تنقية القلب

تنقية القلب

المتروبوليت أثناسيوس ليماسول

نقلتها إلى العربية الخورية جولي عطية عيسى

منذ الرابع من آذار 2020، يجري صاحب السيادة المتروبوليت أثناسيوس ليماسول مناقشات أسبوعيّة مع المؤمنين، مفسّرًا الكتاب المقدّس، ومطّلعًا على حاجاتهم، ومجيبًا على تساؤلاتهم

كنّا قد وصلنا إلى الفصل السابع من رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس. في بداية الفصل، يقول الرسول ما يلي: “فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ فلنُطَهِّرْ أنفُسنا مِنْ كُلِّ ما يدَنّسُ الْجَسَدَ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ بِمَخافَةِ اللهِ” (2 كور 7: 1). ثمّ يتكلّم الرسول بولس على الأحزان التي كان على الكورنثيّين أن يقاسوها. من المفيد جدًّا لنا أن نسمع اليوم هذا الكلام، لأنّنا نرى بذلك أنّ المسيحيّين الأوائل واجهوا هم أيضًا مصاعب الحياة والتجارب والخطايا، وأنّ حياتهم لم تكن ملائكيّة. ولكن ما يهمّ هو أنّهم تعاملوا مع ذلك روحيًّا: من خلال التوبة، ومن خلال جهاد تصحيح الذات

يقول الرسول بولس في الفصل السابق إنّ جسدنا هو هيكل الروح القدس، وإنّ الله يسكن في الإنسان. وبما أنّ جسدنا هو هيكلٌ كهذا، فعلينا أن ننتبه لئلاّ ندنّس جسد الله، كما نفعل مثلاً مع أيّ بناءٍ كنسيّ: فنحن نعتبر الكنيسة مكانًا مقدّسًا ولا نفكّر مجرّد تفكيرٍ بارتكاب أيّ فعلٍ دنيءٍ فيها. يجب أن ينطبق الأمر نفسه على جسدنا، وعلى نفسنا، وعلى وجودنا برمّته، الذي هو هيكل الله. ” فَإِنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ” (2 كور 6: 16). يدعونا الله إلى أن نرفض الخطيئة والشرّ وكلّ تجربة لكي نصير بحقٍّ شعب الله، ولكي يصير الربّ أبانا ونحن أبناءه وبناته (راجع 2 كور 6: 18).

إذًا، تقول بداية الإصحاح السابع: “فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِدُ…”. إنّ الذي يَعِدُ هو الله نفسه. يَعِدُ بأنّه سيكون أبانا ونحن سنكون أبناءه عندما نرفض الخطيئة وكلّ ما يدنّس وجودنا. وإذا وعد الله بشيء، فهو لا يكذب مطلقًا. مواعد الله تتحقق؛ هو ليس مثلنا نحن الذين نَعِدُ عادةً بالقمر ولا نستطيع حتّى أن نفي نصفه. إذًا، الجهاد الذي نصنعه فيه ترقّب الحياة الأبديّة

عندما ننال موعدًا من الله، لا يمكننا دائمًا أن نفهمه. نحن نرتجي عادةً من الله شيئًا يكون ضمن نطاق إدراكنا وفهمنا. ولكن، كلّ ما نتلقّاه من الله هو بالحقيقة أكبر وأوسع بكثير ممّا يمكننا تخيّله. مواعد الله تعمل مثل التوازن. في الجهة الأولى من الميزان لدينا ثقل أعمالنا الروحيّة وصبرنا ورجاؤنا – والجميع لديهم شيءٌ ما. وفي الجهة الثانية لدينا مواعد الله. النتيجة ليست فقط توازنًا، بل إنّ مواعد الله تبطل مصاعب حياتنا هذه. الله غير مدرَك. من المستحيل أن نفهم ونقتبل بحقٍّ أيّ شيء نتلقّاه من الله. الله غنيّ. هو ليس مثلنا نحن الذين لدينا مقاييسنا الخاصّة وقيودنا الخاصّة. الله فيّاضٌ بالرحمة؛ محبّته لامتناهية ولا يمكن لمخلوقٍ أن يحتويها كلّها. الإنسان الذي يشعر بمحبّة الله يصعب عليه وصفها لأنّها تفوق الوصف

أتذكّر كيف أنّ القدّيس باييسيوس أخبرني ذات مرّةٍ عن رؤيته للقدّيسة أوفيميّة. كان ذلك في الصوم الكبير، كما نحن الآن (في وقت هذا الحديث)، في الأسبوع الثاني منه. ظهرتْ له في الصباح في قلاية الصليب المكرّم في كابسالا، وبقيت معه طول النهار. وصفتْ له القدّيسة أوفيميّة حياتها كلّها، لأنّ الشيخ لم يكن يعرف سيرتها. كان قد سمع عن قدّيسةٍ تُدعى أوفيميّة، ولكنّه لم يعلم أيّ شيءٍ عنها. أخبرته أنّها كانت شابةً تعيش في القرن الرابع في مدينة خلقيدونية، وكان عليها أن تقاسي أمرّ التعذيبات من أجل المسيح. وبينما كانت تخبره عن ذلك، رأى الشيخ حياتها كلّها أمامه، مثل فيلمٍ على التلفاز. ثمّ عندما وصلت إلى عذاباتها، خاف القدّيس باييسيوس ممّا رأى وسألها قائلاً: “كيف استطعتِ احتمال هذه العذابات كلّها؟” لقد كانت شابّةً صغيرة، والعذابات كانت بأكثر وحشيّة يمكن تصوّرها. فأجابته القدّيسة قائلةً: “يروندا، لو علمتُ أيّ مجدٍ سينال الشهداء في السماء من أجل عذاباتهم، لكنتُ جاهدتُ لكي أتعذّب أكثر، لأنّ ذلك كلّه وقتيٌّ ولكنّ مجد الله أبديّ”

دائمًا ما يقول لنا الرسل والآباء القدّيسون أنّه إذا احتملنا تجربةً ما من أجل محبّة المسيح، علينا أن ندرك أنّ مكافأة المسيح ستكون أعظم بكثير. ويجب أن نسعى من أجل نيل المكافأة من الربّ والشركة الأبديّة معه. نعم، قد يبدو الأمر وكأنّنا نخدم مصلحتنا إن طلبنا مكافأة، ولكنّنا أناسٌ ضعفاء في النهاية، ونحتاج ببساطةٍ إلى أن نرى أفق أفعالنا – هكذا هي طبيعتنا. أفق الحياة الأبديّة هو الموعد الذي أعطانا إيّاه الله. إذًا، عندما نمرّ بأوقات صعبة، يجب أن نتذكّر مواعد الله؛ يجب أن نتفكّر بصعودنا إلى الملكوت السماويّ، بأنّ حياتنا لا تنتهي بمضي هذه السنوات القليلة التي أُعطيت لنا لنعيشها هنا على الأرض، بل سوف تستمرّ في الملكوت الأبديّ. حينئذٍ، سنتمكّن من تخطّي أيّة صعوبة نواجهها، أكان على الصعيد الشخصيّ أم الاجتماعيّ أم العامّ، مثل الخطر الناتج عن فيروسات متنوّعة، أو تعدّي الأعداء على أمننا وراحة بالنا. بالطبع، نحن أناس، والقلق على حياتنا داخليٌّ فينا. ولكن مَن يستطيع أن يضمن لنا سلامتنا؟ مَن يستطيع أن يجزم لنا أنّنا لن نصاب بالكورونا؟ الله وحده يمكنه أن يمنح العالم الأمان. عندما يهب الإنسان حياته لله ويقول: “سيهتمّ الله بكلّ شيء”، سيشعر حينئذٍ بسلام النفس. هذا ما اعتاد أجدادنا على قوله، وكانوا أناسًا سلاميّين. دائمًا ما كانوا يقولون: “سيهتمّ الله”، وكانوا يؤمنون بما يقولون. وكانوا في الوقت عينه مستعدّين ليقاسوا أيّ أمرٍ يحدث في حياتهم، ممتلئين إيمانًا بأنّ الله يرى حياتنا كلّها. وحتّى عندما يأتي الموت، أي أسوأ شيء يمكن أن يحدث لإنسان، فهو لن يكون مرعبًا لأنّ الله قد غلبه

نحن نختبر غلبة المسيح على الموت كلّ يومٍ في الكنيسة. لقد دُمّر الموت بموت يسوع المسيح. وإذا كان لنا رجاءٌ في المسيح القائم، سوف نغلب الموت والفساد والمخاوف وعدم الأمان… لقد وعدنا المسيح بأن يكون معنا إلى الأبد. هو لا يطلب منّا سوى شيئًا واحدًا: أن ننقّي ذواتنا من الخطيئة. فكيف نفعل ذلك؟

طبعًا بواسطة الجهاد الذي علينا كلّنا أن نفعله: جهاد التنقية من الأهواء، جهاد الصوم، والصلاة، والمطالعة الروحيّة، والاعتراف، والاشتراك في أسرار الكنيسة، وعمل الإحسان، ومن خلال أيّ جهادٍ روحيّ ضمن طاقة الإنسان. كلّنا لدينا ضعفاتنا الخاصّة بالطبع، ولا يمكننا التغلّب على خطايانا كلّها. إنّ خلاصنا لا يشتمل على خبرةٍ بلا خطيئة، بل على توبة. يجب أن نتعلّم أن نتوب عن خطايانا وضعفاتنا. إذًا، من خلال التوبة والصلاة، ننال نعمة الله، وتصير التوبة سبب خلاص الإنسان. في النهاية، ليست الحياة التي بلا خطيئة هي التي ستخلّصنا (لا أحد منّا يعيش حياته كلّها من دون أخطاء أو خطايا). سوف نرتكب الأخطاء ونقترف الخطايا، كلّ ذلك بسبب ضعفنا. عندما نمارس جهاد محاربة الخطيئة، سندرك أنّنا لا نستطيع أن نتغلّب على كلّ شيء. وعندما نشعر بضعفنا وعدم قدرتنا على غلبة الخطيئة، سوف نحتاج إلى أن نتوب بصدق. التوبة دليلٌ على التواضع. الإنسان المتواضع تائبٌ دائمًا، ولكنّ الإنسان المتكبّر ليس تائبًا مطلقًا، لأنّ لديه فكرة مضخّمة عن نفسه، ولا يشعر بالحاجة إلى التوبة أمام الله

الصوم الكبير الذي نحن فيه الآن هو الزمن الأجمل، المملوء بالتوبة والتواضع. إذا سمعتم صلوات الصوم التي تُقرأ يوميًّا في الكنيسة، سترون أنّها مملوءةٌ بصرخة التوبة والتواضع، التي لا تقود الإنسان نحو ظلام اليأس والقنوط، بل تمنحه شجاعةً، ورجاءً، وصبرًا، ومخرجًا، ونورًا في نهاية النفق، الذي ليس سوى محبّة الله وحضوره في حياتنا

