤسسات الأخرى أيضاً.

بعد الحكم البريطاني الذي دام ما يقرب من قرن من الزمن، دخلت العناصر الأجنبية في تقاليدنا الأرثوذكسية. خصوصاً بعد حركة أيار 1968″، التي بدأت في فرنسا وأثرت على النسيج الأخلاقي والاجتماعي لمجتمعنا مع ما يسمى بالتحرر الجنسي، ورفض المؤسسات والبُنى الاجتماعية والدين، تغيرت التربية وتبعت اتجاهات العصر ومطالبه. لقد امتثلت التربية لنظرية المنفعة وركّزت على إنتاج خريجين ينتجون، يستهلكون، يطورون ويكسبون المال. وبعبارة أخرى، لقد شجّعت التقدم الاقتصادي والتكنولوجي بطريقة غريبة. وهكذا لم تعد التربية تلبّي احتياجات الشخص الوجودية، كما أنها لا تعالج القضايا الأخلاقية أو تنمّي الفضيلة؛ إنها غير مبالية بالدين ولا ترغب في أن تُعرّف على أنها أرثوذكسية“.

لقد فهمنا اليوم أن نظامنا التعليمي، للأسف، على المستويات الثلاثة، لا يسهم في تشكيل شخص مسؤول، متطور، شخص حقيقي، أي القبرصي التقليدي الأرثوذكسي. وحتى في المرحلة الابتدائية هناك محاولة لقطع التلاميذ عن جذورهم التقليدية. وعلاوة على ذلك، يرغب كثير من المثقفين في تحديث الكنيسة والعلمانية وإزالة الإيمان المسيحي من الدولة؛ أي أنهم يرغبون في أن تتفق الكنيسة مع هذا العالم” (رومية 12، 2) من أجل تحديثها على ما يبدو. هذه الأمور تسبب الضيق والكثير من الألم للمؤمنين ولأولئك الذين يحبون بلدنا. صلّوا، أين تحدث كل هذه؟ أنها تجري في قبرص، الجزيرة الأرثوذكسية أساسا وثقافيا، جزيرة القديسين.

يبدو أن نظامنا التربوي هو نتاج الانفجار التكنولوجي الحديث الذي يفصل الجسد عن الروح ويقسّم الإنسان ويوجهه نحو المادية. إنه يحرمه من القدرة على أن يترجّى بإخلاص، وأن يكون صادقاً في معاملاته وضميره وأن يبقى حراً في داخله. إنه بالغالب يدعم قدرته على التحرك بحرية في الأوساط العلمية، وبالنهاية تغذيته بالمعرفة والتثقيف الجافين، وهو ما ينفخ” (كورنثوس 8، 1) بحسب قول القديس بولس. أي أن هذا يجعله فخوراً، أنانياً، محباً لذاته وبشكل عام ممتلئاً من الأهواء. إن الهدف الأساسي للذين يذهبون إلى الثانويات والجامعات هو إيجاد وظيفة. بالطبع هذا ما يجب أن يهدفوا إليه، ولكن لا ينبغي أن يكون طموحهم الوحيد.

التعليم كمقياس للجودة يجب أن تسعى إلى تجديد قلب المرء وتحويل نفسه. يجب ألا تسعى إلى الإنتاجية أو تلبية احتياجات الدولة. بل أن تكون مستقلة عن هؤلاء لكي تنتج أشخاص أحراراً، سيتوجّهون نحو إدراك الذات ومعرفة الله، ولكي توفّر لهم تعليماً شاملاً يحوّلهم. يجب أن لا تشوههم بمدّهم بالمعرفة الجافة أو جعلهم يطاردون العلامات، محرّضة إياهم على التعلّق بالمادية العابرة.

ينبغي على المعلمين ومسؤولي وزارة التربية أن يهدفوا إلى توفير التعليم المناسب للشباب، أي التعليم في المسيح. يجب أن يحتملوا مخاض الولادة حتى يتشكّل المسيحفي قلوبهم بحسب قول القديس بولس (غلاطية 4، 19). يجب أن تصير المدرسة والجامعة أرحام روحية حيث الشخص، الرجل في المسيح، يستطيع النمو والنضوج روحياً. على المدرسة أن تزرع أشخاصاً حقيقيين أبديين بالنعمة، والتي سوف تكتمل في صورة الشخص الحقيقي الوحيد الأبدي، أي المسيح. يمكن تحقيق ذلك بالتعاون مع الكنيسة. فقط في الكنيسة الأرثوذكسية بتمّ اختبار المسيح والحياة الروحية. ليست الكنيسة هيئة إدارية أو مؤسسة إنسانية، بل مؤسسة الإله الإنسان؛ إنها جسد المسيح.

لن يحقق المراهقون والشباب جودة عالية في الحياة من خلال ترقية الوسائل التعليم الخارجية وتجديدها. لأن هذا النوع من الحياة هو سطوع أداء شخص نامٍ داخلياً بالروح القدس. إنه نوع الحياة الذي يتحقق بالتماهي مع الناس الذين يتركون بصماتهم على حياة الشباب ووعيهم. في أي حال، لسنا هنا لتوجيه اللوم بل لتوعية قلوب الناس.

لا ينبغي على التلاميذ والطلاب حصر تفكيرهم بالعمل لصالحهم. ولا ينبغي بهم أن يختاروا مهنة لإشباع فخرهم ومصلحتهم الشخصية بغض النظر عما إذا كانت ستقوّضهم كأشخاص. في الأيام الخوالي، كان المرء أن يختار مهنته وفقاً لمهاراته وقدراته، وتحديداً لأهليته. في هذه الأيام، لسوء الحظ يعتمد الاختيار على الوضع الاجتماعي المتوقّع من المهنة أو آفاقها الاقتصادية. وهكذا، تأتي قدرة المرء في المرتبة الثانية. وما يزيد من حدة هذا التوجّه هو البطالة وعجز الشباب عن متابعة المهنة التي تحلو لهم. هذا الوضع يحوّل الوظيفة في كثير من الأحيان إلى عبودية.

عند اختيار مهنته، يجب على المؤمن، أن يأخذ بعين الاعتبار أيضا آفاق تطوره الشخصي وتأوّجه بالمسيح، وهي مهمة مسيحية رئيسية. (القديس غريغوريوس النيسسي: ما هو اسم المسيحي أو مهنته؟) لا ينبغي النظر إلى المهنة بشكل مستقلّ بل يجب أن تشكّل وسيلة لتقدّم حياة المرء في المسيح. المسيحي مدعو إلى الاضطلاع بواجباته المهنية كَمَا لِلرَّبِّ لَيْسَ لِلنَّاسِ” (كولوسي: 23:3).

جميع المهن جيدة من تنظيف الطريق إلى التعليم الجامعيطالما أنها تُمارَس بأمانة وبضمير وبدقة. لقد وضع الرب أجدادنا في الجنة لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا” (تكوين 15:2). حتى المسيح، في حياته على الأرض، عمل كنجّار. القديس باسيليوس، الكبير، يقول إن بين أعضاء الكنيسة صيادين وبنّائين ومزارعين ورعاة ورياضيين وجنود؛ على كل واحد منهم أن يؤدي واجباته بضمير. (القديس باسيليوس: عظة انتبه لنفسك“). فالمهن المختلفة لا ينبغي أن تلبّي احتياجات الشخص فحسب بل أن تفيد الآخرين أيضاً. يحثّ القديس بولس كل واحد من أهل أفسس على أن يَتْعَبُ عَامِلاً الصَّالِحَ بِيَدَيْهِ، لِيَكُونَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ لَهُ احْتِيَاجٌ.” (أفسس 28:4).

يكون التلميذ أو الطالب أو العامل متناغماً في وظيفته، كما في علاقته مع الآخرين والرب، إذا كان يدرك المعنى الحقيقي لحياته. بتعبير آخر، بلوغ قداسته الشخصية وتألّهه، التي هي الهدف النهائي لخلق الإنسان.

لهذا السبب يشدد الشيخ يوستينوس بوبوفيتش الصربي ويؤكد أن كل إنسان مدعو إلى التقدّس. وهكذا، يصبح العالِم عالِماً قديساً، الفيلسوف فيلسوفاً قديساً، المزارع مزارعاً قديساً، الغني رجلاً غنياً قديساً، الفقير فقيراً قديساً، الطالب طالباً قديساً والتلميذ تلميذاً قديساً. (يوستينوس بوبوفيتش: الإنسان والإلهالإنسان)

هذا يعني أن رسالة القداسة الإنجيلية يمكن أن يطبّقها أي إنسان، من أي مكانة اجتماعية وفي أي سنّ. الجهاد لتحقيق القداسة يعطي الحياة معناها الحقيقي. هذا الجهاد، وإن كان صعباً، هو أيضاً حلو ومليء بالفرح، لأن النعمة الإلهية تسير إلى جنب المقاتل. يتقدّس الإنسان بالمشاركة في القوى الإلهية غير المخلوقة، بصرف النظر عما إذا كان في المرحلة التي يجاهد فيها لتطهير نفسه من الأهواء أو قد بلغ الاستنارة أو وصل إلى مرحلة التألّه النهائية. إن مَن يحاول أن يصير قديساً يسعى باستمرار للازدياد، للتقدم روحياً، لملامسة اللاهوى وتذوقه. اللاهوى بحسب القديس يوحنا السلمي هو كمالٌ لا نهاية له” (القديس يوحنا السلمي، السلم، المقالة 19). مَن يختبر اللاهوى، أي القداسة، يختبر حالة روحية فاعلة ودائمة. هذه الحالة، التي هي اختبار النعمة الإلهية، لا يمكن مقارنتها بأي فرح أو خبرة على الأرض.

لكي يكون الشباب في وضع أفضل من جهة التعليم وأكثر قدرة على اختيار المهنة المناسبة بحيث لا تضعِف التربية التعليمَ وتتحوّل إلى مركبةِ بحثٍ عن الوظيفة، فعليهم أن يتخلّوا عن السعي إلى المعرفة الدنيوية وأن يسعوا جاهدين لتحقيق المعرفة الروحية كما وصفها القديس بولس. عليهم أن لا يسعوا إلى استرضاء مصالحهم الأنانية والموجَّهة نحو المال متجاهلين احتياجاتهم الروحية ومهملين إياها. من ناحية أخرى، على الأهل أن يدركوا أنهم لا يملكون أبناءهم بل أن الأبناء هم أشخاص مستقلّون وفريدون. إن العادة هي أنّ الأهل في محاولتهم لتحقيق تطلعاتهم ومشاريعهم الخاصة من خلال أبنائهم، يعذّبون ذريتهم.

وأخيراً، يجب على المربّين – معلمي المدارس وأساتذة الجامعات الاعتراف بأن التعليم الحقيقي يشكّل الأشخاص الذين سيقدمون أنفسهم ومهاراتهم لخدمة الآخرين. وإذا ما أردنا تحقيق ذلك، ينبغي على المربّين أن يظهِروا رعاية صادقة وحقيقية في تعليمهم، وليس مجرد أداءٍ لواجب مهني مجرّدٍ هدفه النهائي هو كسب المال. يجب أن يكونوا أصحاب ضمير عميق، ناضجين فكرياً وروحياً وأن يكونوا مستعدين للتضحية بأنفسهم؛ بالإضافة إلى هذا، يجب أن يسلكوا في حياة طاهرة بنزاهة وضمير أرثوذكسي، وأن يكتسبوا الإيمان الصادق بالمسيح. يجب على كل من المعلمين والتلاميذ أن يتعلموا في المدرسة العظيمة التي تسمى الكنيسة.

عن بدعة قيد الإعداد في الكنيسة الأرثوذكسية

عن بدعة قيد الإعداد في الكنيسة الأرثوذكسية

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

كلمة بدعةمستمدة من الفعل اليوناني (αίρομαι)، أنا أختار، وهو يدلّ على اختيار وتفضيل جزء معين من التعليم، وتحويله إلى مطلَقٍ على حساب الحقيقة الكاملة كلها. من وجهة نظر الأرثوذكسية، الهرطقة انحراف عن تعليم الكنيسة المثبّت كما صاغه الرسل وآباء الكنيسة، وخاصة في المجامع المحلية والمسكونية. على سبيل المثال، تمّت صياغة التعليم عن اتحاد الطبيعتين في المسيح في المجمع المسكوني الرابع، وطبقاً لها يتمّ اتّحاد الطبيعة الإلهية والبشرية من دون امتزاج أو تشوّش ولا انقسام ولا انفصالفي أقنوم الكلمة. عندما يشدد شخص ما على الطبيعة الإلهية على حساب الطبيعة البشرية، فإنه يقع في بدعة الطبيعة الواحدة. عندما يقوم شخص آخر بالإفراط في التأكيد على الطبيعة الإلهية على حساب الطبيعة البشرية، ولا سيما على حساب اتحاد الطبيعتين، يقع في بدعة النسطورية.

هذا يدل على وجوب أن نقبل عقائد الكنيسة كما وردت في الكتاب المقدس والتقليد المقدس، أي في كتابات الأنبياء والرسل والآباء الذين صاغوها في المجامع المحلية والمسكونية. أما في خلاف ذلك فإن الحقيقة التي كشف عنها الإيمان تخضع للتغيير. ويأتي هذا التغيير في الغالب من خلال التكهنات والأفكار التقوية حول حقائق الكنيسة العقائدية.

1. نوعا الإكليسيولوجيا المزعومان في اللاهوت الأرثوذكسي

يتحدث علماء لاهوت مرحلة ما بعد الآباء عن نوعين من الإكليسيولوجيا، الإكليسيولوجيا الكتابية البدائية (primitive biblical ecclesiology) والإكليسيولوجيا الآبائية اللاحقة، ويقولون إن النوع الثاني من الإكليسيولوجيا والروحانية غيّر النوع البدائي، الذي تمّ التعبير عنه بالمجد الأخروي لملكوت الله“.

أيضاً يتحدث علماء لاهوت ما بعد الآباء، تحت تأثير البروتستانتية، عن اللاهوت الأفلاطوني الحديث الإفاغريوسي (نسبة إلى أفاغريوس البنطي)واللاهوت النسكي المكاريوسي (نسبة إلى مكاريوس المصري)“. وبهذه الطريقة ينقسم اللاهوت الأرثوذكسي.

ووفقاً لهذه النظرية، فإن التعبيرين عن الحياة الهدوئية، أي التصوّف التأمليعند إفاغريوس والمادية الروحيةعند مكاريوس المصري، عِبر القديس غريغوريوس اللاهوتي، القديس غريغوريوس النيصصي، القديس مكسيموس المعترف والقديس سمعان اللاهوتي الحديث في الكنيسة، ويبلغا الذروة عند القديس غريغوريوس بالاماس. إذاً، بحسب علماء اللاهوتي ما بعد الآبائيين، فإن الهدوئية والرهبنة المعاصرة قد تشكلتا من خلال هذين الاتجاهين.

هذه النظرية الجديدة، التي تحاول قلب حياة الكنيسة النسكية التقليدية، تؤكّد أن درجات الحياة الروحية، أي التطهّر والاستنارة والتمجيد، هي تأثير من أوريجنس. وبحسب هذا الرأي، فإن إفاغريوس تأثّر بأوريجنس، وكان لهذا التأثّر مفعول على الآباء اللاحقين (مكاريوس المصري، الكابادوكيين، مكسيموس المعترف، سمعان اللاهوتي الحديث، غريغوريوس بالاماس وغيرهم)، ووصل حتّى إلى القديس نيقوديموس الأثوسي، وبطبيعة الحال، آباء الفيلوكاليا.

