ما هو اللقاء مع الله وكيف يحدث؟

ما هو اللقاء مع الله وكيف يحدث؟

المتقدم في الكهنة أندرو ليميشونوك*

عندما تلمس نعمة الرب شخصاً وهو يفهم أن هذا لقاءه الشخصي مع الله، فمن المستحيل التعبير بكلمات عما يدور في نفسه في هذه اللحظة. هذا الحدث يتخطى كل شعور بشري.

في الكنيسة، يمنحنا الرب فرصة أن نصبح جزءًا من حياة جديدة الحياة الأبدية من خلال كلمته، ومن خلال الخدم الإلهية ومن خلال التراتيل. كل ما نسمعه ونراه في الكنيسة، كل ما نشارك فيه كل ذلك يشكل اجتماعنا مع الله. المناولة المقدسة هي اللقاء مع الله. هنا الجسم والدم. شاركوا!

هذا هو مفتاحنا للنصر. هذا هو أملي في أنني في يوم من الأيام سوف أقول لاللخطيئة في حياتي وأتوب. وأنا لن أقول ذلك وحسب بل سوف أتغيّر.

عندما يكون إيماننا المسيحي خارجيًا، نكون هادئين: نجد بعض الكلمات، كمثل كلمات حكمة من كاهن ما تدعمنا ونشعر أنها مهمة بالنسبة لنالكن هذا لا يكفي. يجب أن نجد كلمة تدخل قلبنا. يجب أن يتمّ هذا اللقاء، ومن ثمّ لن نكون قادرين على الخطيئة إذ سيكون ذلك مستحيلاً بالنسبة لنا. يجب أن تتغير عقولنا وتصورُنا لحياتنا والعالم كله بشكل عام.

يقرر شخص ما أن يكرّس حياته لله ويذهب إلى الدير. هذا يكون خياره. فيشكّك شخص آخرشخص ما يربّي عائلة، في حين أن آخراً يكون غير متأكد بعد مما يريد. لماذا يفضّل الناس عدم تسجيل زواجهم هذه الأيام؟ يمكننا القول بأنهم لا يرغبون في أن يكونوا مسؤولين عن أي شيء. انهم لا يريدون أي مسؤولية. في الوقت نفسه، لا يعتقد الناس أنهم يستطيعون أن يحبّوا شخصاً ما طوال حياتهم. إنهم لا يؤمنون بقدرتهم، ولا يعتقدون أن بإمكان الإنسان أن يكرّس حياته بالكامل لشخص آخر. ماذا لو لم يكن هذا الشخص هو المناسب لي؟ ماذا لو حدث شيء ما، وصرت وحدي؟ هذا هو التقلّب والشكّ اللذين يعيش فيهما الإنسان الخاطئ، الذي ليس عنده ركيزة أو أساس إيماني يمكن أن يبني حياته عليهما. لا يستطيع المرء بناء أي شيء على الرمال لأن البناء على ما ليس مستقراً يسقط

يعدّنا الله لهذا اللقاء. بالنسبة للكثيرين منا، هذا سيحدث في آخر لحظة من حياتنا. لسوء الحظ، نحن نعرف ما يمكن أن يحدث للأشخاص الذين لا يعرفون الله: في اللحظة التي يكونون فيها قادرين في النهاية على رؤية العالم الروحي، يرون الشياطين بدلاً من الله. يكون الإنسان خائفاً لأنه لا يعرف ما يتوقع كونه لا خبرة عنده بالتواصل مع الله. هذا مريع. إنه المرحلة الأخيرة من الحياة، والتي يمكن أن تؤدي إلى الخوف الأبدي. وهذا مختلف تمامًا عما يحدث لمَن قضى حياته في الإيمان! هو أيضاً يرى شيئًا ولكن يكون في عينيه أمل وليس خوف. هذا لا يكون خائفاً لأنه يثق بالله. ثم في النهاية، يتمّ لقاؤه مع الله، بداية حياة جديدة ، حياة أبدية عندما تشهد ذلك تشعر بأنك جزء من سر الحياة الأبدية.

* المتقدم في الكهنة أندرو ليميشونوك هو الأب الروحي لدير القديس أليزابيت الدوقة في مينسك، روسيا البيضاء. المقتطف المترجَم هنا هو جزء من عظة له.

اسألْ الله أن يزيد يقظتَك لا إيمانَك

اسألْ الله أن يزيد يقظتَك لا إيمانَك*

آريك هايد**

الكثير من المسيحيين يريدون أن يزيدوا إيمانهم. ولما لا؟ هذا يبدو طبيعياً وحسب. لكن، ألم يقرأوا أنّ المسيح وبّخ تلاميذه لأنهم طلبوا إليه ان يزيد إيمانهم؟ إنه المقطع حيث يخبرهم أن إيماناً بقدر حبّة خردل يكفي، وما يحتاجونه هو أن يزيدوا طاعتهم واتضاعهم (لوقا 5:17-10).

يبدو العديد من المسيحيين مهووسين بشكل إيجابي بزيادة إيمانهم، متخيلين أن كل نقص عندهم وأنّ انهزامهم وانعدام أمنهم ومرضهم ومعاناتهم وما إلى ذلك يرجع إلى افتقارهم إلى الإيمان وبالتالي فإن المزيد من الإيمان يمنحهم القوة على هذه الأمور.

أعتقد أنهم على حق بشكل جزئي فقط. صحيح أنهم يفتقدون الإيمان (وربما حتّى الإيمان الذي بحجم حبّة الخردل)، لكنهم مخطئون في تحديد سبب افتقارهم إليه. إنهم يفتقرون إلى الإيمان لأنهم يعاملون الإيمان كمفهوم وليس كصيغة للوجود. إنهم يفتقرون إلى الإيمان للأسباب التي ذكرها المسيح في الكتاب المقدس على وجه التحديد: بسبب الافتقار إلى الطاعة والتواضع أي أعمال الإيمان. لكن الإصلاح الوحيد لهؤلاء ليس مزيدًا من التركيز على الإيمان بل المزيد من التركيز على اليقظة.

في كل أجزاء الكتاب المقدس هناك تعليم عن اليقظة كما عبر المسيحية التاريخية عند القديسين والنسّاك. في الفيلوكاليا (وهو كتاب من اربع مجلدات يحتوي على كتابات الرهبان المسيحيين الأرثوذكس والنساك من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر) تُفهم اليقظة على أنها حرفياً عكس الثمالة. إنها الرصانة والانتباه والسهر بورع. إنها فعل مراقبة الأفكار الداخلية وأوهام التفاهة، إنها حفظ النفس المستمر. اليقظة تجعل عمل الصلاة المستمرة ممكناً، وتغلّف مجموعة الفضائل كاملة بما فيها نقاء القلب والسكون.

