ما معنى: احمل صليبك؟

ما معنى: احمل صليبك؟

القديس نيقولاوس فيليميروفيتش

المسيح قام، حقاً قام

ما معنى: احمل صليبك؟ إنها تعني القبول الطوعي، على يد التدبير الإلهي، لكل وسائل الشفاء الممنوحة لنا حتّى ولو كانت مُرّة.

أتقع عليك الكوارث؟ كُنْ مطيعاً لمشيئة الله، كما كان نوح.

أمطلوب منك أن تضحّي؟ سلّم نفسك ليَدَي الله بنفس إيمان إبراهيم عندما مضى ليضحي بابنه.

أتتعرّض ممتلكاتك للخراب؟ أيموت أبناؤك فجأة؟ احتمل العذاب كلّه بصبر، ملتصقاً بالله بقلبك، كما فعل أيوب.

أتخلّى عنك أصدقاؤك وتجد نفسك محاطاً بالأعداء؟ احتمل من دون تبرّم، وبثقة بأن معونة الله هي في متناول يدك، كما فعل الرسل.

أمحكوم عليك بالموت من أجل المسيح؟ كن شاكراً لله لهذا الشرف، كمثل الآلاف من الشهداء المسيحيين.

ما من شيء تسعى إليه ولم يكن من قبل، وبالأرجح أنك سوف تتبع مثال الكثيرين، الرسل والقديسين والمعترفين والشهداء، الذين عملوا مشيئة المسيح.

فمن ثمّ يجب أن نعلم، أننا في سعينا إلى صلبنا، يطلب الرب أن يُصلَب الإنسان العتيق، الإنسان المصنوع من الشر وخدمة الخطيئة. إذ بهذا الصلب، الإنسان القديم المشابه للحيوان يوضَع للموت، والإنسان الجديد الذي على صورة الله وغير المائت، يُقام إلى الحياة.

لكن ما هي مشيئة الله؟

لكن ما هي مشيئة الله؟

الشيخ سمعان كراغيبولوس

نسمع بين الفينة والأخرى الناس يقولون: “لكن، ما هي مشيئة الله؟ أنا لا أعرف ما يريده الله.”

ما الذي لا تعرفه؟ ألا تعرف، مثلاً، أن عليك أن تصلي قليلاً أكثر مما تصلي الآن؟ أأنت بحاجة إلى أن يخبرك أحد بذلك؟ ألا تعرف أن الصلاة القليلة التي تقوم بها يجب أن تكون من كل قلبك؟ ألا تعرف أنه لا ينبغي بك أن تجاوب أحداً، أو أن تتوجّه إليه بطريقة تحزنه؟ ألا تعرف أن عليك أن تساعده؟ ألا تعرف أن عليك أن تسامحه؟ أن تحتمله؟ أن تحبه؟ أن تصلي من أجله؟ ألا تعرف أن عليك أن تكون صبوراً؟ وأن عليك ألا تغضب؟

اعمل ما تعرفه. والله، إذ يرى تصرفك الصادق لمعرفة إرادته باستمرار، سوف يجد، في كل مرة، طريقةً يوضح فيها لك ما لا تعرفه.

أن نبدأ كل مرة من جديد لا يعني أننا سوف نقوم بأمور لا نتوقعها. بالأحرى، سوف نقوم بأشياء نعرفها، أشياء مألوفة، لكن بروح أخرى، وميل آخر.

فيما ندرس الموضوع برمته سوف نفهم ويكون لنا بداية جديدة، اليوم ، غداً، واليوم الذي بعده؛ وهذا لا ينتهي. ما من أحد سوف يتعب يقول: “أنا تعبت من تكرار البداية“. على العكس، سوف تشعر بداخلك أن هذا ضروري كل يوم. وهذا سوف يكون شهادة، علامة، برهاناً، بأن قطعة أخرى من لاوعيك خرجت من القبو المظلم وهي الآن تحت سيطرتك. عند هذه النقطة تضعها تحت نعمة الله حتّى أنها تتقدّس. كل ما هو شرير، كل ما هو مشوّه، يتبدد ويتطهر بالنعمة، وروحك وحدها تبقى طاهرة.

وهكذا، كل لحظة، في كل محطة، أن تتذكّر أنك بدأتَ من جديد وأنّك مجدداً سلّمت نفسك إلى الله، فسوف تحاول أن لا تترك هذه القطعة التي فيك تغلبك، ولا أن تفعل ما تدفعك إلى فعله. لكن ماذا بعد؟ تعمل ما يعمله القديس، ما يقول لك يسوع أن تعمل.

على هذا المنوال أنت تكون في كل لحظة ضمن إرادة الله وليس ضمن إرادتك.

