مختارات آبائية حول ضد المسيح

مختارات آبائية حول ضد المسيح

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

* الديداكيه 3:16-5

لأنه في الأيام الأخيرة سيزداد الأنبياء الكذبة والمضلِلّونو بعد ذلك سيظهر مُخادِع العالم كما لو أنه ابن الله، و سوف يجترح علامات وعجائب وتُوضَع الأرض بين يديه. وسيقوم بأعمال غير أخلاقية لم تحدث أبداً منذ أن بدأ الزمان. ثم يأتي سباق الرجال إلى النار لإثبات المحاكمة.

* القديس يوحنا مكسيموفيتش (مطران شنغهاي وسان فرنسيسكو) من عظة حول أحد الدينونة

سوف يفعل ضد المسيح الدجال ما يرضي البشر، شرط أن يعطوه السلطان الأعلى. سوف يترك الكنيسة تعمل، ويتركها تمارس الخدم الإلهية، وسَيَعِد ببناء كنائس رائعة شريطة أن يتم الاعتراف به على أنه الكائن الأسمىويُعبَد. سيكره المسيح شخصياًّ. وسيعيش بهذه الكراهية ويفرح برؤية البشر يرتدّون عن المسيح والكنيسة. سيكون هناك جماهير تسقط من الإيمان. حتى أن أساقفة كثيرين سوف يخونون الإيمان، مبررين أنفسهم بأن الكنيسة هي في موقع رائع….

إن البحث عن التسويات سوف يكون الموقف السائد بين البشر. سوف تختفي استقامة الإيمان. البشر سوف يبررون سقوطهم بذكاء، وشيطان ودود سوف يؤمّن الدعم لهذا الموقف العام. سوف ينمو البشر معتادين على الارتداد عن الحقيقة وعلى حلاوة التنازل والخطيئة.

* القديس سمعان اللاهوتي الحديث

إن الذين أتحدث عنهم وأسمّيهم هراطقة هم أولئك الذين يقولون أنه ما من أحد في عصرنا أو في وسطنا قادر على أن يحفظ وصايا الإنجيل ويصير مثل الآباء القديسينإن الذين يقولون بهذه الاستحالة لم يسقطوا في هرطقة معينة، إذا جاز لي قول ذلك، بل في كل الهرطقات معاً، لأن هذا القول يفوقها كلها ويغطيها بقلة التقوى وغزارة التجديف. إن هذا الادعاء يفسد كل الكتب المقدسة الإلهية. أعتقد أنّ من خلال هذا الإدعاء يعلن هذا الشخص أن تلاوة الإنجيل المقدس هي عبث، وأن كتابات القديس باسيليوس الكبير وغيره من كهنتنا وآبائنا القديسين لا قيمة لها أو أنها كُتِبَت بطريقة تافهة. إذا كان من المستحيل بالنسبة لنا أن ننفّذ ونلتزم من دون فشل بكل الأشياء التي يقولها الله، وبكل ما تركه لنا القديسون كتابةً لتعليمنا بعد أن مارسوه، فلماذا تكبّدوا كل هذا العناء في ذلك الوقت لكتابتها ولماذا نقرؤها في الكنيسة؟ إن أصحاب هذه الإدعاءات يغلقون السماء التي فتحها لنا المسيح، ويقطعون الطريق الذي شقّه لنا. فالله الذي هو فوق كل شيء يقف، كما كان دائماً، عند بوابة السماء محدقاً حتى يراه المؤمنون، ومن خلال إنجيله المقدس يصرخ ويقول: “تعالوا الي يا جميع المتعبين والثقيلي الاحمال وانا اريحكم“(متى 28:11). لكن أعداء الله أولئك، أو بالأحرى أضداد المسيح، يقولون ، إنه مستحيل ، مستحيل“.

يا بنيّ حذارِ الأحلام

يا بنيّ حذارِ الأحلام

الشيخ أفرام (موراييتيس)

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

تجنّبْ الأفكار الخاطئة، واقطع أحلامك وكل صورة قد تكون محرِجة، لأن الشيطان الكلي العلميحاول أن يأخذك بعيدًا عن إلهك وخالقك. وعندما يلقي باللائمة على شخص ما، من خلال بعض الأفكار، فإن نعمة الروح القدس تبتعد مثل نحلة تطير بعيداً عن الدخان السام، وتبقى النفس من دون نعمة ومن دون فرح ملأى بالاكتئاب والحزن. لكن عندما نعارض هذا النوع من الحلم الشرير، عندما نتخلّص منه ونبعده فوراً، عن طريق امتشاق سيفنا الروحي على الفور بغيرة وإيمان حقيقي، أي صلاة يسوع المقدسة، فإننا نرى على الفور كيف أن اللص (الأفكار الشريرة) يهرب، مقدّماً النصر للعقل الذي يتعزز بنعمة الله ورحمته.

العدو الماكر لا يحتمل مشهد الملاك المقدس، حارس نفسنا، الذي هو دائماً بجانبنا. فيحاول إبعاده حتى نبقى دون حارس شخصيفيغرِقنا مثل عاصفة رهيبة لكي يتسنى لأفعى أعماق الجحيم أن تلتهمنا. إنه يعرف أن الملاك يطرد الأفكار الفاسقة فقط، فيثير سحابة من الأفكار والأحلام المشينة، لكي ينجّس العقل والقلب والجسد. ولكن عندما يعرف المجاهد عن غضبه فإنه يستلّ على الفور السلاح الروحي في المسيح ويدمّر مخططاته الشريرة.

يا بنيّ، كن حذراً من الحلم. يمكن لكل الخطايا أن تنشأ من الحلم. لذلك، كن حذراً وبمجرد أن يتشكلّ حلمٌ ما أو تبدأ في التفكّر بأفعال معينة، بغضّ النظر عما هي عليه، قمْ بطرد ما فكرت به أو سمعته أو شاهدته، غاضباً على الخطيّة مصلياً في فكرك. صلِّ صلاة قصيرة لكن قوية. صلِّ إلى والدة الله في ذهنِك لتساعدَك. ثقْ بالله وستُكافأ بالنصر.

كنتَ ممتلأً بالعُجب، فراح الشيطان يشنّ حرباً ضدك. الآن واضعْ نفسَك، ووبّخ نفسك، والله يساعدك إذ يرى تواضعك.

بنفس الطريقة التي تهرب بها من ثعبان على وشك أن يلدغك، أو من نار مشتعلة، ومما هو أكثر سوءاً من ذلك، كذلك اهربْ من الأحلام الشريرة التي تأتي من الشيطان.

أقول كنْ حذراً، من الحلم المخزي. فإن رجالاً روحيين عظاماً قد سقطوا وهلكوا بسبب الأحلام.

ما هو لقاء الله وكيف يتمّ؟

ما هو لقاء الله وكيف يتمّ؟

الأب أندرو لاماشونوك

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

عندما تلمس نعمة الرب شخصاً ويفهم أن هذا لقاءه الشخصي مع الله، فمن المستحيل التعبير بكلمات عما يدور في نفسه في هذه اللحظة. هذا الحدث يفوق كلّ شعور بشري.

في الكنيسة، يمنحنا الرب فرصة أن نصبح جزءًا من حياة جديدة الحياة الأبديةمن خلال كلمته، من خلال الخدمات الإلهية ومن خلال الترانيم. كل ما نسمعه ونراه في الكنيسة، كل ما نشترك فيه كل ذلك يشكّل لقاءنا بالله. المناولة المقدسة هي اللقاء مع الله. هنا الجسم والدم. شاركوا!

هذا هو مفتاحنا للنصر. هذا هو أملنا في أن أقول في يوم من الأيام لاللخطيئة في حياتي وأتوب. وأنا لن أقول ذلك فحسب، بل سوف أغيّر نفسي.

عندما يكون إيماننا المسيحي خارجيًا، نحصل على الهدوء: نجد بعض الكلمات، على سبيل المثال، كلمات حكيمة لكاهن ما، نأخذ منها الدعم، ونشعر أنها مهمة بالنسبة لنالكن هذا لا يكفي. يجب أن يكون هناك كلمة تدخل قلبنا. يجب أن يكون هناك لقاء مثل هذا، من بعده لن نكون قادرين على الخطيئة إذ ستكون مستحيلة بالنسبة لنا. يجب أن يتغير عقلنا وفهمنا لحياتنا وللعالم بشكل عام.

يقرر أحد الأشخاص أن يكرّس حياته لله ويذهب إلى الديروهذا هو اختياره. فيما شخص آخر يمتلك شكوكاًشخص واحد يربّي عائلة، في حين أن آخر لا يزال غير متأكد. لماذا يفضّل الناس عدم تسجيل زواجهم هذه الأيام؟ يمكننا القول لأنهم لا يرغبون في أن يكونوا مسؤولين عن أي شيء. انهم لا يريدون أي مسؤولية. في الوقت نفسه، لا يعتقد الناس أنهم يستطيعون أن يحبّوا شخصاً ما طوال حياتهم. إنهم لا يؤمنون بقدرتهم، فهم لا يعتقدون أن بإمكان المرء أن يكرّس حياته بالكامل لشخص آخر. ماذا لو لم يكن هذا الشخص المناسب لي؟ ماذا لو حدث شيء ما وصرت وحدي؟ هذا هو التقلّب والشك الذي يعيش فيهما الشخص الخاطئ، من لا ركيزة له، لا أساس في الإيمان يستطيع أن يبني حياته عليه. لا يستطيع المرء بناء أي شيء على الرمال لأن البناء على شيء غير مستقر يسقط

يعدّنا الله لهذا الاجتماع. بالنسبة للكثيرين منا هذا سيحدث في آخر لحظة في حياتنا. لسوء الحظ، نحن نعرف ما يمكن أن يحدث للأشخاص الذين لا يعرفون الله: في اللحظة التي يصيرون فيها قادرين على رؤية العالم الروحي، فإنهم يرون شياطين بدلاً من الله. يكون الشخص خائفاً، لأنه لا يعرف ما يمكن توقعه ليس لديه خبرة بالتواصل مع الله. هذا مريع. هذه هي المرحلة الأخيرة في الحياة، والتي يمكن أن تؤدي إلى الخوف الأبدي. وهذا مختلف تمامًا عما يحدث لشخص قضى حياته في الإيمان! فهذا أيضًا يرى شيئًا، ولكن هناك أمل في عينيه وليس خوفًا. لا يخاف المرء لأنه يثق بالله. ثم، في النهاية، يتمّ لقاؤه مع اللهبدايةً لحياة جديدة، حياة أبديةعندما تعاين هذا، تشعر بأنك جزء من سر الحياة الأبدية.

النار الكامنة: رؤية أرثوذكسية لليوغا

النار الكامنة: رؤية أرثوذكسية لليوغا

جوزيف مانغوس فرانجيباني

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

لا تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟ وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟ وَأَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَانِ؟” (2 كور 6: 14- 18).

   نشأتُ كاثوليكيّاً. أحببتُ الصّلاة. تمشّيت في الغابات، لعبتُ في الجداوِل، وكنت أركض عبر سهول الخَيال الرَّحبة. هذه الأشياء كانت كالصَّلاة بالنسبة لي: السُّكون والهدوء والهدوئيّةالتي وَجَد الأولادُ أنفسَهم فيها، تقريباً، بالطبيعة. لم أبقَ، دائماً، في حالة الورع هذه، لكنني أدركتُها وسلّمْتُ بها على أنها عملٌ بسيطٌ في القلب.

كلُّنا نختبر ذلك بدرجات متفاوتة. نستعمل كلمات مختلفةأو لا كلمات على الإطلاق، كونها جميعُها تبدو غير مناسبةللتعبير عن حركة القلب نحو الله. يبدو أننا، عندما نكون بسطاءَ في القلب، خاصةً في طفولتنا، يكون هناك إدراك ملموسٌ لأمرين اثنين في ما نختبره: المُحِبُّ والمحبوب، الآخَر. كوني صبياً يافعاً لم أربط هذا الحضوربالمسيحتماماً كعدم ربطي والدَيَّ بإسميهما، فقد كنت أعرفهما وحَسْب.

* * *

في المرحلة الدراسية الثانوية، أردت ان أصبح راهباً ترابّيست trappist” (رهبان من الممتنعين عن الكلام!- المترجم)، إذ أن جَدَّيّ أدخلاني إلى ثانوية كاثوليكية للصبيان. كنت أحضَر الخدم الكنسيّة بانتظام، وغالباً ما كنتُ أقرأُ الكتابَ المقدّس. إن الكتاب المقدس، بالحقيقة، هو كالباب، فأنتَ تستطيع الدخولَ عبْرَه، والروحَ القدس يقودك إلى أماكن، حتى دون أن ترفع قدمكَ عن الأرض. لكنني علمتُ أن هناك شيئاً أكثر من ذلك، إنه كالفرق بين القراءة عن الخبرة والخبرة نفسها.

يكتب الدكتور هاري بوساليس في مجلة التسليم المقدس: “لسنا مدعوّين إلى أن «نتبع» التسليم أو أن «نقلّدَه»، نحن مدعوّون أن نختبرَهتماماً كما فعل القديسون، ولا يزالون“. إننا نعلَمُ أن هناك شيئاً مفقوداً في العالم حولنا. بعض الغنى، شيءٌ من العُمق الذي ندركه ونلاحقه بطريقة غامضة. إنه، بالطّبع، غنى محبة الله ونوره ونعمته. إلا أنني، في تلك الفترة من حياتي، لم أمتلك الكلمات لكي أُعَبِّرَ عن ذلك. وكالعديد من الناس، كنت أنسب عدمَ الرِّضا والقلق إلى أمور أخرى.

