الاختزال في أنطاكية، إلى أين؟

الاختزال في أنطاكية، إلى أين؟

الأب أنطوان ملكي

مَن أخطأ في واحدة، أخطأ في الكلّ. هذا كلام للسيّد، ينطبق على الأهواء بعامّة، إنّما أكثر ما ينطبق على خطيئة الاختزال. مَن اختزل في واحدة يصير مستعداً للاختزال في الكلّ. هدف هذه السلسلة من المقالات الحديث عن اختزال الناس والمحبة، فهذا وصف يطول والكلّ يقع أو قابل للوقوع فيه، لكنّه قادر على التبرير والإسناد لدعم خيارات لا يرحم الزمن في إظهار خطئها. تبدأ السلسلة بمناقشة الاختزال في الطقوس تحديداً، وبلوغه حدّ الإلغاء في بعض الأمور، لتنتهي إلى ما هو أخطر. ففي التقليد الأرثوذكسي العبادة هي العصب الذي يخلق الجماعة. الطقوس، بحسب تعبير البطريرك اغناطيوس الرابع، هي معابر لنعمة الله المطهِّرة والمقدِّسة“. والكنيسة بتعبير البطريرك يوحنا العاشر تمنح بالأسرار نعمة الروح بعلامات محسوسة لتقديسهم وجعلهم أبناء حقيقيين لله بعبادة فريدة“.

إذاً، واضح من قول الرجلين الذين رأسا الكنيسة في الفترة الزمنية التي نعيشها أنهما يؤمنان بقدسية الطقوس وقدرتها على التقديس ونقل النعمة. فهل الأجزاء التي يتمّ اختزالها والاستغناء عنها هي إضافات أم أنها فقدت قدرتها على التقديس؟ وإذا كانت فقدت قدرتها على التقديس فلأن عندها طاقة نفدت أم لأن المتعاطين بها لم يعودوا يرون فيها قناة للقداسة؟ أم أنهم متكاسلون فلم يعودوا يستحقون القداسة؟

إن هذه السلسلة من المقالات تغطي الاختزال في المعمودية، من ثمّ في في الإكليل ومن بعده الجناز، انتهاءً إلى الاختزال في الشعب أو اختزال الشعب كنتيجة حتمية للاختزالات السابقة.

الاختزال في المعمودية

الاختزال في خدمتي الخطبة والإكليل

الاختزال في الجناز

اختزال الشعب

الاختزال في المعمودية

الاختزال في المعمودية

الأب أنطوان ملكي

قبل الشروع في الحديث عن الاختزال في خدمة المعمودية، لا بدّ من التوقّف عند الضغوط التي يخضع لها الكاهن أو لبعضها، عند كل معمودية.

1) تحوّل المعمودية إلى حدث اجتماعي بامتياز. قد تؤجّل المعمودية سنوات إلى أن تتوفّر مقوّمات الحفلة التي تتبع المعمودية، وقد يُصار إلى تعميد الإخوة معاً بهدف التوفير.

2) اختيار العرّابين أمر يخضع للاعتبارات العائلية والعلاقات الاجتماعية بالدرجة الأولى. بشكل خاص، يأتي الضغط على الكاهن في حال كانت الوالدة من عائلة غير أرثوذكسية. هذه ليست الحالة الوحيدة، فهناك أن هذا أو ذاك طلب الميرون، وغيرها أن هذا العراب أغنى من ذاك، وكل هذه الحالات من دون القبول بالحد الأدنى من القانون الكنسي.

3) الضغط الأكبر يأتي من أن هناك أديار أو كهنة آخرون مستعدّون لتعميد أبناء الرعايا التي يحاول كهنتها الحفاظ على الحد الأدنى من الترتيب. أغلب الكهنة يتراجعون عن هذا الحد الأدنى خوفاً من أن يبدوا في هيئة المتخلّي عن أبنائه. كثيرون من الكهنة يخشون سهولة تخلّي أبنائهم عن أمّهم الكنيسة وعن أبيهم الكاهن إن لم يسيروا بحسب رغباتهم.

4) طقوس المعمودية المستحدَثة، من تلبيس الذهب وفرش الثياب وتحكّم المصوّر بسير العملية. فالكاميرا تنزل إلى جرن المعمودية قبل الطفل فيما تلاقيه كاميرا أخرى في المنشفة. العرّابان إجمالاً مشغولان بتنفيذ أوامر المصوّر للتوصّل إلى الوضع الأفضل للصورة. وقد يصل الأمر بالمصوّر إلى الطلب من الكاهن التوقّف أو إعادة بعض اللقطاتالتي لم يتسنَّ له تصويرها كما يليق.

5) توقيت المعمودية يتحدد على ضوء ما يناسب المدعوّين أو توفّر المطعم، ويُعلَم الكاهن بالنتيجة، وعليه أن يدبّر الأمور بحيث تسير العملية كما خطط الأهل. الكنيسة جزء من الاحتفال، بل الجزء الأخير.

هذه بعض الحالات العامّة، وقد يكون هناك حالات خاصّة هنا وثمّة. البعض يصرّ على التعميد في البيت، أو في حديقة المنزل، أو على البحر. كل هذه هي مصادر ضغط على الكاهن تحوّل فرح دخول شخص إلى الكنيسة إلى وجعة رأس يرجو الكاهن أن تنتهي بأسرع ما يمكن.

هذا الاستعجال يؤدّي إلى اختزال أجزاء من المعمودية. يُحكى عن كاهن لا يقرأ الاستقسامات لأن الزمان تخطّاها. أغلب الكهنة لا يقرؤونها كاملة. استغرب أحد آباء الجبل المقدس أن الناس يستغربون انتشار الأمراض النفسية فيما المعمودية تجري من دون الاستقسامات. فهل هذه وضعها الآباء لأنهم كانوا يؤمنون بالخرافات؟ هل الصراع مع رؤساء هذا العالم انتهى؟

من ثمّ لا يبارك هذا الكاهن الماء بل يسكب في الجرن ماءً مقدّساً من عيد الظهور. ولا يبارك الزيت بل يسكب زيتاً تمّت مباركته في الأربعاء العظيم. ولا يقصّ الشعر لأن هذه كانت عادة تخطاها الزمن. ولا يناول بل يطلب جلب الولد إلى أول قداس بعد المعمودية. ماذا بقي من الخدمة عند هذا الأب المبارَك؟

إن درس شرح خدمة المعمودية يظهِر دور كل عبارة تُقال. قد يكون ضرورياً أن يبادر الكاهن إلى قراءة هذا الشرح في كل مرة يبادر فيها إلى تعميد أحد الأولاد. وعلى غرار ما تقوم به أغلب الأبرشيات من التهيئة للزواج، فقد يكون أكثر ضرورة أن تقيم دورات تهيئة للمعمودية تشمل الأهل والعرّابين. إن هذه التهيئة قد تلغي تلك، لكنها أكثر صعوبة ودونها مشاكل أكثر. وبما أن المجمع بادر إلى التغيير في القوانين فقد يكون من النافع أن يصدر قانون يحدد أن العرّابين هما الأم والأب دون سواهما، وهذا الأمر يمكن تبريره ولا يخالف التقليد بشيء.

الاختزال في خدمتي الخطبة والإكليل

الاختزال في خدمتي الخطبة والإكليل

الأب أنطوان ملكي

يفرد صاحب الغبطة دراسة كاملة لخدمتي الخطبة والإكليل. إن دراسة هذا الكتاب الصادر عن معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي في 2004، تجيب على الكثير من الأسئلة حول الاختزال، على افتراض أن أغلب الاختزال يصير عن قلة فهم وتقدير لكل جزء من أجزاء الصلاة.

لن نخوض في إلغاء صلاة الخطبة كما يحدث في الكثير من الكنائس اليوم، حيث أن هذه المناقشة بحاجة إلى أكثر من طرف وعلى مستوى رعائي عالٍ. التعليق الوحيد على إلغائها هو أن في الإلغاء، كما في الاختزال والاختصار، خروج على ما هو مشتَرك بين كل مكوّنات الكنيسة. أبسط أصول الأعمال التطبيقية يقول بأنه لو كان جميع الكهنة يتبعون ما بين يديهم من الكتب بدقة لما كان هناك أي فروقات في الخدمة ما بين أبرشية وأخرى وحتّى ما بين رعيتين متجاورتين.

أمّا خدمة الإكليل فالاختزال الذي طالها أقلّ بكثير من خدمة الجناز. الإفشين الافتتاحي ملغى، الإكتاني بعد الإنجيل والإفشين المرافق لها لا يقرءان. من جهة أخرى يضيف بعض الكهنة إلى الخدمة السؤال المنسوخ عن الكثلكة عمّا إذا كان كل من العروسين يريد الآخر. من حيث المبدأ، هذه الإضافة انحراف عن لاهوت سرّ الزواج في الكنيسة الأرثوذكسية، خاصةً إذا سبقته خطبة. فهذا السؤال بالأصل يسأله الكاهن قبل الإكليل، واليوم المفتَرَض أن مكاتبالزواج في المطرانيات سألته. فالشخص الآتي إلى الإكليل يعرف أنه آتٍ إلى إكليل وليس إلى قاضٍ. السؤال موجود عند الكاثوليك لأن الكثلكة تعتبر نفسها حاكمة على الدين والدنيا. نحن في تقليدنا، أن الزواج قد تمّ مدنياً عند القاضي قبل وصول العروسين إلى مباركة إكليلهما في الكنيسة. لهذا لا نجد في خدمتنا إلا طلب البركة. خدمة الإكليل لا تعلن العروسين زوجاً وزوجة، كما يجري في نهاية الإكليل الكاثوليكي. الكنيسة ليست قاضياً ولا تستطيع أن تكون.

إن العبادة هي إحدى صورة الوحدة الظاهرة. لهذا وبحسب الشرع الكنسي، يوجد في كل أبرشية كاهن مسؤول عن التأكّد من أن الخدم متناغمة خاصةً من حيث الشكل. في اليونان مثلاً، يأتي تعميم مكتوب من المطران يحدد أوقات ابتداء الصلاة. بهذا تسمع أجراس الكنائس المتجاورة تقرع مع بعضها جميعاً. أما عندنا فكل رعية تثبت توقيتها، وهذه تؤجّل وتلك تبكّر، وهذا الكاهن يزيح عيداً سيدياً وذاك يلغي السحرية أو جزءً منها. باختصار، الاستنساب في أنطاكية بلغ حدّ الفوضى.

مشكلة الاختزال الكبرى التي تطال الأكاليل هي في أوقات الإذن بالزواج. ورد في الدليل الرعائي إلى الأسرار الصادر عن المجمع الأنطاكي سنة 1996، المادة 133: “تجيز الكنيسة إتمام زواج في كل يوم على مدار السنة عدا الأيام التالية:

1- كل يوم أربعاء أو جمعة ﻷنها أيام صوم

2- ليلة كل أحد أي مساء كل سبت لأنها تهيئة ليوم الربّ

3- ليلة عيدَي الصليب في 14 أيلول وقطع رأس يوحنا المعمدان في 29 آب لأنهما يوما صوم

4- في صوم الميلاد من 20 كانون الأول وحتى عيد الظهور الإلهي

5- أيام الصوم الكبير مع أسبوع البياض وأسبوع التجديدات أي من أحد مرفع اللحم حتى أحد توما. ويجوز إتمام الزواج، لسبب صوابي، في اسبوع البياض بعد استئذان السلطة الروحية المختّصة

6- أيام صوم الرسل. ويجوز إتمام الزواج فيه لسبب صوابي، بعد استئذان السلطة الروحية المختّصة

7- أيام صوم السيدة.

تمنع الكنيسة إتمام الزواج في الأيام الواردة أعلاه، إمّا:

1- بسبب وقوعه في فترة صوم، والصوم يستدعي الخشوع والتقشّف والابتعاد عن مظاهر الفرح العالمي

2- بسبب وقوعه في فترة أعياد سيدية، تقتضي الدخول في الأفراح الخلاصية النابعة من هذه المواسم والمشاركة فيها دون أن يؤثّر عليها أي فرح عالمي آخر

3- بسبب وقوعه ليلة سبت، وليلة كل سبت هي تهيئة ليوم الربّ! واستعداد للإتحاد بجسد المسيح ودمه الكريمين.”

أما في الدليل الرعائي الصادر المجمع الأنطاكي في 2012، فقد تغيّرت فترات منع الزواج وصارت:

في 4- من 20 إلى 25 كانون الأول ضمناً ويوم بارامون الظهور الإلهي وعيد الظهور الإلهي استناداً إلى قرار المجمع، الدورة العادية، دير البلمند 13-10/21/ 1998. أي أن الزواج صار مسموحاً في الفترة بين العيدين، من دون أي تعليل.

أُضيف أحد العنصرة، وهو بالواقع ليس إضافة لأن أحد العنصرة هو غروب عيد الروح القدس أي عيد سيدي وبالتالي هذه الإضافة توضيحية لا غير.

التفسير الذي تمّ تداوله للسماح بالزواج بين عيدي الميلاد والظهور كما عدا البارامون، هو أن غالبية شبابنا مسافرون وتأتي فرصهم في تلك الفترة التي تضمّ أيضاً رأس السنة الميلادية. لم تثر أي ضجة مع أن عدداً من الكهنة لم يعتبر نفسه معنياً بالتغيير خاصةً أن التعليل لا يستند إلى أي منطق لاهوتي.

أما بيان المجمع الأنطاكي برئاسة غبطة البطريرك يوحنا العاشر في دورته العادية الثامنة من 3 وحتى 5 من تشرين الأول 2017، فقد أورد ما يلي: “واطلع الآباء على الدراسة المقدمة بشأن سر الزواج وأوقات إتمام هذا السر وشددوا على أهمية الرابط الزوجي وقدسيته كَسِرٍّ وكلُبنةٍ أولى وأساس في بناء العائلة المسيحية واتخذوا قراراً بالتشديد على التالي: أولاً: يُحتفل بالزواج في الكنيسة وليس في أماكن أخرى. ثانياً: تقام الخدمة وفقاً للمراسيم الليتورجية المحددة في كتاب الخدمة دون سواها. ثالثاً: تجيز الكنيسة إتمام سر الزواج في كل يوم على مدار السنة عدا الأيام التالية: يوم عيد الصليب في 14 أيلول، يوم عيد قطع رأس يوحنا المعمدان في 29 آب. من 20 إلى 25 كانون الأول ضمناً، يوم برامون الظهور الإلهي ويوم عيد الظهور الإلهي. من الأربعاء في أسبوع البياض (قبل الصوم الكبير) ولغاية السبت الجديد (بعد الفصح) ضمناً. يوم عيد العنصرة. أيام صوم السيدة من 1 إلى 15 آب (ضمناً)”.

إذاً اختزل المجمع 3 أيام من أسبوع البياض، صوم الرسل، ليلة عيدَي الصليب وقطع رأس يوحنا المعمدان، وكل أيام الأربعاء والجمعة والسبوت، وصار ممكناً إقامة الزواج فيها.

يذكر البيان أن المجمع استند إلى دراسة مقدّمة. كالعادة، لم تُنشَر هذه الدراسة، وهذا ما يحدّ من إمكانية التوسّع بالتعليق على هذا الاختزال، من دون أن يمنع طرح الأسئلة التالية:

ما هو السند اللاهوتي الممكن لهذا التغيير؟ لماذا لم تتوصل إليه أيٌ من الكنائس الأرثوذكسية الأخرى في العالم؟

في تعليم 1996 يُذكر 3 أسباب لمنع الزواج في يوم ما. فهل السماح بالزواج أيام الأربعاء والجمعة يعني أن هذه الأيام لم تعد أيام صوم؟ هل السماح بالزواج في صوم الرسل يعني الاستغناء عن هذا الصوم؟ هل السماح بالزواج يوم السبت يعني أنّه تمّ الاستغناء عن الاستعداد ليوم الربّ؟

تعليق

انعقد لقاء 1923 التاريخي في القسطنطينية حيث قاطعت بعض الكنائس وأنطاكية كانت من بين الحضور. تقدّم بطريرك القسطنطينية في حينه ملاتيوس ميتاكساكيس. كان البرنامج مثقلاً بالأمور الخلافية حتى أن بعض الدارسين يعتبرونه انقلاباً على التقليد. من أهم الأمور التي كانت مطروحة في اللقاء المذكور إعادة النظر بالأصوام، وتحديداً الاستغناء عن صوم الأربعاء والجمعة وصوم الرسل، إعادة النظر بالتقويم اليولياني، زواج الأساقفة، التخلّي عن القيافة الكهنوتية التقليدية كتقصير الشعر وحلق اللحى واللباس المدني وغيره. الكنائس التي حضرت تبنّت التقويم المعدّل، المتّبع حالياً لدينا، بحيث نعيد كل الأعياد بحسب التقويم الغريغوري الغربي المتّبع في كل العالم ما عدا الفصح الذي نعيّده على التقويم اليولياني. أرجئ البتّ بالقضايا الأخرى، لكن عملياً وعلى غرار التقويم اعتُمِد أغلبها من دون قرار أرثوذكسي جامع.

في التحضير للقاء كريت المهزلة أعيد طرح العديد من القضايا التي لم تُعتَمَد في 1923. من أهمّ الأمور التي لم تصمد حتّى انعقاد اللقاء: 1) إعادة النظر في أصوام الأربعاء والجمعة والرسل و2) التقويم الأرثوذكسي. موضوع إعادة النظر في الأصوام لاقى ممانعة قوية وأسقِط باكراً. أما موضوع التقويم فأسقِط لاحقاً وتبيّن أن الهمّ فيه لم يكن إعادة النظر بكل التقويم بل فقط بتعييد الفصح ومحاولة ملاقاة الكثلكة والأقباط في السعي إلى تاريخ موحّد للتعييد بالفصح. أنطاكية لم تذهب إلى كريت لأن موضوع توحيد العيد لم يعد وارداً (بيان المجمع الأنطاكي في 6 حزيران 2016)، وها هي اليوم بقرار المجمع الأخير حول مواعيد الأكاليل تلغي عملياً صوم الأربعاء والجمعة وصوم الرسل.

ينظر الكثير من الدارسين إلى لقاء 1923 على أنه محاولة للخروج عن الأرثوذكسية تأتي قضية التقويم التي شقّت العالم الأرثوذكسي كإحدى ظواهر هذه المحاولة. واليوم تقوم أنطاكية لوحدها بهذا الخروج.

الاختزال في خدمة الجناز

الاختزال في خدمة الجناز

الأب أنطوان ملكي

في كتاب مختصر الإفخولوجي الذي يحتوي على جميع الصلوات التي يحتاج إليها الكاهنومنه في أنطاكية نسختان قيد التداول. الأقدم هي من مراجعة الخوري نقولا خوري في القدس سنة 1934، والأخرى من مراجعة سرجيوس أسقف سلفكية في 1964. واضح أن الثانية هي اختصار للأولى. كعادة أغلب ما بين يدينا، ليس من دراسة حول سبب الاختصار سوى ما العبارة التي ترد في النسخة المختصرة نفسها إن العادة الآن لأجل السرعة والاختصار…” أنظر مثلاً ص. 198 حيث يرد أن العادة الآن لأجل السرعة والاختصار هي أن الكاهن يتلو المزمور 119 “طوباهم الذين بلا عيببكامله، وهو المزمور الأطول، على انفراد قبل الابتداء بصلاة الجناز إلى أن يجتمع الناس. وفي حين تلاوة صلاة الجناز يقتصر على ترتيل الاستيخونات الستة فقط الموضوعة هنا“. إذاً، العادة والاختصار اقتضتا أن لا يبقى من كل مزمور إلا ست استيخونات، وفي أيامنا هذه لم تعد تُقال جميعها ولا حتّى الطلبات التي ما بينها. إلى هذا، فإن صلاة الجناز في نسخة 1964 تبدأ بالمزمور الحادي والتسعين الساكن في عون العليوقد أُسقِط. من ثمّ تتبع الإفلوجيتاريا مبارك أنت يا رب، فطلبة، فثلاث طروباريات غالباً ما يقرأها اليوم الكاهن الكاثوليكي المشارك، من ثم المزمور الخمسون الذي حُذِف فقانون على كل قطعة منه يُقال «أرِح يا رب نفس عبدك هذا الراقد»يتضمن كاثسماتات حُذِفَت، ولم يبقَ منه إلا أرموس وطلبة ومن ثم قنداق وطلبة من دون البيت. من ثم إرموس تمّ حذفه تتبعه طلبة فالدمشقيات، أي القطع التسع التي لا يوجد ما يضاهيها روعة في وصف سر الموت، والتي أُسقِطَت من الخدمة وبقيت مرتلة لمحبي الترتيل البيزنطي حيث أن متري المرّ أبدع في ضبطها وجوقة أبرشية طرابلس أبدعت في أدائها على أحد أقراصها المدمّجة. هذه الدمشقيات صار أهل الفقيديختارون منها ما يريدون سماعه على الآن في المكارزمي الذي اختُصرَت قطعه ولم يبقَ منها إلا الاستيخونات. الرسالة والإنجيل يتبعان المكارزمي، وهنا يسقط السرعة والاختصار حيث قد تمتدّ قراءة الرسالة إلى خمس دقائق ومثلها الإنجيل تتبعهما عظة قد تتخطّى العشر دقائق خاصةً إذا بدأت بالتحية لأصحاب المناصب وممثلي الرؤساء الذي يضّيقون الكنيسة بكراسيهم المفروضة في الصفوف الأولى حتّى ليظن الغريب أن ما يجري هو حفل تكريم لهم لا صلاة من أجل الراقد. من ثم يعود الاختصار فيُحذَف أربعة عشرة طروبارية قد تتفتّق القريحة البشرية عن ما يشبهها في تفصيل سرّ الموت وشرحه وربطه بالحياة الحالية وبالقيامة الآتية وليس من السهل إيجاد ما يوازيها من الكلام المعزّي في أفئدة الناس. من بعد هذا تأتي صلاة الحل فتريصاجيون فالختم. طبعاً هذا التريصاجيون الأخير تمّ حذفه.

تنتشر اليوم بين يدي الكهنة نسخة هي اختصار الاختصار لعدد من الخدم صادرة عن أبرشية بيروت، كما بين يدي كهنة طرابلس والكورة نسخة للجناز جمعها الإيكونوموس جبران اللاطي عن طريق قطع صور من مختصر الإفخولوجي ولصقها. هذه النسخة تعطينا فكرة من الناحية الإحصائية، ففيما خدمة الجناز في كتاب مختصر الإفخولوجي لعام 1964 هي في 43 صفحة، أمّا نسخة اللاطي فهي في 18 صفحة، إذا أسقطنا منها صفحة المزمور الخمسين الذي يرتّل على الطريق لا في الكنيسة، وأنه كرر الطلبة لا الإشارة إليها مقتطعاً صفحة كاملة لكل مرة وأبقى على طروباريات المكارزمي، كما أفرد صفحة كاملة لصلاة الحل، لا يبقى في هذه النسخة إلا 12 صفحة. بغض النظر عن حجم الصفحات وقول علم المطبوعات، فإنّنا نحكي عملياً على ربع الخدمة.