ملاحظات حول الشفاعة

ملاحظات حول الشفاعة

إعداد الأب أنطوان ملكي

الشفاعة هي إحدى نقاط الاختلاف بين المسيحيين، وقد تكون نقطة الخلاف الأعمق، وعليه العائق الأكبر أمام أي وحدة بين الأرثوذكس والبروتستانت. فالأرثوذكس والكاثوليك أو الشرقيون قد يختلفون على اعتبار هذا الإنسان قديساً أو ذاك لكنهم ليسوا مختلفين على قبولهم للقداسة وإمكانية الوصول إليها. في المقابل، البروتستانت، في تفسيرهم المجتزأ للكتاب المقدس، لا يميزون بين القداسة والإيمان وبالتالي لا يعود الجهاد أو النسك مبرَراً ولا مطلوباً.

شعبنا الأرثوذكسي يتأثّر بالفكرين المذكورَين أعلاه، الكاثوليكي وسلوكه القانوني الحرفي في تحديد القديسين وصوغ العلاقة معهم على أساس من النفعية القائمة على الخوف، والبروتستانتي في إهمال العلاقة مع القديسين والانتفاخ بأن الإيمان لوحده يخلّص. من هنا تمّ تجميع هذه الملاحظات البسيطة من دون تعقيد لاهوتي.

شفاعة القديسين تحمل معنى الإيمان بالحياة الأخرى، أي الإيمان بأن الذين انتقلوا ما زالوا أحياء وهم يعملون. إنه إيمان بالصلة الدائمة بين السماء والأرض. وبأننا نكرم القديسين لأن الله نفسه يكرمهم. لهذا، الشفاعة هي بركة المحبة بين أعضاء الجسد الواحد، الكنيسة، التي هي جسد المسيح الواحد الذي هو رأسه. المسيحيون أعضاء هذا الجسد سواء في هذه الحياة أو في الأخرى. من هنا أنهم يتبادلون المحبة والصلوات والشركة، فالأحياء يصلّون من أجل الراقدين والراقدون يشفعون بالأحياء. هذا هو المعنى الحقيقي لكلام السيد في صلاته إلى الآب: “ليكونوا واحدًا كما نحن“. الوحدة هي وحدة إيمان وصلاة.

من هنا أن الذي يؤمن بالشفاعة ينتفع برابطة المحبة التي بينه وبين القديسين وبينه وبين أرواح أحبابه الراقدين، ويُزاد إلى صلاته صلوات أقوى وأعمق لأجله. أما من ينكر الشفاعة فإنه يخسر هذه الصلة وهذه الصلوات. وعلى هذه النقطة يقول أحد الآباء المعاصرين: “بأي وجه سيقابل منكرو الشفاعة القديسين في الحياة الثانية، وقد رفضوا إكرامهم ورفضوا صلواتهم وشفاعتهم؟

إن الإيمان بالشفاعة هو إيمان بسيط غير معقد نلاحظه في كل الذين يحتفلون بأعياد القديسين ويزورون كنائسهم ويطلبون صلواتهم. فالشفاعة تعكس تواضع القلب لأن الذي يطلب الشفاعة، هو إنسان متواضع، غير مغرور بصلته الشخصية بالله. على العكس، منكر الشفاعة غالباً ما يسأل بانتفاخ: ما الفرق بيني وبين هؤلاء القديسين؟ ما بيني وبين الله أقوى من وساطتهم!! إذا كان بولس الرسول يطلب الصلوات من أجل نفسه (عب18:13) ومن أجل جميع القديسين (أف8:6)، كيف يستطيع مَن يدّعي معرفة الكتاب المقدس رفض الشفاعة، لولا غروره؟

ثم إذا كان الله قد سمح للشيطان أن يحارب أولاد الله، ويجرّبهم ويظهر لهم في رؤى وفي أحلام كاذبة ويضايقهم (أيوب ويوسف الخطيب والسيد وغيرهم). فلماذا لا يقبل بالمقابل صلوات القديسين الشفعاء والملائكة الحارسين وتدخلهم ومساعدتهم للناس؟

أخيراً، بحسب تقليدنا، الشفاعة واقع نعيشه. ليست شفاعة القديسين مجرد بحث لاهوتي تثبته آيات من الكتاب المقدس، بل هو واقع شركة معاشة. إنه تاريخ حي على مدى أجيال، يروي الرابطة العجيبة التي بين المؤمنين من منتقلين وأحياء على الأرض. إنه صلة حية بالقديسين الذين يشفقون على أوضاعنا أكثر منا، وبإشفاق حقيقي. حتى أن الكثير من مشاكلنا تُحَل أحيانًا بتَشَفُّعَاتهم فينا، دون أن نطلب ذلك. إنهم أكثر منا فهماً وتطبيقًا لقول الرسول بولس فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ” (رو15:12).