تقوّض هذه النظرية التقليد الهدوئي والفيلوكالي وكل تعليم آباء الكنيسة عن تحرير النوس من الخيال والشكل، وتنقية القلب، واستنارة النوس ومعاينة الله، وصلاة النوس في القلب، وما إلى ذلك. وبعبارة أخرى، إنها تنتهك كل متطلبات اللاهوت الأرثوذكسي، والإكليسيولوجيا الأرثوذكسية والإفخاريستيالوجيا. كما سوف يتّضح أدناه، هذه في الواقع بدعة قيد الصنع في الكنيسة الأرثوذكسية.

2. دحض موجز

ينبغي التعامل لاهوتياً مع نظرة الإكليسيولوجيا المزدوجةالمزعومة، وإلا ينشأ ورم خبيث في جسد الكنيسة مع عواقب غير متوقعة. هنا سوف نفنّد هذه النظرية غير الأرثوذكسية بإيجاز، أمّا في القسم التالي فسوف نحلّل المسألة بمزيد من التفصيل.

أولاً وقبل كل شيء، ينبغي التأكيد على أن وجود إكليسيولوجيا مزدوجةو روحانية مزدوجةغير ممكن في الكنيسة. فالكنيسة هي جسد المسيح وما يصنّف بالروحانية هي الحياة في المسيح والروح القدس التي يعيشها المسيحيون من خلال الأسرار المقدسة والتقليد النسكي. ترتبط الإكليسيولوجيا الحقيقية ارتباطاً وثيقاً بتجسّد المسيح والعنصرة. في مطلَق الأحوال، لا تشكّل الهدوئية إكليسيولوجيا معينة. بل هي حياة الإنجيل وحفظ وصايا المسيح، وهي مطلب أساسي للمشاركة في قوة الله غير المخلوقة المطهِّرة المنيرة والمقدِّسة. إن العبادة في الكنيسة والأسرار تقدم هذا التقليد الهدوئي بالكامل. وهذا ما تمّ تثبيته مجمعياً في مجمع 1351، الذي يُعتَبَر المجمع المسكوني التاسع.

نعلم من مجمل تعليم الكنيسة أن تعاليم وخبرة الأنبياء والرسل والآباء متطابقة. لا يختلف الرسل عن الأنبياء، ولا الآباء يختلفون عن الرسل والأنبياء، فهم يشتركون في نفس التجربة والإيمان. الفرق هو أن أنبياء العهد القديم رأوا الكلمة غير المتجسّد، بينما في العهد الجديد وحياة الكنيسة يرون ويشاركون في الكلمة المتجسّد. كل شيء آخر لديهم مشترك. يقول القديس غريغوريوس بالاماس بشكل خاص: “… أي شيء آخر غير الكمال الخلاصي في المعرفة والعقائد يتكوّن من التفكير بنفس الطريقة كالأنبياء والرسل والآباء، ومع كل هؤلاء في الأساس، الذين من خلالهم يشهد الروح القدس عن الله ومخلوقاته“.

ونحن نعلم أيضا من لاهوت الكنيسة أن خبرة المعاينة الإلهية، التي تجري بكلمات لا تُسّر، ليست نفس تسجيل هذه الخبرة الذي يستخدم كلمات ومفاهيم وصوراً مخلوقة. إلى هذا، فإن الاختلاف في المصطلحات بين الأنبياء والرسل والآباء لا يشكل فرقاً في الخبرة. من المؤكد، أن الآباء والمعلمين في القرنين الثالث والرابع استخدموا مصطلحات معينة اعتمدوها من لغة عصرهم، لدحض الهراطقة. مع ذلك، هذا لا يعني أنهم غيّروا مضمون المصطلحات. قال الأب يوحنا رومانيدس: “التعامل مع المعتقدات الكاذبة جعل زيادة المصطلحات ضرورية. للتعامل مع الهراطقة نستخدم إعلانات الإيمان وهذه المفاهيم، كما نحاول أن نضرب قلب الاعتقاد الكاذب“.

لذلك من الغريب أن يًنظَر إلى التعليم عن التطهّر والاستنارة والتمجيد على أنه أوريجيني أو أفلاطوني حديث على اعتبار أن الآباء تبنّوا هذه المصطلحات ككلمات أو كوقائع. فيما هذه المصطلحات موجودة في الكتاب المقدس في مطلق الأحوال. لقد اتُّهِم القديس كيرللس الإسكندري باستخدام عبارات من نسطوريوس. ولذلك كتب في الرسالة التي أدرجت في وقائع المجمع المسكوني الثالث أنه لا ينبغي لنا تجنّب كلّ ما يقوله الهراطقة، إذ أن هناك أيضاً أشياء توافق تعليمنا. قوله الفعلي هو: “لا حاجة للفرار من كل ما يقوله الهراطقة ورفضه، لأنهم يعترفون بأشياء كثيرة نعترف بها أيضاً“. ويذهب إلى الإشارة إلى أمثلة ذات صلة. وهذا يعني أن المهم ليس ما إذا كان المصطلح قد قدّمه أوريجينوس أو إفاغريوس البنطي أو مكاريوس المصري. المهم هو أنه اعتُمِد من القديس باسيليوس الكبير، القديس غريغوريوس اللاهوتي، القديس غريغوريوس النيسسي والآباء اللاحقين، وتمّ تأكيده مجمعياً، على أنه من التقليد الأرثوذكسي. وبالتالي، طريقة التفكير بأنّ تعليم الكنيسة الثابت الذي اختبره آباء الكنيسة هو أوريجيني أو افاغريوسي أو ماكاريوسي أو غيره، ليست طريقة أرثوذكسية.

علاوة على ذلك، هناك فرق كبير بين اللاهوت والفلسفة، ويتجاوز هذا الفرق مجرد استخدام المصطلحات. اللاهوت هو نتيجة إعلان الله إلى الممجَّدين، في حين أن الفلسفة هي نتيجة التكهنات واكتشاف العقل البشري. إن وصف التقليد الهدوئي بأنه أوريجيني أو افاغريوسي أو ماكاريوسي أو حتى أفلاطوني حديث بسبب وجود تشابه خارجي في الكلمات هو تفسير سطحي، لا بلّ هو يعبّر أيضاً عن شيء أعمق، أي بعبارة أخرى هو محاولة لتقويض التقليد الأرثوذكسي الهدوئي.

مدى كون هذه الاستنتاجات سطحية واضح من حقيقة قدرة هؤلاء الناس وبالطريقة نفسها على إلقاء اللوم على آباء الكنيسة لاعتمادهم مصطلحات من الوثنيين والهراطقة (شخص، أقنوم، جوهر، الطاقة وهلم جرا) كما غيرها من العوامل الثقافية الخارجية، كما أن هؤلاء الناس يصفون بالوثنية لاهوت الآباء عن الإله الثالوثي وإكليسيولوجيتهم. لقد ذهب هرناك (Harnack) وغيره من البروتستانت إلى هذا الحد، وليس مستبعداً أن هؤلاء الأرثوذكس الذين يفكرون بشكل سطحي وخارج عن التقليد الأرثوذكسي، لأنها يجهلون محتوى التقليد السماوي والعميق، قد يصلون أيضاً إلى هذه النقطة (وقد وصل البعض بالفعل).

في نهاية المطاف، فإن الرأي القائل بأنه تسود في الكنيسة إكليسيولوجيا مزدوجة بدائية وأكثر حداثة هو ما يسمى لاهوت ما بعد الآباء“. إنها نظرة متأتية من البروتستانت وبعض الأرثوذكسيين الذين يحاولون بهذه الطريقة إنكار تعليم الآباء، وعبادة الكنيسة، والتقليد الهدوئي، وبطبيعة الحال، الرهبنة. ومن المدهش حقاً أن علماء اللاهوت والفلاسفة المذكورين أعلاه يسعون إلى جعل اللاهوت الأرثوذكسي بروتستانتياً عِبر الإشادة بالتفسير البروتستانتي وتقويض التقليد الهدوئي الكنسي الآبائي، من أجل إكليسيولوجيا بدائيةتشير إلى الإفخارستيا الإلهية ومملكة الله، وتعتمد ببساطة على نصوص العهد الجديد.

من الواضح تماماً مما يقوله هؤلاء اللاهوتيون والكتاب الجدد أن محاولة تُبذَل لتقويض كل التقليد النسكي وحياة الكنيسة، بالشكل الذي عبّر عنهما آباؤها العظماء، الكابادوكيون (القديس باسيليوس الكبير، القديس غريغوريوس اللاهوتي، القديس غريغوريوس النيسسي)، القديس ديونيسيوس الأريوباغي، القديس مكسيموس المعترف، القديس يوحنا الدمشقي، القديس سمعان اللاهوتي الحديث، القديس غريغوريوس السيناىي، القديس غريغوريوس بالاماس، وجميع آباء الكنيسة الصحويون والفيلوكاليون. وفي الوقت نفسه، يتم تقويض تعليم كل النساك القديسين الذين عرفناهم في السنوات الأخيرة (يوسف الكهف، أفرام الكاتوناكي، بايسيوس الأثوسي، بورفيريوس الكافسوكاليفي، إفرام الفيلوثي، وغيرهم) الذين يتحدثون عن الحياة النسك والتوبة والصلاة العقلية وعموماً عن طريق الإنسان إلى الله من خلال التطهّر والاستنارة والتمجيد.

وهذا يخلق أيضاً مشكلة خطيرة أخرى تقوّض كامل الإكليسيولوجيا. المقصود أن عقائد الكنيسة يتمّ تفسيرها خارج شروطها الأساسية، التي هي الخبرة التي تجد تعبيراً ملموساً في التطهّر والاستنارة والتمجيد. إلى هذا، إن حياة الكنيسة ألأسرارية أيضاً يتمّ تقويضها عندما تُقطَع المعمودية، والميرون، والمناولة المقدسة، وجميع الأسرار الأخرى عن حياة النسك، كما هي معبر عنها في التطهّر والاستنارة والتمجيد. فنحن نعلم أنه لا يمكن أن تكون الأسرار منفصلة عن التقليد الهدوئي، لأن هذا يشكّل طريقة حياة كالسحر، كما لا يمكن أن يعاش التقليد الهدوئي من دون أسرار الكنيسة، لأن هذا يؤدي إلى الفلسفة الشرقية والمصلينية (Messalianism).

3. تحليلات أوسع

إن الدحض الموجَز أعلاه لهذه البدعة قيد الصنع في الكنيسة الأرثوذكسية يمكننا من المضي قدماً في تقديم تعليقات أوسع نطاقاً وبشكل أساسي لتوسيع هذه الأفكار للتعامل مع هذه الحالة الخطيرة التي يمكن أن تضرّ أعضاء الكنيسة. ومن الواضح أنها خباثة بروتستانتية هرطوقية تسللت إلى بنية بعض أعضاء الكنيسة، ويجب ألا تصبح نمواً خبيثاُ من شأنها أن تهاجم بنية الكنيسة.

لإسقاط كل هذه النظريات أستطيع أن أعود إلى الكتاب المكون من مجلدين الذي نشرته بعنوان العقائد التجريبية، والذي يعرض تعليم اللاهوتي العقائدي الأصيل الموثوق الأب يوحنا رومانيدس. فهو كان على دراية بكل هذه الآراء في أمريكا، من اللاهوت السكولاستيكي والبروتستانتي اللذين درسهما. وهو الذي أوضح لنا أصالة الفكر والحياة الآبائيين. كل هذه الآراء التي طرحها بعض اللاهوتيين المعاصرين يتعامل معها الأب يوحنا رومانيدس بشكل جيد جداً بنصوص محددة. هذا هو سبب تشويههم له كثيراً. ولكن الحقيقة سوف تلمع، لأن الله لن يدع اللعنة تسود داخل مدى الكنيسة الأرثوذكسية المقدسة والمباركة، كما هو واضح من تاريخ هذه الكنيسة. ما هو أصيل سوف يحتمل الوقت والضغوط، في حين أن ما هو كاذب سوف يختفي.

سوف أركّز الآن على بعض النقاط المميزة التي تكشف عن هذا الخباثة البروتستانتية الهرطوقية التي أثرت أيضا على بعض الأرثوذكسيين.

أ) متطلبات النطق باللاهوت بطريقة أرثوذكسية

قد علّمنا الآباء القدّيسون أنه للتعامل مع تعليم ما، يجب التأكيد على متطلبات اللاهوت الأرثوذكسي. السؤال هو: مَن، في نهاية المطاف، هو لاهوتي في الكنيسة، ومن يستطيع النطق باللاهوت؟ جابه القديس غريغوريوس اللاهوتي بخطبه اللاهوتية بدعة الأريوسيين الذين استخدموا الحجج الفلسفية، ولا سيما إفنوميي زمانه الذين شكّلوا المجموعة الهرطوقية السائدة بين بين الأريوسيين. ومن السمات أنه احتاج إلى أن يحدد في بداية خطبه اللاهوتية متطلبات النطق باللاهوت. لقد أشار إلى مَن يستطيع وينبغي أن ينطق باللاهوت. ويشير القديس غريغوريوس اللاهوتي إلى أن أولئك الذين يفخرون ببلاغتهم، الذين يفرحون بالثرثرات البذيئة والباطلةوتناقضات ما يسمى كذباً بالمعرفة“. إنهم أيضاً سفسطائيون، سخيفون ومتلاعبون بالكلمات غريبون“. وعلى ضوء تفكير الأفنوميين الفلسفي يقولإن سرنا الكبير معرّض لخطر أن يصير ابتذالاً“. فهو يسمّي الأفنوميين الذين يتكلّمون فلسفياً عن الله فيما يعيشون خارج تقليد الكنيسةجدليين مولعين بالكلمات.”

لهذا هو يفسّر ما هي المتطلبات الأساسية للاهوت الأرثوذكسي فيقول أن اللاهوت ليس مجرد أي اهتمام، وبالتأكيد لا يأتي من أصل وضيع. النطق باللاهوت ليس مهمة للجميع، بل هي لأولئك الذين اختٌبِروا وتقدّموا في الثايوريا [المعاينة]، وقد تطهّروا بالروح والجسد، أو على الأقل هم في مرحلة التطهّر“. هذا أمر أساسي، لأن من الخطِر أنّ النجس يلامس الطاهر، تماماً كما أن أشعة الشمس خطرة على العيون. لذلك، على مَن ينطق باللاهوت أن يكون أولا قد تطهّر، وإلا فسوف ينتهي هرطوقياً. ولتلبية متطلبات اللاهوت، يجب أن يعبر بالهدوئية. وبعبارة أخرى، يمكننا أن ننطق باللاهوت عندما نكون متحررين من كل حالات التلوّث أو الاضطراب الخارجي، وقدرتنا الآمرة لا تخالطها صور وهمية أو خاطئة، كخلط الكتابة اليدوية الجميلة مع بالخربشة القبيحة، أو عطر الميرون بالقذارة. على الإنسان أن يكون أولاً هادئاً لمعرفة الله. “لأنه من الضروري فعلاً أن يكون هادئاً ليعرف الله“.

يأتي تعليم القديس غريغوريوس اللاهوتي هذا في بداية خطبه اللاهوتية، مظهراً بوضوح أنّ أهمية كبيرة تُعزى إلى متطلبات اللاهوت الأرثوذكسي. إذا تم تغيير هذه الشروط المسبقة، فإن الناس حتماً يُقادون إلى الانحراف عن الحقيقة، ونتيجةً لذلك يقعون في المعتقدات الكاذبة والبدع. وبالتالي، فإن المتطلبات الأساسية للاهوت الأرثوذكسي هي الهدوئية المقدسة، السكون الإلهي، تطهّر القلب من الأهواء، واستنارة النوس. ما يتحدث عنه القديس غريغوريوس اللاهوتي ليس إكليسيولوجيا مختلفة وأكثر حداثة، بل الإكليسيولوجيا الكنسية الصحيحة التي نلتقيها عند الرسل وأنبياء العهد القديم. ليس من المؤكد على الإطلاق أن ما يتمّ التعبير عنه هو التعليم والإكليسيولوجيا الأرثوذكسيين إذا ما أُلغيَت هذه المتطلبات.