لا يوجد في اللغة العربية أي دراسة تشرح خدمة الجناز، ولا أي دراسة تشرح مراحل زمّه“. مبرر الاختزال الوحيد هو السرعة والاختصار“. أليس معيباً الكلام عن السرعة والاختصار في خدمة الجناز فيما معدل حضور التلفزيون عالمياً لمَن أعمارهم بين 33 و59 هو 33 ساعة في الأسبوع أي ما يزيد عن 4 ساعات في اليوم؟ أليس معيباً أن يكون السرعة والاختصار سبباً لاختصار خدمة الجناز إلى ما دون العشرين دقيقة فيما لا تقلّ عدد ساعات تقبّل التعازي، رسمياً، لأي فقيد عن 32 ساعة؟

طبعاً، ليس إيراد هذه الأرقام أن تكون هدفاً بذاتها. أن تكون ساعات تقبّل التعازي غير خاضعة للاختزال فيما فقط الصلاة خاضعة، معناه المباشر أننا لم نعد نؤمن بأن العزاء الفعلي يأتي من الله بل من الناس والتفافهم وتعاضدهم. أن تقبل الكنيسة بذلك معناه أنه ترضى أن تتحوّل مكتباً للتجنيز قد يأتي يوم يحدد فيه أهل الفقيد ماذا يريدون من الصلوات، كما يحددون اليوم مَن يريدون من الكهنة وعدد باقات الزهر وساعات تقبّل التعازي. أن يقبل الإكليروس هذا الكلام معناه أنه استقال من دور نقل وجه المسيح المسيح إلى الناس وصار منخرطاً في تقديم إلى كل واحد المسيح الذي يناسبه. وصل الأمر ببعض الآباء أن تتحوّل أبوّتهم إلى شرطي سير يقول للناس اجلسوا أو قفوا في خدمة الجناز، طبعاً من دون أن يشمل الأمر أهل الميت الذين يعطيهم حزنهم الحق في عدم الوقوف عند قراءة الإنجيل. لماذا ننمّي الجوقات إن لم تكن لترتّل الدمشقيات في الجنانيز فتحمل فكر الدمشقي إلى قلوب الناس وأولهم أهل الفقيد؟ فبدل أن ينشغلوا في حزنهم وحرمانهم من فقيدهم، أو في اهتمامهم بأن لا يقصّروا مع أحد من الحضور وفي حجم الحضور في جنازهم الذي فاق جناز جارهم، أو في عدد المطارنة والكهنة المنتصبين في الباب الملوكي وحوله، الراكضين إلى التعزية في الكنيسة فيما الشعب يعزّي خارجاً، لأن وقت الإكليروس أثمن وقت الشعب. وبدل أن ينشغل أهل الفقيد بالكلمة التي سوف يلقيها ممثلهم داخل الكنيسة بمخالفة صريحة لكل القوانين الكنسية وحتّى للأعراف الاجتماعية، فإن طروباريات وداع الميت تحمله، وتحمل أهله ومحبيه وكل الذين لبّوا الواجببالحضور إلى الجناز، إلى باب السماء وتضعه بين يدي ملاكه الحارس وتصالحه مع الكثير من الرؤى التي كان خاصمها في حياته.

هذا الاختزال إلى أين؟ إنه اختزال للفكر واللاهوت والدور والرسالة، ولا بدّ في النهاية أن ينعكس اختزالاً للبشر، فيصير التعاطي مع الراقدين على أنهم حالات عابرة وأهلهم زبائن عابرين. هنا العثرة. مطلوب أن تعيد الكنيسة، طبعاً المقصود هنا هو الإدارة الكنسية، ترتيب أمر الاختزال حتى لا نصل إلى ما هو أسوأ.

اختزال الشعب

اختزال الشعب

الأب أنطوان ملكي

هذا العنوان مثير للرهبة لأن اختزال الإنسان هو أكبر الخطايا. “هل أنا حارس لأخي؟لم يكن القتل خطيئة قايين الكبرى بل الإنكار. واليوم أين يأتي الاختزال في الكنيسة؟ أهو خطيئة؟ لقد بيّننا مخاطر الاختزال في الأكاليل والجنانيز. لن نتطرق إلى الاختزال في القداس، بل سوف نعبر مباشرة إلى الحديث عن اختزال الشعب.

لمَ قد ينتبه إلى أنه يختزل الشعب مَن اختزل الطقوس؟ الطقوس أصلاً قنوات لتقديس الشعب. إذا اختزلناها يعني أننا ضيّقنا القناة التي تعبر فيها القداسة وصار المستفيدون منها أقلّ. إذا كنّا فعلاً نهتمّ بالمستفيدين من القناة، الطالبين القداسة، فإننا لا نضيّقها، يعني لا نختزل. الأمر بسيط ويمكن شرحه بمَثَل. عندما كان يأتي البعض طالبين إذناً للإكليل مساء السبت، كان مطران طرابلس يحاول إقناعهم بأن الإكليل مساء السبت لا بَرَكة فيه. هو لم يحكِ معهم بقوانين بل بالبَرَكة. مَن يريد البَرَكة يلتزم القانون. اليوم ماذا لدى المطران ليقوله للشعب؟ اليوم لا شيء يردع المتردد عن اختيار الوقت الذي يناسب مصفف الشعر والمطعم والمصوّر وبائع الزهر. لم يعد هناك عوائق كنسية، ولكنه لن يلحظ أنه لم يعد هناك برَكة. وبحجة القانون الجديد سوف تنهار دفاعات الكهنة المتمسّكين بعدم جواز الإكليل مساء السبت. ومن نتائج هذا الانهيار استقواء الشعب على الكاهن المتمسّك بأنه ليس موظّفاً في محكمة عملها إصدار شهادات الزواج بل هو ناقل بَرَكة، ولهذا يرفض أن يقيم الطقس إلا بحسب الأصول. هذا الكاهن سوف يزداد الضغط عليه، أمّا الكاهن المتردد فسوف يسلك بحسب القانون تبريراً لذاته بحجة الطاعة.

أن نحرم الشعب من البركة هو اختزال له. في ظل سيطرة الذهنية غير اللاهوتية، قد يبدو هذا الكلام اجتهاداً نظرياً للكثيرين. لكن ماذا عن الواقع الذي يعكس هذه الذهنية:

يزيد عدد الأبرشيات والمعتمديات الأنطاكية عن العشرين، فيما عدد الأبرشيات التي تمّ تشكيل مجلس مليّ فيها، أو مؤتمر أبرشية، لا يصل إلى عدد أصابع اليد الواحدة. فأين دور الشعب؟

ما هو وضع مجالس الرعايا في كل الأبرشيات؟ فأين مساهمة الشعب؟

كم هو عدد الأبرشيات التي تتشكّى من تفرّد المطارنة، أو من إحاطتهم بمجموعات من المتسلّطين أو المتنفّعين، الذين يدفعون بالأمور باتّجاه أهوائهم؟

لماذا تستطيع كنائس رومانيا وصربيا وجورجيا وغيرها إقالة مطارنة بسبب العجز أو التقصير، فيما أنطاكية تستجدي استقالة العاجزين من أقربائهم؟ وهل كان ذلك ممكناً لو أن المجالس التي تنصّ عليها القوانين المتّبعة موضوعة قيد التفعيل؟

على كافة مستويات الكرسي، كم هو عدد اللجان التي تضم علمانيين وتستمر في عملها حتّى إنجازه؟ أليس كل الرؤساء يفضّلون العمل مع أفراد لا لجان؟

هل يمكننا الكلام عن أدوات إعلامية أو تواصلية في أنطاكية، في وقت لا تبث الآليات القائمة إلا أخبار الرؤساء؟ وفي أغلب الأحيان من دون حساب دقيق لأبعاد البث وتأثيره على الشعب أو استغلال أعداء الكنيسة له؟ قبل أن يُعلَم الشعب بكل لقاءات الرؤساء فلتُنشَر كل المحاضر والدراسات واجتماعات التخطيط حتى تصير الصورة كاملة. في القرن الحادي والعشرين مات الإعلام ليعيش التواصل، والتواصل يحتاج إلى اتجاهين من تبادل الرسائل. إعلام أرثوذكس أنطاكيا تلقيني وعظي وباتّجاه واحد، ما يزيد من التباعد بين الشعب والرئاسات، أي من الاختزال.

ليس الهدف هنا التركيز على وضع الشركة ولا تحميل الرئاسات وحدهم مسؤولية هذا الوضع. هناك حركات وجمعيات استأثرت تاريخياً بتمثيل الشعب هنا وثمة، في بعض الأبرشيات أو على مستوى الكرسي، وامتطى رؤساؤها المؤسسات الكنسية، فساهمت في إيصال الحالة إلى ما هي عليه. إن الاستئثار هو الوجه الآخر للاختزال. المشكلة ليست في لجنة واحدة أو في قضية محددة، بل في الروح الذي يحرّك الأمور، روح الاختزال والاستئثار والسلطة. في الكثلكة بابا واحد محكوم بشبكة من القوانين، في أنطاكيا كمّ لا يُحصى من البابوات على مستوى الكرسي والأبرشيات والرعايا والمؤسسات وحتّى اللجان في مجالس الرعايا حين تتشكّل. نموذج السلطة التي تبيح لنفسها احتكار الرؤيةيسهل نسخه.

أين الحلّ؟ في الدرجة الأولى في التزام الكنيسة عملها الحقيقي، أي التقديس. في عهد أستاذ أساتذة الليتورجيا، لا تستقيم الأمور خارج مكانها الصحيح. كل شيء آخر هو قشور. اللجان والمجالس والمحاكم وحتى المجمع لا ثمار لهم خارج عملية التقديس التي تبدأ في هذا الاحتكاك الذي يتحوّل لقاءً في الكنيسة على الصلاة. الكلّ توقّع تمسكاً في تطبيق الأصول لا ازدياداً في التراخي، المنتَظَر كان لا أكاليل في السبت ولا ذكرانيات في الأحد، لأن القداسة هي الهمّ. فإذ بأكاليل السبوت تصير شرعية، وتُلغى الأصوام، وتعود صور الراقدين إلى الكنائس في ذكرانيات الآحاد. لا يمكن التكهّن بالآتي، طالما أن ذهنية التقليد معطّلة. في أنطاكية دعي التلاميذ مسيحيين أولاً، فآخراً ما سوف يُدعَون؟

الديموقراطية والشركة في الوضع الأنطاكي القائم

الديموقراطية والشركة في الوضع الأنطاكي القائم

الأب أنطوان ملكي

هل يمكن الحديث عن الديموقراطية في الكنيسة الأرثوذكسية؟ للإجابة عن هذا السؤال ينبغي التوقّف عند المعنى الحقيقي للكلمة. فالديمقراطية هي شكل من أشكال الحكم يشارك فيها جميع المواطنين المؤهلين على قدم المساواة إما مباشرة أو من خلال ممثلين عنهم منتخبين في اقتراح، وتطوير، واستحداث القوانين. وهي تشمل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تمكن المواطنين من الممارسة الحرة والمتساوية لتقرير المصير السياسي.”

إذاً واضح أنّ لا مكان للحديث عن الديموقراطية في الكنيسة لأن آلياتها الفعليّة لا تنطبق على الجسم الكنسي البشريالإلهي. أصلاً يظهر هذا الاختلاف من الاسم بحد ذاته. قراطية (Κρατία ، kratia ) في اليونانية تعني حكم. ديمو من ديموس (Δήμος ، Demos) وتعني عامة الناس. في الكنيسة لا نحكي عن حكم ولا عامّة الناس بل عن الخدمة وعن الشعب (Laos، Λαος).

إذاً الديموقراطية معنية أكثر بالطبقية، وتستند أصلاً إلى تصنيف الناس إلى درجات. بينما المثال في الكنيسة هو الثالوث. لهذا يصحّ الكلام عن الشركة. لا مكان للطبقات لأن المفهوم الصحيح هو المواهب. طبعاً هنا تدخل مفاهيم إضافية لا بدّ من التمعّن بتأثيراتها، كالتراتبيّة (hierarchy) والطاعة. تبقى الشركة محفوظة طالما النظر مركّز على المثال، والاستناد هو إلى المواهب لا إلى الطبقات. أمّا متّى اهتزّت الشركة فتتحوّل التراتبية إلى طبقيّة وتصير الطاعة عرضةً للاستغلال.

في الديموقراطية تصدر القرارات بالأكثرية. هذه آلية حوّلتها الصراعات السياسية والفلسفات الحديثة إلى حقّ شبه إلهي. في الكنيسة القرارات تأتي بما يحسن للروح القدس وللجماعة. ولا تقرأ الجماعة الروحَ القدس إلا إذا تكلّم فيها القديسون الذين استناروا وتطهروا. في زمان الرسل، الآلية كانت القرعة.

فالحق في الكنيسة ليس في القانون. بل في الحق الذي هو يسوع المسيح. قوة القانون هي الخطيئة، ولولا الخطيئة لما كان القانون. هذا يظهِر هشاشة كل القوانين.

هناك قوانين للمجلس المليّ ومجالس الأبرشيات ومجالس الرعاية والمجالس التأديبية والمجالس الاقتصادية ويمكن كتابة الكثير غيرها. لكن أين الشركة؟ أين هي هذه المجالس التي قد تؤمّن الحد الأدنى من الشركة؟ في عدم استقبال عامة المؤمنين؟ في الصور التذكارية على موائد الأغنياء فيما الفقراء يعجزون عن إيصال رسالة إلا عبر الفايسبوك؟ في عدم تسلّم الرسائل في البريد المضمون؟ صحيح أن الشركة هي في الكأس الواحدة، لكنها من هناك تمتّد إلى كلّ أوجه الحياة، وإلا فهي تحوّل القداس الإلهي إلى طقس لا شركة فيه.

يعلّم صاحب الغبطة يوحنّا العاشر في الرِّسَالةُ الرِّعَائِيَّةُ الثَّانِيَة” التي أصدرها في عيد رقاد السيدة 2017، أن المطران يُنتَخَبُ في المَجْمَع، وَيَعِيشُ في المَجْمَعِ حَيثُ يُراقِبُ ويُراقَب، وَيُحاكَمُ في المَجْمَعِ مَتى خالَفَ الإيمان.” عدة أسئلة يثيرها هذا التعليم: هل الكلام عن انتخابه في المجمع إلغاء للدور الذي تعطيه القوانين للشعب في تسمية المرشحين؟ ما معنى يعيش في المجمع؟ التقليد والحاجة أنه يعيش في رعيّته ويموت فيها كل يوم. ما معنى أن المجمع يراقبه؟ أليس لرعيته أي دور في المساءلة؟ لماذا يُحاكَم متى خالف الإيمان؟ أليس التمسّك بالكرسي بعد العجز مخالفة للإيمان؟ أليس العيش خارج الأبرشية والتنقّل هنا وهناك أغلب الوقت مخالفة للإيمان؟ أليس الامتناع عن استقبال أبناء الرعية مخالفة للإيمان؟ أليس التفرّد والتسلّط والبطش مخالفة للإيمان؟ هذا التعليم بحاجة إلى توضيح وإلى ربطه بأمثلة. الخطر كبير في أخذ هذا الكلام كتفويض لفصل الشعب وحتّى الإكليروس عن المطارنة. مجمعٌ بكنائس فارغة أو شبه فارغة هو شركة توصية بسيطة لا شراكة فيها.

إن في تقليدنا الكثير مما نهمله فيما يمكننا أن نتعلّم منه. يذكر القانون 26 من مجمع خلقيدونية المسكوني الرابع: “بما أنّه قد بلغنا أنّ بعض الأساقفة يديرون مصالح الكنيسة المالية بدون إيكونومس، فَلاحَ لنا أنّه يحسن بأن يُعيّن مدبرٌ لكلّ كنيسة فيها أسقف ينتخبه الإكليريكيّون عنده، ويُعهَد إليه بالاعتناء بمصالح الكنيسة المالية وإدارتها بموافقة الأسقف ومراقبته لمنع حدوث تلاعب أو تبذير في أموال الكنيسة مما يسبّب اللوم على أرباب الثوب الإكليريكي. وإذا رفض الأسقف العمل بموجب 1ذا القانون يكون عرضة لما تفرضه القوانين الإلهية من عقوبات“. هذا كلام كتبه آباؤنا سنة 451، أين كان حينئذ المتحدّثون عن توزيع السلطات؟ وأين كان المنظّرون عن الرقابة والشفافية؟ لكن أين واقعنا من هذا الكلام؟ الوكيل اليوم يُعيّن والشرط هو أن يكون متبتّلاً. مَن ربط التبتّل بالتعفف عن المال والسلطة؟ وأين الإثبات على ذلك؟ الوكيل ينتخبه الإكليريكيون. مَن يستمع للإكليريكيين اليوم في تعيين الوكلاء وترقية الكهنة وانتخاب الأساقفة؟

قد يكون كل هذا الكلام سبباً للقنوط والتأفف. لكن هناك ما يبعث بعضاً من الاطمئنان ويساهم في خلق حافز للتمسّك بالتقليد لأن القائمين على الكنيسة يدركون ذلك. أفضل تعبير عن هذا الكلام جاء في رسالة صاحب الغبطة المذكورة أعلاه حيث يقول: “لَقَد حالَتْ أَوضاعٌ كَثِيرَةٌ، هُنا وَهُناك، دُونَ تَألِيفِ الهَيئاتِ الّتي نَصَّ عَلَيها النِّظامُ الدّاخِلِيُّ لِلكُرْسِيّ بِشَكْلِها الكامِل، مِمّا قَلَّصَ مِنَ المُشارَكَةِ الفاعِلَةِ لأَبناءِ الكَنِيسَةِ في إدارةِ شُؤُونِ رَعاياهُم وَأَبْرَشِيّاتِهِم. ولَقَد دَفَعَ هذا الأَمرُ بِالكَثِيرِينَ إلى التَّشَكِّي مِن هذا الواقع، أَوِ التَّكَتُّلِ في هَيئاتٍ مُوازِيةٍ لِلتَّعبيرِ عَن رَأيِهِم. لِذلِكَ لا بُدَّ لَنا كَكَنِيسَةٍ مِنْ أَنْ نَتَجاوَزَ هذا الخِلافَ على القَوانِين، الّذي تَعْرِفُهُ كَنِيسَتُنا مُنذُ الخَمسِينِيّات، وَأَنْ نَنْصَرِفَ الآنَ إلى تَوطِيدِ وَحْدَتِنا وَتَوحِيدِ كَلِمَتِنا مِن خِلالِ إنشاءِ الهَيئاتِ الّتي تَنُصُّ علَيها أَنْظِمَتُنا، وَمِن خِلالِ وَضْعِ قَراراتِ المُؤتَمَرِ الأنطاكِيِّ الأَخِيرِ مَوضِعَ التّنفيذ. لَقَدَ مَرَّ على إقرارِ أَنْظِمَتِنا ما يُقارِبُ الخَمسِينَ سَنَةً، وَقَد أَصْبَحَتْ بِلا شَكٍّ بِحاجَةٍ إلى تَعدِيلٍ وَاسْتِكْمالٍ بِحَيثُ تُواكِبُ النّهضةَ الّتي نَرْنُو إليها جَميعُنا على صَعيدِ الكُرْسِيِّ الأنطاكيّ. وَلكِنَّ مِحَكَّ صِدْقِنا جَميعاً يَبقى في الْتِزامِنا الآنَ تَنفِيذَ الأَنْظِمَةِ المَعمُولِ بِها وَمُراكَمَةِ الخُبُراتِ الّتي تُفِيدُنا في أّيِّ تَعدِيلٍ نَقُومُ بِهِ في المستقبل، لأنَّ القَوانينَ إنّما تُوضَعُ لِتُخَلِّصَ الجَماعةَ مِنَ المِزاجِيَّةِ وَالفَرْدِيّة.”

الكلّ يتطلّع إلى أن يرى هذا الكلام في التنفيذ فنرى الشركة زاهرة مثمرة ولا تبقى الظروف والأوضاع تتحكّم بمسيرتنا بل نحن نسيّرها إلى لقائنا الكبير بوجه المسيح.

مجمع” كريت: وقائع الانحراف المتعمّد

السنة الثالثة عشرة، العدد الحادي عشر، آب 2017

عدد خاص

مجمعكريت: وقائع الانحراف المتعمّد

الأرشمندريت أثناسيوس أناستاسيو

مقدمة الترجمة الإنكليزية(الأب بيتر هيرز )

هذا هو إلى حد بعيد السرد التاريخي الأكثر اكتمالاً والتحليل الروحي لمجريات مجمعكريت، ما يعطي القارئ نظرة عامة كما ونظرة داخلية إلى كل الأحداث المؤدية إلى المجمعوما جرى خلاله، مع التركيز على انخراط كنيسة اليونان. تضع الترجمة الإنكليزية هذا النص بمتناول المسيحيين الأرثوذكسيين في كل العالم، على رجاء أن تتمّ ترجمته إلى لغات أخرى حتى تصير الكنيسة كلها أكثر علماً وتتخذ الإجراءات المناسبة لتأمين رد أرثوذكسي كوني ومعه وحدة أرثوذكسية في وجه هرطقة مسببة للشقاق.

مقدمة الترجمة العربية (الأب أنطوان ملكي)

عند قراءة هذه الدراسة، يجد المؤمن الكثير من النقاط التي تنطبق على وضع الكنيسة الأرثوذكسية الناطقة بالعربية، سواء لجهة تغييب الشعب أو اختيار الممثلين في المحافل الخارجية، والأهم هو في كيفية تسلل الفكر المسكوني إلى الكنيسة الأنطاكية وتكوّنه وتقدّمه على الفكر التقليدي، وأدوار بعض الأشخاص والأحداث الذين قد يبدون طارئين على تسلسل التاريخ الأنطاكي فيما هم بالواقع كانوا مساهمين فاعلين.

حول الكاتب

الأرشمندريت أثناسيوس رئيس دير الميتيورا الكبير، لاهوتي درس في جامعة تسالونيكي، معروف جداً لحضوره الفعّال في الجهادات من أجل إيمان الأجداد، كما موقعه المميز في تقديم شهادة إيمانية، له عدد من المقالات والعظات وأعمال أخرى في الدفاع عن إيماننا الساطع خاصةً في وجه الخطر المسكوني المعاصر.

