تقديس الجسد البشري

تقديس الجسد البشري

أثناسيوس ميتروبوليت ليماسول

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

الإنسان هو هيكل الله الحي. هذا تعليم رسولي في كنيستنا، ما يعني أنه كما تسكن نعمة الله، نعمة الروح القدس في الكنيسة، الأمر نفسه ينطبق على الجسد البشري ونحن هياكل الله الحي. نحن نسمي الله حيًا لأنه لم ينعزل في مكان ما في السماء ونحن ببساطة نؤمن به ونقبله، لأنه يقيم فينا ونحن هيكله. بطبيعة الحال، لا يعني القديس بولس أن جزءًا من الوجود هو هيكل الله، بل يعني أن الشخص كله مُقدَّر له أن يصبح هيكل الله وعندما يتحقق ذلك يصبح حقيقة. هذا هو السبب الذي يجعلنا نظهر احترامًا وشرفًا كبيرين للشخص البشري بأكمله

عندما نكرّم قديسي الكنيسة، الذين هم أناس أكّدوا أنهم حقاً هياكل للإله الحي، فحفظوا وصاياه ووجدوا الحق، فإننا لا نكرّم أرواحهم أو تعاليمهم ولا حتى عقلهم فقط. نحن نكرّم القديسين كبشر كاملين، أشخاص تقدّسوا في كامل أرواحهم وجسدهم. لهذا نبجّل ذخائر القديسين المقدسة في الكنيسة وعظامهم التي نالت نعمة الروح القدس وهي هياكل للإله الحي. هذا هو السبب في أننا نحن المسيحيين الأرثوذكسيين لا نكرّم الرفات ببساطة كما نكرّم أسلافنا، لكننا نحتضن بقايا القديسين واشياءهم والأيقونات المقدسة لأننا نؤمن حقًا أننا بهذه الطريقة نتواصل بنعمة الروح القدس الذي اقتناه هؤلاء القديسين. بطبيعة الحال، هم لم يقتنوه فقط في هذه الحياة بل هم ازدادوا به الآن، إذ يحيون في حضرة الله

يصعب على الناس في الغرب أن يفهموا التوقير الذي نشعر به نحن المسيحيون الأرثوذكسيون تجاه القديسين عندما نبجّل بقاياهم المقدسة. في المسيحية الأرثوذكسية، كل شيء حول وجه القديس، لأن التمجيد يعمل على كل الكائن البشري في القديسين ويحتضنهم بالكامل. لهذا السبب، من الناحية الطبيعية، ترتبط القداسة بالأخلاق والتمام الخارجيين، لكن هذا ليس كل شيء بحسب الكنيسة الأرثوذكسية

القديسون هم بالطبع أخلاقيون ومستقيمون، لكن نعمة الروح القدس تتخطى هذه السمات البشرية والدنيوية وهي قوة الله غير المخلوقة التي تغطي كيان الشخص بأكمله بحيث يتقدس ككل. كما هو مذكور في الإنجيل وأعمال الرسل القديسين – وهذا إجابة واضحة لشهود يهوه والبروتستانت – ذهبت المرأة التي تعاني من نزف الدم ولمست طرف ثوب المسيح وشُفيت على الفور. لذلك نسأل: هل من الممكن أن يكون الثوب قد صنع المعجزة؟ بالطبع لا. كان المسيح هو الفاعل وذلك من خلال إيمان المرأة. كما جاء في سفر أعمال الرسل، أنه بمجرد أن يسقط ظل الرسول بطرس على المرضى، كانوا يُشفون. حتى أن  عباءات الرسل استُخدمت لعمل المعجزات. بالإيمان ونعمة الروح القدس، كانت المعجزات تتم ولا تزال. من الطبيعي أن القديسين لا يصنعون المعجزات بأنفسهم: إنها نعمة الروح القدس الساكن فيهم وأشياءهم التي تعمل جنبًا إلى جنب مع إيمان الناس والتي تصنع المعجزات والعلاجات وجميع التأثيرات المألوفة الأخرى التي تؤديها الرفات المقدسة والأيقونات المقدسة من أجل كل الذين يقاربونها بإيمان

وعندما يتحدث القديس بولس عن خطايا الجسد، فذلك لأن من واجبنا أن نحافظ على أجسادنا طاهرة وخالية من أي دنس وأي خطيئة، لأن الجسد مصيره أن يتمجد، كلّ الجسد مصيره التألّه والتقديس

عندما نُعمّد، نعتمد بكاملنا، لأننا نتقدّس ككل موحد. لهذا السبب، يتمّ دائمًا احترام رفات المسيحيين الراقدين والحفاظ عليها جيدًا. وهذا هو السبب أيضًا في أن الكنيسة الأرثوذكسية لا تقبل حرق أجساد الموتى: ليس لأن المسيح سيجد صعوبة في إحياء الموتى الذين أُحرِقوا، بل لأن تجنيز جثث الموتى ودفنها هو تعبير عن إيماننا بأن الجسد مقدس ومصيره التقديس والتمجيد بانتظار قيامة الأموات

Source: St. Andrew Greek Orthodox Church

معرفة الذات ومعرفة الله بحسب القديس غريغوريوس اللاهوتي

معرفة الذات ومعرفة الله بحسب القديس غريغوريوس اللاهوتي

جورج مانتزاريذس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

ينتقد سقراط السفسطائيين لنهجهم النفعي واللاأدري، جنبًا إلى جنب مع الذين سعوا لمعرفة المزيد عن طبيعة العالم والقوانين التي يعمل بها فيما كانوا غير مبالين بمعرفة أنفسهم، فيقول: ” بِالنّتِيجَة، ما الذي يحدث لهؤلاء الناس؟ هل اعتقدوا أنهم يعرفون كما ينبغي في المسائل الإنسانية والعناية بها، أم أنهم ربما تخلّوا عن الإنسان وبدلاً منه يفحصون أشياء أخرى، و علاوة على ذلك، لديهم انطباع أنهم يفعلون ما ينبغي فعله؟”[1]ـ

بالنسبة لسقراط، الواجب الأساسي للإنسان هو معرفة الذات “أن تعرف نفسك”. بدون معرفة الذات، يبقى الإنسان أساسًا في حالة جهل أو يكون مخطئًا، وعادة ما يكون لديه انطباع خاطئ عن المعرفة. لهذا السبب حاول سقراط إثبات جهل الذين اعتقدوا أنهم يمتلكون المعرفة وإعفاءهم من انخداعهم. كان يقترب من الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم مرجعيات في مجال معين من المعرفة، وأثناء الحوار معهم كطالب بسيط، يثبت أنهم، في النهاية، كانوا جاهلين حتى بموضوع معرفتهم

يقول سقراط إن نقطة البداية الصحيحة الوحيدة للمعرفة هي إدراك جهل المرء: “الشيء الوحيد الذي أعرفه هو أنني لا أعرف”. من خلال هذا الإدراك، يصل المرء أولاً وقبل كل شيء إلى تقدير حالته الخاصة من الاحتياج، وبالتالي يتجنب الغطرسة والغرور. بهذا يتطوّر شعور المرء بحدوده وقيوده الخاصة؛ فكل ما هو مهيئ للقيام به يجرّبه، ويتجنّب كل ما يتجاوز قدراته.[2] على الرغم من ذلك، فإن معرفة الذات لا تقيم جسراً بين الفراغ الأنطولوجي الذي يشعر به الناس في الداخل، ولا تُشبع الرغبة في معرفة الحقيقة التي تميز الطبيعة البشرية

بقدر ما يتجاهل الإنسان الحقيقة يصير عاجزاً عن الشعور بالاكتمال والحرية. للحقيقة أهمية حيوية للإنسان؛ فهي تكشف معنى الحياة وهدفها، بينما معرفة الحقيقة تحرر من الباطل والضلال. رغبتنا في معرفة الحقيقة تقودنا في رحلة استكشاف لا تنتهي. ومع ذلك، فإن هذه الرحلة لا تقود إلى الرضى، بل تؤدي في النهاية إلى طريق مسدود وخيبة أمل. وهذا طبيعي وحسب، بالنظر إلى أن استكشاف الحقيقة هو في النهاية استكشاف لاهوتي، وهذا لا يمكن تحقيقه على المستوى الإنساني البحت

للحقيقة طابع أبدي لا يمكن إيجاده على مستوى الفساد والموت. على أي حال، فإن أي شيء يتحرك على هذا المستوى يتم تزويره بالفساد والموت وبالتالي لا يمكن أن يكون صحيحًا. ترتبط الحقيقة بالحياة، وبالحقيقة بالحياة الأبدية الخالدة. هذا يعني أنها حية، ولا يمكن أن تموت ولا تفسد. لا يمكن أن تكون الحقيقة شيئًا ميتًا أو هامدًا. ولا يمكن أن تكون فكرة غامضة أو مجردة. يجب أن تكون حقيقة حية. ولكي تكون الحقيقة حقيقة حية، يجب أن تكون شخصية وموضوعية. بالنسبة للمسيحية، الحقيقة هي شخص المسيح، الذي هو في نفس الوقت الحق والحياة ؛[3] هي الله نفسه

كون الإنسان مخلوقاً على “صورة الله ومثاله” فهو يرتبط بالله، وهو قادر أكثر من أي كائن آخر على إيجاد الحقيقة وقبولها، وإيجاد الله وقبوله. علاوة على ذلك، كشخص حي، يتقبّل الإنسان منذ البداية العلاقة الشخصية والشركة مع الإله الشخصي الحي. ومع ذلك، فيما يرتبط الإنسان بالله ويمتلك في داخله بصمة الصورة الإلهية، فإن ارتداده أساء إلى هذا الارتباط وشوّه وجوده. لقد توقف عن التواصل مع الله، بعد أن استسلم لقوة الشر. وبذلك أظلم عقله وأضعف كيانه بالكامل

الخطيئة الجديّة، بحسب القديس غريغوريوس اللاهوتي والتقليد الأرثوذكسي، ليست مجرد حدث موضوعي بدأ بآدم وانتقل إلى نسله. هذه الخطيئة، التي ارتُكبت بعمل استقلالي متغطرس أدى إلى مرض قاتل لطبيعة الإنسان وخضوعه للفساد والموت، لا تشمل فقط جدّنا آدم بل كل شخص. لقد أصبحت مرض طبيعتنا. يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي بشكل مميز: “يا لِمَرضي! لأني اقتنيت مرض الجدّ.”[4]ـ

لكي يشفى الإنسان، عليه أولاً وقبل كل شيء أن يدرك حالته. يجب أن يعرف سبب مرضه، وهو الغطرسة، وأن يعترف بتواضع بجهله بالمعنى السقراطي للكلمة. بينما عرف آباء الكنيسة واستخدموا الفكرة اليونانية القديمة “اعرف نفسك” كما روج لها سقراط، فقد فضلوا التعاليم الكتابية “احْتَرِزْ”.[5] على الرغم من أن هذين القولين مرتبطان ارتباطًا وثيقًا ويمكن اعتبارهما متطابقين بمعنى ما، إلا أنهما يختلفان في الجوهر. وهذا الاختلاف له أساس أنثروبولوجي ولاهوتي

إن معرفة الذات اليونانية القديمة، كعملية تتمحور حول الإنسان، لا تقدّم للإنسان الحقيقة الخالصة ولا ملء الحياة. الإنسان في حالة ارتباك وسقوط. هذا يعني أن كل شكل من أشكال المعرفة البشرية مشوه وغير مؤكد. إن معرفة المرء بذاته هي في الحقيقة مجرد معرفة تقليدية لنفسه الساقطة والمريضة. بالطبع، هذه المعرفة ضرورية لمساعدة الإنسان في البحث عن الحقيقة، ولكن يجب أن يصاحبها التواضع. الحكمة، حسب القديس غريغوريوس اللاهوتي، هي “معرفة الذات أيضًا، ولكن دون أن تكون متكبرًا”[6]. عندما لا يحاول الإنسان البقاء ضمن حدوده الصحيحة، بل يصبح متفاخرًا “بشكل مفرط”، فإنه ينقاد إلى جنح خطيرة. ويصبح هذا واضحًا بشكل خاص خلال المواقف الأكثر صعوبة في الحياة. في مثل هذه المواقف، على ما يؤكد القديس غريغوريوس، يُصاب الناس بالدوار، ويغرقون في آرائهم الخاصة غير قادرين على قبول أن حكمة الله أعظم من حكمتهم: “إنهم لا يقبلون أن الله أكثر حكمة منهم، كلما شعروا بالدوار أمام حادث ما”.[7]ـ

يوجد لاتماثل كامل بين الله والإنسان. الله غير مخلوق والإنسان مخلوق. أي محاولة بشرية للاقتراب من الله غير المخلوق أو معرفته محكوم عليها بالفشل منذ البداية. علاوة على ذلك، فإن أي مفهوم أو رسم لله قد يتصوره المرء هو تقليدي تمامًا ومقتصر بشكل لا مفر منه على مستوى العالم المخلوق. لا يستطيع المرء التغلب على حاجز المخلوقية ومعرفة الله غير المخلوق. في النهاية، لا يعرف الإنسان الله إلا عندما يعلن عن نفسه: “معرفة الله، أو بالأحرى أن يعرفه الله”[8]. إذا لم يُعرّف الله نفسه للإنسان، فلا يمكن لهذا الأخير أن يعرف الله؛ لا يستطيع أن يكتسب معرفة حقيقية عن الله

أصبح ظهور الله في التاريخ ممكنًا من خلال المبادرة الإلهية ورضوخ الإنسان. تم إعداد هذا الظهور بين أبرار العهد القديم وتم إنجازه بدخول مريم العذراء في التاريخ. بتواضعها الكامل، وشخصيتها العذراء، ونقاوتها التي لا تُضاهى بالنفس والجسد، التي تلقّتها من الروح القدس[9]، أصبحت “إناء غير مخلوق” ووعاء الكلمة الإلهية التي لا يمكن احتواؤها؛ أصبحت والدة الإله. يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي إن كل من لا يعترف بأن العذراء مريم هي والدة الإله يكون “بلا ألوهية”[10]ـ

عند الحديث عن شعب الله المختار في العهد القديم، غالبًا ما ننسى المكانة الأساسية للشخص على هذا النحو في مجمل كشف التدبير الإلهي. على أي حال، نشأ الشعب المختار بسبب اختيار شخص معين، إبراهيم، واستمر هذا مع إقامة العلاقات الشخصية والحوار بين الله وأبرار العهد القديم. ينكشف الله كشخص وهو يدعو كل إنسان شخصيًا للخلاص والكمال. هذا هو السبب في أن ذروة العمل التحضيري للتدبير الإلهي لم تكن حدثًا تاريخيًا أو حتى اتفاقًا تاريخيًا خاصًا، كما يُعتقد غالبًا، بل كانت ظهور الشخص الأكثر كرامة، أي والدة الإله القدّيسة.[11]ـ

يشغل البشر كأشخاص الموقع الأساسي في مهمة التدبير الإلهي. والمهمة الأولى التي يجب على الأشخاص تحقيقها هي معرفة أنفسهم واكتساب إدراك أصلهم والغرض من وجودهم. اعرفْ من أين تستمد وجودك، كما يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي، أنفاسك وفكرك وقدرتك السامية على معرفة الله ووضع رجائك في ملكوت السماوات والمساواة مع الملائكة والمجد … أن تكون ابنًا لله وارثًا مع المسيح، وأجرؤ على القول، لتصير إلهًا، مِمَن وأين أخذت هذه الأشياء؟[12]

تصبح معرفة الذات نقطة انطلاق نحو معرفة الله، كإنجاز شخصي وجماعي. هذا ما يتيح التوجه الصحيح في الحياة. يلاحظ القديس غريغوريوس اللاهوتي أن الإنسان عالم ثانٍ. هو ليس عالماً صغيراً وحسْب أو، كما يُزعم غالبًا، “عالم مكروي (microcosm)”. إنه بدلاً من ذلك “عالم عظيم داخل الصغير” مشرِف على الخليقة المرئية ونسكي العقل؛ إنه أرضي وسماوي، مؤقت وخالد، مرئي وغير مرئي. إنه “كائن يعيش على الأرض ، لكنه ينتقل إلى عالم آخر و … يتألّه من خلال محبته له”.[13] هذه الرؤية للحياة البشرية رائعة حقًا. إنه احتمال الانتقال من الزمن الدنيوي إلى الخلود السماوي، إلى التألّه. إتمام مثل هذا التحول يتطلب ديناميكية لا يمكن تصورها

يتحقّق هذا التقدم التصاعدي الديناميكي من خلال ثلاثة ولادات. الولادة الأولى وهي على أساس الدم والجسد، يدخل الإنسان هذا العالم ويخرج منه بسرعة. بالولادة الثانية التي تتم حسب الروح القدس والمعمودية، يبلغ الإنسان روعة السماء. أخيرًا ، بالولادة الثالثة التي تأتي من خلال الدموع والحزن الشديد  تُستعاد صورة الله (التي أظلمت) في الداخل.[14]ـ

خلال التقدم التصاعدي الديناميكي الموصوف هنا، لضبط النفس ومعرفة الذات أهمية كبيرة. عندما يفحص الإنسان نفسه باستمرار ويقترب من وجهته الأخروية التي نقشها الله منذ البداية في كل شخص،  تزداد معرفة الإنسان بالله والدخول في شركة معه

ومع ذلك ، نظرًا لأن الإنسان التجريبي يجد نفسه في حالة غير صحية روحياً، فلا يمكنه الاعتماد على نفسه وبدلاً من ذلك يحتاج إلى معرفة ماهية الإنسان الأصيل وكيف يمكنه أن ينمو ليكون مشابهًا. لهذا السبب، عند الإشارة إلى معرفة الذات، لا يحصرها آباء الكنيسة في عالم علم النفس، بل يضعونها على أساس لاهوتي ومنظور. إنهم لا يتبينونها في وعي حالة سقوط كل شخص (وعي يعتبرونه مع ذلك مفيدًا وضروريًا)، بل بالأحرى في الحالة التي يمكن ويجب على كل شخص بلوغها

إلى ذلك، لا ينبغي إغفال أن المعرفة الذاتية للشخص التجريبي تحتوي أيضًا عناصر قد تضلله بسهولة. الشخص الذي يتصرف بشكل مستقل فيما يتعلق بالله، كما يلاحظ القديس غريغوريوس، يسلَّم إلى  “استقلالية الضلال”. وبينما هو مخلوق لتمجيد الله والاقتداء به قدر الممكن، يصبح الإنسان نقطة انطلاق “أهواء متعددة” تدمر روحه. علاوة على ذلك، فهو يختلق ويروج الآلهة التي تبرر أهواءه، بحيث لا يُنظر إلى خطيئته على أنها بلا مسؤولية وحسب بل تُرضي الله أيضًا![15] ومع ذلك، عندما تُدمَج معرفة الذات مع حقيقة الإيمان المسيحي يؤدي الدمج إلى التصحيح والاعتراف بهبة الله والامتنان له

ومع ذلك، لكي يعرف المرء الذات الحقيقية ويُقاد إلى معرفة النموذج الأصلي، إلى معرفة الذات، لا ينبغي أن يقتصر المرء على بعض الأفكار والمنطق اللاهوتي، بل يتقدم نحو التطهّر. إذا كان الحديث عن الله أمرًا عظيمًا، كما يقول اللاهوتي، فإن التطهّر من أجل الله أمر أعظم.[16] التطهّر المعني لا يتعلق فقط بكل واحد منا على حدة، بل بالإنسانية ككل، لأن التدنّس لا يقتصر على أفراد معينين، ولا يجب التعامل معه على المستوى الأخلاقي حصريًا. فهو يمتد عبر البشرية برمّتها وله طابع وجودي

على المستوى الوجودي، الله نفسه طهّر البشرية. جاء التطهّر نتيجة التجسد الإلهي. كما يشرح القديس غريغوريوس، تتحرك كلمة الله نحو صورته وتتخذ جسداً من أجل جسدي وتنضم إلى روح عاقلة من أجل روحي، وبالتالي تنظف المِثلَ بالمثل.[17] بهذه الطريقة ينزل غير المخلوق إلى مستوى المخلوق ويصبح إنسانًا ومعروفًا للإنسان حسب طهارته[18]ـ

يحدث تطهير الإنسان على المستوى الفردي بحفظ الوصايا الإلهية. ليس من واجب المرء أن يختبر نفسه فحسب، بل عليه أيضًا أن يستعيد نفسه حسب غاية الخالق الأصلية. الإنسان مدعو للتحقيق باستمرار، والتطلّع باستمرار نحو نموذجه الأصلي، الذي هو المسيح، واتّباع كل ما ورد في وصاياه. إنه مدعو إلى تحديد نقاط قوته وضعفه وتقدير جلالته ونقصه. إذا لم يعتنِ بنفسه لا يقتني ضميراً لائقاً، وفي هذه الحالة يقع في الخداع والضلال

من ناحية أخرى، هناك معنى أنثروبولوجي ولاهوتي كبير في إدراك جهل المرء وهو إدراك ضروري للغاية لتجنّب الغطرسة وتأليه الذات. ومع ذلك، من الضروري في هذه المرحلة تقديم التوضيح التالي. إن إدراك جهل المرء، الذي دافع عنه سقراط وأظهره من خلال استخدام السخرية في الحوارات الأفلاطونية، يعزز في الواقع الرغبة في إيجاد الحقيقة. ومع ذلك، بينما تقوض السخرية غطرسة الإنسان، فإنها تتركه بعد ذلك مكشوفًا وعاجزًا

كيف للإنسان أن يعرف الحقيقة؟ وكيف يمكن التأكد من هويتها؟ بطبيعة الحال، تؤدي الأسئلة من هذا النوع إما إلى مفهوم الماورايئات التي لا أساس لها، أو إلى خيبة الأمل واللامبالاة الكاملة في ما يتعلق بالبحث عن الحقيقة. في الحالة الأولى، لدينا أنظمة ماورائية مختلفة تتخذ في النهاية شكل الدين. في الحالة الأخيرة، يمكننا أيضًا أن نفهم كلمات بيلاطس البنطي “ما هي الحقيقة؟”، لأنها كانت موجهة كسؤال نحو المسيح ، ولكن دون توقع أي إجابة.[19]ـ