ثم قام أستاذٌ لعلم النفس في الثانوية بتوجيه صفِّنا نحو التنويم المعناطيسي الذّاتي (self-hypnosis)، وسرعان ما تلا ذلك انخداعي بالتّأمُّل(meditation). شعرت بالاسترخاء، وكنت أدَعُ نفسي تنقادُ إلى خبُرات جديدة، وأحسستُ كما لو أن باب قلبي الخلفي قد فُتِح على مصراعيه بشكل دائم. رفضتُ الله لأنطلق متّكلاً على ذاتي. واختبرتُ، بشكلٍ جَليّ، أن ضوءاً قد انطفأ في داخلي. احترمَ الحضورُ، الآخَر، الصديقُ هذا القرار. كان شعوراً كما لو أنه قد غادر بهدوء. لقد احترم الإرادة الحرة، ولم يفرض نفسَه أبداً. لقد كان يقرع على باب القلب وينتظر.

* * *

وهكذا بدأت بممارسة التَّأَمُّل بانتظام. في البداية، وخاصّة لكوني مراهقاً، كان الأمر صعباً: الجلوس لساعات بصحبة بوذيِين كبار السِّنّ من التّيبت، بصمت كلّي، حاملاً أفكاري إلى الحائط الفارغ وتمثال بوذا البرونزي الذي أمامي. بدأتُ بدراسة التَّقَمُّص، والكارما والسامسارا [1]. لم أكن قد انتبهتُ، بعد، لأصول البوذية في الدين الشاماني الذي يطلَق عليه اسم بون، ولا لعلاقته بالتنجيم والسحر وممارسات وثنية أخرى [2].

لقد أردت تَعلُّمَ كيفيةِ تهدئة القلق والاكتئاب، وإزالة الأفكار المشتّتة. في زياراتي لقاعات التّأمّل البوذية والآشرام البوذيين( وهو مكان كالديرالمترجم) افتتنتُ بـ الألعاب النارية الرُّوحيةكالانخطافات والانتشاءات والمشاعر والرؤى. هذه كلُّها مرتبطة بالتّأمُّل واليوغا في كافة مستوياتهما، وهي تتزايد مع الممارسة. هذه الخبرات وغيرها يُشار إليها على أنها سيدهيس (siddhis)” أو قوى اكتُسِبت عن طريق الـسادهانا” (تطبيقٌ عملي للتأمّل واليوغا). فالخديعة تحوّلت إلى افتتانُ، والفاتن صار بدوره مألوفاً. ومن دون أن أنتبه، حشريَّتي الأولى غير المؤذيةنحو اليوغا قويَت لتصبح عادة. أمضيتُ أكثر من عَقدٍ غارقاً في هذا البحر الروحي.

خلال تلك السنوات، كانت تُطرح الكثير من الأسئلة. مثلاً، هل يعرف الرّهبان والكهنة الكاثوليك إذا كان المسيحيون الأوائل يؤمنون بالوجود المُسبق للنفس وبالتَّقَمُّص؟ أجابوا بأنهم لا يعلمون، إضافةً إلى أنهم تساءلوا: ما المهم في هذا الأمر؟ في قراءاتي المتزايدة عن مبادىء ومعاني أديان الشرق الأقصى، وبسبب توقي إلى اختبار الـباردوس (bardos)”، وهي أبعاد متوسطةٌ للعالمين المادّي والروحي، قمتُ بدراسة كتاب الموت والحياة من التيبت“.

لقد قرأت كلِّ الأدب الروحاني والباطنيّ الذي استطعتُ الوصول إليه، واحتفظتُ بنسخةٍ مغلّفة من الـبْهاغافاد غيتا، في جيبي الخلفي، وقرأتُ كتابات الـباراماهانسا يوغاناندا(باراماهانسا يوغناندا هو يوغي هندي ومعلم (غورو) أدخل الملايين من الهنود والغربيين إلى تعاليم التأمل واليوغا من خلال جمعية تحقيق الذات (Self-Realization Fellowship) – المترجم). أغرقتُ نفسي في كتابات الـأوشوOsho (اسمه أشارايا راجنيش، وهو غورو هندي مثير للجدل وقائد لحركة راجنيشالمترجم)، وقرأتُ الـرام داس(معلّم روحاني أميركي صار بوذياً وأسس جمعيات المترجم) والـرامانا ماهارشي(معلّم هندي كتب الكثير عن حالات الروح وإخضاعها والتأمّل والحكمة الذاتية المترجم)، فصرت مقتنعاً بأنه لا يوجد كائنٌ مقدَّس أكثر من نفسي. كان الأمر يعود إليَّ لتحطيم نظرتي المشوبة بالوهم حول نفسي. واستناداً إلى أغلبية ما قرأتُ وسمعتُ، لم يعد بالامكان البقاء على علاقة شخصية مع الإلهي (Divine)، ممّا وضعني في صراع داخلي، فتلاشى ما فُطرتُ عليه من طبعٍ طفولي هادئ وسلاميّ. كلّما كنت أغوص في لُبّ التّأمل واليوغا، كنت أختبر دوافع فجائيّةً وغيرَ متوقّعةٍ لأؤذيَ نفسي. كانت روحي تتعرّض لهجوم عنيف، تلك كانت فترة من حياتي مُفعَمةً ظلاماً وقُحطاً.

في بحثي عن الهدوء، أخذتُ نذر بودهيساتفا (نذر يتّخذه البوذيون ويتعهدون بتحرير القلوب الحساسةالمترجم) وجدَدتُ باحثاً، داخل البوذية، عن نظام ديري للعلمانيين ذي طابعٍ هاديء تأمّلي، في محاولة مني للارتباط بمكانٍ أو بشيء ما. بعد فترةٍ أوليّة من السَّلام النسبي، نشأ فيّ الجسارة، وحتى الاهمال فيما يخص النشاطات الروحانية. كنت أدخل في نوعٍ من السّكْر الروحاني، لكنني لم أدرك ذلك.

* * *

أكل الابنُ الشّاطرُ من طعام الخنازير في بلدٍ بعيد. لكنه، عندما تذكّر طعْمَ الخبز في منزل أبيه، عاد إلى البيت. ذلك أنني، ولعقدٍ من الزّمن، عشتُ في هذا البلد البعيد أتناول من طعامه.

عاينتُ الكثيرَ من الناسبعضُهم أصدقاء والبعضُ الآخَر غرباءوهم يسعَون وراء فَناء الذات. كان لديهم نهَمٌ لا يَشبع لإضاعة أنفسهم، لا في حياة ونور الله، بل في الظلمة والفراغ، حيث الانفصالُ عن المحبةِ التي تتجاوز كلَّ شيء“. ما هذا الانفصال سوى الجحيم نفسِه. يسعى العديد من الرجال والنساء والأولاد إلى هذا الجحيم، وهم يدورون حول علاقات مشوَّشة، فيقعون في براثن المخدرات.

لكنني درستُ ومارستُ الـكونداليني يوغاوالشامانية [3]، حيث تعرّفت إلى الخوف والصّقيع. اشتهرت بقراءتي للـ تاروت” (ورق اللعب) وهو أسلوب سرّي للعرافة. علَّمتُ اليوغا، وأرشدتُ مجموعات من الناس إلى التأمّل والإنشاد في صحارى الحكماء. لقد جرّبنا الإسقاط الأثيري (تفسيرٌ افتراضيّ لحالَةِ الخروجِ من الجسد وذلك بافتراضِ أنّ هُناكَ هيئةٌ نجميّة تنفصل عن الجسد الفيزيائي قادِرة على السفر خارجه – المترجم)، وخبرات الخروج من الجسد الموجّهة، عن طريق الـ باردوسبحسب ما تم وصفها في الكتب التيبيتية. لم أحمل معي، فقط، نسخاً من بهاغافدا جيتا، بل من الـ أوبانيشادوالـ سوتراالبوذية، أينما ذهبت[4]. كلُّ واحدٍ من هذه المساعي كان ضرباً من السباحةٍ بعيداً عن جبل المسيح المقدس. دع قطرات الماء تتساقط على حجر لمدةٍ كافية وسوف تفتته. كنت أمسحُ الليمونَ الملتصق بجبهتي وأنا أقرع الجرس مقدّما الفاكهةَ والنار كعبادةٍ لـكريشناومتجوّلاً حافيَ القدمين في شوارع مدن أوجين وسياتل، وأخيراً في ريشيكاش وهاريدوار ودهارامسالا، في شمال الهند.

* * *

يقول الأرشمندريت زخريا في كتاب إنسانُ القلب المستترُ“: “في انفصاله عن الله الذي هو نبع الحياة، يستطيع الإنسانُ فقط أن ينسحب إلى داخل نفسِهويصير، شيئاً فشيئاً، منعزلاً غارقاً في الملذّات“.

ترفضُ البوذيّةُ الذاتَ والنفسَ والشخص. إنها تفرد ذراعيها بصمت ضد الله. لا يتجلّى الألم. في البوذية هناك صلبان لكن لا قيامة البتّة. نستطيع القول بأن البوذية تجد القبر الفارغ وتُقِرُّ بوجود هذا الفراغ وبطبيعة الأشياء وحتى بأن هذا الفراغ هو هدفها. كل شيء بالنسبة للبوذية– الفردوس والجحيم والله والذات والنفس والشخصهو ضلال بانتظار أن يتم تَخَطّيه والتخلص منه وتدميره. هذا هو الهدف. الإلغاء الكامل. حقيقة هذا القرن التاسع عشر البديهية تُلخِّصُ مبدأَ البوذية هكذا: “إذا ما شاهدت بوذا اقتله“.

لا تعترفُ البوذية، ولا هي تستطيع، بشفاء النفس والجسد. يجب تَخَطّي كلا النفس والجسد وإهمالهما. في الكنيسة الأرثوذكسية، النفس والجسد يُفتَرَض أن يشفيا. تُعلّمُ البوذية أن لا شيء ذو قيمة بذاته. بينما تعلّم الكنيسةُ أن الله جعلَ لكلِّ شيء قيمةً في ذاته، وهذا يتضمّنُ الجسدَ الإنساني. نحن كائناتٌ معقّدة التّكوين. إن أداء أجسادنا وعقولنا وأنفسِنا مترابط. وهذه الأفعال المترابطة مرتبطة بعلاقتنا بالله وبالحيّز الروحي.

بالنسبة للمسيحيين الأرثوذكسيين، كلُّ شيءٍحتى الألمهو باب خفيٌّ عبره نلاقي المسيحَ، ويعانقُ واحدنا الآخر.

* * *

ذاتَ خريف، سافرتُ إلى ريشيكاش، في الهند. يعود اسمُ هذه المدينةِ إلى الإله الوثني فيشنو إله الحواسّ“. ريشيكاش هي عاصمة اليوغا في العالم“. من المتعارف عليه، عامّةً، أنها منشأ اليوغا على الأرض. لأربعين يوماً، درستُ ومارسْتُ ما يُعرَف بالطريق السّرّي الرّوحيّ لليوغا المتكاملة[5] على سفوح الهيمالايا. لم يشمل هذا، فقط، رياضة اليوغا الأميركية، بل كان كلُّ صف يبدأُ وينتهي بصلاة موجّهة لـ شيفا، إله العاصفة المزمجرة، في حين كنت أدرّس الإنكليزية للّاجئين التيبيتيّين، وأعمل محرّراً لدى حكومة التيبت المحلية. تعود جذورُ اليوغا، تاريخياً، إلى الهندوسية. مدفوعاً بفضولي، أجريتُ حديثاً مع رينكوش، في دير الدالاي لاما[6]. سألته عمّن تكون هذه الآلهة الهندوسية بحسب الكوزمولوجية البوذية، فجاء جوابُه مفاجئاً: “إنها كائناتٌ مخلوقةٌ، لديها «أنا» (ego)… وهي أرواحٌ عالقةٌ في الجو“[7].

* * *

ما هي اليوغا؟ وما هي طاقةُ الكونداليني؟

المعنى الحرفيّ لليوغا هو النِّير، إنها تعني تقييدَ إرادتِنا بأفعى الـ كوندالينيورفعها نحو شيفا واختبار ذاتِنا الحقيقية“. كل طرق اليوغا مربوطةٌ ببعضها كما ترتبطُ فروعُ الشجرة بجذورها الضاربة نزولاً في مساحة العالم الروحي. إنه أمر جليٌّ في كتب البهاغافدا غيتا والسوترا اليوغية القديمة لباتانجالي. أدركتُ بأن الهدف النّهائي لليوغا هو إيقاظ طاقةِ الكونداليني الملتفّة في أسفل العمود الفقري على صورة أفعى، حيث تُوصِلُك إلى حالة تستطيع بها معرفة الـ تات تْفام آشي” [8].

ممّا لا شك فيه أن اليوغا ربما تُسَهّلُ الوصولَ إلى اختبارات استثنائية للجسد والعقل، لكن هذا ما يفعلُه تناولُ العقاقير المسببة للهلوسة والسمومُ التي لا تُلاحَظ ولا طعم لها. شيئاً فشيئاً، ومن خلال اليوغا، يقوّي الإنسان الـ شاكتيالتي يشيرُ إليها اليوغيون بـالأُم المقدسةوهي إلهة الظلاموعلى علاقة بآلهة هندوسية رئيسية أخرى. هذه الطاقة ليست الروح القدس، المسببة للهلوسة كما أنّ هذا ليس رياضة أيروبيك ولا أي نوع من الرياضة. يتّصل هذا النظام بالـ بهاجناسوكيرتانس“- وهي ممارسات وثنية تشبه المديح في المسيحية الأرثوذكسية، إلا أنها موجّهة للآلهة الهندوسيةإضافة إلى الـ مانتراالتي هي صيَغ مقدسة، لا بل بمثابة أرقام وبطاقات الهواتف، لمختلف الغورو والآلهة الوثنيين.