في عظته عن الظهور، يتحدّث القديس غريغوريوس اللاهوتي عن التطهّر والاستنارة والتمجيد باعتبارها الشروط المسبقة الأساسية للاهوت الأرثوذكسي لكي يحصّل إنسان ما موهبة الحقيقة الروحية ويخدم الله الحي والحقيقي“. فقط بهذه الطريقة يمكن للمرء أن يتفلسفأو ينطق باللاهوت عن الله. ويتابع إلى تحديد طريقة اللاهوت الأرثوذكسي: “حيث يكون الخوف يكون الحفاظ على الوصايا؛ وحيث يوجد حفظ الوصايا يكون تطهير الجسد من تلك السحابة التي تغطي النفس ولا تسمح لها أن ترى الأشعة الإلهية بوضوح. حيث يوجد التطهّر تكون الاستنارة. والاستنارة هي إشباع رغبة أولئك الذين يتوقون إلى أعظم الأشياء، أو أعظم شيء، أو ما هو أبعد من العظيم“. هذا لا غنى عنه لذلك علينا أن نطهّر أنفسنا أولاً، ومن ثم التكلّم مع من هو الطاهر“. ومن الواضح أن هذا إشارة إلى التطهّر والاستنارة والتمجيد، والتقدم نحو العظيم“: معاينة النور غير المخلوق، المعاينة الإلهية، حين تُكتَسَب معرفة الله الحقيقية.

الهدوئية المقدسة هي الطريقة الأرثوذكسية للحياة كما نلتقيها في الكتاب المقدس وتقليد الكنيسة، وكما عاشها الأنبياء والرسل والقديسون على مرّ القرون. إنها ليست إكليسيولوجيالاحقة أزاحت الإكليسيولوجيا البدائيةوحلّت محلها، ولا هي أن بعض الآباء أثّروا على آباء آخرين أتوا بعدهم. أسأل نفسي: هل أنّ الذين عبّروا عن وجهات النظر هذه يعتبرون آباء الكنيسة كما لو أنهم حمقى وغير ناضجين ليقبلوا ببساطة ومن دون تحقق النظريات التي ينتجها الآخرون نظريات غيّرت تقليد الكنيسة وبالتالي ليكونوا قد ساهموا بسذاجة في الانحراف بعيداً عن اللاهوت الأرثوذكسي؟ أسوأ من ذلك كله، الزعم أن الكنيسة أتت في وقت لاحق إلى المجالس المسكونية بآبائها وأكّدت هذا التغيير! أنا أندهش كيف يدعم هذه الثغرات من يدّعون الأرثوذكسية، الذين يجترّون النظريات التي صاغها البروتستانت. إن وجهة النظر المذكورة أعلاه تهمل تماماً وجود الروح القدس في الكنيسة والتعليم بأن القديسين متألّهون، كما كما يرد تكراراً في نصوص الآباء والمجامع المسكونية.

عندما نتكلم عن طريقة الحياة الهدوئية نعني كامل حياة الإنجيل، والتي تشير إلى الجهاد ضد الشيطان والموت والخطيئة. شفاء الأفكار، تنقية القلب؛ وتفعيل المَلَكة النوسية بحيث يصلي النوس بطهارة لله؛ اقتناء المحبة غير الأنانية؛ والعلاج أجزاء النفس الثلاثة، وهلم جرا. ترتبط هذه الحياة النسكية ارتباطاً وثيقاً بالحياة الأسرارية وتشكّل جوهر طريقة الحياة الإنجيلية والكنسية.

جدير بالذكر أن إفاغريوس البنطي الذي يرى اللاهوتيون الذين يفكرون يروتستانتياً أنه أدخل الانحراف عن الإكليسيولوجيا البدائيةوأنه أثّر بالقديس غريغوريوس بالاماس قد سامه القديس غريغوريوس اللاهوتي وخدم شماساً له أثناء كان بطريركاً على القسطنطينية. على الأكيد أن إفاغريوس تأثّر بأوريجنس في بعض آرائه وتعابيره، لكنه في الأمور اللاهوتية كان متأثّراً بلالآباء الكبادوكيين. في الواقع، إن تعليمه النسكي يحمل بصمات تقليد الصحراء الرهباني كما كان يُعاش في زمانه، بحسب ما يؤكّد الأب جورج فلوروفسكي. في مطلق الأحوال، إن تعليمه عن معرفة الله وصياغته لهذا التعليم قبلهما القديس مكسيموس المعترف والقديس يوحنا السينائي كاتب السلّم، وكل آباء الكنيسة اللاحقين.

بالتأكيد لا يمكن اعتبار لاهوت القديس غريغوريوس اللاهوتي متأثراً بإفاغريوس البنطي، على العكس، العكس صحيح. في الأمور الهدوئية القديس غريغوريوس أثّر بإفاغريوس الذي عبّر عن تقليده الهدوئي بكلماته الخاصة. يجب أن أشير هنا إلى أن اسم القديس غريغوريوس هو اللاهوتي وليس النزينزي كما كان يسمّيه أعداؤه الأريوسيون ويكرره في زماننا البروتستانت وبعض الأرثوذكس المتأثّرون بهم. نحن الأرثوذكسيون علينا أن نناديه بما نادته به الكنيسة: القديس غريغوريوس اللاهوتي بطريرك القسطنطينية.

ما يلي سوف يزيد من توضيح تعليم القديس غريغوريوس اللاهوتي.

ب) خبرة مجد الله وصياغتها بكلمات

الكنيسة هي جسد المسيح، وأعضاء الكنيسة أعضاء في جسده القائم وهم يسلكون أسراريا ونسكياً. لا يوجد نوعان أو أكثر من الإكليسيولوجيا، ولا أي نوع من الإكليسيولوجيا ينشأ من نوع آخر تحت الضغط. هناك إكليسيولوجيا واحدة، كما هو تحدده حياة الكنيسة الأرثوذكسية بكاملها. لم يغير آباء الكنيسة التقليد القديمالذي ورثوه، ولكنهم يعيشون موحدين عضوياً مع جميع القديسينوينتمون ضمن وحدة الأنبياء والرسل والآباء.

الكنيسة نفسها، من خلال الآباء المستنيرين بقوة الروح القدس، تختبر مجد الله وتصوغ خبرتها بكلمات بحسب تحديات كل عصر. وبالتالي فإن نفس الحقيقة التي كُشِفَت محفوظة، ولكن في بعض الأحيان تتغير المصطلحات والكلمات، دون فقدان معناها الروحي.

وهكذا فإن كلمة التألّه (theosis) لا توجد في الكتاب المقدس، ولكن من خلالها يتمّ التعبير عن المعاني التي تنقلها الكلمات الأخرى، مثل الكمال، التمجيد، وغيرها. لا يمكننا أن نجد كلمة هوموسيوس (المشارِك بالجوهر، المشارك بالطبيعة) أو غيرها من المصطلحات المماثلة في الكتاب المقدس. اعتمد الآباء هذه المصطلحات من الفلسفة، لأن الهراطقة في تلك الحقبة كانوا يستخدمونها. وقد أفرغها الآباء من المعنى الذي كان لها، وأعطاها معنى مختلفاً. هل يشكّل هذا، وفقاً لعلماء اللاهوت التحزريين، تغييراً في اللاهوت الأرثوذكسي والإكليسيولوجيا؟

ما فعله الآباء في ما يتعلق بالعقيدة طبّقوه أيضاً على ما يتعلق بمتطلبات العقيدة، وهو الهدوئية المقدسة، وتطهير القلب، والصلاة النوسية الداخلية، والمعاينة الإلهية، وغيرها. وكما أننا لا نستطيع أن نتّهم الآباء بتغيير اللاهوت القديمفي ما يتعلق بعقيدة الثالوث الأقدس لأنهم استخدموا المصطلحات الفلسفية في عصرهم، كذلك لا يمكننا إلقاء اللوم عليهم لاستخدامهم بعض مصطلحات الفلسفة الأفلاطونية الحديثة، أو مجرد قبول المصطلحات التي استخدمها إفاغريوس البنطي ومكاريوس المصري. هذه ليست إكليسيولوجيا مختلفة ومعارضة، بل نفس الإكليسيولوجيا التي صيغت بمصطلحات تنقل بشكل أفضل التجربة التي عاشوها بأنفسهم الآباء المتألِّهون. في الواقع، استخدم آباء الكنيسة مصطلحات مختلفة من اللغة الفلسفية في عصرهم بهدف قلب آراء الفلسفة وآراء الهراطقة، كما سوف نرى في جزء آخر. كلّ مَن لا يستطيع أن يفهم الفرق بين الكلمات غير المخلوقة والكلمات والمفاهيم التي تمّ إنشاؤها، على ما اعتاد الأب يوحنا رومانيدس قوله، لا يمكن أن يفهم الحد الأدنى من اللاهوت الأرثوذكسي. إن خبرة مجد الله ليست هي نفسها صياغتها بكلمات.

عاش الآباء في عصر هيمنت فيه الفلسفة اليونانية وكان من الضروري بالنسبة لهم استخدام المصطلحات عصرهم للتعامل مع المسيحيين الهيلينيين. لو كانوا أحياء اليوم، لكانوا استخدموا مصطلحات عصرنا البشرية، أي لكانوا استخدموا مصطلحات من علم الحياة (الأب جون رومانيدس)، شريطة، بالطبع، أن لا يٌقضى على مصطلحات المجامع المسكونية أو تُقوّض.

وبقدر ما يمكن، فإن المصطلحات التي استخدمها الآباء وثبتتها المجامع المسكونية هي الآن حقيقة مفروغ منها. إنها جزء لا يتجزأ من التقليد. لا أحد قادر، باسم كنسية قديمة مزعومة، أن يقلبها وأن يبطل الأسطورة التي فيها“. إن دراسات الأب يوحنا رومانيدس الأولى على آباء الكنيسة الرسوليين، وأيضاً على كتاب الصلاة في الكنيسة، تكشف أن التقليد الصحوي والنسكي هو الجزء الأكثر أهمية في التقليد الأرثوذكسي. إنه يظهِر الشروط المسبقة الحقيقية للعقائد الأرثوذكسية ومجمل حياة الكنيسة.

إن مفهوم التقليد الصحوي والهدوئي للتطهر والاستنارة والتمجيد موجود في الكتاب المقدس – بعهديه القديم والجديد عندما يفسران مع المسلّمات الأرثوذكسية وليس بطريقة اللاهوت البروتستانتي التفسيرية. لقد قدمت مادة وفيرة حول هذا الموضوع في الكتب التي نشرتها من وقت لآخر. وسأقدّم هنا بعض الأمثلة.

التطويبات هي أول تعليم للمسيح، وهي تظهِر بالضبط ما هي الحياة الروحية، وتحافظ على كل السمات المميزة لتقليد الكنيسة الصحوي الهدوئي. تتحدث التطويبات عن فقر الروح كشرط مسبق لملكوت الله. عن الحزن الإلهي الذي يؤدي إلى التعزية؛ عن الوداعة كشرط مسبق لوراثة الأرض؛ عن الجوع والعطش إلى بِرّ المسيح الذي يجلب الشبع؛ عن الرحمة التي تجتذب رحمة الله؛ عن نقاوة القلب التي بها يعاين الإنسان الله؛ عن صنع السلام، لأنه بهذا يصير الإنسان ابن الله؛ عن الاضطهاد وقبول اللعنة من أجل بر الله، لأن هذا هو السبيل للحصول على الفرح والسعادة، والمكافأة في السماء (متى 5: 1-13).

مَن يدرس هذه التطويبات بعناية، وهي التي تشكّل في الواقع الطريق الكنسية الحقيقية إلى الحياة، يرى أن المسيحيين مدعوون بشدة إلى الحفاظ على وصايا المسيح، ولكن قبل كل شيء يلاحظ أن كل البركات العظيمة، أي معاينة الله، والمشاركة في مملكته، واختبار التبنّي كابنٍ، كلها مشروطة بحياة النسك، الذي هو التواضع، الحزن، الوداعة، نقاوة القلب واحتمال الاضطهاد والاستشهاد لمجد المسيح.

للتقدم من هناك، إذا درس الإنسان حدث تجلي المسيح على جبل ثابور ومشاركة التلاميذ الثلاثة في مجد النور غير المخلوق (متى 16: 28-17: 1-8)، إلى جانب ظهور المسيح القائم وخبرة سر العنصرة، يفهم ما يشكّل الحياة الروحية.

يشير الرسول بطرس في رسالته العامة إلى مجمل هذه الحياة الهدوئية التي على المسيحيين أن يعيشوها: “كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى، بِمَعْرِفَةِ الَّذِي دَعَانَا بِالْمَجْدِ وَالْفَضِيلَةِ، اللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ، لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ.” (2 بطرس 3:1-4).

على الإنسان أن ينأى بنفسه عن العقلية الدنيوية ويبلغ إلى الشركة مع الله. ويتابع الرسول بطرس إلى الإشارة إلى الإيمان المرتبط بالفضيلة والمعرفة وضبط النفس والصبر والقوة واللطف الأخوي والمحبة. من خلال هذه الأمور يصل الإنسان إلى معرفة المسيح. مَن يفتقر إلى هذه الأشياء هو أَعْمَى قَصِيرُ الْبَصَرِ، قَدْ نَسِيَ تَطْهِيرَ خَطَايَاهُ السَّالِفَةِ.” (2 بطرس 5:1-9)

إنه يحثّ المسيحيين على السعي لتحقيق هدفهم: “لِذلِكَ بِالأَكْثَرِ اجْتَهِدُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَاخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْنِ. لأَنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذلِكَ، لَنْ تَزِلُّوا أَبَدًا. لأَنَّهُ هكَذَا يُقَدَّمُ لَكُمْ بِسِعَةٍ دُخُولٌ إِلَى مَلَكُوتِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الأَبَدِيِّ.”(2 بطرس 10:1-11).

في تحديد ما هو ملكوت الله هذا، يشير الرسول بطرس إلى ظهور مجد الله على جبل ثابور. هذا متميز بشكل واضح جداً عن الفلسفة، التي هي خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً“: “لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً، إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ. لأَنَّهُ أَخَذَ مِنَ اللهِ الآبِ كَرَامَةً وَمَجْدًا، إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ صَوْتٌ كَهذَا مِنَ الْمَجْدِ الأَسْنَىهذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي أَنَا سُرِرْتُ بِهِ». وَنَحْنُ سَمِعْنَا هذَا الصَّوْتَ مُقْبِلاً مِنَ السَّمَاءِ، إِذْ كُنَّا مَعَهُ فِي الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ. وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا، كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ“(2 بطرس 16:1-19).

يبيّن هذا النص الرسولي بوضوح دعوة المسيحيين، ماهية ملكوت الله، وكيف يمكن اعتبار إنسان ما جديراً بهذه الثايوريا (المعاينة)، وبطبيعة الحال، أن هذه هي خبرة المجد غير المخلوق المتميّز عن أي نوع من الفلسفة، أفلاطونية أو أفلاطونية حديثة.

التقليد الهدوئي واضح في الإصحاح الأول من رسالة الرسول بطرس الأولى العامّة. كل المسيحيين مُحَضّون على توطيد أذهانهم، وأن يكونوا يقظين، وأن يضعوا رجاءهم بالكامل النِّعْمَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ“. وكأولاد للطاعة، لا ينبغي بهم أن يتكيّفوا مع الرغبات التي كان لهم حين كانوا في الجهل، أي قبل المعمودية، بل أن يسلكوا بحسب دعوة الله القدوس، حتى أنهم أيضاً يتقدّسون في كل سيرتهم (1 بطرس 13:1-17).