إذًا، يقول بولس الرسول: “فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ فلنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ ما يدَنّسُ الْجَسَدَ وَالرُّوحِ”. يبدو هنا وكأنّه يفصل بين الخطيئة الجسديّة والروحيّة. في الواقع، لا فرق بينهما لأنّ الإنسان حين يخطأ، يخطأ بجسده ونفسه معًا. ولكن من أجل أن ندرك كلّ وجوه الخطيئة، يفصل الرسول بينها، ويسمّيها دنس الجسد والروح. ثمّة خطايا جسديّة، أي تلك التي يقترفها الجسد، والتي نعرفها كلّنا جيّدًا ونحاربها. ولكنّ الإنسان بكليّته يخلص. على سبيل المثال، نقول إنّنا نصوم، إنّنا نمتنع عن الطعام. إنّ صومًا جسديًّا كهذا له أثرٌ مفيدٌ بلا شكّ على نفسنا أيضًا لأنّ الإنسان هو وحدة نفسٍ وجسد. إنه شيءٌ أن تتناول حساءً خفيفًا، وشيءٌ آخر أن تتناول شيش كباب. ثمّة فرق بينهما. كذلك، ثمّة فرقٌ بين الإنسان الذي يصوم وذلك الذي لا يصوم، بين الإنسان اليقظ الذي يصلّي وذلك الذي ينام عشر ساعات. كلّ حركةٍ للنفس أو الجسد لها أثرٌ على الآخر. مثلاً، تذكُّر الإساءات والحقد هو هوى روحيّ، ولكنّه يؤثّر أيضًا على الجسد. ينعكس تذكّر الإساءات على جسد الإنسان كلّه، على سلوكه، على مظهره. أمّا هيئة الإنسان النقيّ والتقيّ، فتختلف كليًّا. تنطبع تقواه على وجهه. انظروا إلى القدّيسين كم وجوههم جميلة

أتذكّر عندما جاءت إلى الجبل المقدّس مجموعةٌ من الأساتذة من تسالونيكي، كانوا سبعة أو ثمانية. كان اثنان منهم مؤمنَين، وهما اللذان نظّما الرحلة، بينما كان الآخرون للأسف غير مؤمنين بالله. وبعد أن كان هؤلاء ينظرون إلى الرهبان طول الوقت، قالوا: “إنّ حياة الراهب تستحقّ الاحترام طبعًا؛ ولكن هل فعلاً يختلفون عنّا نحن الذين لا نحيا حياةً مسيحيّة؟” أجاب أحد الأساتذة المنظّمين قائلاً: “لا أعلم إن كنتم قادرين على الاستيعاب، ولكن انظروا إلى وجوهكم وإلى وجوه الرهبان – كيف تبدون وكيف يبدون. ألا ترون حقًّا الفرق؟ ما يشعّ منّا يختلف كليًّا عمّا يشعّ من هؤلاء الناس”. وبالفعل، أنا أيضًا لاحظتُ ذلك حينئذٍ. إذا نظرتم إلى وجوه المسيحيّين الذي يجاهدون روحيًّا، سوف ترون فيها نوعًا من السلام الداخليّ الخاصّ. أمّا الإنسان المتكبّر والغاشّ والشرّير والمحبّ المال، فهيئته تختلف كليًّا. طبعًا يجب ألاّ ندين أحدًا من خلال مظهره، ولكن غالبًا ما يبثّ وجهنا حقيقتنا كلّها

عندما يجاهد الإنسان روحيًّا، يتقدّس وجوده كلّه، النفس والجسد على حدّ سواء، لأنّ الإنسان وحدة نفسيّة-جسديّة. لا يمكننا أن نقسم الإنسان ونقول هنا تنتهي النفس وهنا يبدأ الجسد. كلاّ، خذوا الخبز مثلاً. لكي تصنعوا الخبز، عليكم أن تمزجوا الطحين بالماء وتصنعوا العجينة. ثمّ حين نكون قد خبزنا الخبز، لن نستطيع بعد أن نميّز بين الماء والطحين. هما كلٌّ واحدٌ الآن. ينطبق الأمر نفسه على الجسد والنفس البشريّين. ما دام الإنسان حيًّا، يكون وحدة نفسٍ وجسدٍ لا تنفصل؛ ولهذا يكون الموت عدوّ البشريّة، إذ إنّه يدمّر هذه الوحدة. يموت الجسد وترحل النفس إلى حيث تعيش النفوس. إلاّ أنّ المسيح سوف يبيد الموت وسيقوم الإنسان من جديد. سيقوم الجسد وحده لأنّ النفس لا تموت. حينئذٍ، ستتّحد النفس والجسد من جديد. وسيصير الجسد غير فاسدٍ مثل جسد المسيح بعد قيامته. وسوف يستعيد الإنسان وحدته النفسيّة-الجسديّة

إنّ تدنيس النفس والجسد هو أيّة خطيئة يقترفها الجسد أو النفس. لنجاهد إذًا بمخافة الله من أجل تقديس نفوسنا وأجسادنا. القداسة عملٌ روحيّ. كلّ شيء يظنّ الإنسان أنّه يفعله من أجل الله، هو في الحقيقة يفعله من أجل نفسه. على سبيل المثال، نقول: “أصوم محبّةً بالمسيح”، “أعمل الإحسان من أجل المسيح”، “أذهب إلى الكنيسة من أجل المسيح”. إنّ المسيح لا يحتاج إلى هذا كلّه. إذا لم نَصُم اليوم، بماذا يؤثّر ذلك على الربّ؟ أو ماذا سينال الله حين نصنع الإحسان؟ في الحقيقة، نحن الذين سنستفيد من جرّاء أعمالنا الروحيّة، سننال بركة، سنقدّس ذواتنا. أمّا الربّ فلن ينال شيئًا من ذلك. إنّنا نجاهد من أجل أن نكون مع المسيح. نسعى لكي ننقّي ذواتنا من أجل أن نصير المكان الذي يمكن للربّ أن يأتي ويسكن فيه. يجب فقط أن نفعل كلّ هذه الجهادات بمخافة الله، لكي نحصل على النقاء الداخليّ

ما معنى “بمخافة الله”؟ غالبًا ما نقول ذلك في الكنيسة، أو نصف شخصًا بأنّه يملك مخافة الله. يجب أن نفهم أنّ مخافة الله هذه لا تشبه مطلقًا خوفنا النفسيّ، مثلاً حين نخاف من الكلاب أو القطط أو الطائرات أو الأتراك أو الكورونا. نحن لا نخاف على هذا النحو. عندما تدعو الكنيسة قائلةً: “بمخافة الله، وبإيمانٍ ومحبةٍ تقدّموا…”، لا تعني أنّنا يجب أن نصاب فورًا بالخوف والقلق، ونبدأ بالارتجاف رعبًا. مخافة الله تعني شعورنا بالإجلال، بالمهابة المقدّسة، أي الشعور بأنّ الله قدّوس، وبأنّه أبونا ويحبّنا، وبأنّه الأقدس والأثمن في العالم. وحين يشعر الإنسان بالمهابة والمحبّة والإجلال في قلبه، هذه كلّها مجتمعة تكون مخافة الله

إنّ مخافة الله أساسيّة لبناء علاقةٍ مع الله. هذا هو العمل الأهمّ في حياتنا. كيف نبني هذه العلاقة؟ من خلال حفظ الوصايا، من خلال التوبة عن خطايانا والندم عمّا فعلنا، وذلك عبر الجهاد اليوميّ، وعبر الاشتراك في الأسرار الكنسيّة المقدّسة التي هي عنصرٌ ضروريٌّ في الحياة في المسيح. بالطبع، يجب أن يفعل كلّ إنسانٍ ذلك بحسب قدرته. ثمّ بجهادنا بمخافة الله، نقتني النعمة الإلهيّة في قلوبنا

عندما كنتُ رئيس دير ماخيراس، منذ قرابة الثلاثين سنة، ذهبنا إلى مؤتمر في جورجيا نظّمته الكنيسة الأرثوذكسيّة الجورجيّة. كانت في بداية استعادتها لنشاطها بعد سنواتٍ من الاضطهاد. كلّ شيء كان مدمّرًا. وعندما هبطنا في المطار في تبيليسي، لم أصدّق أنّه مطار. بدا وكأنّنا هبطنا في حقلٍ مفتوح: كان هناك قمحٌ ينمو وأبقار ترعى في أرجائه. وكان مبنى المطار عبارة عن غرفةٍ صغيرةٍ واحدة، فيها خزانةٌ خشبيّةٌ كُتب عليها “السوق الحرّة”، حيث كانوا يعرضون للبيع جرار المربّى وغيرها من المعلّبات! كانت الحالة صعبةً جدًّا في جورجيا في ذلك الحين. وكانت الكنيسة في تراجع. كانت الكثير من الكنائس مدمَّرة، ما يشبه كثيرًا ما نراه اليوم في الأراضي القبرصيّة التي يحتلّها الأتراك. ذهبنا نهار الأحد إلى الخدمة التي يترأّسها البطريرك. إنّ البطريرك الجورجي رجلٌ قدّيس، ما زال حيًّا ولكنّه متقدّمٌ في السنّ. بحسب التقليد، يرتدي البطريرك حلّته الكهنوتيّة خلال الخدمة في وسط الكنيسة. ويساعده الشمامسة ومساعدو الشمامسة. كنتُ واقفًا هناك أراقب الاحتفال متسائلاً: “لمَ كلّ هذا؟” (مَن كان يعلم أنّ الأمر نفسه سوف يحصل لي لاحقًا (كمطران)؟). سمع أفكاري كاهنٌ راهبٌ كان يقف بقربي وقال لي:ـ

“أترى كيف يُلبسون البطريرك؟”

أجبته قائلاً: “نعم”

“أتعلم لمَ يلبسونه كذلك؟”

“لا فكرة لديّ. ألا يمكنه أن يرتدي حلّته بنفسه؟”

“أسبقَ لك أن رأيتَ كيف تجري العمليّة الجراحيّة؟”

” لم يسبق لي أن كنتُ في عملية، ولكنّني رأيتُ واحدةً على التلفاز حين كنتُ صغيرًا”

“عندما يُجري الطبيب عمليةً صعبة، حيث من الممكن أن تكون أيّة حركةٍ من قبله مميتة، لا يجول في غرفة العمليات باحثًا عن مبضعٍ وإبرٍ وغيرها من الأدوات. هو فقط يرفع يده ويجب أن يفهم معاونوه ما الذي يحتاجه، أو في أقصى الحالات قد يقول رقم الأداة. يجب أن يركّز الطبيب كليًّا على العمليّة. والأمر نفسه ينطبق على الكاهن أو الأسقف حين يقيم القدّاس الإلهي – يجب ألاّ يتشتّت بما سيرتدي أو بأيّ شيء آخر. ولهذا يدعى الشمامسة شمامسة (المعنى في اليونانية “خادم” أو “معاون”)، إذ إنّهم يخدمون الأسقف ويساعدونه، حتّى يتمكّن من تكريس نفسه بالكليّة للصلاة والقداس الإلهي من دون تشتّت

يقول بولس الرسول نفسه لنا: “تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ” (في 2: 12). ويعني ذلك أنّ علينا أن نتمّ خلاصنا، وعلاقتنا بالله، وعملنا الروحيّ كلّه بخوفٍ وارتجاف. لا نفعلنّه بعجلةٍ أو تهاون، ولا كنوعٍ من النشاط الجانبيّ، بل بوصفه أهمّ أمرٍ في حياتنا. على سبيل المثال، عندما نقود سيّارة، نثبّت عينينا على الطريق، ولكن ما إن نبدأ بالنظر إلى جانب الطريق حتّى يحصل حادث. يجدر بنا أن نسلك طريق الله على النحو ذاته، مرتقين إلى القداسة بمخافة الله

