دمعة التوبة

دمعة التوبة

الأب سيرافيم باديلا

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

يخبرنا الأب سيرافيم قصة عن ملاك نزل إلى الأرض بمهمة إيجاد شيء هو الأكثر  سروراً لله.

قال الله لأحد الملائكة: “انزل إلى الأرض وسافر في كل العالم حيثما تريد… عندك من الوقت ما تريد من غير تحديد. اجلب لي ما يثير في أكبر قدر من الإعجاب مما تراه على الأرض”ـ

راح الملاك ينزل من المجد الإلهي حيث يمجّد الله، إلى هذا العلم المليء بالناس الخاطئين… هكذا نحن، كلنا خاطئون… كل مَن يقول أنه بلا خطيئة كاذب!ـ

وكان الملاك يعرف أنه كان مكلّفاً بمهمة خاصة… التمييز… “عليّ أن أجلب ما هو الأكثر سروراً لله” وراح يبحث ويبحث، وفي رحلته وصل إلى مكان فيه حرب

رجل جريح، في اللحظات الأخيرة من حياته، ينزف القطرة الأخيرة من دمه، تاركاً في البيت أرملة وأطفال يتيتّمون… حمل الملاك قطرة الدم ومضى إلى عند الله. قدم ما معه. نظر الله وقال: “نعم. جميل! هذا شيء رائع! لقد وهب حياته ليدافع عن بلده! إنه بطل! سوف يحصل على إكليل البطل! أرملته وأطفاله اليتامى سوف يبقون في البيت… هذا باهر! لكني طلبتُ منك أن تجلب لي الشيء الأكثر سروراً… إذهب وفتّش عنه!” ـ

مضى الراهب، مسافراً إلى هنا وهناك، باحثاً، مفتشاً، مستقصياً. وصل بترحاله إلى مستشفى… كان هناك أمرأة تعاني من مرض معدٍ لا شفاء منه، معزولة في غرفة. لقد أرادت أن تظهر محبتها وحنانها لإنسان مريض بأن تقف إلى جانبه… كانت تعرف أنها قد تُصاب لكنها لم تستطع أن تبقى بعيدة، فمضت إلى هناك، وصارت مريضة إذ التقطت الجرثومة. هي الآن في أواخر لحظات حياتها… رأى الملاك ذلك وقال “أعتقد أن هذا ما يعجب الله!” فمضى ليخبره. “أطّلع أيها الرب!” فأجاب الله “نعم، رائع! رائع! لكن أخبرتك بأن تجلب إليّ أكثر الأشياء أهمية! إذهب. فتّش. إبحث بعمق أكثر. تابع البحثّ! لا تنسَ: اكثر الأشياء أهمية يعجبني، فاجلبه إليّ!”ـ

في تنقّله، رأى الملاك لصّاً كبيراً، فركّز عليه… كان هذا اللص قد ارتكب القتل مرات، واغتصب النساء، وقام بعمليات سطو كثيرة… وكان ذلك اللص المشهور، الذي يرعب تلك المنطقة، يتحيّن اللحظة المناسبة ليقترب من بيت منفرد في القرية، حيث تعيش امرأة شابّة وطفل… فانتظر إلى أن حلّ الليل حتّى لا يكشفه أحد. وبعد حلول الليل، نظر عِبر النافذة: كانت الشمعة مضاءة، امرأة مع طفل صغير، رسمت إشارة الصليب على طفلها بعد صلوات كثيرة… كان الطفل ينام على وسادة… فوق رأسه كانت أيقونة والدة الإله مع الطفل يسوع… تابعت الأم صلواتها… ـ

للمرة الأولى في حياته، بعد عقود من الخطايا العظيمة القبيحة، أحسّ بثقل خطاياه، أدرك أن هذا ما كانت أمه تفعله عندما كان طفلاً… كان هناك شمعة… وكانت أمه تصلّي… كم كان سعيداً في تلك الأوقات… ومن هذه الاستعادة، استعرض حياته تمرّ أمام عينيه، مع كل الجرائم التي ارتكبها والخطايا الجسيمة التي اقترفها والنساء والسرقات… ورأى للمرة الأولى… عمل الله في نفسه… ليرى حياته وأعماله وأقواله. هكذا أعانته نعمة الله ليرى نفسه… الآن هو عند النقطة حيث المفتَرَض به أن يدخل، كان عند النافذة، يتأمّل حياته… نزلت دمعة التوبة على خد هذا اللص… التقطها الملاك وقال: “أعتقد أن الرب سوف يعجبه هذا!” ومضى إلى الله وأعطاه ما جلب. قال الله: “نعم! هذا أقصى السعادة عندي! هذه الدمعة…”ـ