وهنا أيضاً اختبار البركات العظيمة مشروط بتركيز العقل واليقظة الروحية والرجاء بالتمتع بالله، أي بعبارة أخرى، المعاينة الإلهية. بهذه الطريقة يصيرون قديسين. القداسة ليست أمراً مفروغاً منه يُعطى ميكانيكيا وسِحرياً، بل هي تفترض مسبقاً عمل الله وتعاون الإنسان.

هذه أمثلة قليلة من العهد الجديد، ولكن هناك وفرة من هذه المقاطع التي تظهِر المنظور الكامل لتطهير القلب، واستنارة النوس والمعاينة الإلهية. وبالتالي لم يكن الآباء بحاجة لتبني هذا التعليم من الأفلاطونية والأفلاطونية الحديثة. يمكن للإنسان أن يجد مادة وفيرة في رسائل بولس الرسول، على شاكلة واحد من النصوص التي كتبتها وعنوانه الهدوئية والمعاينة الإلهية في رسائل بولس الرسول“.

ج) التقليد الصحويالهدوئي والآباء القديسون

نلتقي التقليد الهدوئي في جميع النصوص الآبائية. ليس هناك في الكنيسة أي أبٍ مختَبَر في الحياة الروحية ولا يشير إلى التطهّر والاستنارة والتمجيد. هذه ليست مسألة تأثر بالفلسفة الأفلاطونية والأفلاطونية الحديثة، بل بالتعبير عن خبرتهم الشخصية بعبارات عصرهم. في أي حال، كما ذكرنا أعلاه، في هذا الموضوع سجّل إفاجريوس البنطي التقليد الذي وجده بين رهبان فلسطين، وذلك باستخدام المصطلحات المعاصرة له. لذلك من التجديف النظر إلى الآباء على أنهم غير ناضجين روحياً بحيث أنهم تأثّروا بالفلسفة الأفلاطونية الحديثة. حتى لو كانوا قد تأثروا خارجياً بالعبارات، فإنهم في الواقع صاغوا كامل تقليد الكنيسة الصحوي الهدوئي بالكلمات التي تبنوها.

يشير القديس غريغوريوس اللاهوتي مرات عديدة إلى التطهر والاستنارة والتمجيد. لقد استشهدت سابقاً بعبارات قليلة له تبيِّن أن التطهر والاستنارة والتمجيد هي الطريقة التي لا غنى عنها للاهوت الأرثوذكسي، وبدون هذه الشروط المسبقة، هناك خطر البدعة. وهنا يجب أن أذكر عظته عن الكهنوت، التي فيها يبرر لماذا، عندما طُرِح عليه موضوع الكهنوت، تهرّب منه وانسحب إلى البنطس. فيقول من بين جملة أمور أخرى: “لقد تملّكني شوق شديد إلى بركة الهدوئية والاعتزال، وهي ما كنت أعشق منذ البداية“. ثم يذكر أنه كان يسعى إلى التطهر والاستنارة، لأن مهمة الكهنوت عظيمة، لأن فقط مَن كان طاهراً وسلوكه كالمسيح يمكنه أن يستوعب ذاك الطاهر“. عليه أن يجعل خطابه مشرقاً بنور المعرفة، وكذلك نوسه وسمعته. ومن الخطورة على شخص ما أن يكون لاهوتياً ما لم تتطهّر هذه المَلَكات الثلاث إذا لم يكن نوسه مستنيراً، أو خطابه ضعيفاً، أو سمعته غير نقية فهو غير مقبول“.

الأكثر إثارة للدهشة من كل ذلك هو حقيقة أن خطبة القديس غريغوريوس اللاهوتي هذه، وبصرف النظر عن الإشارة إلى التطهر والاستنارة والمعاينة الإلهية التي هي الخصائص الأساسية ليس فقط للاهوت الأرثوذكسي بل أيضاً للخدمة الكهنوتية، فهو يتحدث مطوّلا عن علاج الإنسان. فهو يصف التطهر والاستنارة ومعرفة الله على أنها شفاء البشر. يريد أن يكونَ الكاهنُ معالِجاً. يتمّ العلاج في الكنيسة من خلال الأسرار والنسك، وكل عمل التجسد الإلهي يهدف إلى شفاء البشرية. وعندما يتحدث عن العلاج، فإنه يحدده في عالم الإنسان الداخلي، أي قلبه. “إن كل العلاج والجهد اللذين نقوم بهما يتعلقّان بالإنسان الخفي للقلب، وحربنا موجهة ضد الخصم والعدو الذي في داخلنا، الذي يستخدمنا كأسلحته ضد أنفسنا، والأكثر إثارة للخوف من كل هذا، أنّه يسلمنا لموت الخطيئة “.

لتعريف الفضيلة، يقدّم القديس غريغوريوس النيسسي النبي موسى كنموذج الإنسان المثالي. في كتابه حياة موسىيتحدث عن التقليد الهدوئي الذي لا غنى عنه لمعرفة الله. انه يكيّف مع حالة البشرية الروحية كلّ ما حدث في العهد القديم أثناء ظهور الله على جبل سيناء. أمر الله موسى بوجوب أن يكون الشعب متطهراً من كل أشكال النجاسة. حتى الحيوانات غير العقلانية يجب أن تُبعد عن الجبل، ووحده موسى يجب أن يصعد. هذا هو تطهير النفس والجسد، وأيضاً هو إزالة الملابس الجلدية، التي هي قابلية الموت والفساد.

بالإشارة إلى ارتقاء الإنسان إلى معاينة الله، كتب القديس غريغوريوس النيسسي: “إن طريقه إلى هذه المعرفة هي الطهارة، ليس فقط طهارة جسده عبر طقوس الرش، ولكن أيضاً ملابسه، التي يتم غسلها من كل الأوساخ بالماء“. التطهير يشير إلى النفس والجسد معاً. “وهذا يعني أن مَن يقارب ثايوريا الأشياء الجليّة يجب أن يكون طاهراً من كل الأوجه، حتى يكون طاهراً وغير ملوّث في النفس والجسد، مغسولاً نظيفاً من النجاسة في كليهما، حتى نظهر أطهاراً أمام الذي يرى ما هو مخفي…” إنه يوضح أن مَن يريد أن يرتقي إلى الثايوريا عليه أولاً تطهير سلوكه من كل ميل حسّي وغير عقلاني وتطهير نوسه من كل رأي تشكّل داخله بأي تحامل، ويجب أن يفصل نفسه عن حس الإدراك الذي يرافقه باستمرار. متى تطهّر من هذا، يستطيع التجرؤ على ارتقاء جبل المعاينة الإلهية، كما فعل موسى.

متابعاً هذا التفسير، يقول: “إنّ مَن تطهّر نوسه واكتسب قلبه سمعاً حاداًيسمع صوت القوة الإلهية التي تأتي من معاينة الكائنات، يدخل إلى خيمة غير مصنوعة بيدين ويكتسب المعرفة الإلهية، الذي يظهره فيما بعد لأولئك الذين دونه عن طريق تشابه المادة، من خلال الخيمة المصنوعة باليد. هذا إشارة واضحة إلى المعاينة الإلهية بكلمات لا توصَف، بعد التطهّر والاستنارة، والتعبير بهذه الكلمات التي يُنطَق بها باستخدام كلمات ومفاهيم وصور مخلوقة.

للقديس مكسيموس المعترف، أبي الكنيسة العظيم الذي لعب دوراً حاسماً في حياة الكنيسة، كلام مهمّ: “المعرفة بدون تجربة هي بالتأكيد لاهوت الشياطين“. هذا يعني أن اللاهوت هو نتيجة استنارة النوس ومعاينة الله، عندما يكشف الله نفسه للمتألّهين، لأولئك الذين عبروا بتطهّر القلب. ونتيجة لذلك، اللاهوت الذي ليس نتيجةً وانعكاساً لخبرة النوس واستنارته وللحياة العملية التي هي التطهر من الأهواء، هو لاهوت الخيال، الذي هو شيطاني بالتأكيد.

من هذا المنظور يفسّر القديس مكسيموس المعترف كتابات القديس ديونيسيوس الأريوباغي ويتحدث عن تدرجات المؤمنين الثلاثة، وفئات المخلَّصين الثلاثة. هذا هو التعليم النسكي عند القديس مكسيموس المعترف الذي نجده في كل كتاباته. إنه يشير إلى الاستيعاب الشخصي للخلاص ويقسمه إلى ثلاثة أجزاء، أي الفلسفة العمليةأو الخبرة؛ الثايوريا الطبيعيةأو الثايوريا؛ واللاهوت الصوفيأو اللاهوت. الفلسفة العملية، التي لها جانب سلبي وآخر إيجابي، تطهّر الإنسان من الأهواء وتزيّنه بالفضائل. الثايوريا الطبيعية تنير النوس بالمعرفة الحقيقية. واللاهوت الصوفي يتوّجه بأعلى تجربة، التي يسمّيها القديس ماكسيموس المعترف الابتهاج الغامر (ecstasy). وهكذا يشير تعليم القديس مكسيموس إلى درجات حياة النسك المسيحي الثلاث: المرحلة العملية، مرحلة الثايوريا، ومرحلة اللاهوت الصوفي. كما أنه يتحدث عن التقسميات الثلاث بين المسيحيين الذين يخلصون. في بعض الأحيان يشير إليهم بالمؤمنين، الفاضلين وأصحاب المعرفة الروحية، وأحياناً بالخدّام، الأجراء والأبناء.

القديس سمعان اللاهوتي الحديث، أب النور غير المخلوق، الذي استنار بخبرة الملكوت السماوي ومعاينة النور غير المخلوق، غالباً ما يشير في أعماله إلى تقدم الإنسان من التطهّر إلى الاستنارة والتمجيد. أحد أعماله الذي يلخّص لاهوته بأكمله عنوانه الفصول العملية واللاهوتية، لأن الخبرة هي تطهير القلب من الأهواء، أما اللاهوت فيشير إلى استنارة النوس ومعاينة النور غير المخلوق.

يقول في مقطع مميز أن الإيمان، ومخافة الله وحفظ الوصايا تجلب المكافآت بما يتناسب مع الطهارة“. “وبقدر ما نحن متطهرون، نرتفع من مخافة الله محبته“. نحن نتحرّك من مخافة الله تدريجياًإلى محبته. من ثم يحبنا المسيح والآب ويتقدمنا الروح القدس ليعدّ مكان سكن“. وهكذا بالوحدة الساكنة في الأقانيم نصبح مسكن الآب والابن والروح القدس“.

في حديث توجّه به القديس سمعان اللاهوتي الحديث لرهبانه عبّر عن فرحته في رؤية التقدم في حياتهم فيما تتقدمون في الإيمان والطهارة وخوف الله والتقوى والتوبة والدموع، التي بها يتطهّر الإنسان الداخلي ويمتلئ بالنور الإلهي، ويصبح بالكامل مقتنى من الروح القدس في نفس تائبة وفكر بسيط. ويصير فرحي بركةً لكم وازدياداً في الحياة المباركة التي لا تفنى في المسيح يسوع ربنا.”

نجم الكنيسة العظيم، القديس غريغوريوس بالاماس أثبت بلاهوته أن التقليد الهدوئي بتمامه هو شرط مسبق للتجربة الروحية لله ومعرفته. وهذا واضح من مقالته في الدفاع عن الهدوئية المقدسة، التي بها دمّر كل حجج السكولاستيكية الغربية، التي كان يرلعام يمثّلها، وأيضاً حجج كل البرلعاميين عبر العصور، الذين يريدون الإطاحة بإكليسيولوجيا آباء الكنيسة وبلاهوت وإكليسيولوجيا المجامع المحلية والمسكونية. ومن المثير للدهش أنه عندما أصبح مطراناً على تسالونيكي، وضع كلّ هذا التقليد الهدوئي المقدس في العظات التي ألقاها على قطيعه. هناك وفرة من المواد حول هذا الموضوع [وهي موجودة في نصوص أخرى ولا حاجة إلى تكرارها هنا]. والشيء الأكثر أهمية هو أن تعليم القديس غريغوريوس بالاماس الهدوئي عن المعاينة الإلهية ثبتته المجامع التي عُقِدَت في وقته، ولا سيّما مجمع 1351، الذي يُعتَبَر المجمع المسكوني التاسع.

من الواضح أن كلّ آباء الكنيسة المذكورين أعلاه، وكثيرين آخرين، يتحدثون عن التطهر والاستنارة والتمجيد، وعن الهدوئية المقدسة كشرط مسبق لا غنى عنه للنطق باللاهوت بطريقة أرثوذكسية. ولذلك فإن آراء لاهوتيي التخمين المتأثرين بالبروتستانتية الذين يزعمون أن الآباء تأثّروا بالنظريات الأفلاطونية الحديثة وغيّروا التقليد الذي سبقهم هو إهانة لهم. لقد كان كل هؤلاء الآباء على بيّنة من كونهم خلفاء الآباء القديسين في طريقتهم بالتفكير كما بطريقة حياتهم.

بالتأكيد، يبدو أن هناك تشابه خارجي في المصطلحات بين الآباء و الأفلاطونيين الحديثين، ولكن هناك فرق أساسي بينهما. إن تعليم الأفلاطونيين والأفلاطونيين الحديثين يشير إلى إله لا يحبّ الإنسان، لأن الحب عنده هو رغبة النفس الخالدة بطبيعتها بالعودة إلى عالم المُثُل غير المتجدد الذي سقطت منه. على النقيض من ذلك، يتحدث الآباء عن محبّة الله للإنسان.

إن نظرية الأفلاطونيين والأفلاطونيين الحديثين تقيم تمايزاً بين النفس الخالدة بطبيعتها والجسد المائت بطبيعته، وهو ما يعني أن النفس كانت تنتمي في السابق إلى عالم المُثُل غير المتجدد، وانحرفت عنه، لذلك تم إرفاقها في الجسد كعقاب. إذ تجد النفس نفسها في الجسد تسعى إلى التحرر والعودة إلى عالم المُثُل. وبالتالي، وفقاً للأفلاطونيين و الأفلاطونيين الحديثين، فإن تطهّر النفس هو في نفيها من الجسد؛ واستنارة النفس هي معرفة نماذج الكائنات أي الأفكار؛ وخلاص النفس هو الابتهاج الغامر وتحررها من الجسد.

لا تحمل هذه النظرة الأفلاطونية الحديثة أي علاقة بتعليم آباء الكنيسة، الذي بحسبه النفس هي خليقة الله وقد خُلِقَت من العدم مباشرة عند خلق الجسد. الجسد ليس سجناً للنفس، بل الله خلقه بطريقة إيجابية. إن الاستنارة هي الصلاة القلب النوسية، بعمل الروح القدس، وهي تتمّ داخل القلب، أي في الجسد. ليس الابتهاج الغامر رحيل النفس من الجسد بل تحررها من العقلية الجسدانية. أمّا التمجيد فليس عودة النفس إلى عالم المُثُل غير المتجدد، بل بالشركة مع الله والمعاينة الإلهية.

في خبرة الأفلاطونيين الحديثين لا يشارك الجسد البشري في رحلة النفس إلى الله. وهناك أيضاً يُشار إلى خبرة النور، لكنه نور يبقى منفصلاً وخارج الإنسان. إن له مكان ولون، وفي نهاية المطاف هو ضوء شيطاني. ومع ذلك، بحسب آباء الكنيسة، الاستنارة والمعاينة الإلهية هما اختبار للنور غير المخلوق. يشترك الإنسان في النور الإلهي ويختلط معه. لا تتحوّل النفس لوحدها بل ومعها الجسد أيضاً.