حقيقة الله: أهمية اكتشاف الله شخصياً

حقيقة الله: أهمية اكتشاف الله شخصياً

الشيخ تريفن

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

قبل بضع سنوات، وصلت إلى الدير امرأة تجرّ معها ابنها البالغ من العمر ثلاثة عشر عامًا تقريبًا. كانت مستاءة لأن ابنها أعلن أنه ملحد وكانت تخشى أنه في خطر التعرض للعقاب الأبدي. جلستُ مع الصبي وقلت له أن على كل واحد منا أن يتعرّف على حقيقة الله بنفسه. قلت له إن الشك في وجود الله هو جزء من بناء علاقة شخصية معه. إذا مررنا ببساطة عبر الأفكار دون البحث عن علاقة حقيقية، فقد نكون أيضًا ملحدين. عرفتُ في شبابي جهاداً روحياً عظيماً، إذ كنت أسعى لملء الفراغ الذي شعرت به في قلبي

يجابه معظم الشباب أسئلة حول الأمور الأبدية. إنه جزء من بناء العلاقات. مثل الشاب الصغير الذي زارنا مع والدته، قد عانيتُ من الشك. الفرق الوحيد هو أن جهادي جرى خلال أيام دراستي الجامعية. لقد كانت فترة زمنية كنت فيها ممتلئاً من القلق بشأن المستقبل، وخائفاً من اتخاذ قرارات خاطئة

لعلمي أهمية الصدق، أخبرت الأم أن تسمح لابنها باستكشاف حقيقة الله بنفسه. كان من الأفضل له أن يشكك في وجود الله من أن يدّعي الإيمان ببساطة. في الوقت نفسه، أخبرت الصبي أنه بحاجة إلى مرافقة عائلته إلى الكنيسة لأن من المهم أن يطيع والديه ويدعم أخاه الأصغر. بعد كل شيء، لا يخبر أحد والديه أنه لن يذهب إلى المدرسة لمجرد أنه لا يرى أن دراسته مهمة

إن الإله الذي رفضه هذا الصبي كان الصورة الخاطئة عن الله التي لطالما رفضتُها. الله الذي توصّلت إلى معرفته شخصياً ليس الإله الذي رفضته في شبابي. الله المتجلّي في يسوع المسيح هو الواحد الذي اختبرتُه شخصياً والذي سعى إليّ أولاً. إذا أردنا علاقة شخصية مع المسيح علينا أن نكون منفتحين وصادقين ولا نخاف من أن نسأل. يريدنا الربّ أن نكون حقيقيين معه. كمثل العلاقة الصحيحة التي يراها الإنسان في النجاح المستمر والناجح، كذلك العلاقة مع الله يجب أن تقوم أولاً وقبل كل شيء على الصدق والحقيقة. المحبة والثقة تأتيان مع الوقت والتجربة. علاقتنا مع الله هي شيء يتكوّن مع الوقت، كمثل كل العلاقات الحسنة ينتهي بحسّ من السلام

هذا هو السلام والفرح اللذين أريد أن أنقلهما للشباب. علاقتي الشخصية مع المسيح هي شيء أريد مشاركته، وليس فقط مع الشباب الأرثوذكسي. أعلم أن الله موجود لأنني اختبرت محبته الكبيرة بطريقة شخصية، وهذا اليقين لحقيقة الله هو الذي يقودني للتواصل مع محبة المسيح. هؤلاء الأفراد الذين ألتقي بهم في الحياة اليومية، مثلي، يحتاجون إلى اكتشاف الله بأنفسهم، والبناء على علاقة بدأت منذ الحَبَل بهم

انتظروا المسيح لا ضدّه

انتظروا المسيح لا ضدّه

الأرشمندريت نكتاريوس موروزوف

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

لن تجدوا في الكنيسة مؤمناً واعياً واحداً لا يعرف أن العالم الذي نعيش فيه لن يدوم إلى الأبد، ولم يقرأ رؤيا القديس يوحنا الإنجيلي ولا فكرة لديه عن الأحداث التي ستسبق نهاية التاريخ البشري على الأرض والمجيء الثاني المجيد لربنا يسوع المسيح. ومع ذلك، هناك جزء من الجماعة الكنسية لا يتذكر أن نهاية العالم ستأتي وحسْب بل يترقبّها بلهفة

لا شك في أننا مدعوون إلى الاهتمام ليس فقط بما يحدث في قلوبنا بل وبما يحدث في العالم من حولنا. بحسب المخلّص، يجب أن نميّز علامات الأزمنة (متى 16: 3). وكما كتب القديس أغناطيوس (بريانشانينوف)، من الضروري تمييز روح الزمن واستشعارها حتى لا نستسلم لتأثيرها المعادي للمسيحية، وللبقاء أحراراً من تأثيرها المعادي للمسيحية قدر الإمكان. لكن أود أن أذكّر بشيء آخر مهم: كونوا أناساً تسيطرون على ذواتكم وعقلانيين، حافظين دعوة الرسول بولس: “ثُمَّ نَسْأَلُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ… أنْ لاَ تَتَزَعْزَعُوا سَرِيعًا عَنْ ذِهْنِكُمْ، وَلاَ تَرْتَاعُوا، لاَ بِرُوحٍ وَلاَ بِكَلِمَةٍ وَلاَ بِرِسَالَةٍ كَأَنَّهَا مِنَّا: أَيْ أَنَّ يَوْمَ الْمَسِيحِ قَدْ حَضَرَ” (2تسالونيكي 1:2-2)

لا يزال معظمنا يتذكر جيدًا “العاصفة” التي “احتدمت” منذ وقت ليس ببعيد: لا في “فنجان شاي” ولكن في مساحات شاسعة من روسيا. كان الأمر يتعلق بأرقام تعريف دافعي الضرائب على أنها “ختم ضد المسيح”. تحطمت الكثير من الرماح حول هذه المسألة. كم عدد “الشهداء” و”المعترفين” الذين ظهروا وهم يناضلون ضد رئاسات الدولة والكنيسة! وأي قدرٍ من الحماقة تجلّى! مجلدات قيلَت عن مفهوم “ما قبل الختم” [أي ختم مبدئي مع عدد الوحش كما يرد في كتاب الرؤيا]. في الوقت الذي هدأت فيه الأهواء، لم يبقَ إلا مصطلح “المقاتلين ضد أرقام التعريف الضريبي” (أي مجموعة من الأشخاص الذين يبدون كأنهم في الكنيسة ولكنهم ليسوا فيها بشكل كامل)

والآن اندلعت “عاصفة” جديدة حول فكرة حقن الرقائق في البشر، والإشعاع، وتطعيم الناس من خلال “زرع الرقاقات” و”معسكر الاعتقال الإلكتروني”، كما يتكهن البعض، حيث جميعنا سيكون محكوماً علينا بالدمار. هذا الوضع، على الرغم من أن وباء الكورونا أثاره، إلا إنه كان يختمر لفترة طويلة

سأكون صريحًا: أنا متأكد من أن إمكانية زراعة الرقائق في الناس حقيقية، لذا فإن هذه الزراعة على المستوى العالمي هي مسألة وقت ومواصفات فنية. أنا متشكك جدًا بشأن التطعيم العالمي، ومدى ملاءمته وسلامته، خاصة وأن العديد من التطعيمات، وفقًا للعديد من الخبراء، هي وهم أو خيال، أو، بعبارة أدق، انخداع. يبدو “معسكر الاعتقال الإلكتروني” كتهديد، ولكن تم بناؤه تقريبًا من نواح كثيرة

ولكن هذا ليس المهمّ. المهمّ هو أنني لا أريد أن أعيش في رعب في وجه كل هذا. أريد فقط أن أعيش حياة مسيحية، دون خوف من أي شيء ودون أن أموت قبل موتي. كالعديد من الكهنة الآخرين، عليّ أن أجيب كل يوم على العديد من الأسئلة، مثل: “ماذا يجب أن نفعل إذا حدث ذلك قريبًا؟ إنه يحدث بالفعل الآن!” أجيب الناس ولكن قبل كل شيء أجيب نفسي

أولاً وقبل كل شيء، علينا أن نفهم أن هذا لم يحدث بعد. صحيح، هناك ظروف مواتية للغاية لحدوث ذلك، ولكن لا أحد يعرف ما إذا كان سيحدث الآن أم لا. لذا لا يستحق الأمر الصراخ طلباً للمساعدة في الوقت الحالي، وإلا فإننا سوف نجعل الجميع يضحكون ومن ثم لن يصدقنا أحد. دعونا نلقي نظرة على التاريخ: إنها فرصة رائعة لمقارنة أحداث الماضي مع ما نشهده الآن. وسنرى أن العالم شهد مرات عديدة أحداثًا جعلت الناس يعتقدون أنهم كانوا آخر العالم، أي أنهم غرقوا في حالة “نهاية العالم الآن”. الكوارث الطبيعية والأوبئة (بما في ذلك تلك الأكثر خطورة بكثير من الكوفيد 19، وانهيار العالم القديم وولادة عالم جديد، والحروب الدموية، وأخيراً، أفظعها – الحرب العالمية الثانية التي عطلت حياة عشرات الملايين من الناس. يبدو أن يوم القيامة كان في متناول اليد… ولكن لا، لم تأتِ نهاية هذه الأرض بعد ولم يتم استبدالها بأرض جديدة

مما لا شك فيه أن العصر الحديث يختلف جوهريًا عن الماضي القريب، ناهيكم عن الماضي البعيد. لقد خطت التكنولوجيا خطوات رائعة إلى الأمام. تعمل تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا الحيوية على إعادة تشكيل الواقع الاقتصادي والسياسي أمام أعيننا. يتغير البشر بسرعة أكبر، ومع ذلك يظلون بشرًا. هذا يجلب فرصًا جديدة لضد المسيح المستقبلي وفريقه الذي يشبهه بالتفكير، ويشرح الآليات التي سيحقق من خلالها النتائج التي نقرأ عنها في سفر الرؤيا، بمثابة توضيح لهذا الكتاب

لكننا ما زلنا لا نستطيع أن نقول أن ضد المسيح سيأتي غدًا أو حتى بعد غد. يمكننا فقط أن نقول أننا اليوم اقتربنا من هذه النقطة وقد تكون قريبة جدًا الآن. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا في الأمر؟ لماذا يجب أن يؤدي إدراكنا لهذا الواقع إلى إثارة الارتباك وتسريع الذعر؟ لماذا هذه الفكرة بأنّ علينا أن نتوقف عن فعل كل شيء فوراً ونكرّس طاقتنا بالكامل لمقاومة بيل غيتس وأبراج جيل الاتصالات الخامس في جميع أنحاء العالم؟ من أين يأتي هذا الخوف الذي يشلّ إرادتنا ويتحوّل إلى عدوانية ثم إلى ذهول عقيم؟

المجد لله أن هذه ليست حالة معظم الناس في الكنيسة. لكن المشكلة هي أن التهويل مُعْدٍ، وممثليه نشطون وصاخبون، ويقلقون راحة بال بعضهم البعض ومَن حولهم. بالنظر إليهم من الخارج، يتكوّن لدى الناس انطباع قوي بأن هذا هو حال جميع المسيحيين. ونحن المسيحيون بالفعل نصاب بفيروس الخوف واليأس هذا تدريجياً. عند نقطةٍ ما سوف نجد أنه يتأكلنا من الداخل

إلى هذا، أريد أن أذكّر الآخرين ونفسي بأن علينا أن نعيش اليوم بغض النظر عن كيف نتخيّل غدَنا، بشعاً وثقيلاً ومرهقاً أو واعداً وباهراً. هذا الغد لم يأتِ بعد، فيما اليوم موجود بكل حاجاته وعمله، مع الحاجة إلى اتخاذ القرارات وتنفيذ الأعمال ومجابهة الصعوبات واحتمال الأحزان بشجاعة وتقديم الشكر لله من أجل كل هذا، كما من أجل الأفراح الوفيرة. لطالما كانت كلمات المسيح التالية صائبة وسوف تبقى: “يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ” (متى 34:6)