أترون يا أعزائي أن ما قاله الأب أرساني بوكا هو صحيح؟ قال “إن محبة الله لأكبر الخطأة تفوق إلى ما لا نهاية محبةَ أعظم القديسين لله”ـ

أنظروا يا أعزائي المحبة العظيمة التي يكنّها الله لنا نحن الخطأة… لقد ترك وراءه الخراف التسعة والتسعين، والملائكة في السماء الذين يمجدونه بغير انقطاع، وأتى إلينا، نحن الخراف الضالّة، كل الجنس البشري من آدم إلى اليوم، نحن خراف ضالّة.. ـ

* الأب سيرافيم باديلا هو كاهن دير رفع الصليب في منطقة كلوج في رومانيا. ـ

المناولة المقدسة: دواء الخلود وترياق الموت

المناولة المقدسة: دواء الخلود وترياق الموت

هيئة اتحاد اللاهوتيين اليونانيين*

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

“أيّها الانسان ارعدْ عند نظرك الدم المؤلـّـِه لانه جمرة تحرق غير المستحقين. إن جسد الله يؤلِّـــهني ويُغذيني. يؤلِّـــه الروح ويغذّي العقل على منوال غريب.”

إذا عزمنا على المناولة المقدسة في اليوم التالي، فإننا نُدرِج في صلاة المساء السابق خدمة المطالبسي التي تتضمن الكلمات المذكورة أعلاه. إذا فهمنا حقًا ما نقرأه، فإننا ندرك كم هو ثمين السرّ العجيب والرهيب. تساعدنا المناولة المقدسة على بلوغ كمالنا وتمجيدنا بالنعمة. إنه جسد المسيح ودمه، الذي عندما نشترك به يوحّدنا مع ربنا الإله الإنسان (مرقس 22:14-23؛ متى 26:26-28؛ يوحنا 53:6-56؛ 1كورنثوس 27:11) ـ

المناولة المقدسة هي شركة حقيقية وليست رمزية. إنها اتحاد المسيحيين مع مخلصنا يسوع المسيح على وجه التحديد، إذ بحسب إيماننا الأرثوذكسي يتحوّل الخبز والخمر بقوة الروح القدس الإلهية إلى جسد ودم يسوع المسيح. الخبز والخمر في القربان المقدس ليسا رمزين، كما يعتقد البروتستانت، لكنهما في الواقع جسد ودم المسيح الحقيقيان

في هذا السر العظيم والرائع، عندما نشترك في جسد ودم المسيح، فإننا نشترك في ربنا الإله الإنسان نفسه، لأن طبيعته البشرية ولحمه ودمه متحدان أقنومياً مع لاهوته. ويترتب على ذلك أنه عندما يشترك المؤمنون في جسده الطاهر ودمه الكريم، نشترك أيضًا في طبيعة الرب الإلهية ونصبح بالنعمة آلهة بالحقيقة

وبما أن العلماء ومنهم أطباء يعارضون اليوم هذا السرّ العظيم الذي منحه الله لنا والذي يجعلنا نحن المسيحيين آلهة، وهم يحرّكون شبح التدنيس والوقاحة بالمعلومات الخاطئة التي تشير إلى أن من المحتمل جدًا أن تنتشر الفيروسات والجراثيم القاتلة عِبر المناولة المقدسة، فمن الضروري الرد على هذه الإهانة والافتراء الفاضح ضد إيماننا ورفضهما