باختصار ، اليقظة هي الإيمان عاملاً. لا حاجة لمراقبة مستوى الإيمان طوال اليوم وكل يوم، وببساطة متى انخرط الإنسان في اليقظة يتحقق هدف الإيمان. وكما ذكرنا أعلاه، الإيمان ليس مفهوماً عقلياً بل هو نمط وجود. في الإيمان يكون الإنسان على غرار ما يكون في المحبة. لا يمكن أن يتمّ الإيمان إلا من الداخل؛ لا يلاحظ المرء الإيمان من الخارج ويتصوّر عقلياً كيف يعمل. الإيمان سفينة محطمة إذا كان فقط في الدماغ.

وبما أن الإيمان ليس بناءً فكريًا، فلا جدوى من التفكير في أن المرء يقترب من الإيمان بمجرد التفكير فيه. لقد رأيت الكثير من الناس يصابون بالعصبية ﻷن زيادة إيمانهم استحوذت عليهم. كل ما يمكننا فعله هو زيادة يقظتنا، وبهذا نلبّي دعوة الإيمان.

* اليقظة هي أحد أهمّ المواضيع التي يتناولها اﻵباء النسّاك، حتى أن أهمّ الكتب التي تجمع تعاليمهم، أي الفيلوكاليا، اسمه الكامل فيلوكاليا اﻵباء اليقظين“. اليقظة باليونانية نيبسيس” (nepsis). وقد عرف تراثنا العربي هذه الكلمة منذ زمن طويل، حيث ترِد في نصوص قداس الذهبي الفم الإلهي يقظة النفس ومغفرة الخطايا“. أمّا ترجمات اﻵباء في العربية فجميعها ترجمت نيبسيس إلى اليقظة. فالبطريرك الياس الرابع الذي ترجم كتابات مرقس الناسك ودير الحرف الذي ترجم القديس يوحنا السلمي، والأسقف استفانس حداد الذي ترجم القديس دوروثاوس غزة، والأب منيف حمصي الذي ترجم أكثر من كتاب ومنها اليقظة والصلاةحيث أفرد فصلاً طويلاً لتحديد اليقظة، جميعهم ترجموا νίψις إلى اليقظة.

مؤخّراً استُعملَت عبارة النباهةبدلاً من اليقظة. فكتاب خدمة الكهنة الصادر عام 2000 عن دير الحميراء يذكر نباهة النفس ومغفرة الخطايا، وكتاب الفيلوكاليا الصادر مؤخراً عن تعاونية النور أيضاً معنون فيلوكاليا اﻵباء النبهاء“.

إن النباهة في قاموس المعجم الوسيط هي الشَّرَفُ أو الشُّهْرَةُ أو الفِطنةُ. لمَ قد يحكي اﻵباء عن الشهرة وهم قد هربوا منها؟ أمّا الفطنة فلها عدّة معانٍ لا تنطبق جميعها: البصيرة، حدة الذكاء والتمييز. فالبَصِيرَة باليونانية “οξύνοια”، وحِدّة الذكاء هي “οξύτητα”، والتمييز هي “διάκριση” ويستفيض اﻵباء، بخاصة القديس يوحنا السلمي، بالتعليم عنها. يبقى أن المعنى الأرجح للنباهة هو الشرف. هل القديس نيقوديموس اﻷثوسي آباء الفيلوكاليا بالشرفاء أو المشرّفين؟ ربما، إنما لماذا قد يطلب القديس يوحنا الذهبي الفم شرف النفس ومغفرة الخطايا؟ في اليونانية، الشرف قد يكون “υπεροχή” أو “εξοχότης”.

νίψις لطالما كانت اليقظة. في اﻵتيمولوجيا اليونانية، أي دراسة أصول الكلمات، لا يوجد أي تفسير لهذه الكلمة. كل ما يرد عنها أنها من اليونانية القديمة. التفسير المطوّل لهذه العبارة هو في المراجع اﻵبائية والتي تُرجمَت إلى العربية باليقظة، على يد أشخاص يعرفون اللغتين في زمان كانت اللغتان مستَعمَلتين في أوساطنا، وقد ترجم المذكورون أعلاه عن النص الأصلي وليس عن نص مترجَم إلى لغة أخرى كالإنكليزية أو الفرنسية.

يبقى أخيراً تعليق حول مفعول العبارات وهذا أمر يحمّل المترجم مسؤولية كبيرة. إن استبدال اليقظة بالنباهة خطر. بالمنطق الآبائي، اليقظة حالة والنباهة صفة. الحالة يبلغها الإنسان بالجهاد أما الصفة فقد لا يكتسبها أو قد تكون من صفاته أصلاً (المترجم، الأب أنطوان ملكي)

** آريك هايد أرثوذكسي من أصل مورموني. قضى بعض الوقت يسعى إلى الكمال في الزان. هذه الخبرة وجهته نحو النسك الأرثوذكسي. تحوّل إلى الأرثوذكسيةودرس اللاهوت والرعاية. هو في الأصل متخصص في علم النفس الإرشادي ويعمل في هذا الميدان. لديه مدوّنة غنية لكونه يجمع عدداً من الخبرات في قالب أرثوذكسي رزين.

نضع التلفيقات في مكان الله

نضع التلفيقات في مكان الله

المتقدم في الكهنة نيقولاوس لودوفيكوس*

مقابلة مع جورج كيوسيس

المشكلة الحقيقية في عصرنا ليست الإلحاد ، بل تعدد الآلهة الذي يظهر في الواقع في شكل عبادة أصنام. هذا يخلق خطراً لأنه في مكان المسيح الإله المحب والمضحي نضع الوحوش الخارقة التي نختلقها في نرجسيتنا للسلطة والسيطرة.

س: كيف يواجه الناس اليوم حدث عيد الفصح؟

بعيداً عن الغلاف العاطفي والاحتفالي، هناك أيضاً إعلان وجودي مذهل: أن الله نزل إلى حالتِي، أي الفوضى واللاعقلانية، أحبّني حتّى ولو صلبتُه. يهتم الله بي وهذا مكلف له. فيما يريد الجميع أن يفرضوا عليّ، هو يمارس حريته في أن يكون في علاقة معي لا كـ إرادة للسلطة، بل كمحبة. إنه يضحّي بنفسه ويتواضع، يخسرتمامًا وكلّ شيء من أجلي. المسيح مصلوب لأن هذه هي الطريقة الوحيدة حقاً لمحبة الشخص المكسور بالفعل. إذن، القيامة هي الانتصار الشخصي النهائي لتعايشه المؤلم في حياة كل الناس: اليهود، الرومان، الإغريق، كما بالطبع تلاميذه المرعوبين والمربكين. الموت والشر يُهزَمان في وقت واحد في احتضان الجلجلة المُحِب. “لقد مددتَ يديك ووحّدت الذين كان في السابق منفصلين“.