* * *

كيف ترتبطُ اليوغا بالهندوسية؟

لنكن واضحين. لا تشير الهندوسية إلى أيّ دين معيّن. إنها عبارة أطلقها الإنكليز على طوائف عديدة من الفلسفات والأديان الشامانية في الهند. إذا سألتَ هندوسياً عمّا إذا كان يؤمن بالله، ربما يجيبك بأنك أنت الله. لكن لو سألت آخراً فسيُشير إلى حجر أو تمثال أو شعلة نار. هذه هي القطبية في الهندوسية: إمّا أن تكون أنت الله، أو أي شيء آخر يمكن أن يكون إلهاً.

تنضوي اليوغا تحت هذه المظلّة الهندوسية كما ينضوي أيضاً قطب هذه المظلة بعدة طرق مختلفة أيضاً. إنها تقوم بوظيفة الذراع التبشيرية للهندوسية والعصر الجديد، خارج الهند[9]. تشبه الهندوسيةُ الدّميةَ الروسيّة (وهي دمى خشبية مفرغة تحوي كلٌّ منها دميةً أصغر حجماً في داخلهاالمترجم): تفتحُ فلسفةً فتجدُ داخلَها عشرات الآلاف، إضافة لها. وكل التي لم يتم فتحُها هي مخاطرة بذاتها. من الممكن أن تسبح بسهولة وبدون اهتمام في المياه التي لا تعرفها، لكنك، بعدم إدراكك للتيارات والظلال في الموقع، ربما تكون في خطر. من الممكن أن يجرَّك التيار السفلي بعيداً. من الممكن أن تجرح نفسك بالصّخور غير المرئيّة أو تلتقط عدوى خفيّة أو تُصاب بالتسمّم. هذا ما يحدثُ في الحياةِ الرّوحيَّة.

عندما نغوصُ في المحيط، من المحتمل أن تجذبَنا سمكةُ لامعة وملوّنة ومخادعة، لكن الأشياء المزدانة بالألوان والغريبة غالباً ما تكون فائقة السُّمّيّةِ ومميتة.

عندما زرتُ الهند للمرة الأولى، نزعتُ حذائي وجواربي وصرت أمشي عبر الماء وجوز الهند والحلوى المرميّة ونار معبد كالكاجيالمتوهجة. إنه واحد من أكثر المعابد شهرةً والمكرّسة لـكالي، إلهة الموت. لم أكن أعرف ذلك، إلا أنني كنت في خضمّ أكثر أعيادها أهمية في السنة. كانت الفوضى تعمُّ المعبد، والطاقةُ كانت ظلامية وفي أوجِها.

تجمّع آلافُ الرجال والنساء والأولاد في معبد ريشيكاشهذا لكي يقدموا العبادة للشيطان. بقربي، كانت هناك امرأة تتقلّب عيونها في محجريها، أما يداها فكانتا تتحركان جيئة وذهابا، ولسانها ذو اللون الزّهري يتأرجح في فمها، وكانت رِجلاها تتحرَّكان صعوداً وهبوطاً كدُميةٍ مربوطة بخيطان. من الواضح أن ذلك كان مَسّاً شيطانياً.

مرّةً، قمتُ بالسجود لأيقونةَ والدة الإله في سيتكا فأختبرتُ دفئاً هائلاً ودموعَ فرحٍ ومحبة وصفاءَ ذهن وسلاماً. كان الأمر كالمشي أمام نافذة تفيض بنور الشمس العَطِر والدافىء. أما في معبد كالكاجيفقد اختبرتُ العكس.

تُصَوَّرُ كاليبشكل آلهة مخيفة متعدّدةِ الأيدي جلدها زهري اللّون، ترفعُ رأساً بشريّاً مقطوعاً ومن فمها يتدلّى لسانٌ دمويّ. ترتدي عقداً من رؤوس بشرية وتتمنطقُ بزنّارٍ من الأذرُع.

تناولتُ القهوة مع أناسٍ مؤثّرين في حركة اليوغا والهندوسية والعصر الجديد في أميركا، الذين، من أجل أن يصبحوا أعضاء في طائفتها، دُفِعوا لكي يأكلوا جثثاً بشرية من مدافن في نيبال. منذ زمن ليس ببعيد، ورد تقريرٌ في الغارديان“- الصّحيفة البريطانية الواسعة الانتشاريقول بأنه، حتى يومنا هذا، يتم تقديم أضاحي بشرية من الأولاد في عبادة الشيطان كالي“. كلُّ هذا مرتبط بالهندوسية، وله علاقة باليوغا كون وضعياتها الجسدية ليست محايدة من الناحية الدينية. كل الـ أساناالكلاسيكية لها مدلولاتٌ روحانية. فقد ورد، على سبيل المثال، في تقرير مراسل صحفي بأن تقديم التَّحية للشمسربما هي مجموعات الـ أساناالأكثر شيوعاً أو وضعيات الـ هاثا يوغا“- وهي النوع الأكثر ممارسةً في أميركاهي، حرفياً، طقوس هندوسية.

لم تكن تحيةُ الشمس ، مطلقاً، تقليداً من الـ هاثا يوغا‘”، هذا ما يقوله سوبهاس رامبرسود تيواري الأستاذ في فلسفة اليوغا والتّأمّل في الجامعة الأميركية الهندوسية في أورلاندو، فلوريدا، بل هي مجموعات كاملة من طقوس تبجيلية للشمس، كتعبير عن الشكر لذلك المصدر للطاقة” [12].

***

إن اعتبار اليوغا مجرّد حركةٌ جسدية يعادلُ القول بأن المعمودية هي مجرّد تمرين تحت الماء“. هذا ما يكتبه سوامي بارام من الأكاديمية الهندوسية لليوغا الكلاسيكية وأشرم دهارما يوغا في ماناهاوكين في نيو جيرسي.

إن الإلهة كالي تحاولُ، عبر اليوغا، توحيد الممارسين عبر الـ شاكتيمع شيفا. في معبدها الواقع خارجَ نيو دلهي، شاهدت صنماً يصف ذاته وهو كنايةٌ عن صخرةٍ مستدقّة ذات عيون من الخرز مغطّاة بالطّين الأصفر والطعام المتخثّر. في الهندوسية، يتم إيقاظ الأصنام وإلباسهم وإطعامهم والغناء لهم، ثم يتم جعلهم ينامون. كنت قد شاركت في المئات من تلك المراسيم.

إن مجلة اليوغاهي من أكثر مجلات اليوغا مبيعاً في العالم، بعددٍ من القرّاء يناهز الخمسة ملايين. في لحظةٍ من البَوح حول تَفَوُّقِ اليوغا كعلاج نفسي، تكشف مجلةُ اليوغاالفلسفةَ الهندوسية التي وراء هذه الممارسة: “من وجهة النظر اليوغية، كل الناس قد<وُلِدوا مقدَّسين>، وكل منهم يمتلك في جوهره روح الـ أتمانالتي تُقيمُ أبدياً في الحقيقة الثابتة واللانهائية والكليّةِ السّيادة، ألا وهي الـ براهمان“. يعرض باتانجاليوجهةَ نظره الكلاسيكيةنحن ما نفتش عنه. نحن الله متنكّراً. إننا كاملون بالوراثة، وفي كل لحظةٍ لدينا القوةُ الكامنة لنستفيق مدركين هذه الطبيعة الحقيقية الواعية المستنيرة“.

يُحَيّي المعلّمون والتلاميذُ بعضَهم البعض بشكل نموذجي بالعبارة السنسكريتية ناماست، التي تعني: “إنني أُجِلُّ الكائن المقدس الذي فيك“. هذا تأكيد على الحلوليّة وإنكارٌ للإله الحقيقي المتجلّي في الكتاب المقدس. نشأت تحيَّة الشمس، أو سورا ناماسكارا، من العبادة الهندوسية لـسورياإلهة الشمس.

في سير القديسين وفن الأيقونات المقدس، نكرّمُ القديسين الذين هم أشخاص حقيقيون عاشوا باستقامة أمام الله وقد دخلوا، ولا يزالون، في شركة مع نوره ومحبته، ونطلب شفاعتَهم. بالمقابل، فإن الأصنام هي صوَرٌ لآلهة كاذبة، وعبادتُها هي عبادة للشياطين، أو لكائنات متخَيَّلَة لا وجود لها. فهي، من حيث المبدأ، عبادة لأشياء لا حياة لها15، كما يكتب الأب مايكل بومازانسكي.

لقد شاهدتُ سواميعديدين في هذا البلد، في أميركاينقلون هذه الطاقة الشيطانية التي هي الـ كونداليني، فقط عبر نظرهم في عيني الشخص. وإذا ما كان الإنسان منفتحاً على ذلك، من الممكن أن يرتعش الجسمُ ويهتز كلعبة تُدار بالزّنبرك.

رغم ذلك، عندما حان وقتي لتَلَقّي هذه الطاقة الملعونة عبر شاكتيبات، اجتاحني خوفٌ كالماء المكهرب البارد، فرفعتُ سيفي وترسي وبدأت بصلاة يسوع. المجد لله! لقد تمَّ صدُّ هذا الحضور بواسطة اسمِ يسوع. علينا أن نتذكر، كما يقول القديس بولس الرسول: “ بأنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ ٱلرُّؤَسَاءِ، مَعَ ٱلسَّلَاطِينِ، مَعَ وُلَاةِ ٱلْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا ٱلدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ ٱلشَّرِّ ٱلرُّوحِيَّةِ فِي ٱلسَّمَاوِيَّاتِ” (أفسس 6: 12). بهذه الصلاة، التي هي تُرسي وسيفي، سبحتُ شوطاً عائداً إلى المسيح. لقد قمتُ بخطوةٍ خارج البلد البعيد، خطوةٍ داخل منزل أبي.

* * *

هل من علاقة بين اليوغا بالأرثوذكسية؟

اليوغا هي ممارسةٌ نفسجسدية، إنها تَفاعلٌ بين العقل والجسد والروح (أو الأرواح). يجب ألّا يغيبَ عن بالنا بأن كلمة يوغا تعني النير، وهو قطعة خشبيةٌ متعارضة مشدودةٌ إلى رقاب الحيوانات ثم إلى المحراث. يحذّرنا القديسُ بطرس قائلاً: ” لا تَشْتَرِكوا مَعَ الكَفرةِ تَحتَ نِيرٍ واحد؛ إِذْ أَيُّ شِرْكةٍ بَيْنَ البِرِّ والإِثْم؟ وأَيُّ مُخالَطَةٍ للنُّورِ مَعَ الظُّلْمَة؟” (2كور 6: 14).

ليست اليوغا من الكتاب المقدس، ولا هي جزءٌ من تسليم كنيستنا المقدس. كلُّ شيء نبحثُ عنهأقول: “كلّ شيء“- يمكننا إيجاده في الكنيسة الأرثوذكسية. لذا، ما الذي نريده من اليوغا؟

من المهم أن نعرف أنه، في اليوغا، كما في العديد من المذاهب الروحانية، من الممكن أن ترافقَ ممارسيها أنوارٌ غريبةٌ، إلا أنه غالباً ما يكون مصدرها الشياطين أو ما يتولّد من العقل، ذلك أن :”الشيطان نفسه يغيّر شكله إلى شبه ملاك نور” (2 كور 11: 14). الكثيرون تابعوا، ولا يزالون يتابعون، الألعاب النارية الروحية” spiritual fireworks لما يسمّى بالـ عصر الجديد“. ليس هذا، بالطبع، النورَ غيرَ المخلوق الذي اختبره موسى والتلاميذ، على جبل ثابور. وليس أيضا النور المقدس الذي دافع عنه القديس غريغوريوس بالاماس، في القرن الرابع عشر، ضدَّ السكولاستيكية الغربيّة. معرفةُ الله المباشِرة مُمكنة، وكذلك الاختبار المباشر، لكنَّ معرفة الشيطان واختباره المباشرين مُتاحان، دون أدنى شك. لدينا كاملُ الحرية لاختيار ما ومَن نفتش عنه، وهو ما يتطلّبُ، بالطّبع، تمييزاً وخبرة، حيث من الضروري بمكان العودة إلى كاهن أو شيخ ذوي خبرة. أيضاً، لا غنى عن المساهمة الخلاصية في القدسات. من الأحسن النظر في خفيّات قلوبنا بدل إمتاع أنفسنا بتلك التَّخيّلات التي من رأسنا.