إذاً، إن خبرة الرواقيين والأفلاطونيين الحديثين ترتبط بالابتهاج الغامر بمعنى رحيل النوس من الزمن والمسافات وتعاقبات الفكر المرتبة“. ومع ذلك، بحسب الآباء، إن هذه الخبرة شيطانية، كما يقول الأب يوحنا رومانيدس. وبعبارة أخرى، يسعى الأفلاطونيون الحديثون إلى التحرر من أوجه قصور الفكر الإنساني، من الأشياء المخلوقة والمتغيّرة، في حين أنه في لاهوت الآباء، يشارك الإنسان بكليّته في خبرة التمجيد.

عندما يتحدث إفاغريوس البنطي عن نوس متحرر من الخيال والصور خلال الصلاة، هذا لا يعني لاهوت الأفلاطونيين والأفلاطونيين الحديثين السلبي. بل هو بشكل أساسي وسيلة لدحض نظرية الأفلاطونيين والأفلاطونيين الحديثين حول ما يسمى عالم المُثُل وعودة النفس إليه، ومعرفة نماذج الكائنات. الروح البشرية ليست نسخة من الأفكار. وعندما يتحدث القديس مكاريوس المصري عن عودة النوس إلى قلب الإنسان من تشتته في عالم الحواس وهذا ما طوّره القديس غريغوريوس بالاماس لاهوتياًإنما يقول ذلك لدحض نظريات الأفلاطونيين والأفلاطونيين الحديثين حول أن الجسد الميت بطبيعته هو سجن للنفس الخالدة بطبيعتها. یرید القديس مكاريوس أن یظھر أن الجسد هو خليقة إیجابية من االله وهو يتألّه مع النفس وسوف يُقام في المجيء الثاني للمسيح.

وعليه، من غير العادل وغير العلمي وغير التقليدي أن يساوى التعليم عن النوس المتحرر من الصور والخيال وعودة النوس إلى القلب بنظريات الأفلاطونيين والأفلاطونيين الحديثين، لأن تعليم الآباء يضحد هذه الآراء. من الواضح أن الآباء ومعلمي الكنيسة استخدموا هذا النوع من المصطلحات بهدف التعامل بفعالية مع آراء الهراطقة.

يقول القديس غريغوريوس بالاماس، في شرح تقليد الكنيسة الصحوي الهدوئي ومواجهة عقلية برلعام السكولاستيكية، أن الحكمة والفلسفة البشريتين هما عكس المعرفة الروحية. في الواقع، إنه يعلن أنّ كل البدع نشأت من الحكمة والمعرفة البشريتين، أي الحكمة الدهرية. “إذا تفحّصت المشكلة، فسوف ترى أنّ كلّ البدع المؤذية أو أكثرها تستمد مبادئها من هذا المصدر“. لقد استخدم الهراطقة مبادئ الفلسفة، في حين أن الآباء نطقوا باللاهوت من اختبارهم لله. وقد مكّنتهم نعمة الله غير المخلوقة وعاينوا الله، لا الأشياء المخلوقة والأوهام الشيطانية.

من المؤكد أن الآباء استخدموا مصطلحات عصرهم للتعبير عن خبراتهم، ولكنهم أعطوا معنى وأهمية مختلفين. لهذا السبب يكتب القديس غريغوريوس بالاماس: “إذا نطق أحد الآباء بشيء مطابق لما يقوله مَن هم خارجاً، فالمسألة مجرّد كلمات؛ في ما يتعلق بالمعاني هناك فرق كبير، لأن للآباء فكر المسيح، في حين أن الذين في الخارج، يتكلمون من الفكر البشري“. ويذكر كلمات النبي إشعياء (55: 9) “لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ، هكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ“.

هذا المقطع يبيّن أنه عندما نرى الآباء يستخدمون نفس المصطلحات كالفلاسفة، لا ينبغي أن نفترض أنهم يقولون نفس الأشياء. فقط الكلمات المنطوقة مشتركة في ما بينهم، في حين أن المعنى مختلف جداً. هذا أمر طبيعي، لأن للآباء فكر المسيح، في حين أن الآخرين يتكلّمون، في أحسن الأحوال، من فكرهم البشري، وفي أسوأ الأحوال (“ما لم يكن هناك أسوأ“)، من الطاقة الإبليسية الشيطانية.

كلام القديس غريغوريوس بالاماس هذا يوجّه ضربة لأولئك الذين يؤكدون أن الآباء قد غيّروا الإكليسيولوجيا البدائيةوأنهم يعبّرون عن التقليد الأفلاطوني الحديث. كل من ينشر مثل هذه النظريات يدلّ على أنه لا يعرف تعليم الآباء، بل معرفته سطحية خارجية، أو أنه يسيء فهمهم عن إدراك بطريقة بروتستانتية. في هذه الحالة إنه لا يشوّه الآباء وحسب بل أيضاً كل الكنيسة التي تبنّت تعليمهم مجمعياً في عبادتها.

هنا ينبغي إضافة كلام هام آخر للقديس غريغوريوس بالاماس. بالإشارة إلى أنواع الإلحاد الثلاثة، يضمّن القديس في إحدى هذه الفئات اللاهوتيين الذين ينكرون تعليم آباء الكنيسة القديسين أو يقللون من تقديره، فيكتب: “إن عدم الشك في الآباء المتوشحين بالله هو تقوى صحيحة“. ويشير إلى تعليم القديس ديونيسيوس الأريوباغي، الذي يدعوه عظيماً، كما تعاليم القديس أثناسيوس الكبير، القديس باسيليوس الكبير والقديس غريغوريوس اللاهوتي ويقول معلّقاً: “إن التعاليم اللاهوتية للقديسين المذكورين آنفاً هي تعريف وقانون لتقوى الله الحقيقية، وكل واحد منهم يكمّل، كما هو، السور والجدار اللذين يحميان التقوى ملتفّين حولها. لأنه إذا أزال أحد ما واحدة من هذه التعاليم اللاهوتية، فإن حشداً كبيراً من الضلال الهرطوقي سوف يفيض من هناك.”

يتحدث هذا المقطع عن التقوى الحقيقية وتوقير الله، وهو ما يتفق تمامًا مع تعاليم الآباء القديسين، الذين تعليمهم اللاهوتي هو تعريف للإخلاص الحقيقي، وقاعدة وحاجز للحماية. إلى هذا، يقول أنه عندما يرمي أحدهم تعليماً آبائياً واحداً، يحلّ حشد الضلال الهرطوقي“… وبالتالي، فإن التشكيك في تعليم القديس ديونيسيوس الأريوباغي والقديسين الأكثر حداثة يشكّل قلة احترام وانحرافاً عن التقليد الأرثوذكسي، وينتهي بالإلحاد، لأنه إنكار لإله آبائنا.

ه) التقليد الصحوي – الهدوئي والمجامع المسكونية

لقد اعتُمِد التقليد االهدوئي بقرارات المجامع المحلية والمسكونية وهو لاهوت كنسي موهوب. العقائد هي سجل اختبار الوحي، وترتبط القوانين بتعزيز وحدة الكنيسة، كما أنها تظهِر أيضاً متطلبات اختبار الوحي، ولا سيما تلك القوانين التي تعالج تنظيم توبة المسيحيين. يظهر كامل لاهوت المجامع المحلية والمسكونية في المجمع المسكوني الخامس السادس، وخاصة في كلمة الافتتاحوالقانونين 1 و 102.

كان للقديس غريغوريوس بالاماس دور قيادي في مجامع الهدوئية في القرن الرابع عشر (1341، 1347، 1351، 1368)، حيث حمل لاهوته الهدوئي كجوهر لاهوت جميع الآباء القديسين الأرثوذكسيين. هذه المجامع ثبّتت الهدوئية كشرط مسبق للقداسة والتألّه، كما صاغت عقائد عن لاهوت المشاركة في قوة الله المؤلِّهة غير المخلوقة. عندما يدرس المرء هذه المجامع، وخاصة مجمع 1351 الذي قبل قرارات المجمعين السابقين (1341، 1347) وهو يستوفي جميع متطلبات وصفه بالمجمع المسكوني التاسع، يدرك أن تقليد الكنيسة الصحوي الهدوئي العظيمة هو الحياة الإنجيلية والكنسية الأصيلة.

مَن يقرأ بعناية محاضر وقرارات مجمع 1351 يميّز بوضوح أن له كل صفات المجمع المسكوني، بما فيها واقع اعتنائه بمعالجة قضية عقائدية خطيرة، كتكملة لمجمعين المسكونيين الرابع والسادس؛ وأن الأباطرة وقعوا المحاضر وأن آباء المجمع أنفسهم يطلقون عليه اسم مجمع مقدّس إلهي“. لهذه الأسباب تمّ وصفه بالفعل على أنه المجمع المسكوني التاسع. إن محاضر هذا المجمع تجعل النقاط التالية واضحة بشكل خاص:

أولاً، تم تضمين محاضر مجمعي 1341 و 1347 وبهذا اكتسبا السلطة المسكونية. يرد في محاضر مجمع 1351: “… وبعد النظر في ما سبق ذكره ودراسته بطريقة دقيقة ومناسبة، وبعد تأكيد محاضر المجامع السابقة على أنه غاية في التقوى، أو بالأحرى على ضوء هذه المحاضر…” وبالتالي، فإن تُعتَبَر جميع هذه المجامع مجمعاً واحداً، وبطبيعة الحال، أدانت هذه المجالس وجهات نظر برلعام ومن بعده أكيندينوس وغريغوراس البرلعاميين.

ثانياً، يعتبر المجمع نفسه استمراراً للمجامع المسكونية السابقة، ولا سيما المجمع المسكوني السادس، الذي أعلن أن للمسيح إرادتين: إرادة إلهية وإرادة إنسانية. وهكذا، فقد ذكر المحضر المجمعي: “وقد ثبت هذا أيضاً إذ قد أعلنه القديسون بوضوح، برئاسة المجمع المسكوني المقدس، كما تمّ بالفعل إثباته بشكل كافٍ من خلال الإعلانات الخاصة التي تمّ إيرادها“. في الواقع، برلعام وومَن يشاركه عقليته، الذين يتحدثون عن قوة الله المخلوقة، يُوصَفون بأنهم أسوأ من أصحاب الإرادة الواحدة: “وهنا يظهر بوضوح أن هؤلاء أسوأ بكثير من أولئك [أي أتباع المشيئة الواحدة]”،أسوأ وأكثر فظاعة، لأن أصحاب المشيئة الواحدة أكدوا أن هناك في المسيح إرادة واحدة وقوة واحدة ولكنهم اعتبروا أن هذه القوة غير مخلوقة، في حين أن البرلعاميين يعتبرون أن في المسيح إرادة واحدة وقوة واحدة، ولكن من الواضح أنهم يقبلون أن هذه القوة مخلوقة“.

ثالثاً، تسجل المحاضر آراء برلعام وأكيندينوس وغريغوراس الهرطوقية والتي تتعلّق بالقوة غير المخلوقة ومشاركة القديسين المتألّهين في القوة غير المخلوقة. والشيء المهم هو أن مجمع 1351 أكّد أيضاً قرارات المجامع السابقة التي تشير أيضاً إلى الهدوئية المقدسة، وهي شرط مسبق لا غنى عنه لرؤية قوة الله غير المخلوقة. وهذا يعني أن هذه القرارات لا تشير إلى طبيعة النور غير المخلوق وحسب، ولكن أيضاً إلى الهدوئية المقدسة، الشرط الأساسي لرؤية النور غير المخلوق.

في المحاضر أن بارلام هاجم بشدة الآباء القديسين، الذين تطهرت قلوبهم بوصايا اللهوالذين يتلقّون إضاءات إلهية سرياً وبشكل لا يوصَف. كما هاجم بعنف الرهبان الذين يعيشون في الهدوئية“. لقد شوّه برلعام وأدان كتابةً العديد من عادات الهدوئيةوحتى انه هاجم صلاة الهدوئيين المعتادة، وصلاة جميع المسيحيين، وصلاة أيها الرب يسوع المسيح، ابن الله، ارحمني“.

يشير المجمع إلى العلاقة بين الهدوئية والصلاة ومعاينة النور غير المخلوق، الذي هو ملكوت الله نفسه. هناك مقطع مميز: “الهدوئية هي أمّ الصلاة. الصلاة هي ظهور المجد الإلهي. عندما نغلق حواسنا ونبدأ بالحوار مع أنفسنا ومع الله، ونحرر أنفسنا من تشوش العالم الخارجي، ندخل في أنفسنا، فسوف نرى بوضوح في أنفسنا ملكوت الله. «لأن ملكوت السماوات، الذي هو ملكوت الله، في داخلنا»، كما أعلن يسوع إلهنا“. ومن الواضح إذن أن معاينة ملكوت الله والخبرة الأخروية التي تبدأ في هذه الحياة ترتبط ارتباطاً لا انفصال له بالهدوئية. فالهدوئية ليست شيئاً دخيلاً على حياة الكنيسة في وقت لاحق، تحت تأثير الأفلاطونية الحديثة، وتخطى كما يُزعَم إكليسيولوجيا الكنيسة الأولى، التي كانت تقوم على الإفخارستيا الإلهية والشعور بملكوت الله. فالهدوئية على عكس ذلك هي الشرط المسبق لمعاينة النور غير المخلوق، كما أكّد مجمع 1351 الإلهي المقدس“.

لقد اعتمد برلعام على الفلسفة بشكل كبير بدلاً من اتباع تعليم الأنبياء والرسل والآباء. فاعتبر أن نور الألوهية الذي أضاء على جبل ثابور لم يكن غير مقتَرَب منه ولا هو حقاً نور الألوهية، ولا كان أكثر قداسة من نور الملائكة، بل هو دون فهمنا الخاص وأدنى منه“. وبعبارة أخرى، اعتبر برلعام أنّ كل المفاهيم والحقائق العقلية تفوق هذا النور نبلاً“.

رابعاً، توثّق المحاضر كل هذا اللاهوت في نصوص الكتاب المقدس العهدين القديم والجديد وفي تعليم آباء الكنيسة القديسين، كالقديس أثناسيوس الكبير، القديس باسيليوس الكبير، القديس غريغوريوس اللاهوتي، القديس غريغوريوس النيسسي، القديس يوحنا الذهبي الفم، القديس ذياذوخوس فوتيكي، القديس ديونيسيوس الأريوباغي، القديس مكسيموس المعترف، القديس يوحنا الدمشقي، القديس أندراوس الكريتي وآخرين غيرهم. تشير الاقتباسات من الرسل والآباء القديسين إلى الهدوئية المقدسة، والصلاة النوسية في القلب، واليقظة النوس الروحية، طهارة القلب، والصلة بين الهدوئية المقدسة وأسرار الكنيسة، معاينة النور غير المخلوق، والمشاركة في ملكوت الله. وبهذه الطريقة يثبت بشكل لا جدال فيه أن الاختبار الأخروي الوحيد لملكوت الله هو المشاركة من خلال الهدوئية المقدسة في مجد الله غير المخلوق، الذي هو معاينة النور غير المخلوق.

خامساً، أكد مجمع 1351 أحكام القطع العادلة التي أعلنتها المجامع السابقة ضد برلعام وأكينذينوس، لأنهما لم يتوبا. أولئك الذين يشابهانهما بالفكر وبكل بساطة كل الذين انتموا إلى فصيلهمعوقبوا كمروزين ومرفوضين من كنيسة المسيح الجامعة الرسولية، إلا إذا غيّروا اعتقاداتهم. كما فرضت حكم الفصل وجرّدت الكهنة من كل الوظائف الكهنوتية، إذا تشاركوا عن علم مع هؤلاء الهراطقة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن كلّ مَن يشالهدوئيين والقديس غريغوريوس بالاماس في المستقبل هو مدان. وفيما يتعلق بالموضوع الذي يهمنا، فإن قرارات مجمع 1351 تثبّت الإدانة السابقة.