لا تنتظروا ضد المسيح، ولا تهيؤوا لمجيئه. بالمقابل انتظروا الربّ وتعلّموا أن تحيوا معه هنا وفي هذه اللحظة. هذا الخوف والألم والتشوّش يشيرون إلى كم نحن بعيدون عن الرب الآن وكم أن شَبَهَنا بتلاميذه ضعيف! وإلا لما كان هناك هذا الخوف

وإذا كان علينا أن نشغل أنفسنا بالأحداث الجارية و”علامات الأزمنة” التي تهددنا وتشوّشنا، فالأحرى إزالة كل ما يمنعنا من أن نكون مع المسيح ويقف في طريقنا إليه؛ علينا أن نفتح قلوبنا له ونتركه في أعماقها. وبعد ذلك سيعلّمنا هو نفسه ما ينبغي فعله ويرينا كيف نجتاز العديد من المحاكمات القاسية دون أي ضرر على أرواحنا

إن هذا بمقدورنا. فهو شيء يعتمد علينا. أما ما تبقّى فوهْمٌ وخيال مثل “اللقاح العجيب”. إنه الخديعة نفسها

العنف والتقوى

العنف والتقوى

الأب أنطوان ملكي

أوردت شبكة بي بي سي خبراً في 18 حزيران تحت عنوان “الكاهن الذي ينكر الفيروس التاجي الأب سيرجي رومانوف يستولي على دير روسي”. وفي التفاصيل أن الكاهن المذكور أوقفته الكنيسة الروسية عن الوعظ ومن ثمّ عن تعليق صليبه لأنه كان يحرّض الشعب على عدم طاعة السلطات الكنسية والمدنية، اقتناعاً منه بأن لا وجود للكورونا وأنها جائحة مفتَعَلة. أثناء جلسة محاكمته انسحب من القاعة ومضى واحتلّ الدير الذي انسحبت منه الرئيسة وبعض الراهبات، وقد رافقته مجموعات مسلحة. لاحقاً أوقِف الكاهن مع أنه شدد على أنه لن يترك الدير وأن على الكنيسة في حال أرادت ذلك أن تقصفه لأنه اختير للتعليم. هو يخضع الآن للمحاكمة في الكنيسة والدولة

ما أهمية هذه الحادثة؟ إنها مثال واضح على أن التطرف يؤدّي إلى أعمال تتنافى كلياً مع الغيرة التي قد تكون المحرّك الأول للعنف. فوق هذا، العنف يلفت النظر إلى أن بين جنون العظمة والغيرة خيط رفيع من السهل انقطاعه. غياب اليقظة الروحية الفعلية يسهّل العبور من الغيرة إلى الغرور، والغرور يستسهل اللجوء إلى العنف

هل هذه الحادثة وحيدة من نوعها؟ قطعاً لا ولا يهمنا هنا من الموضوع إلا ما ارتبط منه بتأثير جائحة الكورونا على المؤمنين وفي بلادنا تحديداً. منذ بداية الجائحة، رأينا أشكالاً مختلفة من العنف. على سبيل المثال هدد أحد مطارنة الموارنة باستدعاء القوى الأمنية ضد مَن يفتح كنيسته من كهنته. هذا عنف. دعا أحد المرتعبين من الكورونا إلى تحويل أحد رؤساء الأديار الذين لم يغلقوا أديارهم إلى القضاء. طالبت إحدى الجمعيات بمحاكمة الكهنة الذين لم يلتزموا توصية المجمع بحصر الخدم بالكاهن والمرتّل والخادم. كتب أحد الذين وجدوا في الكورونا فرصة للانقلاب على عدد من الأمور في الكنيسة أن مطران طرابلس الذي لم يوصِ بإغلاق الكنائس جزئياً إلا متأخراً هو مجرم وحمّله مسؤولية كل الإصابات التي سوف تنتج عن إجرامه، والتي لم يظهر منها شيء إلى الآن. اتّصل أحد “المتنوّرين” بكاهن رعيته وهدده برفع دعوى ضده لأنّه يناول بالملعقة المشتركة كعادته. ألزم أحد رؤساء البلديات كاهن رعيته على إغلاق الكنيسة ثم تراجع. تحمل كل هذه الحوادث، التي لا شك أن هناك الكثير غيرها، عنفاً حرّكه الخوف من الكورونا، أو مواقف سابقة رأت في الكورونا فرصة لعرض ما لدى أصحابها

هذا عنف اليسار قابله عنف اليمين على المقلب الآخر، من نوع عنف الكاهن سيرجي رومانوف. العظات التي لم تخلُ من الحدّة في تحدي الدولة والرئاسة الكنسية هي عنف حتى ولو كان محرّكها الغيرة. اتّخذ البعض حادثة طرد التجار من الهيكل ليسمح لنفسه باعتبار مَن لا يماشيه تاجراً أو مارقاً أو عميلاً لضد المسيح. انتشر الكلام عن ارتباط الرئاسات بضد المسيح. هذا كلام كبير ما من كلام آخر يضاهيه في إسعاد ضد المسيح. أن يهاجم كاهن مطرانه وجهاً لوجه مكيلاً الكلام غير اللائق للمطران والمجمع هو عنف ثابت، لا بل هو جرم

أين المشكلة؟ إنها في التقوى. غالباً ما نحكي عن الإيمان والعقل وننسى التقوى. تقليدنا مليء بالقصص التي تحكي عن التقوى كحافظة للإيمان حين يخونه العقل. لكن التقوى قد تنقلب تقوية فترفض العقل وتجرح الإيمان. انحراف الغرب قد يكون بدأ مع العقل، لكنه ما كان ليبلغ الحدة التي هو عليها لولا التقوية. التقوية تتحكّم بظهورات مريم وتضع كلاماً في أفواه القديسين وتقرّب المجيء الثاني وتبعده وأسوأ ما فيها أنها تجعل الإدانة أمراً سهلاً وبالتالي تحوّل العنف شهادة. من الجهة الأخرى، غياب التقوى يجعل الكتاب المقدّس مجرد أدب، والأيقونات مجرّد فن، والجسد والدم مجرد خبز وخمر قابلَين لحمل المرض والموت، والآباء مجرّد أدباء، وحتى يسوع يصير إنساناً قابلاً للأهواء والتسييس. التقوى هي التي تصنع الاعتدال بين الإيمان والعقل وغيابها يطيح بالإثنين معاً

عن نهاية الأزمنة

عن نهاية الأزمنة

الأب سيرافيم روز

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

أول ما ينبغي اقتناؤه للتفسير الصحيح لعلامات الأزمنة هو معرفة الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، لا بالطريقة التي يبدو بها وحسب، بل وفقًا للطريقة التي فسرته بها الكنيسة؛ معرفة كتابات الآباء القديسين؛ معرفة تاريخ الكنيسة؛ والإلمام بمختلف أنواع البدع والأخطاء التي هاجمت فهم الكنيسة الحقيقي للعقيدة، وخاصة في الماضي. إذا لم يكن لدينا أساس في مصادر مثل هذه، فسوف نجد أنفسنا مرتبكين وغير مستعدين. فبالضبط ما يخبرنا به ربنا: كونوا على أهبة، كونوا مستعدين. ما لم يكن لدينا هذه المعرفة الأساسية، فإننا لن نكون مستعدين وسنسيء تفسير علامات الأزمنة…ـ

أهم ما يكتسبه المرء من خلال الكتابات الأرثوذكسية الأساسية هو فضيلةٌ تسمى التمييز. عندما نلتقي ظاهرتين يبدو أنهما متطابقتان أو متشابهتان تمامًا مع بعضهما البعض، فإن فضيلة التمييز تسمح لنا برؤية أي هي الصحيحة وأي هي الباطلة: أي تحمل روح المسيح وأي قد تحمل روح ضد المسيح.ـ

إن طبيعة ضد المسيح، الذي سيصبح آخر حاكم عالمي عظيم وآخر معادٍ للمسيح، أنه ليس ضد للمسيح وحسب. “ضد” لا تعني “معادياً” وحسب، بل أيضًا “أنه يقلّده ويدّعي مكانه”. ضد المسيح، كما يقول جميع الآباء القديسين في كتاباتهم عنه، هو الشخص الذي يقلّد المسيح، أي يحاول خداع الناس بالنظر، كما لو كان المسيح قد عاد إلى الأرض. لذلك، مَن كان فهمه للمسيحية ضبابياً أو يقرأ الكتاب المقدس بالاستناد إلى افكاره وحسب، وآراء المرء قد تأتي من الجو الذي ليس مسيحيًا بل معادٍ للمسيحية، فعندئذ سيصل إلى استنتاجات ضد المسيحية. عند رؤية شخص ضد المسيح، قد ينخدع الإنسان إلى الاعتقاد بأنه المسيح.ـ

يمكننا أن نعطي عدداً من الأمثلة عن كيفية عمل فضيلة التمييز على فهم بعض الظواهر المعقدة قليلاً. إحدى هذه الظواهر هي الحركة المواهبية (الكاريزماتيك)… إذا نظرتم بعمق إلى ما يقولونه في هذه الحركة… ترون أن ما يسمّونه إحياءً روحياً وحياةً روحية هو في الواقع ما وصفه الآباء الجدد مثل الأسقف إغناتيوس بريانشانينوف بعناية بأنه خداع، أي نوع من حمّى الدم مما يجعلهم يبدون كما لو كان روحانيين في حين أنهم حقاً لا يدركون الحقيقة الروحية على الإطلاق. في الواقع، إنهم مختلفون عن الحياة المسيحية الحقيقية التي تنعكس في هذه الكتب الأرثوذكسية الأساسية اختلاف السماء من الأرض…ـ

مرة أخرى، يمكنكم أن تروا كيف يمكِّنُنا التمييزُ في تقييم الظواهر الأخرى التي قد لا تكون متطابقة مع الظاهرة الأرثوذكسية، بل هي أشياء جديدة. عندما تنظرون إليها لأول مرة، تتساءلون عن ماهية كل شيء. هذه هي سمة الموضات الفكرية: شيء ما ينطلق في الجو، يمسك به الجميع لأن الوقت مؤاتٍ، وبعد ذلك يبدأ الجميع في الحديث عنه ويصير موضة العصر. لا أحد يعرف كيف. كل ما في الأمر أن الجميع كانوا على استعداد لذلك، وفجأة ذكره أحدهم فبدأ في الانتشار في كل مكان.ـ

وهكذا، عودة إلى النقطة الأولى: نحن نراقب علامات الأزمنة من أجل التعرّف على المسيح عندما يأتي، حيث أنه كان هناك العديد من المسحاء الكذبة، وسيأتي المزيد من الكذابين، وفي النهاية سيأتي شخص يُدعى ضد المسيح. سيوحّد المسيح الدجّال كل الذين خُدعوا باعتقادهم أنه المسيح، وهذا سيشمل كل الذين فشِل تفسيرهم للمسيحية. في كثير من الأوقات يحدث أن تنظروا إلى بعض الأشخاص الذين يعترفون بالمسيحية، ويبدو أن العديد من أفكارهم صحيحة، أي أنهم يتكلّمون بحسب الكتاب المقدس. ثم تنظرون هنا وهناك، فترون خطأ من هناك، وخطأ من هناك…ـ