أ. مدخل

في تاريخ كنيستنا عبر الأجيال، كان المؤمنون من شعب الله دوماً حرّاس وأبطال حقيقة إيماننا الأرثوذكسي؛ فهم الحكم النهائي على صحّة وشرعية قرارات أي مجمع. إن الشعب بضميره الكنسي والعقائدي الساهر هو مَن يوافق أو يرفض ما يقدمه المجمع [1].

بهذه الطريقة سوف يُحكَم على مجمعكريت. كلّنا مدعوون كمؤمنين أعضاء في جسد المسيح لتقديم تقييمنا. إنه متوجب علينا أن نتكلّم بصوت عالٍ. إن واجبنا هو التعبير عن ضميرنا الكهنوتي والرهباني لطرح أفكارنا ببساطة وتواضع، والتعبير عن نظرتنا أمام رعاتنا. إن من واجبنا أن نأخذ نصيبنا من المسؤولية الشخصية كما من مسؤوليتنا نحو أبنائنا الروحي الذين يعهدون إلينا بألمهم وقلقهم وأيضاً بغضبهم من مجريات مجمعكريت.

ما نكتبه هنا في هذا العمل، كما كتاباتنا الأخرى عن المواضيع نفسها التي سبقت أو ما قد نكتبه في المستقبل بمعونة الله، يشكّل ردّنا الصغير على حقائق إيماننا الواضحة، على وديعة الإيمان المسلّمة من القديسين من البطاركة والأساقفة والكهنة والرهبان الموقّرين والعلمانيين المعترفين من أجل الإيمان، كواجبنا نحو الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية. إنها طاعتنا لآبائنا القديسين الذين أوضحوا لنا أنّ في أمور الإيمان علينا أن نقدّم حساباً، ليس على أساس الآراء الشخصية بل على أساس إيمان الآباء القديسين والمجامع المقدّسة المسكونية والمحلية الموحى بها من الروح القدس، والكلمة الحيّة في شيوخنا المعاصرين وكلّ الملتزمين بالتقليد الأرثوذكسي والثابتين في اتّباع الآباء.

1. نداء القديسين والأساقفة المعاصرين، والكهنة وأساتذة اللاهوت

يذكر القديس ثيوذوروس الستوديتي بوضوح إنها وصية من الله بأن لا نصمت عندما يكون الإيمان في خطر… عندما يتعلّق الأمر بالإيمان، لا يمكننا أن نقول «مَن أنا؟ أكاهن؟ لا. أرَجل نبيل؟ لا. أقائد؟ لا. من أين؟ مزارع؟ ولا حتى هذا. أنا رجل فقير، أسعى لتأمين خبزي اليومي. أنا غير متعلّم ولا أهتمّ بهذا الأمرالويل لك! الحجارة سوف تبكي وأنت سوف تبقى صامتاً وغير مبالٍ؟ حتّى الرجل الفقير لن يجد مبرراً في يوم الدينونة إن لم يحكِ الآن، لأنّه سوف يُحاسَب حتّى ولو على هذه فقط“.[2]

في ما يتعلّق بشهادة الرهبان بشكل خاص في شؤون الإيمان، يشدد الطيب الذكر الشيخ جورج كابسانيس، على أنه عندما يكون الإيمان في خطر، فإن المتعلمين من الرهبان، وخاصةً أولئك الذين أوكِلَت إليهم مهمة رعاية آخرين، من أجل القيادة الصحيحة لمَن حياتهم الروحية في عهدتهم، كما من أجل عقائد التقوى الحقيقية، عليهم مسؤولية أن يتكلّموا، لا لكي يعلّموا الكنيسة بل ليعترفوا بالإيمان بما يوافق وصية السيّد: «كُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ» (متى 32:10). إن الاعتراف بالمسيح ليس عمل خدمة بل تعبير عن الحياة. لا يقول المسيح كلّ مَن يعترف ليبل كلّ مَن يعترف بي“. إن الاعتراف بالمسيح هو تعبير عن الشركة مع المسيح، عن الحياة في المسيح. والرهبان الذين يحيون في المسيح يعترفون ويعلّمون المسيحيين بهذه الطريقة. إنهم يقومون بذلك بتواضع، لا لي يعلّموا، بل لكي يقدّموا اعترافاً. هذا تقليد ثابت تاريخياً في الرهبنة الأرثوذكسية“. [3]

إن الذين أوحوا بهذا المجمع ونظّموه قد أخذوا على عاتقهم، بطريقة عنيفة وسلطوية، أن يرموا تقليد الكنيسة الآبائي وأن يرفعوا المجمع كمؤسسة بحد ذاته إلى درجة السلطة المطلقة، من دون أي شروط. إن هدفهم الأساسي هو خلق مؤسسة موحدة محورها الأسقف، بموازاة الخطوط البابوية ومن مصدر بابوي، بحيث، من دون عائق ومن دون رقابة، يستطيعون أن يضفوا الطابع المؤسساتي على تعاليمهم المبتكرة والابتداعية، أي نسبةَ الحقيقة الكنسية إلى مجموعات هرطوقية بهدف وحدة الكنائسالتي سوف تؤدّي في نهاية المطاف إلى توحيد الأديان كما يتوقّعه تيار العصر الجديد (New Age).

على أساس هذا النظام الأحادي الجانب والموحّد في اتّخاذ القرارات، تمّ التأسيس لوجود أولّ من دون مساوين في الشرق الأرثوذكسي. إن التعبير عن هذا النهج المتماسك هو في وثيقةعلاقات الكنيسة الأرثوذكسية مع باقي العالم المسيحي، حيث يرِد التالي: “إن الحفاظ على الإيمان الأرثوذكسي الحقيقي مضمون فقط عِبر النظام المجمعي، الذي كان دائماً ممثِلاً السلطة العليا في الكنيسة في شؤون الإيمان والأحكام القانونية.” [4]

بحسب أستاذ اللاهوت العقائدي، ديمتريوس تسالانغيدس، بهذه الطريقة يستبق المجمع العظيم المقدس المقبِل عصمة قراراته… إن النظام المجمعي بحد ذاته لا يضمن بشكل تلقائي صحّة الإيمان الأرثوذكسي. هذا يحدث فقط عندما يكون الروح القدس في مجمع الأساقفة وأيضاً الطريقة الأقنومية، أي المسيح، فاعلة في المجمع، وهكذا هم (“syn”—“odikoi”) [أي عابرون الطريق معاً] عملياً «متّبعين الآباء»” [5].

إن هذا النظام المبلوَر المتمحور حول الأسقف هو غريب بالكليّة عن الأرثوذكسية. وعلى نفس النسبة من التغرّب أيضاً هو الانطباع التعسفي والمضلّل الذي يجري زراعته عمداً بأنّ من المفترض أن تكون الكنيسة محددة بطاقمها الإداري أي أساقفتها. استناداً إلى هذه الفكرة الخاطئة، صار من المعتاد لدى كثيرين أن يرددوا كلّ ما تقوله الكنيسةأو سوف نطيع الكنيسةبمعنى أن الكنيسة هي الأساقفة أو مجمع الأساقفة، حتّى عندما يفكّر هؤلاء الأساقفة أو يعملون على عكس الإيمان الأرثوذكسي.1

بحسب الأستاذ تسالانغيدس، يوجد تمييز واضح بين الكنيسة بذاتها، كجسد المسيح الإلهي الإنساني السري، وإدارة الكنيسة التي تعبّر بشكل حقيقي وصحيح عن الكنيسة في ظروف محددة وواضحة فقط” [6].

كما يلاحظ الأب جورج فلوروفسكي، لم يتلقَّ الأسقف كامل سلطة التعليم من شعبه بل من المسيح عِبر التسلسل الرسولي. لكن هذه السلطة المُعطاة له هي قدرته على حمل الشهادة لخبرة الكنيسة الجامعة. إنها مقيّدة بخبرته. بالتالي، في مسائل متعلّقة بالإيمان، على الشعب أن يحكم على تعليمه. إن واجب الطاعة يكفّ عن الإلزام عندما يحيد الأسقف عن المعيار الجامع وفي هذه الحالات للشعب الحق بإدانته وحتّى عزله” [7].

ويشدد اللاهوتي الكبير نفسه أيضاً: “على الأسقف أن يتبنّى في داخله الكنيسة كلها؛ عليه أن يعبّر عن خبرتها وإيمانها ويظهرهما. لا ينبغي عليه أن يحكي عن ذاته، بل بما توافق عليه الكنيسة وعنه.” ويستنتج أنّ لكل جسم الكنيسة الحقّ في التحقق. أو بتعبير أكثر دقة، لكل جسم الكنيسة لا الحق فقط بل عليه واجب «التصديق». وعلى هذا الأساس، كتب بطاركة الشرق في رسالتهم الشهيرة سنة 1848 أنّ «حامي الدين هو… حتّى الشعب نفسه»” [8].

سيادة الميتروبوليت ييروثيوس مطران نافباكتوس يحدد بوضوحٍ مطلَق الخطوطَ العريضة لدور المؤمنين من العلمانيين في مجامع الكنيسة: “… والمؤمنون من العلمانيين هم شهود للحقيقة، إنهم رعاة (بطريقة غير مباشرة) لشعب الله. إنهم عاملون مشاركون للرعاة. حتّى أنهم يشاركون كمستشارين في المجامع المسكونية وفوق هذا يقبلون أو يرفضون قرارات المجامع المسكونية. الشعب (كهنة وعلمانيون) لم يقبلوا وحدة <الكنائس> التي تمّت في فيريرافلورنسا” [9].

القديس يوحنا الذهبي الفم يستعرض بوضوح مطلَق حدود طاعة المؤمنين ﻷساقفتهم حين يتكلّمون أو يعملون على عكس إيماننا: “لماذا إذاً يقول بولس «أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا»؟ وقد سبق له أن قال: «الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ»، ومن ثمّ «أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا». إذاً ماذا، إذا كان شريراً فهل علينا أن نطيع؟ شرير؟ بأي معنى؟ إن كان بالحقيقة من جهة الإيمان، فابتعدوا عنه واجتنبوه؛ ليس إن كان رجلاً، بل حتى ولو كان ملاكاً نازلاً من السماء؛ لكن من جهة الحياة، لا تكونوا مفرطين بالفضولية… إلى هذا لا تدينوا كي لا تُدانوا في ما يخص الحياة، لا الإيمان. أترون أن الحديث ليس عن العقائد بل عن الحياة والأعمال؟” [10]

والذهبي الفم الإلهي، في وقت آخر، مشيراً إلى الانقسامات البشريةبين أعضاء الجسم الكنسي إلى قطعان ورعاةيلاحظ أن تمييز الحمل عن الرعاة هو بشري، أمام المسيح الكل قطيع، الرعاة والمرعيين، الكل يرعاهم راعٍ واحد سامٍ.” [11]

والشيخ جورج كابسانيس الطيب الذكر، في كتابة عن الموضوع نفسه يقول: “حين يتعلّق الأمر بالإدارة والتعليم، فإن مشاركة الشعب أساسية، لأن الشعب هو حامل الروح والله يعلمه. إنه يشكّل، إلى جانب الكهنة، الضمير الساهر للكنيسة الذي يشهد (يحكم، يميّز، يوافق ويقبل، أو يدين ويرفض) تعليم الرؤساء وأعمالهم بحسب ما ذكر بطاركة الشرق في رسالتهم في السادس من أيار 1848.”[12]

2. تقنيات فريق العمل المسكوني

لقد تمّ تجاهل الشعب والكهنة والرهبان وغالبية الأساقفة، إذ دُفِعوا جانباً، هُمِّشوا وكُذِب عليهم من مجمعكريت. لقد أُسكِتوا، استُهزِئ بهم، لُعِنوا، هُزِء بهم وهُدِّدوا. يقدّم الميتروبوليت ييروثيوس مطران نافباكتوس، وهو أحد الأساقفة المشاركين، شهادة ذات دلالة وهي تكشف الروح التي هيمنت على هذا المجمع“: “أقلّ ما فيه، يمكنني أن أشهد على أني شخصياً تعرّضتُ لضغوط كبيرة ومعاملة تعسفية من الرؤساء بسبب موقفي، وقد أُعلِمتُ أن الأساقفة الآخرين من كنيستنا أيضاً تعرَّضوا لهذه الضغوطات. ولأنني أجاهد دائماً لأن أتصرّف بهدوء ورصانة وحرية، لم أكن أستطيع قبول هذه التصرفات المهينة.” [13]

إن حملة القذف والترهيب التي اشترك فيها دوائر معروفة قبل وبعد المجمعهي بالحقيقة غير مسبوقة. هناك مؤسسة معروفة جداً، منها فريق العمل الذي يعمل في ضواحي الفنار [مركز البطريركية المسكونية] وغيرها من المراكز المسكونية، قد حملت بشكل منهجي مشروع تعزيز ونشر الأفكار المبتكرة والتعاليم غير الأرثوذكسية التي تدخل عالم اللاهوت الأرثوذكسي. هذه المجموعة المغلقة هي الحامل الرئيسي والمؤيد للاهوت العقلي الأكاديمي، الفكري، غير الليتورجي، الفرداني، غير الملتزم بالاشتراك بحياة الكنيسة الأسرارية، الخالي من الروح، وفي النهاية غير اللاهوتي. إنه لاهوت اللجان والمؤتمرات المنفصل عن الجسم الكنسي، لاهوت متغرّب دهري متعصرن وما بعد آبائي.

ليس من باب الصدفة أن نلتقي بنفس أعضاء هذه المجموعة المغلقة في كل مرة يتم الدفاع فيها عن الأفكار التي تشوّه وتحطّم الروح (Ethos) والتقليد الأرثوذكسيين. إنهم يدعمون التجديدالليتورجي المخادع، تغيير شكل التعليم الديني في المدارس أو دهرنته، أو حتّى إلغاءه. إنهم يقدّمون الدعم ويروّجون لقضية إعادة تقييم مكان المرأة في الكنيسةحتّى نُقاد تدريجياً إلى سيامة النساء كما في البروتستانتية. إنهم يسمسرون للتيارات المتعددة للمجموعات المختلفة من الحق في التعدديةوحرية التوجّه الجنسي وحتّى لقبول المثلية الجنسية بما يخالف الكتاب المقدس.

هؤلاء الأشخاص أنفسهم، من أساقفة وكهنة وأكاديميين ولاهوتيين، هم دائماً المنتَقون ممثلين للكنائس في الحوارات اللاهوتية ومؤتمرات كافة الأرثوذكس. وأيضاً على القنوات الإعلامية هم الضيوف ومديرو صفحات الإنترنت، المشجعون الذين يغطّون المؤتمرات والندوات والمنتديات العالمية وهم دوماً على الإنترنت عبر مداخلات ومساهمات ومقالات.

إنه لعبث مطلق وفضيحة واضحة أن أولئك الذين بمخالفاتهم المسكونية قد ثبّتوا موقعهم المريب ضمن الكنيسة يعيّرون المؤمنين الأتقياء وكل المقاومين لانحرافاتهم المسكونية. إنهم يعيّنون أنفسهم قضاة ومراقبين للجميع، معاقبين المخالفات؛ إنهم يتظاهرون دعماً للتجريد ويدفعون نحو الحرم! حتّى أنّهم ينادون الذين يرفضون أن يتخلّوا عن إيمان قديسينا وآبائنا بأنهم تـخلّوا عن الكنيسة الأرثوذكسية وعزلوا أنفسهم” [14]. فليكن معلوماً عندهم أنهم يعملون عبثاً. وبقدر ما هم يتمنون هذا الشيء فسوف يظهرون على خطأ بنعمة الله.

نحن لا نركع للتهديدات، ولا نُروَّع بالإرهاب، ولن نُسكَت، ولن نتراجع، ولن نهجر أو نسلمهم كنوز أرثوذكسيتنا. نحن نبقى، بمعونة الله، مخلِصين وثابتين في كنيستنا المقدسة، نثبت متّبعين الآباء القديسين، بثبات وحزم على أسوار النضال من أجل إيماننا غير المنثلم حتى الموت.

إن معاصرنا العظيم والقديس باييسيوس الأثوسي، كنور يظهِر الطريق، أوضح بطريقته النبوية الموحية: “لنتذكّر أن كنيستنا الأرثوذكسية ليس فيها أي شائبة. الخلل الوحيد التي تظهره هي افتقادها إلى رؤساء جديو الفكر ورعاة ذوي مبادئ آبائية. المختارون قليلون.” [15] وفي مكان آخر، أعلن القديس نفسه بوضوح مطلَق: “الكنيسة هي كنيسة المسيح وهو يحكمها. ليست معبداً مبنياً من حجارة، رمل، وإسمنت على يد رجال أتقياء ومن ثمّ مخرّبة بنيران البرابرة، إنها مبنيّة من المسيح نفسه. وكلّ مَن يقع على هذه الصخرة يتكسّر: وكلّ مَن تقع عليه تطحنه إلى مسحوق” [16] [17].

ب. قرار متعمد ومنهجي

شرط أساسي لأي تقييم لمجمع كريت هو في أن نتتبّع خصوصياته لاحظين نقاط اختلافه الكلي عن كل المجامع الأرثوذكسية. هذا المجمعالخاص لم ينعقد لإدانة أي هرطقة، بل ليعزو صفة الكنيسة إلى الهرطقات، لا ليحلّ أي مسائل قانونية بل لكي ينتهك القوانين بوعي وليثبّت قرارات غير شرعية، لا ليقوي الوحدة الأرثوذكسية ويظهرها بل ليفرِض وحدةمفبركة مع الهراطقة!!

كما يلاحظ سعادة الميتروبوليت سارافيم مطران بيريه: “مجمع لا يميز بين البذيء والمقدس (محاضر المجمع المسكوني السابع)، بين الأرثوذكسية والهرطقة، بين حقيقة المسيح وخديعة الشياطين، مشرعاً الهرطقة على مستوى كنسي، لا يمكن أن يكون أرثوذكسياً بالحقيقة بل يصير مجمعاً منحولاً.” [18]

هذا المجمعكان منذ البداية جزءً من مسعى أوسع لتفكيك وحدة الكنيسة بالروح القدس. هذا المسعى بدأ بالتعاون مع الشرير في بداية القرن العشرين بأمر البطريركية المسكونية، متعدد المستويات ويضمّ جبهتين. إنه يتحرك على طول محورين:

1- الحوار اللاهوتي مع غير الأرثوذكسي

2- اللقاءات والمؤتمرات الشاملة لكل الأرثوذكس، التي تمّ تنظيمها وترتيبها منهجياً في 1961، على الطريق نحو المجمع المقدس الكبير“.

العامل المشترك بين المحورين هو المسكونية.

1. ما هي المسكونية؟

ظهرت المسكونية للمرة الأولى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في العالم البروتستانتي الهرطوقي كمحاولة للتقارب والتعاون بين الطوائف البروتستانتية المختلفة.

من ثمّ في بداية القرن العشرين، بمبادرة إفرادية من البطريركية المسكونية، ظهرت المسكونية وانتشرت وتدريجياً فرضت نفسها على الكنيسة الأرثوذكسية كتيار هدفه بحسب المروّجين له إعادة توحيد المسيحيين والكنائس المنقسمين“. إنها تهتمّ بـِ إعادة توحيدخلواً من المسلّمات اللاهوتية مهملةً الفروقات العقائدية والتقليد الأرثوذكسي وممارسةَ الآباء القديسين وقرارات المجامع المسكونية والمحلية وقوانينها المقدسة. إنها محاولة إعادة توحيدقائمةً فقط على ما يوحّدنا، وعلى النقاط المشتركة، لا اللاهوتية بلّ على العوامل الاجتماعية والسياسية الصرفة. لهذا السبب، إنّ الذين يساهمون فيها يسقطون أكثر فأكثر في الخطط التسووية التوفيقية التي تنتهك مبادئ إيماننا الأرثوذكسي الرئيسية” [19] وتكسر الوعي العقائدي للكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة والرسولية.

إن الرؤية المسكونيةبمجملها ليست محدودة فقط بـِ وحدة الكنائس المسيحية” (الأرثوذكس، الكثلكة البابوية، البروتستانت، وغير الخلقيدونيين)، بل تمتدّ حتى لتضمّ أديان العالمالمختلفة.

في المرحلة الأولى، إنها تضمّ ما يُسمّى بالأديان التوحيدية (المسيحية واليهودية والإسلام) بهدف التوسع اللاحق لضمّ كل الباقين (الهندوسية، البوذية، وغيرها). ما لدينا ليس مسكونية مسيحية وحسب بل أيضاً مسكونية دينية.

تنتشر المسكونية وتعمل وتفرض ذاتها بمصطلحات ووسائل وممارسات العصر الجديد. خصوصية المسكونية بالمقارنة مع الهرطقات الأخرى المعروفة أنها تضمّها جميعاً، ولهذا السبب وصفها القديس يوستينوس بوبوفيتش بجدارة بأنها الهرطقة الشاملة“. فقد كتب: “المسكونية هي الاسم المشترَك للمسيحية المنحولة والكنائس المنحولة في أوروبا الغربية. في داخلها يقع قلب الإنسانوية الأوروبية، والبابوية رأسها. كل المسيحية المنحولة، كل الكنائس المنحولة، ليسوا سوى هرطقة تلو الأخرى. واسمها الإنجيلي المعروف هو الهرطقة الشاملة” [20].

لا تطعن المسكونية حقيقة واحدة فقط، بل كامل بنية الإيمان الأرثوذكسي، من دون أن تلقي بها في التشكيك. إن البعد الوحدوي للشكل المسكوني الذي تمّ إرساؤه في أيامنا يقوم على منطق مستَخرَج بشكل واضح من العصر الجديد. إنه لا يلمس الأرثوذكسية من خارج بل يجرّدها من صفتها الموحى بها الخلاصية، فيما في الوقت نفسه يساويها بالهرطقة التي يعتبرها شكلاً آخراً من الحقيقة نفسها.

إن التكتيكات التعسفية للمسكونيين المعاصرين وخياراتهم، المعادية للأرثوذكسية، وأعمال خائني الإيمان، تعمل معاً نحو تفكيك وحدة الكنيسة بالروح القدس، والترويج لأول من دون مساويين في الشرق الأرثوذكسي، والعمل على فرضه، والاعتراف بحقيقة كنسية بين الهراطقة، وفرض فكرتهم الخاطئة للوحدة والتي سوف توصِل بالنهاية إلى ما يُسمّى وحدة الكنائس، فيما الهدف الأخير هو خلق ديانة العصر الجديد الشمولية.