كما ذكرنا، الإفخارستيا المقدسة هي مشاركة المؤمنين في جسد المسيح ودمه. يؤكد اللاهوت الأرثوذكسي أنه بسبب اتحاد المسيح لطبيعتيه الإلهية والبشرية في شخص واحد، فإن الطبيعة الإلهية تعطي أو “تمرر” مميزاتها (“كمالاتها”) إلى طبيعتنا البشرية وهي التحرر من الأهواء والخلود والبَرَكة وكل الخاصيّات الإلهية الأخرى. وعلى المنوال نفسه، عندما نشترك نحن المسيحيين في جسد الرب ودمه، فإننا حقًا نصير آلهة بالنعمة ونشترك في الكمالات الإلهية، دون أن نتوقف لحظةً عن كوننا بشرًا. فكيف هذا السر الأسمى، الذي يجعلنا آلهة، الذي يحيينا، وبنعمته نصير خالدين، يمكن أن ينشر أيضًا فيروسات قاتلة؟ الملحدون أو الهراطقة، ومنهم البروتستانت، هم وحدهم من ينكرون تحول القرابين الإفخارستية إلى جسد ودم المسيح ويسمحون لهذا الفكر المعاكس والتدنيسي بالتسلل إلى أذهانهم

بالحقيقة، يمكن أن تؤذينا المناولة المقدسة لأنها “نار تحرق غير المستحقين”، أي الخطأة غير التائبين. مع ذلك، هذا الأذى ليس بسبب الجراثيم والفيروسات بل بسبب تقدّمنا من السر العظيم دون أن نتوب ونحصل على مغفرة خطايانا من معرّفِنا. في هذه الحالة، بدلاً من أن تكون الإفخارستيا الإلهية عاملاً للحياة الأبدية الخالدة، تصبح مصدراً للأمراض وربما لموت الجسد، كما يؤكد لنا القديس بولس بشكل لا يقبل الجدل (1 كورنثوس  27:11-30). لذا من الواضح أن سبب أي ضرر محتمل هو افتقارنا للندامة وعنادنا الروحي وانعدام الحس لدينا وليس أي جراثيم.

يقيم كهنتنا الإفخارستيّا الإلهيّة (القداس الإلهيّ) وجميع الأسرار المسيحيّة داخل الكنائس المقدّسة، بحضورٍ ومشاركة المؤمنين شخصيّاً. لا يمكن بأي شكل من الأشكال استبدال القداس الإلهي بالصلاة الفردية في المنزل، والتي على ضروريتها، ليست بديلاً عن القداس الإلهي. لهذا السبب، في أوقات اضطهاد الكنيسة القاسي (زمان الإمبراطورية الرومانية، الحكم التركي، أو الشيوعية الملحدة)، كان المسيحيون يذهبون سراً إلى سراديب الموتى أو إلى الكنائس القليلة التي ظلت مفتوحة، بما في ذلك من الخطر على حياتهم، للاشتراك في القداس الإلهي وتناول الأسرار الطاهرة

إن الإفخارستيا الإلهية هي السر المركزي لكنيستنا التي تشكّل جسد المسيح لأنها توحّدنا به وتجعلنا “مشاركين في الطبيعة الإلهية” (2 بطرس الثانية4:1). كما أنها تجعلنا كيانًا واحدًا فيما بيننا، في جسد المسيح الفائق القداسة، أي الكنيسة، وتكمّلنا كأقرباء حقيقيين لبعضنا البعض في المسيح. في الكنيسة الأرثوذكسية، علاقتنا مع الله ليست فقط روحية – نسكية – فردية، كما هو الحال مع الصلاة، بل هي أيضًا مرئية وجسدية من خلال اجتماع جميع المؤمنين معًا، في القداس الإلهي والمناولة المقدسة. لهذا السبب، بدون القربان المقدس والأسرار المقدسة الأخرى، لا تحقق الكنيسة مهمتها في تقديسنا وجعلنا آلهة بالنعمة

في كل زمن، نذهب نحن المسيحيين إلى الكنيسة بالاستعداد المناسب لنشترك في العشاء الأخير للرب أي القداس الإلهي. نحن نقوم بذلك بشكل خاص في وضعنا الحالي، بالرغم من تدخّل بعض موظفي الدولة والعاملين في وسائل الإعلام محاولين نشر الخوف البشري بيننا بالادّعاء بأن المشاركة في المناولة المقدسة تحمل معها خطر الإصابة بفيروس كورونا. إن الذين يقبلون ويحتضنون هذه الدعاية الخبيثة ضد كأس المناولة الإلهية المقدسة يقوّضون حياتهم الروحية ومستقبلهم الأبدي. هذا لأنهم، بعدم طاعتهم للمسيح، الذي طلب منا إقامة القداس الإلهي والمناولة، يغلقون باب الحياة الأبدية الذي فتحه لنا يسوع المسيح. إنهم يخشون من أنهم، بدلاً من الحصول على موهبة التقديس والخلود من خلال جسد الرب الثمين ودمه،  يتعرضون للعدوى والموت