س: ماذا تقول لشخص يمرّ عبر جلجلته هذه الأيام (بلا مأوى ، عاطل عن العمل ، مريض)؟

كلّنا مصلوبون على جلجلة التاريخ. فلنصنعنّ صليبنا الشخصي سعياً إلى صليب المسيح. صليب المسيح هو الوحيد غير المأساوي، لأنه صليب القيامة للتضحية بالذات من أجل الله والآخرين. قال أبيكتيتوس أن ما يرعب الناس ليس الألم بل انعدام المعنى. يجب أن تصبح المصائب سعياً عميقاً إلى الله، لأنه هو الهدف الحقيقي لشوقنا، خلف الكثير من المطالب المختلفة والمتنوعة التي عندنا. إنه المعنى العميق الذي يزوّدنا بكل ما نفتقده.

س: قبل بضعة أيام ، قال فيلوثيوس فاروس أن معظم رجال الدين غير موجودين على المستوى الرعائي. فهم لم يقدموا الدعم للمحتاجين”. هل توافق؟

إن الضجة المستمرة التي تحيط بالشر تنتِج عدم الأمان والعنف والعداء والإغراء المضاد لتعظيم الذات. ألا يمكننا الترويج للخير قليلاً؟ لقد التقيت شخصياً بعدد من الكهنة والرهبان القديسين الذين استطاعوا تحويل تلاميذ فرويد وهيدجر، ولم يكن لهم أي علاقة بالكنيسة، إلى علماء دين وكهنة. أشعر بنقص كبير في المقارنة بهم.

س: لقد قلت: “دعونا لا نفقد الأهواء بل لنحولْها“. ماذا تقصد؟

لحسن الحظ ، المسيحية ليست الأفلاطونية ولا الرواقية. كل شيء في جسدنا ونفسنا من صنع الله، وبالتالي فهو مقدس بالمطلَق. ما تبقى هو أنني يجب أن أغضب وأقع في الحب وألعب وأخلق وآكل وأبتهج وأحزن بطريقة تقرّبني أكثر من أي وقت مضى إلى مصدر كِياني الإلهي الذي هو التجسد. لم يدعُني الله للهروب من العالم بل لتحويله إلى مكان يتجلّى فيه.

س: هل القيامة عيد الأعياد وموسم المواسم؟

المسيحية هي عدو شرس لكلّ أشكال المثالية، لأنها في حد ذاتها، ليست سوى ماديّة دينية. التجسد هو التحقق من صحة المادة والتاريخ، عندما يُقدَّما إلى الله وللآخرين. المادة (بحسب الآباء ، ونفسنا هي الشكل الأكثر دقّة للمادة)، والتاريخ في النهاية، شركة وجودية مع الله (كجسد المسيح، بتعبير أكثر لاهوتية) جميعاً يذهبون معاً لتشكيل حقيقة الكنيسة الوجودية الأنطولوجية.

س: هل يزعجك أن الانغماسات الدهرية ووسائل راحة الرعاةتحدث باسم الله؟

يهوذا كان، في الواقع، أحد تلاميذ المسيح. أنا شخصياً اضطرب أكثر عندما، بدلاً من وجهة النظر هذه عن الكنيسة، يتمّ تبنّي وجهة نظر بلا معنى تمامًا، حيث تُعتبر الكنيسة مؤسسة دهرية تفترض أنها تقود الأمة أو تهتم عصابياً بضبط الأمن الأخلاقي للآخرين. هذه كنيسة بدون أي إثبات أنها حيّة.

س: وأخيرًا ، كيف يمكننا أن نختبر القيامة في كل لحظة، كحالة من الأبدية أو كالأبدية في كل لحظة؟

القيامة هي الانفتاح حتى التداخل، الحرية التي تصبح محبة عبر الصليب. هذا هو الخلود. هذه هي نهاية عهد الأنانية (الماركيز دي ساد): يتوقف الآخرون عن أن يكونوا أشياء لنفسي” (لكي نتذكر كوهوت) وندخل الأصالة الوجودية من خلال إعلان الآخرين عبر ذواتنا وذواتنا عبر الآخرين.

*المتقدم في الكهنة نيكولاوس لودوفيكوس هو لاهوتي يوناني، عالم نفس، مؤلف وأستاذ في كامبريدج

مختارات

مختارات

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

يخبرنا الآباء أن الإحساس بالخطيئة هو عطية عظيمة من الله، تتفوق على معاينة الرؤى السامية. عندما ندرك أن ظلمتنا الداخلية، والطبيعة الجهنمية المقرِفة للخطية قد انكشفت، هذا يؤدي إلى النفور منها ومن ثم تجلب النعمة الإلهية راحتها.

الكثير من الناس يطاردون اليوم الفرح والسعادة، ويسلكون في الطرق غير النظيفة، ويتصدّعون من تصرفات الشياطين. ولكن إذا كان الله الرب يتكلمفي قلوبنا، فينبغي أن نكون هادئين. يجب أن نلتفت إلى قلوبنا، وأن نتعلم أن نصلي صلاة يسوع، وأن نطهّر قلبنا بالانطواء على الذات، فمن ثمّ من دون أن نطلب ذلك ومن دون أن نسعى إليه سنكون مدينة مبنية على جبل“.

على الرغم من أن الله كان يعلم عن عصيان آدم وحواء في الجنة، إلا أنه لم يمنع ذلك. لو فعل ذلك، لكان قد تدخّل بحريتنا التي منحنا إياها بنفسه وقضى عليها. من دون الحرية، فإن الطريقة التي نعيش بها حياتنا، وحتّى خلاصنا، سوف يكونا مفروضَين. سنكون بلا شخصية وموجودين ككائنات سلبية. فضّل الله تغيير خططه لنا بدلاً من حرماننا من السمة الرئيسية لشخصيتنا أي حريتنا.

السقوط إذن هو مقاطعة ومغادرة أي كائن مخلوق للسبب الأول لوجوده أي الله. وبحسب الوحي الإلهي، فإن كل الأشياء هي نتيجة لسبب ما، ولا يمكن أن تكون قائمة بذاتها بل فقط من خلال المشاركةفي قوة الله وعنايته. إذاً إن كانوا معزولين عن قوة الله وقدرته المتماسكة فإنهم ينهارون ويحتضرون.