فالشفاعة دليل علي الرابطة بين أعضاء الكنيسة الذين على الأرض والذين في السماء، الكنيسة المجاهدة والكنيسة الغالبة. إنهما يتبادلان الصلاة.

إن رفض شفاعة القديسين ليس مجرد انحراف في التفكير النظري اللاهوتي، بل هو تجاهل للعشرة الطويلة التي يحكي عنها الناس قصصاً كثيرة ويحيون على هذه القصص وما فيها من معجزات عجيبة يشهدون بحدوثها بصلوات القديسين وفي أعيادهم وكنائسهم ومن خلال رفاتهم وذخائرهم. إن رفض الشفاعة هو إنكار للواقع والتاريخ القائمَين على النسك وعلى الجهاد، تهرباً منهما. إن التذرّع بأننا بالإيمان مخلّصون هو إنكار لكل وصايا السيد التي يدعو فيها إلى الصلاة والصوم والجهاد. رفض الشفاعة هو تعلل بعلل الضعف والكسل لتبرير الذات التي بَرَد إيمانها وتبلّد.

Bebis, George. “The Saints of the Orthodox Church” (Greek Orthodox Archdiocese of America, http://www.goarch.org/en/resources/saints/

Reader Christopher Orr. “On the Intercession and Invocation of the Saints”, http://orthodoxinfo.com/inquirers/invocationofsaints.aspx

Ορθόδοξος Συναξαριστής, http://www.saint.gr

ما هو معنى شخص المهاتما غاندي الهندي؟

ما هو معنى شخص المهاتما غاندي الهندي؟

القديس نيقولا فيلميروفيتش

نقلتها إلى العربية علا مقصود

رسالة من القديس نيقولا فيلميروفيتش إلى النبيل البريطاني تشارلز ب.

من الممكن لأيّ إنسان مؤمن أن يتعرّض للسؤال التالي: ما الذي ستفعله العناية الإلهية مع غاندي وما هو معنى ظهور هذا الإنسان الغريب وسط سياسيي ورجال الدول في عصرنا؟

إنه تحذير من الله، هذا هو بالتأكيد معنى قائد أمّة الهند العظيمة. من خلال هذا الإنسان تُظهِر العناية الإلهية للسياسيين ورجالات الدول في العالم وحتى المسيحيين منهم، أن هنالك طرق أخرى في السياسة غير الدهاء والمكر و العنف. إن طريقة غاندي السياسية بسيطة جداً وواضحة: إنه لا يطلب شيئاً سوى الإنسان الذي يتضرع والإله الذي يستجيب. في وجه السلاح والذخيرة والجيوش وضع غاندي الصوم، وفي وجه الدهاء والمكر و العنف وضع الصلاة، وفي وجه النزاعات السياسية وضع الصمت.

كم يبدو هذا تافهاً ومثيراً للشفقة في أعين رجال هذا العصر. أليس صحيحاً؟

في كتب التدريس السياسية المعاصرة، لا ترد هذه الطرق الثلاثة ولا حتى كملاحظة هامشية. الصلاة والصوم والصمت! بالكاد يوجد رجل سياسة واحد في أوربا وأميركا لا ينظر بسخرية إلى هذه الأسرار الثلاثة لدى القائد الهندي على أنها أغصان يابسة في المعركة في وجه أكوام الحديد والرصاص والنار والسموم. على أية حال إن غاندي نجح مع تعويذاتهالثلاثة لدرجة أدهشت العالم. وإن أراد المشرعون في انكلترا وفي بقية الدول أو لم يريدوا فإن عليهم أن يضيفوا فصلاً جديداً إلى كتبهم الدراسية السياسية: “الصوم والصلاة والصمت كأسلحة قوية في السياسة“. تخيّل، أما كان من حظ كل البشرية لو أن طرق غاندي غير المعمَّد حلّت في علم السياسة مكان طرق مكيافيللي المعمَّد؟

لكن ما يفاجئ العالم ليس طريقة الهندي بحد ذاتها بل هو فعليّاً الشخص الذي يستعمل الطريقة. إن الطريقة مسيحيّة، ومع أنها قديمة قِدم الإيمان المسيحي فهي جديدة في هذا اليوم والزمن.

إن مَن أظهر مثال الصوم والصلاة والصمت هو السيد المسيح وقد أظهره لتلاميذ. هم سلّموها للكنيسة من خلال عيشهم والتزامهم فيها بحياتهم، والكنيسة سلّمتها للمؤمنين من جيل إلى جيل حتى يومنا هذا.

