غيرة أم إدانة؟

غيرة أم إدانة؟

الخورية سميرة عوض ملكي

إن التوق إلى تفسير ما يجري اليوم في كنيستنا من اضطرابات وتساؤلات محيّرة عن أيّ جواب وصراعات وأفكار لا سكينة لها، يمكنه أن يعمينا عن تذكّر مراحم الله الغزيرة، وعظمة ملكه وكلية اقتداره التي لا نهاية لها. فالنعمة الإلهيّة تعلّمنا أنّ السيّد يعطينا معرفة رحماته بالروح القدس وإلاّ لكنّا يئسنا بسبب خطايانا وبسبب كلّ ما يحيط بنا.

يقول القديس سلوان الأثوسي: “القلب المسيحي يخشى أدقّ حركة لفكره أو أي شعور عدواني أو سيء النيّة، يتألّم وينوح على كل شيء، وفي الوقت ذاته، لا يخاف أحداً أو شيئاً حتّى ولو «دخلت الأرض والسماء في تصادم»، حتّى ولو «هَوَت الجبال وأطبقَت فوق رؤوسنا بكلّ ثقلِها»، فإنّ قلب الإنسان العيق يبقى في سلام رصين، هادئ“. من هنا ينبغي على كلّ عضو من أعضاء الكنيسة أيّاً كانت مرتبته أن يحصّن نفسه من مرض الفصام الروحي أو ما يسمّى الشيزوفرينياالروحية المتفشّي منذ بدء التاريخ بدءاً بالسقوط إلى يومنا هذا. وهناك العديد من الأمثلة في الكتاب المقدّس بعهديه تشير إليه: “حَتَّى مَتَى تَعْرُجُونَ بَيْنَ الْفِرْقَتَيْنِ؟ إِنْ كَانَ الرَّبُّ هُوَ اللهَ فَاتَّبِعُوهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَعْلُ فَاتَّبِعُوهُ” (1ملوك 21:18)، لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْرَبُوا كَأْسَ الرَّبِّ وَكَأْسَ شَيَاطِينَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْتَرِكُوا فِي مَائِدَةِ الرَّبِّ وَفِي مَائِدَةِ شَيَاطِينَ” (1كورنثوس 21:10)، هكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي” (رؤيا 16:3).

وعن هذا يتكلّم غاندي بكلام جميل فيقول: “أنا مُغرَمٌ بمسيحكم، ولكنّي كرهتُ مسيحيّتكم، أعطوني المسيح وخذوا مسيحيّتكم، لم أجد في مسيحيّتكم المسيحَ الذي تتكلّمون عنه“. أنا لا أستطيع أن أقول أني مسيحي طالما مسيحيتي تنفصل عن المسيح. لا يمكنني أن أتناول الأسرار الإلهية وأمارس العبادة في الكنيسة، وأتأثّر بالكلمات الإلهية أو التراتيل، وعند خروجي من الكنيسة وعودتي إلى المنزل أو العمل أكون شخصاً مغايراً كلياً، استخدم أسلوباً عدائياً مع عائلتي أو على شبكات التواصل أظلُم وأشتُم وأُدين وأدخل في مخاصمات دائمة مع مَن حولي… فالمسيحي يجب أن يعيش بوجه واحد، داخل الكنيسة وخارجها، فيتقبّل عطيّة المحبة الروحية الأبدية للكلّ ومن أجل الكلّ. فلا يكون كالذين يصفهم الرسول بولس لَهُمْ صُورَةُ التَّقْوَى، وَلكِنَّهُمْ مُنْكِرُونَ قُوَّتَهَا” (2تيموثاوس 5:3) أو يصبح نحاساً يطنّ أو صنجاً يرنّ” (1 كورنثوس 1:13).

الإنسان المؤمن تتركّز وّته في درء ومقاومة الشرّ الذي قد تتعرّض له الكنيسة وعليه أن يفرّق بين الحكم على الخطايا الشخصية والحكم على الأخطاء العقائدية أو الإيمانية. فليس من حقّ أحد أن يخوض في الحياة الشخصية لأيّ إنسان ويلوك سيرته بفمه أو على صفحته. وهذا ما تتعلّق به وصيّة الرب: “لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ(متى 2:7)، مَنْ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ عَبْدَ غَيْرِكَ؟” (رومية 4:14).

أمّا بالنسبة لأمور الإيمان فالدفاع عنها واجب مقدّس. هوذا يوحنا الحجبيب يقول من جهة اﻷمور الإيمانية كُلُّ مَنْ تَعَدَّى وَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَعْلِيمِ الْمَسِيحِ فَلَيْسَ لَهُ اللهُ. وَمَنْ يَثْبُتْ فِي تَعْلِيمِ الْمَسِيحِ فَهذَا لَهُ الآبُ وَالابْنُ جَمِيعًا(2يوحنا 9:1)، وأيضاً الرسول بولس يذكّر في رسالته إلى تيطس اَلرَّجُلُ الْمُبْتَدِعُ بَعْدَ الإِنْذَارِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ، أَعْرِضْ عَنْهُ.عَالِمًا أَنَّ مِثْلَ هذَا قَدِ انْحَرَفَ، وَهُوَ يُخْطِئُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ.” (10:3-11). فعدم إدانة المنحرف هي تقصير من جهة المؤمن وتؤثّر على الجماعة. فالذين تزعموا إدانة المنحرفين اعتبرتهم الكنيسة من أبطال الإيمان إكليروساً وشعباً.

نحن بحاجة إلى موقف ثابت لا يعرج بين الفرقتين أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، أَنَّكَ لَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا. لَيْتَكَ كُنْتَ بَارِدًا أَوْ حَارًّا! هكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي” (رؤيا 15:3-16). لأن التقلقل هو وليد الخطايا وليس وليد المحبة. ولو حفظ المسؤولون وصايا السيّد وطبّقوها، ولو أطاع الشعب باتّضاع، اكان لنا على الأرض سلام عميق وفرح عظيم.