كل هذه المحاولات لتفكيك الكنيسة تمّ دفعها مؤسساتياً وبثبات في مجمعكريت. من الواضح أن الانحراف القانوني والإكليسيولوجي وبالنتيجة العقائدي لم يكن مجرد قرار عقائدي خاطئ؛ كما أنه لم يأتِ فجأة ومن دون توقّع خلال سير المجمع. على العكس، لقد شكّل قراراً خاصاً للبطريركية المسكونية ومُواليها؛ لقد كان انحرافاً متعمّداً، منظماً تنظيماً جيداً، منهجياً، وموجّهاً ضمن إطار المشروع الذي سبق وصفه.

2. الإعداد للـمجمع

إن تحقيق هذه الأهداف تطلّب معالجة مدروسة. لهذا السبب أخذ الأمر قرناً كاملاً للمحاولة؛ قرناً كاملاً من استغلال السلطة، والنشاطات الأحادية والإملاءات؛ مليئاً بالسرية والتهديد والتخويف، والابتزاز وبشكل عام بفقدان الشفافية بشكل كامل.

بهذه الممارسات، تمّ تحضير كل الحركات الضرورية وإنجازها خطوة خطوة خلال قرن من الزمن حتى أن انحراف الفنار المسكوني الذي بدأ في بداية القرن العشرين، فجأة ومن دون أي محفّز لاهوتي، يستطيع أن يكتسب سلطة على كل الأرثوذكس مع اعترافهم به.

إن الرسائل البطريركية في 1902 و1904 و1920 غيّرت على الأكيد موقف البطريركية المسكونية الذي كان ضد هرطقات الغرب فَقَلَب بشكل جذري الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية وداسها.

يلاحظ الأب جورج ميتيلينوس حول رسالة 1902: “ما هو مفاجئ هو اللغة المستعملة في هذا النص. من دون أي تحرك ولو صغير من البروتستانت نحو الكنائسية، وبعد ثلاثين عاماً من تحديد عصمة البابا كعقيدة في الفاتيكان الأول (1870)، دُعيَت الهرطقات المسيحية الغربية «فرعَي المسيحية العظيمين»” [21].

إن الرسالة البطريركية في 1902 كانت موجّهة إلى الكنائس الأرثوذكسية المستقلّة طالبة نظرتها في ما يخصّ التقارب مع البابوية. كل أجوبة الكنائس الأرثوذكسية كانت سلبية من جهة هذه الإمكانية. وبالرغم من الجواب السلبي، عادت البطريركية المسكونية مجدداً إلى الموضوع نفسه في الرسالة اللاحقة في 1920 (“إلى كل كنائس المسيح في كل مكان)التقارب بين مختلف الكنائس المسيحية والزمالة فيما بينها لا تمنعه الخلافات العقائدية القائمة” [22].

بالرغم من غياب السنَد اللاهوتي، اقترحت الرسالة البطريركية تشكيل عصبة كنائسسابقة لمجلس الكنائس العالمي، على شكل عصبة الأممالتي تمّ تشكيلها قبل ذلك بقليل. تَصيغ الرسالة ثماني نقاط أساسية لتُبنى عليها العلاقات الحسنة الضرورية والصداقة بين الكنائس“. من المعلوم تماماً أن الافتراضات والأساليب ازدادت من ذلك الوقت لتصير أحد عشر نقطة شكّلت الثوابتالأساسية للعمل المسكوني الذي تبعها خطوة خطوة بإخلاص مطلَق إلى أيامنا هذه. ما أن تنجَز مرحلة حتى تبدأ التحضيرات لتحقيق التالية. تصف الرسالة البطريركية هذه النقاط كما يلي:

1) قبول تقويم موحّد للأعياد المسيحية الكبرى في نفس الوقت لدى كل الكنائس. 2) تبادل الرسائل الأخوية في مناسبات الأعياد الكبيرة كما هي العادة، كما في المناسبات المميزة. 3) العلاقات الحميمة بين ممثلي كل الكنائس حيثما وُجدوا. 4) العلاقات بين المدارس اللاهوتية وأساتذة اللاهوت؛ وتبادل النشرات اللاهوتية والكنسية وغيرها من الأعمال المطبوعة في كل كنيسة. 5) تبادل الطلاب للمزيد من التدريب بين طلاب المعاهد في الكنائس المختلفة. 6) الدعوة إلى مؤتمرات لكل المسيحيين لدراسة المسائل ذات الاهتمام المشترك لكل الكنائس. 7) الدراسة الموضوعية والعميقة للفروقات العقائدية من قِبَل كلٍ من المعاهد والكتب. 8) الاحترام المتبادل للعادات والممارسات في الكنائس المختلفة. 9) السماح كلٌ للآخر باستعمال الكنائس والمقابر لجنانيز ودفن مؤمني الطوائف الأخرى الذين يتوفون في أراضي الغربة. 10) حل مسألة الزيجات المختلطة بين الطوائف. 11) أخيراً، المساعدة المتبادلة المخلصة للكنائس في مساعيها للتقدم الديني وأعمال المحبة وغيرها.” [23]

لقد تنظّم المشروع وبدأ كله في العقود الأولى من القرن العشرين، من ثمّ زُرع التغيّر الأحيائي في الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية وثُبِّت بشكل منهجي. طوال قرن كامل، كانت موافقة المؤسسة الأرثوذكسية الشاملة مطلوبة ويُسعى إليها حتى يتمكن المسكونيون من دفعها واستعمالها على أنها قرار أرثوذكسي عام. هذا بالتحديد ما أنجزه مجمعكريت: نَسَب المنزلة الكنسية إلى الهرطقات واعترف بها ككنائس.

نحن هنا نتحدّث عن تحقيق عقد متّفق عليه مسبقاً، إذ إنه من المعروف جيداً أن كل الأحداث التي جرت خلال المئة سنة الماضية كانت باتفاق مطلَق وتعاون حميم بين الفنار والفاتيكان وهي مندمجة ضمن إطار المسكونية ومجلس الكنائس العالمي.

إن التغيّر الكنائسي مع تأسيس كنائسية جديد تمنح المنزلة الكنائسية للهرطقات وتعترف بها كنائس، كانت قد تمّ إقرارها والاتفاق عليها مسبَقاً، تماماً كما أن وحدة الكنائسالتي تمّ الترويج لها وعرضها بشكل جيد كانت مقررة مسبقاً ومتفقاً عليها. لكنها تُقدَّم للشعب قطعة قطعة، بخطى حذرة، حتّى لا تثير أي ردة فعل كبيرة بين المؤمنين الأرثوذكسيين وحتى يتمّ بلعها بسهولة من المؤمنين المطمئنين.

في السطور التالية سوف نشرع بأقصى الإيجاز إلى كشف وتقديم الروابط التي في السلسلة والتي على مدى قرن كامل وإلى الآن تهدد بشكل منهجي بأن تحيط بكنيستنا المقدسة.

3. المحاولات الأولى لعقد مجمع أرثوذكسي شامل للجميع

إن القرار الأول لعقد المجمع الكبير العظيماتُّخِذ في غياب أغلبية الكنائس الأرثوذكسية سنة 1923 في القسطنطينية برئاسة البطريرك ملاتيوس ميتاكساكيس، وهو المعروف بالانشقاق الشنيع وغير القابل للإصلاح الذي أثاره في جسد المسيح بشكل وقح من خلال قرار فرض التقويم الغريغوري غير المشروع.

من ثمّ بدأت عملية تحديد لائحة المواضيع التي سوف يعالجها المجمع. الهدف الأول كان عقد مجمع مسكونيجديد في 1925 بمناسبة الذكرى 1600 لانعقاد المجمع المسكوني الأول في نيقية سنة 325. في النهاية، لم يكن هذا قابلاً للتنفيذ وظهر أنه مثال آخر على الاختلافات والاحتجاجات التي أحاطت بهذا المجمع منذ البداية. من ثمّ نوقشت الدعوة إلى المجمع ضمن إطار اللجنة التحضيرية لكل الأرثوذكسفي 1930، والتي اجتمعت في الجبل المقدس أثوس. انتهى هذا اللقاء مجدداً من دون أي نتيجة.

إن مدخل النصف الثاني من القرن العشرين أظهر ازدياداً وازدهاراً للمسكونية مرتبطاً بأشخاص وأحداث محددة. نشير هنا إلى نشوء مجلس الكنائس العالمي في سنة 1948 ووصول رجلين، ذوي تاريخ مسبق ومعرفة شخصية وأهداف مشتركة وأسلوب مشترك في التعبير، إلى تبوء عرشي روما والقسطنطينية: انتخاب الكاردينال أنجيلو رونكاللي في 1958 بإسم البابا يوحنا الثالث والعشرين، ورئيس أساقفة أميركا أثيناغوراس بطريركاً مسكونياً في 1948.

في تلك الفترة بالتحديد، دخلت السياسة إلى الشؤون الكنائسية، وبخاصة العامل الأميركي. في ذلك الوقت بدأت الحرب الباردة وراحت الولايات المتحدة الأميركية تعمل بفعالية على تقوية الفنار لتبطل التأثير الذي كان السوفيات يرغبون بممارسته عِبر الكنيسة الروسية على الأمم الأرثوذكسية في أوروبا الشرقية. من هذه الزاوية، دعمت الحكومات الغربية وشجّعت الحوار المسكونيومحاولاته تمتين العلاقات بين الكنائس في الشرق والغرب2.

في 1948، خُلِع البطريرك مكسيموس الخامس عن العرش المسكوني لاتّهامه بمشاعر ونشاطات ميّالة إلى الروس. قررت الولايات المتحدة أن تعمل بحزم وسَعَت إلى زرع شخصية قوية وموثوقة في الفنار ، شخصيةً مناسبة للاستجابة إلى الحاجات المذكورة أعلاه وإنجاز الغايات المحددة لها. على ضوء انتخاب البطريرك الجديد، أزالت الحكومة التركية كل مطارنة مجمع البطريركية الدائم من لائحة المرشحين حتّى تمّ انتخاب أثيناغوراس أميركا بموافقة الحكومتين الأميركية واليونانية.

4. فرض أسقف أول على الأرثوذكسية

ابتداء من ذلك الحين، قدّمت الولايات المتحدة، كوسيلة لإزالة مفعول العامل الروسي، دعمها لهدف الفنار الثابت بتثبيت أوليّته في الشرق الأرثوذكسي. تمّ الترويج لكل هذه المسألة بشكل منهجي من قِبَل ممثلي البطريركية المسكونية. ميتروبوليت بروسا أتى مباشرة إلى هذه النقطة مديناً بالهرطقة كل الذين لا يقبلون فرض الأولية في الكنيسة الأرثوذكسية، فكتب: “إن رفض الاعتراف بأيّ أوليّة في الكنيسة الأرثوذكسية، أوليّة لا يمكن تجسيدها إلا في <أوّلٍ> ما، أي في أسقف عنده امتياز أن يكون أولاً بين إخوته الأساقفة، إن هذا الرفض يشكّل هرطقة. ما يُقال عادةّ بين الأرثوذكس عن الوحدة بأنها مؤمَّنَة من خلال إيمانهم المشترك وعبادتهم المشتركة أو من خلال مؤسسة المجمع المسكوني كلام مرفوض. كلا النموذجين غير شخصي، بينما في اللاهوت الأرثوذكسي مبدأ الوحدة هو دوماً شخص. بالواقع، كما في الثالوث القدوس، مبدأ الوحدة ليس الجوهر الإلهي بل أقنوم الآب (رئاسة الآب)؛ الأمر نفسه على المستوى الإكليسيولوجي، في الكنيسة المحلية، نقطة الوحدة ليست الخدمة الكهنوتية ولا العبادة المشتركة بين المسيحيين، بل شخص الأسقف. بالتالي، على مستوى الأرثوذكس بشكل شامل، مبدأ الوحدة لا يمكن أن يستند إلى فكرة أو مؤسسة، بل يجب أن يكون شخصاً، إذا كنّا بالفعل نريد أن نبقى ثابتين في إيماننا” [24].

واضح أن نظرة ميتروبوليت بروسا تتوالد في الأفكار التي في لاهوت ميتروبوليت برغامن (يوحنا زيزيولاس) في ما يتعلّق بالشخص. بحسب مطران نافباكتوس، إن السلالة الكاملة من الفكر المتعلّق بالشخص، من دون المخاطرة بقول الكثير، هي هرطقة، استمرار للأريوسية والمشيئة الواحدة وهي تنتج من خلال تأثير الفلسفة الوجودية.” [25] “الكنيسة بحسب تعليم الرسول بولس، هي جسد المسيح؛ أساس الكنيسة هو محورية المسيح وليست محورية الثالوث، لأن المسيح، أحد الثالوث، صار إنساناً واتّخذ الطبيعة البشرية وألّهها. عندما تُوصَف الكنيسة بأنها أيقونة أو على صورة الثالوث القدوس، إذّاك من وجهة نظر لاهوتية صرفة يحصل خلط بين اللاهوت والتدبير والتباس بين المخلوق وغير المخلوق. إلى هذا، في صياغة أن الكنيسة هي أيقونة للثالوث القدوس تظهر عدة صعوبات في ما يتعلق بالصِلة بين الكنائس والصفات الأقنومية لأشخاص الثالوث القدوس” [26]

على خلاف ذلك، من المميز أن مع لاهوت الشخص هذا، الكنيسة كأيقونة للثالوث، واستعمال هذا اللاهوت لدعم فَرض الأوليّة، فإن ميتروبوليت برغامن يتخطّى حتّى لاهوتيي البابوية! ففي اجتماعات اللجنة المشتركة للحوار في عمان الأردن في أيلول 2014،لقد فاجأ حتّى ممثلي البابوية. “خلال الاستراحات بين الجلسات كانوا يتحدّثون مع ممثلي الكنائس الأرثوذكسية وأعلنوا أن الكنيسة الكاثوليكية لم تدعم يوماً أوليّة البابا بحجج كالتي قدّمها ميتروبوليت برغامن! لاحَظَ الكاثوليك أنهم فهموا البابا كخليفة في السلطة على كنيسة بطرس، لكنّهم لم يعبّروا أبداً عن أنّ البابا بالمماثلة هو في مكان الله الآب في الثالوث، أي في الموقع الذي يدعم به مطران برغامن روما والقسطنطينية!” [27]

للأسف، في نص رسالة مجمعكريت، الفصل العاشر يحمل أفكار مطران برغامن، وهو المعنوَن الكنيسة: جسد المسيح، أيقونة الثالوث القدوس“. من البداية، كان أحد أهداف المجمع، من بين أهداف أخرى، إقامة البطريرك المسكوني كأول من دون مساوين في الكنيسة الأرثوذكسية. إن ممارسات البطريركية المسكونية الأحادية في أمور المسكونية – استبعاد وإهمال ومخاصمة وتهميش جميع الكنائس الأرثوذكسية الأخرى – خلقت وأسست بحكم الواقع وضعية الأولية هذه للفنار. ممثلو الفنار، باتّباعهم الاستراتيجية الأحادية الجانب بفرض خياراتهم بشكل منهجي ومتكرر، تخطوا دور البطريركية المسكونية كمنسّق في الحوارات اللاهوتية والمؤتمرات الشاملة لكل الأرثوذكس. لقد استفزّوا بهذه الطريقة ردّة فعل مبررة من جهة الكنائس الأرثوذكسية الأخرى.

بالإشارة مجدداً إلى أحداث الماضي، نكتشف أن كنيسة اليونان كانت أخذت على عاتقها مقاومة شرسة لمخططات الفنار رافضة بأي شكل الاعتراف باحتكار السلطة على كل الكنائس الأخرى كما حاول الفنار أن يؤسس. بتعبير آخر، لقد رفضت الاعتراف بفَرض أوّل، لا بين متساوين، بل على غير متساوين؛ رفضت فرض أوليّة في السلطة لا أوليّة شرف ضمن الكنيسة الأرثوذكسية.

لتصوير هذه النقطة، نحن بحاجة فقط إلى تذكّر ردة الفعل القوية لكنيسة اليونان على التلهّف الذي انتاب البطريرك أثيناغوراس إلى الدعوة سريعاً إلى عقد المؤتمر الأرثوذكسي الشامل في 1963 ومحاولته أن يؤسس لأوليّة كرسيه على كل الأساقفة الأرثوذكسيين الآخرين. مجمع كنيسة اليونان أدان بالإجماع الطريقة التي بها يتمّ التحضير لتنظيم المؤتمر الأرثوذكسي من دون أي احترام للترتيب القانوني، وتعيقه الشرائع المقدسة عن الاعتراف بحصر السلطة في أي من الأساقفة الأُوَل في الكنيسة” [28]. وتوجّه المجمع إلى البطريرك أثيناغوراس: “توصّل المجمع إلى القرار الثابت بالامتناع عن المشاركة في المؤتمر الأرثوذكسي الشامل الذي قررتموه بمفردكم يا صاحب القداسة، والذي نتائجه تؤدّي إلى تخريب كنيستنا المقدسة” [29].

5. بطريركية أثيناغوراس – الاتفاق على الوحدة

بطريركية أثيناغوراس، باقتراحاتها المسكونية غير المتوقّعة وغير المرغوبة، وازدرائها الفاحش الذي لا يوصَف لقوانين ونظام الكنيسة، ودوسها عليها، كما تقرّبها المتهوّر والمفرِط من البابويين، من دون حدود ولا نهاية، بحسب ما وصفها هو نفسه، والتراجيكوميديا التي لا تُصدّق والكلام الفائض عن المحبة في لقاءاتهم معاً، والبطولات التواصلية وحرب الانطباعات، كل هذه كانت استفزازاً متواصلاً للخُلُق الأرثوذكسي وتقليد الكنيسة، وكما نتوقع، لم يحظَ ولا بأي لحظة بموافقة الكنائس الأرثوذكسية الأخرى.

من بين نشاطاته المسكونية الوفيرة، كان البطريرك أثيناغوراس مسؤولاً عن إعادة إطلاق عملية عقد المجمع الأرثوذكسي الشامل. بهذه الطريقة، نرى العلاقة الداخلية البديهية والمباشَرة بين ما يُسمّى المجمع الكبير وأهداف وغايات المسكونية.

مع تبوئه عرش القسطنطينية، بدأ البطريرك أثيناغوراس اتصالات رسمية وخاصة مع الفاتيكان. “كانت تجري مفاوضات خلف الستائر بين أثيناغوراس والفاتيكان لترتيب لقائه مع البابا. كان الوسطاء لهذا اللقاء شخصيات مختلفة من العالم الكاثوليكي، لكن بوجه خاص الأرشمندريت سكريما الروماني، وهو لاهوتي متميز.” [30]

العلاقة الوثيقة والتواصل الذي تمت رعايته لسنوات مع الكاردينال أنجيلو رونكالي، لاحقاً البابا يوحنا الثالث والعشرون، أدّى إلى اتفاقات للترويج معاً لـوحدة الكنائس“. بالنسبة للبابا يوحنا، الوحدة سوف تكون وحدة قلوب، وحدة صلاة: ثمرة بحث الواحد عن الآخر” [31] والتي ينبغي أن تقوم على أسس الثورة الفرنسية. “إن لم يَسُد شعار الثورة الفرنسية: حرية، مساواة، أخوّة، فلن يكون هناك سلام بين الأمم ولا وحدة بين الكنائس” [32].

هذا الاتفاق الخاص بين الفنار والفاتيكان للترويج لـوحدة الكنائسحرّك سلسلة من الإشارات والمبادرات ذات معنى رمزي ضخم، وأهمها اللقاء المثير بين البطريرك أثيناغوراس والبطريرك التالي بولس السادس في أورشليم سنة 1964. لقد كان قراراً جديداً وغير متوقّع للبطريرك أثيناغوراس، أطاح بلحظة واحدة بكل ما كان مفروغاً منه في الكنيسة الأرثوذكسية – قوانينها المقدسة، مبدأ المجمعية، التقليد الآبائي، ضميرها العقائدي والكنائسي والكثير غير ذلك. وهل هناك منَ يعتقد بأن كل ذلك تمّ على يد رجل واحد من دون أي اتفاق مسبَق بين كل الأرثوذكس! مرة جديدة شجبت كنيسة اليونان هذا العمل: “إن أفكار البطريرك المسكوني المذكورة أعلاه… خلقت انطباعاً هدّاماً… هذه الخطوة المصيرية غير المتوقعة من البطريركية، مطلوب تحديدها كموضوع مناقشة مشتركة وقرار بين كل الكنائس الأرثوذكسية المقدسة.” [33]

وقد تمّ استثمار اجتماع البابا والبطريرك بشكل منهجي مع قوة الصورة والرمزية والتصورات. تكتيكات العلاقات العامة، المنشورات المثيرة، والفيض المتواصل لـلغة المحبةساد على الاجتماع الشهير، على حسب ما كشف البطريرك أثيناغوراس نفسه. وفي الوقت عينه تضمّن اجتماعات خاصّة وإنهاء اتفاقات مخبأة بين البابا والبطريرك: “دخلنا نحن الاثنان يداً بيد إلى غرفته وكان لنا نقاش منعزل. ماذا قلنا؟ مَن يعرف ماذا تقول روحان عندما تتحدثان! مَن يعرف ما يقول قلبان عندما يتبادلان مشاعر المحبة!… ماذا قلنا؟ لقد وضعنا مشروعاً مشتركاً، بمساواة مطلقة، من دون أي فرق في السلطة.” [34]

هذا المشروع المشترك يتمّ تنفيذه تدريجياً، خطوة خطوة، حتى اليوم. “الوحدةوُصّفت واتُّخِذ قرارها منذ تلك النقطة. لقد كان هناك اتفاق واضح على الوحدة في الكأس المشتركةكما يظهر من حقيقة أن هذا كان الرغبة الأساسية للفريقين. يتابع البطريرك أثيناغوراس وصفه “وقلنا أننا وجدنا أنفسنا على طريق عمواص… وأننا ماضون للقاء سيدنا في الكأس المقدسة المشتركة. جواباً، أعطاني البابا كأساً مقدسة كهدية. لم يعرف ما كنت سوف أقول عن الكأس المشتركة ولا أنا عرفت ما سوف تكون هديته. ما هذا؟ رمز للمستقبل.” [35]

إن رفع الحرمالشائن بين الفاتيكان والفنار في أواخر 1965 كان محاولة لتحقيق خطوة مهمة نحو هذه الوحدة في الكأس المشتركة، وهذا كان قراراً أحادياً من البطريركية المسكونية. ردة فعل الكنيسة اليونانية كانت مميزة: “بكثير من الامتعاض تمّ الإعلام عن مبادرة البطريرك المسكوني في القسطنطينية الكلي القداسة أثيناغوراس. ما من أحد له الحق بالتقدم في أعمال مماثلة. هذا الحق يعود للأرثوذكسية ككل.” [36]