الصوم هو تضحية، الصمت هو فحص داخلي لذات كل شخص، الصلاة هي تضرّع لله. تلك هي المصادر الثلاثة الأعظم للقوة الروحية التي تجعل الإنسان منتصراً في المعركة ومثالاً ممتازاً في الحياة. هل هنالك إنسان لا يمكنه أن يتسلّح بهذه الأسلحة؟ بالطبع هذه الأمور الثلاثة لا تتضمّن كل الإيمان المسيحي بل هي جزء فقط من قوانينه ومن أسراره الفائقة الطبيعة. على الأكيد، الكثير من المبادئ المسيحية مهملة والكثير من الأسرار المدهشة الفعل منسيّة.

من المحزن أن كثيرين من المسيحيين في أيامنا يهملون هذه المبادئ وينسون الكثير من الأسرار العجائبية. لقد بدأ الناس يفتكرون بأن النصر ممكن فقط باستعمال الحديد، وأن الغيوم المحملة بالمطر يمكن تفريقها فقط بالمدافع وأن الأمراض تُشفى بالأدوية فقط وأن كل شيء في العالم يمكن تفسيره بالكهرباء ببساطة. إن القوى الروحية والأخلاقية ينظَر إليها على أنها فوق كل شيء قوى سحرية.

أعتقد أن هذا هو سبب اختيار العناية الإلهية للمهاتما غاندي، رجلاً غير معمّد ليكون إنذاراً للمعمَّدين، وخاصة أولئك الذين يكدسون على ذواتهم المحن الواحدة فوق الأخرى وفوق شعوبهم باستخدام الوسائل القاسية وعديمة الرحمة.

يخبرنا الإنجيل أن العناية الإلهية أحياناً تستخدم مثل هذه التحذيرات أو الإشارات لصالح الناس. سوف تدركون فوراً أني ألمّح هنا إلى القائد الروماني من كفرناحوم (متى،8). من جهة، ترى شيوخ إسرائيل الذين كمختارين موحدين ذلك الوقت تفاخروا بإيمانهم بينما رفضوا المسيح. ومن جهة أخرى، ترى الروماني الوثني المحتقر الذي أتى إلى المسيح بإيمان ومذلة عظيمَين طالباً منه أن يشفي خادمه، وعندما سمعه السيد ذُهل به وقال لمن يتبعونه: “الحق أقول لكم لم أجد ولا حتى في إسرائيل إيماناً بمقدار هذا“. إن العالم المسيحي هو إسرائيل المعمَّدة الجديدة. أصغوا! ألا يتحدث السيد المسيح اليوم بنفس الكلمات إلى ضمائر الشيوخ المسيحيين مشيراً إلى القائد الهندي؟

السلام والصحة من الرب إليكم.


Source: Missionary Letters of Saint Nikolai Velimirovich: Letters 1-100, trans. Hierodeacon Serafim (Baltic), Vol. VI in A Treasury of Serbian Orthodox Spirituality (Grayslake, IL: New Gracanica Monastery, 2008), pp. 171-173.

الزوجة الضّالة والزوج المؤمن

الزوجة الضّالة والزوج المؤمن

القديس باييسيوس الأثوسي

نقلتها إلى العربية غزل سرحان

زارني مرة دكتور أميركي – يوناني. كان أرثوذكسياً غير ملتزم، فهو لا يصوم يوم الجمعة وأغلب الأحيان لا يذهب إلى الكنيسة. مرّ مؤخراً بخبرة وأراد أن يناقشها مع شخص ما.

في إحدى الأمسيات، وبينما كان يصلي في شقته، فُتحت السموات، وغمره النور، واختفى السقف. والأمر نفسه جرى للأربعين طابق التي كانت فوق شقته. وبقي على هذه الحال مغموراً بالنور فترة طويلة جدًا، حتّى أنه لم يستطِع أن يخبِر لِكَم من الوقت.

وقفتُ مندهشاً! كنت أشعر وأفهم أن هذا الحدث كان من الله“. كان حقيقياً. فهو بالفعل قد عاين النور غير المخلوق“. ماذا فعل في حياته؟ وكيف عاش ليستحق مثل هذه الأمور الإلهية؟

كان متزوجاً، وعنده امرأة وأولاد. قالت له زوجته: “أنا مريضة ومرهقة من الأعمال المنزلية، وأودّ الخروج بنزهة بين الحين والآخر، لم تكن تعمل، فبدأت بالخروج مع صديقاتها والضغط عليه ليرافقها كل ليلة في نزهاتها. بعد فترة من الوقت قالت: “أريد الخروج مع صديقاتي لوحدي“. قبِل بهذا من أجل أبنائه. ولاحقاً أرادت الذهاب في إجازة بمفردها، ماذا بإمكانه أن يفعل؟ أعطاها النقود والسيارة.