الغيرة المقدّسة

الغيرة المقدّسة

الخورية سميرة عوض ملكي

غالباً ما يتحدّث الناس عن الغيرة السلبية النابعة من دوافع أنانية وقد تتراوح بين الحبّ النزيه والحسد الرديء. ولكن ثمّة نوع من الغيرة المقدّسة يتحدّث عنه الكتاب المقدّس، وهذه هي موضوعنا.

إحدى الصعوبات التي يواجهها المؤمن الغيور على الكنيسة أنّ كلامه يُفهَم على أنّه إدانة. فالغيرة المقدّسة عندما تتّقد في قلب المؤمن تكون كالنار تُلهِب. وكثيراً ما يندفع بحماس وبكلّ جهد لأجل الكنيسة ولأجل خلاص الناس. هوذا داود النبي وغيره من الأنبياء تتملكه الكآبة من أجل الخطأة الذين انحرفوا فيقول: “أَهْلَكَتْنِي غَيْرَتِي، لأَنَّ أَعْدَائِي نَسُوا كَلاَمَكَ” (مزمور 139:119). وهذا للأسف قد لا يفهمه حتّى الآباء الروحيون أنفسهم حين يشتكي المؤمن من وضع الكنيسة والقيّمين عليها أو من الإخوة المقرّبين منهم، فينعتونه بالديّان. إن الذي يحبّ الله يريد أن يكون الكلُّ لله، وأنّ الكلّ يخلصون، وهذا ما عبّر عنه الرسول بولس بقوله: “مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟” (2كورنثوس 29:11). وقد يعتبر البعض أنّ الغيرة تنفي الوداعة والتواضع، فهل السيد المسيح، وهو المثال في الوداعة والتواضع، قد فقد هاتين الفضيلتين حين طرد الباعة من الهيكل؟ (أنظر متى 12:21-13)، أو هل كلن الرسول بولس ديّاناً حين احتدّت روحه لرؤيته مدينة أثينا مملوءة أصناماً (أعمال 16:17)؟ أم كيف نفسّر غيرة النبي موسى التي بلغت أن يحطّم لوحَي الوصايا عند رؤيته شعبه قد رفع العجل الذهبي؟ وماذا نقول عن إيليا والأنبياء في العهد القديم والرسل والقديسين في العهد الجديد؟

لكن مما لا شكّ فيه أن الغيرة المقدّسة لا تؤثّر في الناس ما لم تصحبها سيرة صالحة، لأن أفضل دفاع عن وصية الله وتقاليد الكنيسة هي في أن يراها الناس مُعاشةً في المدافعين عنها، وإلا فباطلة هي هذه الغيرة ومعثِرة. الكلام بغيرة عن وصايا الله من دون السيرة الصالحة هي كالجرس الذي يدعو الناس إلى الكنيسة ويبقى هو خارجاً.

يخطئ مَن يتعاطى مع الغيرة المقدسة كتحزّب أو كثورة من أجل الإصلاح، وأنّ هذه الثورة تكون بالشتائم والتوبيخ والخروج عن اللياقة، تماماً كما يجري على شبكات التواصل الاجتماعي حيث لا ضوابط إلا تلك التي يضعها الإنسان لذاته.

إن هذا النوع من الغيرة يوبخه الرسول يعقوب في قوله: ” وَلكِنْ إِنْ كَانَ لَكُمْ غَيْرَةٌ مُرَّةٌ وَتَحَزُّبٌ فِي قُلُوبِكُمْ، فَلاَ تَفْتَخِرُوا وَتَكْذِبُوا عَلَى الْحَقّ.ِ لَيْسَتْ هذِهِ الْحِكْمَةُ نَازِلَةً مِنْ فَوْقُ، بَلْ هِيَ أَرْضِيَّةٌ نَفْسَانِيَّةٌ شَيْطَانِيَّةٌ. لأَنَّهُ حَيْثُ الْغَيْرَةُ وَالتَّحَزُّبُ، هُنَاكَ التَّشْوِيشُ وَكُلُّ أَمْرٍ رَدِيءٍ. وَأَمَّا الْحِكْمَةُ الَّتِي مِنْ فَوْقُ فَهِيَ أَوَّلاً طَاهِرَةٌ، ثُمَّ مُسَالِمَةٌ، مُتَرَفِّقَةٌ، مُذْعِنَةٌ، مَمْلُوَّةٌ رَحْمَةً وَأَثْمَارًا صَالِحَةً، عَدِيمَةُ الرَّيْبِ وَالرِّيَاءِ” (يعقوب 14:3-17).

ليست الغيرة مجرّد كلام، إنها كالنار التي تُنضِج لا كالنار التي تحرِق. إنها بذل، مثلما فعل السيّد من غيرته لخلاص الناس. فهو كان وديعاً ومتواضعاً لكن أيضاً قوياً وشجاعاً. وهكذا يجب أن يكون كلّ مؤمن على صورة سيّده، قوياً في الدفاع عن الإيمان والحق، فالغيرة من الصفات والأسماء الإلهية، فَإِنَّكَ لاَ تَسْجُدُ لإِلهٍ آخَرَ، لأَنَّ الرَّبَّ اسْمُهُ غَيُورٌ. إِلهٌ غَيُورٌ هُوَ.” (خروج 13:34).

لقد تذكّر التلاميذ أنه مكتوب غيرة بيتك أكلتني” (يوحنا 17:2) بعد أن صنع الربّ سوطاً من حبال وطرد الجمع من الهيكل. هذه الغيرة دفع ثمنها على الصليب ومات عنها. إنها الغيرة التي فيها الحبُّ والبذل. إنها الغيرة التي تطلبها منّا صورة الله التي فينا، والتي نحقق مثاله في اكتسابها.