علامة أخرى من أعراض عصرنا هي العلامة التالية المذكورة في هذا الفصل من متى: أن محبة الكثيرين تبرد. يبدو أن هذه خاصية محددة في عصرنا، إلى درجة أكبر بكثير من أي وقت في التاريخ الماضي. يمكن للمرء أن يرى هذا في ما يُسمّى العدمية. يرتكب الناس جرائم بدون سبب معين، لا من أجل الربح ولكن فقط من أجل التشويق لأنهم لا يملكون الله بداخلهم. في مختلف الأماكن الآن، يمكن للمرء أن يرى غياب العلاقات الإنسانية الطبيعية في العائلات، والتي تنتج أناساً باردين. هذا النوع من الناس، في المجتمع الشمولي، يُستخدم كسائقين عبيد، يعملون في معسكرات الاعتقال وما إلى ذلك…ـ

كل علامات الأزمنة سلبية للغاية. إنها علامات على أن العالم ينهار، وأن نهاية العالم قريبة وأن ضد المسيح على وشك القدوم. من السهل جدًا النظر إلى كل علامات الأزمنة السلبيّة هذه والدخول في مثل هذه الحالة المزاجية التي لا نبحث فيها إلا عن الأشياء السلبية. في الواقع، يمكن للمرء أن يطور شخصية كاملة، أي نوعاً سلبياً من الشخصية، بناءً على ذلك. عندما يأتي أي خبر جديد، يقول أحدهم “نعم، بالطبع ، هذا ما هو عليه، وسيزداد الأمر سوءًا.” يأتي الأمر التالي ويقول أحدهم ، “نعم، نعم، من الواضح أن هذا ما سيحدث، والآن سيكون أسوأ من ذلك.” كل ما يحدث يُمظَر إليه على أنه مجرد تحقيق سلبي للأوقات الرهيبة.ـ

صحيح أن علينا أن نكون على دراية بهذه الأشياء وألا نكون متفائلين من غير داعٍ بشأن الأحداث المعاصرة، لأن الأخبار في عصرنا نادراً ما تكون جيدة. ولكن في الوقت نفسه، علينا أن نضع في اعتبارنا الغرض الكامل من مشاهدتنا لعلامات الأزمنة. نحن نراقبها ليس فقط حتى نعرف متى سيأتي ضد المسيح. هذا شيء ثانوي. نحن نراقب علامات الأزمنة حتى نعرف متى سيأتي المسيح. هذا شيء أساسي يجب أن نضعه في الاعتبار حتى لا نغرق في الحزن والاكتئاب أو الاعتزال بعد أن نخزّن الطعام من أجل الكارثة العظيمة. هذا ليس من الحكمة. علينا أن نكون مسيحيين أكثر، أي أن نفكّر بالآخرين، محاولين مساعدة الآخرين. إذا كنا أنفسنا باردين ومكتئبين ومتشائمين، فنحن نشارك في هذا البرودة، وهي علامة على النهاية. علينا أن نكون دافئين وأن نساعد بعضنا البعض. هذه هي علامة المسيحية.ـ

إذا نظرتم إلى التاريخ (في الواقع، هذا سبب وجيه آخر لقراءة تاريخ الكنيسة)، فسترون أنه طوال تاريخ البشرية بأكمله، في كل أنحاء العهد القديم والعهد الجديد وجميع الممالك المسيحية بعد ذلك، وإذا نظرتم إلى العالم الوثني، فالقصة نفسها: هناك معاناة مستمرة. حيث يكون المسيحيون هناك محاكمات واضطهاد، ومن خلال كل هذا بلغ المسيحيون ملكوت السماء. لذلك، عندما يأتي وقت الاضطهاد، من المفترض أن نفرح…ـ

***

مراجعة روحية للكورونا

مراجعة روحية للكورونا

الميتروبوليت أثناسيوس مطران ليماسول

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

ما يلي هو إجابات على اسئلة طرحها مؤمنون على الميتروبوليت أثناسيوس مطران ليماسول، قبرص.ـ

سؤال: هل الأحداث الحالية هي علامات ضد المسيح ونتيجة القوى الظلامية والمؤامرات الناشطة؟

جواب: المسيح هو سيد العالم والتاريخ، وهو الحقيقة الوحيدة هي أنه منتصر. الأنبياء كتبوا كتاباتهم وفي فكرهم انتصار المسيح على قوى الظلام. مهما حاولت هذه القوى أن تعمل فلن تستطيع أن تغلب المسيح. لدينا رجاؤنا بربنا يسوع المسيح ولا نخاف، فلنبقَ مؤمنين، متحدين بمسيحنا وبكنيسته المقدسة، وكل الأمور الأخرى تتبدد وتُرمى بعيداً. لكن ما يجري الآن هو أمر فائق الطبيعة، والأمور لن تبقى على هذا المنوال. هذه الأزمة سوف تعبر. لا يمكن أن يُشلّ العالم كله. عند نقطة ما، سوف تعبر.ـ

من جهة أخرى، بالطبع، مسؤولية الدولة بالدرجة الأولى الاهتمام بالشعب والنظر في حاجاته. ليكن كلٌّ منا متأهباً، ولنقتني روح اللطف إذ سوف يكون هناك حاجة كبيرة للإحسان، حتى ندعم واحدنا الآخر، وجميعنا الإخوة والأخوات الأكثر ضعفاً، حتى تعبر هذه العاصفة الرهيبة التي جاءت إلى منطقتنا، وإلى العالم بأجمعه. فلنكن مستعدين وننتظر قليلاً لنرَ كيف تتجه الأمور.ـ

الاهتمام بالماسونية والأمور الأخرى، كالمؤامرات والقوى الظلامية وغيرها، لا يفيدنا. ما يساعدنا بالأكثر هو معرفة المسيح في حياتنا، قراءة الكتاب المقدس. إذا بحثنا في الكتاب المقدس فهو يقول الشيء القليل عن ضد المسيح؛ فهو مكتوب عن المسيح! ينبغي أن يكون اهتمامنا موجهاً نحو المسيح والقديسين وسِيَرهم لنرى كيف عاشوا، كيف فكروا، كيف تعاملوا مع التجارب والصعوبات في حياتهم. بالطبع، هذا لا يعني أننا لا نؤمن بأن ضد المسيح سوف يأتي. هذه قالها المسيح، بالطبع نحن نؤمن بهذا. لكن ماذا عن قلبنا؟ وانتباهنا؟ فلتكن هذه جميعاً موجهة نحو الرب يسوع المسيح.ـ

سؤال: هل الله سبب هذه الجائحة؟

المسيح يمتحن كل شيء.هو لا يبارك كل شيء. بتعبير آخر، إنه يعرف كل شيء، ويسمح بكل شيء، لكنه لا يبارك كل شيء. إنه يعرف كل الأشياء الشريرة التي سوف نعملها في حياتنا، وهو يتركها تحدث. أهو إذاً يباركها؟ معاذ الله! المسيح لا يبارك جرائمنا، ولا أخطاءنا، ولا خطايانا، ولا يبارك كلّ ما لا يريده الله. وبما أنه لا يبارك هذه الأمور، لا نستطيع أن نسأل “لماذا يتركها تحدث؟” هذا بسبب وجود الحرية البشرية التي للأسف، يستطيع المرء أن يستعملها للقيام بأشياء لا يباركها الله. لهذا السبب، هناك أشياء كثيرة تجري في حياتنا والله لا يباركها ولا يريدها، لكن بسبب حريتنا وتعاسة استعمالنا لها، يسمح بحدوثها. الإنسان حر في القيام بكل ما يريد حتى لو أن الله لا يشاؤها. هذه هي عظمة ومأساة نعمة الحرية البشرية المعطاة من الله.ـ

سؤال: مع التأسّف لعدم القدرة على المجيء إلى الكنيسة في الفصح، كيف يستطيع المؤمن أن يشارك؟

الجواب: أؤكّد أني لا أريد حتى أن أفكر بفكرة الفصح إلا في الكنيسة لأن هذا أمر مؤلم.ـ

من جهة أخرى، نحن طالما كنّا نختبر ألماً كبيراً كل قيامة: في المساء، ما أن نقول “المسيح قام” حتى نرى آلافاً من الناس يتركون ما أن يسمعوا “المسيح قام”. يتركون، يتركون، يتركون. “ليقم الله ويتبدد جميع أعدائه…” ومسيحيونا المؤمنون يتركون ويتوزعون، كل إلى بيته، ليأكل حساءه ويردد “إلى أعوام عديدة” مع خاصته. وكم يبقى في الكنيسة؟ قلة صغيرة.ـ

ربما علينا كلنا أن نأخذ هذا ككفارة من الله ونقول “نستحق”، لأننا لم نقدّر ونحترم ما كان عندنا. بتعبير آخر، أيٌ هو الأكثر إيلاماً: هذا الفصح، الذي نشارك فيه من بيوتنا على التلفزيون بما أملته علينا السلطات العليا؟ أم ذاك الفصح حين كنا احراراً لكننا تركنا وتركنا وتركنا، ولم نهتمّ بالبقاء في الكنيسة، لنتناول ونسمع الكلمة الإلهية؟ لكن كل ما كان في فكرنا هو أن نقول “المسيح قام” ونخرج. وعليه، أي منهما الأكثر مسرّةً لله؟

أعتقد أن ما نختبره هذه السنة أكثر إرضاءً لله من السابق. في السابق كان خيارنا واخترنا أن ننصرف. هذه السنة؟ لن نقرر الانصراف؛ بألم سوف نبقى في البيوت… وبما أنني اقف حيث نقول “المسيح قام” مقابل الشعب وأراهم… ماذا أستطيع القول؟ ما من صورة أكثر إيلاماً من صورة انصراف الناس. وبما أنهم يحملون الشموع المضاءة، فتبدو الصورة كمسيرة شموع مضاءة تنصرف. ينصرفون، ينصرفون. هم ينصرفون ونحن ننشد: “ليقم الله ويتبدد جميع أعدائه، ويهرب مبغضوه من أمام وجهه!” واخوتنا المسيحيون كانوا يحققون هذه النبوءة ويمضون بعيداً عن الله. هذا ما نحتاج أن نتوب عنه، وأن نبقى في البيت هو أقل شراً مما كنا نفعله لسنوات كثيرة. لهذا السبب نحن بحاجة للتوبة.ـ

أنا ربما لا أنصرف لأني الأسقف وإكليريكي، لكني أشارك بالمسؤولية عن إخوتي وأخواتي، أبناء الكنيسة، الذين ينصرفون. لو كنت إكليريكياً صالحاً واسقفاً جيداً لكنت ساعدتهم أن لا ينصرفوا. لكن إهمالي وعدم انتباهي وعجزي وقصوري جلبوا هذا الجهل إلى العالم، وأخطأنا، وانصرفنا بعيداً عن الله في وقت القيامة. لهذا علينا أن نأخذها ككفارة تربوية. في كل حال، أرجو أن لا يتمّ هذا وأن نتوب طوعياً، رغبةً منا، وليس من حثّ جبري. فلتكن توبتنا طوعية. الحاجة هي إلى صلاة كثيرة، واستدعاء في كل مكان وفي كل وقت لاسم ربنا يسوع المسيح، من أجل أن منطقتنا ووطننا ومدينتنا وكل العالم يتقدسون ويمضي هذا الشر ونسلك في التوبة. بهذه الطريقة نسعى إلى السلام من الله، وكيف نستفيد من هذا السلام المطلوب؟ هذا سؤال كبير!ـ

