الكنيسة والعمل السياسي بحسب فلوروفسكي

الكنيسة والعمل السياسي بحسب فلوروفسكي

الأب أنطوان ملكي

يمكن إيجاد معنى الإكليسيولوجيا عند فلوروفسكي في آخر مقالة يوراسية كتبها في 1923 وعنوانها العهدان“. في هذه المقالة تخلّى عن التحليل الفلسفي الثقافي متوجهاً نحو التأمّل الإكليسيولوجي الفعلي مشدداً على أنّه لا الآباء ولا المجامع يعطوننا تحديداً كاملاً للكنيسة، لأن خبرة الكنيسة أوسع وأعمق من العقيدة المحددة. الكنيسة هي خليقة جديدة وحقيقة أخروية.

الاعتراف بالإيمان بالكنيسة هو الاعتراف بهذه الخليقة الجديدة غير المنظورة غير المنفصلة عن الكنيسة المنظورة. فالكنيسة المنظورة ومن ضمنها الرئاسات والأسرار هي الإعلان التاريخي لكنيسة اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ“.

يتميّز هذا الإعلان بالوحدة في الحرية والمحبة. يقارن فلوروفسكي بين مثالين من الوحدة التاريخية: الأول هو وحدة الروح وميزته الجرأة الحرّة الشخصية البطولية. والثاني هو محاولة خلق منظمة خالية من الخطأ بشكل سحري تلتزم خارجياً معياراً مجرداً صالحاً عالمياً. تقف وحدة الجنس البشري في الكنيسة في وجه كل البرامج السياسية الكبيرة التي ترنو إلى التغيير الإنساني، التي ما هي سوى خديعة فارغة بمكونات هذا العالم وليست للمسيح.

بالنسبة لفلوروفسكي، إن ترجمة الوحدة المسيحية إلى منظمات سياسية مثل أخوية الشعوبوالسلام الدائم، ليست سوى وهم مروّع وطوباوية غرّقا رجاء الحياة الأبدية وأظهرا بشكل أساسي الطبيعة الدهرية للمثال الديني الاجتماعي. فأهداف هذه المنظمات ما هي إلا محاولات لتنظيم ملكوت الله على الأرض واستباق وقتي لليوم حين سوف يكون الله الكل في الكل. هنا الإسخاتولوجيا تُختَزَل في أنها مرحلة طبيعية من مراحل منطق التطور في التاريخ وتصغير الرجاء المسيحي إلى دائرة العالم المنظور المحدّد بانتظار التحوّل الشامل في المجتمع.

في المقابل يشير فلوروفسكي: “إن الرجاء المسيحي موجّه بالكامل نحو المجيء الثاني“. لا يمكن نشر الإنجيل كقانون لتنظيم المجتمع المثالي. تظهر صورة الله في الشخص وليس في الدولة، دون أن يعني هذا اللامبالاة أو عدم الفعالية في العالم. فالرجاء المسيحي يُعبَّر عنه في محبة القريب، لا كفعل شخصي بل كعمل عام أيضاً. يستلهم الأب فلوروفسكي مثالين هما القديسة يوليانا من دير لازارافو والقديس تيخن الزادونسكي معتبراً إياهما حملة الثقافة الدينية التي هي الشكل الوحيد لحكم الله. فهذه مهمة معيارية من الابداع الشخصي وليست نظاماً تمّ فرضه. الكنيسة الرسولية تتصرّف كمثال لمحبة الأعداء واللطف لا الاضطهاد. هذا ما يميّز الروح الكنسية الأصيلة عن برامج الاستبداد الدينيالسياسي. لكن هذه المحبة تختلف عن محبة الكائنات الحية الطبيعية، إنّها ثمرة الروح التي تشكّل الكائن الإلهي – البشري. وهي ليست طوباوية إذ بترجّي المجيء الثاني اعتراف حادّ بالشر.

تعرف الكنيسة أن أبناءها لا يتصارعون مع لحم بل مع رئاسات وسلاطين لا تستطيع أن تتخيّل الله الكلّ في الكلّ قبل الدينونة. هناك أب حقيقي للكذب سوف يتمّ طرده بشكل نهائي في الأيام الأخيرة، هو يُخرَج اليوم بالصلاة والصوم والأسرار ومحبة الآخرين من دون أنانية، إنها وحدة التضحية على الجلجلة. الكنيسة المنظورة هي بذرة مدينة الله التي تُشَيَّد في التاريخ من خلال الأسرار. يستنتج فلوروفسكي أنّ طريقة التدبير الإلهي لملكوت الله هو في الخدمة الأسرارية لا في السياسات المسيحية.

في كل هذا نجد فلوروفسكي مشيراً إلى الاختلاف بين الكنيسة والعالم، بين النعمة والطبيعة، وعلاقة النعمة بين الناس والله. إن رباطات الدم والثقافة العضوية يجب إلغاؤها وتحويل طبيعتها (transubstantiated) بولادة جديدة ضمن الكنيسة. عجز اللحم والدم عن ميراث الحياة الأبدية ينطبق أيضاً على الثقافة.

يرى فلوروفسكي الهرطقة البيلاجية في التشبيه الشعبي للكنيسة بالأمة، وفي مفهوم التطوّر الطبيعي للثقافة المسيحية. قد يكون لثقافة ما أصول مسيحية لكن يستحيل امتصاص المسيحية في مجرى الدم. إن كنسنة (churching) الثقافة هي أمر لا يتحقق بمبدأ طبيعي، وليس كل مكونات ما يسَمّى بالثقافة المسيحية سوف يكون في الملكوت، بل الكثير منه سوف يكون نصيبه الظلمة البرانية. فالكنيسة هي هدف التظر الاجتماعي ولكن هدف ليس من هذا العالم. فالتمييز بين اليوناني والإسكيثي قد أزيل في المعمودية بينما الاختلاف بين العالم المبارَك في الكنيسة والعالم خارج الكنيسة ما زال موجوداً.

إن فلوروفسكي، برفضه لهذه الغواية الأوراسية تشكّل لديه التمييز الحاسم بين العضويوالتاريخيوالذي طوّره لاحقاً في مقالة عنوانها التطور والتخلّق المتوالي (Epigenesis)” كتبها سنة 1930. إن هذا التمييز هو بداية تكوّن فكر فلوروفسكي الإكليسيولوجي حيث الكنيسة هي كيان إلهي إنساني مركزه المسيح وقادر على توليد الثقافة فقط عندما تتخطّى حقائق العِرق والأمة بأساسها الأسراري ومداها الكوني وتوجهها الأخروي نحو ملكوت الله. إن هذه الرؤية تقلقل كل مخططات الحتمية وتشجّع فلسفة للتاريخ فيها الثقافات تُخلَق بشكل مستمر من خلال النشاط الروحي الحرّ للأشخاص البشريين.

الهرطقة بحسب الأب يوحنا رومانيدس

الهرطقة بحسب الأب يوحنا رومانيدس

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

منذ تأسيس الكنيسة ظهرت هرطقات مختلفة وعالجتها الكنيسة بالشكل المناسب من خلال تقليدها المجمعي. الهرطقة يصوغها شخص واحد أو جماعة من الأشخاص، الذين يروجون لتعاليم مختلفة وهكذا ينشؤون مجموعات هرطوقية، تكون في البداية فاعلة ضمن الكنيسة وفي النهاية تترك الكنيسة وتصير فاعلة خارجها، إضافة إلى أنها تجاهد ضد الإيمان المعلَن.

تتضمّن عبارة هرطقةنظرة منحرفة عن تعليم الدين الرسمي، وتعليم الكنيسة. بتعبير آخر، إنها نوع آخر من التعليم. في رسالته إلى شيوخ أفسس، أشار الرسول بولس إلى الهراطقة الذين سوف ينشأون ضمن الكنيسة: “لأَنِّي أَعْلَمُ هذَا: أَنَّهُ بَعْدَ ذِهَابِي سَيَدْخُلُ بَيْنَكُمْ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ لاَ تُشْفِقُ عَلَى الرَّعِيَّةِ. وَمِنْكُمْ أَنْتُمْ سَيَقُومُ رِجَالٌ يَتَكَلَّمُونَ بِأُمُورٍ مُلْتَوِيَةٍ لِيَجْتَذِبُوا التَّلاَمِيذَ وَرَاءَهُمْ.” (أعمال 29:20-30).

كما يشير أيضاً الرسول بولس إلى الهرطقات التي انتشرت حتّى في كنيسة الفترة الأولى: “لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَكُمْ بِدَعٌ أَيْضًا، لِيَكُونَ الْمُزَكَّوْنَ ظَاهِرِينَ بَيْنَكُمْ.” (1كورنثوس 19:11). إن ظهور الهرطقات يجرّب المسيحيين ويمتحنهم لأنه يكشف ثباتهم.

في رسالة أخرى، يشير الرسول إلى وجوب مواجهة الهرطوقي: “اَلرَّجُلُ الْمُبْتَدِعُ بَعْدَ الإِنْذَارِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ، أَعْرِضْ عَنْهُ. عَالِمًا أَنَّ مِثْلَ هذَا قَدِ انْحَرَفَ، وَهُوَ يُخْطِئُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ.” (تيطس 10:3-11).

عالجت الكنيسة الأولى الهرطقات شخصياً كما مجمعياً. جابه الرسول بولس في رسائله الكثير من هذه التعاليم الأخرى، لكن الكنيسة نفسها عقدت مجمع الرسل في أورشليم لتعالج طريقة إدخال اليهود الراغبين بالمعمودية إلى الكنيسة (أعمال 6:15-29). هذا المجمع الرسولي الأول صار نموذجاً لكل المجامع التي تمّ عقدها لاحقاً في الكنيسة

الهرطقة، في علاقتها بالتعليم العقائدي للكنيسة الأرثوذكسية، هي بالعادة تعليم مختلف مجمّع ومُصاغ بعقائد أخرى. لكن، مع الأخذ بعين الاعتبار أن العقائد (أي التعاليم النظرية) مرتبطة بالحياة والممارسة، تكون الهرطقة مرتبطة بطريقة حياة الذين يبشرون بها. مثلاً، الرأي بأن الكلمة (Logos) هو خليقة الله الآب، يعني أن مَن يعلّم هكذا، لا يملك معرفة روحية حقيقية لله، لأنه لو كان بالحقيقة لاهوتياً، معايناً لله، لكان يعرف أن المسيح كإله هو غير مخلوق، لأن مجد الطبيعة الإلهية غير مخلوق. وعليه، إنه مجرّد متفلسف، منظّر، وليس معايناً لله.