بالطبع، الطهارة الأخلاقية ليست كافية لرفع الإنسان إلى مستوى معرفة الله الأصيلة، ومع ذلك فهي افتراض ضروري لاكتساب هذه المعرفة وهي تحدد مدى تقبلها. لذلك فإن درجة معرفة المرء بالله تتناسب مع تطهره. يلاحظ القديس غريغوريوس اللاهوتي، أن الله يُرى ويُعرف “بما يتناسب مع التطهّر”.[20] وهذا أيضًا هو السبب في أن “الفلسفة المتعلقة بالله”، أي اللاهوت، ليست مسعىً يضطلع به أيّ كان باستخفاف، بل هو مهمة تفترض مسبقًا الرؤية الروحية والتطهّر، أو على الأقل رحلة نحو تطهير الجسد والروح: إنه لأمر خطير أن يتعامل النجس مع ما هو طاهر، كما هي أشعة الشمس للعين غير الصحيحة.[21]ـ

لا يخلق الله علاقات موضوعية مع الناس، بل علاقات شخصية، علاقات محبة. والمبادرة في خلق هذه العلاقات تعود لله نفسه: “لأنه أحبنا أولاً”.[22] لقد أذلّ نفسه وصار إنسانًا ليجعل الإنسان إلهًا. والإنسان، من جانبه، مدعو لأن يقبل في قلبه بالروح القدس الإله الذي صار إنسانًا، حتى يصير هو أيضًا إلهاً بالنعمة

معرفة الله الحقيقية لا تُكتسب من خلال العمليات الفكرية. إنها تأتي كثمرة شركة وجودية. تنشأ معرفة الله من اللقاء بين الإنسان والله الذي يتحقق فقط بارتفاع الإنسان إلى الله بل أيضًا بنزول الله نحو الإنسان. يتنازل عن مكانته المتميزة؛ نحن نُرفَع من الذل أسفل. في النهاية، يعرف الإنسان الله عندما يزوره الله ويدخل في شركة معه

في هذا الاجتماع والشركة الإلهية-الإنسانية، لا أحد يتحول إلى شيء. على الرغم من عدم التناسق الذي لا يقاس في تواجد المخلوق مع غير المخلوق، هناك تشابه وهوية للمجد والحياة. في كتابات القديس غريغوريوس، يصير الله “مثل” إنسان للبشر ويصبح الإنسان إلهًا له.[23] وفي أعماق المنظور الأخروي، سيصبح الله معروفًا للإنسان إلى الدرجة التي هو  يعرف بها الإنسان.[24] الله متّحد ومعروف من الآلهة “إلى درجة كبيرة، تمامًا كما يعرف هو من هم معروفون”[25]. هذا بالطبع لا يعني أن الإنسان سيعرف أيضًا جوهر الله الذي يظل دائمًا غير معروف ولا يمكن الاقتراب منه بل سيصبح متواصلًا كاملاً مع مجده وبهائه. في هذا المنظور نفسه، كتب أب عظيم آخر في كنيستنا، القديس مكسيموس المعترف، أنه مع الكمال الأخروي للإنسان وسكنى الروح القدس، ستكون هناك قوة مشتركة “بين الله وأولئك الذين يستحقون الله، أو بالأحرى من الله وحده، بالنظر إلى أنه هو الذي يسود بالكامل أولئك المستحقين، كما يليق بالصالح”[26]ـ

في دحض ادعاءات الأفنوميين الأكثر تجاسراً بأن الإنسان يمكنه معرفة جوهر الله، يذكر الشخصيات العظيمة في العهد القديم الذين “عاينوا” الله، وكذلك الرسول بولس الذي، على الرغم من وصوله إلى السماء الثالثة ورؤية الفردوس، “فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ”. ستكون هناك رؤية “وجهاً لوجه” عندما تُسقَط المرايا وتسطع الحقيقة.[27] يتّضع المؤمن عندما يأخذ بالاعتبار الوعد الهائل بمعرفة الله من ناحية، وعدم الجدارة الشخصية من ناحية أخرى

التواضع يقرّب الناس من الله، بينما يجتذبون نعمته ورحمته: “وَإِلَى هذَا أَنْظُرُ: إِلَى الْمِسْكِينِ وَالْمُنْسَحِقِ الرُّوحِ وَالْمُرْتَعِدِ مِنْ كَلاَمِي”.[28] في مخاطبة أهل فيلبي يوصي الرسول بولس بأن ينمّوا روح المسيح المتواضعة: “ليكن هذا الفكر فيكم الذي في المسيح يسوع أيضًا”. بالتواضع والإلفة مع فكر المسيح يطرح المؤمنون الإنسان العتيق ويلبسون فكر المسيح [30]؛ إنهم يتمسحنون

المسيح، كآدم الجديد وبكر الخليقة الجديدة، جلب إلى العالم نمط حياة جديد بحضوره الحركي وفكره المتواضع. لقج جسّد التواضع في شخصه وعلّمه عن طريق المثال: “تعلّموا مني، فأني وديع ومتواضع القلب”.[31] بمحبة للإنسان لا يُسبر غورها، احتضن في أقنومه كل ما هو بشري وقام وإياه إلى مجد الآب. بهذا يتجدد كل الذين يؤمنون بالمسيح بالروح القدس وينالون السلطان ليصبحوا أبناء الله: “والَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ اللهِ”.[32]ـ

إن تفعيل هذا السلطان يعتمد على حرية الشخص. إذا لم يسلك شخص قد تجدّد بالروح القدس وفقًا لإرادة الله، مفضّلاً الارتباط بأشياء العالم والاستسلام لحياة الجسد، فيكون هو أو هي متناسياً لله ومماتاً روحياً. يشكل نسيان الله أكبر تهديد للأقنوم البشري ويؤدي إلى الموت الروحي. كتب القديس نيكولاس كاباسيلاس: “إن طغيان النسيان عظيم”. ما من هوى آخر يطيح بالإنسان بشكل منتظم وسهل مثل هذا.[33]

لا تأتي معرفة الله نتيجة أيّ بحث معرفي أو استفسار فكري. إنها ثمرة التجديد الروحي والدخول إلى الخليقة الجديدة التي أعلنها المسيح. معرفة الله هي ثمرة محبة الله للإنسان ومحبة الإنسان لله. لا يستطيع المرء أن يعرف الله دون أن يحبه، خاصة وأن الله هو نفسه محبة[34]. هذا هو السبب في أن الله يبادر إلى تعريف البشرية بنفسه ويكون أول من يظهر محبته تجاهها.[35] كلما عرف الإنسان الله ومحبته، ازدادت محبته له. وكلما زادت محبة الله زادت معرفته

يتضح بعد ذلك أن محبة الله مرتبطة بمعرفة الله. لنكون أكثر دقة، إن محبة الله هي افتراض مسبق وكذلك نتيجة لمعرفة الله. في تنمية فكر المسيح بتواضع ومحبة، واتّباع خطاه، يسلك المؤمنون طريق معرفة الله. بهذه الطريقة، يتحقق الإنسان كمخلوق “على صورة الله ومثاله”

إن تفكيك الإنسان القديم وظهور الجديد يتمّ بفضل نعمة الله وتعاون الإنسان. وهذا التعاون ليس سهلاً ولا يقتصر على فترة وجيزة. بل إنه يتطلب سعياً كبيرًا وجهاداً صعبًا طوال فترة حياة الإنسان. المسيحيون مدعوون لفحص أنفسهم باستمرار، والاعتراف بخطاياهم وضعفهم، وللتعبير عن شخص الإنسان الكامل أي المسيح، وأن يجاهدوا باستمرار للتمثّل به وحفظ وصاياه

إن الجهاد الروحي للمسيحي هو، في التحليل الأخير، صراع معرفة الله (theognosia). تتجلى هذه الحقيقة بجلاء في أعمال القديس غريغوريوس اللاهوتي، وخاصة في قصائده ورسائله. إنه صراع البقاء في الشركة مع المسيح. جهاد الحفاظ على نعمة الروح القدس. صراع رفع ومنع الظلمة التي يجلبها “إلحاد الإنسان بعد المعمودية”[36]. وبهذه الطريقة، معرفة الله تنفي الشر في آنٍ واحد: “لأن هذه المعرفة تصير تطهيرًا”.[37]ـ

إن القوة المحفّزة لخوض الجهاد هي محبة المسيح. هذه المحبة تحافظ أيضًا على البعد الشخصي لجهاد المسيحيين الروحي. غالبًا ما ينطلق القديس غريغوريوس في حوار شخصي مع الله؛ يتصارع معه، ويعبّر عن محبته وامتنانه غير المنفصلين. إنه يرى المسيح على أنه خاص به، كنور له: “مسيحي”، “المسيح نوري”[38] ولكنه يعبّر أيضًا عن معاناته: “سأتحدث بكلمة قاسية ، لكنني سأتحدث”[39]. “لقد خدعتُ المسيح … لقد صرت متكبرًا.”[40] أخيرًا، يعبّر عن مرارته، عندما يشعر بأنه مهجور بلا حول ولا قوة وسط مصاعبه: “لقد تلاشى الخير، والشرّ في العراء؛ نبحر في الظلام ولا نور في أي مكان. المسيح نائم!”[41]ـ

إن جهاد الارتقاء نحو الله ومعرفته مستحيل على الجنس البشري بدون نعمة الروح القدس. إن كان لا أحد يعرف أشياء الإنسان، كما يكتب الرسول بولس، إلا روح الإنسان الموجودة في الداخل، فلا أحد يعرف أشياء الله بدرجة أكبر، باستثناء روح الله الذي يبحث في كل مكان، حتى الجزء الأعمق في الله.[42] وعلى أي حال، حتى “أشياء الإنسان” ليست معروفة تمامًا لروح الإنسان. في التحليل الأخير، إذن، روح الله وحده يعرف ما يفعله الإنسان وأمور الله. وبهذا الروح فقط يمكن للإنسان أن يكتسب معرفة الذات الحقيقية ومعرفة الله الحقيقية

أخيرًا، يجب أن نلاحظ أن معرفة الذات، كما معرفة الخليقة بشكل عام، مرتبطة بشكل إيجابي وسلبي بمعرفة الله. بشكل إيجابي، بمعنى أن معرفة الذات، كما هو الحال مع معرفة الخليقة، توجّهنا إلى معرفة الله. ولكن أيضًا بشكل سلبي، بمعنى أن معرفة الذات ومعرفة الخليقة تقودنا إلى إدراك أنه لا ينبغي الخلط بين الإنسان والعالم المخلوق وبين الله

في الختام ، يمكننا القول أن معرفة الذات تقدم لنا أمرَين مهمين للغاية:

أ) تحقيق عطية الله العظيمة لنا

ب) الإحساس بحالة مرضنا الروحي مع جحودنا تجاه خالقنا

كل ما هو موجود في الله ينعكس بطريقة ما في البشر المخلوقين أيضًا، لأن صورته هي التي تُصوَّر في كيانهم. ولكن أيضًا كل ما في الإنسان يعود لله لأنه خالق الإنسان

عندما يحوز هذا على التقدير، يعيش الإنسان ضمن حدوده الخاصة، ويكون عند نقطة البداية الصحيحة من أجل معرفة الله ونفسه بشكل أصيل. من ناحية أخرى، بإبقاء المسيح أمامه وفحص ذاته من جهة علاقته به، يرى المسيحي بؤسه، مما يدفعه إلى الجهاد بقوة أكبر وتصحيح نفسه، حتى يستجيب لدعوته السامية وفقًا لذلك

إن عظمة الإنسان وبؤسه، وقوته وضعفه، ومعرفته وجهله، على الرغم من التناقض المتبادل، هي في الواقع تساعد على الطريق نحو نفس الهدف: التواضع. والتواضع ، الذي يجعل كل إنسان يتقبل نعمة الله، يصبح نقطة انطلاق نحو معرفة الله

* أستاذ شرف في كلية اللاهوت، جامعة أرستوتاليس، تسالونيكي، اليونان

[1] Xenophon, Memorabilia 1,1,11-12

[2] See Xenophon, op.cit. 4,2,26 following

[3] See John 14:6

[4] Gregory the Theologian, Oration 38,12, PG 36,324D

[5] Deut. 15,9. See Gregory Theologian, Works 2,1,78, PG 37,1425A. Cf. Basil the Great, On ‘Being Careful’, PG 31,197-218

[6] Gregory the Theologian, Oration 32, 21, PG 36, 200A

[7] Oration 14,32, PG 35,900D

[8] Gal. 4:9

[9] See Gregory the Theologian, Oration 38,13, PG 36,325BC

[10] See Letter 101, PG 32,177D

[11] See Gregory Palamas, Oration 53,25, published by S. Oikonomou, Athens, 1861, p.162

[12] See Gregory the Theologian, Oration 14,23, PG 35,888A

[13] See Oration 38,11, PG 36,324A

[41] Letter 76: To Gregory of Nyssa

لماذا صاغت الكثلكة انتقال مريم كعقيدة

لماذا صاغت الكثلكة انتقال مريم كعقيدة

جورج س. غابرييل

نقلها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

في 1950 أصدر البابا بيوس الثاني عشر رسالته الرسولية “الله الأكرم” [1]، ضمّنها مرسومًا  ثبّت اعتقاداً قديماً عن انتقال مريم بالجسد إلى السماء. ظاهريًا، كانت خطوة روما في الاتجاه الصحيح بقبولها رسميًا عقيدة لطالما اعتنقها الإيمان الأرثوذكسي والكاثوليكي والرسولي. لكن في الواقع، كانت الخطوة خندقة بابوية

في ذلك الوقت، كان الاعتقاد القديم بأن والدة الإله ماتت حقًا ثم نُقلت بجسدها إلى السماء مقبولاً لدى العديد من رجال الدين والعلمانيين الكاثوليك، على الرغم من عقيدة الحبل بلا دنس التي صدرت قبل قرن من حينه وأعفت مريم من عواقب سقوط آدم. ولكن كان هناك أيضًا العديد ممن جادلوا، في انتظار المرسوم البابوي الوشيك، بأن مريم لم تمت. كانوا على استعداد فقط للقبول باحتمال سقوطها في سبات خفيف، على أن روحها لم تترك جسدها ولم تمت أبدًا

هذه المجموعة لم تكن قد تخلّت عن اللاهوت اللاتيني، بل كان تتبعه ببساطة بما فيه من الصَدَع، كما ينتج عن عقيدة الحبل بلا دنس. لقد اعتقدوا بأن مريم لا يمكن أن تموت. في النهاية، ما تعلنه عقيدة الحبل بلا دنس هو أن مريم قد حُبلت وولدت دون أن ترث ذنب الخطيئة الأصلية. وكما علّم أوغسطينوس، الموت خلقه الله كعقاب متعمد لآدم وجميع الذين ولدوا في ذنبه. كان من غير المعقول أن يعاقب الله العادل مريم ظلماً بالموت إذا لم تكن قد ورثت الخطيئة… كل العقائد الكاثوليكية الرئيسية كانت عالقة في الميزان. كان هناك خطر أن تنكشف أخطاء الكثلكة وتناقضاتها الداخلية، وليس أقلها عقيدة العصمة البابوية نفسها. كان من المتوقع أن يكون للمرسوم البابوي في كلتا الحالتين عواقب وخيمة بعيدة المدى

لكن في النهاية، تجنب البابا المشكلة ولم يتطرق إلى مسألة رقاد العذراء. استخدم لغة غامضة لتعريف عقيدة الانتقال: “بعد أن أكملت مجرى حياتها الأرضية، اتخذت مريم الجسد والروح في المجد السماوي.” لقد تُركت مسألة رقادها للإجابة عنها في نظام اللاهوت اللاتيني وعقيدة الحبل بلا دنس..

إن عقيدة الانتقال لدى الكاثوليك ليست عقيدة أرثوذكسية لأنها لا تعترف بموت والدة الإله. ولا يمكن لروما أن تعترف بموت والدة الإله بشكل لا لبس فيه دون تقويض اللاهوت الأوغسطيني بشكل خطير والتناقض مع عقائد الحبل بلا دنس والعصمة البابوية وعقيدة مجمع ترينت الذي قضى بأن الله خلق الموت كقرار عدلي غاضب لمعاقبة البشر

[1] Munificentissimus Deus

Source: MARY: The Untrodden Portal of God. https://johnsanidopoulos.com/2020/08/why-catholicism-formulated-dogma-of.html

الهدوئية واللاهوت: مساهمة في الحوار حول المجمع الكبير المقدس

الهدوئية واللاهوت: مساهمة في الحوار حول المجمع الكبير المقدس

جورج منتزاريذس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

بمناسبة انعقاد ’المجمع’ الكبير المقدس للكنيسة الأرثوذكسية، نُشر هذا النص للأستاذ جورج منتزاريذس، وهو يدور حول طريقة إنتاج اللاهوت الأرثوذكسي. إنه مساهمة في النقاش الأوسع الذي يسبق المناقشات التي كانت مُنتَظرة في المجمع

ليست الهدوئية مدرسة لاهوتية أو نظاماً كنسياً وحسب، إنها بالأحرى ظاهرة تسمو على المدارس والأنظمة المتعددة. لا بل من الأصح أن الهدوئية ليست محصورة بفترة محددة في تاريخ الرهبنة، كالقرن الرابع عشر، حين هاجم الراهب الجهبذ برلعام الكاليبري الرهبان الأثوسيين وأثار النزاع الهدوئي المعروف. الهدوئية هي صقل السكون الذي هو الصفة الراسخة للرهبنة الأرثوذكسية. لكن ما هو السكون ومما يتألف؟

بالمعنى العادي، “الهدوئية” (السكون) تتساوى مع عدم التنقّل، أي عكس الحركة؛ وتُعتبر قابلة للتحديد بالراحة في تضاد مع العمل والانشغال. بتعابير أخرى، يُفهَم السكون على أنه خارجي وبالأساس حالة جسدية، من دون أي محتوى روحي أو ارتباط مباشر بحياة الناس الداخلية. إنه يتطابق مع ما يسميه الآباء الهمود [+]

لكن في التقليد الأرثوذكسي، للسكون معنى مختلف كلياً. إنه لا يتساوى مع عدم الحركة، ولا مع الراحة. ولا هو يُعامَل كنوع من أنواع التحول المتمسك بالعرف أو الفضيلة. السكون هو أرقى أشكال عدم الاهتمام والفضيلة الأكثر كمالاً. إنه الطريق نحو معرفة الله التي تُتوّج بمعاينة الله. الفضائل الأخرى، التي تُنجَز بالعمل، أي بإتمام الوصايا، هي المرحلة الأولى، وهي شرط مطلوب إن أردنا أن نتابع تقدمنا نحو معاينة الله

القديس الهدوئي العظيم، القديس سمعان اللاهوتي الحديث يعبّر عن هذا الأمر بدقة في قوله: “لا يقدّم أي من الرسل أو الآباء الحاملون الله الهدوء على العمل، لكن في التزامهم بالوصايا يظهِرون عن معرفةٍ وإيمان محبة الله “[3]

لم يكن السكون في يوم من الأيام مفضلاً على الالتزام بالوصايا. عدم الالتزام الطوعي بالوصايا هو العكس تماماً للسكون. بسبب محبتهم لله، يلتزم الهدوئيون بأمانة بوصاياه وبالتالي يصيرون قادرين على إدراكه. إن رغبتهم بالبقاء معه هي ما يسمح لهم بعبور مرحلة الضطراب والقلق ولمعانقة نار السكون الإلهية، حتى “يستطيعوا أن يسمعوا سكون المسيح” [4]. لهذا السبب، نموذج السكون والحياة الهدوئية في الأرثوذكسية هو سيدتنا الفائقة القداسة التي تحمل النار الإلهية بين يديها [5]

من خلال الالتزام بالوصايا نظهِر محبتنا لله ونقارب معرفته. “اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي، وَالَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وَأَنَا أُحِبُّهُ، وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي” [6]. لكن حالة الصلاة القلبية تسمو على التزام الوصايا. فيما الالتزام بالوصايا الذي يسمى بشكل أعم ’العمل’ في التقليد النسكي، يقود إلى ’المعاينة’، فإن سكون الذهن هو الموضع حيث تتمّ المعاينة الإلهية

طبيعي أن الناس، قبل بلوغهم مستوى سكون الذهن، عليهم أن يجربوا تركيز عقلهم لتحريره من الاهتمامات وسحبه من الهموم الدنيوية. بهذه الطريقة، يتمّ تقديم الإعراض عن أشياء هذا العالم كطريقة للتطهر النسكي وعملية للارتقاء نحو سكون الذهن. لهذا السبب يضع القديس يوحنا السينائي، معلّم الهدوئية، الزهد على أنه عارضة السلم الأولى، في كتاب السلم الذي هو دليله إلى الهدوئية. فهو يقول أنه ما من أحد يدخل الخدر السماوي بإكليل إن لم يمارس الزهد المثلث: للأشياء وللآخرين، قطع المشيئة الذاتية، ورفض المجد الباطل [7]

اختبار السكون

إن اختبار السكون يتطلب بالطبع سلاماً خارجياً. لا يمكن تحقيقه في اضطراب الحياة المعاصرة وضجيجها، على الرغم من الوجود الدائم لشواذات لامعة تستطيع أن تحقق ما لا يتحقق. السكون هو حالة للنفس، أو بدقة أكثر، حالة للذهن. عندما يتوقف ذهننا عن استهلاك ذاته في الأمور الخارجية ويكفّ عن التشبّع بمحفزات هذا العالم، يعود إلى ذاته ومن خلال ذاته ’يصعد إلى فهم الله’ [8]. يُختَبَر السكون أولاً وقبل كل شيء في الصحراء، وكل الهدوئيون العظماء عبروا في الصحراء

في ما يتعلّق بالاقتراب من الله ومعرفته، فيُشار عادةً إلى الآية من المزامير ’كُفُّوا وَاعْلَمُوا أَنِّي أَنَا اللهُ’ [9]. هذه الآية تؤخذ غالباً على أنها تعني السكون الخارجي. بتعبير آخر، لا يُعتَبَر السكون سوى الامتناع عن العمل والراحة الخارجية. لكن سكون مثل هذا وراحة مثل هذه ليس فيهما أي فحوى إيجابية وبالطبع لا تقدمان أي معرفة لله. ’لأن معرفة الله لا تُعطى بالسكون من الخارج… بل بالحري يتحقق السكون في أولئك الذين جاهدوا شرعياً وحسناً’ [10]. إذا توقف الناس عن العمل، من باب احترام الوصايا، من دون أن يستغلّوا في العمل الروحي، يكونون كسالى على الجانبين وبالتالي هم يخطأون على الأكيد [11]