من ثم طلبت أن تستأجر شقة بحيث تستطيع أن تعيش بمفردها، وتدعو إليها أيضاً أصدقاءها. فودّ أن يتحدث معها ويستوضح، ما شعور أطفالنا في كل هذا؟كانت مصرّة على موقفها. في النهاية، سحبت منه مبلغاً كبيراً من المال وتخلّت عنه. لقد كانت تشعر بأنها مقيدة جداً!

وبعد عدة سنوات، علم بأن الأمر انتهى بها كعاهرة في أندية بيريه (ميناء أثينا)! كان مذهولاً وحزن بشأن مصيرها! فكّر في أن يبحث عنها ولكن .. ماذا سيقول لها؟

جثا على ركبتيه ليصلي: “يا إلهي، ساعدني، قل لي ماذا أقول ماذا أفعل… لإنقاذ هذه الروح …” أنظر. كان مجروحاً من أجلها، أراد أن ينقذ روحها“. لا عقلية ذكورية، ولا انتقام، ولا ازدراء، فهو مجروح حقاً بداخله لرؤيته حالتها البائسة. لقد تألّم من أجل خلاصها. وكانت تلك هي اللحظة التي فتح فيها الله السموات، وغمره بنوره.

أترى؟ هل ترى؟ كان في أميركا، وفي أي بيئة كان يعيش؟ وبعد .. كم واحد منا يعيش في هذا الجبل المقدس، مشمولاً بنعمة الأم المقدسة، دون أي تقدم!

المجد لله! المجد لله!

An excerpt from the book: Father Paisios Told Me, by Athanasios Rakovalis, “Orthodoxos Kypseli” Publications, pages 27­2

روح العالم وروح الله

روح العالم وروح الله

القديس نيقولاي فيليميروفيتش

نقلتها إلى العربية منيرة فرح

نحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله” (كورنثوس الأولى 12:2).

أيها الأخوة إن روح هذا العالم هي روح الغرور والقوة، والروح التي من الله هي روح الوداعة واللطف. وقد أكد الرسول على أن أتباع المسيح لم يتلّقوا روح هذا العالم وإنما الروح الذي من اللهالذي انبثق من الله الآب كرائحة حلوة العبير مثل رائحة الزهور ومثل عطر رائع انسكب على روح الانسان جاعلاً منها جبارة، مشرقة، شاكرة وممتعة.

إن البشر بحسب الطبيعة ودعاء ولطيفون. كتب ترتيليان يقول: “روح الإنسان بالطبيعة هي مسيحية“. ولكن بسبب روح هذا العالم هي سريعة الانفعال وغضوبة. فإن روح هذا العالم تحوّل الحملان إلى ذئاب بينما روح الله تحوّل الذئاب إلى حملان.

يضيف الرسول أيضاً أننا نتلقى روح الله لنعرف الاشياء الموهوبة لنا مجاناً من الله” (كورنثوس الأولى 12:2). أي لكي نعرف ما هو من الله فينا وما ليس من الله، ولنتذوق حلاوة وجمال ما هو آتٍ من الله ومرارة ما ليس من الله وإنما من روح هذا العالم. لذا طالما أن الإنسان خارج طبيعته ودون طبيعته فهو يعتبر المرارة كالحلاوة، والحلاوة كالمرارة، ولكن بروح الله يعود إلى طبيعته الحقيقية ومن ثم يعتبر الحلاوة حلاوة، والمرارة مرارة.

من يستطيع إعادة الإنسان إلى الله؟

من يستطيع شفاءه من المرارة المسمِّمة الخاطئة؟

من يستطيع أن يعلّمه بواسطة التجربة أن يفرق الحلاوة الحقيقية عن المرارة؟

لا أحد سوى الروح الذي من الله.

لذلك أيها الأخوة دعونا نصلي إلى الله ليمنحنا روحه القدوس كما منح الروح القدس لتلاميذه وقديسيه. وعندما يحل هذا الروح القدس فينا يصل ملكوت الله حيث كل الحلاوة بحد ذاتها، والخير فقط، والنور فقط والوداعة فقط واللطف فقط.

أيها الروح القدس، روح الوداعة واللطف، هلّمَ واسكن فينا.