الهرطقة عادةً تحدّ ذاتها بالتعليم النظري، والهرطوقي هو ذلك الذي ينحرف عن العقائد التي ثبتتها الكنيسة. مع ذلك، علينا أن نتفحّص الهرطقة من جهة بعدِها الداخلي؛ لأن، تماماً كما أن العقائد هي تعبير عن الإعلانات والالتزام بالعقائد يقود إلى الاختبار، كذلك الهرطقات هي انحرافات عن الإعلانات وفي الوقت عينه خراب الطريق إلى التألّه. إنها كمثل مستشفى عاجز عن علاج الإنسان.

عندما تواجه الكنيسة هرطقة، المعيار هو أن الهرطقة هي كل ما ينقلب على خبرة العنصرة، حين أعلِن ملء الحقيقة، إنها عندما ينقطع مسار الإنسان نحو التألّه. لهذا السبب تكون الهرطقة خطرة.

إن الانقلاب على خبرة العنصرة يتمّ لأن الهراطقة ينكرون تعليم آباء الكنيسة المستنيرين بالله، أي بالتخلي عن الحقيقة المعلَنة هم يتّكلون بشكل أساسي على منطقهم وتخمينهم.

إنهم يبدلون التقليد، استناداً إلى أشكال منطقية ألّفوها بأنفسهم. إنهم يظهِرون ثقة بمنطقهم الذاتي أكبر من الثقة بخبرة معايني الله، لهذا هم يتصوّرون الأشياء بمنطقهم ويربطونها بالحقيقة العائدة لله. كل الهرطقات مشتقة من نوع الأساس الخاطئ هذا.

هذا يعني أن الهراطقة يتّكلون على فلسفتهم المفعمة بالأفكار والتخمينات والتخيلات، ولا يتّكلون على إعلانات الله. وكونهم يتّكلون على المبادئ الفلسفية هم بالحقيقة ينكرون التعليم الذي يؤدّي إلى معاينة الله.

ليست الأريوسية هرطقة من جانب العلم النظري والتخمينات السيئة وحسب. إنها هرطقة لأنها تسعى إلى هدم التعليم عن التألّه. إنها تعجز عن فهم جوهر التألّه والعلاقات بين المخلوق وغير المخلوق وغيرها. إلى هذا، لا يمكن للهرطقة أن تحوّل العقيدة إلى خبرة لأن عقيدتها تبقى دوماً خبرة سيئة لا يمكن أن تكون خبرة التألّه. وإذا راقب الإنسان كل الهرطقات، سوف يفهم بديهياً أن معايير الهرطقة روحية. الهرطقات هرطقات لأنها لا تقود الإنسان إلى حيث ينبغي. ولا يمكن للهرطقة أن تقود الإنسان إلى الحياة الروحية اللائقة.

تنبع الهرطقة من غياب الطهارة الروحية (κάθαρσης) والاستنارة. عندما لا يكون الإنسان مستنيراً، يكون خطر وقوعه في الهرطقة وشيكاً، لأنه سوف يخلط بين الله وأفكاره الشخصية عن الله.

لا يمكن أن يتوصّل الهرطوقي إلى معرفة الله، لأنه لا يعرف طريقة معرفة الله (Θεογνωσία). لكل علم نظريته التي يثبّتها اختبارياً والتحقق من كل تجربة يقود إلى تلك النظرية نفسها.

لا يملك الهرطوقي طريقة التطهر والاستنارة والتمجيد، ولهذا يستحيل أن يتعلّم الإنسان طريقة التألّه منه. تتألّف الهرطقة من العجز عن التمييز بين قوى المخلوق وغير المخلوق؛ أيضاً، إنها تنبع من نوس مظلِم. ولأن الفكر مظلم يتفكّر الإنسان لاهوتياً بحسب ما يتخيّله وما يعاينه. ومع ذلك، اللاهوت الآبائي ليس من النوع المولع بالتأمّل. الآباء الروحيون لا يخمنون وحسب؛ ولو كانوا كذلك لما كان هناك أي سبب لأي كان لينجو من الشيطان، بينما النجاة من مكايد الشيطان ممكنة.

لا تختص الهرطقة بالأمور العقائدية وحسب، بل أيضاً بالسلوك الروحي. مثلاً، تقسيم الحياة المسيحية إلى نظرية (عقيدة) وتطبيق (نسك) هو وهم. هناك مَن يقبلون العقائد ويرفضون متطلبات العقيدة.

“Empirical Dogmatics of the Orthodox Catholic Church according to the oral lessons of Fr. J. Romanides” – Vol.B

“مجمع” كريت: وقائع الانحراف المتعمّد

مجمعكريت: وقائع الانحراف المتعمّد

الأرشمندريت أثناسيوس أناستاسيو

كتب الأرشمندريت أثناسيوس أناستاسيو مقالةً مطوَلة عنوانها«مجمع» كريت: وقائع الانحراف المتعمّد“. الأرشمندريت أثناسيوس هو رئيس دير الميتيورا الكبير، خرّيج جامعة تسالونيكي، معروف جداً بحضوره الفعّال في الكنيسة وفي تقديم شهادة إيمانية مميزة. له عدد من المقالات والعظات وأعمال أخرى. هو من الذين يرفعون الصوت ضد الخطر المسكوني المعاصر.

الأب بيتر هيرز، مترجم مقدمة الترجمة الإنكليزية، يرى في أن هذه المقالة هي إلى حدٍ بعيد السرد التاريخي الأكثر اكتمالاً والتحليل الروحي لمجريات مجمعكريت. إنها تعطي القارئ نظرة عامة كما ونظرةً داخلية إلى كل الأحداث المؤدية إلى المجمعوما جرى خلاله، مع التركيز على انخراط كنيسة اليونان.

تبدأ الرسالة بتسليط الضوء على دور الشعب في الحفاظ على الإيمان، لأنه يرى أن الشعب كان مغيّباً عن التحضير لهذا «المجمع». ولتسليط الضوء على دور الشعب هذا يستشهد بعدد من القديسين ومن الآباء واللاهوتيين المعاصرين. فبرأيه أن منظمي هذا المجمع لم يلتزموا تقليد الكنيسة وحوّلوا المجمع إلى مؤسسة مستقلّة محورها الأسقف بما يتوازى مع البنى الكاثوليكية، وهنا الخطر من إيجاد أولّ من دون مساوين في الشرق الأرثوذكسي ويصير المجمع معصوماً في قراراته.

من ثمّ ينتقل إلى وصف التقنيات التي اتبعها المنظمون إذ تجاهلوا الشعب، الكهنة، الرهبان وغالبية الأساقفة ويورد شهادات عن تعرض بعض المعارضين للقذف والترهيب والهزء على يد المجموعة المنظّمة بهدف تمرير أمور لا تتفق مع الروح (Ethos) والتقليد الأرثوذكسيين. ويلاحظ أن هؤلاء الأشخاص أنفسهم، من أساقفة وكهنة وأكاديميين ولاهوتيين، هم دائماً المنتَقون ممثلين للكنائس في الحوارات اللاهوتية ومؤتمرات كافة الأرثوذكس. وأيضاً على القنوات الإعلامية هم الضيوف ومديرو صفحات الإنترنت، المشجعون الذين يغطّون المؤتمرات والندوات والمنتديات العالمية وعلى الإنترنت بمداخلات ومساهمات ومقالات.”

ويستنتج الأب أثناسيوس أن المجمع هو نشاط مسكوني بامتياز وأن كل ما يطال فيه الأرثوذكس هو لتهيئة الجو المسكوني المناسب لقبول الأرثوذكس بما قبل به الكاثوليك في الفاتيكان الثاني. وهو يقيم موازاة مطوّلة بين المجمعين. وهنا يسرد مطولاً تاريخ تسرب الفكر المسكوني إلى الأرثوذكس منذ بداية القرن العشرين حتى قيام هذا المجمع، محدداً الأحداث والأشخاص والتواريخ.

ومن الأخطار المحدقة الناتجة عن مجمع كريت هي بث إكليسيولوجيا جديدة قوامها كل ما سبق الترويج له من نظريات الفروع، واللاهوت التعميدي من نتاجات المسكونية بعد الفاتيكان الثاني. ويتوقّف عند عدد من التصريحات لداعمي المجمع حيث يصفون المعترضين على التقارب مع الكاثوليك بالهراطقة ومعتبرين أن على المجمع في كريت معالجة هرطقة التعصب.

يتوقف الأب أثناسيوس عند موقف الجبل المقدّس وكنيسة اليونان، حيث يرى أنهما تعرّضا لنوع من الابتزاز بهدف الإسكات. كما يتوقف عند الخلل الذي أصاب مجمع كنيسة اليونان جراء تصرّف وفدها في المجمع بغير ما أوكِل إليه.

ختاماً في تقييمه للمجمع يرى أن «مجمع» كريت فشل في إظهار وحدة الأرثوذكسيين وإثباتها، كما ادُّعي أنه سوف يكون، بل على العكس أدخل الأرثوذكسيين في تجربة مؤلِمةزاد الانقسامات والمعارضات والتنافسات والعداوات. ألعاب الرؤساء السياسية، حتّى من دون أن تؤدّي إلى أي انتصار واضح، سببت ضرراً مدمّراً في الكنيسة الأرثوذكسيةإن غياب أربع بطريركيات تمثّل أكثر من نصف الأرثوذكسيين في كل أنحاء العالم، ألحقت جرحاً قاتلاً بصورة الوحدة وبالمجمع بشكل عام.”