* عن نشرة الكرمة

النسك، أمّ القداسة

النسك، أمّ القداسة

الميتروبوليت سيرافيم كاستوريا

نقلتها إلى العربية شيم حموي

إن إحسان الله على البشر يجعلنا مستحقين من جديد هذه السنة لنعبر فترة التريودي المقدسة وبنعمته ورحمته اللامحدودة سوف ندخل في الصوم العظيم خلال عدة أيام.

دعوني أذكّركم مرة أخرى كما أذكّر نفسي أيضاً بأنّ ما تقدمه الكنيسة هو في تضادٍ مع العالم المعاصر ومع المجتمع الاستهلاكي. إنّه النسك.

إنه يدعى أيضاً أمّ القداسة، لجامَ الأمور التي تسبب الموت الروحي، نظاماً لأعضاء الجسد، كما أنه إزالة لقذارة طعم الشجرة (شجرة المعرفة) بحسب تعبير القديس غريغوريوس اللاهوتي، الذي يكتب مملوءاً بالتقدير [1]:

هيا إذاً فلتنكروا ذواتكم ولتسكبوا حياتكم القديمة الآن في جدّة الحياة مخضعين كل ما يؤدي إلى الموت الروحي، مؤدبين شخصكم بكامله متقيئين كل لقمة قذرة من الشجرة، وكذلك متذكرين طرقكم القديمة لهدف وحيد هو تجنبها. الثمرة التي حملت إلي الموت كانت محببة للعين وشهية للمأكل ولكن فلنبتعد عن الجاذبية الخارجية ونوجّه نظرنا نحو ذواتنا الداخلية.

لا تدعوا الرغبة بالجمال تأخذ أفضل ما لديكم وتجعلكم عبيداً لعينيكم، ولا حتّى باختلاس نظرة سريعة ماكرة، بل تذكروا حواء وتلك الرغبة الفائقة الحلاوة لكن السامّة. كيف يمكن لرجل هالك بتلك التي هي خاصته أن يجد خلاصاً سهلاً في غيرها؟ لا يستسغ حلقك تناول كل ما هو في متناول يديك: لذة جذابة في البداية ولكن ما إن تُستهلك حتى تُلفظ.

أتعثرك حاسة الشم؟ اسعَ إذاً إلى تجنب الروائح العطرة! أتضنيك حاسة اللمس؟ تخلَّ عن الأشياء الناعمة والأنيقة! أتحتال أذنك عليك؟ أوصد الباب في وجه الكلمات الحاذقة المضللة! اسعَ إلى فتح فمك من أجل كلمة الله التي قد ترسمها بالروح ولا تُمْتَص بالموت.

في أي مرة يغريك شيء محرَّم تذكّر ما كنت عليه وكيف قاربت أن تضيع. فإذا حدث وانحرفت بطريقة ما عن الصواب حاول أن تستعيد حواسك قبل أن تعبر نهائياً بعيداً عن المرسى وتُرمى في الموت؟ واستبدل إنسانك القديم بإنسانك الجديد واستدِر للاحتفال بتكريس روحك.

اجعل الحيّة موضوع حنقك الوحيد لأنها هي التي سببت سقوطك. دعْ كل طموحك مكرساً لله وليس لأي مخادع أو غاية مغوية. دعْ العقل يترأس على كل شيء ولا تسمح لجزئك الأفضل أن ينحرف نحو الأسوأ. لا تبغض أخاك دون أن تنتظر ربحاً لأن من أجله مات المسيح وصار أخاً لك، مع أنه هو الله الرب.

لا تحسد الورعين انت يا مَن بذاتك وقعت ضحية للحسد وأُغْوِيْتَ بالاستسلام له ولهذا سقطت. لا تخجل من أن تبكي أنت يا مَن احتملت المعاناة التي تستحق دموعاً كثيرة ومن ثمّ تلقيت الرحمة. لا تعرض عن المحتاجين انت يا مَن مُنحتَ ثروة الألوهية، وإلا أقلّه لا تصبح غنياً على حسابه، وهذا طلب كثير من الأناني والجشع.

لا تحتقر الغريب لأن من أجله صار الرب، الذي نحن غرباء ومتغرّبون له جميعنا، غريباً على الأرض؛ وإلا سوف تُغَرّب عن الفردوس كما كنت في السابق. شارك طعامك وملابسك وملجأك مع المحتاجين، أنت يا مَن تمتلك أكثر من حاجتك وتتمرغ في ما تملك. لا تعشق ثروة إلا إذا كانت نافعة للفقراء. أظهر الرحمة التي قد أُظهِرَت لك. أحفظْ اللطف لنفسك بإظهاره نحو الآخرين عندما تسنح الفرصة. اجعل كل طريقك في الحياة وكل وجودك مكرسَين من أجلك“. [2]

وقد عبر القديس يوحنا الذهبي الفم عن نفس المفهوم بقوله:

حرر نفسك من العبودية أولاً، واكسب من بعدها لا كعبد من بعد بل كسيد. احتقر الثروات فتصير غنياً. ازدرِ بالمجد فتصير ممجداً. ارفض الانتقام لنفسك من أعدائك وسوف يتحقق لك لاحقاً. تخلَّ عن الراحة وسوف تحصل عليها فيما بعد، لا كَسَجين او عبد بل كرجل حر. كما في حالة الأطفال الصغار عندما يطلب الطفل الألعاب بلهفةٍ، كالكرة على سبيل المثال وغيرها من مثل هذه، نخفيها عنه بحرص كبير، حتى لا يكون ممنوعاً عن الأشياء الضرورية؛ ولكن عندما يصبح تفكيره بها أقل ولا يتوق إليها بعد عندها نقدمها له بلا خوف، عالمين بأن من ثمّ لن يأتيه أي أذى منها، وأن الرغبة لم تعد تملك من القوة ما يبعده عن الأشياء الضرورية. هكذا الله أيضاً، عندما يرى أننا لم نعد نطلب أشياء العالم برغبة، يتيحها لنا, لأننا عندها نمتلكها كرجال وأحرار لا كأولاد“.[3]

بالنسك نبلغ الحرية الروحية، وبالإضافة، نسلك برؤية ملكوت الله. إن نصائح الآباء المتوشحين بالله تنطبق الآن علينا جميعاً وخاصة رعاة الكنيسة: “أعطِ دماً وخُذْ روحاًما يعني أنّ علينا أن نجاهد في جهاد النسك لنتمتع بغنى نعمة الله.