في نص رفع الحرماللاتيني، ترد عبارة excommunicatio التي تعني الحرم، بينما في ترجمة البطريركية المسكونية الرسمية فتُرجِمَت إلى لعنة anathema.” بتعبير آخر، تكلّم النص عن رفع الحرم“. [37] يعلِمنا المطوّب الذكر المتقدّم في الكهنة يوحنا رومانيدس ذكرت النيويورك تايمز حول الإعلان من الفاتيكان والفنار في السابع من كانون الأول 1965 عن رفع الحرم (الحرم لا اللعنة في النص اللاتيني) على الصفحة الأولى، أنه وضع حد لانشقاق 1054 واستعادة للشركة الأسرارية التي انقطعت. واضح أن النص اليوناني الذي يعلن رفع اللعنات كان مضللاً عمداً. كان المقصود منه الردّ على ردات الفعل السلبية الممكن صدورها عن الكنائس الأرثوذكسية الأخرى.” [38]

ما يؤكّد الاتفاق الذي تمّ لرفع الحرم هو أن البابا يوحنا بولس الثاني قبل زيارته للفنار (11/30/1979)… عبّر عن ثقته بأن الوحدة قد استعيدَت من خلال هذه العملية.” [39]

لقد كانت قناعة البطريرك أثيناغوراس راسخة بأن وحدة الكأس المشتركةلن تتأخّر وأنّ وحدة كل المسيحيينسوف تتبع ومن ثمّ وحدة كل البشر من كل الأديان، أي دين العصر الجديد الشامل. “أنا أؤمن أنها آتية. لأن من المستحيل أن لا تأتي، لأنها أصلاً بدأت بالقدوم. ففي أميركا أصلاً أنت تناول الكثيرين من الكأس المقدسة وحسناً تفعل! وأنا هنا، عندما يأتي كاثوليكيون وبروتستانت ويطلبون المناولة أقدم لهم الكأس المقدّسة! والأمر نفسه يحدث في روما كما في بريطانيا وفي فرنسا. إنها آتية من ذاتها. لكن لا ينبغي أن تأتي بالشعب والكهنة. على الرؤساء واللاهوتيين أن يكونوا على اتفاق. لهذا السبب، نحن نحاول أن يكون لاهوتيونا معاً، حتى تأتي هذه الحقيقة العظيمة، المسيحية الشاملة. ومعاً مع هذه الحقيقة العظيمة، يأتي يوم حلمنا، البشرية الشاملة.” [40]

من المعبّر أن كلّ ما تقرر في الاجتماعات الخاصة والاتصالات بين ممثلي الطرفين (الفاتيكان والفنار) نلقاه لاحقاً يتطور كمخطط للتحقيق تدريجياً من خلال الخيارات والأفعال المنسجمة. هذا ما يعبّر عنه كل أبطال المسكونية الذين يؤكّدون لنا أن في الحقيقة، في العقود الأخيرة، رؤساء الكنائس، بمَن فيهم البابا فرنسيس والبطريرك برثلماوس، عبّروا ليس فقط بالأقوال عن إرادتهم بأن يحققوا رغبة الربّ باستعادة وحدة الكنائس، لكنهم كانوا يتحركون متقدمين من خلال أعمال الرجاء والأخوّة الملموسة والمحبة الكاملة والاحترام المتبادل، والأفعال التي تبرهن نواياهم المخلِصة والشريفة.”[41]

إن الحاجة لأن يكون الرؤساء واللاهوتيون على اتفاق، بحسب صياغة البطريرك أثيناغوراس، كان ينبغي إعطاؤها برنامجاً زمنياً للتمام حتّى تتحقق الوحدةالتي يسعون إليها وتكتسب اعترافاً مؤسساتياً وتصديقاً من مجمع أرثوذكسي شامل. وباتّجاه تحقيق هذا الهدف، وبموازاة حوار المحبة، تمّ تصميم مجمعين كبيرين، أحدهما يعقده الأرثوذكس والآخر البابويون (الفاتيكان الثاني). كلا المجمعين كان لا غنى عنه، على المستوى المؤسساتي، لخلق الظروف الضرورية والتغيرات التي ينبغي حصولها لكي تتقدم الوحدة“.

ج. الفاتيكان الثاني – المجمع الأرثوذكسي الشامل: الطريق والأهداف المشتركة

في العالم الكاثوليكي، كان هناك إعلان وتحضير وإنجاز للمجمع الفاتيكاني الثاني؛ على المقلب الأرثوذكسي كان هناك عملية من خلالها اللقاءات الأرثوذكسية الشاملة تتم كمراحل في التهيئة لـالمجمع المقدس الكبير“.

في اللقاءات الخاصّة مع ممثلي البطريرك أثيناغوراس، كشف البابا يوحنا الثالث والعشرون نوايا الفاتيكان في ما يتعلّق بمجمع الفاتيكان الثاني الذي كان على وشك ابتداء أعماله. فقد صرّح بأنّ “أحد أهداف المجمع الجديد هو إعادة وحدة الكنائس.” [42] في الخامس والعشرين من كانون الثاني 1959 أعلن ابتداء المجمع الفاتيكان الثاني الذي استمرت أعماله أربع سنوات (1962-1965) في 178 اجتماع.

في 1961، دعا البطريرك المسكوني إلى أول اجتماع شامل للأرثوذكس في رودس، وتبعه العديد (1961، 1963، 1964، 1968) كما لقاءات تحضيرية للمجمع (1976، 1982، 2009، 2015) متّبعة نفس منهجية الفاتيكان الثاني. عند نقطة ما، أثناء كان مطراناً لفيلادلفيا منذ 1977، كشف البطريرك المسكوني برثلماوس ميزة المجمع الذي كان في طور التصميم، وذلك في مقابلة مع مجلة The National Catholic Reporter، حيث ذكر: “إن غايتنا هي تماماً مثل غاية يوحنا (البابا يوحنا الثالث والعشرين): تحديث الكنيسة والترويج للوحدة المسيحية… أيضاً، المجمع سوف يعني فتح الكنيسة الأرثوذكسية للأديان غير المسيحية، للبشرية ككل. هذا يعني مقاربة جديدة للإسلام، البوذية، للحضارة المعاصرة، نحو تطلعات لأخوّة متحررة من التمييز العنصري… بتعبير آخر، سوف تكون علامة انتهاء اثني عشر قرناً من العزلة بالنسبة للكنيسة الأرثوذكسية.” [43]

منذ البداية هذه كانت أهدافهم؛ هذه كانت فلسفتهم. هذا هو الهدف الذي خدمه مجمعكريت وما كان يُرجى منه. مرفوض كنائسياً ويتخطّى المنطق الكنائسي أن يصوغ أسقف أرثوذكسي هذه المواقف غير الأرثوذكسية، ناهيك عن أن هذا الرجل عنده الشرف الأعلى في تراتبية الكنيسة الأرثوذكسية بأكملها أي البطريركية المسكونية. إنه فعلاً مؤلم وغير مبرر، لكن ما يتصوّره برثلماوس على أنه انتهاء اثني عشر قرناً من العزلة بالنسبة للكنيسة الأرثوذكسيةليس إلا نهاية الأمانة لآباء كنيستنا القديسين – نهاية التقليد وخبرة الروح القدس. صحيح إنه عزلة، لكن عن حقيقة كنيسة المسيح الحيّة!!!

هذه الأقوال تؤكّّد ما أوحِي به إلى الشيخ أفرام الكاتوناكي الطيّب الذكر، في ما يختصّ بالمسكونية، أي أن مدخِل كل الشرور يعمل في الداخل.

1. هرطقة الإكليسيولوجيا الجديدة

إن التغيير الكبير الذي كان على المجمعين فرضه كشرط ضروري لـوحدة الكنائسكان الاعتراف، من قبل الطرفين، بالحقيقة الكنسية للطرف الآخر. كان على الكاثوليك أن يعترفوا بأن الأرثوذكس كنيسة، ومثله على الأرثوذكس أن يعترفوا بالكثلكة. لتحقيق هذا الهدف، تمّ اكتشافإكليسيولوجيا جديدة ذات أصل مسكوني وفرضها. كأساس لهذه الإكليسيولوجيا الجديدة، كان ضرورياً الابتعاد عن مسكونية العودةوالتوجه نحو مسكونية التكامل.” [44]

أول عظة على الراديو للبابا يوحنا الثالث والعشرين في تشرين الأول 1958 يمكن اعتبارها الحركة الأخيرة قبل هذا الانعطاف، حيث بثّ دعوته للأرثوذكس للعودة إلى بيت الآب المشترك.” “نحن نصلّي أن يعود الكلّ طوعياً، وأن يتمّ ذلك قريباً بمعونة الله…” [45] يبدو أن هذه الدعوة إلى العودةأقلقت البطريرك أثيناغوراس الذي في رسالة رأس السنة 1959 أشار إلى أنّ التقارب بين الكنيستينيجب أن يتمّ في روح من المساوة والعدالة والحرية الروحية والاحترام المتبادل.” [46]

في السنتين اللتين تلتا، تشكّل المناخ المناسب لكي يتمكن الفاتيكان الثاني من تقديم ركيزة مسكونية التكامل” [47] وإكليسيولوجيا الفاتيكان الجديدة. استندت مسكونية التكاملإلى نظرية طوّرها الفرنسي الدومينيكاني إيف كونغار في 1939، حيث صاغ فكرة أن بعض العواملالمستقلّة كالمعمودية يمكن فصلها عن كامل الكنيسة، فيما تستمرّ بمدّ النعمة وتفعيل التكامل (voto) الروحي مع الكنيسة في نفس المسيحي المنشقّ، مثبتاً المنشقّ كعضو في الكنيسة. [48]

يعطي اللاهوتي والمفسّر الكتابي يوهانس فاينر وصفاً واضحاً لـإكليسيولوجيا الشركة (communio ecclesiology)” في الفاتيكان الثاني: “لأن الكنيسة تظهر كشركة (communio) أو كواقع معقّد على شكل شركة، فإن الوحدة التي يتسبب بها عدد من العوامل المختلفة، تبقي الإمكانية مفتوحة لأن يكون بعض العناصر المكوّنة للكنيسة موجودة حتّى في الجماعات المسيحية خارج الكنيسة الكاثوليكية وقد تعطي هذه الجماعات طبيعة الكنيسة. وعليه، إن كنيسة المسيح الواحدة يمكن أن تكون موجودة خارج الكنيسة الكاثوليكية، وهي موجودة…” [49]

إن السنوات الكثيرة التي انقضت في التحضير للمجمع الأرثوذكسي الشامل ارتكزت تحديداً على النماذج والفلسفة التي قد تمأسِس هذه الإكليسيولوجيا الجديدة ضمن العالم الأرثوذكسي أيضاً.

2. النقاط الرئيسية في الإكليسيولوجيا الجديدة

ارتكزت الإكليسيولوجيا الجديدة على فكرة أن حقيقة إيمان الرسل، أو جزء منها، محفوظ (ومُختَبَر روحياً) في الكنائس والطوائف المسيحية الأخرى. إذاً، بهذه الطريقة، تُنتَهَك حقيقة الكنيسة الخاصة كما هويتها وفهمها لذاتها.

مع تقبّل هذه الإكليسيولوجيا الجديدة، عندنا توسيع لحدود الكنيسة حتّى أن الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية لم تعد تتطابق حصرياً مع الكنيسة الأرثوذكسية. وبهذا نصل إلى الإعلان والاعتراف مع خليط الطوائف البروتستانتية والجماعات المثيرة للجدل في مجلس الكنائس العالمي، بأنّ كل كنيسة تحقق جامعيتها عندما تكون في شركة مع الكنائس الأخرى… من دون بعضنا نحن فقراء.” [50]

واضح أنّ الإكليسيولوجيا الجديدة تتخطّى في آن واحد الأفكار الغربية غير الأرثوذكسية عن الكنيسة غير المنظورة، الكنيسة المنقسمة، نظرية الفروع، صورة رئتي الكنيسة، ومفردات الكنائس الشقيقة واللاهوت ما بعد الآبائي.

في الفاتيكان الثاني، وتحديداً في مرسوم المسكونية، نجد أول حجارة الأساس الرسمي الذي وُضِع للإكليسيولوجيا الجديدة، في فصل عنوانه علاقات الإخوة المنفصلين مع الكنيسة الكاثوليكية“. في هذا الفصل يرد بشكل خاص أن في بدايات كنيسة الله الواحدة والوحيدة هذه نشأت بعض الشقاقات التي أدانها الرسل بقوة. لكن في القرون اللاحقة ظهر الكثير من الانشقاقات الخطيرة ووصل الأمر بجماعات كبيرة إلى الانفصال من الشركة مع الكنيسة الكاثوليكية – حيث يُلام عليها رجال من كلا الطرفين. إن الأولاد الذين وُلِدوا في هده الجماعات ونشؤوا على الإيمان بالمسيح لا يمكن اتهامهم بخطيئة الانفصال، والكنيسة الكاثوليكية تقبلهم كإخوة باحترام ومودة.” [51]

من المقلق حقاً أن نلاحظ الإخلاص الذي به المسكونيون الأرثوذكس يقلّدون الفاتيكان الثاني في مأسستهم للإكليسيولوجيا الجديدة ضمن الأرثوذكسية. رئيس اساقفة ألبانيا، متماهياً بشكل كامل مع قرارات الفاتيكان الثاني، يقول بشكل مميز: “إنه بديهي، بغض النظر عن سهولة تجاهله من قِبَل بعض الأرثوذكس، أنّ الأوروبيين الآخرين لم يختاروا عن قصد الدخول في الهرطقة (الطائفة المسيحية التي ينتمون إليها حالياً) بل هم وُلدوا في بلد حيث طائفتهم هي المهيمنة لعصور، أي النروجيون في الكنيسة اللوثرية، والاسكتلنديون في المشيخية. كيف لنا أن ندينهم لأنهم ليسوا أرثوذكسيين؟” [52]3

إن مرسوم المسكونية يضع الأساس أيضاً للاهوت التعميدي وصلاحية الأسرار في الكنائس الشقيقة“. ففيه يرِد بشكل خاص: “لأن الذين يؤمنون بالمسيح وتعمّدوا حقيقةً هم في شركة مع الكنيسة الكاثوليكية حتى ولو تكن شركتهم كاملة… ويبقى صحيحاً أن كل الذين تبرروا بالإيمان في المعمودية هم أعضاء جسد المسيح، ولهم الحق بأن يُسمّوا مسيحيين، وعليه فمن الصحيح قبولهم كإخوة لأبناء الكنيسة الكاثوليكية.” [53]

ويتابع المرسوم: “إن الإخوة المنقسمين عنّا يستعملون أيضاً الكثير من أفعال الدين المسيحي الليتورجية. هذه على الأكيد يمكن أن تولّد بالحقيقة حياة نعمة بطرق تتغيّر بحسب ظروف كل كنيسة أو جماعة. هذه الأفعال الليتورجية يجب أن يُنظَر إليها على أنها تتيح الوصول إلى جماعة الخلاص.” [54]

جوهرياً، وضع الفاتيكان الثاني الأساس لوحدة الكاثوليك والأرثوذكس على المقلب الكاثوليكي، مصوراً إياها على أنها طليعة المسكونية الجديدة. الأساس عينه وضعه المسكونيون الأرثوذكس على المدى الطويل في التحضير للمجمع الكبير.

3. الطريق إلى الانحراف الإكليسيولوجي

كما أشرنا سابقاً، إن الهدف الثابت لعملية التحضير هذه كان التحويل التدريجي للإكليسيولوجيا الأرثوذكسية. ولتحقيق هذا التحويل، كانت بعض الخطوات ضرورية ويمكن فهمها وفقا للمبادئ التوجيهية العامة التالية:

أ) تبديل اتجاه حدود الكنيسة القانونية

ب) تبديل اتّجاه الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية وفهمها الذاتي

ج) تكييف الأرثوذكس نحو التقارب والاتحاد مع غير الأرثوذكس، وهو الهدف الأخير

د) قبول صلاحية المعمودية بالبداية، ومن ثمّ لاحقاً كل أسرار الكاثوليك وغير الأرثوذكس الآخرين.

إن سنوات التحضير الطويلة للمجمع الكبير دارت حول هذه المحاور الرئيسية. وعليه بحسب رئيس الأساقفة ييرونيموس: “دعت البطريركية المسكونية إلى أربع مؤتمرات لكل الأرثوذكس… لكي تضع المعايير القانونية للكنيسة الأرثوذكسية وتحدد حدود علاقتها مع الكنائس والطوائف غير الأرثوذكسية.” [55]

يشدد المسكونيون على هذه الحاجة لإعادة تحديد واضحة ومباشرة للإكليسيولوجيا الأرثوذكسية، كما على الحاجة للحصول على القبول من كل الأرثوذكس. الميتروبوليت خريسوستوموس مطران ميسينياس يشدد على أنّ على الأرثوذكس أن يوضحوا أولاً وقبل كل شيء موقف كنيستهم وعلاقتها بالعالم خارجها، حتّى لا تزحف الشكوك إلى الداخل، ولا يبقى مراوغات، لا ارتياب عند الآخر حول آرائها، حتّى تكون القرارات المتّخذة لا لبس فيها وتعكس توافق كل الأرثوذكس وقبولهم. فقط بهذه الطريقة يُسمَع صوتنا ويُحتَرَم.” [56]

في البند العشرين من وثيقة علاقات الكنيسة الأرثوذكسية مع باقي العالم المسيحي، والذي أقرّه مجمعكريت، يرد: “إن آفاق إجراء الحوارات اللاهوتية بين الكنيسة الأرثوذكسية وباقي العالم المسيحي هي دائماً محددة على أساس المبادئ القانونية في الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية وفي المعايير القانونية في تقليد الكنيسة المعتَرَف به أصلاً.” [57].

يلاحظ خريسوستوموس ميتروبوليت ميسينيا أن في المقطع الحالي، لم تكن حدود الكنيسة الأرثوذكسية بالنسبة للكنائس والطوائف المسيحية الأخرى موضع شكّ قبل تحديدها على مستوى أرثوذكسي شامل، فبالتدبير تمّ الاعتراف بواقع وصلاحية معموديتهم بما يتوافق مع تقليدهم القانوني. وعليه فإن مبدأ التدبير الكنائسي هو موضع تشجيع في العلاقة مع الكنائس والطوائف المسيحية الأخرى، كتعبير عن محبة الكنيسة الأرثوذكسية للبشرية، فيما يُخفَف مبدأ الدقة.” [58]4

بعبارة تقليد الكنيسة المعتَرَف به أصلاًفي البند العشرين، إنهم بالطبع لا يعنون تقليد كنيستنا الآبائي الموحى به من الروح القدس في الألفيتين الأخيرتين، بل التقليدالذي تشكّل في القرن الأخير ضمن إطار الحركة المسكونية وعلى مدى الخمسين سنة الماضية.

يفترض تقليد الكنيسة المعتَرَف به أصلاًالجديد للمسكونية أنّ بحكم الواقع هناك قبول ومأسسة للاهوت التعميدي ضد الأرثوذكسي، على أساس أن للاعتراف بالمعمودية أهمية رئيسية لقبول كنائسية غير الأرثوذكس.

استناداً إلى هذه الفكرة المسكونية، يعلن كيرللس مطران أفيدوس، أنّه يمكن أن تُدفَع الكنيسة الأرثوذكسية إلى الاعتراف بحقيقة معمودية غير الأرثوذكس، حين وقبل كل شيء، تبتعد عن غطرسة التفرد. هذا التفرد لا يشكّل تعليماً عقائدياً في الكنيسة الأرثوذكسية.”[59]

البروفسور ستيليانوس تسومبانيدس، وهو أستاذ في الكلية اللاهوتية في جامعة أريسطوطاليس في تسالونيكي وعضو اللجنة المجمعية لعلاقات كنيسة اليونان مع المسيحيين، يحدد كأحد المبادئ في المجمع الكبير: “التحديد، بشكل أكثر إقناعاً وحسماً، موقف الكنيسة الأرثوذكسية ضمن الحوار المسكوني المعاصر والتوجه إلى مَن يتمّ التحاور معهم بأن الأرثوذكسية تختبر علاقتها معهم ومَن هم بالنسبة إلى الأرثوذكسيةإن إرسالية الأرثوذكسية المعاصرة، من خلال هذا المجمع الآتي، هي تأكيد الرغبة الأرثوذكسية بالسير مع الكنائس والطوائف المسيحية الأخرى على الطريق المؤدّية إلى الوحدة المسيحية.” [60]5

غالبية المشاركين في مجمعكريت عملوا في المزاج نفسه وخاصة الذين لعبوا أدواراً قيادية في تشجيع هذه الأفكار الجديدة والترويج لها.

قلة مختارة منهم اختارت العمل كرواد، كفريق عمل، لخلق جو من النزاع، مهاجمين بوقاحة ومن غير لين كل مَن يرغب في أن يبقى أميناً لتقليد الكنيسة. إنه تكتيك عدواني معروف، يحاول الإنسان المذنِب أن يغطّي ذنبه برميه على الآخر. في الحالة الحاضرة، هناك استهجان للمقاومين ووصمهم بأنهم غيارى (zealots)، متعصبون، متطرفون، أصوليون، أنانيون، مرضى نفسيون، وحتى هراطقة.

صرّح المستشار الخاص للبطريرك، مكاريوس ميتروبوليت خريستوبولي، في مقابلة قبل أيام قليلة من بداية مجمعكريت: “يحكي البعض عن هرطقة المسكونيةقد يكون ضرورياً أن تنشغل الكنيسة بهرطقة أخرى، شكل جديد من الهرطقة التي تُخلَق اليوم، هرطقة التعصب؟إن الخائفين من المسكونية ينضوون في هرطقة التعصّب.” [61]

على نفس الموجة، يشير أنستاسيوس رئيس اساقفة ألبانيا في خطابه في الجلسة الافتتاحية: “بعض الناس يسألون: في المجامع الأرثوذكسية الكبيرة كانت تُجابه بعض الهرطقات. ما هي الهرطقة التي سوف يعالجها هذا المجمع الكبير المقدس؟ الجواب بسيط. الهرطقة العظيمة، أمّ كل الهرطقات، الأنانية (egocentrism) – الشخصية، الجماعية، القبلية، المحلية، الكنائسية، وغيره – وجميعها تسمّم العلاقات البشرية وكل أشكال التعايش المتناغم والخلاق.” [62]

حتّى رئيس أساقفة قبرص، خريسوستوموس، في الجلسة نفسها علّق على ما يتعلّق بالخارِجين عن المجمع بأنّ حقل الكنيسة ينتِج أيضاً زواناً بذره العدو.” [63]

اللاهوتي ما بعد الآبائي جاورجيوس فلانديس، وهو باحث في أكاديمية الدراسات اللاهوتية في مطرانية ديميترياس (فولوس)، باصقاً النكد والسخرية على الذين يقاتلون من أجل الإيمان، كتب عنهم: “كونهم عاجزين عن الكنيسة كطريق، الأصوليون الأرثوذكس في كل العالم مدانون باختبارها كرصيفإن الأفضل أن يتمّ التعامل مع هذياناتهم الصاخبة على يد طبيب نفسي بدلاً من الردّ لاهوتياًفي كل الأحوال، ما هو أكثر إثارة للاهتمام من نوبات الغضب عند أولئك الرجال المختلّين والجهلة، هو وجود هرطقة ضمنية، تُعرَف بالأصولية…” [64]

يوجد سلسلة من الإشارات والتعليقات المشابهة، تيار لا نهاية له من الإساءة الذي لن نكرره هنا. هذه السلسلة تكشف نمط أنصار الفنار وأخلاقيتهم. إلى هذا، الخداع، الضغط، التهديدات، والترهيب تشكّل سياسة ثابتة في التعاطي مع المخالفين.