السر في إيمان القديسين

السر في إيمان القديسين

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

نقلتها إلى العربية راما مخول

هل ترى مدَى عظَمة الإيمان؟ إنه بالحقيقة ما يطلبه الله من البشرية. ونحن نسمع دائماً ذلك النشيد الرائع لبولس الرسول. فهو ليس مجرد رسالة أو خطاب، كتبه إنسان مستنير، إنه نشيد موحى به من الله: “[جميع القديسين] الذين بالإيمان قهروا ممالك، صنعوا برّاً، نالوا مواعيد، سدّوا أفواه أسودٍ، أَطفأُوا قوّة النّار، نجو من حدّ السّيف، تقوّوا من ضعفٍ، صاروا أشدّاء في الحرب، هزموا جيوش غرباء. أخذت نساءٌ أمواتهنَّ بقيامةٍ، وآخرون عُذِّبوا، ولم يقبلوا النّجاة، لكي ينالوا قيامةً أفضل، وآخرون تجرَّبوا في هزءٍ وجَلْدٍ، ثمّ في قيودٍ أيضاً وحبسٍ. رُجِموا، نُشِروا، جُرِّبوا، ماتوا قتلاً بالسَّيف. طافوا في جلود غنمٍ، وجلود معزٍ، مُعتازين، مَكروبين، مُذلّين…” (عب. 11: 32-38). وكما تعلمون، فإن هذا النشيد العظيم يستمر.

كلُّ هذه الجوائز، وهذه الانتصارات، التي تُجدد وتُكمل علاقة الجنس البشري مع الرب، وُلدت من الإيمان. هذا هو ما يخلّصنا. هذا الإيمان الذي يصل إلى كلّ واحد منا، نحن جماعة المؤمنين، وهو ما يبرر كل شيء.

نأتي الآن إلى سرِّ أعمق. جميع هؤلاء الأجداد كانوا يميلون إلى الوحيّ، ولذلك وُهِب لهؤلاء أن تُمنح البركات. فالرب سبق فاختارهم، ودعاهم، وسكن فيما بينهم، ليكون فخوراً لكونه إلههم. هؤلاء أيضاً تلقوا الوعود المباشرة وتحدثوا وجهًا لوجه مع الله. وهؤلاء على الرغم من اليقين بالوعود التي أوحيت إليهم حقاً من السماء، ربحوا الاحترام من الله والتقوى، وبشكل عام توجههم نحو الله بصليبهم الكامل، أي بالحزن، الأسى، الاضطهاد، وعدم الراحة، وانتقلوا من هذه الحياة دون رؤية أي شيء من كل ما وَعَد به الله، باستثناء بعض الإشارات وفترات الخبرات المختلفة. أترون هذا السرّ؟ في وادي البكاء هذا، تُشاهد الوعود الإلهية جزئياً، وتُدرك جزئياً، وتُكشف إلى حد ما. وهنا بالتحديد هو حيث نطبّق ما يلي: “مَنْ كان حكيماً يحفظ هذه ويتعقَّل مَرَاحِم الرَّبِّ” (مز. 106: 43).

هذا هو السبيل الذي به نحن المختارون بالإيمان نلتزم ونحفظ علاقتنا مع الله ووعوده. مجدداً، بفهم الإيمان في خضم المعاناة الهائلة الطويلة، والصبر والاحتمال في خضمّ التجارب والأهواء، نُكَمّل كما جميع القديسين.

درجات النمو الروحي

درجات النمو الروحي

البطريرك بولس الصربي

ما هو أهم شيء على المسيحي معرفته؟

كما سبقت الإشارة، الأهم هو معرفة هدف الحياة ومعناها. إنه الأمر الأكثر أهمية. إذا عرف الإنسان هذا يستطيع أن يستعمل قواه ومواهبه من أجل ما هو حسن ومستحق، أي لنفسه، لعائلته، لأمّته ولكل إنسان. غني عن القول، علينا أن نعرف هذا القول: “اصنعوا للآخرين ما تريدونه أن يصنعوا لكم“.

لقد قلتَ مرةَ أن القدرة على الصلاة هي أهم الأشياء للمسيحي.

نعم. بالجوهر، الصلاة هي المحادثة مع الله، مع أبينا السماوي. يقول الإنجيل أن المسيح ابن الله كان يعتزل ويصلي. بالحقيقة هذا كان حديث الابن مع الآب. والأمر عينه بالنسبة لنا، الصلاة هي حديثنا مع الآب السماوي. فالله يتحدّث إلينا من خلال الكتاب المقدس وعلينا أن نجيبه من خلال الصلاة.

يقول القديس باسيليوس الكبير أن هناك ثلاث مراحل للنمو الروحي.

المرحلة الأولى هي مرحلة العبد. يعرف العبد أن مصيره يتوقف على السيد الذي ينتمي هو إليه، الذي يملك الحق بضربه أو قتله أو بيعه مع امرأته وأولاده. لهذا، هو يحقق إرادة سيده. روحياً، هذا هو المسيحي الذي يحقق إرادة الله خوفاً من نار جهنم. إنه يفهم أن حياة الخطيئة لألف عام لا قيمة لها لأنه سوف يتعذّب إلى الأبد.