في النهاية كيف لنا ان نتكلم عن النسك إذا كنا نزدريه؟ أو كيف نستطيع التكلم عن الطيبة(لدماثة)ss يف نستطيع التكلم عن (د غذا كنا نزدريه؟ أو كيف نستطيع التكلم عن (الدماثة) أو روح حب المال لتتلقى الروحوهذا يعني أنه أو روح حب المال والكسل والفضول وحب الرئاسة والكلام البطال، بحسب أروع صلوات الصوم الكبير صلاة القديس إفرام السرياني (أيها الرب وسيد حياتي….) إن لم نمتثل لتعاليم الكنيسة الحكيمة التي فيها شفاء جراحنا وأهوائنا.

إن الوقت مناسب إذاً لنتعامل مع النسك بجدية وبشكل لائق، لنقدمه ونعلمه لأناسنا المبارَكين مهيئين إياهم للصوم العظيم المقدس، حتّى يتمتعوا بمعاينة الله في ليلة القيامة.

يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي: “أي شخص ينظر إلى أعلى ويخلط الجسد مع الروح، يكون المسيح دليله الودود في الحياة كل الذين يهبون كل أرضهم، لسانهم، آذانهم، وحتى عقولهم وقوتهم للحياة الآتيةويجلبون إلى مستودعاتهم أشياء فوق الدنيوية بكثير، فسوف يرون بعيونهم ملكوت الله وسوف يصبحون روحاًهذه هي نهاية حياة الموت. إلى هذا يرفعنا ذلّ آلام المسيح“. [4]

1. Oration 44, “On New Sunday”.

2. Ibid.

3. Homily 25, On Hebrews.

4. Poem 45, “Lamentation on the Passions of his Soul”.

ما معنى: احمل صليبك؟

ما معنى: احمل صليبك؟

القديس نيقولاوس فيليميروفيتش

المسيح قام، حقاً قام

ما معنى: احمل صليبك؟ إنها تعني القبول الطوعي، على يد التدبير الإلهي، لكل وسائل الشفاء الممنوحة لنا حتّى ولو كانت مُرّة.

أتقع عليك الكوارث؟ كُنْ مطيعاً لمشيئة الله، كما كان نوح.

أمطلوب منك أن تضحّي؟ سلّم نفسك ليَدَي الله بنفس إيمان إبراهيم عندما مضى ليضحي بابنه.

أتتعرّض ممتلكاتك للخراب؟ أيموت أبناؤك فجأة؟ احتمل العذاب كلّه بصبر، ملتصقاً بالله بقلبك، كما فعل أيوب.

أتخلّى عنك أصدقاؤك وتجد نفسك محاطاً بالأعداء؟ احتمل من دون تبرّم، وبثقة بأن معونة الله هي في متناول يدك، كما فعل الرسل.

أمحكوم عليك بالموت من أجل المسيح؟ كن شاكراً لله لهذا الشرف، كمثل الآلاف من الشهداء المسيحيين.

ما من شيء تسعى إليه ولم يكن من قبل، وبالأرجح أنك سوف تتبع مثال الكثيرين، الرسل والقديسين والمعترفين والشهداء، الذين عملوا مشيئة المسيح.

فمن ثمّ يجب أن نعلم، أننا في سعينا إلى صلبنا، يطلب الرب أن يُصلَب الإنسان العتيق، الإنسان المصنوع من الشر وخدمة الخطيئة. إذ بهذا الصلب، الإنسان القديم المشابه للحيوان يوضَع للموت، والإنسان الجديد الذي على صورة الله وغير المائت، يُقام إلى الحياة.

لكن ما هي مشيئة الله؟

لكن ما هي مشيئة الله؟

الشيخ سمعان كراغيبولوس

نسمع بين الفينة والأخرى الناس يقولون: “لكن، ما هي مشيئة الله؟ أنا لا أعرف ما يريده الله.”

ما الذي لا تعرفه؟ ألا تعرف، مثلاً، أن عليك أن تصلي قليلاً أكثر مما تصلي الآن؟ أأنت بحاجة إلى أن يخبرك أحد بذلك؟ ألا تعرف أن الصلاة القليلة التي تقوم بها يجب أن تكون من كل قلبك؟ ألا تعرف أنه لا ينبغي بك أن تجاوب أحداً، أو أن تتوجّه إليه بطريقة تحزنه؟ ألا تعرف أن عليك أن تساعده؟ ألا تعرف أن عليك أن تسامحه؟ أن تحتمله؟ أن تحبه؟ أن تصلي من أجله؟ ألا تعرف أن عليك أن تكون صبوراً؟ وأن عليك ألا تغضب؟

اعمل ما تعرفه. والله، إذ يرى تصرفك الصادق لمعرفة إرادته باستمرار، سوف يجد، في كل مرة، طريقةً يوضح فيها لك ما لا تعرفه.