إن الضغط الممارَس على كنيسة اليونان من خلال التهديد بالأراضي الجديدة وشكوى رئيس الأساقفة من أنّ كنيسة اليونان تُقوَّض” [65] ذات دلالة. ضغط مماثل يُمارَس في أزمة أوكرانيا حيث الفنار يلوّح مهدداً سلطة موسكو بإعلان استقلال الكنيسة المنشقة.6

كما أن هناك دلالة في أن الاضطهاد يُمارَس على رهبان جبل أثوس لأنهم يعبّرون عن معارضتهم الاقتراحات المسكونية وقرارات مجمعكريت. أخيراً، هناك حقيقة أن ضغطاً مماثلاً، تحديداً بالتهديد برفع سلطة الجبل الذاتية، وهو ضغط يُمارَس على كل جماعة الجبل المقدس حتّى لا يقوموا بردات فعل ضد المجمع“.

فوق هذا، هذه ليست المرة الأولى التي يتولّى فيها الفنار انتهاك مؤسسة الجبل المقدس لإسكات الرهبان وإيقاف مقاومتهم ومراقبتهم لانحرافات الفنار المسكونية. ففي 1994، بعد اتفاق البلمند الغادر أشتعلت عاصفة من الجدال بين المؤمنين الأرثوذكسيين كما في الجبل المقدس. لقمع ردات الفعل هذه، أرسل الفنار وفداً بطريركياً مؤلّفاً من ثلاثة مطارنة مدّعين المشاركة في الاجتماع المشترك لرؤساء وممثلي أديار الجبل، وهذا أمر ممنوع بشكل واضح كما أنه انتهاك لوضع الحكم الذاتي لأثوس. مع هذا سار الاجتماع، وفُرِضت عقوبات من دون محاكمة ولا دفاع، وحتّى أنه أُعلِن عن خلع رؤساء أديار وممثلين بسبب عصيان الكنيسة الأم والفتنة ضدها.” [66]

4. موقف الجبل المقدس

يمكن لكل هذا، إلى حد ما، أن يفسّر موقف رؤساء الأديار الأثوسيين لكنه على الأكيد لا يبرر لشركة الجبل المقدس رفضها الكلام وصمتها الأصمّ الذي تستمرّ به في قضايا الإيمان، موقف على طرفي نقيض مع الذهنية الاعترافية والشهادة التي حملها الجبل المقدس عبر العصور.

كلنا ننتظر أن نسمع موقف جبل أثوس من مجمعكريت الذي أعطاه شرعية بمشاركة ممثل منه، رئيس دير ستافرونيكيتا. نحن ننتظر ردة فعل الجماعة المقدسة على أن الكثير من اقتراحات التغيير في النصوص التحضيرية قد أهمِلَت من المجمع“.

ماذا سوف يكون الموقف النهائي لجماعة الجبل المقدس في ما يتعلّق بغير الأرثوذكس؟ هل سوف يعترفون بهم ككنائس، بما يتماشى مع قرارات المجمعأم سوف يعترفون بأنهم تعاليم وطوائف مسيحية” [67] كما فعلوا في رسالتهم التوضيحية في 25/12 آذار 2016 إلى برثلماوس البطريرك المسكوني؟

سوف نقتبس بعض المقاطع المميزة من معالجات قديمة لهذا السؤال المحدد على يد الجماعة المقدسة في جبل أثوس، حيث تعبّر بطريقة واضحة وسلطان عن الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية والفهم الذاتي الذي خالفه مجمعكريت. نحن ننتظر تأكيد هذه المواقف من الجماعة الحالية في الجبل المقدس.

إعلانات جماعة الجبل المقدّس:

1980: “… إن ترك الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية وتبنّي غير الأرثوذكسية، بأنّ الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية لا تشكّل وحدها الكنيسة بل هناك فروع أخرى للكنيسة، أي الأرثوذكسية والبابوية /الكثلكةيقنعنا بأن الوضع قد ازداد سؤاً وأنّ وحدة أمر واقع، كما تمّ تصميمها وتنفيذها في الفاتيكان الثاني، هي على الأبواب.” [68]

1981: “إن رهبان الجبل المقدّس قد تربّوا على يد الآباء المتوشحين بالله والبطريركية المسكونية الموقّرة على أن يعتبروا البابوية هرطقة، هرطقة مشابهة للأريوسية…” [69]

1987: “فوق ذلك، لا يشارك الجبل المقدّس في النظرة بأنّ خارج الأرثوذكسية يوجد «كنائس». هناك فقط جماعات من الهراطقة والمنشقين الذي يعترفون بالإيمان بالمسيح، غير أنه بخلاف وعكس ما تعترف به كنيسة المسيح المقدسة، كنيسة المسيح التي هي واحدة مع الكنيسة الأرثوذكسية ومطابقة لهاالكاثوليك هم منشقون وهراطقة من دون أسرار صالحة ولا نعمة إلهية.” [70]

1994: “نحن ملزَمون، من أجل الكاثوليك والعالم كلّه، الذين بالنسبة لهم الأرثوذكسية هي الأمل الأخير، بألا نقبل الوحدة، ولا بأن نصف الكنيسة الكاثوليكية على أنها «كنيسة شقيقة».” [71]

1995: “كيف يكون ممكناً أننا كنائس شقيقة، في حين أن بيننا فروقات عقائدية ولا شركة أسرارية بيننا؟ هذا كلام متناقض، جديد في تاريخ الكنيسة، واستعماله غير مفهوم. نحن ملزَمون بما يمليه ضميرنا بأن نعلن بأننا لا نقبل نظرية «الكنائس الشقيقة» المتغطرسة.” [72]

5. موقف كنيسة اليونان

منذ بداية الحركة المسكونية، كانت كنيسة اليونان دائما حذرة من الانفتاحات نحو غير الأرثوذكس وحافظت على مسافة واضحة من مغامرات الفنار. في البداية، ردّت كنيسة اليونان سلبياً على رسالة البطريرك الشهيرة في 1902، التي كتبها البطريرك يواكيم الثالث ووجهها إلى الكنائس الأرثوذكسية طالباً رأيها في ما إذا كانت مسألة وحدة الكنائسيجب أن تتقدّم. رئيس الأساقفة خريسوستوموس الثاني (خاتزيستافرو) ردّ بقساوة على مبادرات البطريرك أثيناغوراس المسكونية في الستينيات ووصل الرجلان إلى حد الانخراط في نزاع شرس. رئيس الأساقفة سارافيم كان على نفس الدرجة من التمسك بالتقليد. نذكر صراعه مع حكومة قسطنطين كارامانليس حول إيجاد سفارة فاتيكانية في اليونان سنة 1979.

السؤال الذي بقي في الخلف في كل مرة حُكي عن وحدة الكنائس“: “هل الفاتيكان كنيسة؟“[73] ويُفهَم من العلاقات بين الإجابات أنها ليست كنيسة، بل دولة مدنية. بدأ الموقف التقليدي لكنيسة اليونان بالتغيّر تدريجياً والتحوّل والانزلاق نحو الممارسات المسكونية التي تتوجّت في زيارة البابا يوحنا بولس الثاني إلى أثينا سنة 2001 والزيارة التي بادله بها رئيس الأساقفة خريستوذولس إلى الفاتيكان في 2006.

بعد هذا بدأنا نرى تجنيد اللجان المجمعية المناسبة بالأساقفة واللاهوتيين الأكاديميين المسكونيين. السؤال الذي يُطرَح هو ما هي المعايير التي على أساسها يتم اختيار ممثلي كنيسة اليونان إلى الحوارات اللاهوتية ومجلس الكنائس العالمي واللقاءات الأرثوذكسية. هل هناك تقييم لجودة عملهم وكيفية القيام به؟ هل يقرّ الرؤساء نصوص الحوارات؟ إذ كما هو معلَن بقرار من الرئاسة الكنسية في 2008، شرط مراجعة كل الكنائس المستقلّة والتصديق عليها.” [74]

بالواقع، إن إصرار المجمع المقدس على تعيين هؤلاء الممثلين في الحوارات يشكّل استفزازاً قاسياً للحساسية الأرثوذكسية للشعب المؤمن، خاصةً وأنّ المجمع يعرف بشكل جيد أفكارهم المسكونية المعلَنة. من الأمثلة المميزة المطرانان خريسوستوموس ميسينياس وإغناطيوس ديميترياس.

وأكثر من ذلك هو أن ما حدث في مجمعكريت يشكّل تحديًا من ناحية الانقلاب على اتفاق المطارنة حول تبديل النص علاقات الكنيسة الأرثوذكسية مع باقي العالم المسيحي“. إن الطريقة التي تطورت فيها القضية كلها تظهِر النقص المطلَق للشفافية، والتغطية بالسريّة، للانتهاء بفرض أمر واقع قام على أساس العملية التحضيرية لهذا المجمعالخاص. إن حفنة من الناس، مجموعة مغلقة ومختارة من النخبة، وهي نواة صلبة من الرجال الثقاة وأصحاب الإرادة، شكّلَت حكم أقلية من الأساقفة واللاهوتيين العلمانيين تمكنوا من فرض إرادتهم على الكنيسة بأكملها.

بشكل خاص، في ما يختص بكنيسة اليونان، لسنوات كثيرة كان أغلبية رؤساء الكهنة والمؤمنون الأتقياء جاهلين تماماً ولا يشكّون في ما كان يجري إتمامه بالسر طوال عقود. وكما قال الميتروبوليت ييروثيوس مطران نافباكتوس في رسالته إلى رئيس الأساقفة ييرونيموس: “كنيستنا لم تكن مستعدة بما يكفي للتعاطي مع هذه المسائل. على العكس، رؤساء الكهنة الذين انشغلوا بهذه الأمور أكّدوا لنا أنه لن يكون هناك مشاكل ضمن الكنيسة بسبب الوثائق. ولكن في الحقيقة هناك مشاكل لاهوتية.” [75] في رسالة أخرى وجهها أيضاً إلى غبطته، أثار سلسلة من الأسئلة طارحاً إياها على الأساقفة: “تقرير لجنة العلاقات مع الأرثوذكس ومع المسيحيين إلى مجلس المجمع المقدس، وأعطيَت بعض التوجيهات للجنة لتحسين النص.” [76]

ما زال الجواب الواضح مطلوباً وينبغي تقديم الحقيقة كاملة. إن لم يكن رؤساء الكهنة على علم بالوقت المناسب بمحتوى الوثائق، على حسب ما يقول أغلبيتهم، فمَن هو المسؤول عن هذا؟ مَن هو المسؤول عن إخفاء هذه النصوص المهمّة عن رؤساء الكهنة؟ هل يتمّ البحث عمّن أخفى الوثائق؟ في حال الإيجاب، مَن كان المسؤول؟

إذا كانت الإمكانية الأخرى صحيحة، بأنّ المجمع كان على علم في حينه وأن الرؤساء كانوا يعرفون محتوى الوثائق، فلماذا لم يتفاعلوا في الوقت المناسب حتّى تكون ردة فعلهم أكثر فاعلية؟ لمَ لم يكن هناك أي كلمة في هذه المسألة الخطيرة؟ لمَ لم يكن هناك إعلان عامّ، ولا حتى ملاحظة، لأنه لم يوجّه إلى الشعب أي شيئ مطلَقاً؟ من الواضح أن العملية بأكملها كما جرَت، كانت لهدف واحد هو صياغة أمر واقع وفرضه، واقع من القرارات السابق اتخاذها في غياب رؤساء الكهنة والشعب المؤمن.

خلال المجمع في الخامس والعشرين من أيار 2016، كان هناك خلف الستائر حركة ومناقشة عنيفة، مع أصوات عالية واختلافات، بالتأكيد لم يُفصَح عن محتواها. سمة عدم الشفافية والغموض التي اكتنفت كلّ هذا ظهرت في أن البيان الصحفي والإعلانات والرسالة الموجّهة إلى الشعب من الرئاسات، لم تأتِ على ذكر ما تمّ إقراره بالتحديد وما هي التعديلات المقتَرَحة على المجمع الكبير.

للأسف، لم يتمّ إعلام المؤمنين بالتعديلات التي قدمتها كنيسة اليونان والتي كانت موضوع الكثير من النقاشات في المجمعفي كريت. المعلومات الوحيدة التي لدينا إلى اليوم هي السرد الذي نشره الميتروبوليت ييروثيوس عمّا جرى في موضوع الوثائق، وما تسرّب إلى وسائل الإعلام.

أول سؤال للطرح من قرارات الرئاسات وأعلاناتهم هو كيف تُفهَم جملة: “القرار الأخير للرئاسات (…) سوف يدعمه غبطته خلال جلسات المجمع الكبير.” [77]

ما هو بالضبط ما دَعَمَه صاحب الغبطة في مجمعكريت وما كان أساس حججه؟ ما كان الأساس اللاهوتي الذي قدّمه لحججه؟ هل كانت ناضجة ما يكفي؟ سؤال مهم آخر هو عمّا إذا كان الرؤساء الذين شاركوا في وفد كنيسة اليونان قد تبنّوا فعلياً التغييرات وقبلوها وهم كان مفترضاً أن يدعموها، أو أنّ بعضهم تراجع لمعرفته السابقة بأنّ في النهاية هذه التغييرات لن تُقبَل في مجمعكريت.

إلى جانب هذا، بحسب المقطع الثاني من البند 11 من قوانين عمل المجمع، التغيير الذي لا يُصدّق عليه بالإجماع لن يمر.” [78].

التسوية مصيرها الفشل

في مطلق الأحوال، كان واضحاً منذ البداية أن اقتراح رئاسة كنيسة اليونان شكّل جوهرياً حركة تكتيكية ومساومة تمت لتوحيد الوفد ووصل الآراء المتضاربة التي كان عبّر عنها العديد من المطارنة. بالواقع قد كانت مسألة استرضاء ردات فعل المؤمنين العنيفة والتي عبّروا عنها بعدد من المقالات والإعلانات والرسائل والمطبوعات والمؤتمرات وغيرها.

معروف جيداً أن في أمور الإيمان لا مساومة. لهذا كان التشديد مسبقاً على أن وثيقة علاقة الكنيسة الأرثوذكسية بباقي العالم المسيحييجب رفضها بالكامل لكونها إشكالية على مستوى أساسي وغير قابلة للتصحيح.

إن اقتراح أساقفة كنيسة اليونان كان محكوماً عليه بالفشل مسبقاً. يمكن أن نلاحظ، بنيّة طيبة، أن الأساقفة كانوا يرغبون ومستعدين لتحسين النص. لكن هل كانت هذه هي الحال؟

مقوّض من الداخل

بعد أيام قليلة من اتفاق مطارنة كنيسة اليونان على اقتراح تعديلات على نص علاقة الكنيسة الأرثوذكسية بباقي العالم المسيحي، في السابع من حزيران 2016، أجرت جريدة La Stampa الإيطالية (النسخة الإلكترونية)، مقابلة مع الميتروبوليت خريسوستوموس مطران ميسينياس. من بين أمور عديدة تمّ التطرق إليها، سأله المراسل أندريا تورنييلي أن يعلّق على معلومة مفادها أن العديد من أساقفة كنيسة اليونان الأرثوذكسية كانوا يسعون إلى إبطال تطبيق كلمة كنيسةعلى الكاثوليك، فأجاب الميتروبوليت متساءلاً: “لكن إلى اليوم، ألم يكن الكاثوليك مُعتَبَرين كنيسة؟ بالطبع نعمالكنيسة الكاثوليكية كانت دائماً مُعتَبرة كنيسة حقيقية. ما تشير إليه هو اقتراح قدّمه بعض المحافظين الذين لا يريدون أن تكون الكنائس على نفس المستوى. لكني أعتقد أن لا حظّ لأن يمرّ الاقتراح. هناك كثيرون غيرهم لا يوافقون على هذا التعديل.” [79]

نرى إذاً أنه مباشرة بعد قرار المطارنة المُفتَرَض أنه اتُّخِذ بالإجماع حول التعديلات المقترحة، فإن ممثل كنيسة اليونان في اللقاءات التحضيرية للمجمع نأى بنفسه رسمياً عن الموقف الرسمي. إنه يَصِم زملاءه الأساقفة بأنهم محافظونويسارع إلى تطمين الجمهور الكاثوليكي بأن هذا الاقتراح لن يُقَرّ في كريت. إنه يحكم مسبقاً برفض اقتراح مطارنة كنيسة اليونان ويعلن ذلك.

الانقلاب على قرار المطارنة

كما توقعنا، لم تكن الأقنعة بطيئة بالسقوط وكشف الوجه الحقيقي للمطارنة في وفد كنيسة اليونان. بحسب شهادة الميتروبوليت ييروثيوس مطران نافباكتوس الذي كان عضواً في هذا الوفد، يوم الجمعة الماضي، عند مناقشة هذا النص [في كريت]، وصلت النقاشات إلى طريق مسدود عند المقطع السادس، حيث موضوع النقاش كان كيفية الإشارة إلى غير الأرثوذكسفي اجتماع خاص لوفدنا بعد ظهر اليوم نفسه، تقرر أن نلتزم قرار مطارنتنا حتى ولو قُدمت اقتراحات حلول بديلة، كمثل «تعترف الكنيسة الأرثوذكسية بوجود غير الأرثوذكس أو المسيحيين أو المسيحيين غير الأرثوذكس».” [80]

عاد وفد كنيسة اليونان إلى الاجتماع مجدداً يوم السبت صباحاً، حيث طرح رئيس الأساقفة تقديم اقتراح جديد، بأن الكنيسة الأرثوذكسية تقبل التسمية التاريخية للكنائس والطوائف الأخرى غير الأرثوذكسية.” [81]

بحسب المعلومات التي تمّ تسريبها لوسائل الإعلام، نشأ جدال دام طوال الليل بين مطارنة الكنائس الأرثوذكسية.” [82] في هذه العمليات الليلية، شارك الميتروبوليت غفرئيل مطران نيا يونيا والأستاذ فلاسيوس فيداس، وهناك قناعة واسعة بأنهما كاتبَي الاقتراح الجديد الذي انقلب على قرار المطارنة. تلا النقاش تصويت حيث قبل كل الحاضرين (من كنيسة اليونان) بالاقتراح الجديد باستثناء الميتروبوليت ييروثيوس، الذي رفض الاقتراح وقرر أن لا يوقّع على نص الوثيقة، ومن أجل الوحدة، قرر أن ينسحب من المناقشات التالية.” [83]

في النهاية، ما جرى في كريت كان عكساً كاملاً لقرار المطارنة في أيار 2016 في الجوهر كما في الروح، لأن همّ المطارنة في الموضوع برمّته كان صحّة اعتبار غير الأرثوذكس كنائس أو لا. بعد ساعات من النقاش الملأى بتبادل الاتهامات، توافقوا على أن كل الجمل التي تصف غير الأرثوذكس ككنائس سوف تُستَبدَل. بحسب الاقتراح القرار من كنيسة اليونان، هذه النصوص المرفوعة للتصديق في المجمع الكبير، حيثما تُستَعمَل كلمة «كنيسة» للإشارة إلى الكاثوليك أو البروتستانت، سوف تُستَبدَل بعبارات «طائفة» أو «جماعة مسيحية».” [84]

بالواقع، وافق المطارنة على دعم هذا الاقتراح بقوة ودون تنازلات. “فلنبقَ وحيدين. الدعاة الوحيدين للأرثوذكسية. المفسرين الأصيلين،” [85] صرّح مطران آلايا، وهو أحد المحركين الرئيسيين للقضية بين المطارنة، معطياً قوة الدفع لهذا القرار. إن الهدف والالتزام اللذان باتفاقهم قدمهما المطارنة لرئيس الأساقفة والأساقفة الآخرين من أعضاء الوفد، كان واضحاً: عدم السماح لعبارة كنيسةبالإشارة إلى غير الأرثوذكس.