كما أنه يطرح عدداً من الأسئلة التي تسلّط الضوء على دور البطريرك المسكوني في الإصرار على عقد المجمع بالرغم من غياب عدد كبير من الكنائس واعتراض غيرها. ويستنتج أن هذا «المجلس» باطل وقراراته لا سلطة ملزِمة لها على المؤمنين. لهذا السبب، ضمير مؤمني الكنيسة اليقظ رفض قبول أعمال هذا المجمع“. لقد أبطل هذه الأعمال بالممارسة.”

عند قراءة هذه الدراسة، يجد المؤمن الكثير من النقاط التي تنطبق على وضع كل الكنائس الأرثوذكسية، وتحديداً الكنيسة الأرثوذكسية الناطقة بالعربية، سواء لجهة تغييب الشعب واختيار الممثلين في المحافل الخارجية، والأهم هو في كيفية تسلل الفكر المسكوني إلى الكنيسة وتكوّنه وتقدّمه على الفكر التقليدي، وأدوار بعض الأشخاص والأحداث الذين قد يبدون طارئين على تسلسل التاريخ الأنطاكي فيما هم بالواقع مساهمين فاعلين.

دور الشعب في الكنيسة الأرثوذكسية

دور الشعب في الكنيسة الأرثوذكسية

إعداد الأب أنطوان ملكي

من تداعيات مجمع كريت فتح نقاشات مهمّة داخل الكنيسة الأرثوذكسية. من أهمها مناقشة دور الشعب في الحفاظ على الإيمان الأرثوذكسي، وطريقة تعاطيه مع الرئاسات حين تغيّبُه أو تعطي نفسها تكليفاً مختلفاً عمّا يحدده التقليد الأرثوذكسي.

في تاريخ الكنيسة عبر الأجيال، كان شعب الله المؤمن حارس حقيقة الإيمان الأرثوذكسي وبطلها؛ فهو الحكم النهائي على صحّة وشرعية قرارات أي مجمع. إن الشعب بضميره الكنسي والعقائدي الساهر هو مَن يوافق أو يرفض ما يقدمه أيّ مجمع، خاصةً من الناحية العقائدية، لا التنظيمية.

يذكر القديس ثيوذوروس الستوديتي بوضوح إنها وصية من الله بأن لا نصمت عندما يكون الإيمان في خطر… عندما يتعلّق الأمر بالإيمان، لا يمكننا أن نقول «مَن أنا؟ أكاهن؟ لا. أرَجل نبيل؟ لا. أقائد؟ لا. من أين؟ مزارع؟ ولا حتى هذا. أنا رجل فقير، أسعى لتأمين خبزي اليومي. أنا غير متعلّم ولا أهتمّ بهذا الأمرالويل لك! الحجارة سوف تبكي وأنت سوف تبقى صامتاً وغير مبالٍ؟ حتّى الرجل الفقير لن يجد مبرراً في يوم الدينونة إن لم يحكِ الآن، لأنّه سوف يُحاسَب حتّى ولو على هذه فقط“.[1]

في ما يتعلّق بشهادة الرهبان بشكل خاص في شؤون الإيمان، يشدد الطيب الذكر الشيخ جورج كابسانيس، على أنه عندما يكون الإيمان في خطر، فإن المتعلمين من الرهبان، وخاصةً أولئك الذين أوكِلَت إليهم مهمة رعاية آخرين، من أجل القيادة الصحيحة لمَن حياتهم الروحية في عهدتهم، كما من أجل عقائد التقوى الحقيقية، عليهم مسؤولية أن يتكلّموا، لا لكي يعلّموا الكنيسة بل ليعترفوا بالإيمان بما يوافق وصية السيّد: «كُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ» (متى 32:10). إن الاعتراف بالمسيح ليس عمل خدمة بل تعبير عن الحياة. لا يقول المسيح كلّ مَن يعترف ليبل كلّ مَن يعترف بي“. إن الاعتراف بالمسيح هو تعبير عن الشركة مع المسيح، عن الحياة في المسيح. والرهبان الذين يحيون في المسيح يعترفون ويعلّمون المسيحيين بهذه الطريقة. إنهم يقومون بذلك بتواضع، لا لكي يعلّموا، بل لكي يقدّموا اعترافاً. هذا تقليد ثابت تاريخياً في الرهبنة الأرثوذكسية“. [2]

بحسب أستاذ اللاهوت العقائدي ديمتريوس تسالانغيدس يوجد تمييز واضح بين الكنيسة بذاتها، كجسد المسيح الإلهي الإنساني السري، وإدارة الكنيسة التي تعبّر بشكل حقيقي وصحيح عن الكنيسة في ظروف محددة وواضحة فقط” [3].

كما يلاحظ الأب جورج فلوروفسكي، لم يتلقَّ الأسقف كامل سلطة التعليم من شعبه بل من المسيح عِبر التسلسل الرسولي. لكن هذه السلطة المُعطاة له هي قدرته على حمل الشهادة لخبرة الكنيسة الجامعة. إنها مقيّدة بخبرته. بالتالي، في مسائل متعلّقة بالإيمان، على الشعب أن يحكم على تعليمه. إن واجب الطاعة يكفّ عن الإلزام عندما يحيد الأسقف عن المعيار الجامع وفي هذه الحالات للشعب الحق بإدانته وحتّى عزله” [4].

ويشدد اللاهوتي الكبير نفسه أيضاً: “على الأسقف أن يتبنّى في داخله الكنيسة كلها؛ عليه أن يعبّر عن خبرتها وإيمانها ويظهرهما. لا ينبغي عليه أن يحكي عن ذاته، بل بما توافق عليه الكنيسة وعنه.” ويستنتج أنّ لكل جسم الكنيسة الحقّ في التحقق. أو بتعبير أكثر دقة، لكل جسم الكنيسة لا الحق فقط بل عليه واجب «التصديق». وعلى هذا الأساس، كتب بطاركة الشرق في رسالتهم الشهيرة سنة 1848 أنّ «حامي الدين هو… حتّى الشعب نفسه»” [4].

سيادة الميتروبوليت ييروثيوس مطران نافباكتوس يحدد بوضوحٍ مطلَق الخطوطَ العريضة لدور المؤمنين من العلمانيين في مجامع الكنيسة: “… والمؤمنون من العلمانيين هو شهود للحقيقة، إنهم رعاة (بطريقة غير مباشرة) لشعب الله. إنهم عاملون مشاركون للرعاة. حتّى أنهم يشاركون كمستشارين في المجامع المسكونيةوفوق هذا يقبلون أو يرفضون قرارات المجامع المسكونية. الشعب (كهنة وعلمانيون) لم يقبلوا وحدة <الكنائس> التي تمّت في فيريرافلورنسا” [5].

القديس يوحنا الذهبي الفم يستعرض بوضوح مطلَق حدود طاعة المؤمنين ﻷساقفتهم حين يتكلّمون أو يعملون على عكس إيماننا: “لماذا إذاً يقول بولس «أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا»؟ وقد سبق له أن قال: «الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ»، ومن ثمّ «أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا». إذاً ماذا، إذا كان شريراً فهل علينا أن نطيع؟ شرير؟ بأي معنى؟ إن كان بالحقيقة من جهة الإيمان، فابتعدوا عنه واجتنبوه؛ ليس إن كان رجلاً، بل حتى ولو كان ملاكاً نازلاً من السماء؛ لكن من جهة الحياة، لا تكونوا مفرطين بالفضولية… إلى هذا لا تدينوا كي لا تُدانوا في ما يخص الحياة، لا الإيمان. أترون أن الحديث ليس عن العقائد بل عن الحياة والأعمال؟” [6]

والذهبي الفم الإلهي، في وقت آخر، مشيراً إلى الانقسامات البشريةبين أعضاء الجسم الكنسي إلى قطعان ورعاةيلاحظ أن تمييز الحمل عن الرعاة هو بشري، أمام المسيح الكل قطيع، الرعاة والمرعيين، الكل يرعاهم راعٍ واحد سامٍ.” [6]

والشيخ جورج كابسانيس الطيب الذكر، في كتابة عن الموضوع نفسه يقول: “حين يتعلّق الأمر بالإدارة والتعليم، فإن مشاركة الشعب أساسية، لأن الشعب هو حامل الروح والله يعلمه. إنه يشكّل، إلى جانب الكهنة، الضمير الساهر للكنيسة الذي يشهد (يحكم، يميّز، يوافق ويقبل، أو يدين ويرفض) تعليم الرؤساء وأعمالهم بحسب ما ذكر بطاركة الشرق في رسالتهم في السادس من أيار 1848.”[7]

المراجع

[1] St. Theodore the Studite, Epistle 81, Philokalia 18G, p. 77, in Archimandrite Athanasios Anastasiou, The “Council” of Crete: The Chronicle of a Premeditated Deviation, http://www.pravoslavie.ru/authors/5015.htm

[2] Arch. George Kapsanis, Abbot of Holy Monastery of Grigoriou on Mt. Athos, Interview in Orthodoxos Typos, 14 March 1997.

[3] Demetrios Tselengidis, Letter to the Synod of the Church of Greece, www.pravoslavie.ru/90812.html

[4] Fr. George Florovsky, The Catholicity of the Church, in “BIBLE, CHURCH, TRADITION: AN EASTERN ORTHODOX VIEW”, VOLUME ONE, the Collected Works of GEORGES FLOROVSKY, p. 37-56.