أن نبدأ كل مرة من جديد لا يعني أننا سوف نقوم بأمور لا نتوقعها. بالأحرى، سوف نقوم بأشياء نعرفها، أشياء مألوفة، لكن بروح أخرى، وميل آخر.

فيما ندرس الموضوع برمته سوف نفهم ويكون لنا بداية جديدة، اليوم ، غداً، واليوم الذي بعده؛ وهذا لا ينتهي. ما من أحد سوف يتعب يقول: “أنا تعبت من تكرار البداية“. على العكس، سوف تشعر بداخلك أن هذا ضروري كل يوم. وهذا سوف يكون شهادة، علامة، برهاناً، بأن قطعة أخرى من لاوعيك خرجت من القبو المظلم وهي الآن تحت سيطرتك. عند هذه النقطة تضعها تحت نعمة الله حتّى أنها تتقدّس. كل ما هو شرير، كل ما هو مشوّه، يتبدد ويتطهر بالنعمة، وروحك وحدها تبقى طاهرة.

وهكذا، كل لحظة، في كل محطة، أن تتذكّر أنك بدأتَ من جديد وأنّك مجدداً سلّمت نفسك إلى الله، فسوف تحاول أن لا تترك هذه القطعة التي فيك تغلبك، ولا أن تفعل ما تدفعك إلى فعله. لكن ماذا بعد؟ تعمل ما يعمله القديس، ما يقول لك يسوع أن تعمل.

على هذا المنوال أنت تكون في كل لحظة ضمن إرادة الله وليس ضمن إرادتك.

ملاحظات حول الشفاعة

ملاحظات حول الشفاعة

إعداد الأب أنطوان ملكي

الشفاعة هي إحدى نقاط الاختلاف بين المسيحيين، وقد تكون نقطة الخلاف الأعمق، وعليه العائق الأكبر أمام أي وحدة بين الأرثوذكس والبروتستانت. فالأرثوذكس والكاثوليك أو الشرقيون قد يختلفون على اعتبار هذا الإنسان قديساً أو ذاك لكنهم ليسوا مختلفين على قبولهم للقداسة وإمكانية الوصول إليها. في المقابل، البروتستانت، في تفسيرهم المجتزأ للكتاب المقدس، لا يميزون بين القداسة والإيمان وبالتالي لا يعود الجهاد أو النسك مبرَراً ولا مطلوباً.

شعبنا الأرثوذكسي يتأثّر بالفكرين المذكورَين أعلاه، الكاثوليكي وسلوكه القانوني الحرفي في تحديد القديسين وصوغ العلاقة معهم على أساس من النفعية القائمة على الخوف، والبروتستانتي في إهمال العلاقة مع القديسين والانتفاخ بأن الإيمان لوحده يخلّص. من هنا تمّ تجميع هذه الملاحظات البسيطة من دون تعقيد لاهوتي.

شفاعة القديسين تحمل معنى الإيمان بالحياة الأخرى، أي الإيمان بأن الذين انتقلوا ما زالوا أحياء وهم يعملون. إنه إيمان بالصلة الدائمة بين السماء والأرض. وبأننا نكرم القديسين لأن الله نفسه يكرمهم. لهذا، الشفاعة هي بركة المحبة بين أعضاء الجسد الواحد، الكنيسة، التي هي جسد المسيح الواحد الذي هو رأسه. المسيحيون أعضاء هذا الجسد سواء في هذه الحياة أو في الأخرى. من هنا أنهم يتبادلون المحبة والصلوات والشركة، فالأحياء يصلّون من أجل الراقدين والراقدون يشفعون بالأحياء. هذا هو المعنى الحقيقي لكلام السيد في صلاته إلى الآب: “ليكونوا واحدًا كما نحن“. الوحدة هي وحدة إيمان وصلاة.

من هنا أن الذي يؤمن بالشفاعة ينتفع برابطة المحبة التي بينه وبين القديسين وبينه وبين أرواح أحبابه الراقدين، ويُزاد إلى صلاته صلوات أقوى وأعمق لأجله. أما من ينكر الشفاعة فإنه يخسر هذه الصلة وهذه الصلوات. وعلى هذه النقطة يقول أحد الآباء المعاصرين: “بأي وجه سيقابل منكرو الشفاعة القديسين في الحياة الثانية، وقد رفضوا إكرامهم ورفضوا صلواتهم وشفاعتهم؟

إن الإيمان بالشفاعة هو إيمان بسيط غير معقد نلاحظه في كل الذين يحتفلون بأعياد القديسين ويزورون كنائسهم ويطلبون صلواتهم. فالشفاعة تعكس تواضع القلب لأن الذي يطلب الشفاعة، هو إنسان متواضع، غير مغرور بصلته الشخصية بالله. على العكس، منكر الشفاعة غالباً ما يسأل بانتفاخ: ما الفرق بيني وبين هؤلاء القديسين؟ ما بيني وبين الله أقوى من وساطتهم!! إذا كان بولس الرسول يطلب الصلوات من أجل نفسه (عب18:13) ومن أجل جميع القديسين (أف8:6)، كيف يستطيع مَن يدّعي معرفة الكتاب المقدس رفض الشفاعة، لولا غروره؟

ثم إذا كان الله قد سمح للشيطان أن يحارب أولاد الله، ويجرّبهم ويظهر لهم في رؤى وفي أحلام كاذبة ويضايقهم (أيوب ويوسف الخطيب والسيد وغيرهم). فلماذا لا يقبل بالمقابل صلوات القديسين الشفعاء والملائكة الحارسين وتدخلهم ومساعدتهم للناس؟

أخيراً، بحسب تقليدنا، الشفاعة واقع نعيشه. ليست شفاعة القديسين مجرد بحث لاهوتي تثبته آيات من الكتاب المقدس، بل هو واقع شركة معاشة. إنه تاريخ حي على مدى أجيال، يروي الرابطة العجيبة التي بين المؤمنين من منتقلين وأحياء على الأرض. إنه صلة حية بالقديسين الذين يشفقون على أوضاعنا أكثر منا، وبإشفاق حقيقي. حتى أن الكثير من مشاكلنا تُحَل أحيانًا بتَشَفُّعَاتهم فينا، دون أن نطلب ذلك. إنهم أكثر منا فهماً وتطبيقًا لقول الرسول بولس فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ” (رو15:12).