أما موظفو الدولة، فنطلب منهم عدم إغلاق كنائسنا مرة أخرى. إذا كانوا لا يريدون احترام تقاليدنا المقدسة، فعلى الأقل فليحترموا الدستور الذي أقسموا على دعمه وهو ينظّم العلاقة بين الكنيسة والدولة بوضوح كبير: بحسب الطابع البطريركي لعام 1850، والذي تم دمجه في الدستور باعتباره المادة 3 ، فإن “السلطة الكنسية العليا أي المجمع المقدس لكنيسة اليونان يدير الشؤون الكنسية وفقًا للشرائع الإلهية المقدسة، بحرية ودون عوائق بأي تدخل علماني”

لذلك ندعو كل  الذين يرغبون في اختبار استمرار حياة قديسي كنيستنا إلى الحضور إلى كنائسنا بخوف الله وإيمان ومحبة، وبجرأة على التغلب على مخاوف البشر. وكما نقول في صلاة المناولة: “إقبلني اليوم شريكًا لعشائك السريّ يا ابن الله. لأني لن اقول سرّك لأعدائك. ولا أُقبّلك قُبلة غاشّة مثل يهوذا. لكن كاللص اعترفُ لك هاتفاً: أذكرني يا ربّ في ملكوتك.”

* تأسس اتحاد اللاهوتيين اليونانيين عام 1950 لتوحيد وتنظيم وتنسيق النشاط العام لخريجي المدارس اللاهوتية في اليونان، ومنهم إكليروس من كافة الرتب وعلمانيين. كان قد سبق قيام الاتحاد محاولات منها “الجمعية اللاهوتية الأرثوذكسية” إلا أنها لم تلقَ الاستجابة المناسبة. والاتحاد هو بمثابة هيئة نقابية علمية تحرص على العمل على نشر الإيمان على أساس اللاهوت الصحيح حفاظاً على الفضاء الروحي في البلاد. يضم الاتحاد في صفوفه العدد الأكبر من اللاهوتيين الأرثوذكس اليونان ويواصل نشاطه منذ تأسيسه. للاتحاد عدد من النشرات وهو ينظّم مؤتمرات مختصة دورياً ويصدر بيانات تعليمية باستمرار

الحياة بالمسيح كل يوم

الحياة بالمسيح كل يوم

المتقدّم في الكهنة جورج كوستانتوبولوس

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

يوجد هذا المفهوم الخاطئ المستمرّ حول الطريقة التي يجب أن يعيش بها المسيحيون الأرثوذكسيون، مع خطوط غير واضحة من الخلط بين ما هو الصواب وما هو الخطأ من حيث الممارسة. كمسيحي أرثوذكسي، ينبغي التشديد على اكتساب التواضع والصبر من خلال الصلاة المستمرة والتوبة والمحبة لبعضنا البعض. لسوء الحظ، فإن هذه الحقبة الحالية من الوجود بعيدة عما هو متوقَّع منا لا فقط كمسيحيين، بل أيضاً  كمجموعة كاملة من البشر. من خلال الانفجار السريع للتقدم التكنولوجي واكتشافات العلوم الطبية والسلوك الاجتماعي، الناس تائهون جداً، ما يبعدهم كثيراً عن الله. مع كل الشواغل الموجودة اليوم من السهل جدًا أن تسود الماديات بدلاً من الروحيات

يفضّل الناس البقاء في المنزل صباح يوم الأحد للنوم لفترة إضافية أو لمشاهدة مباراة كرة قدم. آخرون يكونون مترددين بشأن حضور قداس الأحد، فيمنحون أطفالهم الخيار، ما إذا كانوا يريدون الذهاب إلى مدرسة الأحد أم لا، كمحاولة “لإغفال” الكنيسة في ذلك اليوم. كما أن هناك أشخاصًا يتوقفون عن الذهاب إلى الكنيسة كلياً، لمجرد أنهم لا يشعرون بالحاجة إلى الذهاب. الجزء المحزن في كل هذه السيناريوهات هو أنها تُعتبر سلوكًا “معياريًا”، وهؤلاء الأفراد لا يرون أي مشكلة في ذلك على الإطلاق