[5] Metropolitan Hierotheos of Nafpaktos, Anatolika, Ανατολικά, Ιερά Μονή Γενεθλίου της Θεοτόκου (Πελαγίας), 1993, p. 94

[6] St. John Chrysostom, Homily 34 on Hebrews 13:17. http://www.newadvent.org/fathers/240234.htm

[7] Arch. George Kapsanis, Ποιμαντική Υπηρεσία Σύμφωνα με τους Ιερούς Κανόνες, Πειραιά, 1976, p. 110-112

ملاحظات حول الشفاعة

ملاحظات حول الشفاعة

إعداد الأب أنطوان ملكي

الشفاعة هي إحدى نقاط الاختلاف بين المسيحيين، وقد تكون نقطة الخلاف الأعمق، وعليه العائق الأكبر أمام أي وحدة بين الأرثوذكس والبروتستانت. فالأرثوذكس والكاثوليك أو الشرقيون قد يختلفون على اعتبار هذا الإنسان قديساً أو ذاك لكنهم ليسوا مختلفين على قبولهم للقداسة وإمكانية الوصول إليها. في المقابل، البروتستانت، في تفسيرهم المجتزأ للكتاب المقدس، لا يميزون بين القداسة والإيمان وبالتالي لا يعود الجهاد أو النسك مبرَراً ولا مطلوباً.

شعبنا الأرثوذكسي يتأثّر بالفكرين المذكورَين أعلاه، الكاثوليكي وسلوكه القانوني الحرفي في تحديد القديسين وصوغ العلاقة معهم على أساس من النفعية القائمة على الخوف، والبروتستانتي في إهمال العلاقة مع القديسين والانتفاخ بأن الإيمان لوحده يخلّص. من هنا تمّ تجميع هذه الملاحظات البسيطة من دون تعقيد لاهوتي.

شفاعة القديسين تحمل معنى الإيمان بالحياة الأخرى، أي الإيمان بأن الذين انتقلوا ما زالوا أحياء وهم يعملون. إنه إيمان بالصلة الدائمة بين السماء والأرض. وبأننا نكرم القديسين لأن الله نفسه يكرمهم. لهذا، الشفاعة هي بركة المحبة بين أعضاء الجسد الواحد، الكنيسة، التي هي جسد المسيح الواحد الذي هو رأسه. المسيحيون أعضاء هذا الجسد سواء في هذه الحياة أو في الأخرى. من هنا أنهم يتبادلون المحبة والصلوات والشركة، فالأحياء يصلّون من أجل الراقدين والراقدون يشفعون بالأحياء. هذا هو المعنى الحقيقي لكلام السيد في صلاته إلى الآب: “ليكونوا واحدًا كما نحن“. الوحدة هي وحدة إيمان وصلاة.

من هنا أن الذي يؤمن بالشفاعة ينتفع برابطة المحبة التي بينه وبين القديسين وبينه وبين أرواح أحبابه الراقدين، ويُزاد إلى صلاته صلوات أقوى وأعمق لأجله. أما من ينكر الشفاعة فإنه يخسر هذه الصلة وهذه الصلوات. وعلى هذه النقطة يقول أحد الآباء المعاصرين: “بأي وجه سيقابل منكرو الشفاعة القديسين في الحياة الثانية، وقد رفضوا إكرامهم ورفضوا صلواتهم وشفاعتهم؟

إن الإيمان بالشفاعة هو إيمان بسيط غير معقد نلاحظه في كل الذين يحتفلون بأعياد القديسين ويزورون كنائسهم ويطلبون صلواتهم. فالشفاعة تعكس تواضع القلب لأن الذي يطلب الشفاعة، هو إنسان متواضع، غير مغرور بصلته الشخصية بالله. على العكس، منكر الشفاعة غالباً ما يسأل بانتفاخ: ما الفرق بيني وبين هؤلاء القديسين؟ ما بيني وبين الله أقوى من وساطتهم!! إذا كان بولس الرسول يطلب الصلوات من أجل نفسه (عب18:13) ومن أجل جميع القديسين (أف8:6)، كيف يستطيع مَن يدّعي معرفة الكتاب المقدس رفض الشفاعة، لولا غروره؟

ثم إذا كان الله قد سمح للشيطان أن يحارب أولاد الله، ويجرّبهم ويظهر لهم في رؤى وفي أحلام كاذبة ويضايقهم (أيوب ويوسف الخطيب والسيد وغيرهم). فلماذا لا يقبل بالمقابل صلوات القديسين الشفعاء والملائكة الحارسين وتدخلهم ومساعدتهم للناس؟

أخيراً، بحسب تقليدنا، الشفاعة واقع نعيشه. ليست شفاعة القديسين مجرد بحث لاهوتي تثبته آيات من الكتاب المقدس، بل هو واقع شركة معاشة. إنه تاريخ حي على مدى أجيال، يروي الرابطة العجيبة التي بين المؤمنين من منتقلين وأحياء على الأرض. إنه صلة حية بالقديسين الذين يشفقون على أوضاعنا أكثر منا، وبإشفاق حقيقي. حتى أن الكثير من مشاكلنا تُحَل أحيانًا بتَشَفُّعَاتهم فينا، دون أن نطلب ذلك. إنهم أكثر منا فهماً وتطبيقًا لقول الرسول بولس فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ” (رو15:12).

فالشفاعة دليل علي الرابطة بين أعضاء الكنيسة الذين على الأرض والذين في السماء، الكنيسة المجاهدة والكنيسة الغالبة. إنهما يتبادلان الصلاة.

إن رفض شفاعة القديسين ليس مجرد انحراف في التفكير النظري اللاهوتي، بل هو تجاهل للعشرة الطويلة التي يحكي عنها الناس قصصاً كثيرة ويحيون على هذه القصص وما فيها من معجزات عجيبة يشهدون بحدوثها بصلوات القديسين وفي أعيادهم وكنائسهم ومن خلال رفاتهم وذخائرهم. إن رفض الشفاعة هو إنكار للواقع والتاريخ القائمَين على النسك وعلى الجهاد، تهرباً منهما. إن التذرّع بأننا بالإيمان مخلّصون هو إنكار لكل وصايا السيد التي يدعو فيها إلى الصلاة والصوم والجهاد. رفض الشفاعة هو تعلل بعلل الضعف والكسل لتبرير الذات التي بَرَد إيمانها وتبلّد.

Bebis, George. “The Saints of the Orthodox Church” (Greek Orthodox Archdiocese of America, http://www.goarch.org/en/resources/saints/

Reader Christopher Orr. “On the Intercession and Invocation of the Saints”, http://orthodoxinfo.com/inquirers/invocationofsaints.aspx

Ορθόδοξος Συναξαριστής, http://www.saint.gr

الصوم الكبير يتمثّل بصوم المسيح

الصوم الكبير يتمثّل بصوم المسيح

سيرجي بولغاكوف

نقلتها إلى العربية أمل قرّة

إن التقليد بهدف التعليم لصوم المسيح خلال الفترة السابقة للأيام التي نذكر فيها آلام المسيح وموته وقيامته المجيدة، يعطي للصوم الأربعيني المقدس معنى خاص وقيمة بالنسبة لنا. إن آلام المخلص وقيامته تهبنا كلنا الرجاء أيضاً بقيامتنا إلى الحياة الأبدية. لكن لنحقق هذا الرجاء بتلقي حياة أبدية مباركة، نحتاج لأن نقلّد المسيح بالطهارة وقداسة الحياة، نحم بحاجة لأن نسلك بنفس سبيل الحياة، كما فعل المخلص أيضاً: سبيل التخلي عن النفس ونكران الذات، وإلى جانب ذلك سبيل الجهاد ضد شهوات طبيعتنا وميلها إلى الخطيئة.

يعتبر الصوم الأربعيني المقدس بمثابة المثال الأكثر ملائمة لاتباع هذه الطريقة. “إن نحن عايناها بإمعان، تدلّ الأيام الأربعين على حياتنا الحاضرة، كما كانت أيام الفصح أيضاً دلالة على حياة النعيم الأبديبحسب المغبوط أوغسطينوس. في الصوم الأربعيني لدينا التوبة، وفي الفصح لدينا الفرح. وفي الحياة الحاضرة علينا أن نكون تائبين حتى نصل في الحياة الثانية للفرح السرمدي. لذلك، كل شخص خلال حياته الأرضية عليه أن يتحسّر على خطاياه، يذرف دموعه، ويقوم بأعمال الشكر. ولكن إن كانت عقبات العالم غالباً تشوّشنا في هذا، عندها، وبِطاقة أكبر، علينا أن نملأ قلوبنا من عذوبة ناموس الرب خلال الأربعين يوماً المقدّسة.

خلال موسم الحصاد يُجمَع الطعام للجسد، لذلك خلال موسم الحصاد الروحي علينا أن نجمع غذاءً للروح، غذاءً يُؤكل للحياة الأبدية. إن كنا مهملين ولم نُعِدَّ شيئاً في موسمه فالعام كله سيقاسي المجاعة. بالتالي إن من يهمل الصوم، وقراءة الكتب المقدسة، والصلاة خلال هذه الفترة يفشل في جمع القمح الروحي والغذاء السماوي للروح. وسيجني العطش الأبدي والضيقات الثقيلة. حتى الكنيسة المقدسة تعبّر عن فكرة مشابهة عندما تصلي لله من أجلنا ليرشدنا في هذه الأيام الأكثر تكريماًمن الأربعين يوماً المقدسة، لشفاء النفوس والأجساد، للترفع عن الأهواء، ولرجاء القيامة، وليعطينا القوة من خلال الجهاد النسكي للسعي إلى الخير وإكمال شوط الصيام، ولحفظ الإيمان غير المنثلم، ونحطّم رؤوس التنانين غير المنظورة، ونظهر غالبين الخطيئة“. وبهذه الطريقة فالأيام الأربعين المقدسة تبعاً لمفهومها ومعناها بالنسبة لنا، تُعتبر نموذجا لحياتنا كما يجب أن تكون. وبشكل أوضح: الحياة ليست للجسد ولا لهذا العالم، وإنما للسماء والأبدية.