لا تأتي معرفة الله كنتيجة للسكون الخارجي، مع أن اكتسابه نافع. ولا الهدوئية هي حصراً في السكون الخارجي. إن سكون الهدوئية الأرثوذكسية ليست نظرية، بل هي حالة اختبارية بإفراط. إنها تفترض مسبقاً احترام الوصايا وتنمية الفضائل. عندما ينضج النسّاك في المرحلة، في العمل، أو بتعبير آخر عندما يجاهدون شرعياً وحسناً سعياً إلى الفضائل، يصيرون قادرين على الالتفات نحو المعاينة. والفرح الناتج عن هذه المعاينة الإلهية هو السكون الحقيقي، إنه سكون الذهن

في عرض شكلَي الحياة النسكية هذين، يكتب القديس غريغوريوس اللاهوتي أن شكلَي الحياة النسكية كلاهما حسن ومحبوب والناس مدعوون إلى اتّباع الشكل الذي يلائمهم. العمل هو لغالبية البشر، بينما المعاينة هي للكاملين [12]. القديس غريغوريوس فضّل المعاينة. هو لم يبلغ هذا التفضيل بسبب تركيبته النفسية بل بالأحرى بالمحبة الإلهية “للصلاح والسكون” المتشبّع منهما [13]

يظهر أن صديق القديس غريغوريوس الأقرب، القديس باسيليوس الكبير، فضّل العمل. هذا جعله أساس الحياة الرهبانية التي أسسها. لقد ذُكِر أنه استثنى حياة النسّاك بشكل كامل، على اعتبار أنها غير قابلة للمصالحة مع طبيعتنا الاجتماعية وربما لم يقبل النساك إلا نحو آخر حياته وعلى أنهم شواذات. هذه النظرة هي بالغالب تبسيطية. المظاهر تغش بالغالب. القديس باسيليوس الكبير اختبر السكونَ بقوة ولاحظ أهميته للحياة الروحية. لقد كان أيضاً الأساس الصحيح لعمله الرعائي والاجتماعي الذي ما من مساوٍ له. كيف لنا أن نفسر أجاباته للأسقف مودستوس أو فقره المُطْبِق بعد أن وزع كل خيراته الأرضية التي ورثها من أهله؟ـ

يشير القديس باسيليوس إلى أنه إذا كان فكرنا غافلاً “لا نستطيع أن نبلغ إلى محبة الله ولا محبة قريبنا” [14]. إن التشديد الذي يلجأ إليه عند الإضاءة على التنبيه الوارد في سِفْر تَثْنِيَةِ الاشْتِراع بأن “انتبه لنفسك” [15] نموذجي عن ما لديه للقول. في إحدى مواعظه حول هذا القول الكتابي يقول معلّقاً: “انتبه لنفسك، إذاً. أي لا أنت ولا عائلتك ولا المحيطين بك، بل لنفسك فقط” [16]

ليس السكون ملازماً للعمل وحسب بل هو بالحقيقة شرط مسبق للقيام الصحيح به. كل عمل صائب هو ثمر السكون. التقيّد الدقيق بوصية المحبة المزدوجة تفترض توحيد الشخص البشري الكسير، تنظيم الفكر، وسكون العقل. لم يشجع القديس باسيليوس تأسيس مراكز للنسّاك، وهو ما كان ممكناً أن يكون سهلاً، على ضوء عدد الجماعات النصف-نسكية التي كان قد أسسها المؤمنون في أيامه. هو لم يقم بذلك لأنه نفسه قد عاش ونشأ في السكون، وأُعطي له معاينة الله، كما يكشف في إحدى الرسائل [17]

لقد فضّل القديس باسيليوس دير الشركة لأنه أراد أن يتلافى الخطر الكبير الناتج عن الانقسام والرضا عن النفس الذي قد يصِل إليه الكثيرون إذا اتّبعوا حياة غير منظّمة [18]. ولكن لتنظيم الدير على أساس جيد وللحفاظ على منظورها الهدوئي المواهبي مفتوحاً فقد حدد الزهد شرطاً شدد عليه وحدده على أنه “تحويل القلب البشري إلى المجال السماوي” [19]. هذه النظرة للمؤسسة الرهبانية والحياة المسيحية طورها لاحقاً أخو باسيل الروحي والفعلي، أي القديس غريغوريوس النيصّي، في كتاباته الجميلة الروحية الهدوئية

الرهبنة الأرثوذكسية: نصيب مريم الصالح (لوقا 42:10)

من بداياتها، كانت الرهبنة الأرثوذكسية هدوئية. الرهبان الأولون، في عيشهم بعيداً عن العالم وممارستهم الصلاة المستمرة كانوا بالجوهر هدوئيين [20]. لقد أحسّوا بأن عليهم اللجوء إلى السكون “لكي يتحدّثوا إلى الله بوضوح” [21]. هذا كان ما زال مطلباً بديهياً لكل مؤمن حقيقي. وهكذا يكون السكون صفة أساسية لهيئة الكنيسة. إنه نصيب مريم الصالح الذي ثبّته المسيح بشخصه والذي يشدد عليه كل التقليد الأرثوذكسي ويمدحه. إنه يفسّر أيضاً الإلفة الموجودة دائماً بين جسم الكنيسة الأرثوذكسية بأكمله والتقليد النسكي، كما تظهر في الفيلوكاليا ونصوص القديسين إسحق السرياني وأفرام السرياني ويوحنا السلمي ونيقوديموس الأثوسي وغيرهم

بالنسبة لكل المسيحيين، السكون هو طريقة للنسك وأسلوب حياة. على منوال الأخلاق، حياة المؤمنة الروحية لا تُوصَف بشكل مضخّم ولا بشكل مجتزأ، بل هي تنفرد بشكل ديناميكي من خلال التخلي عن الذات للمشيئة الإلهية. في الرهبنة، يتحقق هذا بالطاعة. بعبور مرحلة التطهر من الأهواء والالتزام بالوصايا، يحقق الرهبان تنقية العقل والقلب من خلال الطاعة. بهذه الطريقة، هم يختبرون السكون كحالة سكون للعقل أو القلب. إنهم يختبرونها كحالة اتحاد بين العقل والقلب أو كتأمّل بإنسان القلب المختبئ [22]، حيث يصير ممكناً رؤية انعكاس حقيقة الله. هنا لا يعود السكون نسكياً بل فوق كل شيء مواهبياً. إنه حالة من طهارة النفس فيها يتحرر الناس من كل تشوش وفوضى داخليين، إلى نقطة يتخطون فيها ذواتهم ويستسلمون إلى معاينة الله. في حالة السكون هذه يصير الناس شفافين أمام الله، معروفين منه، لأنه يريدهم وهم يعرفون الله لأنهم ملتزمون بإرادته. لهذا السبب، كما يكتب الشيخ (القديس) صوفروني أن لا نسك في هذه الحياة المواهبية الأصيلة [23]. في هذه الحياة، يكون قد تمّ تخطي الأهواء التي النسك هو سلاح ضروري ضدها

في حقل اللاهوت الأكاديمي، أحياناً يُثار السؤال: “ما الأساس الكتابي للهدوئية، ما الهدف الذي تخدمه وإلى أي وصية يستند، فيما كما هو معروف جيداً، كل وصايا الإنجيل تُختَصَر بوصية المحبة المزدوجة؟”ـ

بالطبع هناك مادة في هذه الأسئلة، لكن في الوقت نفسه تبقى بلا إجابة من اللاهوت الأكاديمي. هناك بالطبع سند كتابي للسكون الهدوئي في نص من المزامير: “كُفُّوا وَاعْلَمُوا أَنِّي أَنَا اللهُ” [24]. هذا قد تمّ فهمه بمعنى عملي من دون أي استفاضة أو تعمّق بالمعنى. على الأقل هذا ما فهمه الإنسانويون البيزنطيون المعاصرون للقديس سمعان اللاهوتي الحديث. هناك أيضاً أمثلة عملية من الكتاب المقدس مع النبي إيليا على جبل الكرمل، يوحنا المعمدان في الصحراء، ويسوع نفسه الذي انسحب ليصلّي في سكون الصحراء [26]. لكن حتى هذه ليست كافية لتبرير الهدوئية. كثيرون يؤمنون بأن السكون يفوق على العمل. ما ليس مفهوماً بشكل صحيح هو أن من دون السكون يتقوّض العمل نفسه. من دون السكون، كل خلاص الجنس البشري يكون منقوصاً لأننا لسنا “مخلَّصين” بل ما زلنا مهشّمين

بشكل عام، لا يجد كلا اللاهوت التنزيهي واللاهوت العقائدي (الإيجابي) أيَّ تبرير للسكون والهدوئية. يجب السعي إلى الإجابة على سؤال اللاهوت الأكاديمي في نوع من اللاهوت السامي غير المعروف في نطاق خبرة الكنيسة. يمكننا أن نجد جواباً على هذا السؤال فقط حيث يمكن أن نختبر ونثبّت العلاقة الأساسية بين السكون واختبار ماهيّة المسيحية، خاصةً تطبيق وصية المحبة المزدوجة. هناك، تتقدّم خبرة السكون والهدوئية كحقل لتأسيس اللاهوت المسيحي في اللاهوت السامي

الهدف الأساسي للاهوت هو معرفة الله

إذا كان الهدف الأساسي للاهوت هو معرفة الله وإذا كان هذا يتمّ كنتيجة لشركة المحبة بين الله والناس، الهدوئية والسكون، كوسيلة عملية لمعرفة الله وكثمرة لها، فهذا يثبّت أصالة هذه المعرفة بحسب اللاهوت السامي، أي اختبارياً ووجودياً. إن عمق العقائد لا يُقاس، بحسب معلّم الهدوئية القديس يوحنا السلمي. إن عقل الهدوئي قادر على اختبار هذه الأمور من دون أي خطر. تبقى كل مقاربة لهذه الأمور لا يسبقها التحرر من الأهواء محفوفة بالمخاطر [27]

هذا الخطر أشار إليه أيضاً القديس غريغوريوس اللاهوتي [28]. اللاهوت يفترض مسبقاً الطهارة في العلاقة والشركة مع أقنوم كلمة الله. هذا يوضحه القديس يوحنا السلمي بكلامه عن عدم تطهر الحواس واتحادها بالله “الحوار مع الله هو أمر خطِر”. كلّ مَن ينطق باللاهوت في حالة كهذه “ينطق بتخميناته” [29]. إن أحد مقتضيات اللاهوت، وهو أيضاً حالة أصيلة، هو السكون مع الطهارة: “فليتمم عمل اللاهوتي المتدرّج في الطهارة” [30]. واللاهوت كحالة يتمّ اختباره في سكون الفكر وسكون القلب. يكتب الرسول بولس أن الناس الروحيين يحكمون في كل شيء ولا يحكم فيهم أحد [31]. يمنح سكون الفكر صفاءً لعقل الناسك ويسمح له بالتآلف مع المسيح. مع هذه الموهبة، التي تعمل دوماً ضمن جسد المسيح أي الكنيسة، يشهد اللاهوت الاختباري على حقيقة الروح القدس السامية بالرغم من أنه يستعمل دوماً الخطاب البشري المناسب

من المميز بشكل خاص أن القديس سمعان اللاهوتي الحديث في عظته عن السكون يحدّ نفسه بشكل شبه حصري في الحديث عن خبرة أشخاص تخلّوا عن العالم واهتماماته وكرّسوا أنفسهم للمسيح ومواهبه. وهكذا، هو يشير إلى الزانية التي غسلت قدمي المسيح بدموعها، مركزاّ بشكل كامل على ذلك القادر على غفران خطاياها. إنه يستذكر حالة التلاميذ الثلاثة الذين صعدوا مع المسيح على طور ثابور واختبروا عجب تجليه، وانذهال التلاميذ الذين كانوا مختبئين في غرفة “خوفاً من اليهود” عندما رأوا معلمهم القائم من الموت، وما إليه

يقول القديس أنه ليس على النساك أن يأخذوا هذه الأمثلة كمجرد روايات، بل عليهم أن يروها تتحقق فيهم. إن لم يتحقق ذلك وابتعد النساك عن الوصايا وتوقفوا عن ممارسة الأعمال الجسدية فيما هم يجهلون كيف يعملون روحياً فهم يفشلون في كلا الحقلين ويخطأون. إن الذين يعرفون العمل الروحي جيداً لا تمنعهم معرفتهم عن إتمام الوصايا عملياً من خلال الجهد الجسدي. بالواقع، قد يجدونه أكثر سهولة. لكن إذا توقف الناس الذين تكرّسوا للجهد النسكي عن ممارسته فهم يصيرون عاجزين عن العمل الروحي [32]. يطبّق القديس غريغوريوس بالاماس التمييز بين معرفتي الله العقلية والتجريبية باستعمال عبارتي “لاهوت” و”معاينة”. يقول القديس أن اللاهوت بعيد عن معاينة الله، التي تتحقق في النور، بُعدَ معرفة الشيء عن اقتنائه: “الكلام عن الله ليس نفس الأمر كالشركة معه”. يحتاج اللاهوت للكلام المنطوق، وحتّى لفن الكلام، كما لاستعمال الحجج المنطقية والبراهين، لتمرير المعرفة إلى الآخرين. هذا يمكن أن يعمله أناس أصحاب حكمة دنيوية حتى ولو لم يكونوا أنقياء روحياً. لكن لكي يكتسب الناس الله ويتآلفوا مع نوره الفائق الطهارة، بقدر ما تستطيع الطبيعة البشرية، فهذا يستحيل تحقيقه من دون خروجهم من ذواتهم أو تخطيها. وهذا يتطلب مسبقاً التطهر الذي يأتي عِبر ممارسة الفضائل [33]

هذه الصفة الوجدانية لمعرفة الله (بمعنى تخطي الذات دون أن تعني نوبة عاطفية) تنسجم بشكل كامل مع الطبيعة النسكية للنظرة المسيحية إلى الشخص البشري. لا يحقق الناس إمكانيتهم إلا إذا تخطوا ما هم عليه. نحن لم نُخلَق من الله لنبقى كما نحن. نحن مخلوقون بشراً لكي نصير آلهة بالنعمة. إن شبه الله هو المتغيّر الوجداني الممنوح لنا منذ أن تكوّنت طبيعتنا، لكمالنا كأشخاص وتحقيق هدف وجودنا

عمل اللاهوت الأكاديمي مهم عندما يخدم الكنيسة بتواضع

إن إمكانية التسامي الوجداني هي من الطبيعة البشرية قلباً وقالباً. الطبيعة البشرية هي تصوير لصورة الله. هذا لا يعني أنها ليست حقيقية. على العكس هذا يعني أنها حقيقية جداً ومتحرّكة بالواقع. لمزيد من الدقة، هذا يعني أنها شخصية؛ وبتعبير آخر، أن حقيقتها ويقينها يكمنان في العلاقة المباشرة مع النموذج الأعلى المطلَق، الذي يتجاوز نسبيتها. إنها مرتبطة بالكائن الحقيقي الذي تصوّره

البشر لا متناهون وزهيدون في آن معاً. نحن لامتناهون عندما نبقى أنقياء ونعكس في داخلنا الكائن الحقيقي أي الله. الله لا متناهٍ بالطبيعة ونحن صورته لا متناهون بالنعمة. ولكن عندما نتلطخ، أي نُظلِم، لا نعود نساوي شيئاً. نكون ظلاميين بشكل مطلق وزهيدين لأننا نجعل النموذج الذي فينا باهتاً ونخدشه، وهو المطلَق واللامتناهي

كتب القديس إغناطيوس المتوشّح بالله: “اللاهوت الهدوئي يسمَع سكونَ الله. إنه يتابع عمل مريم التي جلست عند قدمي يسوع وأنصتت إلى تعليمه” [35]. هناك ايضاً لاهوت أكاديمي يعمل عمل أختها مرثا، التي كانت مغمورة بالتهيئة لعشاء المسيح [36]. من دون عمل مرثا الدؤوب، ما كان العشاء ليتهيأ. كمثل مريم، مارثا أحبّت المسيح. لقد امتدح المسيح موقف مريم، لكنه قال أن النصيب الصالح لن يؤخذ منها [37]

لطالما كان اللاهوت الأكاديمي موجّهاً نحو العالم ومُرهقاً بخدمة كثيرة [38]. إنه يربط اللاهوت بفقه اللغة والتاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع وكل ما يعتبره نافعاً كعلمٍ. إنه يعمل دائماً باهتمام دنيوي عظيم للتهيئة لعشاء الكنيسة وأحياناً بالفعل مثل مارثا يعبّر عن الهلع من أولئك الذين تبنّوا موقف مريم، متناسين مديح المسيح لها. ولكن مع أنه يعمل عمل مرثا، غالباً ما يسرق من حصة مريم. وهذا يخلق ظروفاً خطرة على الكنيسة والمؤمنين

عمل اللاهوت الأكاديمي نافع ومهمّ عندما يخدم بتواضع، مفتّشاً ومظهِراً حياة الكنيسة وتقليدها. لكنه يصير أقل أماناً، وحتّى خطيراً، عندما يذعِن للزهو والتلوّن البشريَين. إن تحويل اللاهوت غير التجريبي إلى شكل خطير من أشكال الكلام الفارغ هو أمر ذو أهمية كبرى. يشير القديس سمعان اللاهوتي الحديث إلى أن الكلام البطّال ليس كلاماً غير نافع وحسب، كما قد يفترض البعض، بل هو كلام تمّت صياغته من دون وعي مستند إلى التجربة لما يُقال. مثلاً، عندما يعلّم البعض مقتَ المجد العالمي فيما هم أنفسهم لا يزدرونه كمسبب للضرر وسبباً لخسارة “المجد الذي من فوق” يكونون ناطقين عبثاً وكاذبين [39]

يقوم اللاهوت الأكاديمي على المعرفة. وهو يكون على حق عندما يقوم على معرفة صحيحة. اللاهوت الاختباري لا يقوم على المعرفة بل أساسه هو النور. المعرفة ليست نوراً، بينما النور هو معرفة [40]. يكون اللاهوت الأكاديمي مؤسَّساً بشكل صحيح عندما يتأسس في معرفة النور. هذا الأساس يُغني اللاهوت الأكاديمي. واللاهوتيون الأكاديميون ملزَمون بمهمة إغناء فكرهم ولاهوتهم بلاهوت النور الذي يتضمّن بعض اشكال الاحتكاك مع اللاهوت التجريبي، وبعض أنواع ممارسة إخلاء الذات والطاعة لكي يكون لاهوتهم مثمراً. من دون هذه المستَلزَمة، يصير اللاهوت الأكاديمي كلاماً فارغاً لا بل كلاماً كاذباً. بحسب القديس ذياذوخوس أسقف فوتيكي “ما من شيء اكثر فقراً من فكر يتأمّل بالله من دون الله” [41]. في النهاية، في الإشارة إلى طبيعة اللاهوت السردية، يكتب الشيخ (القديس) صوفروني أن اللاهوت الحقيقي ليس نتاج العقل البشري ولا نتاج الدراسات النقدية بل هو إعلان يتعلّق بالكائن الأسمى يدخل الناس فيه من خلال عمل الروح القدس [42]. لهذا السبب، المقاربة الحقيقية لتعليم الكنيسة العقائدي تكون من خلال “ضد العقائد (anti-dogmatics)” أي من خلال الخبرة الشخصية

يمكن تحديد اتجاهَين ضمن اللاهوت الأكاديمي: المحافِظ والتقدمي. اللاهوتيون المحافِظون، برعونتهم وعقمهم، يتكلّمون من دون أن يكونوا ما يصفون. إنهم عاجزون عن تشجيع أو إعاقة أي تحرّك نحو نار السكون الإلهية. اللاهوتيون التقدميون بمخيلتهم الجَسورة واستبصارهم يحاولون أن يكونوا دوماً على توافق إبداعي مع المجتمع الدهري. لكن، بهذه الطريقة، لا يُحافَظ على اللاهوت الحقيقي ولا يتمّ أي تقدّم. إن محور المحافَظَة الحقيقية والتقدمية الحقيقية في اللاهوت الحقيقي تبقى دائماً نار السكون الذي يكتفي بموقف مريم. إن حامل شعلة النار هذه هو الهدوئية الأرثوذكسية التي حُفِظَت عبر السنين ويمكن تحسسها تجريبياً في كلٍ من مراحل التجديد في الكنيسة الأرثوذكسية. ولهذا تبقى الهدوئية المصدر الأمين لكل تجديد في الكنيسة الأرثوذكسية

+الهمود (inaction – αργία)

[1] See Gregory the Theologian, Λόγος εις εαυτόν 26,7, PG 35,1237B.

[2] See Symeon the New Theologian, Ηθικά 15,1, ed. J. Darrouzès, Syméon le Nouveau Théologien, Traités Théologiques et Éthiques, Sources Chrétiennes, vol. 129, Paris 1967, p. 444.

[3] ibid. pp. 454-6.

[4] Ignatios of Antioch Προς Εφεσίους 15, 2.

[5] Dismissal Hymn of Our Lady the Consolation.

[6] Jn. 14, 21.

[7] John the Sinaïte, Ladder 2,14, PG 88, 657Α.

[8] Basil the Great Επιστολή 2, 2, PG 32, 228A

[9] Ps. 45, 11

[10] Symeon the New Theologian, op. cit. p. 454.

[11] ibid. p. 452.

[12] Gregory the Theologian, Έπη ηθικά 33, PG 37, 928A.

[13] See idem, Απολογητικός της εις Πόντον φυγής 6, PG 35, 413Β.

[14] Basil the Great, Όροι κατά πλάτος 5,1, PG 31, 920Β.

[15] Deut. 15, 9.

[16] Basil the Great, Ομιλία εις το «πρόσεχε σεαυτώ» 2, PG 31, 201Α.

[17] idem, Επιστολή Αμφιλοχίω Επισκόπω 233,1, PG 32, 865D.

[18] idem, Όροι κατά πλάτος 7,1-2, PG 31, 929A- 932A.

[19] ibid. 7,3, PG 31,940CD.

[20] See John Meyendorff, «Ησυχασμός», Θρησκευτική και Ηθική Εγκυκλοπαιδεία, vol. 6, Athens 1965, col. 83.

[21] See Gregory the Theologian, Λόγος εις εαυτόν 26,7, PG 35, 1237Α.

[22] See I Peter, 3, 4.

[23] Archimandrite Sophrony (Sakharov), We shall see Him as He is, Stavropegic Monastery of Saint John the Baptist, Essex 1988.

[24] Ps. 45, 11.

[25] See Symeon the New Theologian, op. cit. 15,135-138, p. 454.

[26] See Matth. 4, 1; 14, 13. Mk. 1, 12-13; 1, 35. Lk. 4, 1; 5, 16.