لقد مضى رئيس الأساقفة وأعضاء الوفد بانتهاك قذر للتفويض المُعطى لهم. لقد تصرّفوا بطريقة معاكسة كلياً للمجمعية، متخطّين السلطة المعطاة لهم من أعلى هيئة في كنيستهم، أي المطارنة في مجمع. وهذا الاتفاق الخاص لم يتضمّن أي احتياط لإمكانية تغيير الاقتراح. وها الميتروبوليت إغناطيوس مطران ديميترياس يعتبر الإطاحة بالمجمعية وانتهاك كل نظام ومبدأ التمثيل الديموقراطي مظهراً للوحدة! بحسب الميتروبوليت: “كنيسة اليونان، مع غبطة رئيس أساقفة أثينا وكل اليونان ييرونيموس، أثبتت قدرتها على التقدّم واحدةً، للتوفيق بين وجهات نظر أولئك المختلفين، وللمساهمة في توضيح وسلطة صياغة رسالة الأرثوذكسية.” [86]

فهذا المطران نفسه، في مقال في جريدة كاثيميريني قبل مجمعكريت ببعض الأيام، كتب من بين جملة أمور أنّ “… القرارات سوف تؤخذ بحسب ما يشير تقليدنا: «حَسُن للروح القدس ولنا». فالحاضرون يأخذون القرارات.” [87] هذا بيان قابل للعديد من التفسيرات ويثير عدداً من الأسئلة. هل كان قرار المطارنة في أيار 2016 “بحسب ما يشير تقليدنا؟ هل انتُهِكت الاقتراحات في كريت بالروح القدس؟

وأخيراً، إذا كان الحاضرون يأخذون القرارات” (أي الحاضرون في كريت) كما يفترض المطران إغناطيوس، فما قيمة قرارات المطارنة؟ ألم يمثّل الوفد في كريت المطارنة؟ ألم يمثّلوا الأساقفة الآخرين؟ ألدينا فرز وتقسيم للأساقفة إلى نوعين، الذين يقررون والذين يقبلون القرارات؟ رئيس الاساقفة ييرونيموس أجاب على التحدي الذي قدمه له رئيس أساقفة قبرص بالإشارة إلى أن في اليونان مجمعنا مؤلّف من ثمانين مطراناً.” [88]

على ضوء هذا الكلام، فإن اجتماع المطارنة القادم في تشرين الثاني في غاية الأهمية، إذ سوف نعلم كلنا كيف سوف يتعامل المطارنة مع الانقلاب على قرارهم. ماذا سوف يعملون؟ هل سوف يستمرون بالتعامي والتصرف من دون اهتمام؟ هل سوف يقبلون انقلاب هذه الأقلية الأسقفية التي بشكل منظم وممنهج ولسنوات تفرض أفكارها المسكونية وتحتلّ المراكز الاستراتيجية في اللجان المجمعية في الحوار مع غير الأرثوذكس؟ هل سوف يستمرون في المشاركة في المسؤولية والذنب عن الجرائم التي تُرتَكَب ضد إيماننا الطاهر؟

6. تقييم

إن مجمعكريت لم يفشل في إظهار وحدة الأرثوذكسيين وإثباتها وحسب، كما ادُّعي أنه سوف يكون، بل على العكس أدخل الأرثوذكسيين في تجربة مؤلِمة. بدلاً من تعدين الوحدة، زاد الانقسامات والمعارضات والتنافسات والعداوات. ألعاب الرؤساء السياسية، حتّى من دون أن تؤدّي إلى أي انتصار واضح، سببت ضرراً مدمّراً في الكنيسة الأرثوذكسية، مما يؤدّي بها إلى دوامة داخلية مكثّفة وعواقب غير متوقعة. إن غياب أربع بطريركيات تمثّل أكثر من نصف الأرثوذكسيين في كل أنحاء العالم، ألحقت جرحاً قاتلاً بصورة الوحدة وبالمجمع بشكل عام.

لاحظ المحلل فيكتور غايتن أنّ من خلال رفضها المشاركة في المجمع، الكنيسة الأرثوذكسية الروسيةأحبطت حلم البطريرك المسكوني برثلماوس بإبراز الوحدة الأرثوذكسية العالمية.” وهكذا تركت أسئلة أكثر من الإجابات…” [89]

إن السؤال المفهوم ذا الأهمية القصوى والذي نشأ عن هذه الأحداث وقد طرحه الأغلبية الساحقة من المعلقين إذ راقبوا مجمعكريت وحللوه، هو هذا: لماذا أظهر البطريرك المسكوني برثلماوس كلّ هذا الإصرار على تحقيق هذا المجمع؟ لماذا أصرّ على عقد هذا المجمع” – كمحاكاة ساخرة للمجمع، مع اشتراك قلة صغيرة من المطارنة الذين بالكاد يشكّلون الجزء الأصغر من الجسم الأسقفي، وأغلبهم حُرموا من حقهم بالتصويت وأهملوا كلياً جسد الكنيسة، المؤمنين الأرثوذكسيين؟

لماذا أصرّ البطريرك برثلماوس بهذا القدر بأن يتحقق المجمع كمهزلة، حيث رفض البعض أن يأتي، والبعض عبّر عن تحفظات جديّة، بينما آخرون رفضوا قبول أو توقيع الوثائق التي تمّ الاتفاق عليها، فوقّع غيرهم عنهم كما هي حال رئيس أساقفة قبرص الذي وقّع نيابة عن مطارنة قبرص الذين رفضوا التوقيع؟ من الطبيعي أنّ هذا جرى من دون موافقتهم، ما يسقِط كل مبادئ التعبير والتمثيل الديموقراطيين، حتّى بالمعنى الدنيوي المحض.

لماذا أصرّ البطريرك برثلماوس على عقد هذا المجمعالذي سوّد صورة الكنيسة الأرثوذكسية، مرسلاً إلى العالم رسائل ملتبسة، مما يضعف في نهاية المطاف تماسك الكنائس الأرثوذكسية من خلال تأثيره السلبي؟

وفي الختام، لماذا فضّل البطريرك أن يعاني من هزيمة استراتيجية؟ لماذا قبِل بعلاقات عامة انتحارية فيها مخاطرة بانهيار التصميم الكبير الذي كان يعمل له قرابة نصف قرن لتنظيمه وتنفيذه؟

الجواب، بعد كل ما أوردنا، بديهي. أهداف المجمعكانت مختلفة، وهي ما وصفناه بالتفصيل وقد تمّ التحضير لتحقيقها بتأنٍّ وحيلة ومَكر، خلال قرن كامل وبخاصة في الخمسين سنة الأخيرة: إنّه الاعتراف بأنّ الهرطقات كنائس، تسريع العملية التي سوف تقود إلى وحدة الكنائسالنهائية وإلى الكأس المشتركة، وهذه تمّ تقريرها، ورفع البطريرك المسكوني كأول من غير مساوٍ في الأرثوذكسية.

إلى هذا، كما تمّ برهانه، كل شيء كان ذا أهمية ثانوية أمام إنجاز الأهداف الاستراتيجية الأساسية لدى المسكونيين. على المنوال عينه، تقليد آباء الكنيسة القديسين واللاهوت الأرثوذكسي، الموحى به من الروح القدس نفسه، اعتُبِر ذا أهمية ثانوية وأُهمِل ورُفِض. تمّ تجاهل عدد من المجامع المسكونية وديس عليها، المجامع التي شجبت بشكل لا لبس فيه الأوهام الهرطوقية المختلفة التي حتى يومنا هذا يعترف بها البابويون والبروتستانت على السواء. وفي كريت، بُرِّئت هذه الأوهام عندما اعترف المجمعبأن الطوائف غير الأرثوذكسية هي كنائس“. لهذا السبب، لاحظ الميتروبولت ييروثيوس وبشكل دقيق جداً: “إن تحييد لاهوت الكنيسة المعبّر عنه من خلال قديسيها، من أجل إيجاد بعض النقاط المشتركة مع المسيحية الغربية، هو خيانة للإيمان. لا أستطيع العثور على توصيف أكثر اعتدالاً.” [90]

هنا سوف نورِد فقط بعض المجامع التي ديسَت في مجمعكريت:

1. المجمع المسكوني الثاني (381) الذي حرّم إضافة أو نزع أي شيء من دستور الإيمان. كل المجامع اللاحقة كررت هذا الحرم.

2. المجمع المسكوني الثامن (879-880) برئاسة القديس فوتيوس الكبير الذي أدان علناً هرطقتي انبثاق الروح القدس وعصمة البابا.

3. المجمع المسكوني التاسع (1341-1351) الذي أدان الأوهام البابوية عن النعمة المخلوقة وقوى الله.

4. مجمع لاتران المحلي (649) ومعه كل مجامع القسطنطينية المحلية في 867، 1009، 1054، 1089، 1170، 1273، 1282، 1484، 1642، 1722، 1727، 1838 و1895.

5. مجامع نيمفايون في 1324 وروسيا في 1441 وأورشليم في 1443.

6. وجواب بطاركة الشرق إلى البابا بيوس التاسع في 1848 واللقاء الأرثوذكسي الشامل في موسكو في 1948.

من المعبّر أيضاً أنه لا يوجد واحد من قديسي كنيستنا لم يُدِن البابوية. ما من أبٍ أو شيخ أو معاصر منذ الأزمنة القديمة إلى القديس باييسيوس الأثوسي في أيامنا ولم يُدِن أوهام البابويين. إنهم يشكّلون اتفاق رأي بالإجماع على رفض وإدانة مبادئ البابوية. إن مجمعكريت انتهك وداس بوحشية كل القرارات المجمعية للكنيسة والآباء على مر العصور.

د. الخاتمة

إن مجمعكريت انتهك الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية، وكسر المجمعية، وداس بوحشية على قرارات المجامع المسكونية والمحلية، كما تجاهل ورفض تقليد آباء الكنيسة القديسين والروح اللاهوت الأرثوذكسية الموحى بها.

لهذا السبب أيضاً، هذا المجلسباطل وقراراته لا سلطة ملزِمة لها على المؤمنين. ولهذا السبب، ضمير مؤمني الكنيسة اليقظ رفض قبول أعمال هذا المجمع“. لقد أبطل هذه الأعمال بالممارسة. من الأكيد أن في المستقبل، سوف يأتي مجمع شامل للأرثوذكس فعلياً يدين كل آراء هذا المجمعغير الأرثوذكسية ويحيي الحقيقة. هذا المجمعهو بالفعل غير موجود في وعي المؤمنين للكنيسة لأنه يتعارض بشكل صارخ مع وحدة الكنيسة الحيّة في الروح القدس. هذه الوحدة تترك عمليات الشرير ورفاقه عاجزة في نهاية المطاف. هذه الوحدة تحبط خطط المسكونيين ومخططاتهم.

إن الذين ألهموا ونظموا هذا المجمعسوف يتابعون عملهم الشيطاني من أجل تحقيق هدفهم النهائي وهو الاتحاد في الكأس المشترك، وفي نهاية المطاف الاعتراف بوحدة جميع الأديان وطبيعتها الخلاصية (“الدين الشامل“). لهذا السبب لا ينبغي أن يصاب المؤمنون بالجمود، عدم اليقظة، الرضا عن النفس، الخوف أو الجبن في أي حال من الأحوال. إن الشجاعة وعقلية المعترفين مطلوبة، الشجاعة، الرجولة الروحية، اليقظة، الحركة، المعلومات، والاعتراضات كمثل ما نقوم به اليوم، حتى نحصّن أرضنا قبل الانقضاض المسكوني ونكبح أعمالهم الخبيثة. يجب أن نتجمّع منسّقين ومبادرين لإعلام أساقفتنا وكهنتنا ورهباننا ولاهوتيينا وكل مؤمني الكنيسة بأن لنا الحق، وليس فقط الحق، بل واجب إطاعة” [91] قرارات المجامع.

إن المؤمنين الذين ما زالوا ساهرين بضميرهم الكنسي يبقون، والحمد لله، ثابتين في الكنيسة إلى جانب المسيح كمنتصرين عبر الأجيال. المسيح، من خلال الكنيسة، خَرَجَ غَالِبًا وَلِكَيْ يَغْلِبَ.” [92] إن الذين ألهموا ونظموا مجمعكريت ومعهم الذين ساهموا بتفكيك وحدة الكنيسة يجب أن يعرفوا أن صَعْبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ.” [93]

لنبقَ بالتالي جميعاً راسخين وثابتين في المسيح. فلنضع أمامه عذابنا وقلقنا بسبب ما يجري داخل كنيسته. فلنكثّف صلاتنا وتوبتنا، وعملنا النسكي، وتقشفنا، والتزامنا بوصاياه في حياتنا حتّى نصير مشاركين في نعمته ورحمته، وحت تُشفى ضعفاتنا ونعوّض عن سقطاتنا.

في النهاية، لقد برهن المجمع الكبير العظيمالموصوف كثيراً والمُروّج له كثيراً بأنه جهد مخفق آخر انتهى إلى هزيمة مدمرة أخرى لملهميه المسكونيين. من الأكيد أن مجمعكريت هو الآن في وعي مؤمني الكنيسة حدثاً لم يكن7.

* * *

الحواشي

[1] أنظر النص المأخوذ من رسالة بطاركة الشرق الأربعة (1848): “إلى هذا، لا البطاركة ولا المجامع بمقدورها إدخال أي تجديدات بيننا، لأن حامي الدين هو جسم الكنيسة نفسها، الشعب أنفسهم، الذين يشتهون بأن تكون عبادتهم الدينية دائماً ثابتة ومن نفس طبيعة إيمان آبائهم…”

[2] St. Theodore the Studite, Epistle 81, Philokalia 18G, p. 77 (Greek)

[3] Arch. George Kapsanis, Abbot of Holy Monastery of Grigoriou on Mt. Athos, Interview in Orthodoxos Typos, 14 March 1997. (Greek)

[4] Text “Relations of the Orthodox Church with the Rest of the Christian World,” article 22. Found online at the official Holy Synod website: << https://www.holycouncil.org/-/rest-of-christian-world?_101_INSTANCE_VA0WE2pZ4Y0I_languageId=en_US>>

[5] Demetrios Tselengidis, “Observations on the Text Prepared For the Pan-Orthodox Council: ‘Relations of the Orthodox Church with the Rest of the Christian World.’” Found online at Pravoslavie.ru << http://www.pravoslavie.ru/english/90489.htm>>

[6] Demetrios Tselengidis, Letter to the Synod of the Church of Greece, 30/8/2016 (Greek)

[7] Fr. George Florovsky, Themes in Orthodoxy Theology, publ. Artos Zoes, Athens 1989, p. 207 (Greek)

[8] Fr. George Florovsky, ibid.

[9] Metropolitan Hierotheos of Nafpaktos, Anatolika, vol. 1, publ. Holy Monastery of the Nativity of the Theotokos (Pelagia), 1993, p. 94

[10] St. John Chrysostom, Homily 34 on Hebrews 13:17. Translated by Frederic Gardiner. From Nicene and Post-Nicene Fathers, First Series, Vol. 14. Edited by Philip Schaff. (Buffalo, NY: Christian Literature Publishing Co., 1889.) Revised and edited for New Advent by Kevin Knight.

[11] St. John Chrysostom, On the Ascension of our Lord Jesus Christ , PG 52,784

[12] Arch. George Kapsanis, Pastoral Service According to the Holy Canons , Piraeus 1976, p. 110-112 (Greek)

[13] Metropolitan Hierotheos of Nafpaktos, “Why I didn’t sign the text ‘Relations of the Orthodox Church with the Rest of the Christian World’” Found online at <http://www.pravoslavie.ru/english/94945.htm>

[14] Petros Basileiadis, “The ministry of the Ecumenical Patriarch in the Orthodox Church” <http://www.amen.gr/article/i-diakonia-tou-oikoumenikou-patriarxi-stin-orthodoksi-ekklisia> (Greek)

[15] http://aktines.blogspot.gr/2016/07/blog-post_353.html (Greek)

[16] Matt. 21:44-45

[17] http://aktines.blogspot.gr/2016/07/blog-post_353.html (Greek)

[18] Announcement of the Diocese of Piraeus, March 2, 2016.

[19] Commentary concerning Ecumenism, Holy Monastery of the Paraclete, Oropos Attikes, 2004 (Greek)

[20] St. Justin Popovich, “Humanistic Ecumenism” in Orthodox Faith and Life in Christ, by Father Justin Popovich, trans. by Asterios Gerostergios (Belmont, MA: Institute for Byzantine and Modern Greek Studies, 1994), p. 169. Found online at << http://orthodoxinfo.com/inquirers/papism.aspx>>

[21] Protopresbyter George Metallinos, “The Ecumenical Patriarchate and Ecumenism,” The Acts of the Pan-Orthodox Academic Conference: Ecumenism, Origins-Expectations-Disenchantment, Vol. 1, publ. Theodromia, Thessaloniki 2008, pp. 237-238. (Greek)

[22] Original Greek found in Ioannis Karmires, Ta Dogmatika kai Symvolika Mnemeia tes Orthodoxou Katholikes Ekklesias, vol. 2, Athens 1953, p.957. English translation available here from the Orthodox Peace Fellowship: <>

[23] Original Greek found in Ioannis Karmires, Ta Dogmatika kai Symvolika Mnemeia tes Orthodoxou Katholikes Ekklesias, vol. 2, Athens 1953, p. 958-959. English translation available here from the Orthodox Peace Fellowship: <>

[24] Episkepsis, issue 698, 31/3/2009, p. 25 (Greek)

[25] Metropolitan Hierotheos of Nafpaktos, “Observations concerning the Holy and Great Synod” at the Synod of the Hierarchy of the Church of Greece.” <http://www.parembasis.gr/index.php/el/menu-teyxos-236/4447-2016-03-18> (Greek)

[26] Metropolitan Hierotheos of Nafpaktos, “A little bit after the ‘Holy and Great Synod’”, <<http://www.parembasis.gr/index.php/el/menu-teyxos-240/4566-2016-07-09-ligo-meta-amsoe>(Greek)

[27] Giorgos Papathanasopoulou, “Infectious Germ Papal Primacy” <http://aktines.blogspot.gr/2014/11/blog-post_899.html> (Greek)

[28] Chrysostomos II, Archbishop of Athens and All Greece, Proceedings from 15/7/1963 to 15/7/1964, pp. 18-19 (Greek)

[29] Ibid. pp.19-20

[30] D. Tsakonas, Athenagoras: The Ecumenism of New Ideas , Athens 1976, p. 93 (Greek)

[31] Ibid., p. 95

[32] Ibid., p. 95

[33] State of Archbishop Chrysostomos of Athens, newspaper. Orthodoxos Typos, November 1965

[34] The Address of Athenagoras, Protopresbyter G. Metallinos, Professor of the University of Athens, “The Dialogues Unmasked” [reproduced from the periodical Parakathiki], p. 4 (Greek)

[35] Protopresbyter G. Metallinos, ibid. p. 4

[36] Statement of Archbishop Chrysostomos of Athens in Orthodoxos Typos, November 1965 (Greek)

[37] The original texts are published in the Tomos Agapis (Book of Love). Vatican-Phanar (1958-1970 ), Rome-Istanbul 1971, pp. 288-289

[38] Fr. John Romanides, Orthodox and Vatican Agreement Concerning the Unia

<http://www.romanity.org/htm/-rom.e.14.orthodoxi_kai_vatikania_sumfonia_peri_ounias.01.htm>

Available in English here <http://www.romanity.org/htm/rom.13.en.orthodox_and_vatican_agreement.htm> [Trans. the translation does not seem to match the Greek text, and thus has been translated anew here.]

[39] Ant. Papadopoulou, Theological Dialogue between Orthodox and Roman Catholics (History-Texts-Problems) , publ. Kyraikides fraternity, Thessaloniki-Athens 1996, p. 40 (Greek)

[40] The Address of Athenagoras, Protopresbyter G. Metallinos, p. 5

[41] Grigorios Larntzakis, “The new form of communication between Rome and Constantinople-Pope of Rome and Ecumenical Patriarch. Continuities or discontinuities?” http://blogs.auth.gr/moschosg/

[42] D. Tsakonas, Athenagoras: The Ecumenism of New Ideas , p. 95

[43] “Council coming for Orthodox, » interview by Desmond O’ Grady, The National Catholic Reporter, in the January 21, 1977 edition.

[44] See Fr. Peter Heers, “The Recognition of the Baptism of the Heterodox As the Basis for a New Ecclesiology (In Step with Vatican II)” < http://www.pravoslavie.ru/english/92066.htm>

[45] The election of the Pope John XXIII as reported in Kathimerini http://www.kathimerini.gr/806488/article/epikairothta/kosmos/h-eklogh-toy-papa-iwannh-23oy (Greek)

[46] Ibid.

[47] See paragraph 3 of the Decree on Ecumenism <http://www.vatican.va/archive/hist_councils/ii_vatican_council/documents/vat-ii_decree_19641121_unitatis-redintegratio_en.html>

[48] Fr. Peter Heers, ibid.

[49] Fr. Peter Heers, ibid.

[50] Text 9 of the General Convention of the WCC in Porto Algere, February 2006. p. 257 

< https://www.oikoumene.org/en/resources/documents/assembly/2006-porto-alegre/official-report-of-the-wcc-9th-assembly>

[51] Decree on Ecumenism. http://www.vatican.va/archive/hist_councils/ii_vatican_council/documents/vat-ii_decree_19641121_unitatis-redintegratio_en.html

[52] Archbishop Anastasios of Albania, “The Relationship of the Orthodox with Other Christians” <http://panorthodoxcemes.blogspot.gr/2016/06/2007.html> (Greek)

[53] Decree on Ecumenism, para. 7 < http://www.vatican.va/archive/hist_councils/ii_vatican_council/documents/vat-ii_decree_19641121_unitatis-redintegratio_en.html>

[54] Ibid, p. 11.

[55] Archbishop Ieronymos, Epistle to the Hierarchs of the Church of Greece regarding the Great Council, 755, 16/2/2016 (Greek)

[56] Metropolitan Chrysostomos of Messinias, “The Orthodox Church and the ‘others’” Introduction to the Day Conference of the Synodal Committal of Divine Worship and Pastoral Care, Pentele, 4/6/2010 (Greek)

[57] Synod Text, “Relations of the Orthodox Church with the Rest of the Christian World,” https://www.holycouncil.org/-/rest-of-christian-world

[58] Metropolitan Chrysostomos of Messinias, “The relations of the Orthodox Church to the rest of the Christian churches and confessions on the basis of Pan-Orthodox decisions,” (Greek)http://blogs.auth.gr/moschosg/2015/12/08

[59] Kyrillos of Avydos, “I Trust the Church.” (Greek)

[60] Stylianos Tsompanidis, ”The Orthodox Church and the Ecumenical Movement: An ecclesiological approach on the way to the Holy and Great Synod” <http://blogs.auth.gr/moschosg/2015/12/17> (Greek)

[61] Bishop Makarios of Christoupoli, Interview with the reporter Nikos Panagiotopoulos, <http://flashnews.gr/post/272241/apokleistikh-synenteyksh-toy-ep-xristoypolews-sto-flashnews-meros-a> (Greek)

[62] Archbishop Anastasios of Albania, Opening Session of the Holy and Great Council, 19 June 2016, < https://www.holycouncil.org/-/opening-archbishop-anastasios> (Greek)

[63] Archbishop Chrysostomos of Cyprus, Opening Session of the Holy and Great Council, 19 June 2016, < https://www.holycouncil.org/-/opening-archbishop-chrysostomos> (Greek)

[64] Giorgos Vlantis, “Fear before the Spirit, The Holy and Great Council and the Fundamentalists,” <http://fanarion.blogspot.gr/2016/06/blog-post_78.html> (Greek)

[65] <http://www.romfea.gr/katigories/10-apopseis/6311-i-ixiri-apantisi-tis-athinas-sto-fanari> (Greek)

[66] Orthodoxos Typos, 1064, 25/2/1994

[67] Letter of the Holy Community of the Holy Mountain, 12/25 May 2016. Translation available here < http://www.pravoslavie.ru/english/93943.htm>

[68] Orthodoxos Typos, issue 426, 10/10/1980

[69] Ibid. issue 440, 16/1/1981

[70] Ibid. issue 772, 15/1/1988

[71] Ibid. issue 1067, 18/3/1994 Ibid. issue 1154 22/12/1995

[72] Ibid. issue 1154 22/12/1995

[73] Interview with reporter Gorgos Tragas on the show “Without an aesthetic”  https://www.youtube.com/watch?v=2Sg6uZnPtFw (Greek)

[74] Announcement of the Holy Synod of the Church of Greece, 16/10/2009 <http://www.ecclesia.gr/greek/holysynod/anakoinothenta.asp?id=1120&what_sub=announce> (Greek)

[75] Metropolitan Hierotheos of Nafpaktos http://www.parembasis.gr/images/anakoinoseis/2016/NAYPAKTOY_DIS_PARATHRHSEIS_M_SYNODO-MAR2016.pdf (Greek)

[76] Ibid.