المرحلة الثانية هي مرحلة الأجراء. الأجير هو إنسان حر يتقاضى أجراً مقابل عمله. هو يعمل ليقبض. روحياً، هو المسيحي الذي يرغب في الوصول إلى أعلى مراتب الفردوس. ليست كل المراتب متماثلة. المستحق والحسن يتقدم أكثر وأكثر الى قرب الله، من دون الوصول إليه، لأن الله غير متناهٍ، لكن أيضاً هو يقترب شيئاً فشيئاً. بالطبع، الله هو حياتنا وبركتنا، هو كل ما لنا.

المرحلة الثالثة هي مرحلة الأبناء والبنات. الابن يحقق إرادة أبيه لا خوفاً من عقابه، فهو ليس عبداً. ولا رغبةً بأجر من أبيه فهو ليس أجيراً. إنه يقوم بذلك طوعياً حتى يكون أبوه راضياً. روحياً، هذا هو المسيحي الذي يحقق إرادة الله لأنه يحب الله حتى يكون الله راضياً.

فالأولان يفكّران بأنفسهما، الواحد يريد أن لا يُعاقَب والثاني يريد الأجر، الابن أو البنت يفكّران بالله. هذا هو المسيحي الحقيقي. لكن ما من أحد يبلغ هذه المرحلة إلا بعد أن يعبر المرحلتين الأولين. كم من الوقت يقضي في كل منهما، هذا يتوقف على كل واحد شخصياً.

حتّى نصلّي لا بالكلمات فقط بل بأعمالنا وكياننا بأكمله…

يقول المسيح: “لماذا تنادوني يا رب يا رب؟ ليس كل من قال يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يفعل إرادة أبيالأرثوذكسية هي إيمان يُعرَف بكيفية عيشنا له، بأفعالنا، بتصرفنا.” الأرثوذكسية هي أسلوب حياة.

من كتاب رجاءً كونوا الشعبليوفان يانيتش.

النمو الروحي من منظار أرثوذكسي

النمو الروحي من منظار أرثوذكسي

المتقدّم في الكهنة بانايوتيس باباجورجيو

مسألة النمو الروحي هي مسألة جدية، نحكي عنها دائماً ، لكننا لا نملك جميعاً نفس الفهم لما تعنيه فعلياً.

على خلاف النمو الجسدي، ما من طريقة كمية لقياس النمو الروحي. ومع هذا، يمكننا أن نقوم بذلك، ليس عن طريق استعمال خيط القياس أو الميزان، بل بقياس أنفسنا بالمقارنة مع القديسين، أبطال الإيمان المسيحي، الذين أغلبهم وهبوا حياتهم كشهداء من أجل الإيمان بالمسيح.

أتعتقد بأنك صبور ومتواضع؟ قارن نفسك بجهادات وعذابات القديس جاورجيوس أو القديس ديمتريوس أو القديسة كاترينا أو القديسة إيريني أو حتى بمَن هم من المعاصرين كالقديس نكتاريوس، وسوف ترى تلقائياً كم أنتَ بعيد وكمّ ما زال أمامك للوصول.

لكي تقوم بهذه المقارنة عليك أولاً أن تقرأ هؤلاء الرجال والنساء. وفيما أنت تقرأ سيرهم سوف تنمو روحياً في الوقت نفسه. النمو الروحي هو عملية تبدأ عندما تريد ذلك، ومتى بدأت ولا تنتهي إلا إذا أوقفتها أنت.

ومع هذا، فإن سؤالي لك أيها القارئ: أنت تريد فعلياً أن تنمو روحياً؟ أتريد فعلاً أن تعرف كيف؟ كل المسؤولية تقع على عاتقك. عليك أن تتخذ القرار وتبدأ بالمجهود. عليك أن تباشر بهذه الرحلة وحسب، والله سوف يكون حاضراً ليعينك على طول الطريق.

الكثيرون من الناس يخلطون بين النمو الروحي والازدياد من معرفة الوقائع والقدرة على سرد المعلومات. لكن هذا ليس نمواً روحياً! بعض اللاهوتيين المسيحيين الغزيرو المعرفة في العالم هم في أفضل الأحوال أطفال روحيونووثنيون بالكلية في أسوأ الأحوال. من جهة أخرى، بعض المسيحيين الذين التقيتهم، وهم من بين الأكثر بساطة والأقل علماً، كانوا عمالقة روحيين بالمقارنة مع هؤلاء.