[27] See John the Sinaïte, op. cit., 27, 9, PG 88,1097C.

[28] See Gregory the Theologian Λόγος 27 (Θεολογικός 1) ,7, PG 36,13D.

[29] See John the Sinaïte, op. cit., 30,12-13, PG 88,1157C.

[30] ibid.

[31] See I Cor. 2, 15.

[32] See Symeon the New Theologian, op. cit., 15, 94 ff., and p. 450 ff.

[33] See Gregory Palamas Υπέρ των ιερώς ησυχαζόντων 1, 3, 42, ed. P. Christou, Γρηγορίου του Παλαμά, Συγγράμματα, vol. 1, Thessaloniki 1962, p.453.

[34] Ignatios of Antioch, op. cit. 15, 2.

[35] See Lk. 10, 39.

[36] See Lk. 10, 40.

[37] See Archimandrite Sophrony (Sakharov) Building the Temple of God within us and to our Brothers, Stavropegic Monastery of Saint John the Baptist, Essex 2013.

[38] Lk. 10, 40.

[39] See Symeon the New Theologian, op. cit. 1, 461-8, ed. J. Darrouzès, Syméon le Nouveau Théologien, Traités Théologiques et Éthiques, Sources Chrétiennes, vol. 122, Paris 1966, p. 306.

[40] idem. Κατηχήσεις 28, Sources Chrétiennes, vol. 118, p. 146.

[41] Diadokhos of Fotiki, Κεφάλαια γνωστικά 7, ed. J. E. Weis- Liebersdorf, p. 10.

[42] See Archimandrite Sophrony (Sakharov) The Monk of Mount Athos.

* أستاذ شرف في مدرسة اللاهوت في جامعة أريستو في تسالونيكي ـ

كيف يكتب القديسون

كيف يكتب القديسون

المتقدم في الكهنة باسيليوس كالياكمانيس[*]

نقلها إلى العربية الأب انطوان ملكي

أ) في هذه الأيام هناك الكثير من اللاهوتيين، من إكليريكيين وعلمانيين، يؤلّفون وينشرون. لكن البعض يجهلون جسامة ما يكتبون، فيتبعون ممارسة الصحافة التنافسية الدهرية. ثم باعتزاز وكبرياء يُحصون ما حصلّته صفحاتهم من الزيارات، محوّلين الخطاب اللاهوتي إلى أخبار تجارية، وليس من النادر أن يحطّوا من قَدر الكلمة الإلهية.ـ

ب) إنهم يستعملون اللذع والعدائية والتلميح وسوء النية والطعن لمن يخالفهم، مستعملين ادعاءات وعموميات لا أساس لها، وغالباً ما “ينْهَشُونَ وَيَأْكُلُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا” (غلاطية 15:5). ولا نخشى أننا فيما نشدّ جسدنا ونمدّ قوانا اللاهوتية، قد نصير خارج التقليد الآبائي الذي نستجديه وندّعي الكتابة باسمه.ـ

ج) في تقليد آباء الكنيسة، أثيرت كثيراً مسألة متطلبات تأليف النصوص اللاهوتية. القديس غريغوريوس السينائي (1255-1347) في تلخيصه للتقليد الذي عمره قروناً، يقول أن لإنشاء عمل لاهوتي، هناك ثلاث أشكال موثوقة ولا لوم عليها: “أولاً، لحفظ ذاكرة الشخص، ثانياً لمنفعة الآخرين، وثالثاً الكتابة بالطاعة. بهذه الطريقة كُتبَت أغلب النصوص ليستفيد منها الساعين إلى الكلمة باتضاع”.

د) بتعبير آخر، الشكل الموثوق الأول للكتابة هو زرع لما في ذاكرة الكتّاب أنفسهم. الشكل الثاني هو نقل المعرفة لمنفعة الآخرين الروحية. والشكل الثالث الموثوق من الكتابة هو بالطاعة للساعين إلى تعلّم حقيقة الأمور بالتواضع والتمييز. هناك أسباب أخرى للكتابة لكنها بحسب القديس غريغوريوس مرفوضة. إن الذين يكتبون نصوصاً لاهوتية للإمتاع أو لمجدهم الخاص أو للظهور يحصّلون أجرَهم ولن يكسبوا أي منفعة لا هنا ولا في الحياة الثانية. إنهم سوف يدانون كمتزلّفين ونصّابين لأنهم هتروا الكلمة الإلهية.ـ

ه) إن مسألة مقاربة النصوص المقدسة بعدائية طرحها الآباء اليقظون (Niptic). يوضح نيكيتا ستيثاتوس أنه من الخطر على الناس أن يستجلوا الحقائق الإلهية بروح دهرية ومادية متَّبعين طرق تفكيرهم الخاصة. إذ يسيطر عليهم الحسد والغيرة والمكابرة والاختصام فهم يهزؤون ويستخفّون بالذين يقاربون الأمور الإلهية والإنسانية روحياً وبحسب “فكر المسيح”. يحصل شيء مشابه عندما يحرّفون أو يستهلكون أو يقصّرون عشوائياً المقاطع من سير القديسين أو كتابات الآباء في أطر فهمهم الخاص لكي يدعموا وجهة نظر بعض الكتّاب أو غيرهم.ـ

و) كل ما سبق مرتبط بتأليف سلّم القديس يوحنا السينائي الذي تكرّمه الكنيسة في الأحد الرابع من الصوم وفي الثلاثين من آذار. إذا قرأتم رسالة رئيس دير رايثو إلى القديس يوحنا، يتضّح أن السلّم هو “ابن الطاعة”. يكتب رئيس الدير: “أنت أكثر المعلمين أهلية ومقدرة: ألجأ إليك بهذه الأسطر متوسلاً إلى فضيلتك أن… لا تأنف الآن أن تَعرُض وتشرح بانتظام واجتهاد ما هو لازم للسيرة الرهبانية وموافق في الرب لخلاصنا، كمرشد فاضل لجميع الذين يعيشون هذه الحياة الملائكية”.ـ

ز) يوحنا أجاب الرئيس بتواضع: “لولا خوفي من التملّص من نير الطاعة المقدسة، أمّ سائر الفضائل، لما كنت تجرأت… على خوض مهمة تجاوز طاقتي…ليس طبعاً لأمدّك بأي فائدة… إنما أوجهه إلى شركة الرهبان … وأني أرجو كلّ مَن يطالع هذه الصفحات، إذا وجد فيها شيئاً مفيداً، أن يعزو ثمارها بعدل إلى رئيسنا الفاضل، وليسأل الله أيضاً أن يكافئني على قيامي بهذا العمل ليس بسبب فحواه، فإنه خسيس ومملوء جهلاً كثيراً، بل بارتضائه قصد مَن يقرّبه للرب”. إن كلمات كاتب السلّم وغيره من الآباء اليقظين هي مرآة لكل الذين يؤلّفون نصوصاً لاهوتية في كل زمان.ـ

ح) في هذه الأيام بشكل خاص، في الظروف الصعبة التي يوجد فيها المجتمع والعالم كله بسبب الجائحة، لا مكان للحذلقة والتنافس غير المجدي على الإنترنت. إذا واضعنا ذواتنا أمام الرب، القاضي العادل، وإذا صَقَلنا نفوسنا بالصلاة القلبية ومحبة الآخرين، مع توبة عميقة ومن كل القلب، فسوف نجتذب نعمة الروح القدس فيمكننا الاعتقاد بأن ما يلهمنا هو روح الله لا روح العالم.ـ

[*] رئيس قسم الأخلاق والمجتمع في كلية اللاهوت – جامعة تسالونيكي، اليونان.ـ

[1] عنوان النص الأصلي:ـ

Πρωτοπρ. Βασίλειος Ι. Καλλιακμάνης. “Πως γράφουν οι Άγιοι”, https://www.pemptousia.gr/2020/04/pos-grafoun-i-agii/

[2] النصوص العربية مأخوذة من: يوحنا السلّمي، السلّم إلى الله، تعريب رهبنة دير مار جرجس الحرف، سلسلة آباء الكنيسة 3، الطبعة الثانية، منشورات النور، بيروت، 1985ـ

***

أصل الوباء الحاليّ وطبيعته ومعناه

أصل الوباء الحاليّ وطبيعته ومعناه

جان كلود لارشيه

نقلته إلى العربيّة راهبات دير القدّيس سمعان العامودي (حامات)

جان كلود لارشيه، أنتم من أوائل الذين عرضوا فكرًا لاهوتيًّا حول المرض والألم والطبّ. تُرجمَ كتابكم “لاهوت المرض” الصادر عام 1991 إلى لغاتٍ عدّة، وسيصدر قريبًا باليابانيّة لارتباطه بوباء كوفيد-19. لقد نشرتم أيضًا تأمّلاً حول الألم: “لا يريد الله أن يتألّم البشر”، والّذي نُشرَ أيضًا في بلدانٍ مختلفة.ـ

في البداية، ما رأيكم العامّ بالوباء الّذي نعاني منه حاليًّا؟

لا يدهشني الأمر: فمنذ آلاف السنين، ينتشر في كلّ قرنٍ حوالى وباءان كبيران وأوبئةٌ عدّة أخرى أقلّ أهميّة. إلاّ أنّ تواترها يتزايد أكثر فأكثر. إنّ الكثافة السكّانيّة في حضارتنا المدنيّة، والتنقّل الّذي تسهّله العولمة، فضلاً عن تعدّد وسائل النقل الحديثة وسرعتها، هذه العوامل كلّها تحوّلها بسهولةٍ إلى أوبئة. لذلك، كان الوباء الحاليّ متوقّعًا، وقد أعلن عنه العديد من علماء الأوبئة الّذين لم يشكّوا في مجيئه، جاهلين فقط اللحظة المحدّدة الّتي سيحدث فيها والشكل الّذي سيتّخذه. إلاّ أنّ ما يثير الدهشة هو عدم استعداد دولٍ معيّنةٍ (مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا على وجه الخصوص)، والّتي، بدلاً من توفير الطاقم الطبّيّ والمستشفيات والمعدّات اللازمة لمواجهة هذه المحنة، تركت المستشفيات تتراجع، واستعانت بمصادر خارجيّة (كالصين، مثل البقيّة) لإنتاج الأدوية والأقنعة وأجهزة التنفّس، والّتي نفتقر إليها بشدّةٍ حاليًّا.ـ

لطالما كانت الأمراض حاضرةً في تاريخ البشريّة، ولا يوجد إنسانٌ لم يصادفها في حياته. الأوبئة هي مجرّد أمراضٍ شديدة العدوى، تنتشر بسرعةٍ فتُصيب عددًا كبيرًا من السكّان. إنّ خاصيّة فيروس كوفيد-19 هي أنّه يؤثّر على نحوٍ خطيرٍ على الجهاز التنفّسيّ لدى المسنّين أو الذين أضعفتهم أمراضٌ أخرى، وأنّه معدٍ بدرجةٍ كبيرةٍ، ما يملأ سريعًا وحدات العناية المركّزة بعددٍ كبيرٍ من المصابين في الوقت عينه في فترةٍ زمنيّةٍ قصيرة.ـ

تفاعلت الكنائس الأرثوذكسيّة على مراحل، وبسرعةٍ متفاوتةٍ، وبأشكالٍ مختلفة. ما رأيكم بذلك؟

تجدر الإشارة إلى أنّ الوباء لم يُصِبِ البلدان المختلفة في الوقت نفسه ولا بالدرجة نفسها، وأنّ كلّ كنيسةٍ محليّةٍ استجابت بحسب تطوّر المرض والتدابير الّتي اتّخذتها الدول. في البلدان الأكثر إصابةً، اتُّخذ قرار تعليق الخدم بسرعةٍ، مع فارق بضعة أيّام فقط بينها. بعض الكنائس (كالكنيسة الروسيّة) التي لم تتوقّع مثل هذا التوقّف الفوريّ، اتّخذت إجراءات من أجل الحدّ من العدوى المحتملة التي قد تحدث أثناء الخدم الليتورجيّة أو المناولة؛ واليوم هي مضطرّة إلى أن تطلب من المؤمنين عدم الحضور إلى الكنيسة.ـ

أثارت هذه الإجراءات المختلفة نقاشاتٍ وحتّى سجالاتٍ في أوساط رجال الدّين والجماعات الرهبانيّة والمؤمنين واللاهوتيّين… وكان موضوع السجال الأوّل قرار بعض الكنائس تعديل طرائق المناولة الإفخارستيّة.ـ

في هذا الصدد، يجب التمييز بين أمرَين: ما يرافق المناولة والمناولة نفسها.ـ

قد يكون خطر العدوى موجودًا في “ما يرافق المناولة”: مثلاً مسح شفاه كلّ المشتركين في المناولة بالقماشة نفسها (مثلما يفعلون في بعض الرعايا في الكنيسة الروسيّة حيث يضغطون بها على الشفاه)، أو شرب الـ”zapivka” (وهو مزيجٌ من المياه العذبة والنبيذ) في الكؤوس نفسها، بعد المناولة، مثلما هي العادة في الكنيسة الروسيّة أيضًا. ولذلك، فتدابير استخدام المناديل الورقيّة في الحالة الأولى، واستخدام الأكواب الأحاديّة الاستخدام في الحالة الثانية، (وتُحرَق المناديل والأكواب بعد ذلك)، لا تستدعي أيّ اعتراضٍ برأيي.ـ

فيما يتعلّق بالمناولة نفسها، تخلّت العديد من الكنائس عن الطريقة التقليديّة لتقديمها للمؤمنين، أي وضعها في الفم بواسطة الملعقة المقدّسة. أوصَتْ بعض الكنائس بسكب المحتوى في الفم المفتوح مع الحفاظ على مسافةٍ معيّنةٍ منه، واقترح بعضها الآخر، مثل الكنيسة الروسيّة، تطهير الملعقة في الكحول بين المؤمن والآخر، أو استخدام ملاعق أحاديّة الاستخدام تُحرَق لاحقًا. أعتقد أنّ أيّ كنيسةٍ من بينها لم تفترض أنّ جسد المسيح ودمه، اللذَين تذكر جميع الصلوات قبل المناولة وبعدها أنّهما يعطَيان “لصحّة النفس والجسد”، هما عامل عدوى (لا نجد هذه الفكرة الأخيرة إلاّ في مقالةٍ واحدةٍ – انتشرت على الإنترنت، ولهذا السبب أذكرها – للأرشمندريت كيريل هوفورون، وهي عبارةٌ عن مجموعة هرطقات). ولكن، ثمّة شكوكٌ حول الملعقة نفسها، وهذا يستدعي نقاشًا، حيث يرى بعضهم أنّها تمسّ فم المؤمنين، بينما يرى بعضهم الآخر أنّ جسد المسيح ودمه يطهّرانها ويحميانها عند تغميسها فيهما. ويقول هؤلاء الأخيرون إنّ الكهنة، في كنائس كبيرةٍ يوجد فيها حتمًا بين المؤمنين مرضى من كلّ نوع، يتناولون في نهاية القدّاس ما تبقّى من القرابين المقدّسة، من دون أن يُصابوا بأيّ مرض. ويقولون أيضًا إنّ الكهنة كانوا يناولون المؤمنين المصابين خلال الأوبئة الكبيرة في الماضي، من دون أن تنتقل العدوى إليهم. فيما يتعلّق بهذه النقطة الأخيرة، لا أملك معلوماتٍ أكيدةً من وثائق تاريخيّة. على العكس، فإنّ القدّيس نيقوديموس الآثوسيّ (الّذي عاش في النصف الثاني من القرن الثامن عشر)، يعلّق في كتابه “البيذاليون” (ويعني بالعربية دفّة المركب ويضمّ القوانين الكنسيّة الأرثوذكسيّة وشرحها: المترجم)، على القانون 28 من المجمع المسكونيّ السادس مجيزًا أن يجري “الكهنة بعض التغيير في أزمنة الأوبئة” في طريقة إعطاء المناولة للمرضى، بحيث “يوضع الخبز المقدّس في إناء مقدّس، حتّى يتمكّن المدنفون والمرضى من تناوله بملعقةٍ أو بشيءٍ يشبهها”، “على أن يوضع بعدها الإناء والملعقة في الخلّ، ويُسكب الخلّ حيث لا تدوس الأقدام، أو تُستخدم طريقةٌ أخرى أكثر أمانًا وقانونيّة”. يفترض هذا أنّه في زمنه (وعلى الأرجح من قبل)، كان يجوز أن تُعطى المناولة في إناء وملعقة، وأن تُطهَّر هذه لاحقًا (إنّ الخلّ، بسبب درجة الكحول والحموضة الموجودة فيه، يحتوي على خصائص مطهّرة ومضادّة للفطرّيات، وهذه لن تكون كافيةً مطلقًا ضدّ كوفيد-19). إنّ الكنيسة الروسيّة استندت في التدابير التي اتّخذتها إلى هذا النصّ الذي ذكره أيضًا الليتورجيّ الروسيّ الكبير س. بولغاكوف في دليله المرجعيّ.ـ

من جهتي، أعتقد أنّ مَن يملك إيمانًا كافيًا ليتناول بواسطة الملعقة بثقةٍ، لن يكون معرَّضًا لأيّ خطر، وأنّ الكنائس الّتي اتّخذت تدابير خاصّة، إنّما فعلت ذلك من أجل المؤمنين الّذين يملكون إيمانًا أضعف من غيرهم وشكوكًا. وهي، على هذا النحو، اتّبعت إرشاد القدّيس بولس الّذي يقول: “صِرْتُ ضَعيفًا مَعَ الضُّعَفاء، كَي أَربحَ الضُّعَفاء” (1 كورنثوس 9، 22). يجب أن نذكّر أنّه ليس للمناولة مفعولٌ سحريٌّ: فكما هو الحال في جميع الأسرار، تُمنح النعمة فيها بملئها، ولكنّ تقبّل النعمة يكون نسبيًّا بحسب إيمان المتلقّي (يستخدم الآباء اليونانيّون الكلمة اليونانيّة “analogia” للإشارة إلى هذه النسبيّة)، ويذكر القدّيس بولس وصلوات المطالبسي أنّ مَن يتناول بغير استحقاقٍ قد يصبح مريضًا بالنفس والجسد (1 كورنثوس11، 27-31)، أو قد يتناول “لدينونته”.ـ

على أيّة حال، كلّ كنيسةٍ محليّةٍ لها السلطة في أن تتّخذ تدبيريًّا الإجراءات المفيدة في كلّ ظرفٍ خاصّ.ـ

الموضوع الثاني للسجال كان إغلاق الكنائس وتوقيف الخدم الليتورجيّة.ـ

تجدر الإشارة أوّلاً إلى أنّ معظم الدول لم تأمر بإغلاق الكنائس، ولكنّها فقط حدّت الوجود فيها بعددٍ قليلٍ من الناس، ثم حدّت زيارتها بأشخاصٍ منفردين؛ ولكنّ تدابير الحجر الصحّيّ جعلت التنقّل والزيارة مستحيلَين. مع ذلك، فالاحتفال بخدم القدّاس مستمرٌّ في معظم الكنائس المحليّة، من قبل الكاهن يرافقه مرتّلٌ وربّما شمّاسٌ وخادمُ هيكل (باستثناء اليونان حيث مُنعَ حتّى في الأديرة، وهو أمرٌ غريبٌ في بلدٍ ذات هويّةٍ أرثوذكسيّةٍ قويّةٍ تتمتّع فيه الكنيسة باعترافٍ رسميّ من الدولة).ـ

لقد بنى متطرّفون نظريّاتٍ تتعلّق بمؤامرة، فرأوا أنّ وراء قرارات الدولة رغبةُ بعض المجموعات النافذة بتدمير المسيحيّة. لقد قارنوا ذلك بفترة الاضطهادات في القرون الأولى، داعين المسيحيّين إلى المقاومة، ومستشهدين بأمثلة الشهداء. إنّ هذه المواقف مبالغٌ فيها بالطبع، وموازاتها بعصر الاضطهادات تعسّفيّ. فالمسيحيّون لم يُطلب منهم أن ينكروا إيمانهم ويعبدوا إلهًا آخر. لم تُغلَق الكنائس، والقيود المفروضة على ارتيادها مؤقّتة. إنّ الدول لم تَقُم سوى بواجبها لحماية السكّان عبر اتّخاذها الإجراء الوحيد المُتاح – أي الحجر الصحّيّ – لتحدّ من العدوى، وتتمكّن من توفير أفضل رعايةٍ للمرضى، وتحدّ من عدد الوفيات.ـ

أودّ أن أضيف أنّ الكنيسة ليست مكانًا سِحريًّا معزولاً كليًّا عن العالم المحيط، حيث لا يمكن للمرء أن يُصاب بأيّ مرض، لا سيّما إذا كان شديد العدوى. صحيحٌ أنّ موقف الناس كان مختلفًا خلال الأوبئة في العصور القديمة، فقد كانوا يجتمعون في الكنائس وتتكاثر الزياحات. ولكن ما ننساه هو أنّ الكنائس أصبحت أماكن للمدنفين. ولذلك، خلال الأوبئة الكبيرة الّتي عرفتها الإمبراطورية البيزنطيّة، لم يكن من النادر أن تتكدّس مئات الجثث في الكنائس.ـ

من واجب الكنيسة أن تحمي صحّة المؤمنين وحياتهم، وأن تحمي أيضًا مَن قد ينقل المؤمنون العدوى إليهم في الخارج. وعليها أيضًا ألاّ تعقّد عمل الفريق الطبيّ الّذي قد لا يتمكّن من معالجة الجميع إذا كانت المستشفيات ممتلئة، فيضطرّ إلى أن يفرز أي أن يهمل الأشخاص الأضعف ويتركهم يموتون. إضافةً إلى ذلك، إذا وُجد موتى كثيرون في الوقت نفسه، لن يكون بالإمكان تجنيزهم. شعرنا جميعًا بالحزن لرؤية موكبًا من شاحنات الجيش في إيطاليا، تقود عشرات الموتى مباشرةً إلى محرقة الجثث، من دون إمكانيّة أيّ حضورٍ عائليّ أو دينيّ… في الصين، أُحرقت آلاف الجثث بالتسلسل، ولم تتمكّن العائلات إلاّ بعد أسابيع عدّة من أن تأتي لأخذ رماد أهلها المتوفّين، عن منصّاتٍ تكدّست فيها الجِرار الجنائزيّة.ـ