فالشفاعة دليل علي الرابطة بين أعضاء الكنيسة الذين على الأرض والذين في السماء، الكنيسة المجاهدة والكنيسة الغالبة. إنهما يتبادلان الصلاة.

إن رفض شفاعة القديسين ليس مجرد انحراف في التفكير النظري اللاهوتي، بل هو تجاهل للعشرة الطويلة التي يحكي عنها الناس قصصاً كثيرة ويحيون على هذه القصص وما فيها من معجزات عجيبة يشهدون بحدوثها بصلوات القديسين وفي أعيادهم وكنائسهم ومن خلال رفاتهم وذخائرهم. إن رفض الشفاعة هو إنكار للواقع والتاريخ القائمَين على النسك وعلى الجهاد، تهرباً منهما. إن التذرّع بأننا بالإيمان مخلّصون هو إنكار لكل وصايا السيد التي يدعو فيها إلى الصلاة والصوم والجهاد. رفض الشفاعة هو تعلل بعلل الضعف والكسل لتبرير الذات التي بَرَد إيمانها وتبلّد.

Bebis, George. “The Saints of the Orthodox Church” (Greek Orthodox Archdiocese of America, http://www.goarch.org/en/resources/saints/

Reader Christopher Orr. “On the Intercession and Invocation of the Saints”, http://orthodoxinfo.com/inquirers/invocationofsaints.aspx

Ορθόδοξος Συναξαριστής, http://www.saint.gr

ما هو معنى شخص المهاتما غاندي الهندي؟

ما هو معنى شخص المهاتما غاندي الهندي؟

القديس نيقولا فيلميروفيتش

نقلتها إلى العربية علا مقصود

رسالة من القديس نيقولا فيلميروفيتش إلى النبيل البريطاني تشارلز ب.

من الممكن لأيّ إنسان مؤمن أن يتعرّض للسؤال التالي: ما الذي ستفعله العناية الإلهية مع غاندي وما هو معنى ظهور هذا الإنسان الغريب وسط سياسيي ورجال الدول في عصرنا؟

إنه تحذير من الله، هذا هو بالتأكيد معنى قائد أمّة الهند العظيمة. من خلال هذا الإنسان تُظهِر العناية الإلهية للسياسيين ورجالات الدول في العالم وحتى المسيحيين منهم، أن هنالك طرق أخرى في السياسة غير الدهاء والمكر و العنف. إن طريقة غاندي السياسية بسيطة جداً وواضحة: إنه لا يطلب شيئاً سوى الإنسان الذي يتضرع والإله الذي يستجيب. في وجه السلاح والذخيرة والجيوش وضع غاندي الصوم، وفي وجه الدهاء والمكر و العنف وضع الصلاة، وفي وجه النزاعات السياسية وضع الصمت.

كم يبدو هذا تافهاً ومثيراً للشفقة في أعين رجال هذا العصر. أليس صحيحاً؟

في كتب التدريس السياسية المعاصرة، لا ترد هذه الطرق الثلاثة ولا حتى كملاحظة هامشية. الصلاة والصوم والصمت! بالكاد يوجد رجل سياسة واحد في أوربا وأميركا لا ينظر بسخرية إلى هذه الأسرار الثلاثة لدى القائد الهندي على أنها أغصان يابسة في المعركة في وجه أكوام الحديد والرصاص والنار والسموم. على أية حال إن غاندي نجح مع تعويذاتهالثلاثة لدرجة أدهشت العالم. وإن أراد المشرعون في انكلترا وفي بقية الدول أو لم يريدوا فإن عليهم أن يضيفوا فصلاً جديداً إلى كتبهم الدراسية السياسية: “الصوم والصلاة والصمت كأسلحة قوية في السياسة“. تخيّل، أما كان من حظ كل البشرية لو أن طرق غاندي غير المعمَّد حلّت في علم السياسة مكان طرق مكيافيللي المعمَّد؟

لكن ما يفاجئ العالم ليس طريقة الهندي بحد ذاتها بل هو فعليّاً الشخص الذي يستعمل الطريقة. إن الطريقة مسيحيّة، ومع أنها قديمة قِدم الإيمان المسيحي فهي جديدة في هذا اليوم والزمن.

إن مَن أظهر مثال الصوم والصلاة والصمت هو السيد المسيح وقد أظهره لتلاميذ. هم سلّموها للكنيسة من خلال عيشهم والتزامهم فيها بحياتهم، والكنيسة سلّمتها للمؤمنين من جيل إلى جيل حتى يومنا هذا.

الصوم هو تضحية، الصمت هو فحص داخلي لذات كل شخص، الصلاة هي تضرّع لله. تلك هي المصادر الثلاثة الأعظم للقوة الروحية التي تجعل الإنسان منتصراً في المعركة ومثالاً ممتازاً في الحياة. هل هنالك إنسان لا يمكنه أن يتسلّح بهذه الأسلحة؟ بالطبع هذه الأمور الثلاثة لا تتضمّن كل الإيمان المسيحي بل هي جزء فقط من قوانينه ومن أسراره الفائقة الطبيعة. على الأكيد، الكثير من المبادئ المسيحية مهملة والكثير من الأسرار المدهشة الفعل منسيّة.