ولكن إذا وجد في أي وقت شخص آخر يفكّر أو يقول أو يكتب نفس الأشياء ضد أسقف ثيسالونيكي الأكثر المقدسة [يرد في قرارات مجمع 1347:” الكاهن الراهب الأكثر جدارة غريغوريوس بالاماس والرهبان معه“] أو بالأحرى، ضد اللاهوتيين القدّيسين وهذه الكنيسة، فنحن نصوّت بنفس الأشياء ضده ونضعه تحت نفس الإدانة [التجريد من الكهنوت والحرم]، سواء كان كاهناً أو علمانيا ًعادياً“.

واضح من هذا المقطع أنّ الكنيسة اعتمدت مجمعياً كامل تعليم القديس غريغوريوس بالاماس والهدوئيين عن قوة الله غير المخلوقة والنور على ثابور، ولكن أيضا حول الهدوئية المقدسة. إذن، هذا ليس تعليم القديس غريغوريوس بالاماس بل تعليم الأنبياء والرسل والآباء، والكنيسة نفسها. ليس فقط في ذلك الحين بل أيضاً في المستقبل (“في أي وقت“) أي شخص يفكر أو يتكلم أو يكتب ضد هذه الأشياء، أي شخص ينكر الهدوئية المقدسة، المعاينة الإلهية وقوة الله غير المخلوقة، سواء كان واحداً من الكهنة أو العلمانيين، هو عرضة لنفس الطرد والحرم تماماً كما جرى لمعادي الهدوئية المعاصرين للقديس غريغوريوس بالاماس.

تظهِر هذه المحاضر بوضوح مطلَق أن الذين يدّعون أن آباء الكنيسة من القرن الثالث فصاعدا تأثروا بإكليسيولوجياأفلاطونية حديثةويزعمون أنّ إفاغريوس البنطي ومكاريوس المصري اكتشفاها وقدّماها، وكلاهما أثّر في وقت لاحق في الآباء اللاحقين، بشكل أدّى إلى رفض إكليسيولوجيا الإفخارستيا وملكوت الله البدائية والتغاضي عنها، هم في الواقع يعبّرون عن البدعة المُدانة من عند برلعام وأكيندينوس وغريغوراس. هم بالتأكيد برلعاميون، وهذا له عواقب وخيمة.

و) تقليد الفيلوكاليا

بعد المجامع الهدوئية في القرن الرابع عشر، فإن التقليد الهدوئي كله، والذي كانت الكنيسة قد تبنّته مجمعياً وأكّدت على أنه كطريقة حياة إنجيلي حقيقي، كنسي وآبائي، بحاجة إلى تدوين. وهكذا بدأ تجميع النصوص المختلفة وأخيرا تم تصنيف فيلوكاليا للقديسين الصحويين. هذا لم يغفل الأسرار، ولكنه سجّل المتطلّبات الكنسية الحقيقية للاشتراك بالنعمة من خلالها.

لقد جمع افيلوكاليا ونشرها القديس مكاريوس نوتاراس أسقف كورنثوس والقديس نيقوديموس الأثوسي. وتظهِر المقدمة التي كتبها القديس نيقوديموس الأثوسي، قيمة الفيلوكاليا الكبيرة إذ تحتوي على نصوص تبيّن للناس الوسيلة لاكتشاف نعمة المعمودية المقدسة والميرون. هذه النعمة موجودة في قلب المسيحيين المعمّدين، ولكن الأهواء تخفيها في الكثيرين منهم.

من الواضح أن فيلوكاليا القديسين الصحويين تحوي طريقة الإيمان الأرثوذكسي، وهي الهدوئية المقدسة. وترتبط هذه الطريقة ارتباطاً وثيقاً بأسرار الكنيسة المعمودية، الميرون، المناولة الإلهية المقدسةوتظهِر للناس طريق الوصول إلى التألّه. ويترتب على ذلك أن الأسرار والهدوئية ترتبطان ارتباطاً وثيقاً معاً. لذلك فإن مَن يقلّل من قيمة الفيلوكاليا، ويتحدث عنها بشكل مهين هو في الواقع يقوض كامل تعليم الكنيسة عن النسك، والذي تم تأكيده مجمعياً.

ز) اللاهوت الصحوي، أسرار الكنيسة وعبادتها

دخل التقليد الهدوئي كله إلى صلوات أسرار الكنيسة، خدمها المقدسة وعبادتها. ومن المعروف أن الكنيسة وضعت كل لاهوتها حول الأسرار في الصلوات التي تُتلى فيها. هذه الصلوات تظهر بوضوح هدف الأسرار وما هي الشروط المسبقة هي لاختبار هذا الهدف. والهدف من ذلك هو التقديس، والتألّه ومعاينة النور، والشروط المسبقة هي التوبة والتقليد الكنيسة الهدوئي بمجمله.

مَن يقرأ خدمة الصلاة على الموعوظيفهم الهدف من تعليم الموعوظين: “أبعِدْ منه كل روح شرير نجس مخفي ومعشش في قلبه“. “انزعْ عنه العتاقة، وجدده للحياة الأبدية، واملأه من قوة روحك القدوس للاتحاد بمسيحك“.

هذا يشير إلى خروج الشيطان بنعمة الله من أعماق قلب الإنسان المُقبِل على المعمودية، ومن كيانه المملوء بقوة الروح القدس، حتى يتّحد بالمسيح ويصير عضواً في جسده القائم.

تشير صلاة المعمودية إلى نداء المسيح العظيم وتذكّر بتعليم الرسول بولس: “امنح المعتمد فيه [الماء] أن يستحيل بخلعه الإنسان العتيق المنفسد بشهوات الخديعة وبلبسه الإنسان الجديد المتجدّد على صورة خالقه“. إن صلاة مباركة الماء الذي فيه سيعتمد الموعوظ لكي يصير مسيحياً تحتوي الكلمات الهامة التالية للمتقدم إلى المعمودية: “وإذا حفظ موهبة روحك القدوس وأنمى وديعة النعمة نال جائزة الدعوة العلوية وانضمّ إلى عدد الأبكار المكتوبين في السماء“. في صلاة تغسيل المعمود يقول: “أيها الرب… سرَّ مرتضياً أن تظلّ استنارة وجهك مشرقة في قلبه على الدوام“. هذه وغيرها من الطلبات إلى الله تتطلّب الجهاد مدى الحياة في التقليد الهدوئي الصحوي. من خلال المعمودية المقدسة، الله الثالوث يعطينا التنقية المباركة، ومن خلال المسح بالميرون المحيي يمنحنا ختم موهبة الروح القدس المسجود له والقادر على كل شىء“.

يوجد مقطع مميز جداً من خدمة اقتبال الأرثوذكسي الجاحد المرتدّ إلى الإيمان الأرثوذكسي: “فأَنِر ذهنه بقوة وفعل الروح القدس، حتى أن شرارة المعمودية الخلاصية الباقية في نفسه تلتهب عقلياَ بنسمات النعمة، والختم المرسوم فيه يتّضح بالأكثر في قلبه وفي أفكاره، بعلامة صليب مسيحك، للرجاء بك ولمعرفة الحق، لكي يعرفك ويسجد لك أنت وحدك الله الآب وابنك الوحيد، ربنا يسوع المسيح وروحك القدوس“.

يقرأ البطريرك المسكوني صلاة تعبيرية جداً لتقديس الميرون المقدس الذي به يتم سر المسحة: “أرسل روحك القدوس وقدّس هذا الميرون. اجعله زيتاً للابتهاج بالروح القدس، ميرون التجديد، ميرون التقديس، والمسحة الملكية، ترس البر، لضحد كل القوى الشيطانية، ختماً سلامياً ، سعادةً للقلب وفرحاً أبدياً. أمّا الممسوحون فاجعلهم لامعين كمثل كوكب السماء، من دون بقعة أو عيب، وليُستَقبَلوا في أماكن الراحة الأبدية، ويحصلوا على مكافأة الدعوة العلوية“.

إن سر المسحة، الذي يقام بالميرون المقدس، مرتبط بتجدد البشر. إنه رداء ملكي، منع لكل القوى الشيطانية، وختم لا يمكن تعويضه وسعادة للقلب. إنه ينير نفس الإنسان ويعطيه مكافأة من الدعوة العلوية. إن صلاة تكريس الهيكل المقدس هي أيضا مهمّة. عندما يصلي الأسقف إلى الله لتدشين مبنى الكنيسة، في الوقت نفسه يلتمس الله تجديد البشر في مكان قلبهم: “وأن ترسل روحك الكلي قدسه علينا وعلى ميراثك وحسبما يقول داود النبي روحاً مستقيماً جدد في قلوبنا وبروح رئاسي اعضدنا.”

وفي صلاة تجديد بناء كنيسة حتّى يصير فيها المؤمنون مشاركين بالروح القدس وحتى تقدّم التقدمات النوسية في أعماق قلوبهم من خلال تطهير نوسهم: “… احفظها (الكنيسة) إلى آخر الزمان وجددها بروحك القدوس، حتّآ أننا فيها نقدّم لك القرابين غير الدموية ونصير مشاركين بالروح القدس ونتجدد في دواخلنا ونتقوّى في ملكة عقولنا، وامنحنا أن نقدّم لك سرياً أيها الإله الرب، القرابين العقلية من خلال تطهير النوس“. هذه إشارة واضحة إلى الكهنوت الروحي، إلى طقس حلول النوس في القلب عن طريق تطهير القلب الذي هو جوهر اللاهوت الصحوي.

عند قراءة صلوات الاشتراك في جسد المسيح ودمه، الموجودة ضمن صلوات القداس الإلهي، كما في صلاة الاستعداد للمناولة، يجد كل الممارسة الهدوئية كشرط مسبَق للمناولة. إحدى الصلوات النموذجية: “أيها السيد المحب البشر، إيّاك نودع حياتنا كلّها ورجاءنا، ونطلب ونتضرّع ونسأل أن تؤهّلنا لأن نتناول بضمائر نقيّة أسرارك السماوية المرهوبة، أسرار هذه المائدة المقدّسة الروحيّة، لصفح الخطايا، وغفران الزلاّت، وشركة الروح القدس، وميراث ملكوت السماوات، والدالة لديك، لا لمحاكمة ولا لإدانة.” نقاوة الضمير ليست أمراً يتمّ في تلك اللحظة. إنه يفترض مسبقاً الجهاد للتطهّر وهذا أساسي للمناولة المقدسة، حتى لا يكون لمحاكمة أو لإدانة” بل لشركة الروح القدس، وميراث ملكوت السماوات“.

صلاة القديس سمعان اللاهوتي الحديث قبل المناولة هي صلاة نموذجية. التواضع والجهد النسكي يأتيان أولاً ومن ثم يُسعى إلى غفران الخطايا، حتّى يجلب جسد المسيح ودمه التألّه والتقديس: “انظر إلى ذلّي. أنظر إلى تعبي، ما أكثره. واغفر لي خطاياي جميعها، يا إله الكلّ. لكي أتناول بقلب طاهر وذهن مرتعد ونفس منسحقة أسرارك الكليّة النقاوة، التي بها يحيا ويتألّه كلّ مَن يأكلك ويشربك بقلب نقي“.

إن هذه الصلاة بأكملها تعبّر عن التوبة والدموع والنفس المنسحقة، لكن في الوقت نفسه يتطلّه المصلّي نحو محبة الله للبشر. إنه يطلب رحمة الله لأنه يعرف أن المناولة المقدسة تعمل بحسب حالة المتلقّي الروحية، أي بتعبير آخر، إنّها تطهّر وتنير وتقدّس. “لكنّك تطهّر وتضيء بزيت شفقتك التائبين بحرارة، وتجعلهم شركاء النور، وتقيمهم شركاء ألوهيتك بسخاء. والأمر المستغرَب عند الملائكة وأذهان البشر أنك تخاطبهم مرّات كثيرة كأحبّاء لك أخصّاء“.

نحن نرى كل هذا التعليم النسكي في عبادة الكنيسة. في قراءة الطروبريات التي ترتّل يومياً في الخدم في الكنيسة، نجد وفرة من المواد عن تطهّر القلب واستنارة النوس والتألّه. سوف أورد مثالاً مميزاً من قانون العنصرة الذي هم من عمل القديس يوحنا الدمشقي، لاهوتي القرن الثامن العظيم: “إن الألكن اللسان لما انحجب في الغمام الإلهي كرز الشريعة المدوّنة من الله لأنّه نفض الحمأة عن حدقة العقل، فعاين الموجود وحاز معرفة الروح ناشداً تسابيح إلهية“.

يظهر في هذه الطروبارية كل لاهوت كنيستنا الممتاز. موسى، وكل معايني الله من آباء الكنيسة، اعتُبر مستحقاً لأن تغطيه العتمة الإلهية وأن يعاين ذاك الذي هو، ملاك الرأي العظيم، الكلمة المتجسّد، الذي هو اللاهوتي الحقيقي، متى طرح عن عيني نوسه كلّ نجاسة من الأهواء وكل فكر أرضي“. متّبعاً هذه الخبرة والثايوريا، يتأسس في معرفة الروح التي هي سر مكتوم عن غالبية الناس. من ثم يعلن بفصاحة الناموس الذي وضعه الله، مع أنه بطبيعته بطيء اللسان، ويمجّد الله بترانيم موحى بها. هذا يصير لكل قديس يحمل الله. اللاهوت الأرثوذكسي، الصلوات والخدمة الرعائية تأتي جميعاً ضمن هذا المنظور.

كل المادة التي في السنكسار، أي سيَر القديسين والنساك والشهداء وكل القديسين بشكل عام، تظهِر أن القديسين اتّبعوا طريقة الحياة النسكية والهدوئية من خلال التوبة والإيمان ونقاوة القلب واستنارة النوس ومحبة الله وقبِلوا الشهادة كنتيجة للثايوريا.

إن صلوات الكنيسة اليومية تخطّ هذا الطريق من التطهّر إلى الاستنارة فالتمجيد، الذي هو العلاج الوحيد للكائنات البشرية. من المذهل أن الكنيسة تريد أن يحيا المؤمنون بالسهر الروحي ليس أثناء يقظتهم وحسب بل أيضاً اثناء نومهم. في صلاة النوم الصغرى يسأل المؤمنون الله أن يرسل نعمته ليوقف جماح الأهواء ويمنحهم عقلاً ساهراً وفكراً طاهراً وقلباً مستيقظاً ونوماً خفيفاً معتقاً من كل تخيّل شيطاني“. هذا يعني أن الكنيسة تريد أن يكون المؤمنون ساهرين، أن يكون لهم قلباً طاهراً وساهراً، حتى خلال النوم. على المسيحيين أن يعيشوا التقليد الهدوئي حتى أثناء راحة أجسادهم. فكم بالحري ينبغي أن يكون ذلك خلال النهار.

ز) تفسير الأب يوحنا رومانيدس

إن نظرة اللاهوتيين والفلاسفة الجدد، التي أُشير إليها في بداية هذه المقالة، حول الإكليسيولوجيا المزدوجة المزعومة، التقليد الأولو اللاحق، يقوض كلّ تقليد الكنيسة كما هو مُعبَّر عنه في الكتاب المقدس، وتعليم الآباء، وعبادة الكنيسة وقرارات المجامع المسكونية. أساساً، يشير هذا التقليد إلى التطهر والاستنارة والتألّه واختبارقوة الله المطهّرة والمنيرة والممجدة. إن النظرة المغرورة هذه هي خطر يريد تدمير هيئة الكنيسة الروحية وتغيير كامل اللاهوت الأرثوذكسي.