إضافة لذلك، فهناك ما يجب قولُه بخصوص الادّعاء بأن أشكال فرقعات رياضة اليوغا لا تشكل أيَّ خطرٍ أو تهديد لمن يمارسها. صاحب هذا الرّأي إما قد فاتته، أو قصَدَ أن تفوتَه، التحذيرات المتعدّدة التي تَرِدُ في كتيّبات اليوغا الشرقية بخصوص الـ هاثا يوغاالتي تُمارَس في صفوف كهذه. هل المدرِّبُ على درايةٍ بتلك التحذيرات، وهل هو قادرٌ على أن يضمن عدم حدوث أي ضررٍ للتلميذ؟

في كتابِه مدارس اليوغا السّبع، يبدأ إرنست وود وصفَه للـ هاثا يوغابقوله: “عليّ أن لا أعود لأيٍّ من تمارين الـ هاثا يوغا تلك دون الالتفات إلى التحذيرات الصّارمة. لقد جلب العديدون على أنفسِهم أمراضاً لا شفاء منها أو حتى حالات جنون، دون تأمين ظروف مناسبة لجسدهم وعقلهم. إن كتبَ اليوغا مليئةٌ بتحذيرات كهذه…”. على سبيل المثال، يُعلنُ غيراندا سامهيتا بأنه إذا ما بدأ أحدُهم بالتمارين في طقس حار أو بارد أو ماطر، فسوف يصاب بأمراضٍ، والحال نفسُه إذا لم يكن هناك اعتدال في نظام الطعام، فعلى معدتِه أن تكون نصفَ مملوءة بالطّعامجاء في الـ هاثا يوغا براديبيكابأن التّحكّم في التنفّس يجب أن يأتي تدريجيّاً كما الأمر في ترويض الأسود والفيلة والنمور، وإلا فإن الممارِسَ قد يُقضى عليه، فبوقوع أيِّ خطأ سيحدثُ سعالٌ أو ربو أو أوجاع في الرّأسِ أو العين أو الأُذُن، أو أمراضٌ أخرى عديدة“. يختمُ وودتحذيرَه حول الوضعية والتنفّس في اليوغا بقوله: “أرغب في إيضاح أنني لا أوصي بتلك التّمارين، كما أصرُّ على أن كل الـ هاثا يوغاخطرة للغاية“. [20]

إذا ما رغب المسيحي الأرثوذكسي بالقيام بالتمارين، فبإمكانه – أو بإمكانهاالسّباحة أو الهرولة أو التّنزّه أو المشي أو القيام بتمارين تمديد (stretching) أو الرياضة أو الـ بيلاتيس[21]، فهذه بدائل مأمونة لليوغا. نقترح أيضاً السجدات أمام الله. فالكنيسة لا ترغب بأن يكون أحدُنا مريضاً أو متضايقاً. علينا الوثوق بوصفات أُمِّنا الكنيسة، وبأن نطبّقها بقدر ما نستطيع، وبقدر ما تسمح به نعمةُ الله. على الجميع أن لا يحاولوا إطالةَ عمر الجسد على حساب الروح. وفوق ذلك كلّه، علينا أن لا نثِقَ بحُكمنا الشخصي، بل علينا الرجوع إلى شخصٍ ما. “تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِدْ[22].

إننا نَعلَمُ، كمسيحيين أرثوذكسيين، بأن حركات أجسادنا، كالانحناء والسجدات ورسم إشارة الصّليب، لها صِلةٌ بحالتنا الروحية أمام الله الحقيقي. فلماذا نُجازفُ بتقليد حركات جسدية ارتبطت، لقرونٍ، بعبادة الشياطين؟ أن لهذه الحركات عواقبُ خطيرة على جسدنا وروحنا اللذين هما للمسيح. “لنكن حكماء كالحَيّات وودعاء كالحمام[23].

[1] التقمّص هو حلول النفس في شخص آخَر أو حيوان أو جسد روحاني، بعد الموت الجسدي. الكارماعقيدة أساسية لدى الهندوسية والبوذية، كالتقمُّصهي مبدأ حيث تؤثّرُ نوايا وأفعالُ الشخص على حالته المستقبلية. تُزيل الكارما اللهَ من الصورة مركّزةً على أنك أنت مخلّصُ نفسِك الوحيد. أما السامسارا فهي تكرار دورة الولادة والحياة والموت.

[2] الشامانية هي ممارسة خطرةٌ تنطوي على التَمَلّك من قِبلِ أرواح خيّرة وشريرة، وهي تستخدم المخدرات للدخول في غيبوبة وتستحضر أرواحاً وتقرأ الطّالع والبخت مستخدمة عظام البشر والحيوانات. أما الـ بونفهي ديانةً حلولية قديمة مُشبعة بمعاني الأعداد السحرية والتنجيم والعُرافة والأضاحي الحيوانية والسّحر. لا تزال هذه العناصر موجودةً ضمن مدارسَ بوذيةٍ عديدة.

[3] الـ كوندالينيهي عنصر أساسي، لكن خَطِر، لليوغا. يُصَوَّرُ كأفعى مُلتفّة في أسفل العمود الفقري، يتم إيقاظها عبر التّأمّل ووضعيات يوغيّة. إن وجود الـكوندالينيالموقَظَة يطلَقُ عليه اسم الـشاكتي، الذي يُزعَمُ أنه يوَحّد من يمارسُه مع شيفا“- مبدأ وإله اليوغا. إن فتح الـشاكراعلى اختلافهاأو نقاط الضغط الروحيةفي الجسد عن طريق أوضاع جسدية (هاثا يوغا) والتّأَمُّل (راجا يوغا) يُسَهّلُ حلّ هذه الأفعى. الأعراض المرتبطة بإيقاظ الـكوندالينيتتضمّنُ حالات متغيّرة من الوعي وضغطاً متزايداً في الجمجمة ووخزاً وارتفاع ضغظ الدّم ورغبة جنسية جامحة وتخدّرا في المشاعر وأموراً أخرى كثيرة.

[4] الـبهاغافاد غيتاأو أغنية اللههي حوار بين الإله الهندوسي كريشنا ومحارب بخصوص بهاكتي” (اليوغا التعبدية)، جنانا” (‘التحرّرعبر المعرفة) ودهارما، أو مسؤوليات الشخص الروحية. الـأوبانيشادهي كتاباتٌ فيديّة سرّيّة حول طبيعة الحقيقة والإدراك الأقصى. “سوتراهي تعاليم يعطيها، عادةً، الحكماءُ البوذيون أو الهندوس.

[5] ثمّةَ العديدُ من مدارسأو شُعَباليوغا تتناسب مع اختلاف الممارسين وتنوُّعِّهم. مثلاً، أربعةٌ من أنواع اليوغا الرئيسية أو الكلاسيكية تتضمّن: الـجانا يوغا” (يوغا المعرفة المباشرة) والـبهاكتي يوغا” (يوغا التكريس) والـكارما يوغا” (يوغا العمل) والـراجا يوغا” (الطريق الملكيالذي من ضمنه الـهاثاوالـتانتراوالـكونداليني، وأشكال أخرى من اليوغا).

[6] الـرينبوشيُعرف بأنه معلّم متقمّص بارع للبوذية.

[7] يتكلّمُ القديس بولس عن الشيطان قائلاً أنه رئيس سلطان الهواء” (أفسس 2: 2).

[8] من السنسكريتية وترِد في اﻷوبانيشاد تعني الجملةُ بأن الممارس يتماهى مع الحقيقة القصوى، او مع الله أو مع إله ما.

[9] من الصَّعبِ تحديد حركةُ العصر الجديد، كما الهندوسيّة، لكنها، عامّةً، ترتبط، دون أن تنحصر، بالغنوصيّة والسِّحر والـويكا” (ديانة وثنية سحريّةالمترجم) والنشوة والكشوفات الناتجة عن المخدرات، والشامانية والكائنات الفضائية والبلورات وحركة تعدد الآلهة الأمومية والمثلية، لكنها تتحاشى المسيحية الأرثوذكسية.

[10] هدية من عُمّال كاتدرائيّة القديس ميخائيل رئيس الملائكة في سيتكاالاسكا، وتُعتبَرُ،حقاً، هذه الأيقونة العجائبية المميَّزة بجمالها أنها نافذة إلى الملكوت.

[11] مجلة الغارديان، السبت، 4 أيار 2006.

[12] درو سافتون، هل ممارسة اليوغا من قبل العلمانيين تَحطُّ من قدْرِها؟ Newhouse News, July 15, 2005, http://www.freerepublic.com/focus/f-religion/1445950/posts.

[13] المصدر نفسه

[14] Stephen Cote, “Standing Psychotherapy on Its Head,” Yoga Journal, May/June 2001, p.104. http://michaeltalbotkelly.com/standing-psychotherapy-on-its-head/.

[15] Orthodox Dogmatic Theology, p. 323.

[16] الـشاكتيباتهي منح الطاقة الشيطانية الروحية بكلمة أو نظرة أو فكرة أو لمسة.

[17] أفسس 12:6

[18] 2 كورنثس 14:6

[19] 2 كورنثس 14:11

[20] تقدّمُ الـسانديليا أوبانيشادتحذيرات مشابهة. أنظر المدارس السبعة لليوغالإرنست وود، ص: 78- 79.

[21] الـبيلاتيسبديل مثاليّ ومناسب لليوغا. وهو نظام تمارين ذهنية يساعد على المرونة والقوة والتركيز. الـبيلاتيسهو نمط تَكَيُّف يشدِّدُ على التّنسيق والتوازن والتنفُّس. بيَّنت الدّراسات، أيضاً، بأن تمارين المرونة تُعتَبرُ بديلاً فعّالاً لليوغا في علاج آلام أسفل الظَّهر.

[22] أمثال 5:3.

[23] متى 16:10

الإنسان المخدوع والرحمة

الإنسان المخدوع والرحمة

الأب أنطوان ملكي

يبدأ النصّ الإنجيلي بعبارة يُشبِه ملكوتُ السماوات انساناً مَلِكاً“. كيف يشبه الملكوت إنساناً ومَن هو الإنسان الذي يشبه الملكوت؟ إنه بالطبع يسوع المتجسّد، أي ابن الله متّحدًا بالناسوت، ما جعله إنسانًا ملكًا. العبد المديون بعشرة آلاف وزنة هو البشرية. يرى بعض اﻵباء أن الرقم عشرة يُشير إلى الوصايا العشرة، والرقم ألف يُشير للأبديّة. هذا يعني أن قيمة دين الإنسان أي عشرة آلاف، هي مخالفة كبيرة للناموس، وليست شيئاً يستطيع أي مخلوق أن يفيه في حياته. إذاً هذا المثل يظهِر يسوع ملكاً ديّاناً يقف أمامه الإنسان بعجزه التام عن الإيفاء بالدين. بيع المديون هو بحسب الشريعة، أي أنه أمر قانوني لكنه ذو معنى روحي عميق. فبيع الإنسان يعني أن الإنسان خسر كل شيء. كون معنى الدَين الفعلي في المَثَل هو الخطيئة، فهذا يعني أن الخطيئة تفقِد الإنسان الكثير. فبالخطيئة يخسر الإنسان روحه أي ذاته، كما يفقد زوجته أي جسده المرتبط به والذي يعوله ويربِّيه، لكون الخطيئة تحوّل الجسد الصالح دنسًا مثقّلاً بالشهوات التي تفسد الفكر والحواس. أمّا الأولاد الذين سوف يُباعون مع الإنسان لأنه يفقدهم فَهُم المواهب المتعدّدة التي حباه الله بها، والتي تحوّلها الخطيئة من أدواتٍ لبِرّ لله إلى أدوات إثم تخدم الشيطان؛ أمّا الممتلكات فهي الأمور التي بطبيعتها هي صالحة لكن فساد الإنسان يحوّلها إلى معثرة.

ومجدداً يظهر الإنسان بمظهر المُضلَّل حيث يطلب التأجيل ظانّاً أن بعض الوقت قد يؤهّله للإيفاء. لكن الملك أعطاه أكثر ممّا طلب فأطلقه حرًا وترك له ما عليه. هنا المعنى الروحي هو أن الملك وَهَبَه حرّية النفس والجسد، مقدّسًا مواهبه وممتلكاته، حتى يكون بكلّيته مقدّسًا له.

لكن انغلاق قلب العبد على أخيه عطّل حريته. طبعاً تظهِر مقارنة ما كان له عند أخيه بما كان عليه للملك فرقاً شاسعاً، مئة بمقابل عشرة آلاف. أمامنا إنسان تحرّر من عشرة آلاف وزنة، ولا يتنازل لأخيه عن مائة وزنة. يصف القديس يوحنا الذهبي الفم حالته بقوله: “إذ لم يكن بعد صوت المغفرة يدوّي في أذنيه نسي محبّة سيّده المترفّقةإن تذكار معاصينا أمر مفيد للغاية وضروري جدًا. ليس شيء يجعل النفس حكيمة بحقٍ ووديعة ومترفّقة مثل تذكار خطايانا على الدوام“.

واقع هذا العبد أحزن العبيد رفقاءه فشكوه إلى الملك. هذا تعليم عن أهمية صوت الجماعة. إن الله يسمع تنهّدات البشريّة بسبب قسوة الناس على بعضهم البعض. هذا هو حال البشريّة. إنها تئن من عدم تنازل الناس لبعضهم البعض وعدم غفرانهم لأخطائهم التي يرتكبونها بحق بعضهم البعض. لكن السيد ومعه الجماعة، أي الكنيسة، يحزنان جدًا لرؤية مَن لا يصفح يخسر ما تمتّع به من عطايا ونِعم إلهيّة.

يختم السيد المقطع الإنجيلي بقوله: “هكذا أبي السماويُّ يصنعُ بكم إنْ لم تَتْركوا من قلوبِكم كلُّ واحدٍ لأخيهِ زلاَّتِهِ“. يلاحظ القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيّد في هذه العبارة الإلهيّة لم يقل أباكمبل أبي“. فهو من جهة يساوي نفسه بنا ومن جهة أخرى ينحو بالله عن أن يكون أبًا لشرّيرين وحقودِين.

الغاية الأخيرة لهذه القراءة الإنجيلية هي أن نفهم أننا مرحومين لأن الرب كريم، وأننا نبقى مرحومين طالما نرحم. إن مقياس تلقينا للرحمة هو مقدار نقلنا إياها إلى إخوتنا البشر الآخرين.

* عن نشرة الكرمة، حول إنجيل الأحد الحادي عشر من متى

الإعلام الرقمي والشهادة الأرثوذكسية

الإعلام الرقمي والشهادة الأرثوذكسية

الشيخ أفرام رئيس دير الفاتوبيذي

قدس الممثل الرسمي لغبطة البطريرك المسكوني برثلماوس الأرشمندريت سيزاريوس

سيادة مطران كيساموس،

أصحاب النيافة الرؤساء،

السادة المسؤولون

إخوتي بالمسيح

الزمن الذي نعيش فيه ينمو دائماً وبمعدلات سريعة، بحيث يواجه الإنسان صعوبة في مراقبة التطورات والأكثر صعوبة هو تقييمها. إن التطور السريع للتكنولوجيا الحيوية والمعلوماتية وغيرها من العلوم واستخدام الإنترنت وتأثيرها على الحياة الاجتماعية قد شكّلا طريقة حياة معولمة مختلفة تمامًا عن ما كان في الأزمنة السابقة. مَن كان يعتقد، على مدى عدّة عقود، بأنه يمكن الاتصال ببعضنا ورؤية بعضنا البعض من خلال جهاز صغير، هو عبارة عن هاتف محمول أو لوحة، فيما الآخر على المقلب الثاني من الأرض!