الذين يتبعون مسار وصايا المسيح يولدون من جديد روحياً ويتجلّون. ليس الأمر نفسه بالنسبة للجميع وعلى القدر نفسه، بل يعتمد على غيرتهم. إنهم يُصلبون مع يسوع المسيح وتجعلهم النعمة الإلهية على شبه مَن يحبون. هنا يكمن لاهوت الصليب، الذي يرنّم له القدّيس بولس على أنه نور المحبة الإلهية.

القلب المتواضع، الذي جُرِح أولاً بسهام العدو ومن ثمّ، بعد التوبة، بمحبة المخلص الأبوية، لا يملك طريقة للتعبير عن نفسه غير الدموع. من السذاجة أن تعتقد أن بإمكانك اتّباع خطوات المسيح دون دموع.

عندما نتحدث إلى الناس اليوم عن النوح يبدو الأمر غريباً عليهم لأنهم يخجلون من البكاء. إذا كنا نتحدث عن العَبَث وعن الأشياء العابرة فبالطبع إنها لا تستحق البكاء. فهذا النوح هو من نوع العُرف الاجتماعي. يرتبط النوح الروحي بعلاقتنا مع الله وهو نتيجة نعمة الروح القدس أكثر مما هو اختيارنا. إن الإحساس بالمسؤولية عن أفعالنا الشريرة هو هذا الثِقل في قلوبنا الذي يؤدي إلى حالة من الندم الأعمق.

إن كسر الوصية جلب السقوط الذي هو انفصالنا عن الله وعن كل ما يتعلّق به. قَبِل الله توبتنا وعودتنا وخضوعنا له بعدما أصلح علاقتنا بمحبته وقداسته. بحسب الآباء، إن الشكل الأكثر قبولاً للتوبة هو الدموع الساخنة التي تصل بذاتها من آلام القلب الذي يشعر بذنبه الكريه و خيانته لمحبة الله الأبوية.

كلما ازداد عمق شعورنا بأن خطيئتنا هي جرح مميت، كلما اقتربنا من السجود لله في صلاة التوبة. هذه الصلاة تطلقنا أحيانًا من روابط المكان والزمان، حتى نشعر بأننا مختلفون تمامًا.

أَخْطَار مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ

أَخْطَار مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ

الراهب أرسانيوس من دير الكوتلوموسيو في الجبل المقدس

في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس ، في الفصل 11 ، الآية 26 ، يعدد الرسول بولس الأخطار التي تواجه الرسل. كانت هناك ثمانية أخطار من هذا القبيل، وآخرها كان أَخْطَار مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ“. قدّم الراحل بانايوتيس ترامبلاس تفسيراً مقتضباً حيث يشير: “في مخاطر من أشخاص كانوا أصدقاء مزيفين يحملون اسم مسيحيتحت ذرائع زائفة”. كان ترامبلاس محقاً في الإشارة إلى ذلك لأن الإخوة الكذبة هم أولئك الذين يأتون إلينا كأصدقاء، في حين هم بالحقيقة غير ذلك، لأن لديهم آفاق مختلفة، وهي معادية لنا.

غادر القديس بولس هذه الحياة على الأرض في سنة 64 ميلادية كشهيد. نفترض أنه كتب الرسالة في وقت ما بين سنتي 50 و60. يتساءل المرء كيف أن هذه الازدواجية النجسة ظهرت ونَمَت بسرعة كبيرة، فيما كانت الأحداث الخلاصية، تضحية الرب على الصليب والقيامة، لا تزال بشكل ما جديدة، والفرحة المستمدة منها ما زالت سائدة. وإذا كان في مثل هذا الوقت القصير شقّ المتخاصمون طريقهم بجرأة إلى رسل المسيح القديسين، فماذا نقول عن عصرنا حيث محبة المسيح في معظم الأحيان هجرت من بيننا؟ في ذلك الوقت، في زمن القديس بولس، قد نكون على يقين من أن الأشخاص الذين يعانون من ازدواجية كانوا أقلية. ماذا يمكن أن نقول عن أيامنا؟

حقاً، مَن هم الأغلبية، الأصدقاء الزائفون أو الأصدقاء الحقيقيون في محبة المسيح؟ إذا قلنا أن هناك أكثرية من النوع المزدوج، فلا ينبغي أن نُحبَط، لأن السعادة غير متوفرة في الأماكن التي يوجد فيها الكثير من الناس، بل حيث تكون نعمة الروح القدس. قد نقول إن الصديق الزائف هو شخص ينكر بطريقة متعمدة طريقة التفكير بحسب صليب المسيح وبدلاً من ذلك بإرادته الحرة الخاصة يحتضن الأضداد الثلاثة لهذا الرأي: الطموح، والجشع، ومذهب المتعة. الأصدقاء الحقيقيون في المسيح يعلنون حربًا مفتوحة على هذه الشرور الثلاثة ويحاربون ببأس وقوة، حتى ولو سقطوا أحيانًا أو هزموا من ضعف أو عانوا انسحابًا بنّاءً للنعمة الإلهية. لكن بطبيعة الحال، النصر النهائي سيكون لهم بشرط أن يجاهدوا للحفاظ على المسار وأن يبقوا أصدقاء حقيقيين للمسيح حتى النهاية.

نقول هذا لأن الناس أحرار في اختيار ما هو حقيقي أو ما هو اصطناعي حينما يريدون.

يقول لنا القديس بولس أخطار من إخوة كذبة“. قد يكون، يا أصدقائي، أسوأ خطر على الإطلاق، لأنه دائمًا معنا، وغالباً ما لا نملك السبل والوسائل الكفيلة لتفادي هذا الخطر، ما يؤدي إلى أن تسحبنا شبكة الشر التي من جانب إخوتنا الكذبة. هؤلاء الناس لا يتحكمون بضميرهم ولهذا السبب غالباً ما يكون على وجوههم تعبير عن الفرح، لكنه تعبير ساخر ومنفّر.

إنهم بلا شك فخورون بـ العملالذي يقومون به، وفي هذه الأثناء، الإخوة الحقيقيون للمسيح يئنون تحت الحزن الناجم عن إخوانهم وأخواتهم المخادعين. لقد قام الإخوة الزائفون بتكميم ضميرهم وإفساده، في حين أن أصدقاء المسيح الحقيقيين يبقونه حيّاً، حتى يشهد لهم عندما يتصرّفون بشكل جيد ويعاقبهم بصرامة على أي خطأ قد يرتكبونه.