إنّ الشركات الرهبانيّة كلّها (بما في ذلك أديار جبل آثوس)، عبر إغلاقها أبوابها، اتّخذت القرار بحماية زائريها والحجّاج إليها من عدوى متبادلة، وبحماية أعضائها أيضًا، ما يسمح لهم بمواصلة الاحتفال بالقدّاس وإتمام إحدى مهامّهم الأساسيّة الّتي نحتاج إليها بشكلٍ خاصّ في هذه الفترة: الصلاة من أجل العالم.ـ

إنّ استحالة الاشتراك في المناولة مدّةً معيّنةً تطرح مشكلةً خطيرةً عند بعض المؤمنين. هنا أيضًا يرى بعض المتطرّفين المفعول الناجح لمؤامرةٍ معاديةٍ للمسيحيّةـ

أنا لا أتبنّى نظريّات المؤامرة هذه لا لأنّها تتّهم رجالاً أو منظّمات، بل لأنّ الأوبئة، كما ذكرت، متكرّرةٌ ودوريّةٌ في تاريخ البشريّة. مع ذلك، فإنّي أعتقد أنّ الشيطان يعمل في هذا الوباء وعواقبه. سأطلعك على السّبب في سياق حديثنا.ـ

فيما يتعلّق بالحرمان من المناولة يمكننا أن نقول أشياء عدّة. أولئك الّذين اعتادوا على الاشتراك في المناولة كلّ أسبوع (أو أكثر) ويأخذون منها مفاعيل كبيرةً لحياتهم، يعانون كثيرًا من هذا الوضع ونحن نفهمهم. ولكي نتعزّى، يمكننا أن نذكّر أنّ القدّيسة مريم المصريّة، الّتي نعيّد لها في قدّاس الأحد الخامس من الصوم الكبير، لم تتناول سوى مرّة واحدة في حياتها، مباشرةً قبل رقادها، وأنّ في عصرها (ويُذكر هذا في قصّة حياتها الّتي نقرأها في الكنيسة في عيدها)، جرَت العادة أن يعتزل الرهبان العائشون في شركةٍ إلى الصحراء في بداية الصوم الكبير، ولا يعودوا إلى الدير إلاّ يوم الخميس المقدّس للمساهمة في القدسات. ونذكر أيضًا أنّ العديد من الآباء الّذين تنسّكوا في الصحراء لم يعتادوا الاشتراك في المناولة سوى مرّة واحدة في السنة بالأكثر. نحن أُجبرنا على الابتعاد نفسه عن المناولة خلال هذا الصوم الكبير، وبذلك، أي بفضل الحجر الصحّيّ في منزلنا (الّذي أصبح بالنسبة إلى كثيرين قاسيًا مثل الصحراء، في عالمنا ذي الحركة الدائمة والانشغالات الخارجيّة)، يمكننا أن نشترك قليلاً في خبرتهم. يمكننا أن نجني من ذلك بعض الفوائد. أوّلاً في أيّامنا، لا سيّما في الشتات، صارت المناولة متواترة (في حين أنّها كانت في البلدان الأرثوذكسيّة نادرةً قبل عقودٍ قليلةٍ)، إلى حدّ أنّه بات هناك خطرُ الاستخفاف بها. كنتُ قد تحدّثتُ عن ذلك قبل بضع سنوات مع المطران أثناسيوس يفتيتش، الّذي أخبرني أنّه من المفيد أن نصوم من وقتٍ إلى آخر عن المناولة، من أجل استعادة إحساسنا بقوّتها، والاقتراب منها بشعورٍ حقيقيّ بالرغبة والحاجة إليها. نتذكّر أيضًا أنّ مفاعيل المناولة لا تزول بعد أخذها. فمفاعيلها تتناسب مع نوعيّة تلقّينا، ولا يقتصر هذا التلقّي على مدى استعدادنا للمناولة فحسب، بل على حالتنا تجاهها بعد أخذها. تقدّم لنا الكنيسة، لمساعدتنا، سلسلةً من الصلوات تُقال قبل المناولة وبعدها. أعرف العديد من الآباء الروحيّين الّذين يشجّعون أولادهم الروحيّين على قراءة صلاة الشكر كلّ يوم حتّى المناولة التالية، وذلك من أجل الحفاظ على الإحساس “بالعطايا المكرَّمة الّتي أخذوها”، والاستمرار في تفعيل النعمة الّتي جلبتها لهم.ـ

ماذا يمكن أن نقول حول استحالة المشاركة في الخدم الليتورجيّة؟

أعتقد أنّه يمكن إقامتها في المنزل بالأشكال المنصوص عليها في غياب الكاهن، لا سيّما عبر قراءة التيبيكا بدلاً من القدّاس، رغم أنّها لن تستطيع أن تحلّ مكانه بالكامل، وأنّها تفتقر إلى الأساس، وهو إقامة الذبيحة المقدّسة الّتي لا يمكن أن يتمّمها سوى الكاهن. إنّ الكثير من المؤمنين لديهم النصوص الطقسيّة في المنزل (وبخاصّةٍ كتاب الإفخولوجي الصّغير المخصّص للصلاة البيتيّة في حال عدم وجود كاهن)؛ وإلاّ يمكن إيجاد معظم النصوص على الإنترنت. يمكننا أيضًا التمرّس على صلاة يسوع. فالشركات الصغيرة في جبل آثوس أو النسّاك العائشين في “الصحاري” الذين ليس لديهم كاهن، يستبدلون الخدم بعددٍ معيّنٍ من التضرّعات الموجَّهة إلى المسيح ووالدة الإله والقدّيسين. قال القدّيس أفرام كاتوناكيا مستندًا إلى القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم: “إنّ النّاس في العالم الّذين لا يستطيعون الذهاب إلى الكنيسة نهارَي السبت والأحد، يمكنهم في هذا الوقت أن يجعلوا من نفوسهم مذبحًا بقولهم الصلاة”.ـ

من الممكن أيضًا متابعة القدّاس المنقول مباشرةً على التلفاز أو على الإنترنت في البلدان الأرثوذكسيّة، كما يفعل عادةً العديد من المسنّين أو المرضى الّذين لا يستطيعون التنقّل. إلاّ أنّ هذا لا يحلّ مكان المشاركة الحقيقيّة بالحضور الجسديّ في وسط الجماعة. مع ذلك، يمكن للمرء على الأقلّ الانضمام إلى الاحتفال والشعور بالانتماء وبالنشاط الشركويّ في الوقت ذاته، بما أنّ الشركة الكنسيّة تمتدّ إلى ما هو أبعد من المنظور والأشخاص الحاضرين (وهذا ما يُدعى “شركة القدّيسين”).ـ

أدان مطران برغامون يوحنّا زيزيولاس، في مقابلةٍ أجريَت معه مؤخرًا، قرار بعض الكنائس بإغلاق كنائسها وتوقيف الخدم، وأكّد أنّه حين تتوقّف إقامة خدم القدّاس الإلهيّ، لا يعود هناك كنيسة. ماذا تظنّون؟

يُفهم موقفه من خلال عقيدته الشخصانيّة الّتي تعطي الأولويّة لما هو علائقيّ، وتحدّد تاليًا القدّاس باجتماع المؤمنين وليس بالذبيحة الإفخارستيّة نفسها. في الواقع، إنّ الاحتفال بالقدّاس مستمرٌّ في جميع الكنائس (في الأديار، ولكن أيضًا في الكثير من الكنائس بحضور عددٍ قليلٍ من الناس). وهذا ما يهمّ. لا تعتمد قيمة القدّاس على عدد الحاضرين، ولا تعتمد قيمة القدسات وقوّتها على عدد القداديس المُقامة. عندما تحتفل مئات الآلاف من الكنائس بالقدّاس في وقتٍ واحد، فهي تحقّق الآن ذبيحة المسيح الوحيدة (هذا معنى كلمة “ذِكري” الّتي تحدّد جوهر القدّاس). إذا لن يُقام سوى قدّاسٍ واحدٍ في كنيسةٍ محليّةٍ واحدةٍ، فهذه الذبيحة الواحدة ستتمّ بالقوّة نفسها لأنّها ستمتدّ إلى الكون كلّه. فيما يتعلّق بالمؤمنين، ينبغي التذكير بأنّ قدّاس القدّيس باسيليوس الّذي نقيمه في آحاد الصوم الكبير، يذكر غيابهم المُحتمل في صلاةٍ تطلب من الله أن يتذكّر “أولئك الّذين تغيّبوا لأسبابٍ مستصوبة”، وهذا يربطهم بطريقةٍ معيّنةٍ بالمؤمنين الحاضرين وبالنعمة المعطاة لهم.ـ

كيف يجب أن نعيش الحجر الصحّيّ؟ يبدو أنّ في الأمر مشكلةٌ بالنسبة إلى الناس في أيّامناـ

نحن محظوظون لأنّ الحجر الصحّيّ الّذي تفرضه الدولة يتزامن جزئيًّا مع “الأربعين المقدّسة” للصوم الكبير. من عادتنا نحن الأرثوذكسيّين أن نقلّل خلال هذه الفترة من نزهاتنا، وأنشطتنا الترفيهيّة، واستهلاكنا. من عادتنا أيضًا أن نستفيد من هذه الفترة حيث الهدوء والانفراد أكبر، لكي نعود إلى أنفسنا، ونزيد قراءاتنا الروحيّة ونصلّي أكثر. لدينا خبرة السنوات الماضية من أجل هذا كلّه. ينبغي لنا فقط أن نواصل الجهد بضعة أسابيع قليلة إضافيّة.ـ

عمومًا، يُعَدُّ الحجر فرصةً جيّدةً لاختبار الهدوئيّة العزيزة على الروحانيّة الأرثوذكسيّة، وهي حالةٌ تتضمّن الانفراد وبخاصّةٍ الهدوء الخارجيّ والداخليّ، فنرتاح بذلك ممّا يرتبط بالظروف المعيشيّة من حركةٍ متواصلةٍ وضوضاء وتوتّر، ونقيم من جديدٍ في مسكننا الداخليّ الذي يدعوه الآباء الهدوئيّون “مكان القلب”.ـ

يسمح الحجر الصحّيّ أيضًا للزوجَين والأولاد بالتواجد معًا أكثر من المعتاد، وهذا مفيدٌ للجميع. بالطبع، هذا ليس أمرًا عاديًّا، لأنّ الكثيرين غير معتادين على الحياة المشتركة مدّةً طويلة، ولكن قد يكون الحجر فرصةً لتوطيدها إيجابيًّا.ـ

هذه العودة إلى الذات وإلى الحياة الزوجيّة والعائليّة يجب ألاّ تكون نسيانًا للآخرين. إنّ الصدَقَة، وهي إحدى الممارسات الاعتياديّة في الصوم، يمكنها أن تكون عبارةً عن مساعَدةٍ داعمةٍ ومنتظمةٍ أكثر لمعارفنا الذين يعانون من المرض أو الوحدة أو القلق المفرط. ووسائل الاتّصال الحديثة جيّدةٌ لإتمام هذا العمل…ـ

ألاحظ أنّ العديد من مواطنينا يبتكرون نشاطاتٍ رياضيّةً منزليّة. نحن، خلال الصوم الكبير، من عادتنا أن نقوم بمطانيّاتٍ كبيرة. نستطيع مضاعفتها (لدى الرهبان قانونٌ أن يقوموا بثلاثمئة مطانيّة على الأقلّ في اليوم، وبعضهم يقوم بثلاثة آلاف مطانيّة!) إنّ البطريرك الصربيّ بولس الذي كان يقوم بذلك كلّ يومٍ حتّى سنّ الواحدة والتسعين (وحدها إصابةٌ في الركبة استطاعت أن توقفه عن ذلك!)، كان يقول، بناءً على دراساته الطبّيّة وصحّته الجيّدة، إنّها أفضل رياضةٍ بدنيّةٍ يمكن للإنسان القيام بها من أجل المحافظة على لياقته…ـ

لِنعالج الآن من فضلكم أسئلةً تتعلّق أكثر باللاهوت. أوّلاً، لمَن أو لما يمكننا أن نُرجِع الوباء الحاليّ والأمراض بعامّةٍ؟

الوباء مرضٌ مُعْدٍ ينتشر. ينطبق عليه كلّ ما يختصّ بالمرض، باستثناء أنّ طابعه الضخم الّذي يفرض نفسه على منطقةٍ أو دولةٍ ما أو على العالم كلّه، كما هو الحال حاليًّا، يثير أسئلةً إضافيّة. ليس مستغربًا أن نرى عودة تطرّق الخطاب الدينيّ إلى موضوع الرؤيا أو نهاية العالم، أو فكرة عقابٍ إلهيّ بسبب خطايا البشر، مع إشاراتٍ إلى الطوفان (تك 6-7)، أو إلى مصير سدوم وعمورة (تك 19)، أو إلى الطاعون الّذي أباد معسكر داود بعد الإحصاء (2 صم 24، 15-15)، أو إلى ضربات مصر السبع (خروج 7-11). لذلك، يجدر بنا التوضيح.ـ

وفقًا للمفهوم الأرثوذكسيّ الّذي طوّره الآباء انطلاقًا من الكتاب المقدّس، أنتجت الخطيئة الجَدّية (الّتي يسمّيها التقليد الغربيّ الخطيئة الأصليّة)، ثلاثة تأثيراتٍ على المستوى الماديّ: قابلية الهوى”passibilité” (والألم شكلها الرئيس)، والفساد (المرض شكله الرئيس)، والموت الّذي يَنتج عن الفساد. إنّ خطيئة آدم وحوّاء كانت انفصالهما عن الله، ما أدّى إلى فقدانهما النعمة الّتي كانت تمنحهما اللاهوى وعدم الفساد وعدم الموت. ولمّا كان آدم وحوّاء النموذجَين الأوَّلين للبشريّة، فقد نقلا إلى نسلهما نتيجةً لذلك طبيعتَهما البشريّة الّتي غيّرتها التأثيرات الضارّة لخطيئتهما. الاختلال الّذي طال الطبيعة البشريّة أثّر أيضًا على الطبيعة بأكملها، لأنّ الإنسان، بانفصاله عن الله، خسر مكانته كملكٍ على الخليقة، وحرم المخلوقات من النعمة الّتي كان ينقلها إليهم كوسيط. في البداية كانت الخليقة حسنةً بكليّتها، كما خلقها الله (وفقًا لما يخبرنا به الإصحاح الأول من سفر التكوين)، ثمّ دخل الشرّ فيها كما في الإنسان، شرٌّ ليس معنويًّا فحسب، بل جسديًّا أيضًا، ويتجلّى في اختلالٍ يؤثّر على ترتيب الخليقة الأصليّ، وفي عمليات تدميرٍ لما أنشأه الله. يشير فلاديمير لوسكي إلى أنّ عناية الله منعتْ الخليقة من أن تُدمَّر بالكامل، ولكنّ الطبيعة أصبحت ساحة معركةٍ يتواجه فيها الخير والشرّ باستمرار. تصارع الكائنات الحيّة باستمرارٍ للقضاء على الميكروبات، أو البكتيريا، أو الفيروسات، أو التغيّرات الجينيّة (الناتجة عن الشيخوخة أو العوامل البيئيّة)، الّتي تسعى إلى إبادتها، إلى أن يُضعفها التقدّم في السنّ الذي يخفّض مناعتها، فتُهزم أخيرًا وتموت. قد لا تؤثّر البكتيريا أو الفيروسات لآلاف السنين سوى على أنواعٍ حيوانيّة، أو قد تُحفظ فيها من دون التأثير عليها ثمّ تنتقل فجأةً إلى الإنسان. هكذا فعلت الفيروسات المختلفة الّتي سبّبت أوبئةً في العقود الأخيرة.ـ

أنتم تشيرون إلى ذنب الجدَّين الأوَّلين في هذه العمليّة. هل تؤدّي ذنوب ذريّتهم، أي ذنوبنا الشخصيّة، دورًا في ذلك؟ إنّ صلوات الإفخولوجي الكبير التي تُقال في أزمنة الوباء، وخطابات بعض الأساقفة والكهنة والرهبان، تُرجِعُ الأوبئة إلى خطايا الجميع، وترى في ما يحدث نوعًا من عقابٍ بسبب هذه الخطايا، وتدعو إلى التوبةـ

وفقًا للمفهوم الأرثوذكسيّ (الّذي يختلف في هذه النقطة عن المفهوم الكاثوليكيّ للخطيئة الأصليّة)، فإنّ خطأ آدم وحواء هو خطأٌ شخصيٌّ لا ينتقل إلى نسلهم، بل تنتقل آثاره فقط. غير أنّ نسلهم، منذ البداية وحتّى يومنا هذا، وكما يقول القدّيس بولس في الفصل الخامس من رسالته إلى أهل رومية، أخطأوا مثل آدم، واقتفوا أثره، وثبّتوا خطيئته وآثارها بخطاياهم الخاصّة. إذًا، ثمّة مسؤوليّةٌ جماعيّةٌ عن الشرور الّتي تصيب العالم الساقط، ما يعلّل إرجاعنا إيّاها إلى الخطيئة ودعوتنا إلى التوبة. ومع ذلك، ينطبق الأمر على مستوى عامّ لنوضح أصل الأمراض والشرور واستمرارها، وليس على مستوى شخصيّ لنوضح لمَ تحدث لشخصٍ معيّنٍ أو مجموعةٍ معيّنةٍ من الناس. إذا كانت بعض الأمراض مرتبطةً بخطايا أو أهواء شخصيّةٍ (مثلاً الأمراض المرتبطة بالأكل المفرط أو المشروبات الكحوليّة، أو الأمراض المنتقلة جنسيًّا)، فثمّة أمراضٌ أخرى تنشأ بصرف النظر عن مدى روحانيّة الأشخاص الّذين تصيبهم. إنّ الأطفال المرضى ليست لهم خطيئة. والقدّيسون لا يسلمون من الأمراض، وغالبًا ما تصيبهم أمراضٌ أكثر من ذوي السيرة الأخلاقيّة السيّئة. إنّ الأوبئة تقضي أحيانًا على أديارٍ بأكملها. على سبيل المثال، ضرب وباء الطاعون أديرة طيبة عام 346 بعد عيد الفصح، وقتل ثلث “آباء الصحارى” الّذين كانوا يعيشون هناك، بمَن فيهم القدّيس باخوميوس أبو الرهبنة الشركويّة، والخلَف الّذي كان قد عيّنه، وحوالى مئة راهبٍ في كلّ ديرٍ من الأديار الكبرى في المنطقة.ـ

خلال أوبئة الطاعون الكبيرة الماضية، تثبّتَ المسيحيّون من أنّ المرض كان يصيب الناس عشوائيًّا بغضّ النظر عن حياتهم الأخلاقيّة أو الروحيّة. لقد سُئل المسيح عن علاقة المرض بخطيئة الإنسان أو بخطيئة والديه، فأجاب تلاميذه حول الأعمى منذ ولادته قائلاً: “لا هو أخطأ ولا والديه…”. إذًا، للمرض علاقةٌ أصليّةٌ ورئيسةٌ وجماعيّةٌ بالخطيئة، وليست له علاقةٌ فعليّةٌ وشخصيةٌ بها سوى في بعض الحالات القليلة. لذلك، أعتقد أنّه يمكننا ذكر مسألة الخطيئة والتوبة في الصلوات أو في العظات، ولكن بحذر. لا يحتاج المرضى إلى أن نضيف على ألمهم اتّهاماتٍ بالذنب، ولكنّهم بحاجةٍ إلى أن ندعمهم، ونعزّيهم، ونعتني بهم برأفة، ونساعدهم أيضًا على استيعاب مرضهم وعذابهم بطريقةٍ روحيّةٍ، حتّى يتمكّنوا من تحويلها روحيًّا لصالحهم. معنى التوبة هو العودة وتغيير الذهن (هذا هو معنى الكلمة اليونانيّة metanoia). يثير المرض سلسلةً من التساؤلات لا أحد يُفلت منها: لماذا؟ لماذا أنا؟ لماذا الآن؟ إلى متى؟ ماذا سيحصل لي؟ كلّ مرضٍ هو استجوابٌ ذاتيٌّ حيٌّ وعميقٌ إذ إنّه ليس مجرّدًا أو اعتباطيًّا، بل جزءٌ من خبرةٍ وجوديّة. وغالبًا ما يكون هذا الاستجواب ضروريًّا. ذلك أنّ المرض دائمًا ما يدفعنا إلى إعادة النظر في أسس وجودنا وإطاره وأشكاله، والتوازنات التي اكتسبناها، والحالة الحرّة لمَلَكاتنا الجسديّة والنفسيّة، وقيمنا المرجعيّة، وعلاقتنا بالآخرين، وحياتنا نفسها – لأنّ الموت عادةً ما يلوح في الأفق حينئذٍ على نحوٍ أوضح من المعتاد (وهذا هو الحال مع هذا الوباء الّذي يخطف الأشخاص سريعًا بطريقةٍ غير متوقّعة، لا سيّما المسنّين، ولكن أيضًا الأصغر سنًّا رغم عدم معاناتهم دائمًا من أمراضٍ خطيرة أخرى). المرض هو فرصةٌ لكي يختبر كلّ شخصٍ هشاشته الوجوديّة واتكاليّته، ولكي يلجأ إلى الله ليساعده على تخطّيها، إن لم يكن جسديًّا (إذ ثمّة شفاءاتٌ عجائبيّةٌ إجابةً على الصلاة)، فعلى الأقلّ روحيًّا، ويسمح بجعله من أجل بنيان الإنسان الذي، إن تجاهل هذا المعنى، يقود نفسه نحو الدمار.ـ

مع ذلك، نجد أحيانًا في صلوات الإفخولوجي الكبير نفسها أو في صلواتٍ أخرى (مثلاً القوانين والمدائح)، وكذلك في خطابات الإكليروس الّتي تكاثرت مؤخّرًا على الإنترنت، الفكرة القائلة إنّ هذا الوباء مُرسَلٌ من الله (أو من رؤساء ملائكته أو ملائكته) من أجل إيقاظ البشر ودفعهم إلى التوبة والاهتداء، في عالمٍ أصبح بكليّته مادّيًّا وناسيًا اللهـ

كما سبقَ أن أشرتُ، أوافقُ على القول إنّ هذه المحنة (مثل كلّ محنةٍ في الحياة) هي فرصةٌ لإعادة النظر، ولوعيٍ، ولعودةٍ إلى الله وإلى حياةٍ أكثر روحانيّة.ـ