سؤال: هل فعلاً يمرض الكهنة، وهل ينتشر المرض من خلال المناولة المقدسة؟

طبعاً قد نصاب بهذا الفيروس، ليس من المناولة بل من المحيطين بنا، من دخولنا وخروجنا، من خدَمِنا، من الناس المحيطين بنا ويحملون الفيروس. ما من سبب لنا نحن أهل الكنيسة وأساقفتنا وكهنتنا لكي لا نلتقط الفيروس والمرض. بالفعل، توفي ميتروبوليت في صربيا من هذا الفيروس. لكن على الأكيد لن نلقط الفيروس لا من المناولة ولا من الأسرار المقدسة. ولكن كبشر نعيش في العالم، نحن نتنقل ونتحرك بين مستويات متعددة من الحياة الاجتماعية اليومية وكغيرنا في العالم نحن معرَّضون. الأمر هو كما يلي: ما ينطبق على غيرنا ينطبق علينا. لا نعتقدنّ بأننا نختلف عن إخوتنا.ـ

من جهة أخرى، الكنيسة “استسلمت” قليلاً لتظهر أنها تطبّق التدبير في هذا الأمر. فقط لبعض الوقت، فقط لبعض الوقت. تقتصر القداديس الإلهية في كنائسنا المقدسة على الكهنة يصلّون من أجل العالم كله، لنرَ كيف يمكن لهذه الفترة الزمنية الصغيرة التي شددت الدولة على الكنيسة تطبيقها تدبيرياً أن تساعد في هذا الوضع بطريقة إنسانية. لكن بالتأكيد، سيكون هذا فقط لفترة، مجرد فترة قصيرة، حتى نتمكن من العمل بالتعاون مع البيانات البشرية.ـ

في وقت لاحق، إذا رأينا أن الأمور لا تتحسن بفضل الجهد البشري، فإن رعاة كنيستنا وأساقفتنا والمجمع سيعطونا التوجيه. فلنكُن مطيعين للكنيسة ولا نكونن قلقين. إن طاعة الكنيسة هي الطريق المؤكد للخلاص.ـ

سؤال: حول الحفاظ على حضور مصلٍّ في المنزل، خاصةً عند بث الخدم.ـ

في هذا الوقت، عندما لا نذهب إلى الكنيسة، ماذا يمكننا أن نفعل؟ ذلك الوقت الذي كنا نكرسه للكنيسة نكرس أنفسنا للصلاة، بنفس الساعة التي نكون في الكنيسة، فيجب أن نستمع إلى القداس الإلهي (حيث توجد وسائط بث في هذه الأيام)، يجب أن نصلي، ونتكرّس لمسيحنا، فلا نقوم بالأعمال المنزلية الأخرى، بل نكرّس ذلك الوقت للصلاة والدراسة الروحية …ـ

وكونوا أكيدين، عندما نقول “يا ربي يسوع المسيح ارحمني” فإن مسيحنا، الكلي الصلاح، أبانا وصديقنا وأخانا، يسمعنا دائماً. إذا كنا نسمع دائماً لمَن يحدثنا، ونحن مجرّد أشخاص، سواء أردنا ذلك أو بدافع من التأدب أو الحساسية، فكم بالحري إلهنا الصالح، الذي هو أبونا الذي يكنّ لنا محبّة غامرة، يسمعنا ويهب نعمته وحضوره في قلوبنا؟

لا نشكوَنّ من الله، لأنه قبل أن يعطينا هذه الكفارة، نحن فعلنا هذه الأشياء بأنفسنا. من تلقاء أنفسنا، أدرنا ظهورنا لله، وهربنا بعيدًا عن الإفخارستيا الإلهية في ليلة الفصح. في ضوء ذلك، لنتوبنّ على خطئنا، ولنكن مقدّرين لما كان لدينا من قبل، والذي نفتقده الآن.ـ

فليحفظنا الرب جميعاً أيها الأخوات والإخوة. افرحوا بالرب دائماً.ـ

ملاحظة: في إشارة الميتروبوليت أعلاه إلى أن الجائحة جاءت ككفارة لنا لا يعني أن هذا السبب الوحيد لها، لكن شكلها وتزامنها مع الصوم الكبير والفصح يمكن قراءتهما روحياً على هذا الأساس (المترجم).ـ

***

الغضب الإلهي

الغضب الإلهي

الخورية سميرة عوض ملكي

يجد معظم المسيحيين صعوبة في تقبّل الكلام عن غضب الله وفهمه والإيمان به. لطالما كانت فكرة وجود إله غاضب بالنسبة لبعض المسيحيين حاجزاً على طريق إلى الإيمان. فبعض المسيحيين إذ يختبرون نعمة الرب المحِبة في حياتهم يعتقدون أن فكرة غضب الله تبدو متناقضة مع تجربتهم التي يعبّر عنها الرسول بولس في الرسالة إلى أهل رومية بأن الله “بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا” (8:5)، فكيف يكون في نفس الوقت إلهَ غضبٍ؟

يتحدث الكتاب المقدس عن طبيعة الله وعمله وغاياته بمصطلحات نفهمها ويمكن أن نختبرها. لكن علينا أن نتذكّر أن العقل البشري لا يمكنه أبدًا فهم طبيعة الله المطلَقة. فنحن نرى الله كَمَن يمتلك الحقيقة والنعمة والجمال والمحبة والصلاح والإخلاص بأشكالها المطلقة. بالمقابل ما نراه في البشر هو بعض هذه الأشكال، لكن إلى جانب الكراهية والغضب وروح الانتقام والقبح والغضب.ـ

إن سبب صعوبة أن نطبّق على الله بعض الصفات التي نعتبرها سلبية يعود إلى تفكيرنا المثالي الذي أصوله في الفلسفة. مشكلة غالبية المسيحيين، ومنهم أرثوذكسيون، أنهم يقرؤون ما يحكي عن غضب الله بعيون لاهوت العصور الوسطى الغربي أو لاهوت الإصلاح. لكن الكتاب المقدس ينظر إلى الله والعالم بشكل أكثر جدية وواقعية من التأمّل الفلسفي. لهذا السبب، قول البعض أن الله لا يستطيع أن يسمح بالشر وإلا يكون هو مصدر الشر، هو تفكير وكلام فلسفي.ـ

لا يرفض الرسول بولس الكلام عن غضب الله، والذهبي الفم في تفسيره للرسول بولس يعلل بأن مَن يرفض قبول غضب الله وقصاصه فهو بالحقيقة يرفض أن يكون خليقة الخالق. يتحدث الرسول بولس عن غضب الله بطريقتين: الأولى أنه حدث آتٍ كحساب للعالم عن خطيئته “وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ” (رومية 5:2). الطريقة الثانية التي يرى الرسول فيها غضب الله، حاضرة وليست فقط في يوم الدينونة فيقول في الرسالة إلى رومية (18:1): “أَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ” ويتابع واصفاً فجور الناس وآثامهم التي تستجرّ غضب الله لتأديبهم. فيكون بنظر الرسول سبب الشرور التي تحلّ بالناس خطيئتهم وإنكارهم لحقيقة الله وتبنّيهم للتفكير العقيم والوثنية والانحراف الجنسي وكسر العلاقات الأخلاقية. وفي هذا يرى الرسول أن غضب الله هو موجّه ضد الخطيئة وليس ضد الخاطئ، وهو لا يشبه موقف آلهة الرومانيين بشيء ولا هو صادر عن انتقام أو رغبة بالشر.ـ

قد يكون القديس يوحنا الذهبي الفم أكثر مَن تكلّم عن “غضب الله” و”القصاص الإلهي” بين آباء الكنيسة. يشرح القديس سمعان اللاهوتي صعوبة فهم الحديث عن المحاكمة الإلهية بقوله “التفسير صعب لأنه ليس عن أشياء حاضرة ومرئية، بل عن أمور مستقبلة وغير مرئية. لهذا هناك حاجة عظيمة للصلاة ولجهد نسكي أكبر ولطهارة في النوس، عند كل الذين يتكلمون والذين يسمعون، لكي يكون الأول قادراً على المعرفة والكلام جيداً، ويكون الآخر قادراً أن يسمع ما يُقال بفهم”.ـ

في العظات النارية والأعمال التفسيرية للذهبي الفم لحظات رعائية يقود خلالها أبناءه الروحيين ومستمعيه إلى فهم الأمور الروحية بشكل أكثر عمقاً. إحدى هذه الحالات هي رسالته الأولى إلى صديقه ثيوذوروس إذ أنه شُغف بامرأة وسعى إلى الزواج منها بالرغم من نذر العفة الرهباني. إنها رسالة جميلة ساعدت ثيوذوروس على تخطي اليأس الناتج عن التعارض بين شغفه ونذره. فالذهبي الفم، لكي يقود ثيوذوروس خارج اليأس، يشرح بأنه إن كان صحيحاً أن الله بطبيعته غضوب ومعاقِب فمن الطبيعي أن يغلبنا القنوط: “لأنه إذا كان غضب الله هوى، فقد يشعر المرء باليأس لأنه غير قادر على إخماد الشعلة التي هو [كرجل شرير] أشعلها بأفعاله الشريرة المتعددة؛ ولكن بما أن الطبيعة الإلهية بلا هوى، حتى ولو عاقب، حتى لو انتقم، فهو لا يفعل ذلك بغضب، ولكن بحرص شديد ولطف كبير محبّ؛ حيث يقتضي ذلك أن نكون أصحاب شجاعة كبيرة، وأن نثق بقوة التوبة. لأنه حتى الذين أخطأوا إليه، فإنه ليس معتاداً على أن يطالهم بالعقاب من أجله؛ لأنه لا يمكن لأي ضرر أن يعبر الطبيعة الإلهية؛ لكنه يتصرف من أجل مصلحتنا، ومنع انحرافنا من أن يزداد سوءاً بتحويل ممارسة احتقاره وإهماله إلى عادة. لأنه حتى مَن وضع نفسه خارج النور، لا يفقد النور، بل الأعظم بنظر نفسه يصمت في الظلام؛ وعلى المنوال نفسه، من اعتاد أن يحتقر تلك القوة القديرة، لا يضرّ القوة، لكنه يلحق أكبر إصابة بنفسه. ولهذا السبب، يهددنا الله بالعقوبات، وغالباً يطبّقها، لا ليثأر لنفسه، ولكن ليجذبنا إليه. فالطبيب أيضًا لا يشعر بالضيق أو الانزعاج من إهانات الذين فقدوا عقولهم، ولكنه يعمل كلّ شيء ويدبّره لإيقاف أولئك الذين يقومون بمثل هذه الأفعال غير الملائمة، ولا ينظرون إلى إرادته بل إلى مكاسبهم؛ وإذا أظهروا قدرًا ضئيلًا من ضبط النفس والرصانة، فإنه يفرح ويسعد، ويطبق علاجاته بجدية أكبر، ليس على سبيل الانتقام منهم بسبب سلوكهم السابق، ولكن رغبةً في زيادة منفعتهم، واستعادتهم إلى العافية. ومع ذلك، عندما نقع في تطرف الجنون، فالله يقول ويفعل كل شيء، ليس لينتقم لنفسه بسبب أفعالنا السابقة؛ ولكن لأنه يرغب في تحريرنا من اضطرابنا؛ ومن خلال المنطق الصحيح، من الممكن أن نقتنع بهذا”.ـ

لذا عندما يتحدث الكتاب المقدس عن الغضب والقصاص والانتقام الإلهيين، لا تكون هذه اللغة وصفاً لطبيعة الله التي لا سبيل إلى معرفتها أو فهمها أو وصفها، بل بالأحرى غايتها ردّ الإنسان عن أن يلازم شرّه وأن يتوب. يصف الذهبي الفم غضب الله بأنه لطف محِب للإنسان، لكن الشرير يختبر هذه المحبة كغضب وعقاب. يأخذ الذهبي الفم مثال الطبيب وكيف أن علاج بعض الأمراض ليس لعقاب مَن يسبب المرض أو يعاني منه، بل هو ضرورة لاستجلاب الصحة والمنفعة لمَن هو بحاجة للعلاج بغض النظر عن كمّ الألم الذي يلحِقه العلاج. وهكذا، استعمال هذه اللغة في الكتاب المقدس وعند الآباء هو لكي نفهم مدى أهمية أن نتوب الآن، لأنه لا توبة بعد الموت.ـ