إن التحول الهائل في القيم والتقاليد لدى معظم العائلات مقلق للغاية. إن تجريد ربنا من أن يكون مركَزًا في حياتنا هو ممارسة خطرة. أن تكون مسيحيًا أرثوذكسيًا ليس مجرد تجربة لمرة واحدة في السنة أو وقتَ عبادة فردية في المنزل. السلوك كمسيحي أرثوذكسي هو طريق ثابت لا ينتهي، مع ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الذي يقود طريقنا بحسب إرادته لا إرادتنا

بسبب الانقطاعات العديدة الموجودة في يومنا الحاضر، ننسى سبب وجودنا هنا. نحن لسنا أحياء لتحقيق الميل نحو المتعة الذي أغرق الأجيال الجديدة من البشر. نحن ملح الأرض الخاطئ وينبغي أن نحاول النمو في المسيح والسلوك خطوة خطوة في كل مرة. المشكلة الرئيسية التي نواجهها ليست فقط مذهب المتعة بل أيضًا اللامبالاة. يبدو أن الناس لا يهتمون كثيرًا بهدف أو معنى أي شيء. البعض يريد فقط أن يأخذ من الحياة كلّ ما يمكنه أخذه دون نيةٍ لردّ أيّ شيء

الذهاب إلى الكنيسة مرة واحدة في الأسبوع هو أقل ما يمكن للمسيحيين الأرثوذكسيين القيام به لممارسة إيمانهم. إنه لأمر مدهش ما يمكن أن تفعله خدمةٌ ليتورجية واحدة في شخص ما. ربما قراءةٌ من إنجيل أو رسالة واحدة من بولس الرسول، أو حتى عظةٌ كاهن، يمكن أن تحدِث فرقًا. يمكن أخذُ عبارة أو رسالة بسيطة من تلك الزيارة التي تتم مرة واحدة كل أسبوع إلى بيت الله. كل هذا يبدو بسيطاً جداً ومع ذلك، لماذا من الصعب القيام بذلك؟

فقط من خلال ربنا يسوع المسيح، يمكن أن يُغفَر لنا ويُسمح لنا بالدخول إلى ملكوت الله. ومع ذلك، لدينا عمرٌ واحد فقط للحصول على هذا الحق! الملكوت هو شرف ونعمة مُنحا لنا وليسا استحقاقاً. مجرد أن تكون مسيحياً أرثوذكسياً لا يعني ضمناً الغفران الكامل للخطايا إذا لم تمارس الإيمان بنشاط على هذا الأساس

أيها الأحباء علينا أن نفهم أن هذه الحياة مؤقتة فقط. يمكن أن يمنحنا الله الحياة بنفسِ السرعة التي قد يسلبها منا. توبوا عن خطاياكم وكونوا صادقين في اعتذاراتكم. تأكدوا من معاملة الآخرين بكرامة واحترام، دون توقع أي شيء في المقابل. قبل كل شيء، يجب أن تحبّوا الرب يسوع المسيح من كل قلبكم وعقلكم وقوتكم. لا تنسوا كلّ ما فعله يسوع من أجلنا، وضعوا فيه رجاء خلاصنا

Source: St. Andrew Greek Orthodox Church

التي لكَ مما لكَ

التي لكَ مما لكَ

الأرشمندريت نيكن كوتسيذيس

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

فيما كان يسوع ذاهباً إلى أورشليم، أراد أن يتوقّف في قرية سامرية. أرسل رسلاً ليهيئوا لوصوله، لكن السامريين لم يكونوا يرغبون باستقباله لأنه كان على طريقه إلى أورشليم. “فَلَمَّا رَأَى ذلِكَ تِلْمِيذَاهُ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا، قَالاَ: «يَا رَبُّ، أَتُرِيدُ أَنْ نَقُولَ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتُفْنِيَهُمْ، كَمَا فَعَلَ إِيلِيَّا أَيْضًا؟» فَالْتَفَتَ وَانْتَهَرَهُمَا وَقَالَ: «لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا! لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ النَّاسِ، بَلْ لِيُخَلِّصَ»” (لوقا 54:9-56).