يمكننا قول الكثير عن اليوم، لأن أشياء كثيرة تتفاقم، وخاصة من جانب الإخوة الكذبة. نراهم يعملون علامات وعجائب تدمر إيماننا الأرثوذكسي وليس لديهم أدنى سيطرة على ضميرهم. ونحن نراهم يخطفون المواقع بلا خجل ممن هم أكثر استحقاقاً منهم، بالرغم من أن قدرتهم على العطاء هي دون أولئك بكثير. والأهم من ذلك أننا نراهم يقاتلون ضد عمال الروح القدس الخلاصي بدون خجل ولا حتّى حياء. كما نراهم أيضًا في حياة القديسين، إنهم هم الذين أهانوا واضطَهَدوا القديسين كيوحنا الذهبي الفم وسمعان اللاهوتي الحديث ونكتاريوس أسقف المدن الخمس وغيرهم الكثير. هؤلاء القديسون الذين ذكرتهم لم يفترِ عليهم ويشهّر بهم الوثنيون والهراطقة، بل إخوانهم، الذين كما قلنا، كانوا إخوة مزيفين، أي أنهم كانوا يرتدون قناعاً ويتظاهرون بأنهم مسيحيون أرثوذكس. أن يتعرض الإنسان للاضطهاد من قِبل أشخاص من أتباع الديانات الأخرى هو أمر، وعندما يكون المسيحيون الأرثوذكس هم الذين يقومون بالمطاردة والترصد إلى أن تسنح لهم الفرصة، ويصبحوا قادرين على الظهور كأناس مخادعين على حقيقتهم، هو أمر آخر.

فليحمِنا المسيح وسيدتنا من هؤلاء الإخوة والأخوات الخطرين. آمين

يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ

يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ

الأب أندرياس أغاثنجلوس

في الفترة التي تلي عيد الفصح، عند الاحتفال بالخدم بحسب البندكستاري، تكون القراءات الإنجيلية في الآحاد من إنجيل يوحنا. في الأساس، يقتبس الإنجيليّ معجزة أو شفاء على يد يسوع، وقبل الرواية أو بعدها، يعطي تفسيره اللاهوتيّ. وهكذا ، في حالة شفاء الرجل الذي كان أعمى منذ مولده، يشير القديس يوحنا إلى أهمية النهار والنور.

يكشف الرب عن نفسه على أنه نور العالموأنه يعمل أعمال الذي أرسلهما دام نهار. ولأن المسيح قال أنه يقوم بعمل الذي أرسلهفإن أردنا أن نكون مسيحيين مخلصين لربنا، علينا نحن أيضًا أن نؤدّي أعمال الله: أي الأعمال التي من أجل خلاصنا وخلاص العالم. ليس بمعنى الرسالة أو الخدمة الكهنوتية المحدد، بل بمعنى المهمة الأساسية التي يتعين على كل واحد منا القيام بها في حياتنا كوصية من الله. “يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ“.

تكمن دهرنة المسيحيين في حقيقة أننا تائهون على طريق الحياة المفروضة علينا. لقد قبلنا هذا الأمر لأنه يشبع تقديرنا لذاتنا. نحن نعيش كما لو أن حياتنا لن تنتهي يومًا ما. لهذا السبب،ولا محالة، تحلّ التوافه مكان مهامنا، والسطحي يخفي الأساسي والعابر يتخطّى الأبدي.

لا يهدف انتقادي إلى الإدانة بل فقط إلى الإشارة إلى ما نفقده بشكل لا رجعة فيه.

سبب ذلك بحسب القديس مكسيموس المعترف:

عندما أصلي شكلياً أفقد علاقتي الشخصية مع المسيح الذي يُحِبّ ويُحَبّ كشخص.

عندما أطلق العنان لأهوائي أفقد ثقتي الحسنةأمام الله.

عندما أذهب إلى الكنيسة لا كحاجة بل كواجب أفقد سلامي الداخلي.

عندما أعمل بجد بدون أيام استراحة أو عطل أفقد فرحة العمل والاسترخاء.

عندما أقطع الاتصال مع أناس أهتم بهم ومع أصدقائي القدامى أفقد جمال الحياة.

عندما لا أعبّر عن مشاعري أفقد الحرية والوفاء كشخص.

وبالطبع، يمكن إيراد أمور أخرى أيضًا، ولكن مرة أخرى، لن تحدد هذه الأمور الحياة التي تم منحها لنا كهبة والتي نحن مدعوون إلى بذل جهد لعيشها. إذا نظرنا بهدوء وبكل بساطة داخل أنفسنا فإن كل واحد منا سوف يكتشف ما عهد به الله إلينا والذي نحن مدعوون للعمل عليه حتى نتمكن من عيش حياة حقيقية لا تعترف بالموت نهاية لها. لتحقيق ذلك لا يتطلب الأمر القوة بقدر ما يتطلب الإرادة والرغبة والجرأة.

نحن مدعوون، كل واحد منا على حدة، ومعاً ككنيسة، إلى القيام بالعمل الذي عهد به الرب إلينا، لكي نصبح مثله، نوراً في عالم متعثر ويريد أن يُنار. دعونا نعمل الآن، فيما نحن أحياء، لأن يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ“.

لا نريد القيامة

لا نريد القيامة

سرجيوس ساكوس

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

يبدو القول بأننا لا نريد القيامة قاسيًا ويهزّ المصداقية في عيون القراء المطمئنين. إذا كنتَ أعمى، ألا تريد نظرك؟ إذا كنت مريضًا، ألا تريد الشفاء؟ وقيامة المسيح هي بالضبط هذا: عيونٌ في ظلامِ عمانا، وصحةٌ في عذابِ مرض قابليتنا للموت، ومخرجُ إنقاذٍ من طريق العالم الحالي المسدود إلى عالم الأبدية المقدسة اللامتناهي، عبورنا من الفساد إلى عدم الفساد.

القيامة هي حدث لا يمكن دحضه وليس مدعوماً بإيماننا وحسب، بل هو أساس إيماننا ودعمه. قبل ألفي عام، دخل شخص ربنا يسوع المسيح الإلهيالإنساني في صراع مع الموت، وبدا كأنه خضع لمصير آدم القابل للموت: “مات ودفن“. ولأنه لم يكن شخصًا عاديًا، لم يبقَ يسوع المسيح في القبر ولكن قام ورأيناه“. لقد هزم الموت وارتفع، وقف مستقيماً وحيّاً، كما رأى كثيرون واعترفوا، وخلّص الجنس البشري من هيمنة الموت والخوف منه.