واليوم في خضمّ جائحة الكورونا، ينبغي فهم كلام الآباء المعاصرين بأن الجائحة هي من الله في هذا الإطار وكحثٍّ على التوبة، لا لإلصاق صفة الانتقام بالله، بل لإظهار عمله التربوي الذي يمارسه كل الآباء مع أبنائهم.ـ

عن نشرة الكرمةـ

***

ماذا يعلّمنا توما الرسول في زمن الكورونا؟

ماذا يعلّمنا توما الرسول في زمن الكورونا؟

إعداد أسرة التراث الأرثوذكسي

يصف لنا الإصحاح العشرون من يوحنا مشهد الرسل في وضع يثير الشفقة إذ هم مجتمعون في بيت مظلم صغير خوفًا من اليهود بعد موت ربنا يسوع المسيح. لقد أغلقوا كل النوافذ والأبواب. ولأنهم كانوا في حداد، لا بد أنهم كانوا مكتئبين، غاضبين، محبَطين، مرتبِكين وخائفين جداً.ـ

لم يكونوا يتوقعون عودة معلمهم بسرعة، فلهذا لم يكونوا ينتظرونه بشغف، بل كانوا قلقين من أن عالمهم على وشك أن ينتهي بهم على الصليب. لذا بدلاً من الوقوف حسناً، بخوف ورِعدة متوقعين وصول المعلّم، كانوا جاثمين في الظلام الدامس تاركين خوفهم المادي يتحكّم بحياتهم. على الأرجح كانوا مرتعدين مما حدث لمعلمهم يسوع المسيح ومن أنهم لا يستطيعون تحمّل نفس العذاب والألم.ـ

عندما أخبروهم أن يسوع على قيد الحياة، فكّروا على الأرجح: “كيف يمكن أن تنهض جثة يسوع من بين الأموات وقد أكّدوا لنا أن جسده مشوه من الضرب وثقوب المسامير وإكليل الشوك وطعنة الرمح في الجنب؟”

لكن القراءة الإنجيلية تخبرنا أن الرب أتى إلى تلاميذه ووقف في الوسط وأعطاهم السلام وأكّد لهم بأنه هو إذ أراهم يديه وجنبه، ثم اعطاهم السلام مجدداً وقال لهم «السَلاَم لَكُمْ! كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ كذلك أَنَا أُرْسِلُكُمْ».ـ

بهذا بدأ تكليفهم. هذه كانت بداية إرسالية الرسل العظيمة إلى العالم. قال لهم: “كما أرسلني الآب كذلك أَنَا أُرْسِلُكُمْ”. ثم قال يسوع لرسله، “خذوا الروح القدس. مَن غفرتم خطاياهم تُغفَر لهم ومَن أمسكتم خطاياهم أُمسِكَت”. أي أمر عظيم حدث في ذلك اليوم، أعطى الرب قوة مغفرة الخطايا وسلطة الحكم للرسل ليمرروها بالتسلسل الرسولي من جيل إلى جيل ومن رسول إلى رسول.ـ

مهم هنا أن الرسول توما، أحد الإثني عشر، لم يكن هناك عند حدوث كل هذا. يقول لنا الآباء القديسون أنه لم يكن هناك “بالتدبير الإلهي”. ومع ذلك، ما أن رأى التلاميذ الآخرون توما صرخوا “لقد رأينا الرب!” لكن توما المتغيّب لم يقتنع بسهولة، وربما شكّ بأن إخوته واهمون فأجاب: “إن لم أعاين أثر المسامير في يديه وأضع اصبعي في أثر المسامير لا أؤمن”، أي لا أصدّق.ـ

لم يقصد توما أن يقول لإخوته أنهم كاذبون أو واهمون أو متخيّلون. ولا هو كان عاجزاً عن التصديق. ربّما تذكر كلمات سيده يسوع المسيح الذي قال لهم قبلاً “إِنْ قَالَ لَكُمْ أَحَدٌ: هُوَذَا الْمَسِيحُ هُنَا أَوْ هُنَاكَ! فَلاَ تُصَدِّقُوا. لأَنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضًا. هَا أَنَا قَدْ سَبَقْتُ وَأَخْبَرْتُكُمْ… لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْبَرْقَ يَخْرُجُ مِنَ الْمَشَارِقِ وَيَظْهَرُ إِلَى الْمَغَارِبِ، هكَذَا يَكُونُ أَيْضًا مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ”. لم يقل له أي من إخوته أن يسوع أتى من المشارق وظهر إلى المغارب. ما كان يتوقعه لم يكن ما ذُكِر له.ـ

لهذا لم يقبل الرسول توما أن يصدّق إلا من بعد دليل ملموس، التزاماً منه بكلمة المسيح. لكن بعد ثمانية أيام، ظهر يسوع للتلاميذ مرة أخرى بشكل مفاجئ كما فعل قبلاً، ولكن بوجود توما بينهم. دخل يسوع والأبواب مغلقة، أي دخل بالرغم من عدم وجود إمكانية للدخول، ظهر لهم يسوع في الوسط. هنا بدأ عقل الرسول توما بالدوران وكثُرَت الأسئلة، وراح قلبه ينبض بقوة. عندما دعاه الرب لأن يضع اصبعه ويعاين أجابه بقدر كبير من التأكيد والقناعة: “ربي وإلهي!”

يخبرنا التقليد المقدس أن الرسول توما لم يلمس الرب، حتى ولم يفكر بذلك عندما دعاه، لأنه سرعان ما أدرك أن تمييز الحقيقة لا يحتاج للحواس البشرية، أي الفكر، وحسْب، بل يطلب الحواس الإلهية التي في القلب، أي الإيمان.ـ

ولكي يؤكّد لنا الرب أن الإيمان الذي في القلب هو فضيلة أعظم من العقل، قال له : “لأنك رأيتني آمنت، طوبى للذين من لم يروا وآمنوا”. هذا الكلام ليس تقريعاً بل حثّاً على الإيمان وعلى تفعيل حواس القلب للوصول إلى التمييز. وهذا ما نكرره دائماً. نحن لم نرَ لا القيامة ولا القائم ومع هذا ننادي كل سنة “المسيح قام حقاً قام” ونكرر كل أحد “إذ قد رأينا قيامة المسيح” ونحن لم نرَ.ـ

لم يكن تشكك الرسل وخصوصًا توما ضارًا، بل بالواقع مفيداً وأساسياً لكل المسيحية. إن التقدير السليم والحكم الجيد أمران حيويان للمسائل الروحية ، وحدث قيامة ربنا ليس استثناءً. لهذا يُسمّى الرسول توما في العالم توما المشكّك، بينما في الكنيسة الأرثوذكسية هو توما المؤمن.ـ

لقد كان ضرورياً أن يتأكد الرسل من أن المسيح قام من بين الأموات حتى يعلنوا فعلاً الحقيقة التي عاينوها للعالم، وحتى أننا بلا شك نؤمن أن “يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لنا إذا آمنّا حياة باسمه”. حتى نكون مبارَكين بالإيمان الذي يأتي من القلب والروح وليس من الحواس البشرية والفكر البشري وحسب.ـ

اليوم في زمن الكورونا، شكوك كثيرة تتقاذف الإنسان. مَن اخترع الكورونا؟ مَن نَشرها؟ أهي من المسيح أم من ضده؟ أممكن أن الله يسمح بالأمراض؟ هل هذا الوباء علامة آخر الزمان؟ ماذا يريد الله أن يقول لنا من خلاله؟ هل المناولة تنقل المرض؟ هل الأيقونة تنقل المرض؟ هل يدخل الوباء الكنيسة؟ لماذا يسمح الله بمرض المؤمنين؟ وإذا اعتقد أحدنا أنه توصّل إلى الإجابة على أحد هذه الأسئلة يأتيه فكره بأسئلة جديدة.ـ

لكن كل هذه الأسئلة وغيرها جوابها واحد يعبّر عنه موقف الرسول توما بقوله “ربي وإلهي!”. هذا موقف يجمع الإيمان والرجاء والمحبة التي هي الفضائل المسيحية الكبرى في عبارة واحدة. ومَن يريد اقتناء هذه الفضائل عليه أن يعالج كل أسئلة الحياة اليومية بالتواضع والاتكال والتسليم إلى الله. مَن استطاع أن يتضع ويتكل على الله ويسلمه حياته يتخطّى الارتباك ويسكن في النصيب الصالح.ـ

بتصرّف عن

Kosmas Damianides. Sermon for Thomas Sunday. http://www.orthodoxchristian.info/pages/Thomas_Sun.htm

***

الانتحال

الانتحال

الأب أنطوان ملكي

من المهم أن يعرف الإنسان عدوه الحقيقي أي الشيطان الذي يدأب على استبدال نِعَم الله وتشويهها وإغواء الإنسان إلى إساءة استخدامها. فالمال يفسده بالجشع والجنس بالشهوة واحترام الذات بالكبرياء التي منها كل الشرور على ما يقول القديس يوحنا السلمي. والرب يسوع يصف الشيطان مسمياً إياه إبليس الذي ” كَانَ قَتَّالًا لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ” (يوحنا 44:8).ـ

الشيطان في اليونانية هو (διάβολος – diabolos). معنى الإسم هو المفتري أي الذي يكذب ظلماً لإيذاء الآخرين وإدانتهم وتقطيع العلاقات بينهم. طبيعته روحية أصلاً، ولديه قدرة عظيمة على التخفي، لهذا كثيرون، ومنهم رؤساء كهنة وكهنة، لا يعتقدون بأنه موجود بالرغم من تكرار التعليم عنه في الكتاب المقدّس والآباء. من أهمّ حيله العظيمة إقناعنا بأنه غير موجود، أو بأننا غلبناه، خاصةً إذا اعتقدنا أن ذلك تمّ بقوتنا الخاصة. يعلّم القديس سيباستيان دابوفيتش: “لقد سمعت الناس يقولون أنه لا يوجد شيطان أو شياطين… بالتأكيد لن يكشف الشيطان عن نفسه للذين لا يؤمنون لأنهم إذّاك قد يؤمنون وهذا يكون ضد خطته الماكرة”.ـ

نعرف من سيَر بعض القديسين الكبار أن الشيطان قد يصبح مرئياً ولكن للأعين الروحية المتمرّسة المختبِرة التي أهّلها الله لأن تبصر روحياً وأعطاها موهبة التمييز. كل ما نسمعه عن لقاءات مع الشيطان وأشكال له يراها الناس العاديون هي خدع منه وهؤلاء مخدوعون. نحن لا نعرف كيف يبدو الشيطان عندما يصبح مرئيًا وأغلب الصور المتداولة مأخوذة من السينما التي تخدمه في أغلب الأحيان. نحن نعرف أنه قادر على اتخاذ أشكال مختلفة، كما اتّخذ في التكوين هيئة حيّة، كما يعلّم بولس الرسول: “الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ” (2كورنثوس 14:11).ـ