هذا ما يحدث غالباً حين نعتقد بأننا نعمل بحسب مشيئة الله، فيما بالحقيقة نحن نرتكب خطأً كارثياً ونطلب أموراً هي ضد هذه المشيئة. فإذا كان ممكناً أن يرتكب الرسل هذا الخطأ فكم بالحري يكون ممكناً هذا لنا. لهذا من الضروري أن نعرف عند كل مناسبة: ما الذي نطلبه من المسيح وكيف نطلبه؟ ما نقدّمه نحن للمسيح وكيف نقدّمه؟

في منتصف القداس الإلهي، مباشرة قبل مباركة الخبز والخمر ليتحوّلا إلى جسد المسيح ودمه، يعلن الكاهن: “هذه نقدمها لك مما لك، عن كل شيء ومن جهة كل شيء”. هذا الكلام معناه: “التقدمة، أي الخبز والخمر، هي لك، من خليقتك، التي هي كل العالم. نحن نقدمها لك على حسبِ ما علّمنا ابنك، في كل الأشياء، ومن أجل كل ما عمِلتَه لنا، أي كل الأشياء”

إذاً، لا يكفي لنا أن نقدّم تقدماتنا لله وكأننا نتممّ بعض الواجبات، أو لنطلب شيئاً ما. نحن نقدّم تقدماتنا للمسيح: لكي نعبّر له عن شكرنا وامتناننا لكل ما عمله وتحمّله من أجلنا، تحديداً الصليب والقبر والقيامة. ولأنه أوصانا وعلّمنا أن نقوم بذلك

يقول السيّد: أولاً يأتي الغفران والمصالحة مع مَن عندهم شيء ضدنا. من ثمّ تأتي التقدمات المادية أو الروحية للمسيح. كل صلاة من قلب مفعَم بالشر لا تصعد إلى السماوات. إن اشتراكنا بالقداس الإلهي يتطلّب جهداً: تقويم أهوائنا والاعتراف إلى مرشد روحي. عندها فقط، إذا كنا مُرضين حسناً للمسيح، يمكننا أن نطلب إليه بجرأة وحرية تعبير

Source: pemptousia.org

القديس سمعان من ديابابي

القديس سمعان من ديابابي

مختارات من تعاليمه

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

ولد القديس سمعان بوبوفيتش سنة 1854 في سيتيني التي كانت العاصمة الملكية للجبل الأسود (مونتينيغرو). أنهى تعليمه الابتدائي في سيتينيي ودرس لاحقًا في المعهد الإكليريكي في كييف ومن ثم في أكاديميتها الروحية. هناك، سيمَ كاهناً راهباً . في 1888 عاد إلى سيتيني حيث خدم في دير القديس نيقولاوس في فرانجينا وبعد عام انتقل إلى دير أوستروج حيث حاضَرَ في مدرسته الرهبانية

رأى الأرشمندريت سمعان رؤيا على أساسها بدأ ببناء كنيسة في موقع دير ديابابي الحالي في أواخر القرن التاسع عشر. هناك قضى بقية حياته معلّماً وراعياً. رقد الأرشمندريت سمعان بالرب في 1 نيسان 1941

تم الكشف عن رفاته الجليلة بعد خمس وخمسين عامًا من وفاته، أي عام 1996 في دير ديابابي حيث إلى اليوم يجمع تذكار رقاده كل عام أعداداً كبيرة من المؤمنين يتقدمهم الأساقفة. أعلنت الكنيسة الصربية قداسته في نفس اليوم في 2010 مع القديس يوستينوس بوبوفيتش معلم العقائد الصربي الكبير

كما أن الماء مالح في كل مكان من البحر، كذلك عيون الله ترانا في كل مكان من الأرض

تمامًا كما أن الزلاجات لا تكون مهمة عندما لا يكون هناك ثلج، كذلك لن يكون للإنسان معنى إن لم يكن هناك حياة أبدية

تظهر القوة الأرضية في قلعة الملك، بينما يظهر مجد الله في الرجل الصالح

كما تطرد ريح الشمال الضباب بعيدًا، خوف الله يطرد الأفكار السيئة

عندما تلقي مكواة في النار تضيء كلها مثل النار. كذلك على المنوال نفسه، عندما تستمع إلى تعاليم الله وتتبعها في حياتك، تصبح مثل الله

لا يستطيع الصوص أن يخرج من البيضة إن لم تحضنها الدجاجة أولاً. وبالمثل، لا يمكن للإنسان أن يصير صالحًا دون أن تدفئه نعمة الله أولاً