ومع هذا، فالناس لا يريدون القيامة. ليس الأمر بحاجة إلى كثير من التحقيق ولا يتطلّب الكثير من الدراسة لفهم أن المجتمع المعاصر، حتى ولو من المفتَرَض أنه مسيحي، لا يرحّب على الإطلاق بقيامة يسوع المسيح. القوا نظرة من حولكم وسوف ترون أن أناساً كثيرين هم من أنصار المادية الأبيقورية (مبدأ الانغماس باللذة)، عقيدة كُلْ واشربْ وكُن سعيداً لأنك غداً تموت“. إنهم لا يستطيعون أن يروا شيئاً أبعد من شاهِدِ القبر لأنهم حبسوا ذواتهم في أشياء هذا العالم. لهذا السبب أصيب الشباب والكهول بالذعر عندما ضربت الأزمة الاقتصادية. إن خسارة الراحة والبحبوحة، أو انحسارهما، اللتين تمتعوا بهما بدت غير محمولة ولا تطاق، وعدم إشباع مشاعرهم ورغباتهم تساوى مع الحرمان من المتعة.

في مطلق الأحوال، إن القيامة، وهي حدث خارج التجربة الإنسانية، تعرّضت للهجوم من الناس منذ البداية. إنها حقًا أمر لا يُصدّق، ويتحدّى أسلوبَ تفكيرنا أن أول المشككين بالقيامة والأكثر تعنتًا في ذلك هم الذين يُتوقّع منهم أن يرحّبوا بها من دون تشكيك، أي تلاميذ الرب نفسه. ما رأوه واختبروه معه أقنعهم بأنه المسيح، لكنهم حصروه في وجهة نظرهم الدنيوية. لم يريدوا المسيا الذي تكلّم عنه الأنبياء، لم يكونوا على استعداد لقبوله كما قدّم نفسه متواضعًا ووديعًا. بحسب طريقة تفكيرهم، يجب أن يكون المسيا فاتحًا عظيمًا، ملكًا قويًا بالكامل، حاكمًا للعالم لا يُقهر. لقد كانوا فخورين به وأشادوا به عندما أطعم الحشود وعندما أقام لعازر الميت. كيف يمكن أن يقبلوا أن المسيح قد مات وأُضجِع في القبر؟ لذلك عندما رأوه مسمرًا على الصليب ومن ثم موضوعًا في القبر، ميتًا، تفرّقوا وخابوا. وحدهم أعداء يسوع بدأوا يقلقون من أنه سيقوم كما تنبأ، وسارعوا إلى إغلاق القبر ووضع الجنود لحراسته. ضد مَن؟ ضد التلاميذ المذعورين واليائسين الذين قالوا كنا نرجو أنه هو مَن يفتدي إسرائيل؟” (لوقا 21:24). “كنا نرجوأي في الماضي. ولكن الآن تلاشت آمالهم وانطفأت.

لكن يسوع كسر أقفال الجحيم وقام. الذي علّم الحقّ الذي يقدّس ويحرّر، الذي كشف سلطته الإلهية بالمعجزات والشفاءات وإحياء الموتى الذي قام به، أكّدها الآن بمعجزة المعجزات، أي قيامته هو نفسه. وعندما اقتنعوا بذلك من خلال ظهوراته المتعاقبة، أصبح التلاميذ الذين كانوا جبناء في وقت من الأوقات رسلًا، و كأسود ينفثون النار بلّغوا إلى العالم شهادتهم الصحيحة بأن المسيح قد قام. هكذا انبثق نور الرجاء من القبر الفارغ من يسوع القائم. انفتح طريق جديد في حياتنا وسعادتنا الأبدية ندوسه بالتوبة والإيمان.

هذه هي بالضبط مشكلة الناس اليوم. إنهم لا يرفضون المسيح. إنهم معجبون بصلاحه ومحبته، وكل البركات التي أمطرها على الأرض. إن القيامة هي التي تزعجهم. لو بقي يسوع ميتاً في القبر، لكان حافظ على تعاطف معظم الناس. إنه غير مرحّب به ويتعرض للهجوم اليوم بالتحديد لأنه قام، والنتيجة المباشرة لإعلان قيامته هي الطلب منا التوبة ونبذ الأهواء.

إن مسيحاً لم ينهض يمكن مماثلته مع آلهة وثنية لا تعد ولا تحصى، وهم لا يمنعون الأهواء وحسب بل يشجّعونها. ولكن ماذا عن المسيح القائم الذي أعلن: “كُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ!” (رؤيا 18:1)؟ كيف يمكنك أن تتحمل معه التأنيب على الآثام والحدّ من الشرور وتنظيم الحياة؟ هذا هو سبب رفض الكثيرين للقيامة.

حول الأشياء الصغيرة في الحياة

حول الأشياء الصغيرة في الحياة

القديس يوحنا مكسيموفيتش

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

يعتقد الكثيرون بأن العيش بحسب الإيمان وتحقيق مشيئة الله أمر صعب جداً. بالواقع، إنه شديد السهولة. على المرء أن ينتبه للتفاصيل، للتفاهات، ويحاول تلافي الشر في الأمور الصغيرة جداً والأكثر بداهية. هذه هي أبسط وأضمن طريقة لدخول عالم الروح والاقتراب من الله. غالباً ما يعتقد الإنسان أن الخالق يطالبه بأشياء عظيمة، وأن الإنجيل يصرّ على التضحية الذاتية الكاملة، وإلغاء شخصية الإنسان، وما إلى ذلك، كشرط للإيمان. يرتعب الإنسان كثيراً من هذا حتى أنه يخشى التعرّف على الله، والاقتراب منه، فيخفي نفسه عن الله، غير راغب حتّى في النظر إلى كلمة الله. “إذ لا أستطع فعل أي شيء مهم لله، فالأفضل أن أبقى بعيداً عن الأمور الروحية، وأن أتوقف عن التفكير في الأبدية، وأن أعيش «بطريقة طبيعية»“.

يوجد عند مدخل العالم الروحي تنويم مغناطيسي من الأعمال العظيمة“: على الإنسان إما أن يفعل شيئاً كبيراً أو ألّا يفعل شيئاً. وهكذا لا يفعل الناس شيئًا على الإطلاق في سبيل الله أو أرواحهم! إنه أمر غريب للغاية كلّما اهتمّ الإنسان بأشياء الحياة الصغيرة، كلما قلّت رغبته في أن يكون أميناً أو نقيًا أو مخلصًا لله في نفس الأشياء الصغيرة. وعلاوة على ذلك ، يجب على كل شخص أن يتبنّى موقفاً سليماً تجاه الأشياء الصغيرة إذا أراد أن يقترب من ملكوت السماوات.