حبل التريودي المشدود

حبل التريودي المشدود

للمتقدم في الكهنة الأب توماس فامفينيس

نقلتها إلى العربية شيم حموي

زمن التريودي هو الحبل المشدود بين الإفراط والحاجة، وبين السلوك الاجتماعي والجوهر الداخلي، وبين التحرر والطاعة. عن طريق ترانيم التريودي وكلمات الآباء القديسين تشجب الكنيسة الإفراط في الطعام دون حدود ولكنها في نفس الوقت تحذر من الإفراط في الصوم لاسيما على سبيل الكبرياء. أنها لا تهدف إلى تعذيب الجسد بل إلى تغيير التفكير من الداخل، والتشجيع على تحويل الأهواء، وجعل الدماغ هو المسيطر على الغضب والشهوة، حاثة على الصمت والصلاة بنفس القدر الذي تحث فيه على أفعال الرحمة. والكنيسة تلهم الطاعة لإرادة الله في المسيح ولكل الخليقة لأن هذه هي حرية المحبة.

إن تقدم الحياة الروحية والطاعة تحت الشروط التي وضعها آباء الكنيسة والانعتاق مما هو ليس لله تأتي جنباً إلى جنب مع تطور العلاقات الاجتماعية وازدهار السلوك الاجتماعي وليسا متضادين. كما أن معيار صحة حياتنا الروحية هو بالحقيقة نجاح علاقاتنا الاجتماعية، واختبار صحة علاقاتنا الاجتماعية هو تجسيد سلام قوانا الروحية المترافقة باستنارة عيون قلوبنا الذهنية والتواضع في أفكارنا والتحرر من عبودية الأفكار بحسب كلمات الصلاة التي نقرأها بعد كل مناولة إلهية.

إلى هذا، الطاعة الحقيقية لنظام الكنيسة وقوانينها التي وضعت بوحي من الروح القدس هو التنسيق بين وجودنا وحرية كوننا أبناء الله. ومع ذلك يوجد في مجتمع المؤمنين حركات تغيير استقلالية حديثة تدمر جامعية طريقة الحياة الكنسية. وبالتالي الحركات التحررية التي هي سلسلة من التغييرات في روح الشعب والإيمان وتقليد الكنيسة الأرثوذكسية الكنسي والليتورجي. وهكذا تتطابق الحياة الداخلية مع التراخي والكسل ويُستَخَفّ بها وتُستبدَل بالنشاطات الاجتماعية. وعلى العكس، إن الخدمة والأعمال الاجتماعية تأتي في مرتبة أدنى من الحياة الهدوئية وتعد تعبيراً عن حالة روحية مزيفة. أمّا الطاعة فتعتبر انضباطاً والتفلت يعتبر تمرداً.

يرتبط الإيمان في الكنيسة الأرثوذكسية بالعبادة التي تفترض الحياة النسكية والطاعة لرئاسات الكنيسة. فالرؤساء في الكنيسة هم أولئك الذين يعلمون الحياة في المسيح لشعب الله. هكذا فإن الحياة الاجتماعية والحياة الروحية، الطاعة والحرية في الحياة وتعاليم كنيستنا ليست حصرياً تبادلية ولا مربكة ولا تقصي الواحدة منها الأخرى بل على العكس من ذلك الواحدة منها تفترض الثانية.

لهذا هم يسمون الحياة الروحية تدميراً للأعمال الخارجية، ما يدفع بالنوس إلى التحرر من كل شيء مخلوق في الرحلة إلى صلاته المستدامة باحثاً عنها من خلال الأعمال المادية والمحدودة الخاضعة لقوانين الفساد وأحكام الدولة. إنهم ينسون أن المسيح قد تجسد طوعاً خاضعاً ليس للأب السماوي وحسب بل أيضاً لقوانين قابلية الفساد وضرائب الدولة.

أخيراً فإن رجل الكنيسة ليس ببساطة من ينسحب من العالم ولا من يختار العمل في العالم ولا هو مَن يتغير بأدوات محيطه التقنية وليس مَن يرفض وسائل الراحة الحديثة، إنما هو مَن يحوّل قلبه وتجاربه بقوة نعمة الله ويعيش الخليقة بأكملها كهيكل لله. هو ذاك الذي يجعل من نفسه هيكلاً حياً لله من خلال الطاعة المطلقة والطوعية للكنيسة ويساعد من خلال حياته وسلوكه الآخرين ليصيروا هم أيضاً بدورهم هياكل حية لله القدوس.

في هذا العمل العظيم نجعل أنفسنا والخليقة من حولنا كنيسة. ونجد مساعدة فعالة في فترة التريودي بشكل أساسي في الصوم عن الطعام. لكن الصوم غير محدود بالأكل فقط، بل هو يعرض طريقة حياتنا ويعلمنا بتحديد أكثر كيف يتوجب على الناس أن يبحثوا عن الله قبل القيامة العامة. هذا ما يفسر ضرورة أن نجاهد الجهاد الحسن في الصوم وخوض ميدان الفضائل عن طريق الصوم الكبير، لا بسيف الصوم الذي يجتث الشرور من القلب وحسب، بل إلى جانبه كل أسلحة الإيمان الأخرى كالصلاة والصدقة. والصوم عن الطعام لا يعتبر مقبولاً إذا لم يترافق بصراع أقوى ضد الأهواء كما نقرأ في صلاة السحرية في أسبوع البياض.

يا نفس إذا صمتِ عن الأغذية ولم تتنقي من الآلام فباطلاً تفرحين بترك الأكل لأن الصيام إن لم يصر علة لتقويمك فإنك تمقتين من الله ككاذبة وتضاهين الشياطين الأردياء الذين لا يأكلون بالكلية…”

إلى هذا فإن مضمون الصوم الكنسي الأرثوذكسي يحمل عمقاً واتساعاً يعبر عنه القديس يوحنا السينائي في (السلم) بقول يقرأ عادة في الأديار الأرثوذكسية خلال الصوم الكبير وهو يعطي تعريفاً شاملاً للصوم حيث يكتب:

الصوم هو اقتسار الطبيعة وإقصاء لكل ما يستلذه الحلق وبتر لالتهاب الشهوة وقطع للأفكار السيئة وتحرر من الأحلام الليلية وتنقية للصلاة ونور للنفس ويقظة للذهن وجلاء لقساوة القلب وباب خشوع وتنهد منسحق وتحسر فرح وتهدئة للثرثرة وسبيل للسكينة وحارس للطاعة وخفة للنوم وعافية للجسد ووسيط للاهوى وغفران الخطايا وباب للفردوس ونعيمه“.

بهذه الكلمات المختصرة الموجزة ليوحنا السلمي نجد المعنى الكامل للصوم الأرثوذكسي. لن أشرح النص ولكنني أريد أن ألفت الانتباه إلى العنف ضد طبيعة الإنسان الساقطة. إن النسك يخضع الجسد للذهن المتحرر من الأفكار الرديئة ويصلي بنقاء.

هذا المقياس الداخلي للصوم يرتبط بالتوبة والتنهد المتواضع والتوبة وندامة القلب التي لا تغرقه باليأس والحزن بل تعطي فرح الأمل بأن الخطايا سوف تغفر وأن باب الفردوس سيكون مفتوحاً للتائبين، وهناك شيء مهم في الصوم هو السكينة وسط الثرثرة وأداة للصمت وحارس للطاعة.

لا تغتذي الكنيسة بالكلمات الكثيرة لا سيما الغامضة والمربكة منها إنما بكلمات الكلمة. نحن وجميع الناس من حولنا نحتاج إلى كلمات قليلة وهذه يجب أن تخرج عن صمت القلب الذي يطيع في عمق اعماقه إرادة الله الصانعة السلام.

عدم الاهتمام بالعقيدة بين المؤمنين الأرثوذكس

عدم الاهتمام بالعقيدة بين المؤمنين الأرثوذكس

الأب جورج فلوروفسكي

نقله إلى العربية وعلّق عليه الأب أنطوان ملكي

ما هو بالتحديد ما شدّ الروس إلى الكنيسة؟ العقائد الأرثوذكسية أم التعليم الأرثوذكسي؟.. هذا كان في الماضي، خاصةً لدى الروم البيزنطيين، لكن ليس في روسيا. في زمان ما كان الناس مهتمين بالأسئلة الإيمانية، حتّى العلمانيين منهم. لكن الروس، ما عدا مجموعة من المتعلمين لاهوتياً منهم، لم يبلغوا إلى نقطة الاهتمام بمسائل الفكر اللاهوتي المجرد، وبالحقيقة لم يكونوا مهتمّين بكل المسائل اللاهوتية. قد يكون السبب أن الكنيسة فشلت في تنمية الاهتمام باللاهوت بين المؤمنين. لكن السبب الحقيقي في انعدام هذا الاهتمام هو أن الروس لم يهتمّوا ولا فهموا الوجه النظري لتحقيق أو تجسيد المُثُل العليا التي للكنيسة في حياة البشر. إلى هذا، إنهم يهتّمون بالوجه الطقسي للدين، جمالية الخِدَم، الأيقونات، الألحان وما شابهإن للطقوس قيمة عاطفية وتربوية، لكن قلّة الذين يفهمونها جيداً، والأغلبية لا يعرفون الحقيقة التي تشهد عليها أو ترمز إليها هذه الطقوس. خاصةً أن الطقوس بحد ذاتها تؤثّر وتحرّك وترفع وتوحي بغض النظر عن معناها.