الأهم من كل هذه التفاصيل هي أن نفهم أن الحرب الفعلية مع الشيطان هي حرب في داخلنا. الرسول بولس يصف هذا الكلام بقوله “إِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ” (أفسس 12:6). القديس مكاريوس الكبير يحدد أن “أهم عمل في الجهاد الروحي هو دخول القلب وشن حرب على الشيطان هناك”. هذا يلزمنا بأن نتروّى قليلاً قبل ربط الأحداث اليومية التي تمر بالعالم بالحرب مع الشيطان. بالطبع، الرسول بطرس يقارنه بأسد زائر (1بطرس 8:5) ينتظر ليفترس، لهذا نحن نفهم أنه جاهز لاستغلال أي حدث أو خبر أو عمل ليفترس الناس. وأهم سلاح لدى الشيطان، كما نفهم من سير القديسين وأقوالهم، هو اليأس أي حرمانهم من الرجاء الذي هو ثاني الفضائل المسيحية. فمَن اهتز إيمانه أو ضعُف يكون الشيطان جاهزاً ليحرمه الرجاء ويرميه خارج المحبة.ـ

شهدنا في السنوات الأخيرة ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ومن قبلها الإنترنت، مستوى من الحرية بلغ حد التفلّت في كل الأمور. في ما يختصّ بشأننا الكنسي، أحد مظاهر هذا التفلت كثافة الكتابة والكاتبين بغضّ النظر عن صحة وسلامة المكتوب والقارئ. ليس هذا المقال لمناقشة هذه الحالة الأزمة التي حُكي عنها الكثير في الكنيسة وخارجها. أمر وحيد يقصد هذا المقال تسليط الضوء عليه هو الظهور الشيطاني من خلال انتحال الأسماء، حيث يلجأ البعض إلى الكتابة بأسماء ليست لهم، بل لأشخاص آخرين، أو لأشخاص وهميين. هذا واحد من الظهورات الشيطانية التي نرى أثرها وتؤذي الكثيرين من أبناء الكنيسة.ـ

علمياً يُحدّد الانتحالImpersonation بأن يفترض الشخص عن قصدٍ هويةً أو صفة زائفة أو وهمية. قانونياً، يُعتَبَر الانتحال جرماً. في علم النفس، يندرج الانتحال تحت ما يسمّى متلازمة الدجال (Imposter Syndrome) وقد يكون أحد ظواهر الانفصام. روحياً، الانتحال هو كذب، أي أنه تَبَنٍّ لوسائل الشيطان وانضواء في بنوّته لأنه أبو الكذّاب. وبالتالي الانتحال هو عمل شيطاني، فحتى لو كان محتوى ما يُبَثّ صالحاً لن يوصِل الرسالة لأن الوسيلة شيطانية. يحذّرنا الآباء من شيطان اليمين، الذي يوحي للإنسان بأن عمله صالح ويمتدحه، فيما هو يدفعه نحو الهاوية الروحية.ـ

ما الداعي إلى هذا الكلام؟ إنه تعدد حالات الانتحال وتكرارها. مؤسف أن تجربة انتحال الأسماء يقع فيها بعض الإكليروس، بغضّ النظر عن ما يدفعهم نحو هذا العمل. كما أن بعض الحالات الأخرى هي من الذين يُحسَبون من المتقدمين في الكنيسة، ومنهم أصحاب مهن يُفتَرَض بالقائمين فيها، كالمحامين مثلاً، أن يكونوا الحافظين للأمانة في كل ما يقومون به. البعض يقع في هذه التجربة عن جَهل. لكن بعض الكتابات تشير إلى أن كتّابها المنتحلين لهم غايات شريرة نحو مَن يقرأ، وخاصةً في فترة الحجر حيث لم يكن للكثيرين إلا الشبكة العنكبوتية للبقاء على اتصال مع العالم. بعض المنتحلين واضح في أن غايته هي بثّ الذعر عن طريق تلفيق الأخبار وتزوير المعلومات والترجمة على هواه.ـ

إن الرعاية الكنسية، على كافة المستويات، تقتضي فضح الكذب بحكمة تقود إلى البنيان، ووضع حد له بشكل لا يؤذي أصحاب النفوس البريئة. ليس مسموحاً لأي راعٍ أن يغضّ النظر عن الكذب الذي يؤثّر على رعيته، عندما يتأكّد من ذلك، وإلا يكون تخاذله تبريراً للكذب وتغطية عليه. هذا ينطبق على حالات الانتحال المتعددة التي شهدناها في كنيستنا في السنتين الأخيرتين. الناس لم تنسَ بعد زاهي الأميوني ورامي عودة وإيلي خوري وجاد غانم، فيما اليوم، في جائحة الكورونا، يتساءلون عمَن يكون يانيس قسطنطينينذيس وماريا ماريا وغيرهما من الأسماء المنتَحَلة من أشخاص كتبوا في الكنيسة وعنها.ـ

ختام هذا المقال رسالتان. رسالة أولى إلى جميع المنتحلين، عن قصد أو غير قصد، فيها دعوة للامتناع عن هذا العمل الذي يؤذي إخوة الرب الصغار، وإلى التوبة لأنهم يخدمون الشيطان، عن وعي أو غير وعي، إذ يكذبون عن سابق تصوّر وتصميم. الرسالة الثانية إلى الرئاسة الكنسية، ما دام باب الرسائل مفتوحاً: إذا فُتِح باب المحكمة لتأديب “المتمردين”، فليُؤدَّب المنتحِلون أيضاً، من أجل الحق والعدل والسلام في الكنيسة.ـ

***

كيف يكتب القديسون

كيف يكتب القديسون

المتقدم في الكهنة باسيليوس كالياكمانيس[*]

نقلها إلى العربية الأب انطوان ملكي

أ) في هذه الأيام هناك الكثير من اللاهوتيين، من إكليريكيين وعلمانيين، يؤلّفون وينشرون. لكن البعض يجهلون جسامة ما يكتبون، فيتبعون ممارسة الصحافة التنافسية الدهرية. ثم باعتزاز وكبرياء يُحصون ما حصلّته صفحاتهم من الزيارات، محوّلين الخطاب اللاهوتي إلى أخبار تجارية، وليس من النادر أن يحطّوا من قَدر الكلمة الإلهية.ـ

ب) إنهم يستعملون اللذع والعدائية والتلميح وسوء النية والطعن لمن يخالفهم، مستعملين ادعاءات وعموميات لا أساس لها، وغالباً ما “ينْهَشُونَ وَيَأْكُلُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا” (غلاطية 15:5). ولا نخشى أننا فيما نشدّ جسدنا ونمدّ قوانا اللاهوتية، قد نصير خارج التقليد الآبائي الذي نستجديه وندّعي الكتابة باسمه.ـ

ج) في تقليد آباء الكنيسة، أثيرت كثيراً مسألة متطلبات تأليف النصوص اللاهوتية. القديس غريغوريوس السينائي (1255-1347) في تلخيصه للتقليد الذي عمره قروناً، يقول أن لإنشاء عمل لاهوتي، هناك ثلاث أشكال موثوقة ولا لوم عليها: “أولاً، لحفظ ذاكرة الشخص، ثانياً لمنفعة الآخرين، وثالثاً الكتابة بالطاعة. بهذه الطريقة كُتبَت أغلب النصوص ليستفيد منها الساعين إلى الكلمة باتضاع”.

د) بتعبير آخر، الشكل الموثوق الأول للكتابة هو زرع لما في ذاكرة الكتّاب أنفسهم. الشكل الثاني هو نقل المعرفة لمنفعة الآخرين الروحية. والشكل الثالث الموثوق من الكتابة هو بالطاعة للساعين إلى تعلّم حقيقة الأمور بالتواضع والتمييز. هناك أسباب أخرى للكتابة لكنها بحسب القديس غريغوريوس مرفوضة. إن الذين يكتبون نصوصاً لاهوتية للإمتاع أو لمجدهم الخاص أو للظهور يحصّلون أجرَهم ولن يكسبوا أي منفعة لا هنا ولا في الحياة الثانية. إنهم سوف يدانون كمتزلّفين ونصّابين لأنهم هتروا الكلمة الإلهية.ـ

ه) إن مسألة مقاربة النصوص المقدسة بعدائية طرحها الآباء اليقظون (Niptic). يوضح نيكيتا ستيثاتوس أنه من الخطر على الناس أن يستجلوا الحقائق الإلهية بروح دهرية ومادية متَّبعين طرق تفكيرهم الخاصة. إذ يسيطر عليهم الحسد والغيرة والمكابرة والاختصام فهم يهزؤون ويستخفّون بالذين يقاربون الأمور الإلهية والإنسانية روحياً وبحسب “فكر المسيح”. يحصل شيء مشابه عندما يحرّفون أو يستهلكون أو يقصّرون عشوائياً المقاطع من سير القديسين أو كتابات الآباء في أطر فهمهم الخاص لكي يدعموا وجهة نظر بعض الكتّاب أو غيرهم.ـ

و) كل ما سبق مرتبط بتأليف سلّم القديس يوحنا السينائي الذي تكرّمه الكنيسة في الأحد الرابع من الصوم وفي الثلاثين من آذار. إذا قرأتم رسالة رئيس دير رايثو إلى القديس يوحنا، يتضّح أن السلّم هو “ابن الطاعة”. يكتب رئيس الدير: “أنت أكثر المعلمين أهلية ومقدرة: ألجأ إليك بهذه الأسطر متوسلاً إلى فضيلتك أن… لا تأنف الآن أن تَعرُض وتشرح بانتظام واجتهاد ما هو لازم للسيرة الرهبانية وموافق في الرب لخلاصنا، كمرشد فاضل لجميع الذين يعيشون هذه الحياة الملائكية”.ـ

ز) يوحنا أجاب الرئيس بتواضع: “لولا خوفي من التملّص من نير الطاعة المقدسة، أمّ سائر الفضائل، لما كنت تجرأت… على خوض مهمة تجاوز طاقتي…ليس طبعاً لأمدّك بأي فائدة… إنما أوجهه إلى شركة الرهبان … وأني أرجو كلّ مَن يطالع هذه الصفحات، إذا وجد فيها شيئاً مفيداً، أن يعزو ثمارها بعدل إلى رئيسنا الفاضل، وليسأل الله أيضاً أن يكافئني على قيامي بهذا العمل ليس بسبب فحواه، فإنه خسيس ومملوء جهلاً كثيراً، بل بارتضائه قصد مَن يقرّبه للرب”. إن كلمات كاتب السلّم وغيره من الآباء اليقظين هي مرآة لكل الذين يؤلّفون نصوصاً لاهوتية في كل زمان.ـ

ح) في هذه الأيام بشكل خاص، في الظروف الصعبة التي يوجد فيها المجتمع والعالم كله بسبب الجائحة، لا مكان للحذلقة والتنافس غير المجدي على الإنترنت. إذا واضعنا ذواتنا أمام الرب، القاضي العادل، وإذا صَقَلنا نفوسنا بالصلاة القلبية ومحبة الآخرين، مع توبة عميقة ومن كل القلب، فسوف نجتذب نعمة الروح القدس فيمكننا الاعتقاد بأن ما يلهمنا هو روح الله لا روح العالم.ـ

[*] رئيس قسم الأخلاق والمجتمع في كلية اللاهوت – جامعة تسالونيكي، اليونان.ـ

[1] عنوان النص الأصلي:ـ

Πρωτοπρ. Βασίλειος Ι. Καλλιακμάνης. “Πως γράφουν οι Άγιοι”, https://www.pemptousia.gr/2020/04/pos-grafoun-i-agii/

[2] النصوص العربية مأخوذة من: يوحنا السلّمي، السلّم إلى الله، تعريب رهبنة دير مار جرجس الحرف، سلسلة آباء الكنيسة 3، الطبعة الثانية، منشورات النور، بيروت، 1985ـ

***