لقد تحدّثتُ عن ذلك فيما يتعلّق بالأفراد. ولكن من الواضح – كما يبدو أيضًا في العديد من المقالات الصحفيّة – أنّ هذا الوباء يجعلنا أيضًا نعيد النظر في أسس مجتمعاتنا الحديثة وتنظيمها، وأسلوب الحياة المادّيّ والاستهلاكيّ فيها، فضلاً عن الشعور الزائف بالأمان الّذي استمدّته من التقدّم العلميّ والتكنولوجيّ. يُظهر هذا الوباء أيضًا أوهام “ما بعد الإنسانيّة” transhumanisme، إذ، بحسب ما يقوله الاختصاصيّون حاليًّا، ستظهر فيروساتٌ جديدة، ولن تنحصر الأوبئة، بل ستتكاثر في المستقبل، وغالبًا ما ستترك الإنسان عاجزًا (لاحظوا أنّه لم يُعثر بعد على لقاحٍ أو علاجٍ لنزلات البرد البسيطة، والّتي تصيب عددًا كبيرًا من السكّان كلّ عام، ويسبّبها فيروس من عائلة الفيروسات التاجيّة coronavirus.)ـ

ولكن، مع كلّ الاحترام الّذي أكنّه لما تشيرون من صلواتٍ أو إكليروس، لقد صدمتني طريقة فهمهم الله وعمله تجاه البشر. هذه النظرة كانت سائدةً في العهد القديم، ولكنّ العهد الجديد غيّرها. نجد في العهد القديم الفكرة القائلة إنّ الأبرار كانوا في رخاءٍ مكافأةً لهم من الله، في حين أنّ الخطأة كانوا مُعاقبين بعدلٍ بشتّى أنواع الشرّ. وضع العهد الجديد حدًّا لهذا “المنطق”، وقد سبق لأيّوب أن صوّر هذه الرؤية. إنّ خطابات الإكليروس الّتي تشيرون إليها، تشبه ما قاله أصدقاء أيّوب له استنادًا إلى القياس المنطقيّ التالي: “نزلتْ فيكَ كلّ أنواع الشرور، إذًا لقد عاقبك الله، وسبب هذا العقاب هو أنّك خاطئ”. أمّا أيّوب فيرفض فكرة عقاب الله له. إنّ العهد الجديد يكشف لنا إله محبّة، إلهًا رؤوفًا ورحيمًا، يسعى لإنقاذ البشر بواسطة المحبّة لا بواسطة العقاب. إذًا، إنّ الرأي القائل إنّ الله نشر هذا الفيروس في العالم، أو جَعَلهُ ينتشر بواسطة ملائكته أو رؤساء ملائكته (كما نقرأ بالفعل في بعض النصوص)، تبدو لي شبه تجديفٍ، حتّى عند الإشارة إلى تأديبٍ إلهيّ يستخدم الشرّ بهدف الخير، وسيجعل إذًا من الشرّ خيرًا، ما هو أمرٌ غريب. الله أبٌ لنا، ونحن أولاده. أيّ أبٍ بيننا، ستأتيه فكرة بثّ فيروس في أولاده بهدفٍ يزعم أنّه تربويّ؟ أيّ أبٍ لا يعاني من رؤية أولاده يمرضون ويعانون وفي خطر الموت؟

يعزو بعض اللاهوتيّين أسباب المرض والألم والموت إلى الله، لأنّهم يخشون أنّنا، إذا لم ننسبها إلى الله، سنعتبر مثل المانويّين أنّ هناك إلى جانب الله، الّذي هو مصدر الخير، مصدرٌ للشرّ ينافسه، ويحدّ تاليًا من قدرته الكليّة الّتي هي إحدى صفاته الأساسيّة. ولكن، إذا كان كلّ شيء يأتي من الله، فيجب علينا أيضًا أن نعترف بأنّه ليس سبب الأوبئة فحسب، بل أيضًا سبب الحروب والإبادات الجماعيّة ومعسكرات الاعتقال، وأنّه جلب إلى السلطة هتلر أو ستالين أو بول بوت، ليكونوا أدواتٍ لعدله المزعوم ولتأديب الشعوب…ـ

في الواقع، وفقًا للآباء، للشرور مصدرٌ واحدٌ فقط هو الخطيئة، وسبب الخطيئة هو سوء استخدام الإنسان لإرادته الحرّة. الشرور أيضًا نتيجةٌ لعمل إبليس والشياطين (الملائكة الساقطة الّتي بدورها أساءت استخدام إرادتها الحرّة)، والتي تمكّنت قدرتها من الاستقرار في العالم نتيجةً لخطيئة الإنسان الأوّل: فبَعد أن توقّف الإنسان عن أن يكون “ملك الخليقة”، استطاع الشيطان أن يصير “أمير هذا العالم”.ـ

أمّا فيما يختصّ بما يحصل في أيّامنا، فإنّ عمل الشيطان هو ما تجدر الإشارة إليه، لا عمل الله. وتجدر الإشارة أيضًا إلى خطأ الشخص الّذي أكل في الصين حيوانًا حاملاً الفيروس أو لمَسَهُ (هذا ما حدث أيضًا خلال الأوبئة السابقة كلّها)، فنَقَلَ تأثير خطئه إلى البشريّة جمعاء مثلما نقل آدم تأثير خطيئته إلى البشريّة كلّها.ـ

ما قلتموه للتوّ يثير أسئلةً عدّة. في البداية، يقول بعضهم إنّ الله خلق جميع الميكروبات والفيروسات، وإنّ الموت نفسه موجودٌ في الخليقة منذ البدء، وإنّ كلّ ما خلقه الله حسنٌ كما يقول سفر التكوين.ـ

هذه فكرةٌ نجدها بالفعل عند بعض اللاهوتيّين المعاصرين الكاثوليك (مثلاً عند Teilhard de Chardin وتلميذه Gustave Martelet)، وقد تبنّاها بعض اللاهوتيّين الأرثوذكسيّين (مثلاً يوحنّا زيزيولاس مطران بيرغامون، ومؤخّرًا الأرشمندريت كيريل هوفورون). هؤلاء يتبنّون المفهوم الطبيعيّ (أو الطبيعانيّة)، الذي يحاكي جزئيًّا مفهوم العلم الحديث. أمّا إيماننا الأرثوذكسيّ فمختلف: فالآباء يُجمعون مؤكّدين أنّ الله لم يخلق الموت، بل أنّ هذا الأخير نتج عن الخطيئة، تمامًا مثل المرض والألم اللّذين لم يندرجا في الحالة الفردوسيّة الأصليّة، والّلذين أيضًا سيبطلان في الحالة الفردوسيّة المستقبليّة، في مملكة السماء.ـ

إنّ التساؤل إذا ما كان المرض والألم والموت شرورًا يتطلّب إجابةً مزدوجة.ـ

أوّلاً، على المستوى المادّيّ، إنّها شرورٌ بلا شكّ، لأنّها، كما سبق أن ذكرت، اختلالاتٌ واضطراباتٌ تصيب السير الحسَن للكائنات الحيّة الّتي خلقها الله. وحتّى من وجهة النظر الطبيعانيّة، فإنّ الصحّة والحياة هي الحالة الطبيعيّة لدى الكائن الحيّ؛ أمّا المرض والعجز والموت، فهي غير طبيعيّة. إنّ المرض، كما ذكرت، هو شكلٌ من أشكال الفساد، هو عمليّة تدهورٍ وتدميرٍ وإبادة. والألم عنصرٌ يرافق هذه العمليّة، ويشهد أنّ شيئًا ما في جسدنا “ليس على ما يرام”. يظهر الطابع الشيطانيّ البحت للأمراض بوضوحٍ شديدٍ في بعضها. على سبيل المثال، نجده في أمراض المناعة الذاتيّة auto-immunes، حيث تستخدم الأعضاء موارد الكائن الحيّ لتدمّر نفسها (إنّه نوعٌ من الانتحار). نجده أيضًا في السرطان، الّذي، من خلال تغيّرٍ جينيّ، يُنتج أورامًا عبثيّةً (لا تؤدّي أيّ دور له معنى في الجسم)، ولا غرض لهذه الأورام سوى نموّها الخاصّ على حساب الأعضاء الأخرى، فهي تمتصّها وتدمّرها تدريجيًّا، وتستخدم في وجه العلاجات المستعملة ضدّها، جميع الموارد الّتي خزّنها الكائن الحيّ منذ ملايين السنين من أجل نموّه وحفظه. ونجد هذا الطابع أيضًا في الفيروس الحاليّ الّذي، مثل سائر الفيروسات التي تنتمي إلى العائلة نفسها، يتسلّل إلى خلايا الرئتين ثمّ إلى أعضاء حيويّةٍ أخرى، ويغزوها (كما يغزو عدوٌّ دولةً ما)، ويستعمرها، ويعيق عملها، أو يزعجها بطريقةٍ خطيرةٍ إلى حدّ التسبّب في الموت.ـ

على المستوى الروحيّ، إنّ المرض والألم والموت شرورٌ بسبب أصلها الأوّل (الخطيئة)، ولكن من الممكن مقاربتها وعيشها روحيًّا بطريقةٍ بنّاءة، فتصبح بذلك خيراتٍ، ولكن خيراتٍ روحيّة فقط. كما ذكرتُ، يمكن للإنسان أن يلجأ إلى الله عند المرض والألم أو اقتراب الموت، وأن يقترب منه وينمّي فضائل مختلفة (أي أن ينمّي الحالات الدائمة، أي حالاتٍ تقرّبه من الله وتوحّده به). يقول القدّيس غريغوريوس النزينزي إنّ الكثير من الناس صاروا قدّيسين من خلال المرض.ـ

إذا كان المسيح قد مات من أجلنا، فذلك لكي يتغلّب على الموت ويتيح لنا أن نقوم في نهاية الأزمنة كما قام هو نفسه. إلاّ أنّ لآلامه ولموته على الصليب معنى آخر يفوتنا أن نشدّد عليه: فهو، بآلامه وموته، أبطل قوّة الألم والموت؛ لقد أعطانا، إذا اتّحدنا به وحصلنا بذلك على النعمة الّتي منحنا إيّاها، ألاّ نخاف الألم وأن نتحسّن روحيًّا من خلاله، وألاّ نخشى الموت، بل أن نضع رجاءنا في الحياة الأبديّة، إلى حدّ قولنا مع القدّيس بولس في الفصل الخامس عشر من رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: “أين شوكتكَ يا موت؟ أين غلبتكِ يا جحيم؟”.ـ

يُطرحُ سؤالٌ آخر استنادًا إلى كلامكم السابق: إذا كان الله صالحًا وكلّيّ القدرة، فلماذا لا يلغي المرض والألم من هذا العالم، ولماذا لا يزالان موجودين في حين أنّ المسيح غلبهما من أجل كلّ البشريّة الّتي أخذها على عاتقه؟

هذا ما يُنشئ اعتراضًا قويًّا لدى الملحدين، وغالبًا ما يثير الشكّ بين المؤمنين.ـ

جواب الآباء هو أنّ الله خلق الإنسان حرًّا، وهو يحترم إرادة الإنسان الحرّة بكلّ عواقبها. وإذ إنّ الخطيئة تدوم في العالم، فعواقبها تستمرّ في التأثير على الطبيعة البشريّة والكون بأكمله.ـ

لقد أزال المسيح ضرورة الخطيئة، وأنهى استبداد الشيطان، وجعل الموت غير ضارّ، ولكنّه لم يلغِ الخطيئة، أو فِعل الشياطين، أو الموت الجسديّ، أو عواقب الخطيئة بشكلٍ عام، حتّى لا يُرغم الإرادة الحرّة الّتي تسبّبت بها، أو ينكر هذه الإرادة. على المستوى المادّيّ، يخضع العالم الساقط إلى منطقه الخاصّ. ولهذا السبب أيضًا يصيب المرض الواحد والآخر على نحوٍ مختلفٍ، ما يتّضح بخاصةٍ عند حلول وباءٍ ما: فبحسب تركيبة الناس الجسديّة الفرديّة، يصيب الوباء بعضهم ويستثني بعضهم الآخر؛ ويؤثّر على نحوٍ طفيفٍ على بعضهم، وعلى نحوٍ خطيرٍ على بعضهم الآخر؛ ويجعل بعضهم يموت ويترك بعضهم الآخر على قيد الحياة؛ ويقتل مراهقين ويستثني مسنّين.ـ

فقط في نهاية الأزمنة سيتجدّد كلّ شيء، وستظهر سماءٌ جديدةٌ وأرضٌ جديدةٌ، حيث سيُردّ ترتيب الطبيعة وتناغمها الّلذان دمرتهما الخطيئة، في طبيعةٍ أرفع وجودًا، حيث سيُشرك المسيح جميع الّذين سيتّحدون معه، في الخيرات الّتي أحرزها في عمله الخلاصيّ والمؤلّه طبيعتنا.ـ

الإنسان الّذي يحيا في المسيح داخل الكنيسة، حيث يوجد ملء النعمة، يتلقّى “عربون الروح القدس”، ويعرف روحيًّا بواكير الخيرات الآتية. على هذا المستوى الروحيّ، لا يعود للخطيئة والشيطان والموت والفساد من سلطةٍ أو تأثيرٍ عليه؛ هو حرٌّ روحيًّا إزاءها. ولكن إذا ضَمِنَ عدم الفساد وعدم الموت، فهذان لن يتحقّقا في جسده إلاّ بعد القيامة والدينونة، تمامًا مثل تألّه كيانه كلّه الذي لن يكتمل كلّيًّا سوى في هذه اللحظة الأخيرة (راجع 1 كو 15: 28).ـ

خلال هذا الانتظار، تظهر المسيحيّة حريصةً على تخفيف معاناة البشر وشفاء الأمراض، ولطالما شجّعَتْ من أجل ذلك الوسائل المتاحةـ

محبّة القريب هي مع محبّة الله الفضيلة الأهمّ الّتي تدعو إليها المسيحيّة. إنّ محبّة القريب تشمل تعاطفًا، ورغبةً في مساعدته في كلّ شيء، وفي تعزيته، ودعمه، وتخفيف آلامه، وعلاج أمراضه، وحفظه في صحّة جيدة. وقد أظهرت المثال على ذلك المعجزات الّتي اجترحها المسيح والرسل. لهذا السبب، اعترفت المسيحيّة منذ البداية بمزايا الطّبّ، ولم تتردّد في أن تضمّ الطبّ “الدنيويّ” المُمارس في المجتمع الذي نشأت وتطوّرت فيه، وحتّى أنّها أوّل مَن أنشأ مستشفيات. كانت الممرّضات راهباتٍ في الشرق والغرب، لقرونٍ عدّة وحتّى عصرٍ قريبٍ نسبيًّا لنا (في ألمانيا، لا يزالون يدعون الممرّضات “Schwester” أي أخوات!). خلال الوباء الحاليّ، أظهر جميع الباحثين والأطبّاء والممرّضين والمسعفين، وأيضًا جميع العمّال التقنيّين وموظّفي الصيانة، تفانيًا وروح تضحية، إلى حدّ وضع صحّتهم وحياتهم في خطر، وهذا يتوافق تمامًا مع القيَم المسيحيّة. إنّ الكنائس كلّها تباركهم، وعلينا أن ندعمهم بقوّةٍ بصلواتنا.ـ

بما أنّكم قلتم إنّ الطبيعة الساقطة تتبع نوعًا ما منطقها الخاصّ، فهل يمكن أن تؤثّر صلواتنا على هذا الوباء، من أجل إبطائه أو إنهائه؟

من واجبنا أن نصلّي إلى الله لإنهاء هذا الوباء. ولكن من أجل أن يحدث ذلك، يجب أن يلجأ إليه جميع الناس طالبين منه ذلك، وإلاّ، فهو لن يفرض نفوذه الكلّيّ القدرة على مَن لا يريدون أن يعرفوه ويطلبوا مساعدته، احترامًا لخيارهم الحرّ. ولهذا السبب لم يتجلَّ الفعل الإلهيّ من أجل إيقاف الأوبئة الكبيرة في الماضي. إلاّ أنّ الله، من ناحيةٍ أخرى، استجاب لطلب مجموعاتٍ صغيرةٍ متّحدة، وأوقف عجائبيًّا أوبئةً محلّيّة. ولطالما حصلت فجواتٌ في منطق العالم الساقط لصالح أشخاصٍ معيّنين، من خلال تدخّل الله أو والدة الإله أو القدّيسين. إلاّ أنّ المعجزات، بحسب تعريفها، هي استثناءاتٌ للنظام العامّ والعاديّ. لم يَقُم المسيح نفسه بشفاءاتٍ جماعيّة، بل دائمًا بشفاءاتٍ فرديّةٍ. وهذه كانت دائمًا تتعلّق (أشدّد على كلمة دائمًا) بهدفٍ روحيّ وعملٍ روحيّ يرافقه (غفران الخطايا)، مرتبطٌ بالحياة وبمصير الشخص. وهنا أذكّر بأنّه كما يمكن للمرض أن يتحوّل روحيًّا إلى مصلحتنا، قد يكون الحفاظ على الصحّة أو استعادتها عديمَي الفائدة إذا لم نستخدمهما جيّدًا على المستوى الروحيّ. أحد الأسئلة الإضافيّة الّتي يطرحها علينا الوباء الحالي هو التالي: ماذا فعلنا بصحّتنا حتّى الآن، وماذا سنفعل بها إذا بقينا على قيد الحياة؟

أمّا فيما يختصّ بالشفاءات العجائبيّة الّتي أجراها المسيح، فإنّنا نرى أنّها مُنحت أحيانًا بناءً على طلب الأشخاص الّذين شفاهم، وأحيانًا بناءً على طلب أقربائهم. وهذا يذكّرنا بأنّه من المهمّ أن نصلّي من أجل أنفسنا، من أجل الحصول على الحماية والشفاء، ولكن أيضًا من أجل أقربائنا، وعلى نطاقٍ أوسع من أجل جميع البشر، كما يفعل جميع القدّيسين الّذين يصلّون من أجل العالم كلّه، لأنّهم يشعرون أنّهم متحدّون مع الجميع.ـ

أزهرت الصلوات على أنواعها على المواقع الأرثوذكسيّة في الأسابيع الأخيرة. ما الصلاة (الصلوات) الّتي توصون بها بالأخصّ؟

كلّ صلاة جيّدةٌ لأنّها تقرّبنا من الله ومن قريبنا. يمكننا أن نتوجّه إلى المسيح، وإلى والدة الإله وجميع القدّيسين، إذ، كما أخبرني القدّيس باييسيوس الأثوسيّ خلال أحد لقاءاتي به، يمكن لكلّ قدّيسٍ أن يشفي جميع الأمراض، والقدّيسون لا يغارون بعضهم من بعض.ـ

على الرغم من كلّ شيء، لا أزال أشكّك قليلاً في بعض أشكال التقوى الّتي تلامس الخرافة، ولكن لا مفرّ منها في مثل هذه الظروف: مثلاً، أخرجنا مؤخّرًا من المخبأ قدّيسةً اسمها كورونا. لا شكّ في أنّنا سنرى قريبًا القدّيس فيروس (أسقف فيينا من القرن الرابع) يوافيها. من ناحيتي، أحبّ كثيرًا الصلاة الّتي كتبها البطريرك دانيال الرومانيّ وأستخدمها مراتٍ عدّة في اليوم، وهي قصيرةٌ وبسيطةٌ وكاملة. لقد عدّلتُ قليلاً النصّ:

“أيّها الربّ إلهنا، الغنيّ بالرحمة والّذي يوجّه حياتنا بحكمةٍ دؤوبة، استمعْ إلى صلاتنا، وتقبّلْ توبتنا عن خطايانا، وضعْ حدًّا لهذا الوباء. أنتَ يا طبيب أرواحنا وأجسادنا، امنحِ الصحّة للّذين أصابهم المرض، مُنهضًا ايّاهم بسرعةٍ من فراش ألمهم، حتّى يتمكّنوا من تمجيدكَ أنتَ المخلّص الرحيم. احفظْ من كلّ مرضٍ مَن هُم في صحّةٍ جيّدة. إحفظنا نحن أيضًا، نحن خدّامكَ غير المستحقّين، وكذلك والدينا وأقرباءنا. يا ربّ، باركْ وقوِّ واحرسْ بنعمتك كلّ الّذين يعتنون بالمرضى في منازلهم أو في المستشفيات، بمحبّةٍ للبشر وروح تضحية. أبعدْ كلّ مرضٍ وألمٍ عن شعبك، وعلّمنا أن نقدّر الحياة والصحّة كعطايا تأتي من لدنكَ. امنحنا يا ربّ سلامك، واملأ قلوبنا بإيمانٍ غير متزعزعٍ في حمايتك، وبرجاءٍ في عونكَ وبمحبّةٍ لكَ ولقريبنا. لأنّ لكَ أن ترحمنا وتخلّصنا، يا إلهنا، ولكَ نرسلُ المجد أيّها الآب والابن والروح القدس، الآن وكلّ أوانٍ وإلى دهر الداهرين، آمين.ـ

* مقابلة أجراها جيفكو بانيف في 6 نيسان 2020

***

ما بعد الإنسانية

ما بعد الإنسانية

الأب أنطوان ملكي

منذ ظهور الكورونا وتحولها إلى جائحة، أطلق معتنقو نظريات المؤامرة العنان لأفكارهم إذ وجدوا الظرف مؤاتياً لتطبيق رؤياهم. ليس سهلاً التعليق على كل السيناريوهات التي طُرِحَت. وقبل أي نقاش، يجب الإشارة إلى أن التهدئة ضرورية لتصويب المسار. التهدئة الفعلية تقوم على الحقيقة. والحقيقة لا تعني إنكار وجود ضد المسيح وأنه سوف يظهر وسوف يكون هناك حرب معه. تقتضي الحقيقة أن يفهم المسيحي أن المعركة مع ضد المسيح هي معركة المسيح، ونحن منخرطون كجنود للمسيح ولسنا مستقلّين عنه. كلّ مَن يتنطح ويغرق بالسيناريوهات يكون مخدوعاً.ـ

وعليه، قرار متى تكون الحرب ليس متروكاً بيد ضد المسيح، وربّنا لم ينسحب حتى يأخذ مكانه أي أحد، لا من أعدائه ولا من جيشه. لهذا، اليقظة شرطٌ لعبور الزمان الممتد من اللحظة إلى يوم القيامة. واليقظة لا تعني أن يقضي الإنسان وقته يراقب ضد المسيح بل هي أن يراقب نفسه، كما يعلّم القديس بورفيريوس. إن هو راقب نفسه يزرع السلام من حوله أما إذا انشغل بمراقبة ضد المسيح فسوف يدفع المؤمنين إلى الذعر والعيش بانفصام في واقع الحياة الذي لا ينقصه انفصامات. اليقظة ليست حالة فكرية بل روحية نبلغها بالجهاد الروحي في الكنيسة، على ضعفاتها.ـ