ما إذا كان هذا الوصف دقيقاً لمقاربة الروس للمسيحية هو أمر غير مبتوت. لكن الموقف نموذجي بالنسبة لبعض مكوّنات الكنيسة الروسيّة. العديد من الكتّاب يؤكّدون أن الأرثوذكسيين يتعلّمون المسيحية لا من الكتاب المقدّس بل من حياة القديسين. كما أنهم يؤكّدون أن الأرثوذكسية بشكل عام ليست عقيدة بل حياة. الأرثوذكس لا ينشغلون بالنظم العقائدية بل بالحياة. إنهم لا يفهمون الحقيقة من خلال الفهم العقلي، بل من خلال القلب بطريقة جمالية. على المرء أن ينظر إلى التعليم الأرثوذكسي لا من خلال النظم، بل من خلال الصوَر، أي الطقوس والأيقونات. حتّى أن البعض يؤكّدون أنّ في الشرق الأرثوذكسي لا توجد نظرية المسيحيةبل بالمقابل يوجد قديسون وأيقونات وقصائد وغيره.

ما من أرثوذكسي أو كاثوليكي ينكر الأهمية الأساسية للطقوس وحياة القداسة. لكن المربِك في الصياغات التي أشرنا إليها هي اقتصاريتها (exclusiveness)، وتركيزها على النفي والاستلحاق لابل“. يتساءل المرء لماذا تُقيَّد النظم العقائدية والفهم العقلي ويُزدَرى بها ويُقضى عليها تقريباً. يبدو الميزان مكسوراً. في مطلق الأحوال، هذا التشديد الزائد على الوجه الفنّي للطقس لا يتّفق مع التقليد الحقيقي للفن الأرثوذكسي. وإذا كان ممكناً أن يتعلّم المرء من الترتيل والأيقونات الأرثوذكسية فهو بالتحديد لأن نظريةً مسيحيةً محددة مجسّدة ويعبّر عنها هناك. النظرية تعني قبل أي شيء التأمّل، إنها تبصّر ورؤيا، تبصّر شعري ورؤيا عقلية. بحسب التقليدي الروحي الأرثوذكسي، النوس هو القوة الحاكمة في الحياة الداخلية. الترتيل الأرثوذكسي الشرقي التقليدي الذي ورثه الروس عن اليونان ليس مجرّد كلمات، ولا هو معلَّم بالعاطفة بل بالرزانة. إنه شعر سامٍ لكنه بالحقيقة شعر ميتافيزيكي أو بالأحرى شعر لاهوتي ولا يتردد باستعمال مصطلحات لاهوتية محددة. بالواقع، إن بعض أهمّ الترانيم في الكنيسة الشرقية هي ببساطة إعادة صياغة للتحديدات العقائدية:ابناً متجسداً بغير أب هو المولود من الآب قبل الدهور بغير أمٍّ ولم يَنَلهُ تغيير أو انعجان أو انقسام، بل حفظ خاصّةَ كلّ من الجوهرين سالمةً(ثيوطوكيون باللحن الثالث). هذا هو تحديد مجمع خلقيدونيا وهو يتطلّب فهماً لاهوتياً. لقد قيل بحق أن الأيقونات الأرثوذكسية هي تحف عقائدية” (بولوتوف) لأنها تشهد للحقيقة نفسها التي تحددها العقائد، وبحسب المجمع المسكوني السابع، يجب ضبط الأيقونات بعقيدة صحيحة.

بالطبع، العقائد ينبغي عيشها وليس تقييمها بالتفكير المجرّد وحسب، ولهذا السبب بالذات يصير الإلحاح على الحياة لا العقيدة أمراً مضللاً. عادة الانقسام والانفصال تشوّه الحياة نفسها. لا يمكن فصل الروحانية عن اللاهوت عند القديس يوحنا الدمشقي أو القديس غريغوريوس النزينزي. قد لا يصل المرء إلى لبّ روحانية القديس يوحنا كرونشتادت عندما يستخرجها عمداً من رؤيته اللاهوتية. القداسة في التقليد الأرثوذكسي تُفسَّر دائماً لاهوتياً، وليس من خلال فئات العاطفة الجمالية أو التمجيد، بل من خلال تصنيفات الرزانة الروحية بالأمانة للحقيقة.

من المحرج بالحقيقة أن الاهتمام بالنظم العقائدية قليل، على غرار الاهتمام بعقيدة الكنيسة، في مختلف دوائر المجتمع الأرثوذكسي وأماكنه في أيامنا، وأن التقوىغالباً ما تكون منفصلة بالقوة عن الإيمان“. هناك الكثير من الاهتمام بالأوعية والقليل منه بالكنز الذي وحده يجعل الأوعية ثمينة. الرموز والطقوس هي مركَبات للحقيقة، إذا فشلت في إيصالها تفقد وظيفتها. للأسف كثيراً ما نسمع أن الاهتمام بالعقائدهو أمر بالغالب قديم ويعكس موقفاً يونانياً أكثر منه روسي. لا يوجد إلا تقليد إيمان أرثوذكسي واحد وهو يسمو فوق كل الحواجز القومية. عيد الأرثوذكسية الذي ما زلنا نحتفل به في الأحد الأول من الصوم هو عيد لاهوتي بشكل فائق الدقّة. إن تراث الآباء هو محور تقليدنا الأرثوذكسي وهو تراث لاهوتي. تعليم الآباء العقائدي هو ربيع الأرثوذكسية في الحياة. يستطيع المرء أن يؤكّد أن التشوّش القائم اليوم في الحياة سببه المباشر هو الإهمال المعاصر للتعليم السليم والافتقار للتعلّم السليم في شؤون الإيمان.

تَثْبُت الأرثوذكسية بأمانتها للمجامع المسكونية السبعة. في أغلب الأحيان، يُنسى أن ما شغل المجامع هو بالتحديد صياغة العقيدة المسيحية وتفصيل النظم العقائدية. أهي خطوة نحو الأمام أننا اليوم لا يحركنا ولا يثير إعجابنا هذا التعليم العقائدي الذي وضعه هؤلاء الرجال العظماء الذين قدّموا حياتهم بكاملها لتثبيت الأرثوذكسية، الإيمان الصحيح؟ نحن نمتدح الأقمار الثلاثة قبل كل شيء كمعلمين للمسكونة، لكننا وبشكل غريب لا نبالي لمساهمتهم الدائمة في حياة الكنيسة: أي بالتحديد تعليمهم ولاهوتهم وتفسيرهم للحقيقة المسيحية بكلمات العقل. ألا نحتاج، كأولوية، أن تستنير عقولنا بنور المنطق في هذه الأيام التي يسيطر فيها التشوش العقلي؟ من دون توجيه رزين ومن دون عاملِ العقيدة الصحيحة الراسخ لا تستطيع مشاعرُنا إلا أن تخطئ وقلوبُنا إلا أن تعمى.

علينا أن نقبل إحياء الدين ويقظة القلب الحاليين كعطية من النعمة وعلامة للرحمة الإلهية، لكنهما أيضاً استدعاء جذري ودعوة للدرس والفهم، إلى معرفة الحق الذي يحتضن حياتنا الأبدية. يوجد تحامل بائس من مصادر غير أرثوذكسية مفاده أن العقائد مجرّدة واللاهوت هو نشاط فكري (intellectualism). ربّنا ومخلصنا هو الكلمة (the Logos) وهو ينير كل الناس، والروح القدس معطي الحياة هو روح الحق. العواطف هي أمزجة بشرية بينما الحق إلهي. فلنزيّن الأوعية من دون أن ننسى أنها خزفية لكن فيها يختبئ كنز أبدي هو كلمة الحياة.

النص أعلاه كتبه الأب جورج فلوروفسكي في الثلاثينيات من القرن الماضي وعنوانه الكامل انتقاد لعدم الاهتمام بالعقيدة بين المؤمنين الأرثوذكس الروس”[1].

مذهلة مطابقة وصف فلوروفسكي للوضع الروسي في حينه والوضع الأنطاكي اليوم. دراسة علاقة اللاهوت بالحياة أمر كان وما زال ضرورة للحياة نفسها في كل مكان. ينتقد الأب فلوروفسكي عدم اهتمام المؤمنينبالعقيدة، وفي هذا الانتقاد يقدّم تعليماً متكاملاً حول علاقة اللاهوت بالحياة ودوره فيها. ماذا تراه يقول عن أنطاكية اليوم، أي بعد ثمانين سنة تقريباً من كتابة هذا المقال، وهي المدة نفسها منذ انتشار العمل النهضوي في أنطاكية على المستوى الشعبي، مع نشوء حركة الشبيبة الأرثوذكسية بشكل أساسي، وما تبعها ونتج عنها لاحقاً من إنعاش للحياة الليتورجية وإحياء للحياة الديرية؟ ينتقد فلوروفسكي عدم اهتمام المؤمنين بالعقيدة، فماذا تراه يقول لو قرأ محاضر المجمع الأنطاكي، أو اجتماعات كهنة الأبرشيات (حيث تُعقَد)، حيث يرِد كل شيء إلا اللاهوت أو المناقشة اللاهوتية؟ في أنطاكية، لا مكان للاهوت خارج معهد القديس يوحنا الدمشقي، إذا تواجد هناك، إذ لا يستطيع فكر أن يستمر ما لم يجد تصريفاً له. لو كان فلوروفسكي، أو أي لاهوتي آخر يسلك طريقه، في أنطاكية لكانت تعاملت معه الإدارة الكنسية كعبء من الحلال إقالته وإسكاته ونفيه.

إن انتقاد فلوروفسكي لروسيا في الأربعينيات، وما شابهه من المساهمات الغيورة، هي التي سهّلت وقوف الروسيا على قدميها بعد سبع عقود من القمع. وغياب الفكر اللاهوتي هو بالتحديد أول مانع لأنطاكية من الوقوف على قدميها. “تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ” (رؤيا 21:20).

[1] “A Criticism of the Lack of Concern for Doctrine Among Russian Orthodox Believers”. From The Collected Works of Georges Florovsky, ed. Richard S. Haugh (Belmont, MA: Nordland), Vol. XIII, Ecumenism I: A Doctrinal Approach, pp. 168-170.