الإلكترونيات والتكنولوجيا الرقمية لم تغزُ حياتنا وحسب، بل أصبحت الآن جزءاً لا يتجزأ منها.لقد أصبح استخدام الكمبيوتر ضروريًا للغاية بالنسبة إلى السكرتارية والمحاسبة والدراسة الاقتصادية لكل شركة كبيرة أو خدمة خاصة صغيرة أو خدمة عامة. لكن الأكثر إثارة للاهتمام هو أجهزة الكمبيوتر الموجودة في كل مكان، في المدرسة، في المنزل، في الرعية، في المطرانية وحتّى في الدير. مَن من المستعملين يرضى أن يعود إلى استخدام الآلة الكاتبة أو الكتابة بالقلم والورقة في عمله؟ لا يمكن تخيّل ذلك. في المدرسة، في الدروس الخاصّة، في المنزل، في العمل، في الترفيه، في وقت الفراغ، يكون بجانبنا كومبيوتر أو بدلاً عنه جهاز رقمي صغير، أو لوحة، أو هاتف محمول، أو حتى ساعة ذكية. لقد جلبت الثورة الرقمية كإستمرار للثورة الصناعية الكثير من الثمار إلى عصرنا.

قبل بضع سنوات تمحورت المناقشات حول قدرة وسائل الإعلام الرقمية على تقديم معلومات مثل وسائل الإعلام الكلاسيكية. الآن، مع شبكة الإنترنت، نجد أنها لم تفشل، بل تجاوزتها، حتى لا نقول أنها حلّت مكانها. وبطبيعة الحال لم تبقَ فقط في مجال الإعلام بل دخلت مجال الاتصالات والليتورجيا والصحة والترفيه والتجارة. الآن، بهاتف محمول يمكنك التحدث إلى شخص ما، ورؤيته على قيد الحياة، وحيثما يكون الآخرون، يمكن الاتصال بك من خلال صفحة ويب ﻹيصال أخبار اليوم، اللعب، الاستماع للموسيقى والراديو، مشاهدة الأفلام، شراء ما تريده من الإنترنت، كما يمكنك العثور على معارفك الذين فقدت الاتصال بهم منذ سنوات أو اكتساب أصدقاء جدد من خلال الشبكات الاجتماعية. وكل هذا ممكن شرط أن تكون على اتصال بالإنترنت.

نحن نرى بوضوح قدرة الجيل الجديد في التعامل مع الوسائط الرقمية. ليس من المبالغة وصف الجيل الجديد بأنه الجيل الرقمي. بالطبع، التكنولوجيا الرقمية ليست ميزة الجيل الجديد فقط، هناك أشياء أخرى كثيرة دخلت حياتنا ولم تؤخَذ على محمل الجد. في أيار 1967، أنطلقت حركة من فرنسا أثّرت على الوضع الاجتماعي والأخلاقي في أوروبا وأمريكا وحتّى في اليونان. من نتائج هذا التمرد الاجتماعي التحرر الجنسي، والفردية، وتفتيت المؤسسات والبنى الاجتماعية والدينية. جاء تأثيرها كمحفّز بحيث أنها في غضون سنوات قليلة كسرت أسلوب الحياة الأخلاقي المعروف، والذي كان قائماً بطبيعة الحال على أساس الروح الفعلية والأساس الروحي الحقيقي للحياة في المسيح. وبالنتيجة، صار الجيل التالي أكثر ضعفاً روحياً، يتخطّى كل الحواجز الأخلاقية بسهولة كبيرة، ويعارض ويرفض كل القيّم والمثاليات. الجيل الحالي الذي يتكوّن من أحفاد شباب أيار 68 ضعفت أخلاقه بالكامل ووصل إلى درجة من السخف بات يرى غير الطبيعي من الطبيعة. لذلك، مجتمعاتنا اليوم تقبل بسهولة كبيرةٍ الزنا والإجهاض والمساكنة والمثلية وتبنّي المثليين للأطفال والهويات المجندرة، الخ. لأنها كانت وما زالت مطالبَ عصرنا. الإنسان المعاصر يطلب وينظر إلى الخطيئة كحالة طبيعية وكنمط حياة صحيح وطبيعي. وهكذا شيئاً فشيئاً، بدأت تتشكّل أخلاقيات جديدة عند الناس المعاصرين، أخلاق جديدة، أخلاقيات البيولوجيا، أخلاقيات غير أخلاقية، تمّت ترجمتها بإنسان حرّ ومستقل في تنوع فوضوي في هذا العصر. من ناحية أخرى، افتتحت الثورة الرقمية حقبة جديدة من الرقابة الجماعية، وخلقت سلسلة من الحقوق السياسية والإنسانية المثيرة للمشاكل. لهذا فإن الدولة نفسها، أي النظام نفسه، تضع قوانين لحماية البيانات الشخصية لكنها في الممارسة تنتهك الحياة الشخصية الخاصة.

اليوم، لا يعرف الإنسان المعاصر ما هو الإنسان. إنه يحيا بقناع. الإنسان، كما يُنظَر إليه رقمياً لا يُعتبر أكثر من وحدة بيولوجية وعَدَد. لقد انحطّ الإنسان. خفّض جودة ومعنى حياته. إنه مستقلّ، أناني ومختوم بإحكام في الأنا، فرداني، ملاحِق للذة ومتشائم، سخيف وزائف. بتعبير آخر، اكتسب الإنسان المعاصر شخصًا أهوائياً إلى حدٍّ كبير، مشكّلاً أنثروبولوجيا غير مترابطة. كل أنواع الأزمات التي ابتلي بها مجتمعنا اليوم، الاقتصادية والسياسية والثقافية والأخلاقية والمؤساستية، تستند إلى حكم الشخص وبالتالي تعبّر عن القناع الأهوائي.

لا يستطيع الإنسان أن يجد نفسه في العلاج بالتحليل النفسي أو بالدخول في بعض فرق الأديان الزائفة أو الكنسية على الطراز الغربي. لأن المسيح طبيب نفوسنا وأجسادناالوحيد، لا يعيش هناك. على الإنسان المعاصر أن يرجع إلى نفسه(أنظر لوقا 17:15). وللرجعة إلى نفسه، يجب عليه أولاً أن يلامس مكاناً ما، وأن يجد نقطة دعم ويفهم أن هناك شيئًا أكثر سمواً، شيئًا مثاليًا غير متناهٍ وأبديًا. هذا من شأنه أن يجذبه ويؤدي إلى صعوده الروحي، لإعطاء المعنى الحقيقي والهدف لحياته. داخل هذه المتاهة التي نعيش فيها، نعتقد أن ساعة الأرثوذكسية قد أتت، ساعة الشهادة الصالحة، الشهادة للحق التي ليست فكرة مجردة بل هي شخص حيّ. الحق تجسّد في كلمة الله وشَهِد في التاريخ. “أنا هو الطريق والحق والحياة” (يوحنا 6:14). لهذا علينا أن نكون قادرين على تقديم المسيح الحي، الطريقة الصحيحة لحياة المسيح، التي الإنسان والمجتمع هما في أمس الحاجة إليها.

قال عالِم البيزنطيات العظيم السير ستيفن رانسيمان، في آخر مقابلة معه مع بامبتوسيا، أنه خلال الـمئة سنة القادمة ستكون الأرثوذكسية الوحيدة الموجودة من الكنائس التاريخية. إنه يؤمن بأن الأرثوذكسية لديها الروحانية الحقيقية التي لم تعد الكنائس الأخرى قادرة على بثّها. تشارلز تايلور، واحد من أعظم الفلاسفة في عالم اليوم، كتب بكثير من العمق عن الفلسفة الحديثة والمعاصرة في الغرب، قال قبل بضعة أيام، في محاضرة في أثينا، عبّر عن رغبتهالقوية بالارثوذكسية وتوقعاته لها. ليست هذه الأمور صدفة. كل الباحثين الجديين من غير الأرثوذكس يتوقّعون شيئاً من الأرثوذكسية. الأرثوذكسية هي النور، الحقيقة، المعرفة، الفرح، الحياة، ملء الحياة لكل إنسان. وعلينا نحن الأرثوذكسيين أن نكون جاهزين في كل لحظة لأن نشهد لهذا النور وهذه الحياة.

هذه الشهادة للأرثوذكسية، التجربة الأرثوذكسية، أعتقد أن بإمكانها أن تشمل حالياً استخدام الوسائط الرقمية. هذا لأنّ الوسائط الرقمية تُعَدّ الطريقة الرئيسية للاتصال في عصرنا. من خلالها يمكنك نشر رسالة الإنجيل إلى جميع الأمم، في طول الأرض وعرضها. القديس باييسيوس، في أحد اجتماعاتنا في قلايته الباناغودا حوالي عام 1982، وهي الفترة التي خلالها كان اجتماعنا يجري في دير كوتلوموسيو، قال نبويًا:”سوف تعيش في زمن ترى فيه كلمة الله وصلت إلى طول الأرض وعرضها“. هذا بالطبع تحقق اليوم بوجود الإنترنت والوسائط الرقمية. في ذلك الحين، لم يكن هناك إنترنت ولا هواتف محمولة.

لماذا تُتسَعمَل الوسائط الرقمية لنشر الشذوذ وأسلوب الحياة غير الطبيعي، ولا تُستَعمَل لتعكس الحياة الأبدية” (أنظر 1تيموثاوس 19:6)، الحياة في المسيح؟ لماذا لا يتم تحويل كل ثروات وحكمة الأدب الآبائي، إلى الرقمية وتُصنّف وتقدّم بطريقة حديثة فتكون متاحة على الإنترنت؟ فلتُنتَج أفلام ومسلسلات وأفلام وثائقية ورسوم متحركة وألعاب وتطبيقات على الجوّال وأقراص مدمّجة مستوحاة من رسالة الإنجيل ومن حياة المسيح وحياة القديسين وحكمة الآباء والتقليد الأرثوذكسي. نحن بحاجة لوجود كنسي قوي وشامل ومتعدد الأبعاد للكنيسة في الإعلام الرقمي (عندما نقول كنسي لا نعني الإكليروس، بل كل أعضاء الكنيسة الواعين).

يتغذى الإنسان بأسرار الكنيسة الروحية، بالقربان المقدس، ولكن أيضًا بالعقل. يتطور المؤمن ويتغيّر مع كلمة الله. كلمة الله، كما يعلّم الرسول بولس، هي حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ” (عبرانيين 12:4). كلمة الله تحيي الإنسان وتعطيه الإلهام في حياته وتفتح عقله وتكشف عن أعماق الشخص، وأهم من ذلك هي من الله. يمكن أن تعمل كلمة الله بشكل جيد للغاية مع الوسائط الرقمية، شريطة أن تتوفر الظروف اللازمة. يمكن لوسائل الإعلام الرقمية أن تعمل كالمبشرين، أن تعطي شهادة أرثوذكسية، ولكن كي تكون النتيجة صحيحة نحتاج الإجابة على السؤال: مَن وكيف؟ لا يستطيع أيّ كان أن يقدّم شهادة للمسيح إن لم يحيَ أولاً بالمسيح. لا يجوز لأحد أن يقوم بأي نشاط تبشيري إن لم يكن قد أخذ بركة من رئيسه الروحي، أسقفه أو شيخه. على سبيل المثال، يجب على مؤسس أو مدير كلّ موقع أرثوذكسي أن يعيش حياة داخلية في المسيح، وأن يتطهّر من الأهواء أو على الأقل يسعى إلى التطهر، كما يبرز القديس غريغوريوس اللاهوتي: “انتبهوا إلى التطهر أولاً، فتكونوا طاهرين؛ يحدث النور فيضيء؛ تتقدّسون فتقَدّسون“[1]. يجب أن يكون رجل المسيح متكاملاً، ذاك الذي قضى على الواجهة البشعة“[2] الذي بثّ عقلياً الطاقة التي توحد العقل مع القلب، وتعطي القوى النفسية الجسدية الموحدة، وتزرع الفضيلة والحب غير الأناني لله وللإنسان. ثم اسلك بحياة المعرفة الذاتية الحقيقية ولكن أيضا معرفة الله. يقضي القناع البشععلى الرجل الذي تحول إلى شخص حقيقي على صورة الشخص الحقيقي والأبدي أي يسوع المسيح. هذا الرجل في وضع يسمح له بأن يقدّم الكثير للبشر ولكل خليقة الله. كل نشاطاته تتقدّس. من ناحية أخرى، يمكن لمستخدم الإنترنت أو الوسيطة الرقمية أن يكون أي شخص، وقد لا يكون له أي علاقة بالكنيسة، وقد يكون ملحداً أو ضد المسيح. إن تقديم نتاج الاستنارة بالروح القدس، بالتأكيد سوف يعكس وسوف يخلق قلقاً حسناًحسب قول القديس باييسيوس. لكن لا ينبغي أن لا يستفيد روحياً شخص من أبناء الكنيسة مما يقدمه بالمسيح إنسان صالح يعيش نعمة الله. لا وسائل الإعلام الرقمية، ولا العلم، ولا الفلسفة، ولا الفن هي حواجز أمام اختبار النعمة الإلهية، بل التعلّق بها واعتبارها هدفاً بحد ذاتها. يعيش إنسان المسيح أربعاً وعشرين ساعة من الأربع وعشرين في المسيح حتّى في روتين مهنته اليومي أو علمه أو فنه، دون تعلّق بوسائل الإعلام الرقمية.