[77] <http://www.ecclesia.gr/epikairotita/main_epikairotita_next.asp?id=1819>

[78] “Regulations, Organization and Operation of the Holy and Great Synod of the Orthodox Church”

< https://www.holycouncil.org/-/procedures?_101_INSTANCE_VA0WE2pZ4Y0I_languageId=en_US>

[79] Interview with Metropolitan Chrysostomos Messinias (English) 

< http://www.lastampa.it/2016/06/07/vaticaninsider/eng/inquiries-and-interviews/the-panorthodox-council-is-an-historic-event-no-one-must-be-absent-WTlAVSXZ3omyacCGvpoJiO/pagina.html>

[80] Metropolitan Hierotheos of Nafpaktos, “Why I didn’t sign the text ‘Relations of the Orthodox Church with the Rest of the Christian World’” < http://www.pravoslavie.ru/english/94945.htm>

[81] Ibid.

[82] Maria Antoniadou, “The background of the Synod which exiled the Catholics”

http://www.tovima.gr/society/article/?aid=803331 (Greek)

[83] Met. Hierotheos, ibid.

[84] Antoniadou, ibid.

[85] Antoniadou, ibid.

[86] Metropolitan Ignatius of Demetrias, “The Synod of Orthodoxy is the beginning” 

http://www.tovima.gr/opinions/article/?aid=812280 (Greek)

[87] Metropolitan Ignatius of Demetrias, “The Pan-Orthodox Synod” (Greek) 

http://www.kathimerini.gr/863416/opinion/epikairothta/politikh/h-panor8odo3os-synodos

[88] http://orthodoxia.info/news/(Greece)

[89] Victor Gaetan, Pan-Orthodox Council: Russian Absence Saves Ecumenical Patriarchate’s Status — for now, http://www.ncregister.com/daily-news/pan-orthodox-…

[90] Metropolitan Hierotheos Vlachos, “Just before the great and holy council, “ <<http://www.pravoslavie.ru/english/94354.htm>>

[91] Fr. George Florovsky, Themes in Orthodoxy Theology, publ. Artos Zoes, Athens 1989, p. 207 (Greek)

[92] Revelation 6:2

[93] Acts 26:14

حواشي المترجم

1 للأسف هذا المنطق يأخذ أحياناً صفة الطاعة فتتحوّل الكنيسة الأرثوذكسية إلى ممارسة العصمة البابوية ليس فقط على مستوى البابا الذي لا تملكه بل أيضاً على مستوى الأساقفة ما يعطّل مجمعية الكنيسة ويساهم في تحكّم الأهوائية والمزاجية خاصةً في ظل عدم الالتزام بقوانين الكنيسة بحجة التدبير .

2 الواقع أنه لو كان فعلاً الأميركيون مهتمّون بتقوية الكنيسة الأرثوذكسية بحدّ ذاتها، أو المسيحيين بشكل عام، لكانوا مارسوا بعض الضغط على تركيا لوضع حد لاضطهاد المسيحيين فيها، وتحديداً الفنار وساكنيه.

3 هذا المنطق نفسه استعمله الفاتيكان، ومن بعده بطريرك الروم الكاثوليك في بلادنا، لتبرير أن اليهود الحاليين لم يقتلوا المسيح، وبالتالي هم مبررون من دمه بالرغم من موقف آبائهم.

4 هذا الكلام المُطبَّق في كل الكنائس، حتّى ولو لم يكن كلاماً معلَناً أو مكتوباً، إنّما هو دليل على وجود محرّك خلف كل هذه التغيرات يفرض خطته على الكنيسة. قد يرى البعض أن هذا الكلام نابع من اعتقاد بنظرية المؤامرة من دون أن يثبتوا عكس ذلك. هذا من ضمن ما يُمارَس اليوم

5 كلام واضح لا لبس فيه ويلتقي فعلياً مع ما ورد في رسالة المجمع الأنطاكي بأن من الأسباب المهمة التي جعلت أنطاكية تقاطع كريت هو عدم التطرق إلى موضوع التقويم، وواضح أن موضوع التقويم يعني بالدرجة الأولى توحيد العيد. أحياناً يختلف بعض الشعب الأنطاكي مع بعضه البعض حول هذا الموضوع. لماذا لا يصارح المجمع الشعب بما يرغب هو به؟

6 أليست قضية قطر وخطف المطرانيين الحلبيين جزءً من هذا الضغط؟

7 أهمّ ما في هذه الورقة، إلى تسلسل الأحداث وما يستفيد القارئ العربي من مطابقتها مع أحداث عندنا، هو في أنها تظهِر كيف تكون الكنيسة الحية حيث يكون ممكناً التعبير عن الرأي الآخر ومقارعته. هذا دليل على أن الهدوء في الرعية ليس بالضرورة دليل صحة بل قد يكون دليل مرض.

الرومية والتأليف النيوآبائي عند فلوروفسكي

الرومية والتأليف النيوآبائي عند فلوروفسكي

المتقدم في الكهنة جورج دراغاس

الكنيسة الأرثوذكسية اليوم هي الوريث الحقيقي للرومية، طالما هي تبقى شركة واحدة غير منقسمة عابرة للأمم وتشكّل حضوراً حيّاً في الواقع المحيط بها في العالم المعاصر.

معلمي العظيم الأب جورج فلوروفسكي، روسي الجنسية بالولادة، يشدد في محاضراته على أننا: “كمسيحيين أرثوذكسيين نحن جميعنا روم. لا روماً بالمعنى القديم الكلاسيكي، بل روماً أرثوذكسيين، أي في الهلينية التي عمّدها الرسل والآباء للمسيح، باسم الآب والابن والروح القدس، والتي صارت الأساس المسكوني للكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية، التي تضمّ شعوباً كثيرة وتمكِّن العالم كلّه“. إنه يعني الرومية بالطبع.

في أحد دروسه في جامعة برنستون، قال الأستاذ الحكيم، بجدية بالغة، ما يلي: “إن لم يصر الروس والأميركيون روماً، فلن يخلصوا، لا هم ولا العالم، ومتوجّهاً إليّ أضاف: “أنت تفهم ما أعني؛ إن لم يصيروا روماً أرثوذكسيين“.

اليوم في الشتات يدور نقاش كبير في الدوائر اللاهوتية حول ما عناه فلوروفسكي، عندما تحدّث عن الحاجة المعاصرة لتأليف (الجمع بين الطريحة والنقيضة) نيوآبائي (neopatristic synthesis)… أعتقد أن التأليف النيوآبائي للدائم الذكر الأب فلوروفسكي يشير إلى إعادة التنظيم الروحية الثقافية للرومية الأرثوذكسية الموسّعة، التي ينبغي أن تستمر عابرة للأمم وكونية وتضمّ كل الشعب الأرثوذكسي والشتات الأرثوذكسي الموزّع في كل العالم. إن الأساس لهذه الرومية الموسّعة يجب أن يستمر في كونه الكنيسة الأرثوذكسية للرومية التاريخية، البطريركيات الكبرى والقديمة في الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية وإرثها المشترك الأرثوذكسي. إلى هذا، هذا تحدٍ للمجمع الكبير المقدس الذي تعود التحضيرات له مجدداً إلى المشهد التاريخي.

“Ρωμηοσύνη, Ἀπόδημος Ἑλληνισμός, Πρεσβυγενῆ Πατριαρχεῖα” (الرومية، الهلينية في المهاجر، والبطريكيات القديمة) Αθήνα, Μάιος 2009

الكنيسة والعمل السياسي بحسب فلوروفسكي

الكنيسة والعمل السياسي بحسب فلوروفسكي

الأب أنطوان ملكي

يمكن إيجاد معنى الإكليسيولوجيا عند فلوروفسكي في آخر مقالة يوراسية كتبها في 1923 وعنوانها العهدان“. في هذه المقالة تخلّى عن التحليل الفلسفي الثقافي متوجهاً نحو التأمّل الإكليسيولوجي الفعلي مشدداً على أنّه لا الآباء ولا المجامع يعطوننا تحديداً كاملاً للكنيسة، لأن خبرة الكنيسة أوسع وأعمق من العقيدة المحددة. الكنيسة هي خليقة جديدة وحقيقة أخروية.

الاعتراف بالإيمان بالكنيسة هو الاعتراف بهذه الخليقة الجديدة غير المنظورة غير المنفصلة عن الكنيسة المنظورة. فالكنيسة المنظورة ومن ضمنها الرئاسات والأسرار هي الإعلان التاريخي لكنيسة اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ“.

يتميّز هذا الإعلان بالوحدة في الحرية والمحبة. يقارن فلوروفسكي بين مثالين من الوحدة التاريخية: الأول هو وحدة الروح وميزته الجرأة الحرّة الشخصية البطولية. والثاني هو محاولة خلق منظمة خالية من الخطأ بشكل سحري تلتزم خارجياً معياراً مجرداً صالحاً عالمياً. تقف وحدة الجنس البشري في الكنيسة في وجه كل البرامج السياسية الكبيرة التي ترنو إلى التغيير الإنساني، التي ما هي سوى خديعة فارغة بمكونات هذا العالم وليست للمسيح.

بالنسبة لفلوروفسكي، إن ترجمة الوحدة المسيحية إلى منظمات سياسية مثل أخوية الشعوبوالسلام الدائم، ليست سوى وهم مروّع وطوباوية غرّقا رجاء الحياة الأبدية وأظهرا بشكل أساسي الطبيعة الدهرية للمثال الديني الاجتماعي. فأهداف هذه المنظمات ما هي إلا محاولات لتنظيم ملكوت الله على الأرض واستباق وقتي لليوم حين سوف يكون الله الكل في الكل. هنا الإسخاتولوجيا تُختَزَل في أنها مرحلة طبيعية من مراحل منطق التطور في التاريخ وتصغير الرجاء المسيحي إلى دائرة العالم المنظور المحدّد بانتظار التحوّل الشامل في المجتمع.

في المقابل يشير فلوروفسكي: “إن الرجاء المسيحي موجّه بالكامل نحو المجيء الثاني“. لا يمكن نشر الإنجيل كقانون لتنظيم المجتمع المثالي. تظهر صورة الله في الشخص وليس في الدولة، دون أن يعني هذا اللامبالاة أو عدم الفعالية في العالم. فالرجاء المسيحي يُعبَّر عنه في محبة القريب، لا كفعل شخصي بل كعمل عام أيضاً. يستلهم الأب فلوروفسكي مثالين هما القديسة يوليانا من دير لازارافو والقديس تيخن الزادونسكي معتبراً إياهما حملة الثقافة الدينية التي هي الشكل الوحيد لحكم الله. فهذه مهمة معيارية من الابداع الشخصي وليست نظاماً تمّ فرضه. الكنيسة الرسولية تتصرّف كمثال لمحبة الأعداء واللطف لا الاضطهاد. هذا ما يميّز الروح الكنسية الأصيلة عن برامج الاستبداد الدينيالسياسي. لكن هذه المحبة تختلف عن محبة الكائنات الحية الطبيعية، إنّها ثمرة الروح التي تشكّل الكائن الإلهي – البشري. وهي ليست طوباوية إذ بترجّي المجيء الثاني اعتراف حادّ بالشر.

تعرف الكنيسة أن أبناءها لا يتصارعون مع لحم بل مع رئاسات وسلاطين لا تستطيع أن تتخيّل الله الكلّ في الكلّ قبل الدينونة. هناك أب حقيقي للكذب سوف يتمّ طرده بشكل نهائي في الأيام الأخيرة، هو يُخرَج اليوم بالصلاة والصوم والأسرار ومحبة الآخرين من دون أنانية، إنها وحدة التضحية على الجلجلة. الكنيسة المنظورة هي بذرة مدينة الله التي تُشَيَّد في التاريخ من خلال الأسرار. يستنتج فلوروفسكي أنّ طريقة التدبير الإلهي لملكوت الله هو في الخدمة الأسرارية لا في السياسات المسيحية.

في كل هذا نجد فلوروفسكي مشيراً إلى الاختلاف بين الكنيسة والعالم، بين النعمة والطبيعة، وعلاقة النعمة بين الناس والله. إن رباطات الدم والثقافة العضوية يجب إلغاؤها وتحويل طبيعتها (transubstantiated) بولادة جديدة ضمن الكنيسة. عجز اللحم والدم عن ميراث الحياة الأبدية ينطبق أيضاً على الثقافة.

يرى فلوروفسكي الهرطقة البيلاجية في التشبيه الشعبي للكنيسة بالأمة، وفي مفهوم التطوّر الطبيعي للثقافة المسيحية. قد يكون لثقافة ما أصول مسيحية لكن يستحيل امتصاص المسيحية في مجرى الدم. إن كنسنة (churching) الثقافة هي أمر لا يتحقق بمبدأ طبيعي، وليس كل مكونات ما يسَمّى بالثقافة المسيحية سوف يكون في الملكوت، بل الكثير منه سوف يكون نصيبه الظلمة البرانية. فالكنيسة هي هدف التظر الاجتماعي ولكن هدف ليس من هذا العالم. فالتمييز بين اليوناني والإسكيثي قد أزيل في المعمودية بينما الاختلاف بين العالم المبارَك في الكنيسة والعالم خارج الكنيسة ما زال موجوداً.

إن فلوروفسكي، برفضه لهذه الغواية الأوراسية تشكّل لديه التمييز الحاسم بين العضويوالتاريخيوالذي طوّره لاحقاً في مقالة عنوانها التطور والتخلّق المتوالي (Epigenesis)” كتبها سنة 1930. إن هذا التمييز هو بداية تكوّن فكر فلوروفسكي الإكليسيولوجي حيث الكنيسة هي كيان إلهي إنساني مركزه المسيح وقادر على توليد الثقافة فقط عندما تتخطّى حقائق العِرق والأمة بأساسها الأسراري ومداها الكوني وتوجهها الأخروي نحو ملكوت الله. إن هذه الرؤية تقلقل كل مخططات الحتمية وتشجّع فلسفة للتاريخ فيها الثقافات تُخلَق بشكل مستمر من خلال النشاط الروحي الحرّ للأشخاص البشريين.

الهرطقة بحسب الأب يوحنا رومانيدس

الهرطقة بحسب الأب يوحنا رومانيدس

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

منذ تأسيس الكنيسة ظهرت هرطقات مختلفة وعالجتها الكنيسة بالشكل المناسب من خلال تقليدها المجمعي. الهرطقة يصوغها شخص واحد أو جماعة من الأشخاص، الذين يروجون لتعاليم مختلفة وهكذا ينشؤون مجموعات هرطوقية، تكون في البداية فاعلة ضمن الكنيسة وفي النهاية تترك الكنيسة وتصير فاعلة خارجها، إضافة إلى أنها تجاهد ضد الإيمان المعلَن.

تتضمّن عبارة هرطقةنظرة منحرفة عن تعليم الدين الرسمي، وتعليم الكنيسة. بتعبير آخر، إنها نوع آخر من التعليم. في رسالته إلى شيوخ أفسس، أشار الرسول بولس إلى الهراطقة الذين سوف ينشأون ضمن الكنيسة: “لأَنِّي أَعْلَمُ هذَا: أَنَّهُ بَعْدَ ذِهَابِي سَيَدْخُلُ بَيْنَكُمْ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ لاَ تُشْفِقُ عَلَى الرَّعِيَّةِ. وَمِنْكُمْ أَنْتُمْ سَيَقُومُ رِجَالٌ يَتَكَلَّمُونَ بِأُمُورٍ مُلْتَوِيَةٍ لِيَجْتَذِبُوا التَّلاَمِيذَ وَرَاءَهُمْ.” (أعمال 29:20-30).

كما يشير أيضاً الرسول بولس إلى الهرطقات التي انتشرت حتّى في كنيسة الفترة الأولى: “لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَكُمْ بِدَعٌ أَيْضًا، لِيَكُونَ الْمُزَكَّوْنَ ظَاهِرِينَ بَيْنَكُمْ.” (1كورنثوس 19:11). إن ظهور الهرطقات يجرّب المسيحيين ويمتحنهم لأنه يكشف ثباتهم.

في رسالة أخرى، يشير الرسول إلى وجوب مواجهة الهرطوقي: “اَلرَّجُلُ الْمُبْتَدِعُ بَعْدَ الإِنْذَارِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ، أَعْرِضْ عَنْهُ. عَالِمًا أَنَّ مِثْلَ هذَا قَدِ انْحَرَفَ، وَهُوَ يُخْطِئُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ.” (تيطس 10:3-11).

عالجت الكنيسة الأولى الهرطقات شخصياً كما مجمعياً. جابه الرسول بولس في رسائله الكثير من هذه التعاليم الأخرى، لكن الكنيسة نفسها عقدت مجمع الرسل في أورشليم لتعالج طريقة إدخال اليهود الراغبين بالمعمودية إلى الكنيسة (أعمال 6:15-29). هذا المجمع الرسولي الأول صار نموذجاً لكل المجامع التي تمّ عقدها لاحقاً في الكنيسة

الهرطقة، في علاقتها بالتعليم العقائدي للكنيسة الأرثوذكسية، هي بالعادة تعليم مختلف مجمّع ومُصاغ بعقائد أخرى. لكن، مع الأخذ بعين الاعتبار أن العقائد (أي التعاليم النظرية) مرتبطة بالحياة والممارسة، تكون الهرطقة مرتبطة بطريقة حياة الذين يبشرون بها. مثلاً، الرأي بأن الكلمة (Logos) هو خليقة الله الآب، يعني أن مَن يعلّم هكذا، لا يملك معرفة روحية حقيقية لله، لأنه لو كان بالحقيقة لاهوتياً، معايناً لله، لكان يعرف أن المسيح كإله هو غير مخلوق، لأن مجد الطبيعة الإلهية غير مخلوق. وعليه، إنه مجرّد متفلسف، منظّر، وليس معايناً لله.

الهرطقة عادةً تحدّ ذاتها بالتعليم النظري، والهرطوقي هو ذلك الذي ينحرف عن العقائد التي ثبتتها الكنيسة. مع ذلك، علينا أن نتفحّص الهرطقة من جهة بعدِها الداخلي؛ لأن، تماماً كما أن العقائد هي تعبير عن الإعلانات والالتزام بالعقائد يقود إلى الاختبار، كذلك الهرطقات هي انحرافات عن الإعلانات وفي الوقت عينه خراب الطريق إلى التألّه. إنها كمثل مستشفى عاجز عن علاج الإنسان.

عندما تواجه الكنيسة هرطقة، المعيار هو أن الهرطقة هي كل ما ينقلب على خبرة العنصرة، حين أعلِن ملء الحقيقة، إنها عندما ينقطع مسار الإنسان نحو التألّه. لهذا السبب تكون الهرطقة خطرة.

إن الانقلاب على خبرة العنصرة يتمّ لأن الهراطقة ينكرون تعليم آباء الكنيسة المستنيرين بالله، أي بالتخلي عن الحقيقة المعلَنة هم يتّكلون بشكل أساسي على منطقهم وتخمينهم.

إنهم يبدلون التقليد، استناداً إلى أشكال منطقية ألّفوها بأنفسهم. إنهم يظهِرون ثقة بمنطقهم الذاتي أكبر من الثقة بخبرة معايني الله، لهذا هم يتصوّرون الأشياء بمنطقهم ويربطونها بالحقيقة العائدة لله. كل الهرطقات مشتقة من نوع الأساس الخاطئ هذا.

هذا يعني أن الهراطقة يتّكلون على فلسفتهم المفعمة بالأفكار والتخمينات والتخيلات، ولا يتّكلون على إعلانات الله. وكونهم يتّكلون على المبادئ الفلسفية هم بالحقيقة ينكرون التعليم الذي يؤدّي إلى معاينة الله.

ليست الأريوسية هرطقة من جانب العلم النظري والتخمينات السيئة وحسب. إنها هرطقة لأنها تسعى إلى هدم التعليم عن التألّه. إنها تعجز عن فهم جوهر التألّه والعلاقات بين المخلوق وغير المخلوق وغيرها. إلى هذا، لا يمكن للهرطقة أن تحوّل العقيدة إلى خبرة لأن عقيدتها تبقى دوماً خبرة سيئة لا يمكن أن تكون خبرة التألّه. وإذا راقب الإنسان كل الهرطقات، سوف يفهم بديهياً أن معايير الهرطقة روحية. الهرطقات هرطقات لأنها لا تقود الإنسان إلى حيث ينبغي. ولا يمكن للهرطقة أن تقود الإنسان إلى الحياة الروحية اللائقة.

تنبع الهرطقة من غياب الطهارة الروحية (κάθαρσης) والاستنارة. عندما لا يكون الإنسان مستنيراً، يكون خطر وقوعه في الهرطقة وشيكاً، لأنه سوف يخلط بين الله وأفكاره الشخصية عن الله.

لا يمكن أن يتوصّل الهرطوقي إلى معرفة الله، لأنه لا يعرف طريقة معرفة الله (Θεογνωσία). لكل علم نظريته التي يثبّتها اختبارياً والتحقق من كل تجربة يقود إلى تلك النظرية نفسها.

لا يملك الهرطوقي طريقة التطهر والاستنارة والتمجيد، ولهذا يستحيل أن يتعلّم الإنسان طريقة التألّه منه. تتألّف الهرطقة من العجز عن التمييز بين قوى المخلوق وغير المخلوق؛ أيضاً، إنها تنبع من نوس مظلِم. ولأن الفكر مظلم يتفكّر الإنسان لاهوتياً بحسب ما يتخيّله وما يعاينه. ومع ذلك، اللاهوت الآبائي ليس من النوع المولع بالتأمّل. الآباء الروحيون لا يخمنون وحسب؛ ولو كانوا كذلك لما كان هناك أي سبب لأي كان لينجو من الشيطان، بينما النجاة من مكايد الشيطان ممكنة.

لا تختص الهرطقة بالأمور العقائدية وحسب، بل أيضاً بالسلوك الروحي. مثلاً، تقسيم الحياة المسيحية إلى نظرية (عقيدة) وتطبيق (نسك) هو وهم. هناك مَن يقبلون العقائد ويرفضون متطلبات العقيدة.

“Empirical Dogmatics of the Orthodox Catholic Church according to the oral lessons of Fr. J. Romanides” – Vol.B