مكوّنات هذا الموقف

الرغبة في الاقتراب: في هذا تتلخّص كل صعوبات الحياة الدينية. غالباً ما يرغب المرء في الدخول إلى ملكوت السماوات بشكل غير متوقع، بطريقة عجائبية وسحرية، أو عن طريق الاستحقاق أي من خلال إنجاز عظيم ما. لكن لا هذا ولا ذاك هو الطريق الصحيح للعثور على العالم الأسمى. لا يدخل المرء حضرة الله بطريقة عجيبة فيما هو غير مبالٍ على الأرض لاحتياجات ملكوت الله وأبديته الساطعة، ولا يمكن لأحد أن يشتري كنوز ملكوت الله ببعض الأفعال الأبدية، مهما كانت الأفعال عظيمة. ومع ذلك، فإن الأعمال الصالحة والأفعال المقدسة ضرورية لكي ينمو إلى حياة أعلى، وإرادة مشرقة، ورغبة جيدة، وعلم نفس سماوي، وقلب نقي وعادل.

كوب ماء: الحق الحق أقول لكم مَن أعطى واحدًا من هؤلاء الصغار ولو كوبًا من الماء البارد، باسم تلميذ (من تلاميذ الرب)، لا يفقد أجره. في قول الرب هذا التعبير الأعلى عن صغر الخير. “كوب من الماء“. هذا ليس كثيرًا.

التواصل بروح طيبة: في كل تواصل بين الناس لا بد أن يكون هناك روح خيّرة: هذه الروح هي المسيح ، صراحة أو خفية. “باسم تلميذ:” هذه هي الخطوة الأولى في التواصل مع شخص آخر باسم يسوع المسيح نفسه. كثير من الناس، ممن لا يعرفون الرب والإلفة العجيبة باسمه، لكنهم يحتفظون فيما بينهم بمودة غير أنانية ونقية وإنسانية تجعلهم أقرب إلى روح المسيح.

الخير الأصغر ضروري: في واقع الأمر ، فإن الخير الأصغر أكثر ضرورة للبشرية من الأعظم. يمكن للناس أن ينسجموا مع حياتهم بدون الخير الأكبر. بينما بدون الأصغر لا يمكن أن تكون حياتهم موجودة. البشر يهلكون لا من نقص الخير الأكبر ، ولكن من قلّة الخير الأصغر. ليس الخير الأعظم أكثر من سقف مقامٍ على جدران من طوب الخير الأصغر.

إن الخير الأصغر والأسهل متروك على هذه الأرض من الخالق نفسه الذي أخذ على عاتقه الخير الأعظم. مَن يعمل الأصغر، يخلق – ومن خلاله يخلق الخالق – الخير الأكبر. من خيرنا القليل يصنع الخالق خيره الكبير. إذ كما أن ربنا هو الخالق الذي كوّن كل الأشياء من العدم، كذلك هو أكثر قدرة على خلق الخير الأكبر أكثر من الأصغر.

من خلال هذا العمل الأصغر والأسهل، الذي يتمّ إنجازه ببساطة كبيرة، يعتاد الإنسان على الخير ويبدأ بالخدمة من كل قلبه وبإخلاص، وبهذه الطريقة يدخل في جو من الصلاح، ويترك جذور حياته في تربة جديدة، تربة الخير. إن جذور الحياة البشرية تتكيّف بسرعة مع هذه الأرض الجيدة، وعاجلاً لا يمكنها العيش بدونها…

هكذا يخلُص الإنسان: من الصغير يأتي الكبير. “الأمين على القليليصير أميناً على الكثير“.

المعنى الأخلاقي لنا: أن نضع جانباً كل الاعتبارات النظرية كالتي تحظّر ذبح الملايين والنساء والأطفال والمسنين. ارضوا بإظهار حسّكم الأخلاقي من خلال عدم قتل كرامة قريبكم الإنسانية، لا بالكلمة، ولا من خلال التلميح، ولا بالإيماءة. لا تغضب على أخيك بَاطِلاً (مت 5: 22) أو في احتكاكات الحياة اليومية تقول عن قريبك ما ليس حقاً. هذه تفاهات، تغييرات صغيرة، بدون حساب؛ ولكن فقط حاول أن تفعل هذا وسوف ترى ما يأتي منه.

الصلاة: الصلاة صعبة في الليل. لكن حاول في الصباح. إذا كنت لا تستطيع أن تصلي في المنزل فعلى الأقل أثناء ركوبك إلى مكان عملك حاول الصلاة الربيةأبانابفكر نقي ودع كلمات هذه الصلاة القصيرة تتردد في قلبك. وفي الليل سلّم نفسك بأمانة كاملة في يد الآب السماوي.

هذا بالفعل سهل جداً. أعطِ كوبًا من الماء البارد لكل من يحتاج إليه؛ أعطِ كأساً فيّاضاً مع رفقة إنسانية بسيطة لكل من يفتقدها ، الرفقة الأكثر بساطة…

يا طريق الأشياء الصغيرة العجيب، أنشد لك ترتيلة! أحيطوا أنفسكم أيها الناس، انشدوا أنفسكم بأعمال خير صغيرةمع سلسلة من المشاعر الصغيرة والبسيطة والسهلة والجيدة التي لا تكلّفنا شيئاً، سلسلة من الأفكار والكلمات والأفعال الساطعة. دعونا نتخلَّ عن الكبيرة والصعبة. هذه لهؤلاء الذين يحبونها وليست لنا نحن الذين لم نتعلّم بعد أن نحبّ المحبة الكبرى، الذين جعل لهم الرب برحمته المحبّة الصغرى في كل مكان مجانية كالماء والهواء.

Vol. 12, Issue 05-06 Orthodox Heritage

هل يُغرَس الإيمان عبر التربية؟

هل يُغرَس الإيمان عبر التربية؟

القديس ثيوفانس الحبيس

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

من أين يأتي الإيمان؟ الإيمان بوجود الله وقوته هو خاصيّة متأصلّة في الروح التي توجد في كل شخص بمجرد تطوّر قدراته. التربية تطوّر الإيمان وتعطيه شكلاً حتى تصير تغذيته ممكنة من خلال الأنشطة الدنيوية. هذا مختلف تمامًا عن الإيمان الذي نكتسبه في المجتمع. يغرس المجتمع الإيمان بمعاييره من خلال التربية. تأتي جميع معايير المجتمع من العقل البشري، وتتثبّت في مجتمع معين من خلال القوانين والممارسات المقبولة فيه. فالحاجة إلى هذا التعلّم قائمة لأن معايير المجتمع ليست طبيعية ولا متأصلة في الكيان البشري. هذه المعايير خارجية ما يشترط على العقل تعلّمها فتؤدي إلى معتقدات كالوطنية والحرية السياسية والديمقراطية.