لعمل لوحة جيدة، أنت بحاجة إلى فنان خبير وقماش جيد وألوان دائمة. في طفولتك، يمكن أن تأخذ شبكة قلبك مجموعة متنوعة من الألوان. حافظ على نقاء قلبك حتى يتمكن الرب من رسم صورته الإلهية عليه

على متن العبّارة، يُطلَب من المسافرين الحصول على تذكرتهم، ولكن في الملكوت يُسأل المسيحيون عن قلب نقي

انت تجمع كلّ مواردِك، ثم تبني منزلاً. وبالمثل، قمْ أولاً بتنقية قلبك قبل أن تصلي إلى الله

إن لم تدَعْ ماشيتك تبقى تحت سقيفتك ولا الطعام يفيض من بطنك، يبقَ هواء بيتك أنقى وقلبك أكثر طهارة في كنفِك

ليكن هناك محكمة حول بيتك، وخوف الله في قلبك من أجل سلامة جسدك وروحك

مَن يريد أن يصطاد صغار النحل يحتاج البنفسج، ومَن يريد أن يقبل الروح القدس عليه أن يقتني قلباً نقيًا

لا يسمح النحل بدخول نحل غريب إلى قفيره، تمامًا كما لا يسمح المسيحيون الحقيقيون للأفكار الخاطئة بالدخول إلى قلوبهم

احفظ البارود من المطر والرطوبة، واحفظ قلبك من الملذات والأهواء التي تؤذيه

احمِ عينيك من الدخان والغبار، وقلبك من الغيرة والنساء، حتى لا تصاب بالعمى في الجسد والروح

في أعلى قصر الملك نرى لافتة، بينما عند الرجل الصالح نرى مجد الله

مثلما يمكن أن يرتدي الخاتم أولئك الذين لم تتم خطوبتهم بعد، يمكن لمَن ليسوا رهبانًا أن يسلكوا في حياة القداسة

بشعر ذيل الحصان نصنع أوتار الجوزلا (آلة موسيقية من ذوات الأوتار)، بينما بحياة البلاء نكسب المجد الأبدي في ملكوت الله

أقوى قارب هو المصنوع من خشب البلوط، بينما الرجل الأكثر ذكاءً هو الصابر

الثعلب الذي يرى أنه لا يستطيع الهروب من مصيدة حديدية، يقطع قدمه بأسنانه لإنقاذ حياته. عليك أيضًا أن تتحمل التجارب وأن تضحي بنفسك لتكسب الخير الأبدي

مختارات آبائية عن المرض

مختارات آبائية عن المرض

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

القديس اسحق السرياني

الله يرسل الأمراض من أجل صحة الروح… إذا كنت تتذكر دائمًا ضعفك، فلن تتعدى حدود التعقّل

القديس اغناطيوس بريانشانينوف

تعلِّم الحكمة الروحية أن الأمراض وغيرها من الآلام التي يرسلها الله إلى الناس تُرسَل من رحمة الله الخاصة كدواء مرير. تتعاون أشفية المرضى لخلاصنا وعافيتنا الأبدية، بالتأكيد أكثر بكثير من الشفاء العجائبي

القديس تيخن الزادونسكي

على الرغم من أن المرض يضعِف الجسد، إلا أنه يقوي الروح. إنه يميت الجسد ولكنه يحيي الروح؛ يضعف الإنسان الخارجي ويجدد الداخلي. ولكن على الرغم من أن إنساننا الخارجي قد هلك، إلا أن الإنسان الداخلي يتجدد يومًا بعد يوم (2 كورنثوس 4:16). كيف يتم تجديده؟ إنه يتعلّم التواضع والصبر وذكر الموت ومنه التوبة القلبية والصلاة وازدراء العالم والبطلان الدنيوي. من يريد أن يتفاخر عندما يكون مريضاً؟ يرى نهايته تقترب بسبب المرض، فمن سيرغب في الكرامة أو المجد أو الغنى؟ من سيجرؤ بلا خوف على أن يخطأ عندما يخشى دينونة الله؟ متى يصلي الإنسان بحرارة أكثر من في المرض؟ يا للمرض! إنه دواء مرير ولكنه دواء شافٍ! كما يقي الملح تعفّن اللحوم والأسماك… كذلك يحفظ المرض روحنا من تعفن الخطيئة والفساد ولا يسمح للأهواء … أن تتجدد فينا