إن السؤال الذي يُطرح هو كيف وصلت هذه الجرثومة والتلوّث الروحيين إلى الكنيسة الأرثوذكسية.

الجواب هو أن العديد من اللاهوتيين أو المفكّرين الذين كانوا طلاباً في الكليات البروتستانتية وكان معلموهم بروتستانتيين، وكانوا يجلّونهم، أو الذين درسوا التحليلات البروتستانتية، من دون معرفة كافية لتقليد الكنيسة الأرثوذكسية الصحوي، جلبوا من دون تمييز هذه الآراء بشكل عشوائي إلى بيئة اللاهوت الأرثوذكسي والكنيسة الأرثوذكسية. ونتيجة لذلك، تأثر أفراد كائن الكنيسة الحي. الأب يوحنا رومانيدس، الذي التقى هذه العقلية في الكليات البروتستانتية في أمريكا، قدّم الملاحظة التالية: “ويرى البعض أن التعليم عن الكمال بحسب آباء الكنيسة المقدسة هو من أصل وثني، وأن آباء الكنيسة تأثروا بهذه الفوارق بين التطهر والاستنارة واللتمجيد، لأن هناك أوجه تشابه في الأفلاطونية الحديثة أيضاً، حيث يوجد هذا التقسيم بين مراحل الكمال بوضوح. وبسبب التشابه، تبنّى شعبنا هذه النظرة التي تأتي أساساً من دراسات قام بها بروتستانتيون.

بعد رفض الرهبنة واعتماد قدرية كالفن أو تعليم لوثر عن خلاص الإنسان بالإيمان وحده، واجه البروتستانت شكلاً من أشكال الرهبنة في التقليد الذي واجهوه (الفرانكو لاتيني)، الذي كان قائماً على الاستحقاقات. بعد اكتشافهم أن التعليم عن الاستحقاقات خاطئ، أدانوه ومعه البتولية والرهبنة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن لوثر بشكل أساسي، وكالفن أيضاً، أثارا ردة فعل ضد مراحل الكمال. لاحقاً، درس المؤرخون البروتستانتيون هذه المسألة، وكانوا سعداء جداً لإيجاد التشابه المدهش بين التعليم الآبائي وتعليم المشركين فأكّدوا أن أصل التعليم عن مراحل الكمال وثني.”

لأن شعبنا متشوقون للذهاب والدراسة في الجامعات الأجنبية أنا لا أقول أنه لا ينبغي أن يذهبوا ويدرسوا، ولكن أقلّه فليمارسوا تقييمهم، لأنهم يذهبون إلى الجامعات الأجنبية من دون تمحيصفأنتم ترون الآن كتابات اللاهوتيين الأرثوذكسيين ممتلئة بهذه الفكرة، أنتم ترونها في كل مكان، بأن الكنيسة قد تأثرت بالوثنيين، ولا سيما فيما يتعلق بمراحل الكمال“.

هذا التفسير محفّز ومعبّر وغير قابل للإصلاح.

4. الخلاصة

أشرنا إليها في بداية هذه المقالة إلى الطريقة الهرطوقية بالتفكير، عن النوعين المزعومين للإكليسيولوجيا حيث النسخة الأخيرة تنقلب على البدائية، أو على الأقل أنهما تتواجدان متوازيتين جنباً إلى جنب. بتقديري، هذه الطريقة الهرطوقية بالتفكير تتطوّر بشكل بغيض ولكن علمياًداخل كنيستنا. للأسف عدد قليل من الناس يتنبذهون لهذا المرض الروحي. الغالبية مشغولة بمسائل سطحية، مثل الحريات الإنسانية الفردية وحقوق الإنسان الفردية، أو العقلية بعض رجال الدين والعلمانيين المسكونية، وهي أمور بالطبع خطيرة أيضاً في طريقهم. ومع ذلك، إنهم يتجاهلون هذا التخريب للاهوت الأرثوذكسي، الذي سببه التفسيرات الخاطئة، المهينة والافترائية بحق آباء الكنيسة.

ومن الواضح تماماً أن هذه الهرطقة التي يجري تصنيعها تخفي الإنسانوية البروتستانتية الغريبة عن التقليد الأرثوذكسي. يوجد محاولة لتفكيك التقليد الأرثوذكسي كله كما تمّت صياغته في الكتاب المقدس، وعبّر عنه آباء الكنيسة العظام، وتبّتته المجامع المسكونية، وودوِّن في كتب الصلوات وفي عبادة الكنيسة. إن الذين يؤيدون هذه النظريات لم يفهموا شيئاً عن جوهر اللاهوت الأرثوذكسي.

إلى هذا، إنّ الذين يعلّمون نظريات ما يسمى ب الإكليسيولوجيا والروحانية المزدوجتينعاجزون عن فهم التعليم الآبائي الأساسي بأنّ خبرة التألّه التي لا تصفها الكلمات، بحسب الرسول بولس، ليست هي نفسها كالتعبير عن هذه الخبرة الموحى بها بكلمات ومفاهيم مخلوقة، بحسب ما اعتاد الأب يوحنا رومانيدس قوله، لأن الآباء القديسين يعتمدون، عند الضرورة، مصطلحات العصر للتعبير عن خبرة التألّه المعلَنة. هذا ما ذكره القديس مكسيموس المعترف: “إن نوساً نقياً يرى الأشياء بشكل صحيح. الكلام الذي يمارسه يظهِر ما يعاينه“.

إن تقليد الكنيسة، كما هو مبين في سينودكون الأرثوذكسية، يعلن بوضوح: “كما رأى الأنبياء، كما كان يدرس الرسل، كما تلقت الكنيسة، كما المعلمين المنصوص عليها في العقائد، كما أن العالم كله كما اتضح من الحقيقة، لأن الخطأ قد نفي، لأن الحكمة تجعل جريئة أن تعلن، كما قرر المسيح، لذلك نعتقد، لذلك نحن نتكلم، لذلك نحن نبشر المسيح إلهنا الحقيقي وهذا هو إيمان الرسل، وهذا هو إيمان الآباء، وهذا هو إيمان الأرثوذكسي، وهذا الإيمان قد أقامت العالم كله “.

The tradition of the Church, as it was set out in the Synodikon of Orthodoxy, clearly proclaims: “As the Prophets saw, as the Apostles taught, as the Church has received, as the teachers set out in dogmas, as the whole world has agreed, as grace has shone forth, as the truth has demonstrated, as error has been banished, as wisdom makes bold to declare, as Christ has decided, so we think, so we speak, so we preach Christ our true God… This is the faith of the Apostles, this is the faith of the Fathers, this is the faith of the Orthodox, this faith has established the whole world.”

ويوضح هذا النص أن خبرة وتعليم الأنبياء والرسل والآباء متطابقة، لذا لا يوجد مجال لـِإكليسيولوجيا مزدوجة، أو نوعين من الإكليسيولوجيا المزعوم أنها تتعارض مع بعضها البعض، وإلا فإن الواحدة تحطّ من قدر الأخرى، أو حتى أن الاثنتين تتحرّكان بموازاة بعضهما. هذه النظريات يعبر عنها البروتستانت أو الدوائر البروتستانتية، وهي تقوّض الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية نفسها.

في الواقع يوجد إكليسيولوجيا واحدة، هي تلك التي عاشها الأنبياء والرسل وآباء الكنيسة. الكنيسة هي جسد المسيح القائم والصاعد. المسيح الممجّد هو مركز الكنيسة، كما عاينه التلاميذ على جبل ثابور، واكتسبوا الشركة معه في العنصرة بقوة الروح القدس. هذا هو مفتاح الحياة الكنسية. لكن المشاركة في هذ الجسد والبقاء فيها تتحقق من خلال الأسرار والنسك. الشرط المسبق لاختبار نعمة الله من خلال الأسرار هو الهدوئية المقدسة، وبعبارة أخرى، التطهر والاستنارة والتمجيد.

من دون هذه الدمج بين أسرار والنسك تنشأ مشكلة كنسية كبيرة. وهذا يعني أن المشاركة في الكنيسة دون قيد أو شرط بمجرّد المشاركة بالقداس الإلهي والزعم بوعي ملكوت الله من دون مراحل المشاركة في جسد المسيحهو وثنية إفخارستية وإكليسيولوجية” (الأب يوحنا رومانيدس)، إذ يُنظَر إلى الاشتراك في الأسرار على أنه أمر عقائدي، وقبل كل شيء ممارسة سحرية. نظرة كهذه تحبّذ الفاتيكان والبروتستانتية، ويتم الترويج لها بعقلية مسكونية. لذلك هي بدعة كبيرة يتمّ صنعها في الكنيسة، وهي تهدف إلى تجاهل التعليم النبوي، الرسولي والآبائي الحقيقي، وبعبارة أخرى، اللاهوت الكنسي. وهذه البدعة تُسمّى ما بعد الآبائية (post-patristic) “.

يتّضح مما سبق أن الذين لم يفهموا حتى الآن ما هو اللاهوت ما بعد الآبائيوما يمثله حتى الآن يمكنهم أن يدركوا الآن على ضوء المكتوب هنا جوهر لاهوت ما بعد الآباءالمستورَد. إنّ الذين ينتجون هذه النظريات في الواقع يعتبرون أن آباء الكنيسة المتوشحين بالله منذ القرن الثالث وصاعدا كانوا مضللين بالتقاليد الأفلاطونية الحديثة، والآن ظهر هؤلاء اللاهوتيون الأكثر حداثة، الذين فهموا خطأ هؤلاء الآباء العظماء ويريدون بطريقة بروتستانتية، أن يعيدوا الكنيسة إلى فترة ما قبل القرن الثالث.

إن أولئك المهجوسين بمثل هذه الآراء يظهرون أنهم في الواقع منزعجون من الهدوئية، ومن كل شيء له علاقة بها، بالتطهر والاستنارة والتمجيد، وأنهم يريدون أن ترفض هذه الإكليسيولوجيا، حتى يتحزّروا عن الله والأمور الإلهية. ولكن، إذا رفض أحد شروط اللاهوت الأرثوذكسي المسبقة، أي الهدوئية المقدسة، فإن الطريق تصير مفتوحة وواسعة أما لاهوت الكاثوليك والبروتستانت المدرسي والأخلاقي للوصول إلى الكنيسة الأرثوذكسية.. في الواقع هذا هو العلمانية في الكنيسة واللاهوت، أو بالأحرى، علمنة اللاهوتيين الأرثوذكس.

نيسان 2011

العلم في مدى الأرثوذكسية

العلم في مدى الأرثوذكسية

ديمتريوس غريغوروبولوس

هناك انطباع يبلغ عند البعض حدّ الاقتناع بأن الدين والعلم يتعارضان، بقدر ما يُعتَقَد أن الدين أدان مرات عديدة البحث العلمي. مهما كان هذا صحيحاً، فهو لا يتعلّق بأي طريقة بالأرثوذكسية أو حياة الكنسية الأرثوذكسية، وهذا لسببين:

بحب الكنيسة الأرثوذكسية، المسيحية ليست فلسفة ولا إيديولوجية ولا مجرّد قانون كنسي. هذا يعني، أنها ليست دينًا (religion) بالمعنى اللاتيني للكلمة (مصدرها ريليغار Religare” أي الخضوع للقواعد والقوانين). ففي اللغة اليونانية، الإيمان هو ثريسكياالتي تعني ببساطة الصعود”.

تمارس الأرثوذكسية في حياتها الكنسية الحقائق أو الوقائع التي أُعلنَت عن المسيح. يتّخذ القديس سمعان اللاهوتي الحديث موقفاً مميزاً حيث يرفع خبرة الحياة المسيحية فوق الكلمة المكتوبة من الكتاب المقدس. وفيما يتعلق بالأرثوذكسية، فإن الشعور الديني الناشئ عن عالمنا هو الدافع الأقوى والألطف للبحث العلمي. البحث هو النتائج أو الاستنتاجات التي تخدم الإنسان وتوجهه نحو الحقيقة؛ لأن الحقيقة تُكشَف جزئياً وتعتمد على كيف وأين نبحث عنها. عالم الفيزياء الشهير، روبرت ماير، الذي غالباً ما يُشار إليه باسم نيوتنفي القرن التاسع عشر، ذَكَر بكل وضوح أنّ الحقيقة بحد ذاتها وذاتها أبدية وما هو أبدي لا يمكن تعريفه أو إثباته“. بالنسبة إلى الأرثوذكسية، فإن الحقيقة هي المسيح وتحديداً المسيح المصلوب كمخلص للانسانية، وهي حقيقة يرى القديس بولس أن الأمم يعتبرونها جهالة والعبرانيين خزياً. أصبح الله الإنسان ليرفع الإنسان إلى حالة الإله، ولكن ليس الله.

أما بالنسبة للأرثوذكسية فلا يوجد نزاع بين الأرثوذكسية والعلوم. على العكس من ذلك، يتم التعبير عن موقف الأرثوذكسية في المسائل المتعلقة بالعلم والتكنولوجيا، على كل المستويات في الحياة الأرثوذكسية. كتاب صلاة الكنيسة الأرثوذكسية (إفخولوجيون) مليء بالإشارات إلى إنجازات الإنسان في المجالات العلمية والتكنولوجية. عيد العنصرة المقدسة هو للعالم يوم التنوير والحكمة، وفيه يُشاد بيسوع المسيح كسيّد جميع الحرف (بانتيشنيمون) أي الذي يلهم الإنجازات العلمية ويحمي ببركاته العمل العلمي.

يترتّب على هذا الموقف نتيجة لاهوتية يعبّر عنها اللاهوتي الروسي العظيم جورج فلوروفسكي بأن البشرية والكون هما فيض محبة الله. بحسب الفيلسوف الفرنسي سيمون ويل مهما كانت سرعة الإنسان في الابتعاد عن المسيح نحو ما يعتقد أنه الحقيقة – هو في الواقع يتحرّك مباشرة الى المسيح“. في اطار الارثوذكسية، العمل العلمي مبارك بقدر ما يسبر العلم عمق المجهول بهدف مساعدة البشرية على فهم الكون وكذلك مكان الإنسان فيه.

وفي ضوء ذلك، يقول العالم الألماني يوهان مادلر: “من المؤكد أن العالِم الحقيقي الذي يبحث من خلال أدوات شعوره الديني الكونية يمكن أن يرى أن للعالم روح منحه إياها الله، وفيما يسير نحو وجهته النهائية، يكون مدعوماً بمحبة الله الكونية. يمكن أن يقال الكثير لإسناد المعنى والأهمية التي تعطيها الكنيسة الأرثوذكسية للعلم الذي هو هبة من الله بحسب الموقف الأرثوذكسي. من المفيد الإشارة إلى العبارة المكتوبة فوق باب مدرسة أثوس من القرن الثامن عشر، وهي تعود للفيزيائي اليوناني والذي كان لاهوتياً أرثوذكسياً ورجل آداب، آفيانيوس فولغاريس: “مَن يرغب في دراسة الهندسة (geometry) يمكن أن يدخل؛ ولن يواجه أي عقبة. أمّا مَن لا يرغب فسيجد الأبواب مغلقة“.

لا يجد فولغاريس أي صراع بين اللاهوت والعلوم. لا بل على العكس يجد انسجاماً بينهما، ويبحث عن عن تقييم دوريها وأهميتهما. وإلى ذلك، لا يسمح لأولئك الذين باسم العلم، يحاولون فرض أبعاد أخرى على دور العلم واللاهوت. في مقدمة كتابه لاهوتيات Theologikon” يقول من بين أمور أخرى: “هل المنطق والمذاهب الفلسفية يهملون اللاهوت؟ بالطبع لا، لأن كل هذه تخدم اللاهوتي، وكما ثبت، فإن الإيمان المسيحي لا يسقط منطقاً، ولا رأياً، ولا اقتراحاً ولا حظراً، لأن اللاهوت يمكن أن يستشهد بأمثلة من الكتاب المقدس، كما من آباء الكنيسة الأرثوذكسية، مظهراً الخطأ في النظريات الفلسفية والمذاهب المختلفة. بالإضافة إلى ذلك، يقبل اللاهوت تصريحات كل شعوب العالم ويأخذ القيّم من العلم والفلسفة. هذا يخدم هدف تزيين أخلاق المؤمنين (دون قبول العقائد الغريبة) بنفس الطريقة التي أمر بها الله اليهود زيين هيكلهم بالقطع الأثرية المصرية“.