ما يهمنا في هذا المقال من نظريات المؤامرة، هي تلك التي ربطت الجائحة بضد المسيح، أما غيرها من النظريات، التي تقع في السياسة والمال، فلن نتطرق إليها. النقطة المركزية في هذه النظرية هي علامة الوحش حيث صارت الشريحة الرقمية العلامة تارة، واللقاح الذي لم يوجَد بعد تارة أخرى، ويخرج مَن يؤكّد أن اللقاح يحمل رقم الوحش المعروف ب666. ويكون الاستنتاج أن على المسيحيين رفض الشريحة ورفض اللقاح. هذا الكلام يعتوره الكثير من قلة الدقّة. من متطلبات النصر في الحروب هو دقة المعلومات وإلا تصير الحرب مع طواحين الهواء فيما العدو يتفرّج و”يشمت”، بحسب تعبير الذهبي الفم.ـ

قبل التطرق إلى الحرب مع ضد المسيح، من الضروري أن نضع الشريحة في مكانها الصحيح. هناك اليوم في العالم اهتمام كبير بالشرائح التي توضَع في جسم الإنسان، منها ما هو لأهداف طبية ومنها ما هو لمجرد البحث العلمي ومنها ما هو أبعد من ذلك. يُنفَق الكثير من المال عالمياً على هذه الأبحاث والدراسات. البعض القليل منها ينجح في التطبيقات الطبية، أما في الحقول الأخرى فعدم الوضوح هو السمة الغالبة. من هذه الشرائح اثنتان، الأولى اقترح بيل غايتس بأن تكون لتحميل اللقاح ضد الكورونا عليها فيمتص الجسد اللقاح وتبقى هي وتكون محمّلة بمعلومات صاحبها الشخصية. هذه العملية يقول مقترحوها أنها تساعد على تحديد مَن أخذ اللقاح، وهنا يبدأ النقاش حول إلزامية اللقاح، وأن اللقاح الذي لم يتوصل إليه أحد بعد هو أيضاً من الشيطان. أما الشريحة الثانية فهي أيضاً بنفس مواصفات الأولى ما عدا أنها ليست معنية باللقاح وسوف تكون إلزامية لكل البشر وتحلّ مكان كل الجوازات والبطاقات، فلا يحتاج الإنسان من ثمّ إلى جواز سفر ولا إلى بطاقة المصرف ولا رخصة السَوق ولا غيرها. إلى هذا تحمل البطاقة كل المعلومات البيومترية التي يحملها اليوم الجواز وغيره من البطاقات. هذه الشريحة هي جزء من مشروع كوني عنوانه الهوية 2020 (ID2020) ويعمل عليه عدد كبير جداً من الشركات العملاقة والصغيرة، وغالبيتها في أوروبا، ومعهم عدد كبير من الجامعات ومراكز الأبحاث والباحثين المنفردين والمموّلين.ـ

الهوية 2020 هي جزء مهيّء لمشروع أكبر يحمله تيار “ما بعد البشرية (transhumanism)”، وفي شقّه التكنولوجي أُطلِق عليه لاحقاً اسم Humanity 2.0، أي النسخة الثانية من البشرية، أو البشرية الجديدة، حيث يأمل المنخرطون فيه إنتاج إنسان هجين بين البشر والآلة. يتّخذ هذا المخلوق المرجو عدة أسماء، الأكثر انتشاراً بينها هو سايبورغ (Cyborg). وقد بدأت بعض الاختبارات على أشخاص من أصحاب الاحتياجات الخاصة حيث تم استبدال الأعضاء المريضة أو الميتة بأجهزة وشرائح. الأعضاء التي نجحوا في تصنيعها في المختبرات هي اليد، الرِجل، الذاكرة اي جزء من الدماغ، البنكرياس، العين، والأذن. وقد وصل البحث حول القلب إلى نقاط متقدمة، لكن لم يُصَر بعد إلى إنتاج قلب اصطناعي.ـ

تضمّ حركة ما بعد البشرية مفكرين وعلماء ومستثمرين من كافة الحقول، كالفلسفة والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والهندسة والطب وغيرها. من مبادئهم وجوب استخدام تقارب التقنيات الجديدة لتغيير الإنسان من عاقل (Homosapien) إلى تكنو إنسان (Technosapien). يعتبر بعض دعاة هذه الحركة أن البشر الحاليين هم نموذج عفا عنه الزمن، ويدافعون عن موقفهم بأن الناس هم أصلاً على طريق ما بعد الإنسان، حيث أنهم يستخدمون التكنولوجيا لتعزيز وتوسيع القدرات البشرية، كالهواتف المحمولة والإنترنت والأطراف الصناعية الطبية وما إلى ذلك. وبالتالي يجادلون بأن ما يدافعون عنه لا يختلف عينيًا عما سبق أن قَبِله البشر على أنه أخلاقي ومقبول. طبعاً، إلى اليوم لم تلقَ هذه الأفكار القبول الذي يضعها على المستوى التطبيقي الشامل مع أن منظومة مقتدرة من الإعلام والسينما والأدب والموسيقى تعمل على التسويق لهذه الأفكار ونشرها. قيمة ميزانيات هذه الأبحاث والنشاطات تفوق ما يحتاجه العالم لحل مشاكل الجوع والأمية، من دون أن ندرِج كلفة تطبيق هذه الأفكار على علوم الحرب وأدواتها.ـ

يتحدث جماعة ما بعد الإنسانية، او الإنسانية الجديدة، عن الخلود وإطالة الحياة وتأخير الشيخوخة، ويعملون على تحقيق هذه الأمور عن طريق التكنولوجيا. حلمهم الأبعد هو الحياة الأبدية على هذه الأرض أو على كوكب آخر. لهذان يمكن اعتبارهم ديناً يعِد بالخلود عن طريق التصاعد والتحول اللذين يحققهما العلم. وكسائر الأديان، يعتبرون مَن يخالفهم الرأي رجعياً ومعادياً للكنولوجيا والتطور.ـ

من المهم التمعّن بما يؤدّي تدخل التكنولوجيا والعلوم في داخل الإنسان أكثر مما يؤثر عليه من خارج. لا يؤمن أتباع الإنسانية الجديدة بأن للإنسان جوهر ينبغي احترامه. نحن المسيحيون نعرف أن داخل الإنسان صورة الله وهي جوهره. بالتالي، التطور يلحِق الضرر بصورة الله التي فينا والتي نتمسّك بها وندافع عنها. الكلام عن الرجل الآلة هو ضرب لهذه الصورة ولقدسية الحياة التي فيها. أن يقبل الناس أنهم جزئياً آلات يقودهم عملياً إلى التخلي عن كل ما نعتقده قدسيةً للجسد، من الحشمة وصولاً إلى الاستباحة الكاملة، وحتى إلى الإجهاض والانتحار والموت الرحيم. إذا كنا نستطيع أن نتصرّف بالآلات على هوانا وحتّى أن نتلفها أو نتخلَص منها أو ندوّرها، فلمَ تكون هذه الآلة البشرية استثناءً؟

يدعو أتباع الإنسانية الجديدة إلى تبني التقنيات التي تهدف إلى تعزيز قدرات الإنسان العقلية والأخلاقية. حجتهم هي أن الإنسان المعزز سوف يكون أكثر سلامية وعدائية لأنه لا ينقصه شيء. هذه التقنيات مبنية على علم النفس وطبّها وهي تطال الأفراد والجماعات. من أشهر هذه التقنيات ما يُعرَف بالهندسة الاجتماعية التي يقوم عليها الكثير من ألاعيب علوم التسويق والدعاية. تضخّ إلينا الشاشات، بكافة أشكالها، كمّاً كبيراً من تطبيقات هذه التقنيات.ـ

طبعاً، لا يقف العالم متفرجاً على جماعات ما بعد الإنسانية ينفذّون مشاريعهم ولا خططهم تسير كما يشتهون. هناك جماعات دينية وأخلاقية كثيرة تناهضهم. وهنا تكمن ضرورة التمييز في كيف يناهضهم الإنسان وأين ومتى؟ مَن يندفع من دون تمييز يستنفد قوته وموارده قبل الأوان.ـ

على سبيل المثال، يتحدّث مناهضو الشريحة عن أنها سوف تكون مدخلاً إلى التحكم بالبشر وتوجيههم. أيعتقد ناشرو هذه التحذيرات بأن الشريحة سوف تكون أكثر فتكاً مما ينتشر حالياً في المجتع من مظاهر ثقافة تغيير المزاج والتحكم بالأفكار، وتقنيات التأمل التصاعدي، وحتى العقاقير التي تعمل على الأعصاب وعلى النفس، والمخدرات؟ أليست هذه كلها أشكال تحكّم بالناس؟ كثيرون يحذّرون من أن اللقاح سوف يتيح لقوى الظلام التحكّم بمَن يأخذه، فهل يعتقدون بأنه سوف يكون أكثر تحكماً من الهاتف الذكي والرسائل المخفية والموسيقى المخدّرة؟

طبعاً هذا الكلام ليس للدفاع عن الشريحة بل لوضعها في مكانها الصحيح. جماعة الإنسانية الجديدة يخططون للانتقال من خارج الإنسان إلى داخله متى استطاعوا. هذا يعني أن الحرب الحقيقية تكون في داخل الإنسان. المؤمن الذي انتصر في داخله، على ذاته أولاً، يكون محصّناً مستعداً لمواجهة ما يأتي من خارجها. يحكي الأخرويون عن أن الناس سوف تهرب كي لا تحمل علامة الوحش وهذا صحيح. لكن مَن الذي سوف يترك بيته وماله ومجتمعه ويهرب؟ وحده غير المتعلّق بما يملك، الذي كنزه في السماء وبالتالي هناك قلبه، الذي لا يشدّه إلى مكانه شيء سوى أن الله وضعه فيه، متى أراده الله أن ينتقل يكون جاهزاً. الاستعداد داخلي وبرنامجه واضحٌ اسمه التوبة. ألفا سنة والكنيسة تعلّم عنه، تصوم وتجاهد من أجله.ـ

إن وصف الرسول بولس لهذه الحرب دقيق جداً: “وَأَمَّا الأَزْمِنَةُ وَالأَوْقَاتُ فَلاَ حَاجَةَ لَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنْهَا، لأَنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِالتَّحْقِيقِ أَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ هكَذَا يَجِيءُ… وَأَمَّا أَنْتُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَلَسْتُمْ فِي ظُلْمَةٍ… جَمِيعُكُمْ أَبْنَاءُ نُورٍ وَأَبْنَاءُ نَهَارٍ…فَلْنَصْحُ لاَبِسِينَ دِرْعَ الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ، وَخُوذَةً هِيَ رَجَاءُ الْخَلاَصِ” (1تسالونيكي 1:5-8).ـ

إذاً، هناك معركة قادمة. أما كيف وأين فللرب أن يقرر. يخطئ مَن يعتقد أن القرار بيد ضد المسيح. “وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ… إِلاَّ الآبُ” (مرقس 13: 32). لهذا نحارب بالتوبة لا بالنظريات ولا بالسلاح ولا حتّى بالعلم. فليستعدّ كل واحد بالوزنة التي أُعطيها. لسنا كلنا أطباء ولسنا كلنا علماء. فلنأخذ الطب من الطبيب والعلم من العالِم. نظريات المؤامرة هي استجلاب للسياسة إلى الروحيات. لا يجوز أن نخلط السياسة بالإيمان ونتصوّر أننا نقرأ الواحد بالآخر. لا ألعاب الأرقام ولا شؤون الأرض ولا قراءة الإنجيل هوليوودياً تنفع المؤمنين وتثبّتهم وراء سيدهم في التجربة. وحدهم التائبون يرون الفرج “تُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ، لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ” (أعمال 19:3).ـ

ختاماً، باختصار على لسان هامة الرسل: “أَنَّ يَوْمًا وَاحِدًا عِنْدَ الرَّبِّ كَأَلْفِ سَنَةٍ، وَأَلْفَ سَنَةٍ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ. لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ، لكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ. وَلكِنْ سَيَأْتِي كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ، يَوْمُ الرَّبِّ، الَّذِي فِيهِ تَزُولُ السَّمَاوَاتُ بِضَجِيجٍ، وَتَنْحَلُّ الْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً، وَتَحْتَرِقُ الأَرْضُ وَالْمَصْنُوعَاتُ الَّتِي فِيهَا. فَبِمَا أَنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَنْحَلُّ، أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ فِي سِيرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقْوَى؟ مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الَّذِي بِهِ تَنْحَلُّ السَّمَاوَاتُ مُلْتَهِبَةً، وَالْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً تَذُوبُ. وَلكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ. لِذلِكَ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِذْ أَنْتُمْ مُنْتَظِرُونَ هذِهِ، اجْتَهِدُوا لِتُوجَدُوا عِنْدَهُ بِلاَ دَنَسٍ وَلاَ عَيْبٍ، فِي سَلاَمٍ.” (2بطرس 8:3-14).ـ

Ferrando, Francesca. (2013). “Posthumanism, Transhumanism, Antihumanism, Metahumanism, and New Materialisms: Differences and Relations,” Existenz 8/2 (2013), 26-32. https://www.researchgate.net/publication/304333989_Posthumanism_Transhumanism_Antihumanism_Metahumanism_and_New_Materialisms_Differences_and_Relations

Gallaher, B (2019). “Godmanhood vs Mangodhood: An eastern orthodox response to transhumanism”. Studies in Christian Ethics. http://hdl.handle.net/10871/39217

Somerville, Margaret (2007). “From Homo sapiens to Techno sapiens: Children’s Human Rights to Natural Human Origins”. https://www.ieb-eib.org/en/study/early-life/assisted-reproduction/from-homo-sapiens-to-techno-sapiens-161.html

***

قصة الخلق والميثولوجيا

الخورية سميرة عوض ملكي

الميثولوجيا، بحسب قاموس أوكسفورد، هي قصة تقليدية متعلّقة بالتاريخ المبكر لشعب ما أو بشرح لظاهرة اجتماعية او طبيعية، مستخدمة لذلك عادةً مخلوقات وأحداث فوق طبيعية. فهل قصة الخلق في الكتاب المقدس ميثولوجيا؟

إن موضوع الخلق شغل فكر الإنسان في كل العصور. وقد كان العنصر الرئيس في كل الديانات القديمة التي حاولت، كل منها بأسلوبها الخاص، أن تعطي جواباً عن مسألة مبدأ الكون والإنسان وعن الظواهر الطبيعية

لكن ما يميّز الروحانية الأرثوذكسية هو أن “جوهرها كتابيّ” كما يذكر اللاهوتي الروسي بول نيكولايفيتش أفدوكيموف في كتابه “الأرثوذكسية”. فدراسة الكتاب المقدس في الكنيسة الأرثوذكسية ليست عملاً عقلياً محضاً، لكنها مشاركة أسرارية في كلمة الله داخل إطار الكنيسة. من هنا، فإن خبرة الجماعة التي عاشت الكشف الإلهي هي التي تعطي الحجة القوية للسِّفر، وليس شخصية كاتبه أو الأسلوب العلمي في عرض الأحداث. إذاً، فتفسير الكتاب المقدس ليس عملَ أحد الحكماء، بل عمل أعضاء الكنيسة الذين يتعرّفون على المسيح في مشاركتهم في الأسرار، كما حصل في لقاء يسوع القائم مع تلميذيه على طريق عمواص، إذ لم يعرفاه إلا بعد كسر الخبز

مع هذا، فقد كان لكل عصر طرقه التفسيرية الخاصّة به، بغية الوصول إلى فهم كلمة الله على أكمل وجه. وقد ساهم تطوّر العلوم في السنوات الأخيرة في إيجاد طرق تفسيرية جديدة حتى غدا التفسير فرعاً علمياً خاصاً. إلا إن هذا لم يمنع تضارب الآراء باستمرار وبشكل جذري ناتج عن الخلفيات المختلفة التي بها تمت قراءة النصوص الكتابية، لأنه وبالرغم من أن كل الجماعات المسيحية تستند إلى الكتاب المقدس نفسه، إلا إنها لا تملك الفهم عينه

ويأتي سوء الفهم، حتى في الأوساط الأرثوذكسية، فكثيراً ما سمعنا أن بعض قصص الخلق في الكتاب المقدس هي قصص رمزية، لا بل ويذهب البعض أبعد من ذلك فيقولون إنها مجرد أسطورة، وليس بالضرورة أنها حدثت، ومنهم أساتذة في مدارسنا الأرثوذكسية على ما ينقل تلاميذهم عنهم

هذا قد يكون ناتجاً عن الخلط في أن الكتاب المقدس هو عمل موحى به من الله، إلا أن لاهوتنا لا يقول إن هذا الكتاب “نزل من السماء”، بل على العكس يصرّح علناً بأنه عمل بشري كُتِب بلغة بشرية موجّهة إلى البشر. وقد كان الكتّاب الذين أنارهم الروح القدس أدوات الله وحاملي الكشف الإلهي، قد تلقّوه لينقلوه إلى الناس لا بشكل آلي لا دور لهم فيه، بل بأسلوب حمل معه شخصياتهم بشكل كامل. لكنهم حاولوا أن يضعوا الحقائق الإلهية في متناول البشر مستخدمين أنواعاً أدبية تعبيرية. وهذا ما فعله الكاتب بتصويره قصة الخلق وغيرها من القصص بشكل أدبي معروف عند قرائه، ليجرّده من أسطوريته. وهنا ننوّه إلى موضوعٍ خَلَق مشاكلاً كبيرة في تفسير الكتاب المقدس، خاصةً بعد اكتشاف نصوص بالكتابة المسمارية تتناول ميثولوجيا بلاد ما بين النهرين تتشابه مع بعض النصوص الكتابية. هذا الأمر قاد الكثير من المفسّرين في بدايات القرن الماضي إلى الاعتقاد بأن العهد القديم ليس أكثر من نشرة إسرائيلية للميثولوجية البابلية، مما ولّد ردّات فعل عنيفة لدى مفسّرين آخرين

إن الاختلاف في الموقف لا يمنع من وجود براهين جديّة لوجود مادة ميثولوجية في الكتاب المقدس. كما أن وجود هذه المادة لا يتيح رفض الحقيقة الكتابية. لأن الميثولوجيا استُعمِلَت في النصوص الكتابية كتدخّل لغوي دوماً للإعلان، وبأسلوب قصصي، حقيقة أن الله واحد فريد، خلق العالم تاماً، وجبل الإنسان على صورته ومثاله، وهو يدين البشر وما إلى ذلك

إن هدف كتّاب الكتاب المقدّس، إذاً، لم يكن أبداً إخبار القرّاء عن أحداث تمّت في الماضي، الخلق والفردوس والسقوط والموت وشجرة المعرفة والحيّة وغيرها، بل بشكل رئيسي، أن يمرّروا عبر هذه الروايات الحقائقَ اللاهوتية الأبدية عن الله والإنسان والكون والمواضيع التي لن تتضاءل أهميتها طالما هناك بشر على الأرض

* عن نشرة الكرمة

التعليم الديني المطوّل – 2

لكنيسة الله الشرقية الأرثوذكسية الجامعة

المعروف أيضاً بتعليم القديس فيلاريت درودزوف موسكو

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

هذا التعليم راجعه وأقرّه المجمع المقدس (الروسي) ونشره ليتمّ استعماله للتعليم في المدارس كما ولكل المسيحيين الأرثوذكسيين (موسكو، المطبعة المجمعية، 1830)

عن الكتاب المقدس بوجه الخصوص ـ

ـ25ـ متى تمّت كتابة الكتب المقدسة؟

في أوقات مختلفة: بعضها قبل ولادة المسيح ، والبعض الآخر بعدهاـ

ـ26ـ أليس لكل من قسمي الكتب المقدسة أسماءه الخاصة؟

نعم لكل منهما أسماؤه. الكتب التي كُتبَت قبل ميلاد المسيح تُدعى كتب العهد القديم، بينما يُطلق على التي كُتبت بعد الميلاد كتب العهد الجديد

ـ27ـ ما هما العهدان القديم والجديد؟

بعبارة أخرى، عهدا الله، القديم والجديد، مع البشر

ـ28ـ مما يتكوّن العهد القديم؟

من أن الله وعد البشر بمخلص إلهي وأعدّهم لاستقباله

ـ29ـ كيف أعدّ الله البشر لاستقبال المخلّص؟

بالكشف التدريجي، بالنبوءات والنماذج

ـ30ـ مما يتألّف العهد الجديد؟

من أن الله أعطى البشر مخلصاً إلهياً، ابنه المولود الوحيد يسوع المسيح

ـ31ـ كم هي كتب العهد القديم؟

القديسون كيرللس الأورشليمي وأثناسيوس الكبير ويوحنا الدمشقي يحصون اثنين وعشرين، متفقين بذلك مع اليهود الذين يحصونها كذلك في اللغة العبرية

(Athanas. Ep. xxxix. De Test.; J. Damasc. Theol. lib. iv. c. 17)

ـ32ـ لمَ علينا أن نحافظ على تعداد العبرانيين؟

لأنهم اسْتُؤْمِنُوا عَلَى أَقْوَالِ اللهِ” (روما 2:3) كما يقول الرسول بولس، فالكتب المقدسة تسلّمتها كنيسة العهد الجديد من كنيسة العهد القديم العبرانية

ـ33ـ كيف رقّم القديسان كيرللس وأثناسيوس كتب العهد القديم؟

على النحو التالي: 1، كتاب التكوين ؛ 2، الخروج ؛ 3، اللاويين ؛ 4، كتاب العدد؛ 5، تثنية. 6، يشوع بن نون ؛ 7، القضاة، ومعه، كملحق، كتاب راعوث ؛ 8، الملوك الأول والثاني، كجزئين لكتاب واحد (يُعرَف أيضاً بصموئيل: المترجم) ؛ 9، والملوك الثالث والرابع. 10، أخبار الأيام الأول والثاني. 11، والكتاب الأول من عزرا، والثاني، أو، كما هو الحال في اليونانية، وكتاب نحميا ؛ 12، استير. 13، أيوب ؛ 14 المزامير. 15 امثال سليمان. 16، الجامعة، وهو كذلك لسليمان ؛ 17، نشيد الأنشاد لسليمان أيضاً. 18، النبي أشعياء ؛ 19 ارميا. 20 حزقيال. 21 دانيال. 22، الأنبياء الاثني عشر