كل هذه الجهود التبشيرية من خلال وسائل الإعلام الرقمية، الشخصية أو من خلال الرعايا والأبرشيات، حسنة وقادرة على ضبط وإظهار قوة الأرثوذكسية ووحدتها. ثم يؤدي هذا الجهد أيضاً إلى نتائج أفضل، ويساهم في يقظة الإنسان المعاصر وتوبته ومنفعته الروحية. بالطبع لا ينبغي أن ننزّه هذا النشاط التبشيري الرقمي ولا أن نعيّره، لأن هذا النشاط سيكون مساعداً. لا ينبغي أن يكون قبول الأنظمة الرقمية في الرعاية الأرثوذكسية من دون تمييز. على سبيل المثال، لا يمكن استبدال العلاقات الشخصية الحيّة في الاعتراف الروحي بين المعترف والمعرّف بمجرد الاتصالات الشخصية عبر البريد الإلكتروني أو الشبكات الاجتماعية. وعلى الأكيد أيضاً، لا يمكن استبدال مشاركتنا في القداس الإلهي بحضور بث على الإنترنت. جميل جداً ما توجّه به غبطة البطريرك المسكوني السيد برثلماوس إلى تلاميذ ثانوية زوغرافو في القسطنطينية: “أنتم أبناء الفايسبوك والإنستغرام، لكن عادات هذا العصر لا تترككم تستمتعون بالتواصل عن كثب مع وجه الآخر” [3].

هدف هذا المؤتمر هو الدراسة العلمية المتعددة الأوجه والمتخصصة للوسائط الرقمية للاستخدام الرشيد والعقلاني في العمل الرعائي للكنيسة. ومع ذلك، فإن التحدي والدعوة واضحان: بما أن الإنترنت ووسائل الإعلام الرقمية مستخدمة في الحياة البشرية المعولمة الحديثة، لماذا لا تستخدمها الأرثوذكسية لإعلان عالميتها، وبدلاً من تظهير الإنسان المعولَم، تظهير طريقة الحياة الحقيقية الأصيلة الأبدية؟

[1] Ἁγίου Γρηγορίου Θεολόγου, Λόγος 2, 71, ᾿Απολογητικός τῆς εἰς τόν Πόντον φυγῆς, PG 35, 480.

[2] Βλ. Ἁγίου Γρηγορίου Παλαμᾶ, Εἰς τὸν Βίον τοῦ ὁσίου Πέτρου τοῦ ἐν Ἄθῳ 18, Συγγράμματα, ἐπιμ. Π. Χρήστου, τόμ. Ε΄, Θεσσαλονίκη 1992, σ. 171.

[3] Ὁμιλία τοῦ Οἰκουμενικοῦ Πατριάρχου κ.κ. Βαρθολομαίου στὸ Ζωγράφειο Λύκειο τῆς Κωνσταντινουπόλεως μὲ τίτλο «Ὁ Κωνσταντινουπολίτης Γεώργιος Θεοτοκᾶς».

متى تزيح التكنولوجيا الله ومتى تخدم في الكنيسة

متى تزيح التكنولوجيا الله ومتى تخدم في الكنيسة

الأرشمندريت زخريا زخريو

يكشف الرب يسوع في كثير من الأحيان عن الملكوت السماوي كعرس، ويدعو إليه جميع الناس على حد سواء. العالم كله، خليقة الله المتنوعة، هي ديباجة لعرس سماوي إلى حدٍ ما، طالما لم يتخلّ عنها الخالق بل بإخلاص ودقة هو يعمل” (يوحنا 17:5) ، ويصونها. العالم موجود لأن العناية الإلهية المستمرة والمثالية والقوية والدقيقة تعمل وتصون العالم، متخفيّة ضمن حتمية الطبيعة.

في عرس الملكوت، على حد تعبير الرب، ثلاثة أسباب قد تمنع الدخول:

أ) عند التعلّق بالخليقة المادية، حين تتربّع الخليقة المنظورة في المقام الأول في حياتنا، متّخذة الشرف الذي هو بالأصل لله. إذا تعلقنا بالمادة، يصبح نوسنا مادياً، رماداً. إذا وقعنا في تجربة التعلّق بالتكنولوجيا، فسوف يضعف اختيارنا لمشيئة الله في حياتنا، ونفقد مخافة الله الكاملة، التي ترجّح دائماً الأبدي على الأرضي، وتجعل الإنسان أكثر قوة في كفاحه ضد الخطيئة. “اشْتَرَيْتُ حَقْلاً، وَأَنَا مُضْطَرٌّ أَنْ أَخْرُجَ وَأَنْظُرَهُ” (لوقا 18:14).

ب) يرفض الدعوة الإلهية أولئك الذين يفضّلون على الله أموراً أخرى، قد تكون مقدّسة وشرعة، كالزواج مثلاً. “إِنِّي تَزَوَّجْتُ بِامْرَأَةٍ، فَلِذلِكَ لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَجِيءَ” (لوقا 20:14). يجب أن نكون مستعدين لتقديم أي تضحية لتحقيق اتحاد مثالي لروحنا مع الله.

ج) لا يدخل المدعوون إلى وليمة الملكوت عندما يكونون محاصَرين بالرغبة بتجربة شيء جديد. “إِنِّي اشْتَرَيْتُ خَمْسَةَ أَزْوَاجِ بَقَرٍ، وَأَنَا مَاضٍ لأَمْتَحِنَهَا. أَسْأَلُكَ أَنْ تُعْفِيَنِي” (لوقا 19:14). هذا الإغراء الأخير يسيطر على عقول البشر المعاصرين في استعمالهم للتكنولوجيا. إنه إغراء الحداثة والابتكار، الذي يستعبد الإنسان للشغف المستمرّ باكتساب أحدث نماذج التكنولوجيا المتطورة واستخدامها. إن زيف المعرفة وسحر الجديدالذي توفره التكنولوجيا يمكن أن يمحو عطش الإنسان الروحي ويطمس رؤية الروح والنوس. وهكذا، لا يعود الإنسان يرى يد الله التي تشغّل التكنولوجيا، ويصير محروماً من فرصة ملء نواقصه بالشكر.

عندما يتبع الإنسان مشيئة الله وفكره، يعرف بشكل أفضل كيف يعيش مع الآخرين، وكيف يستعمل التكنولوجيا، كما كل الخليقة، بشكل حكيم ونافع لمجد الله ومنفعة الإخوة.

كل وصايا الله تعكس الطريقة التي يعمل بها. عندما أعطانا وصية أن لا تعرف شمالك ما تصنع يمينك (متى 3:6)، أرانا طريقة عمله هو. إذاً، الرب يخدم الإنسان دائماً بطريقة متواضعة، من دون أن يظهر. إنه يختبئ قليلاً وراء القوانين الطبيعية وقليلاً وراء العلوم التي يمنحها لخدمة الإنسان بعنايته الواضحة، لأنه لا يريد أن يحمّله عبء الامتنان.

الربّ، بصلاحه اللامتناهي، يهب الاكتشافات العلمية والإبداعات الفنية، مانحاً البشر الفرصة للحصول على الوسائل والموارد لحياة سكان الأرض المتزايدين. إن خليقة الله لا تحدّث عن مجده وحسب، بل هي تخفي ثروة من الطاقة التي يتمّ اكتشافها تدريجياً لسدّ حاجات البشر. مأساة العلماء تكمن في أنهم عندما يفتحون مناطق جديدة وينجزون الاختراعات، بدلاً من أن يؤدّوا المجد والشكر لله، يخرجونه من خليقته بروح الكبرياء.

يقول الرسول بولس نَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ” (1كورنثوس 12:2). روح الرب متواضع ونحن نكتسبه بالشكر. الشكر يقدّس كل الخليقة، وبقدر ما نشكر الرب على أعماله نكسب أكثر في حياة العالم لأَنَّ كُلَّ خَلِيقَةِ اللهِ جَيِّدَةٌ، وَلاَ يُرْفَضُ شَيْءٌ إِذَا أُخِذَ مَعَ الشُّكْرِ، لأَنَّهُ يُقَدَّسُ بِكَلِمَةِ اللهِ وَالصَّلاَةِ” (1 تيموثاوس 4:4-5). وبالتالي، فإن التكنولوجيا ليست أمراً سيئاً إذا استخدمها الإنسان بالشكر والاعتدال.

الكلمة الرسولية المذكورة أعلاه هي بداية كل ممارسة ليتورجية وكما أنها نموذج الحياة التي تعلمنا إياها الليتورجيا الإلهية. يمكننا تطبيق نفس البداية على استخدام التكنولوجيا الرقمية. وبالتالي، فإن الإنسان المستعمِل الذي يعرف كيف يشير دائماً إلى الله بشكرٍ سوف يحقق الاستفادة القصوى من استخدام التكنولوجيا. وكما أن الله في محبته المتواضعة يصل إلى الإنسان حتى مع التكنولوجيا، كذلك المؤمن يستخدم العلم والتكنولوجيا بشكرٍ لمجد الله ومنفعته هو بذاته.

من أجل الاستعمال الصحيح للتكنولوجيا، يجب ألّا يغيب عن بالنا أمران: أولاً، أن التكنولوجيا هي منحة من الله لمعيشة جيلنا، وثانياً أن المعرفة خارجية، نسبيّة وعابرة، بينما المعرفة التي نسعى إليها كمسيحيين داخلية، قلبية، تحوّل القلب وترافقنا إلى ما بعد القبر. المعرفة الخارجية لا تصل إلى كمال الزمان، ولا تمنح الإنسان أي كيان حقيقي. في المقابل، القَلبي يتحقق بالتحوّل المستمر لروح الإنسان نحو القلب ومن هناك نحو إلى الله. عندما يتّحد النوس مع القلب، فنعمة الله تجعل الإنسان يرى نفسه وكل العالم بوضوح، ويصير في وحدة مع كل شيء كما هو.

إن تعاسة الإنسان الناتجة عن فشله وعن فقره الروحي تحتجزه في أدنى مخلوقيته. لقد منحه الله نوساً عجيباً لينظر من خلاله ويستمتع بوجه خالقه، فيصير بقلبه قادراً على تتويجه مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ” (1تيموثاوس 15:6). بحضور الإله الحي، لا يعود الكائن البشري محتاجاً إلى معلومات من الإنترنت، ولا من الكتب والرسائل إذ في ذلك الحين يكتب الروح القدس في قلبه أفعال الحياة الأبدية. وبحسب كلام القديس سلوان: “بعقلنا لا يمكننا أن نفهم ولا حتّى كيف وُجدت الشمس. وعندما نسأل الله: <قلْ لنا كيف صنعت الشمس> نسمع بوضوح في قلبنا: <واضعوا ذواتكم وسوف لن تعرفوا الشمس وحسب بل حتّى خالقَها>. وعندما تتعرف النفس إلى السيد بالروح القدس، فمن فرحها تنسى الشمس وكل الخليقة وتفقد اهتمامها بالمعرفة الفائضة“[1].

إن الموقف الحكيم من التكنولوجيا هو الإسخاتولوجي. هذه كانت توصية الرسول بولس في وجه كل التحديات في زمانه: “وَالَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ هذَا الْعَالَمَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَعْمِلُونَهُ. لأَنَّ هَيْئَةَ هذَا الْعَالَمِ تَزُولُ” (1كورنثوس 31:7). إن روح الإنسان الذي يسعى إلى وجه الإله الحي يجب ألا تكون مربوطة بأي شيء في هذا العالم، بل أن تعبُر هذه الحياة الحاضرة بسرعة بوجهة وحيدة ثابتة هي ملكوت الله. يعرف المؤمن أَنْ لَيْسَ لَنَا هُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ، لكِنَّنَا نَطْلُبُ الْعَتِيدَة” (عبرانيين 14:13) لذا يتخلّص من كل ارتباطٍ وتعلّقٍ بمعايير وقِيَم هذا العالم الذي كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ” (1يوحنا 19:5). عندما يكون فكره في الآخرة، يكفّ عن الالتصاق بالوقتيات ويبدأ ببناء الصالحات. إذاً، المشكلة ليست التكنولوجيا بل هي تكمن في الإنسان، أي في عقله والتزامه ورجائه.

في جهاد الصلاة يبدأ المؤمن بتذوّق حلاوة النعمة. لكن التصدعات غير المتوافقة مع النعمة تخلق هذا التضاد المأساوي في النفس، الذي يهزّ الكيان من أساسه ويقلبه بأكمله بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ“(عبرانيين 7:5) إلى السيد الذي هو الوحيد القادر على تجديده وخلاصه. إن لم يشعر الإنسان بهذا التضاد ولا يجتاز هذه التجربة العميقة فلن يكون قادراً على الانقطاع عن الخطيئة ومواجهة تحديات هذا العالم.

قال السيد: “مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كُلُّ كَاتِبٍ مُتَعَلِّمٍ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ جُدُدًا وَعُتَقَاءَ” (متى 52:13). العتقاء هي المواهب الطبيعية الموجودة، بما فيها علوم وتكنولوجيا الإنسان، وكل معارف طبيعته غير المحرّرة. الجدد هي نعمة الروح القدس ومواهبه التي يكتسبها الإنسان المتجدد الحكيم والملمّ بأسرار الله. والمواهب القديمة أو المكتَسَبة يجب أن تخدم مجد الله والاتّحاد العجائبي بين الإنسان وروح الرب. في كل الأحوال، مَن يضع إيمانه بمواهبه المخلوقة، يسد طريقه نحو المواهب الفوق طبيعية التي الإنسان مدعو إليها ومهيأ لها قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ” (2تيموثاوس 9:1).