الحديث عن الشيطان

الحديث عن الشيطان

توماس شو

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

قبل عقدين من الزمن، وكنت أرثوذكسياً يافعاً، تسنّى لي أن أستمع للأب ألكسندر شميمن. أنا لا أتذكّّر بوضوح موضوع حديثه، لكن جملة واحدة ما زالت ترنّ في أذنيّ: “ما يفاجئني في الحركة المسكونية هي أنه في ما هم يناقشون مشروع توحيد الكنائس العظيم، لا يزال الأرثوذكس يتحدّثون عن الشيطان“.

ما زالت الأرثوذكسية تتحدّث عن الشيطان لأننا ما زلنا نرى تأثيره على الحضارة حولنا وما زلنا نختبر حربه على الكنيسة. ولأننا منخرطون في هذه الحرب غير المنظورة، فإن اللاهوت الأرثوذكسي هو دوماً ديناميكي (مفعَم بالحيوية). على كل جيل أن يكتشف حقائق التقليد المقدس من جديد، وفي سياق عملية الاكتشاف هذه يوجد فهم مختلف لفحوى التقليد. هذه الديناميكية لطالما أظهرت في الكنيسة لاهوتيين مثيرين للجدل، هو أولئك الذين يتخطون الصياغات الآمنة ويحاولون إعادة صياغة التقليد مستعملين علامات إرشادية (guideposts) غير مألوفة.

أحد هؤلاء اللاهوتيين هو الأب يوحنا رومانيدس. على عكس العمل الاختصاصي الصغير المنتشر اليوم، فإن عمله يقدّم أطروحة موحّدة بقوة يطبقها على مساحات واسعة من الزمان والمكان. البعض يرفضون جرأته معتبرين إياها تبسيطية وعقائدية بشكل مفرط…

بنظر الكثيرين، الأب رومانيدس هو الأستاذ الشارد. كنيته في كلية الصليب المقدس كانت نصف الليل، لأنه ينسى ما حوله عندما تبدأ المحاضرة. كل محاضراته تبدأ بالطريقة نفسها، جالساً متكلماً بصوت ناعم بالكاد يُسمَع، غالباً ما يبدأ بالفكرة من وسطها وكأن المحاضرة كانت قد بدأت في رأسه قبل الصف، ومع ارتفاع حرارة موضوعه يزداد علو صوته ولمعان عينيه. قد يهدأ في بعض الأوقات ويبدو كأنه نكس رأسه لفترات قصيرة. قاعات محاضراته كانت دوماً مكتظة لأنه دائماً كان لديه ما يقدمه. قد يبدو غريباً أن محاضراته بدت دوماً وكأنها في التاريخ مع أن اختصاصه كان العقائد. تفاصيل مجريات الأمور في القرنين التاسع والعاشر في أيطاليا وفرنسا، أو حيثيات فرنسا وروسيا في القرن الثامن عشر، لطالما كانت موجودة في المحاضرات. كثيرون انتقدوه لهذا السبب، لكنه في النهاية لم يكن عالم تاريخ متمرّساً، بل ﻻهوتياً في الآبائيات، علّم أن من غير الممكن فهم الآباء من دون فهم تاريخهم.

أطروحة الأب رومانيدس شاملة: هدف الكنيسة هو شفاء الإنسان من المرض الروحي الذي جلبه السقوط وتأهيله لمعرفة الله. يتميّز مرض الإنسان بالسعي إلى السعادة. الأطروحة الثانوية هي أن المجادلات العقائدية عِبر التاريخ سببها أولئك الذين لا يفهمون عمل الكنيسة كمشفى روحي. وعليه، فإن الفرق الحقيقي عن الغرب هو أنه خسر هذا الفهم لأن المؤسسات الكنسية الغربية اُخضِعَت للسلطات السياسية وتحوّلت إلى مؤسسات سياسية هدفا سعادة الإنسان بدلاً من تمجيده، وغفران الخطايا بدلاً من التطهر.

هذه هي الأطروحة المثيرة للجدل. من المقبول في الدوائر المسكونية أن يُفَسَّر الانشقاق بين الشرق والغرب بأنه ثقافي. بحسب هذا المفهوم، فإن كنيسة الغرب الرومانية، المتكلّمة باللاتينية، وكنيسة الشرق البيزنطية المتكلّمة باليونانية، تغرّبتا بسبب عوامل ثقافية وسياسية. أمّا العناصر الأساسية للكنيسة غير المنقسمةفقد بقيت نفسها في الشرق والغرب معاً. وعليه فإن مهمة اللاهوت المسكوني هي استعادة هذا الفهم المشترك.

تهاجم اطروحة رومانيدس هذه المفاهيم. لم يكن هناك يوماً امبراطورية بيزنطيةبل هذه كانت اختراعاً من عمل مؤرخي الغرب في القرن الثامن عشر. المؤسسات الرومية السياسية بقيت سليمة منذ إنشاء روما الجديدة أي القسطنطينية في القرن الرابع إلى سقوطها في القرن الرابع عشر. لهذا، يخبر رومانيدس قصة مختلفة، غير قصة الشرق اليوناني والغرب اللاتيني، بل قصة الروم والفرنج. ليست قصته هي عن شعب ينفصل بل عن الروم في جهادهم لتثبيت حقائق الأرثوذكسية حتّى عند مواجهتهم لمعارضة مستحيلة. يفهم رومانيدس القرون العصيبة التي قادت إلى الانشقاق والحملات الصليبية على أنها إخضاع للشعب الرومي في الغرب للأسياد الفرنج الذين بالنتيجة استطاعوا أن يُخضِعوا حتّى البابوية نفسها لمشروعهم الإقطاعي.

إن حقيقة هذه الأطروحة موجودة في اللغة الإنكليزية. من الأمثلة “franchise” التي تعني أن يكون الإنسان قادراً على الانتخاب، هي في الأصل أن يكون له حقوق الإفرنجي. “villain” تعني الإنسان الشرير، وفي الأصل هي ساكن المدينة الروماني. ليست الامبراطورية الرومية في الشرق هي مَن تغرَّبَت عن جذورها وتقاليدها، بل الامبراطورية الرومانية في الشرق التي تمّ استبدالها بالإقطاعية. وعليه، فيما يناقش اللاهوتيون الآخرون مشروع توحيد الكنائس يستمر رومانيدس في الكلام عن الشيطان.

أطروحة رومانيدس هي قصة هذه الحرب المنظورة وغير المنظورة. إنها قصة الأسر البابلي للكنيسة في الغرب والتهديد لنا كأرثوذكسيين بأننا إن لم نفهم تاريخنا وتراثنا وتقليدنا المقدس بالشكل الصحيح. إذا سمحنا بأن تكون الكنيسة الأرثوذكسية ببساطة مجرد مؤسسة ثقافية أخرى بكل طقوسها وممارساتها المتميزة، فنحن نلعب لعبة الشيطان ونخضِع أنفسنا لأسيادنا مستسلمين.

بسبب الجدال حول أطروحته الثانية يفقد الكثيرون مسار أطروحته الأولى. فبتعبيره هو: “نحن ملزمون بأن يكون عندنا صورة واضحة عن الإطار الذي فيه رأت الكنيسة والدولة مساهمةَ الممجدين في شفاء مرض الدين الذي يشوّه الشخصية الإنسانية عن طريق بحثها عن السعادة في هذه الحياة وبعد موت الجسد. إن الامبراطورية الرومانية دمجت الكنيسة الأرثوذكسية في بنيتها الإدارية من خلال هذا الإطار. لا الكنيسة ولا الدولة رأت أن مهمة الكنيسة هي غفران خطايا المؤمنين وحسب، لكي يدخلوا إلى الملكوت في الحياة الثانية… كلا الكنيسة والدولة عرفتا جيداً أن غفران الخطايا كان بداية الشفاء من مرض السعي إلى السعادة الذي تعانيه البشرية. يبدأ الشفاء بتطهير القلب، ويصل إلى استعادة القلب لحالته الطبيعية من الاستنارة، ويبدأ الشخص كلّه بأن يكون كاملاً متخطياً قدراته الطبيعية بتمجيد جسده بمجد الله غير المخلوق. إن ثمرة هذا الشفاء والكمال لم تكن التهيئة المناسبة للحياة بعد موت الجسد، بل أيضاً تحول المجتمع الآن وهنا من تراكم أفراد أنانيين متمحورين حول ذواتهم إلى مجتمع من الأشخاص الذين عندهم المحبة التي تنكر الذات ولا تطلب شيئاً لذاتها“.

الدور النبوي لجبل أثوس في العالم الحاضر

الدور النبوي لجبل أثوس في العالم الحاضر*

جان كلود لارشيه

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

إن الرهبنة بشكل أساسي هي عيش الحياة المسيحية في التزام كامل بإنكار العالم وتكريس الذات لله. من وجهة النظر هذه، الرهبنة هي نفسها في كل مكان، وكل دير أو إسقيط أو منسك هو مكان متميّز، مركز مرجعي للحياة الرهبانية وطريقة الحياة المسيحية. إلى حد كبير، ما يُقال عن الرهبنة يمكن قوله عن جبل أثوس، وما يمكن قوله عن الجبل المقدس يمكن قوله عن الرهبنة.

لكن جبل أثوس لطالما كان مكاناً فاتناً، يشدّ انتباه ليس فقط الأرثوذكسيين، بل أيضاً الناس الذين ينتمون إلى أديان أخرى وحتّى غير المؤمنين. هذا يتمّ برهانه من عدد الكتب والمقالات عن جبل أثوس، كما من السيل الذي لا ينقطع من الحجاج والزوار من حول العالم. هذا الافتتان ليس جديداً، بل على الأكيد هو أعظم في أيامنا منه في السابق وذلك لعدة أسباب.