أتريد فعلاً أن تنمو روحياً؟ هاك الوصفة: واضِع ذاتك وارتمِ على رجلَي أب روحي واعترف بخطاياك، بما فيها فخرك وغطرستك. من المكفول أنك سوف تخرج إنساناً جديداً، متجدداً بقوة الروح القدس. هذا سوف يكون قفزة في النمو الروحي. سوف تعرف ذلك في قلبك.

أتريد أن تحفظ تلك الحالة الروحية العالية؟ هاكَ الوصفة: ارجع إلى الاعتراف مرة تلو أخرى بقلب منسحق وروح متضعة. على الأكيد سوف تبدأ بالنظر إلى نفسك والعالم من حولك بضوء جديد. سوف يتكوّن لديك تقدير مختلف لكل من البشر والطبيعة. سوف تحس أن الله موجود حيثما تذهب. سوف تبدأ باختبار الفرح بطرق لا توصف وبرؤية الخير واللطف في الناس كما لم ترَ ذلك من قبل.

ليس من الصعب المباشرة على طريق النمو الروحي. الأمر يعتمد عليك وأنت المستفيد الأول منه.

كلمات بسيطة من القداس: “يارب ارحم”

كلمات بسيطة من القداس: “يارب ارحم

المتقدم في الكهنة جورج م. بنغسن

نقلتها إلى العربية رهف خرما

 يا رب ارحم، كم من المرات تُردّد هذه الكلمات في كنائسنا وفي صلواتنا الشخصية. إنها تتكرر في الابتهالات المؤلفة من طلبات استرحام قصيرة تنتهي كل منها ب يا رب ارحم“. تتردد هذه الكلمات في خدم المساء وصلاة الساعات أحياناً ثلاث مرات وأحياناً إثنا عشر مرة وأحياناً أربعين مرة. كم هي رائعة قطعة الملحن الروسي لفوفسكي لعبارة يا رب ارحمتُنشَد في ارتفاع الصليب. وهناك الكثير من الخدم حيث تكرر عبارة يا رب ارحم بإصرار وتوبة.

لا ينبغي أن ننزعج من تكرار بعض الصلوات القصيرة خصوصاً صلاة يا رب ارحمفالغاية من هذا التكرار هي إشباع قلوبنا وعقولنا وأرواحنا بهذه الصلاة. الهدف هو تركيز انتباهنا على موضوع الصلاة ما تعتبره الكنيسة ذا أهمية خاصةً لنمونا الروحي. هذا التكرار، على غرار اللازمة في الموسيقى، يخترق ضمائرنا ويبقى طويلاً في ذاكرتنا مقيماً معنا حتى عندما نترك الكنيسة إلى انشغالاتنا اليومية.

يا رب ارحم“. ثلاث كلمات لكن أي عمق من المعنى تحمل؟

أولاً بمناداة الله يا ربنحن نؤكد سيادته وسلطانه على هذا العالم والبشر، والأهم من ذلك على نفوسنا وعلى الذين يقولون هذه الكلمات. “الربتعني السيد والحاكم، لهذا ندعو أنفسنا خدامًا للرب. هذه التسمية ما من شيء مهين فيها كما يشتبه بسهولة أولئك الذين يرغبون بمحاربة السيد. العبودية بحد ذاتها سلبية لأنها تحرم الإنسان من الهبة الأصلية، هبة الحرية. لكن كما أعطيت هذه الهبة للإنسان من قبل الله كذلك فقط في الله يستطيع الإنسان أن يجد كمال الحرية. وبالتالي فإن خدمة الله هي في الحقيقة الحرية الكاملة في الله.

خدمتنا لله بعيدة عن أن تكون كاملة. في كل يوم، في كل ساعة، نحن نهرب من هذه العبودية المباركة، نهرب إلى حيث لا ضوء، ولا محبة، ولا الحياة التي نجدها في الله. نحن نهرب من الفرح المثالي إلى حفرة عميقة من الحزن والألم. ثم ننهض روحياً، ونعود إلى أحاسيسنا، ونبدأ بإدراك أنه ليس لنا مكان نذهب إليه عندما نهجر الله، إلا الموت. كما قال داوود الملك: ” أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ؟ وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟” (مز 7:139). نحن نعود إلى الله، بعضنا بعد غياب خاطف، والبعض بعد سنوات من الاغتراب. ومن أجل إعادة تأسيس عبوديتنا البنوية له، العبودية التي نهرب منها باستمرار، نرجو الغفران ونردد يارب ارحم، يارب ارحم“.

لذلك هذه هي الكلمات البسيطة، هذه الكلمات القليلة من الصلاة التي نستطيع أن نصلي بها في كل زمان ومكان: “يارب ارحم“. من الحسن أن نقدّرها وننميها ونغذّيها. إنها حبات مسبحة صلاتنا مصنوعة كلماتٍ وهي تربط يدنا بيمين للسيد.