لقد واجه آباء الكنيسة في القرن الرابع تحدياً مماثلاً لتحدي التكنولوجيا مصدره الفلسفة الهلينية. هؤلاء أثبتوا بوضوح أن الفلسفة البشرية الحقيقية هي الفلسفة العملية أي التحقيق الكامل لمتطلبات الإنجيل. الأمثلة البطولية الحقيقية عن هؤلاء الفلاسفة هم باسيليوس الكبير، غريغوريوس اللاهوتي ويوحنا الذهبي الفم، وكثيرون غيرهم من القديسين.

الكنيسة بطبيعتها تمتلك الحقيقة الأبدية بأن يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ” (عبرانيين 8:13). إذا عَرَضنا الأنثروبولوجيا الإنجيلية فسوف تتكشّف فرادةُ حقيقةِ كلمةِ الله، مقدّمةً الأجوبة لكل المشاكل وكاشفةً الطريق الموثوقة إلى الأبدية.

التكنولوجيا اليوم تعني العولمة. لكن العولمة الحقيقية هي التي للمسيح الذي غلب العالم بصليبه وبقيامته، وبآلام جسده صار آدم الجديد وأب الدهر الآتي“.

[1] Ἀρχιμ. Σωφρονίου, Ὁ Ἅγιος Σιλουανὸς ὁ Ἀθωνίτης, Ἱ. Μ. Τιμίου Προδρόμου Ἔσσεξ Ἀγγλίας, 142011, σ. 347.

التماس إلى جميع الكنائس المحلية

التماس إلى جميع الكنائس المحلية لإضافة الامتناع عن استخدام الإنترنت والشبكات الاجتماعية بشكل واضح إلى القواعد المتعلقة بالصوم

الأستاذ جانكلود لارشيه

هناك أشكال جديدة من الوسائط التي تسمّى بالوسائط الرقمية، والتي يتمّ الوصول إليها عبر أجهزة الكمبيوتر، والأجهزة اللوحية، وخاصةً الهواتف الذكية الآن، ومحتواها بشكل أساسي هو الإنترنت، والشبكات الاجتماعية، والرسائل (الرسائل القصيرة ، رسائل الوسائط المتعددة ، إلخ)، وقد غَزَت حياة الناس المعاصرين وخاصة شباب اليوم، من سن العاشرة وأحيانًا دون ذلك.

إن قدرة هذه الوسائط على تأمين التواصل بسرعة وبتكلفة ضئيلة، وإمكانيتها على توفير الوصول إلى كل شخص تقريبًا وكل شيء، وقوة الصور التي يتم تداولها في وسائل الإعلام الرقمية، كلها أمور تُكسِب الوسائط الرقمية قوة إغواء كبيرة. إن الضغط الاجتماعي (لا سيما الضغط للتكيّف) ، ولكن أيضاً التنظيم الاقتصادي للمجتمع، قد جعل هذه الوسائط أدواتٍ يكاد يكون الإنسان مضطرًا إلى امتلاكها حتى لا يتمّ استبعاده من مختلف المجموعات والدوائر الاجتماعية والإدارية والاقتصادية.

في الغالب، لقد تمّ ترسيخ اعتمادٍ ذي طبيعة داخلية أو نفسية بين المستخدمين من كافة الأعمار. يقلِق هذا الإدمان العديد من الآباء، لأنه يؤثّر الآن على الكثير من الأطفال، وحتّى المستخدمون أنفسهم يلاحظونه؛ أوضح ما يظهر هذا الإدمان في الحالات الخطيرة، حيث يكون العلاج جذرياً ويتطلّب انسحاباً كاملاً طويلَ الأجل من مثل هذه الوسائط، و أيضًا رعايةً نفسيةً عيادية في بعض الأحيان. مع ذلك، إن هذا الإدمان غالباً ما يبقى غير محسوس في الحالات الأقل خطورة، حيث أن العادة قادرة على جعل ما هو غير عادي يبدو وكأنه عادي. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الاستخدام أصبح مسيئًا لدى معظم المستخدمين.

في هذا المؤتمر الذي جمع ممثلين عن الإعلام الأرثوذكسي، يتمّ عرض وسائل الإعلام في معظم الحالات بطريقة إيجابية، على أنها من ضمن الحياة الكنسية أو كأنّها شيء يجب أن ينضمّ إلى هذه الحياة، مع فكرة أنها أصبحت الآن قوى مؤثّرة لا غنى عنها للنشاط الرعائي والبشاري في الكنيسة. هذه الرؤية شبه الفردوسية يجب أن تخضع للاعتدال. في الحياة الواقعية، يقضي الناس في زيارة المواقع الأرثوذكسية وقتاً أقل بكثير من غيرهم، ويبقى كثيرون من الشباب الأرثوذكسي غافلين تماماً عن هذه المواقع. في الغالبية العظمى من الحالات، الأهواء التي تسكن الإنسان الساقط تجذبه إلى المحتوى الذي يتلاءم معها، سواء عبر اختيار المواقع التي تتم زيارتها أو عبر دوافع التواصل على الشبكات الاجتماعية مثل فايسبوك، حيث النرجسية (التي يسمّيها آباء الكنيسة [philautia- ϕιλαυτία] أي محبة الذات) تلعب دوراً كبيراً، سواء في عرض الذات أو في السعي المحموم إلى الإعجابات likesالتي تداهن الأنا.

لقد قمت مؤخراً بنشر كتاب مؤلف من 320 صفحة بعنوان مرضى من وسائل الإعلام الجديدة” (باللغة الفرنسية: “Malades des nouveaux médias”)، والذي تمّت ترجمته إلى اللغة الرومانية تحت عنوان أسرى الإنترنت، والذي يجري حالياً ترجمته إلى اللغة الإنجليزية تحت عنوان مدمني وسائل الإعلام الحديثة“. في هذا الكتاب، أبيّن بطريقة مفصّلة ومعلّلة تأثيرات وسائل الإعلام الحديثة السلبية والأكّالة والمدمرة على مختلف مجالات الحياة البشرية: النفسية والفكرية والثقافية والاجتماعية والعلائقية، وأخيراً (وبشكل خاص) الروحيّة. كما أني أقترح بعض التدابير الوقائية والعلاجية، وخاصة ذات الطبيعة الروحية. بالنسبة لهذا العرض التقديمي، الذي يجب أن يكون موجزاً للغاية، قد اخترت التحدث فقط عن الصوم والعفّة كوسائل للحدّ من استخدام وضبط وسائل الإعلام الجديدة التي أصبحت في معظم الحالات اعتسافية ومؤذية.

لقد وضعت الكنيسة الأرثوذكسية قواعدَ للحدّ من استهلاك الغذاء والنشاط الجنسي والامتناع عنه في فترات الصوم كما في أيام معينة من الأسبوع والسنة.

إن أحد الأغراض الرئيسية من هذه القواعد هو ترويض العقل على التحكم بالنبضات الجسدية والنفسية، بهدف إعادة توجيه القوى النفسيةالفيزيولوجية نحو الحياة الروحية والتركيز عليها، لإرساء حالة من الجوع والرغبة التي تسبب في الإنسان الشعور باعتماده على الله وحاجته إليه، كما لترسيخ حالة سلامية في النفس ميّالة إلى التوبة وتعزيز الانتباه والتركيز في الصلاة.

إن إساءة استخدام وسائل الإعلام الجديدة، التي أصبحت شائعة ، تنتج تأثيرات معاكسة لتلك المرجوة من الصوم والتعفف: استنفاد الطاقة التافه، الاغراء الخارجي الدائم والتشتت، الحركة الداخلية المستمرة والضوضاء، الاحتلال العدائي للزمن، استحالة تأصيل السلام الداخلي أو الحفاظ عليه، وتدمير الانتباه والتركيز اللازمين لليقظة والصلاة.

يجب التشديد على أن هذه التأثيرات تتعلّق باستخدام وسائل الإعلام الجديدة بحدّ معين بغضّ النظر عن محتواها. وكما أوضح خبير الإعلام الكبير مارشال ماكلوهان، فإن الوسيط له تأثير أكبر من الرسالة التي ينقلها إلى حد يمكننا القول إن الوسيط هو الرسالة“. بالطبع، هذا لا ينبغي أن يجعلنا ننسى مسألة المحتوى الذي عندما يكون سيئًا يؤول إلى إثارة الأهواء وتغذيتها، وبالتالي يزيد عدم التوافق مع حياة الزهد، كما هي مفهومة على نطاق واسع، ويضاعف الضرّر بالحياة الروحية.

على الكنيسة أن تأخذ بعين الاعتبار هذه الملابسات الجديدة التي أوجدها عصرنا، ويجب أن تضع القواعد المناسبة مواكبة قواعد الصوم عن الطعام والعفة الجنسية، وذلك لمساعدة الإنسان المعاصر عِبر الحدّ الطوعي المنتظم، لتحرير ذاته من الإدمان الجديد الذي يقيّده، بهدف إعطائه الوسيلة ليسلك بالكامل في الحياة الروحية التي تناسب طبيعته وتكون بمثابة الشرط لنموّه الشخصي الحقيقي.

قد يمكن القول أنه لا ضرورة لأي قاعدة من أجل هذا الأمر، وأن التوصيات الرعائية تكفي. ولكن عندها يمكن قول الشيء نفسه عن الصوم والعفّة، اللذين وضعت لهما الكنيسة قوانيناً بشكل رسمي في المجامع المسكونية. السبب هو حقيقة أن القواعد التي صيغت رسمياً وبدقّة لها تأثير أكبر، ونطاقها أكثر عالمية، وطابعها أكثر إلزامية من مجرد التوصيات على مستوى الرعيّة، والتي هي غالباً غير موجودة.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو الطبيعة الممارَسة للصوم والعفة.

كما ذكرنا أعلاه، فالأمر يتعلّق بتحديد الوقت الذي يكون فيه الإنسان على اتّصال، كما التنظيم الصارم لاستخدام هذه الوسائط ولمحتواها. من الضروري التخلّي عن الاتصال الدائم، وقصر الاتصال لفترة محددة في اليوم. نحن بحاجة إلى التخلص من الوسائل غير الضرورية، كالشبكات الاجتماعية (فايسبوك وإنستغرام وتويتر وغيرها) وجميع مواقع الترفيه. بالتأكيديجب تجنّب كل المواقع التي تشكّل خطر الإغراء أو تقود إلى لقاءات سيئة. ومن المناسب أيضًا التشدد بعد الاتصال بالإنترنت إلا لما هو تقتضيه ضرورات العمل أو الدراسات.

يحتاج الآباء إلى تعليم أطفالهم، الذين يستخدمون هذه الوسائط الجديدة، تنفيذَ هذا التقييد من خلال شرح المعنى الكامن وراءه.

تتيح فترات الصوم الفرصة للجميع للتخلّص من علاقات الشبكات الاجتماعية الاصطناعية والافتراضية، بهدف إعادة اكتشاف علاقات عميقة وملموسة وحقيقية مع العائلة والأصدقاء، وبشكلٍ عام لكي نكون أكثر انتباهاً للناس من حولنا. هذه الفترات الصيامية هي أيضا فرصة لإعادة اكتشاف الصمت والعزلة الضروريين لممارسة الحياة الروحية ونموها.

سؤال أخاطر بطرحه بأن أثير الغضب هنا في سياق هذا المؤتمر، وهو ما إذا كان ينبغي أن يمتدّ حكم الصوم والامتناع عن وسائل الإعلام الجديدة إلى المواقع الأرثوذكسية كذلك. لا أريد أن أضع معظم المشاركين في هذه الندوة خارج الوظيفة، ولا حتّى هدفي الحدّ من وجود الكلمة المسيحية والكنسية في عالم حضورها فيه أصلاً قليل.

بلّ قبل كل شيء، أود أن أشير إلى أنه خلال فترات الصوم، وخاصة الصوم الكبير، عدد من وسائل الإعلام الأرثوذكسية، وخاصةّ تلك ذات المحتوى الروحي، هي ذاتية التحديد: إما أنها تغلق مواقعها لفترة من الزمن يختلف امتدادها، أو على الأقل تبطئ إنتاجها أو تحدّه.

مثل هذا التقييد له قيمة مثالية ويشهد بطريقته الخاصة على وجود الصوم الكبير والإمساك الذي يدعونا إليه.

ملاحظتي الثانية تتعلق بالقراءة. صحيح أن وسائل الإعلام الأرثوذكسية تقدم بطريقة إيجابية للغاية قراءات روحية على الأقل جزئياً، بل إن بعض المواقع مكرسة فقط لمثل هذه الأدبيات. ولذلك لا يوجد سبب، من حيث المبدأ، للحد من إنتاج هذه المواقع أو العودة إليها، ويبدو أنه ينبغي تشجيعها بقدر ما يتمّ تشجيع المؤمنين على المزيد من القراءة الروحية خلال فترات الصوم.

ومع ذلك ، أود أن أشير هنا إلى أن الدراسات العلمية لطرق القراءة على الشاشة تظهِر أن هذا النوع من القراءة سريع وسطحي. فعلى الشاشات، تظهَر لنا النصوص كصور. لهذا السبب، يخضع النصّ على الشاشة لنظرة شاملة، تمامًا كما هو الحال مع الصورة، وبالعادةِ تستقرّ العين على بضعة أسطر فقط.

توصلت إحدى الدراسات إلى أن الغالبية العظمى من الناس لا يقرأون النص سطراً بسطر كما يفعلون في الكتاب، بل يقفزون بسرعة من أعلى الصفحة إلى الأسفل، في حركة تتبع إلى حد كبير شكل الحرف F: يقرأون السطور الأولى، ينزلون قليلاً، يقرؤون الجزء الأيسر من بضعة أسطر، ثم ينزلون على طول الجانب الأيسر من الصفحة.

خلصت دراسة ثانية إلى أن القارئ المتوسط على الإنترنت يقرأ فقط حوالي 20٪ من النص. ووجدت دراسة ثالثة أن معظم صفحات الويب يتم استعراضها لمدة 10 ثوان على الأكثر، مما يدلّ بوضوح على أنها قراءتها لا تتمّ بالفعل.