معاصر آخر لفولغاريس، نيكيفوروس ثيوتوكيس، أسقف في روسيا وعالم فيزياء ورياضيات، يتحدث بثقة عالِم طبيعي في كتابه الشهير كيرياكودروميون، حيث يحاول تفسير أناجيل ورسائل الآحاد. يستخدم هذا الرجل معرفته بالفيزياء ليرفع نفسه ومن ثم رعيته إلى مدى غير المدرَك”. إنه هو الرجل الذي أدخل العلوم الطبيعية في اليونان ودرّس عن الله مستخدماً تقنية الاستقراء (induction) العلمية.

عند هذه النقطة يمكننا أن نتذكر ألبرت أينشتاين. لقد فصل أدوار العلم واللاهوت، وكذلك معنى كل منهما، بالقول أن العلم بدون دين أعرج، ولكن الدين بدون العلم أعمى“. على الأكيد أن أينشتاين يشير إلى الدين وليس إلى اللاهوت الأرثوذكسي.

ويمكننا أن نقدم العديد من الأمثلة على مواقف مثل مواقف فولغاريس وثيوتوكيس من تصريحات أدلى بها آباء الكنيسة وعلماء اللاهوت الروس مثل بولغاكوف وباردييف وفلوروفسكي ولوسكي وغيرهم. يجب ألا ننسى أنه حتى خلال الفترة البيزنطية كانت هناك أهمية كبيرة للعلم والحرف والرسائل. بالنسبة للعديد من الباحثين، إنجاز الفترة البيزنطية كان مزيجاً من العنصر اليوناني والمسيحي القديم الذي هو أساس الحضارة العالمية اليوم.

حتى في العالم غير الأرثوذكسي اعتمد العديد من العلماء العظماء مواقف الكنيسة الأرثوذكسية، حتى من دون أن يكونوا على بينة من ذلك. للدلالة، يمكننا تقديم والد علم النبات كارك ليناوس الذي يكتب في مقدمة كتابه نظام الطبيعة“: “إن هدف الخلق هو معرفة الله العجائبية كما هي في أعمال الطبيعة التي لا يمكن أن يتعرّف إليها أحد غير الإنسان“. تذكرنا هذه الكلمات بقول القديس بولس: “لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ“. ليست هناك حاجة لمزيد من الإضافات، إذا تذكّر المرء كلام إدينغتون وماكس بلانك أن قوانين الطبيعة هي سبل ووسائل التعبير عن إرادة الله“. لا تسقِط الكنيسة الأرثوذكسية المنطق ولا الأساليب العلمية وإنجازاتها، ولكنها تميّز الهدف بوضوح. بالقداس الإلهي وخاصة بالمناولة المقدسة، تعيش الكنيسة الأرثوذكسية الحقيقة وتوجّه الإنسان نحو القداسة. إنها تقبَل أن على الإنسان يخلُص من خطاياه، أي من فشله، لأن الخطيئةتعني الفشل في اليونانية.”

الإنسان ككيان منطقي فشل في أن يصبح مشابهاً لله بسبب إهماله. ولكي يستعيد مكانه الأصلي في الخليقة، يجب أن يكون حراً تماماً، ويطلب نعمة الله، التي صارت متاحة له من خلال صلب المسيح.

والأطروحة كما ينظر إليها أوغست كومت في نظريته عن الوضعية ستكون مملكة المنطق الخالص، مملكة العقل وموت القلب. ولكن المرء يتردد في تخيّل الإنسان في منصبه. وبالنسبة لجميع الذين يرفضون الإيمان بالحقيقة المعلَنة لمجرد أنه لا يمكن إثباتها بالأساليب العلمية، تكرر الكنيسة الأرثوذكسية: “طوبى للذين آمنوا ولم يروا، وهؤلاء هم مباركون لأن ما يلزِمهم ليس البرهان بل نيّتهم ضمن الحرية الكاملة.

قال العالم الإنجليزي السير جيمس سيمبسون: “إن أكبر اكتشافاتي كان خلاص نفسي، أي الشعور بأنني خاطئ وأن يسوع المسيح هو مخلصي“.

موقف العلم ضمن الأرثوذكسية مذكور بشكل جميل على حجر قبر إسحاق نيوتن: “هنا يكمن إسحاق نيوتن، بلا كلل، عبقري وباحث مخلص في الطبيعة والتاريخ والكتاب المقدس، بحكمته أثبت عظمة الله وحياته عبّرت عن بساطة الإنجيل “.

قد لا توجد طريقة أفضل للختام من فقرة من عمل دوستويفسكي القبو، حيث يسأل نفسه والقارئ: “يحب الرجل من دون أدنى شك أن يخلق ويفتح آفاقا جديدة. ولكن بعد ذلك لماذا يرغب بشغف بالدمار والفوضى؟ أمن الممكن أنه يحب الكثير من الدمار والفوضى لأنه يخشى الوصول إلى أهدافه والانتهاء من بناء عمله؟ مَن يعلم؟ ربما يحب أن ينظر إلى عمله من بعيد وليس من نقطة قريبة. ولعل أهدافه على هذه الأرض التي يحاول الوصول إليها ليست سوى عملية لا نهاية لها للنجاح والأهداف نفسها. هذا بطبيعة الحال، هذه العملية ليست سوى حساب مثل 2 + 2 = 4، أي أنه قانون العالم الفاسد. وإذا كان هذا هو الحال، فهذه ليست الحياة بل بداية الموت“.

قد تكون أفكار ماكسويل مثل أفكار دوستويفسكي. لذلك في صلاته يطلب من الله أن يعطينا علم الرحمة.

الاستحقاق

الاستحقاق

الأب أنطوان ملكي

ما مفعول كلمة مستحق؟ هل حجبُها يؤثّر على السيامة؟ في إطار أوسع، هل يستطيع الشعب أن يردّ بأن المُسام غير مستحق، خاصةً إذا كان يُسام أسقفاً انتخبه المجمع؟ هذه الدراسة السريعة مساهمة في الإجابة على هذه الأسئلة على ضوء تقليد الكنيسة الأرثوذكسية.

إن المشاركة في ترتيل مستحق، حدث ينتظره الكثيرون ويثير الحماسة في المؤمنين. الكثلكة ألغت هذه الممارسة من زمان ومنها انتقلت إلى إلغاء دور الشعب بالكليّة. في الكنيسة الأرثوذكسية ما زالت الممارسة قائمة مع بعض الجدل حول فعاليتها خاصةً أن مستوى التعاطي الجدي معها يختلف بين كنيسة وأخرى.

بين الاختيار والسيامة

إن اختيار الأساقفة عملية مختلفة عن سيامتهم. في وقت ما كان الشعب يسمّي أو يشارك في تسمية المرشّحين، لكن الكنيسة عرفت خيارات شعبية غير صحيحة خاصةّ أن الطامحين إلى الأسقفية صاروا يستغلون الناس للمطالبة بهم. أوقفت الكنيسة الاحتكام إلى الشعب في اختيار الأساقفة لكنها أبقَت على هذا الجزء من الخدمة حتّى يكون للشعب كلمة في السيامة.

يذكر القديس كبريانوس القرطاجي أن الرب ينزل لينتخب ويعيّن لنفسه أساقفة في كنيسته” (الرسالة 4:48). وفي صلاة قديمة محفوظة في التقليد الرسولي لهيبوليتوس روما يقول أيها الرب، ثبّت هذا الذي هيأتَه لنا“. هل ينفي هذا التعليم دور الشعب ويحوّل الأسقفية إلى خدمة منزَلة؟

التقليد يقول غير ذلك. فقد ورد في القوانين القديمة لبعض الكنائس أنّه يجب انتخاب الأسقف من الشعب. ومثله ورد في الديداخيه: “على هذا الأساس، انتخبوا لكم أساقفة وشمامسة، رجالاً هم شرف للرب… مخلِصون ومجرَّبون” (الفصل الخامس عشر). القديس يوحنا الذهبي الفم في تفسيره الرسالة إلى تيطس يوضِح أنّ على الأسقف أن يحكم الشعب بإرادتهم“. كيف نفهم كل هذه التعاليم؟

معنى الإعلان

مستحق أو أكسيوس هي تزكية أو إعلان عن موافقة الشعب على السيامة القائمة سواء كانت لشماس أو كاهن أو أسقف. في كتاب الخدمة أن الأسقف يصرخ مستحق ويجيب الشعب بالمثل. يتّضح من تعاليم الآباء أن هذه الصرخة هي تعبير مسموع عن مشاركة الشعب الحقيقية بالسيامة وبالتالي تأكيده على حسن الاختيار. بالتطبيق هي تعني أن هذا الذي وُضعَت عليه الأيدي صار مستحقاً للقيام بالخدمة المنوطة به (هابغود ص. 606) [1].

تنقل هابغود في الملحق الثاني لكتابها عن المصادر القديمة أن هذه الصرخة من الشعب هي شهادة على عيشة المُسام التي لا عيب فيها وأخلاقه الحسنة (هابغود ص 607)، بما أن اختيار الأسقف قد أُعلِن لهم بهدف الحصول على شهادتهم وإعطائهم الفرصة للتعبير مع أو ضد الاختيار. لقد تمّ الحدّ لاحقاً، بسبب عدد من الصعوبات، من تأثير الشعب على اختيار أساقفته. وحتّى في اختيار الكهنة والشمامسة لم يعد للشعب الكثير لقوله. لكن وجود هذا الإعلان (أكسيوس) حفظ التقليد الذي يحفظ حقهم في التعبير عن ملاءمة المُسام” (هابغود ص 605). إذاً الردّ بـ غير مستحقيعني أن بعض الشعب يرى خللاً في عيشة المُسام وأخلاقه وبالتالي هو غير ملائم.

هل توقَف السيامة عند هذه النقطة؟ الأمر يعود إلى ضمير المتقدّم. فالقانون الثاني من المجمع المسكوني السابع يقول: “… ويجب على الميتروبوليت (البطريرك) أن يقوم بفحص دقيق ليتحقق من كون هذا الرجل ذا رغبة في المطالعة بإمعان وتفهّم وأنّه مواظب على مراجعة القوانين الشريفة وقراءة الأناجيل المقدّسة وكتاب الرسائل الإلهي وسائر الكتب المقدسة وأنه يعيش سالكاً بوجب وصايا الله…” (الشرع الكنسي، ص 811). فإذا كان قد تحقق كما هو مطلوب منه عليه أن يشرح للمعترضين ذلك، أمّا إن كان لم يتحقق فعليه سؤالهم. في تاريخ الأرثوذكسية الحديث أكثر من حادثة من هذا النوع. تذكر سجلات الكنيسة الأرثوذكسية في أميركا أن الميتروبوليت ديمتري كان في سيامة أحد الأساقفة في نيويورك فتقدّم أحد الأشخاص وصرخ غير مستحق، فوضع الميتروبوليت كرسياً أمام الباب الملوكي واستدعى الشخص وسأله عن السبب، ولمّا لم يكن سبباً مهماً تمّ تجريده. حالة أخرى في بلغاريا أوقفت السيامة [3].

دور الشعب في سيامة الأساقفة

وضع القديس إكليمندس الإسكندري في الكنيسة الأولى قانوناً باسم الرسل يقول بأن هذه الشهادة يجب أن تُقام بدقة، خاصة في سيامة الأساقفة، كردّ على سؤال محدد، يُطرَح ثلاثاً على الشعب، أهو بالحقيقة مستحق لهذه الخدمة؟” (هابغود ص 607).

الكنيسة بتركيبتها تمثّل كلاً من الإكليروس والعلمانيين، وعليه فإن اشتراك الشعب في اختيار الأسقف هو من حيث المبدأ مبرر بالكامل. بحسب القانون الأول من مجمع قرطاجة الرابع: “يُنتَخَب الأسقف بالاتفاق مع الإكليروس والشعب“. وهذا الأمر تؤكّده قوانين الرسل: “… لكي يُسام الأسقف يجب أن يكون… بلا لوم، شخصاُ مختاراً، منتقىً من كل الشعب، ومتى سُمّي وتمت الموافقة عليه، فليجتمع الشعب… في يوم الرب، وليعطوا موافقتهم” (VIII:4) وعندما يكون هناك قرار بالإجماع، يعرب الشعب عن حكمه بإعلانه مستحقأو غير مستحق“. [2]

تاريخياً، ساهم تدخل الملوك في تعيين الأساقفة في الحد من دور الشعب في الاختيار. هذا الأمر استحق الإدانة في المجمع المسكوني الثاني سنة 381، حيث صدر القانون الثالث الذي يمنع تدخل الملوك، ولكن من حينه صار الشعب أيضاً خارج اللعبة، لا دور له في الانتخاب.

في أنطاكية، يحفظ قانون مجلس الأبرشية الحق للشعب في تسمية المرشحين من خلال تركيبة محددة. لكن هذا الأمر ينطبق فعلياً على المطارنة وليس على الأساقفة لكونهم بحسب القانون مساعدين للبطريرك. وضع الأساقفة القانوني ليس موضع إجماع وهناك تساؤلات حوله (أنظر الأرشمندريت توما بيطار، نقاط على الحروف، بيان المجمع المقدّس حول الأساقفة المساعدون، 12 أيلول 2010). إلى هذا درجت العادة بأن يتمّ تعيينهم من البطريرك بموافقة المجمع لا أن يُنتَخَبوا بحسب القوانين.

خاتمة

لا ينبغي فهم مشاركة الشعب وكأنها عملية ديموقراطية. فاﻷسقف ليس نائباً منتَخباً من الشعب بل هو معيّن من الله، بعمل الروح القدس في المجمع، ليعلّم الشعب ويقوده، ولهذا يضع الله عليه مواهب الروح القدس. المجمع مسؤول أن يسلك بالروح القدس. الشعب مسؤول أن يفهم طبيعة الكنيسة مقتنياً حساً بالشركة وفرادة في الفكر تليق بجسد المسيح، حتى تؤدّي صرخة مستحقأو غير مستحقالقصد الذي وراءها. وفي الممارسة، فإن مسؤولية الإدارة الكنسية تقضي بأن تحفظ حقّ الشعب في التعبير عن نظرته للمُسام وأن تستمع إليه. إنّ غضّ النظر عن صوت فئات محددة من المؤمنين يطال من شفافية الإدارة الكنسية ويهزّ ثقة المؤمنين بها. خطأ المؤمنين في التعبير عن رأيهم لا يفقدهم حقهم بالاستماع إليهم، خاصةً حين يكونون غير مثقّفين كنسياً. فهنا تقع على الإدارة الكنسية مسؤولية تعليم الشعب عن سلوكه في الكنيسة وكيفية التعبير فيها.

خبرة الكنيسة أنّ منهجية التعليم الفضلى فيها هي تعالَ وانظر“. إن نظرنا ماذا نرى؟

[1] Isabel Hapgood. SERVICE BOOK OF THE HOLY ORTHODOX-CATHOLIC APOSTOLIC (GRECO-RUSSIAN) CHURCH. Cambribge. 1906

[2] Editor. Axios. Orthodox America. Issue 136. Vol XV, No. 4. November – December, 1994

[3] https://www.reddit.com/r/OrthodoxChristianity