من المحزن أن كثيرين من المسيحيين في أيامنا يهملون هذه المبادئ وينسون الكثير من الأسرار العجائبية. لقد بدأ الناس يفتكرون بأن النصر ممكن فقط باستعمال الحديد، وأن الغيوم المحملة بالمطر يمكن تفريقها فقط بالمدافع وأن الأمراض تُشفى بالأدوية فقط وأن كل شيء في العالم يمكن تفسيره بالكهرباء ببساطة. إن القوى الروحية والأخلاقية ينظَر إليها على أنها فوق كل شيء قوى سحرية.

أعتقد أن هذا هو سبب اختيار العناية الإلهية للمهاتما غاندي، رجلاً غير معمّد ليكون إنذاراً للمعمَّدين، وخاصة أولئك الذين يكدسون على ذواتهم المحن الواحدة فوق الأخرى وفوق شعوبهم باستخدام الوسائل القاسية وعديمة الرحمة.

يخبرنا الإنجيل أن العناية الإلهية أحياناً تستخدم مثل هذه التحذيرات أو الإشارات لصالح الناس. سوف تدركون فوراً أني ألمّح هنا إلى القائد الروماني من كفرناحوم (متى،8). من جهة، ترى شيوخ إسرائيل الذين كمختارين موحدين ذلك الوقت تفاخروا بإيمانهم بينما رفضوا المسيح. ومن جهة أخرى، ترى الروماني الوثني المحتقر الذي أتى إلى المسيح بإيمان ومذلة عظيمَين طالباً منه أن يشفي خادمه، وعندما سمعه السيد ذُهل به وقال لمن يتبعونه: “الحق أقول لكم لم أجد ولا حتى في إسرائيل إيماناً بمقدار هذا“. إن العالم المسيحي هو إسرائيل المعمَّدة الجديدة. أصغوا! ألا يتحدث السيد المسيح اليوم بنفس الكلمات إلى ضمائر الشيوخ المسيحيين مشيراً إلى القائد الهندي؟

السلام والصحة من الرب إليكم.


Source: Missionary Letters of Saint Nikolai Velimirovich: Letters 1-100, trans. Hierodeacon Serafim (Baltic), Vol. VI in A Treasury of Serbian Orthodox Spirituality (Grayslake, IL: New Gracanica Monastery, 2008), pp. 171-173.

الزوجة الضّالة والزوج المؤمن

الزوجة الضّالة والزوج المؤمن

القديس باييسيوس الأثوسي

نقلتها إلى العربية غزل سرحان

زارني مرة دكتور أميركي – يوناني. كان أرثوذكسياً غير ملتزم، فهو لا يصوم يوم الجمعة وأغلب الأحيان لا يذهب إلى الكنيسة. مرّ مؤخراً بخبرة وأراد أن يناقشها مع شخص ما.

في إحدى الأمسيات، وبينما كان يصلي في شقته، فُتحت السموات، وغمره النور، واختفى السقف. والأمر نفسه جرى للأربعين طابق التي كانت فوق شقته. وبقي على هذه الحال مغموراً بالنور فترة طويلة جدًا، حتّى أنه لم يستطِع أن يخبِر لِكَم من الوقت.

وقفتُ مندهشاً! كنت أشعر وأفهم أن هذا الحدث كان من الله“. كان حقيقياً. فهو بالفعل قد عاين النور غير المخلوق“. ماذا فعل في حياته؟ وكيف عاش ليستحق مثل هذه الأمور الإلهية؟

كان متزوجاً، وعنده امرأة وأولاد. قالت له زوجته: “أنا مريضة ومرهقة من الأعمال المنزلية، وأودّ الخروج بنزهة بين الحين والآخر، لم تكن تعمل، فبدأت بالخروج مع صديقاتها والضغط عليه ليرافقها كل ليلة في نزهاتها. بعد فترة من الوقت قالت: “أريد الخروج مع صديقاتي لوحدي“. قبِل بهذا من أجل أبنائه. ولاحقاً أرادت الذهاب في إجازة بمفردها، ماذا بإمكانه أن يفعل؟ أعطاها النقود والسيارة.

من ثم طلبت أن تستأجر شقة بحيث تستطيع أن تعيش بمفردها، وتدعو إليها أيضاً أصدقاءها. فودّ أن يتحدث معها ويستوضح، ما شعور أطفالنا في كل هذا؟كانت مصرّة على موقفها. في النهاية، سحبت منه مبلغاً كبيراً من المال وتخلّت عنه. لقد كانت تشعر بأنها مقيدة جداً!

وبعد عدة سنوات، علم بأن الأمر انتهى بها كعاهرة في أندية بيريه (ميناء أثينا)! كان مذهولاً وحزن بشأن مصيرها! فكّر في أن يبحث عنها ولكن .. ماذا سيقول لها؟

جثا على ركبتيه ليصلي: “يا إلهي، ساعدني، قل لي ماذا أقول ماذا أفعل… لإنقاذ هذه الروح …” أنظر. كان مجروحاً من أجلها، أراد أن ينقذ روحها“. لا عقلية ذكورية، ولا انتقام، ولا ازدراء، فهو مجروح حقاً بداخله لرؤيته حالتها البائسة. لقد تألّم من أجل خلاصها. وكانت تلك هي اللحظة التي فتح فيها الله السموات، وغمره بنوره.

أترى؟ هل ترى؟ كان في أميركا، وفي أي بيئة كان يعيش؟ وبعد .. كم واحد منا يعيش في هذا الجبل المقدس، مشمولاً بنعمة الأم المقدسة، دون أي تقدم!

المجد لله! المجد لله!

An excerpt from the book: Father Paisios Told Me, by Athanasios Rakovalis, “Orthodoxos Kypseli” Publications, pages 27­2

روح العالم وروح الله

روح العالم وروح الله

القديس نيقولاي فيليميروفيتش

نقلتها إلى العربية منيرة فرح

نحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله” (كورنثوس الأولى 12:2).