بالكاد تتوقف القراءة على الشاشة عند الكلمات أو العبارات. إنها قراءة فيها شيء من التتبع الخلفي، وليست انعكاسية جداً. إنها قراءة سطحية بالكاد تثير جهود الاستيعاب والحفظ. من نواحٍ عديدة، تجعلُ وسائل الإعلام الجديدة العلاقةَ بالنص أكثر خفّة، أقلّ استقراراً، وأكثر هشاشة وعبورية.

يمكن أن تكون فترات الصيام، ويجب أن تكون، فترات يمكن فيها استعادة وقت القراءة وجودتها، بالتخلي عن الوسائط الرقمية لصالح المواد المطبوعة، وخاصة الكتب، التي توضح جميع الدراسات أنها تسمح بقراءة أكثر ثمراً من الشاشات بما لا يُقارَن، بينما تخلو من مساوئها.

إن الانقطاع التامّ عن وسائل الإعلام بكافة أنواعها خلال فترات الصوم هو الحل المثالي لإيجاد الهدوئية (hesychia)التي لا غنى عنه لتعميق الحياة الروحية، وهي بالضبط الهدف الرئيسي لفترات الصوم.

في الختام ، أود أن أشير إلى أن العديد من العيادات الخاصة والفنادق توفر فترات إقامة أطول أو أقصر من العزلة التامة، بدءاً بسعر منخفض حوالي الألف يورو، أي ما يقارب الألف ومائتي دولار في الأسبوع. على الكنيسة الأرثوذكسية أن تقدّم هذه الإمكانية رسمياً خلال الصوم، كخدمة مجانية مضمونة، مما يجعلها في متناول الجميع، بالإضافة إلى ربح روحي غير موجود في مكان آخر. إحدى هذه العيادات لها شعارها الإعلاني: “قَطْع الاتصال لإعادة الاتصال“. يمكن للكنيسة أن تتبنّى هذا الشعار بتحديد: “قَطْع الاتصال عن وسائل الإعلام الجديدة لإعادة الاتصال مع الله وأخيك“.

ما هو اللقاء مع الله وكيف يحدث؟

ما هو اللقاء مع الله وكيف يحدث؟

المتقدم في الكهنة أندرو ليميشونوك*

عندما تلمس نعمة الرب شخصاً وهو يفهم أن هذا لقاءه الشخصي مع الله، فمن المستحيل التعبير بكلمات عما يدور في نفسه في هذه اللحظة. هذا الحدث يتخطى كل شعور بشري.

في الكنيسة، يمنحنا الرب فرصة أن نصبح جزءًا من حياة جديدة الحياة الأبدية من خلال كلمته، ومن خلال الخدم الإلهية ومن خلال التراتيل. كل ما نسمعه ونراه في الكنيسة، كل ما نشارك فيه كل ذلك يشكل اجتماعنا مع الله. المناولة المقدسة هي اللقاء مع الله. هنا الجسم والدم. شاركوا!

هذا هو مفتاحنا للنصر. هذا هو أملي في أنني في يوم من الأيام سوف أقول لاللخطيئة في حياتي وأتوب. وأنا لن أقول ذلك وحسب بل سوف أتغيّر.

عندما يكون إيماننا المسيحي خارجيًا، نكون هادئين: نجد بعض الكلمات، كمثل كلمات حكمة من كاهن ما تدعمنا ونشعر أنها مهمة بالنسبة لنالكن هذا لا يكفي. يجب أن نجد كلمة تدخل قلبنا. يجب أن يتمّ هذا اللقاء، ومن ثمّ لن نكون قادرين على الخطيئة إذ سيكون ذلك مستحيلاً بالنسبة لنا. يجب أن تتغير عقولنا وتصورُنا لحياتنا والعالم كله بشكل عام.

يقرر شخص ما أن يكرّس حياته لله ويذهب إلى الدير. هذا يكون خياره. فيشكّك شخص آخرشخص ما يربّي عائلة، في حين أن آخراً يكون غير متأكد بعد مما يريد. لماذا يفضّل الناس عدم تسجيل زواجهم هذه الأيام؟ يمكننا القول بأنهم لا يرغبون في أن يكونوا مسؤولين عن أي شيء. انهم لا يريدون أي مسؤولية. في الوقت نفسه، لا يعتقد الناس أنهم يستطيعون أن يحبّوا شخصاً ما طوال حياتهم. إنهم لا يؤمنون بقدرتهم، ولا يعتقدون أن بإمكان الإنسان أن يكرّس حياته بالكامل لشخص آخر. ماذا لو لم يكن هذا الشخص هو المناسب لي؟ ماذا لو حدث شيء ما، وصرت وحدي؟ هذا هو التقلّب والشكّ اللذين يعيش فيهما الإنسان الخاطئ، الذي ليس عنده ركيزة أو أساس إيماني يمكن أن يبني حياته عليهما. لا يستطيع المرء بناء أي شيء على الرمال لأن البناء على ما ليس مستقراً يسقط

يعدّنا الله لهذا اللقاء. بالنسبة للكثيرين منا، هذا سيحدث في آخر لحظة من حياتنا. لسوء الحظ، نحن نعرف ما يمكن أن يحدث للأشخاص الذين لا يعرفون الله: في اللحظة التي يكونون فيها قادرين في النهاية على رؤية العالم الروحي، يرون الشياطين بدلاً من الله. يكون الإنسان خائفاً لأنه لا يعرف ما يتوقع كونه لا خبرة عنده بالتواصل مع الله. هذا مريع. إنه المرحلة الأخيرة من الحياة، والتي يمكن أن تؤدي إلى الخوف الأبدي. وهذا مختلف تمامًا عما يحدث لمَن قضى حياته في الإيمان! هو أيضاً يرى شيئًا ولكن يكون في عينيه أمل وليس خوف. هذا لا يكون خائفاً لأنه يثق بالله. ثم في النهاية، يتمّ لقاؤه مع الله، بداية حياة جديدة ، حياة أبدية عندما تشهد ذلك تشعر بأنك جزء من سر الحياة الأبدية.

* المتقدم في الكهنة أندرو ليميشونوك هو الأب الروحي لدير القديس أليزابيت الدوقة في مينسك، روسيا البيضاء. المقتطف المترجَم هنا هو جزء من عظة له.

اسألْ الله أن يزيد يقظتَك لا إيمانَك

اسألْ الله أن يزيد يقظتَك لا إيمانَك*

آريك هايد**

الكثير من المسيحيين يريدون أن يزيدوا إيمانهم. ولما لا؟ هذا يبدو طبيعياً وحسب. لكن، ألم يقرأوا أنّ المسيح وبّخ تلاميذه لأنهم طلبوا إليه ان يزيد إيمانهم؟ إنه المقطع حيث يخبرهم أن إيماناً بقدر حبّة خردل يكفي، وما يحتاجونه هو أن يزيدوا طاعتهم واتضاعهم (لوقا 5:17-10).

يبدو العديد من المسيحيين مهووسين بشكل إيجابي بزيادة إيمانهم، متخيلين أن كل نقص عندهم وأنّ انهزامهم وانعدام أمنهم ومرضهم ومعاناتهم وما إلى ذلك يرجع إلى افتقارهم إلى الإيمان وبالتالي فإن المزيد من الإيمان يمنحهم القوة على هذه الأمور.

أعتقد أنهم على حق بشكل جزئي فقط. صحيح أنهم يفتقدون الإيمان (وربما حتّى الإيمان الذي بحجم حبّة الخردل)، لكنهم مخطئون في تحديد سبب افتقارهم إليه. إنهم يفتقرون إلى الإيمان لأنهم يعاملون الإيمان كمفهوم وليس كصيغة للوجود. إنهم يفتقرون إلى الإيمان للأسباب التي ذكرها المسيح في الكتاب المقدس على وجه التحديد: بسبب الافتقار إلى الطاعة والتواضع أي أعمال الإيمان. لكن الإصلاح الوحيد لهؤلاء ليس مزيدًا من التركيز على الإيمان بل المزيد من التركيز على اليقظة.

في كل أجزاء الكتاب المقدس هناك تعليم عن اليقظة كما عبر المسيحية التاريخية عند القديسين والنسّاك. في الفيلوكاليا (وهو كتاب من اربع مجلدات يحتوي على كتابات الرهبان المسيحيين الأرثوذكس والنساك من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر) تُفهم اليقظة على أنها حرفياً عكس الثمالة. إنها الرصانة والانتباه والسهر بورع. إنها فعل مراقبة الأفكار الداخلية وأوهام التفاهة، إنها حفظ النفس المستمر. اليقظة تجعل عمل الصلاة المستمرة ممكناً، وتغلّف مجموعة الفضائل كاملة بما فيها نقاء القلب والسكون.

باختصار ، اليقظة هي الإيمان عاملاً. لا حاجة لمراقبة مستوى الإيمان طوال اليوم وكل يوم، وببساطة متى انخرط الإنسان في اليقظة يتحقق هدف الإيمان. وكما ذكرنا أعلاه، الإيمان ليس مفهوماً عقلياً بل هو نمط وجود. في الإيمان يكون الإنسان على غرار ما يكون في المحبة. لا يمكن أن يتمّ الإيمان إلا من الداخل؛ لا يلاحظ المرء الإيمان من الخارج ويتصوّر عقلياً كيف يعمل. الإيمان سفينة محطمة إذا كان فقط في الدماغ.

وبما أن الإيمان ليس بناءً فكريًا، فلا جدوى من التفكير في أن المرء يقترب من الإيمان بمجرد التفكير فيه. لقد رأيت الكثير من الناس يصابون بالعصبية ﻷن زيادة إيمانهم استحوذت عليهم. كل ما يمكننا فعله هو زيادة يقظتنا، وبهذا نلبّي دعوة الإيمان.

* اليقظة هي أحد أهمّ المواضيع التي يتناولها اﻵباء النسّاك، حتى أن أهمّ الكتب التي تجمع تعاليمهم، أي الفيلوكاليا، اسمه الكامل فيلوكاليا اﻵباء اليقظين“. اليقظة باليونانية نيبسيس” (nepsis). وقد عرف تراثنا العربي هذه الكلمة منذ زمن طويل، حيث ترِد في نصوص قداس الذهبي الفم الإلهي يقظة النفس ومغفرة الخطايا“. أمّا ترجمات اﻵباء في العربية فجميعها ترجمت نيبسيس إلى اليقظة. فالبطريرك الياس الرابع الذي ترجم كتابات مرقس الناسك ودير الحرف الذي ترجم القديس يوحنا السلمي، والأسقف استفانس حداد الذي ترجم القديس دوروثاوس غزة، والأب منيف حمصي الذي ترجم أكثر من كتاب ومنها اليقظة والصلاةحيث أفرد فصلاً طويلاً لتحديد اليقظة، جميعهم ترجموا νίψις إلى اليقظة.

مؤخّراً استُعملَت عبارة النباهةبدلاً من اليقظة. فكتاب خدمة الكهنة الصادر عام 2000 عن دير الحميراء يذكر نباهة النفس ومغفرة الخطايا، وكتاب الفيلوكاليا الصادر مؤخراً عن تعاونية النور أيضاً معنون فيلوكاليا اﻵباء النبهاء“.

إن النباهة في قاموس المعجم الوسيط هي الشَّرَفُ أو الشُّهْرَةُ أو الفِطنةُ. لمَ قد يحكي اﻵباء عن الشهرة وهم قد هربوا منها؟ أمّا الفطنة فلها عدّة معانٍ لا تنطبق جميعها: البصيرة، حدة الذكاء والتمييز. فالبَصِيرَة باليونانية “οξύνοια”، وحِدّة الذكاء هي “οξύτητα”، والتمييز هي “διάκριση” ويستفيض اﻵباء، بخاصة القديس يوحنا السلمي، بالتعليم عنها. يبقى أن المعنى الأرجح للنباهة هو الشرف. هل القديس نيقوديموس اﻷثوسي آباء الفيلوكاليا بالشرفاء أو المشرّفين؟ ربما، إنما لماذا قد يطلب القديس يوحنا الذهبي الفم شرف النفس ومغفرة الخطايا؟ في اليونانية، الشرف قد يكون “υπεροχή” أو “εξοχότης”.

νίψις لطالما كانت اليقظة. في اﻵتيمولوجيا اليونانية، أي دراسة أصول الكلمات، لا يوجد أي تفسير لهذه الكلمة. كل ما يرد عنها أنها من اليونانية القديمة. التفسير المطوّل لهذه العبارة هو في المراجع اﻵبائية والتي تُرجمَت إلى العربية باليقظة، على يد أشخاص يعرفون اللغتين في زمان كانت اللغتان مستَعمَلتين في أوساطنا، وقد ترجم المذكورون أعلاه عن النص الأصلي وليس عن نص مترجَم إلى لغة أخرى كالإنكليزية أو الفرنسية.

يبقى أخيراً تعليق حول مفعول العبارات وهذا أمر يحمّل المترجم مسؤولية كبيرة. إن استبدال اليقظة بالنباهة خطر. بالمنطق الآبائي، اليقظة حالة والنباهة صفة. الحالة يبلغها الإنسان بالجهاد أما الصفة فقد لا يكتسبها أو قد تكون من صفاته أصلاً (المترجم، الأب أنطوان ملكي)

** آريك هايد أرثوذكسي من أصل مورموني. قضى بعض الوقت يسعى إلى الكمال في الزان. هذه الخبرة وجهته نحو النسك الأرثوذكسي. تحوّل إلى الأرثوذكسيةودرس اللاهوت والرعاية. هو في الأصل متخصص في علم النفس الإرشادي ويعمل في هذا الميدان. لديه مدوّنة غنية لكونه يجمع عدداً من الخبرات في قالب أرثوذكسي رزين.