ـ34ـ لماذا لا يُلحَظ في تعداد كتب العهد القديم هذا كتاب حكمة ابن سيراخ ، وبعض الآخرين؟

لأنها غير موجودة في العبرية

ـ35ـ كيف نعتبر هذه الكتب المذكورة أعلاه؟

يقول القديس أثناسيوس الكبير أنه قد تم تعيينها من الآباء ليقرأها الموعوظون الذين يستعدون للقبول في الكنيسة

ـ36ـ هل هناك أي تقسيم لكتب العهد القديم يمكنك من خلالها تقديم سرد أكثر وضوحاً لمحتوياتها؟

يمكن تقسيمها إلى الأقسام الأربعة التالية:ـ

كتب الناموس، والتي تشكّل أساس العهد القديم

الكتب التاريخية وتحتوي بشكل أساسي تاريخ الجماعة

العقائد، وتحتوي على عقيدة الدين

النبوية، التي تضمّ النبوءات، أو تنبؤات بالأشياء المستقبلية، وخاصة عن يسوع المسيح

ـ37ـ ما هي كتب الناموس؟

الكتب الخمسة التي كتبها موسى: التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، والتثنية. يسوع المسيح نفسه يعطي هذه الكتب الاسم الشامل ’ناموس موسى’ (أنظر لوقا 44:24)

ـ38ـ على وجه الخصوص، ماذا يرِد في سفر التكوين؟

رواية خلق العالم والإنسان وبعده تاريخ ومراسيم الدين في العصور الأولى للبشرية

ـ39ـ ما الذي يرِد في الكتب الأربعة الأخرى لموسى؟

تاريخ المعتَقَد في زمن النبي موسى، والشريعة المعطاة من الله من خلاله

ـ40ـ أيٌّ هي الكتب التاريخية في العهد القديم؟

كتب يشوع بن نون، القضاة، راعوث، الملوك، الأخبار، كتاب عزرا، وكتاب نحميا وإستير

ـ41ـ أي منها هي العقائدية؟

كتب ايوب والمزامير وكتب سليمان

ـ42ـ أية خصوصية ينبغي أن نلاحظها لكتاب المزامير؟

يحتوي هذا الكتاب، بالإضافة إلى العقيدة، تلميحات لتاريخه والعديد من نبوءات المسيح المخلّص. إنه دليل مثالي للصلاة والمديح، وعلى هذا الأساس يُستخدَم باستمرار في الخدم الكنسية

ـ43ـ ما هي الكتب النبوية؟

كتب الأنبياء: إشعياء، أرميا، حزقيال، دانيال، والاثني عشر الآخرين

ـ44ـ كم هي كتب العهد الجديد؟

سبعٌ وعشرون

ـ45ـ هل من بينها كتب تردّ على الناموس، أو تشكّل أساس العهد الجديد؟

نعم. الإنجيل، الذي يتكوّن من أربعة كتب للإنجيليين متى، مرقس، لوقا، ويوحنا

ـ46ـ ماذا تعني كلمة إنجيل؟

هو نفس كلمة Evangely اليونانية، وتعني الخبر الحسن أو البهيج

ـ47ـ ما هو الخبر الحسن في الكتب المسماة الإنجيل؟

إنه الخبر عن ألوهية ربنا يسوع المسيح، عن مجيئه وحياته على الأرض، عن معجزاته وعقيدة الخلاص، وأخيراً عن موته على الصليب، قيامته المجيدة، وصعوده إلى السماء

ـ48ـ لماذا تسمى هذه الكتب الإنجيل؟

لأنه لا يمكن للإنسان أن يكون خبر أفضل أو أكثر بهجة من هذه، عن المخلص الإلهي والخلاص الأبدي. لنفس السبب، قراءة الإنجيل في الكنيسة مسبوقة دائماً ومُرافقة بالإعلان البهِج المجد لك، يا رب المجد لك

ـ49ـ هل بين كتب العهد الجديد كتب تاريخية؟

نعم، واحد: كتاب أعمال الرسل القديسين

ـ50ـ عمَّ يحكي؟

عن نزول الروح القدس على الرسل وتوسّع كنيسة المسيح من خلالهم

ـ51ـ ما هو الرسول؟

كلمة تعني حامل الرسالة. إنه الاسم الذي يطلق على تلاميذ ربنا يسوع المسيح الذين أرسلهم للتبشير بالإنجيل

ـ52ـ ما هي كتب العهد الجديد العقائدية؟

الرسائل السبع العامة: وهي واحدة من الرسول يعقوب، واثنتان من بطرس، وثلاثة من يوحنا وواحدة من يهوذا؛ وأربع عشر رسالة لبولس الرسول: وهي واحدة للرومانيين، واثنتان إلى أهل كورنثوس، وواحدة إلى أهل غلاطية، وواحدة إلى أفسس، وواحدة إلى أهل فيلبي، وواحدة إلى أهل كولوسي، واثنتان إلى أهل تسالونيكي، وواحدة إلى تيموثاوس، وأخرى إلى تيطس، وواحدة إلى فليمون، وواحدة إلى العبرانيين

ـ53ـ أبينَ كتب العهد الجديد كتب نبوية؟

نعم إنه كتاب الرؤيا

ـ54ـ ماذا تعني هذه كلمة الرؤيا؟

إنها من اليونانية Apocalypse

ـ55ـ ما هي محتويات هذا الكتاب؟

تمثيل سري لمستقبل الكنيسة المسيحية، وكل العالم

ـ56ـ ما هي القواعد التي يجب مراعاتها في قراءة الكتاب المقدس؟

أولاً ، يجب أن نقرأه بإخلاص ككلمة الله والصلاة لفهمه بشكل صحيح؛ ثانياً، يجب أن نقرأه برغبة صافية في تعلّم الإيمان، والحثّ على الأعمال الصالحة؛ ثالثًا، يجب علينا أن نفهمه ونقبله بما يتوافق مع تفسير الكنيسة الأرثوذكسية والآباء القديسين

ـ57ـ عندما تقدّم الكنيسة عقيدة الوحي الإلهي والكتاب المقدس للناس لأول مرة، ما هي العلامات التي تقدمها على أنه حقاً كلمة الله؟

العلامات على أنه كلمة الله هي ما يلي:ـ

ـ1ـ سمو العقيدة ما يشهد على استحالة أن يكون اختراعاً بشرياً

ـ2ـ طهارة الإيمان ما يدلّ على أنه من فكر الله الكلي الطهارة

ـ3ـ النبوءات

ـ4ـ المعجزات

ـ5ـ تأثير العقيدة القوي على قلوب الناس بما يتخطى الكلّ ما عدا القوة الإلهية

ـ58ـ كيف تكون النبوءات علامات وحي حقيقي من الله؟

لنأخذ مثلاً : عندما تنبأ النبي أشعياء عن ولادة المخلص المسيح من عذراء، وهي شيء لم يكن ممكناً أن يتخيّله العقل الطبيعي، وعندما ولد ربنا يسوع المسيح بعد هذه النبوة بمئات من السنوات من مريم العذراء الفائقة الطهارة، كان من المستحيل عدم رؤية أن النبوة كانت كلمة الكلي المعرفة، وإتمامها هو عمل الله العظيم. ولهذا السبب أيضًا، يقدم متى الإنجيلي القديس هذه النبوءة عندما يروي عن ميلاد المسيح: “وَهذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ: «هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا.” (متى 22:1-23)

ـ59ـ ما هي المعجزات؟

أعمال لا يمكن إتمامها بأي قوة أو فن بشري، بل فقط بقوة الله الفائقة: مثلاً إقامة الأموات

ـ60ـ كيف تعمل المعجزات كإشارة إلى أن الكلمة المنطوقة هي من الله؟

من يصنع المعجزات الحقيقية يعمل بقوة الله. وبالتالي فهو من الله ومشارك في الروح الإلهي. لكن هذا الانتماء يعني قول الحقيقة الخالصة فقط؛ وهكذا، عندما يتكلّم مثل هذا الرجل باسم الله، نحن على يقين من أن بفمه يتكلّم حقًا كلمة الله

على هذا الأساس ، يجترح ربنا يسوع المسيح نفسه المعجزات كشهادة قوية على رسالته الإلهية: “الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي.” (يوحنا 36:5)

ـ61ـ أين يمكن أن نرى بشكل خاص التأثير العظيم لعقيدة المسيح؟

من هذا: الرسل الاثنا عشر، المختارين من بين الفقراء والناس غير المتعلمين، من الطبقة الدنيا، تغلبوا بهذا الإيمان وأخضعوا للمسيح الأقوياء والحكماء والأغنياء والملوك وممالكهم

التعليم الديني المطوّل

لكنيسة الله الشرقية الأرثوذكسية الجامعة

المعروف أيضاً بتعليم

القديس فيلاريت درودزوف موسكو

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

هذا التعليم راجعه وأقرّه المجمع المقدس (الروسي) ونشره ليتمّ استعماله للتعليم في المدارس كما ولكل المسيحيين الأرثوذكسيين (موسكو، المطبعة المجمعية، 1830)

مدخل إلى التعليم الديني الأرثوذكسي

تعليمات أولية

ـ1ـ ما هو التعليم الديني الأرثوذكسي؟

التعليم الديني الأرثوذكسي هو تعليم عن الإيمان المسيحي الأرثوذكسي، ينبغي تعليمه لكل مسيحي، لتأهيله لأن يرضي الرب ويخلّص نفسه

ـ2ـ ما معنى كلمة تعليم ديني (Catechism)؟

إنها كلمة يونانية ، تعني التعليم، أو التوجيه الشفهي، وقد كانت قيد الاستعمال منذ زمان الرسل للإشارة إلى أن التعليم الأساسي في الإيمان الأرثوذكسي ضروري لكل مسيحي (لوقا 4:1، أعمال 25:18)

ـ3ـ ما هو الضروري لإرضاء الله وخلاص النفس؟

في المقام الأول، معرفة الإله الحقيقي والإيمان الصحيح به؛ في المقام الثاني، حياةٌ وفقًا للإيمان، وأعمال صالحة

ـ4ـ لماذا الإيمان ضروري في المقام الأول؟

لأنه، كما تشهد الكلمة الإلهية، من دون الإيمان يستحيل إرضاء الله (عبرانيين 6:6)

ـ5ـ لماذا يجب أن تكون الحياة وفقًا للإيمان، والأعمال الصالحة منفصلة عن هذا الإيمان؟

لأنه، كما تشهد الكلمة الإلهية، فإن الإيمان بدون أعمال ميت (يعقوب 20:2)

ـ6ـ ما هو الإيمان؟

بحسب تعريف القديس بولس، الإيمان هو الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى (عبرانيين 1:11) ؛ وهذا يعني، الثقة في الغيب كما لو كان قد شوهد، بينما الثقة في ما يؤمل وينتظر كما لو كان حاضرًا

ـ7ـ ما هو الفرق بين المعرفة والإيمان؟

تعمل المعرفة على أشياء مرئية ومفهومة. الإيمان يعمل على الأشياء غير المرئية وحتى غير المفهومة. تستند المعرفة إلى الخبرة وإلى فحص موضوعها؛ لكن يستند الإيمان إلى تصديق شهادة الحقيقة. المعرفة تنتمي بشكل صحيح إلى العقل، رغم أنها قد تعمل أيضًا على القلب؛ ينتمي الإيمان أساسًا إلى القلب، على الرغم من أنه ينتقل عبر العقل

ـ8ـ لماذا الإيمان ضروري للتعليم الديني وليس المعرفة فقط؟

لأن الهدف الرئيسي من هذا التعليم هو أن الله غير مرئي وغير مفهوم، وأن حكمة الله مخبأة في لغز؛ وبالتالي، أجزاء كثيرة من هذا التعليم لا يمكن قبولها بالمعرفة، ولكن قد يتم تلقيها بالإيمان. الإيمان، كما يقول القديس كيرلس الأورشليمي، هو العين التي تنير ضمير كل إنسان؛ إنه يعطي الرجل المعرفة. لأنه، كما يقول النبي، إذا لم تصدقوا فلن تفهموا (إشعياء 9:7)

ـ9ـ هل يمكن الاستفاضة في توضيح ضرورة الإيمان؟

القديس كيرلس يوضح ذلك: الإيمان ليس شيئًا عظيمًا فقط بيننا نحن الذين سمعوا باسم المسيح؛ لكن كل شيء يجري في العالم، حتى من البشر الذين لا صلة لهم بالكنيسة، يتمّ بالإيمان. الزراعة تأسست على الإيمان. لأن من لا يؤمن بأن عليه أن يجمع من ثمار الأرض لا يأخذ على عاتقه أعمال الزراعة. البحارة يقودهم الإيمان عندما يسلّمون مصيرهم إلى لوح طفيف، ويفضّلون المياه غير المستقرة على الأرض الأكثر استقرارًا. إنهم لا يسلّمون أنفسهم لتوقعات غامضة، ولا يحتفظون لأنفسهم إلا بالإيمان الذي يثقون به أكثر من أي مرساة. (العظة الخامسة)

حول الإعلان الإلهي

ـ10ـ من أين تُستمّد عقيدة الإيمان الأرثوذكسي؟

من الإعلان الإلهي

ـ11ـ ماذا يُقصَد بعبارة الإعلان الإلهي؟

هي ما أعلنه الله بذاته للبشر، لكي يؤمنوا به عن حق وللخلاص ولكي يمجّدوه كما يليق

ـ12ـ هل أعطى الله هذا الإعلان لكل البشر؟

لقد أعطاه للجميع، لكونه ضروري للجميع على السواء وقادر على جلب الخلاص للجميع. لكن، لكون البشر ليسوا جميعاً مؤهّلين لتلقّي الإعلان مباشرة من الله، فقد اعتمد على أشخاص محددين كمذيعين لإعلانه، ليبلّغوه إلى كل الذين يرغبون بتلقّيه

ـ13ـ لماذا ليس جميع البشر مؤهّلين لتلقّي الإعلان مباشرة من الله؟

بسبب تلوثهم الآثم وضعفهم في الجسد والنفس معاً

ـ14ـ مَن هم مذيعو الإعلان الإلهي؟

آدم، نوح، موسى وغيرهم من الأنبياء تلقّوا وكرزوا ببدايات الإعلان الإلهي؛ لكن ابن الله المتجسّد، ربنا يسوع المسيح، هو مَن أنزل الإعلان إلى الأرض بملئه وكماله، ونشرَه في كل العالم بتلاميذه ورسله

يقول الرسول بولس في بداية الرسالة إلى العبرانيين: “اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ”(عبرانيين1:1-2)

والرسول نفسه يكتب ما يلي في الرسالة إلى الكورنثيين: ” بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا، الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ… فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ. (1كورنثوس 7:2-8، 10).

ويكتب الإنجيلي يوحنا في إنجيله: ” اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ.” (18:1)

ويسوع المسيح نفسه يقول: ” كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ.” (متى 27:11)

ـ15ـ ألا يستطيع الإنسان من ثمّ أن يمتلك أي معرفة لله من دون إعلان خاص منه؟

قد يحصّل الإنسان بعض المعرفة لله من معاينة الأشياء التي خلقها لكن هذه المعرفة غير كاملة ولا كافية ولا يمكن أن تخدم إلا للتهيئة للإيمان، أو كمساعدة نحو معرفة الله من إعلانه

“لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ.” (رومية 20:1)

“وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ، وَحَتَمَ بِالأَوْقَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ، لِكَيْ يَطْلُبُوا اللهَ لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيدًا. لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ.” (أعمال 26:17-28)

في ما يتعلّق بالإيمان بالله، فيسبقه فكرة أن الله كائن، وهي فكرة نكوّنها من الأشياء المخلوقة. عند دراسة خلق العالم بِانْتِباه، ندرك أن الله حكيم وقوي وصالح؛ كما أننا ندرك أيضًاً صفاته غير المرئية. عِبر هذه الوسائل، نُقاد إلى الاعتراف به على أنه الحاكم العليّ. إذ نرى أن الله هو خالق العالم كله، ونحن جزء من العالم، فهذا يعني أن الله هو خالقنا أيضًا. على هذه المعرفة يتبع الإيمان، وعلى الإيمان العبادة. (القديس باسيليوس الكبير، الرسالة 232)

حول التقليد الشريف والكتاب المقدّس

ـ16ـ كيف ينتشر الإعلان الإلهي بين البشر ويُحفَظ في الكنيسة الحقيقية؟

عبر قناتين: التقليد الشريف والكتاب المقدّس

ـ17ـ ماذا يُقصد بالتقليد الشريف؟

إن التقليد الشريف هو إسم يشير إلى عقيدة الإيمان، ناموس الله، الأسرار، والطقوس كما تسلّمها المؤمنون الحقيقيون ومتعبّدو الله بالكلمة والمثال الواحد من الآخر، ومن جيل إلى جيل

ـ18ـ هل يوجد أي مستودع للتقليد الشريف؟

إن المؤمنين جميعاً متّحدين في تقليد الإيمان الشريف، جمعياً وبالتتابع، بمشيثئة الله يؤلّفون الكنيسة، وهي المستودع الأكيد للتقليد الشريف أو كما يعبّر القديس بولس “كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ.” (1 تيموثاوس 15:3)

وهكذا يكتب القديس إيرينايوس: يجب ألا نطلب الحقيقة من بين أمور أخرى نطلبها من الكنيسة؛ لأن فيها، كما في خزانة كنز غني، وضع الرسل في ملئها كلّ ما يتعلق بالحقيقة، حتى كل مَن يسعى يتمكن من الحصول منها على طعام الحياة. إنها باب الحياة

(ضد الهراطقة، lib. iii. c. 4.)

ـ19ـ ما الذي نسمّيه الكتاب المقدس؟

بعض الكتب المكتوبة بالروح القدس عبر البشر المتقدّسين بالله، المسمّين أنبياء ورسل. هذه الكتب تُسمّى على نحو مشترك الإنجيل

ـ20ـ ماذا تعني كلمة إنجيل؟

إنها كلمة يونانية، وتعني الكتب. يشير الاسم إلى الكتب المقدسة تستحق الاهتمام أكثر من غيرها

ـ21ـ أيّ هو الأقدم: التقليد الشريف أو الكتاب المقدس؟

أقدم وأول وسيلة لنشر الإعلان الإلهي هو التقليد الشريف. منذ آدم إلى موسى لم يكن هناك كتب مقدسة. ربنا يسوع المسيح نفسه أوصَل عقيدته الإلهية ووصاياه إلى رسله بالكلمة والمثال، وليس بالكتابة. الطريقة نفسها اتّبعها الرسل الذين في البداية نشروا الإيمان في كل اتجاه وأسسوا كنيسة المسيح. ضرورة التقليد تتضح أكثر من هنا، حيث لا يمكن إتاحة الكتب إلا لجزء صغير من الجنس البشري، ولكن التقليد هو للجميع

ـ22ـ لماذا إذاً ومتى أعطي الكتاب المقدس؟

لهذه الغاية، حتى يُحفَظ الإعلان الإلهي وبشكل دقيق وثابت. في الكتاب المقدس نقرأ كلمات الأنبياء والرسل بشكل دقيق وكأننا عشنا معهم وسمعناهم، مع أن آخر الكتب الكقدسة كُتِب قبل ألف وعدة مئات من زمننا

ـ23ـ أعلينا أن نتبع التقليد الشريف حتى ولو عندنا الكتاب المقدس؟

علينا أن نتبع التقليد الشريف الذي يتوافق مع الإعلان الإلهي والكتاب المقدس، كما علّمنا إياه الكتاب المقدس. يكتب الرسول بولس: “فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا (2تسالونيكي 15:2)

ـ24ـ لمَ التقليد ضروري حتّى إلى اليوم؟

كمرشد إلى الفهم الصحيح للكتاب المقدس، للخدمة الصحيحة للطقوس، وللحفاظ على الطقوس المقدسة والخِدَم في نقاوة تأسيسها الأصيلة

عن هذا يتحدّث القديس باسيليوس الكبير: “بعض العقائد والوصايا التي تحتفظ بها الكنيسة موجودة لدينا كتعليمات مكتوبة. لكن البعض تلقيناه من التقليد الرسولي، عن طريق التسلسل سرياً. فلكلٍّ من الأول والثاني نفس القوة في التقوى، وهذا لا يعارضه كلّ مَن كان لديه معرفة قليلة جدًا بفرائض الكنيسة؛ لأننا إن كنا نتجرأ على رفض العادات غير المكتوبة، كما لو أنها ليست ذات أهمية كبيرة، فكأننا بلا إكتراث نقبّح الإنجيل، حتى في أهم النقاط، أو بالأحرى نجعل تعليم الرسل مجرّد اسم فارغ. فلنذكر أولاً، على سبيل المثال، العادة الأكثر شيوعًا لدى المسيحيين الأوائل، وهي أن على الذين يؤمنون باسم ربنا يسوع المسيح أن يميزوا أنفسهم بعلامة الصليب: مَن الذي علم هذا بالكتابة؟ التوجّه نحو الشرق في الصلاة، أي كتاب عندنا يقول ذلك؟ كلمات استدعاء الروح القدس لتحوّل الخبز في القداس ولكأس البركة، مَن من القديسين ترك لنا هذا كتابةً؟ وكأننا غير راضين عن تلك الكلمات التي سجلها الرسول أو الإنجيل، ولكن قبل وبعدها نتلو صلوات أخرى أيضًا، نعتبر أنها ذات قوة كبيرة للسر، مع أننا تلقيناها من التعليم غير المكتوب. استناداً على المنوال نفسه، إلى أي كتاب مقدّس نحن نبارك الماء للمعمودية، والزيت للمسحة، والشخص المعتمد نفسه؟ أليس استناداً إلى تقليد صامت وسرّي؟ ماذا أكثر من ذلك؟ إن ممارسة مسحة الزيت نفسها، أي كلمة مكتوبة عندنا عنها؟ من أين أتى قانون التغطيس ثلاثاً؟ وما تبقى من طقوس المعمودية وطرد الشيطان وملائكته؟ من أي كتاب مقدس مأخوذة هذه؟ أليست كلها من هذا التعليم الخاص وغير المنشور الذي حفظه الآباء بعيداً عن الفضول والبحث المدنِّس، كوننا تعلمنا أولاً الحفاظ على قداسة الأسرار بصمت؟ فكيف كان من المناسب نشر عقيدة هذه الأمور كتابةً، والتي قد لا يطّلع عليها غير المعتمدين؟ 

يتبع