أيها الأخوة إن روح هذا العالم هي روح الغرور والقوة، والروح التي من الله هي روح الوداعة واللطف. وقد أكد الرسول على أن أتباع المسيح لم يتلّقوا روح هذا العالم وإنما الروح الذي من اللهالذي انبثق من الله الآب كرائحة حلوة العبير مثل رائحة الزهور ومثل عطر رائع انسكب على روح الانسان جاعلاً منها جبارة، مشرقة، شاكرة وممتعة.

إن البشر بحسب الطبيعة ودعاء ولطيفون. كتب ترتيليان يقول: “روح الإنسان بالطبيعة هي مسيحية“. ولكن بسبب روح هذا العالم هي سريعة الانفعال وغضوبة. فإن روح هذا العالم تحوّل الحملان إلى ذئاب بينما روح الله تحوّل الذئاب إلى حملان.

يضيف الرسول أيضاً أننا نتلقى روح الله لنعرف الاشياء الموهوبة لنا مجاناً من الله” (كورنثوس الأولى 12:2). أي لكي نعرف ما هو من الله فينا وما ليس من الله، ولنتذوق حلاوة وجمال ما هو آتٍ من الله ومرارة ما ليس من الله وإنما من روح هذا العالم. لذا طالما أن الإنسان خارج طبيعته ودون طبيعته فهو يعتبر المرارة كالحلاوة، والحلاوة كالمرارة، ولكن بروح الله يعود إلى طبيعته الحقيقية ومن ثم يعتبر الحلاوة حلاوة، والمرارة مرارة.

من يستطيع إعادة الإنسان إلى الله؟

من يستطيع شفاءه من المرارة المسمِّمة الخاطئة؟

من يستطيع أن يعلّمه بواسطة التجربة أن يفرق الحلاوة الحقيقية عن المرارة؟

لا أحد سوى الروح الذي من الله.

لذلك أيها الأخوة دعونا نصلي إلى الله ليمنحنا روحه القدوس كما منح الروح القدس لتلاميذه وقديسيه. وعندما يحل هذا الروح القدس فينا يصل ملكوت الله حيث كل الحلاوة بحد ذاتها، والخير فقط، والنور فقط والوداعة فقط واللطف فقط.

أيها الروح القدس، روح الوداعة واللطف، هلّمَ واسكن فينا.

السر في إيمان القديسين

السر في إيمان القديسين

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

نقلتها إلى العربية راما مخول

هل ترى مدَى عظَمة الإيمان؟ إنه بالحقيقة ما يطلبه الله من البشرية. ونحن نسمع دائماً ذلك النشيد الرائع لبولس الرسول. فهو ليس مجرد رسالة أو خطاب، كتبه إنسان مستنير، إنه نشيد موحى به من الله: “[جميع القديسين] الذين بالإيمان قهروا ممالك، صنعوا برّاً، نالوا مواعيد، سدّوا أفواه أسودٍ، أَطفأُوا قوّة النّار، نجو من حدّ السّيف، تقوّوا من ضعفٍ، صاروا أشدّاء في الحرب، هزموا جيوش غرباء. أخذت نساءٌ أمواتهنَّ بقيامةٍ، وآخرون عُذِّبوا، ولم يقبلوا النّجاة، لكي ينالوا قيامةً أفضل، وآخرون تجرَّبوا في هزءٍ وجَلْدٍ، ثمّ في قيودٍ أيضاً وحبسٍ. رُجِموا، نُشِروا، جُرِّبوا، ماتوا قتلاً بالسَّيف. طافوا في جلود غنمٍ، وجلود معزٍ، مُعتازين، مَكروبين، مُذلّين…” (عب. 11: 32-38). وكما تعلمون، فإن هذا النشيد العظيم يستمر.

كلُّ هذه الجوائز، وهذه الانتصارات، التي تُجدد وتُكمل علاقة الجنس البشري مع الرب، وُلدت من الإيمان. هذا هو ما يخلّصنا. هذا الإيمان الذي يصل إلى كلّ واحد منا، نحن جماعة المؤمنين، وهو ما يبرر كل شيء.

نأتي الآن إلى سرِّ أعمق. جميع هؤلاء الأجداد كانوا يميلون إلى الوحيّ، ولذلك وُهِب لهؤلاء أن تُمنح البركات. فالرب سبق فاختارهم، ودعاهم، وسكن فيما بينهم، ليكون فخوراً لكونه إلههم. هؤلاء أيضاً تلقوا الوعود المباشرة وتحدثوا وجهًا لوجه مع الله. وهؤلاء على الرغم من اليقين بالوعود التي أوحيت إليهم حقاً من السماء، ربحوا الاحترام من الله والتقوى، وبشكل عام توجههم نحو الله بصليبهم الكامل، أي بالحزن، الأسى، الاضطهاد، وعدم الراحة، وانتقلوا من هذه الحياة دون رؤية أي شيء من كل ما وَعَد به الله، باستثناء بعض الإشارات وفترات الخبرات المختلفة. أترون هذا السرّ؟ في وادي البكاء هذا، تُشاهد الوعود الإلهية جزئياً، وتُدرك جزئياً، وتُكشف إلى حد ما. وهنا بالتحديد هو حيث نطبّق ما يلي: “مَنْ كان حكيماً يحفظ هذه ويتعقَّل مَرَاحِم الرَّبِّ” (مز. 106: 43).

هذا هو السبيل الذي به نحن المختارون بالإيمان نلتزم ونحفظ علاقتنا مع الله ووعوده. مجدداً، بفهم الإيمان في خضم المعاناة الهائلة الطويلة، والصبر والاحتمال في خضمّ التجارب والأهواء، نُكَمّل كما جميع القديسين.