1) السبب الأول هو أن جبل أثوس هو جمهورية مستقلّة، وعليه هو بمثابة وطن، يقطنه رهبان فقط ومكرّس بالكليّة للحياة الرهبانية. بالرغم من أن في كل بلد أرثوذكسي منطقة فيها عدة أديار، ما من بلد يجمع هذا العدد الكبير من الأديار والأساقيط والمناسك، وهو منطقة يحكمها الرهبان، مع حدود حقيقية تفصله عن البلدان والمناطق المجاورة له. إنه منطقة محمية لا فقط سياسياً، إدارياً وجغرافياً (كونه شبه جزيرة)، لكن أيضاً روحياً كون جبل أثوس يسمّى حديقة والدة الإلهوهو يُعتَبَر مكاناً يخصّها وهي موجودة فيه بشكل خاص. بهذا، هو بلد يقطنه رهبان بكامله، لا يسمح بحرية تنقّل الأفرادالتي تطلبها القوانين الأوروبية، لا يسمح بتدفق السوّاح، ولا يقبل بدخول النساء، بل يمدّ النسيج الرهباني إلى مدى حدوده الطبيعية والجغرافية. إن جبل أثوس هو أرض ليست كغيرها.

2) ثانياً، إن جبل أثوس هو شهادة لملكوت الله الموجود في ما بيننا الآن.

إن جبل أثوس يأوي أكبر عدد من رفات العالم الأرثوذكسي وأكثرها أهمية. هذه الرفات تجعل كل القديسين المسيحيين تقريباً حاضرين وفاعلين بمعجزاتهم.

جبل أثوس هو نقطة تتركّز فيها الحياة الرهبانية ومكانٌ مؤاتٍ للقداسة. بعضهم هم معاصرونا ومعروفون في كل العالم، كالقديس سلوان الأثوسي، يوسف الهدوئي وأبنائه الروحيين، أو القديس باييسيوس. من خلال قديسيه الكثيرين في الماضي والحاضر، يبدو جبل أثوس، بحسب تعبير كاتب المزامير، الجبل المثمر، الجبل الخصِب“ “الجبل حيث يرضى الرب أن يحياوحيث
حيث يعيش الى الأبد” (مزمور 16:67-17).

3) ثالثاُ، جبل أثوس هو مذكِّر بالملكوت وإعلان له.

ليس فقط من خلال قديسيه، لكن أيضاً كمكانٍ مبارك ومؤسسة مقدسة، يظهِر جبل أثوس بشكل نبوي عالماً آخراً يعطي معنى للعالم الحاضر. فأثوس المدعو أيضاً الجبل المقدس وحديقة العذراء هو صورة للفردوس، ومذكّر بالفردوس الذي فقده أبوانا الأولان، وتصوير رمزي للفردوس الموعود به الأبرار.

أ) يقدّم جبل أثوس صورة للطبيعة الفردوسية لأن في تنوّع المناظر الطبيعية التي تمتد من مستوى البحر إلى علو ألفي متر، حيث قمة أثوس، يعيش الكثير من النباتات وأنواع الحيوانات مشكِّلَة عالماً صغيراً يلخّص العالم. سبب آخر هو أن الطبيعة تبقى غير ملموسة ومحمية من الاستغلال الاقتصادي والتلوث الصناعي. إن وجوده في العالم المعاصر هو ذو قيمة نموذجية. إنه نموذج لعلم البيئة الروحية التي تبرهن تكاملية الخليقة التي أوكلها الله للإنسان في اﻷصل لاستعماله وسدّ حاجاته، فيما هي في الوقت عينه وسيلة للتأمّل والشكر.

ب)إن مدى جبل اثوس يعكس المدى السماوي أيضاً، و يشير إلى مدى مملكة السماوات. على خلاف مساحات كل البلدان في العالم، المنقسمة بين المقدس والدنِس وأحياناً هي دنسة بالكامل، تبدو مساحة جبل أثوس مقدسة بالكلية، ليس فقط بوجود عدد كبير من الأديار والأساقيط والمناسك والكنائس والمزارات، بل أيضاً ﻷنها تقدست كلها بالقديسين الذين مرّوا بكل هذه الأماكن وملؤوها بأصوات صلواتهم وبثوا في كل نقطة فيها القوة الإلهية التي تشعّ. في كلّ مرّة نسير على ممرٍ في جبل أثوس، نكون واثقين بأننا نضع أرجلنا على خطى قديسين سبقونا هناك. الكثير من الأماكن في الطبيعة تحتفظ بذكرى ظهور المسيح ووالدة الإله أو القديسين. ما من دير هنا أو منسك أو مزار أو نبع ماء أو ساقية لا يمكن تفسير وجودها برؤيا سماوية أو معجزة.

ج) ينبغي قول بعض الكلمات أيضاً عن المعنى النبوي للزمان اﻷثوسي. أحد الأمور ذات التأثير الملموس على زوار جبل أثوس، والتي تثير الحيرة إلى حد ما، هي تغيّر الزمان. أغلب الأديار تتبع التوقيت البيزنطي، الذي لم يعد يشير لأي توقيت آخر في أي بقعة من الأرض.يسمي الرهبان توقيتنا الساعة العالمية (kosmiki ora)”. التوقيت البيزنطي ليس مجرد رفات من العصور القديمة، إنه يظهر نمطاً آخراً للوقت، وقتاً روحياً، مقدساً لأنه مكرَّس بالكلية لله، مقسماً ومرتباً ليلبّي مشيئته. إنه يذكّرنا بشكل رمزي بالتوقيت السماوي ويعلن زمن الملكوت.

4) نقطة مهمة رابعة هي حياة الجماعة كما هي مرتبة عبر الجبل ككل وفي كل دير على حدة، هي دعوة للوحدة بين البشر، وشهادة بأن هذه الوحدة ممكنة في المسيح. في عالم ممزق بالحروب والعصبيات الوطنية، والصراعات الإثنية والتعصب فإن هذه الشهادة وهذه الدعوة هما بالفعل نبويتان.

إن جبل أثوس بأكمله يشهد ولأجيال كثيرة على العلاقات الحسنة بين الجماعات الآتية من خلفيات إثنية مختلفة التي لا تتعايش بسلام وحسب، بل تعيش بتناغم في رباط المحبة.

في رباط المحبة تحكم الحكومة المقدسة جبل أثوس، وهي مؤلفة من ممثلي الأديار الرئيسية، لا بحسب المبادئ الديموقراطية العالمية بل بروح المجمعية المسيحية. كل دير يقدّم شهادة تشبه الأخرى، وهو يديره مجلس شيوخ يرأسه رئيس الدير وينتخبه الرهبان.

5) كنقطة خامسة، تنبغي الإشارة إلى الأدوار الرئيسية التي لعبها جبل أثوس في تاريخ الأرثوذكسية، والتي لها اليوم أهمية عظمى: الحفاظ على التقليد والدفاع عن الإيمان الأرثوذكسي. هذا دور نبوي لأن في التقليد أن النبي هو مَن يذكّر الناس بإخلاصهم لله، وهو مدافع عن الإيمان في وجه كلّ ما يسعى إلى تبديله أو حرفِه.

في عالم خاضع للتغير بسرعة متزايدة، يعطي جبل أثوس مثالاً عن استقرار صورة العالم الإلهي وديمومتها. إن رهبان أثوس محفوظون من العطش إلى التغيير والحركة التي تسبب الدوار اللذين يشغلان الناس السالكين في العالم، وهم مصونون من الضغط الاجتماعي الذي يفرض الالتزام بمختلف الأوجه لنمط حياة المجتمعات الحديثة، وهكذا يحفظون بدقة القوانين الكنسية، والممارسة الليتورجية ونمط الحياة النسكي الذي سلّمه إلينا آباؤنا القديسون من جيل إلى جيل.

إن الصيانة الدقيقة حتّى لأصغر التقاليد كانت الشرط للحفاظ المثالي على التقليد الأرثوذكسي لأكثر من ألف عام. لقد ساهم الرهبان اﻷثوسيون بشكل كبير في الحفاظ على الإيمان الأرثوذكسي في كل اللحظات الصعبة في التاريخ حين كان يُهدَّد الإيمان، وما زالوا يقومون بذلك إلى اليوم. ولهذا هم يتمتعون بهيبة خاصة وسلطة كبيرة.

إن الدور النبوي، كالساهر والمنارة، الذي يلعبه جبل آثوس عادة في العالم الأرثوذكسي بإشارته إلى الانحرافات عن التقليد وتذكير الناس بما هو الإيمان الحقيقي، هو دور ذو أهمية خاصة في عصرنا الحالي، حيث يمكننا أن نلاحظ الوهن الكبير في الوعي العقائدي.

6) النقطة السادسة والأخيرة، إن جبل أثوس يساهم بطريقة أساسية في الحفاظ على الروحانية الأرثوذكسية في حالة ثابتة ونابضة بالحياة. هذه الروحانية فصّلها رهبان فلسطين وسوريا وسيناء والستوديون في القسطنطينية، لكن الآباء الأثوسيين صاروا منذ القرن الثالث عشر الورثة الرئيسيين والحفظة لهذه الروحانية. لقد صار جبل أثوس نموذجاً ذهبياً للنسك والروحانية، وجذب الكثير من الرهبان من كل البلدان. عند زيارتهم أو عودتهم لبلادهم يساهم هؤلاء الرهبان بشكل كبير في نشر هذه الروحانية. لطالما كان جبل أثوس، بشكل خاص، مركزاً لممارسة صلاة يسوع والروحانية الهدوئية. ودوماً تجد هذه الممارسة مركزها في جبل أثوس.

إن لدى آباء جبل أثوس مهمة إيصال هذا التقليد القديم إلى شعوب اليوم وعليهم مسؤولية تسليمه إلى الأجيال القادمة. في هذا أيضاً يكمن دور الرهبنة اﻷثوسية النبوي والأخروي.

* ورقة مقدّمة في المؤتمر الدولي الروس – الجبل المقدس أثوس: ألف سنة من الوحدة الروحية والثقافية” (موسكو، 21-24 أيلول 2016).

The Prophetic Role of Mount Athos in the Contemporary World, http://www.pravoslavie.ru/english/99644.htm