الإيمان بالله يختلف قليلاً عن أي إيمان نملكه في المجتمع. نحن مصنوعون على صورة الله. لسنا بحاجة لتعلّم طبيعة هذه الصورة من أيِ من أشكال التعليم. إنه في تركيبتنا. تتطلّب معرفة الله نوعًا من المعرفة مختلفًا عمّا اعتدنا معرفته من طرق المجتمع. لا يمكن تعلم الإيمان بالله عن طريق الدراسة. يمكن اكتسابه فقط من خلال الانفتاح الداخلي لقلبنا على الواقع الموجود هناك.

هناك العديد من الطرق الممكنة للوصول إلى معرفة الله التي تقودنا إلى الإيمان. يمكننا أن نجد الله من خلال تجاربنا مع خليقته، خاصة إذا قضينا بعض الوقت في البريّة حيث ليس للإنسان تأثير. هناك، كل ما نراه هو عمل الله ونختبر جماله المذهل الذي يفتح قلوبنا على ما في الداخل. يمكن أن يرسل لنا الله رؤية كما فعل مع القديس بولس في رحلته إلى دمشق. مثل هذه الرؤى للنور غير المخلوق وصوت الله قادرة على إحداث التحوّل الفوري ولكنها نادرة. يمكننا قراءة الإنجيل ما يشعل الضوء في قلوبنا ونجده يفسر ما نشعر به في أعماقنا. إنه يفتح قلبنا على ما هو موجود فيه بالفعل. يمكن أن يحرّكنا مرشد روحي أو صديق يعطينا فكرة تفكّ هذه الأسرار الداخلية. الإيمان لا يأتي بالتعليم المنهجي بل من خلال التبصّر، أي التجربة التي تسمح لنا بمعرفة حقيقة ما هو فعلاً داخلنا.

ماذا يقول هذا عن التربية المسيحية؟ هل يمكن أن نتعلم الإيمان في المدرسة بالصلاة أو دراسة الكتاب المقدس القسرية؟ هل يمكننا اكتساب الإيمان من خلال القوانين الجديدة؟ ما قيمة مدارس الأحد التي نحاول فيها تلقيم أطفالنا بالقوة معلومات حول خطاب وممارسة إيماننا؟ هل كل هذه الجهود عبث؟

لا ، ليس كلياً، لأن محاولات التعليم هذه قد توقظ لدى البعض ما هو في داخلهم بالفعل. لكن بالنسبة للآخرين. يمكن لهذه الأنشطة أن تدخِل عقلانية تؤدي إلى رفض الله إذا كانت مبنية على افتراض أنه يمكنك تفسير الله والإيمان من خلال الخطاب العقلاني.

يجب أن يكون التعليم المسيحي الصحيح مصدر إلهام للمرء ليسعى وراء ما في داخله. يجب أن نركّز على ما لا يمكن تفسيره أو فهمه بعقلنا المنطقي. يجب أن نشجّع الإنسان على العيش في السرّ والسعي وراء ما هو أبعد من معرفة المجتمع.

هذا هو أساس الصلاة والعبادة الأرثوذكسية. توجيه المؤمنين بشكل صحيح في القداس الإلهي هو أكثر أهمية من دقائق قليلة في صف مدرسة الأحد. قد تساعدنا غرفة الصف فقط في شرح ومشاركة ما اكتسبناه من تجربتنا الداخلية. إنها تعطينا لغةً لمشاركة ما هو بالفعل غير قابل للمشاركة.

 في الختام إذا كان لدى كل إنسان إيمان، فهذا يعني أن معيار الحياة البشرية يتضمن الإيمان دون شك. وبالتالي ، فمَن ليس عنده إيمان ينحرف عن هذا المعيار ، ويصاب بالهوس الروحي. إن غير المؤمنين جميعاً هم من هذا الترتيب.

Reference: The Spiritual LIfe, pp 301-303

بغض النظر عن شدة المحاولة

بغض النظر عن شدة المحاولة

الشيخ أميليانوس السيمونوباتريني

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

شرط أساسي للحياة الروحية هو أن علينا أن نفهم أنه لا يمكننا فعل أي شيء بمفردنا على الإطلاق. بغض النظر عن مدى القوة التي نحاول بها، فالحياة الروحية شيء يعطينا إياه شخص آخر. والشخص الآخرهو روح الله، المعزي، كنز الصالحات ورازق الحياة، الكنز الذي تخرج منه جميع الثروات الروحانية، النبع الذي تخرج منه الحياة الروحية وتفيض.

بالطبع، أحيانًا نشعر بالارتباك، ونعتقد أنه أن تكون روحانياً تعني أن تكون شخصًا صالحاً“: لا تسرق، لا تقتل، لا تزور أماكن سيئة ولا تخرج مع أصدقاء سيئين، تذهب إلى الكنيسة يوم الأحد، تقرأ الكتب الروحية، وما إليه. لكن لا، هذه ليست الحياة الروحية. الشخص الروحي، المسيحي الحقيقي، هو شخصٌ حياته موقَفَة لله بالكامل. في البداية بمعموديته، ولاحقاً في قلبه، حيث يقسم هذا الشخص يميناً لله، بأن يعيش لله، ويبقى مع الله إلى الأبد. الشخص الروحي هو رياضي تفجّر بالحياة، يبرز من بين حشود البشر، ويجري بكلّ سرعة روحه إلى الملكوت. الشخص الروحي هو الذي يشبّ إلى الأمام بعينين لامعتين وصدر مفتوح، وقد حدّد مساره وسباقاته في السماء. هو ليس رجلاً صالحاً“. يعرف الشخص الروحي أنه ، لكي ينجح ، يحتاج إلى أجنحة قوية: أجنحة الروح القدس. لذلك على الشخص الروحي أن يقوم بكل ما هو ممكن لجذب روح الله واكتسابه، لأن الروح القدس وحده، الإله بذاته، عنده موهبة الحياة الروحية. بحسب القديس غريغوريوس النيسّي، فإن توزيع الهدايا الملكيةالتي من الروح القدس يتمّ في الكنيسة عبر الأسرار المقدسة.