القديس سلوان الأثوسي

المرض والفقر يواضعان الإنسان حتى النهاية. جئت إلى أحد الآباء وهو مريض وسألته “كيف حالك؟” لكنه كان مستاءً من مرضه، وبدلاً من الإجابة ألقى قبعته على الأرض. فقلت له الحمد لله على مرضك. وإلا كنت ستموت على نحو ردئ”

الأنبا أشعياء

إذا أخذك المرض، فلا تيأس أو تسقط بالروح، ولكن اشكر الله أنه من خلال هذا المرض يوفر لك أن تكتسب شيئًا حسناً… إذا شعرت أن روحك مضطربة بسبب مرضك، فقل لها: أليس هذا المرض أسهل من جهنم، حيث ستذهبين إن لم تكوني ثابتة ومجالِدة في الصبر؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

يأتي المرض من ضعف الجسد المتأتّي من الشبع

القديس نيلس السينائي

اعترف بضعفك أمام الله ، حتى تشرق لك إمكانية النعمة… في المرض ، قبل الأطباء والأدوية نستخدم الصلاة

القديس باسيليوس الكبير

مثلما لا ينبغي أن نتجنب الفنون الطبية تمامًا، كذلك لا ينبغي أن نضع كل أملنا فيها. بل تماماً كما نستفيد من الفنون الزراعية ولكن نسأل الثمار من الرب… كذلك عند الذهاب إلى الطبيب، عندما يكون ذلك ممكناً، لا نترك الرجاء بالله

القديس أنطونيوس الكبير

اعلم أن الأمراض الجسدية هي صفة طبيعية للجسم من حيث الفساد والمادية. وهكذا، في حالة هذه الأمراض، يجب على النفس المتدربة على الصلاح أن تظهر الشجاعة والصبر بامتنان وألا تلوم الله قائلة: لماذا خلقت الجسد

القديس مكاريوس الكبير

إن الذي خلق الروح خلق الجسد أيضًا. وكونه هو الذي يشفي الروح الخالدة يمكنه أيضًا أن يشفي الجسد من الآلام والأمراض المؤقتة

مسائل روحية

مسائل روحية

الأرشمندريت زخريا زاخارو

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

القنوط والصلاة

يقول الآباء في الجبل المقدس أن الرهبان في القنوط (قلة الاهتمام بالخلاص واليأس) [1] يمكنهم تحريك الجبال. يتحدث القديس يوحنا السلم أيضًا عن هذا. يمكن أن يصبحوا مجتهدين للغاية، لديهم آلات مختلفة: أحدهم يصنع الجوارب، والآخر قبعات، وأحزمة، وحتى الكؤوس، وكل أنواع الأشياء. لكن عندما نعمل في الدير، فهذه علامة على أننا لسنا في حالة من اليأس، لأننا نعمل في الطاعة. في الواقع، أفضل طريقة للتغلب على القنوط هي الطاعة. الراهب المطيع لا ييأس أبدًا، لأن الطاعة تجلب التواضع، والتواضع يجلب النعمة والنعمة تؤدي عمل الخلاص. يقول القديس بولس “لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي” (1 كورنثوس 10:15). لذلك، هناك شيء واحد هو بالتأكيد أكثر من أي شيء آخر علاج لليأس، وهو الطاعة. مهما كان العمل الذي نقوم به قد يكون إما بسبب اليأس أو بسبب الطاعة. هذا يعتمد. إذا ذهب ناسك إلى الصحراء بمباركة وكان هدوئيًا حقيقيًا، فسيكون عمله أيضًا مقدسًا. ومع ذلك، إذا ذهب دون بركة ولم يكن لديه الإلهام الصحيح للحياة الهدوئية، يقول الأب صفروني إن مثل هذا الراهب لن يعرف ماذا يفعل في الصحراء

في الواقع، إن الذين لمعوا في الصحراء برعوا في الطاعة في حياة الشركة أولاً. في الصحراء، يستطيع هؤلاء الرهبان تحويل الشرارة إلى لهب. كان الأب صوفروني قد اشتعلت هذه النار لديه بالفعل في دير القديس بندلايمون: بعد انتهاء الخدمة، كان يذهب إلى غرفته ويغلق الباب دون أن ينظر إلى الخلف، ويسقط على وجهه على الأرض. كان يصلي هناك حتى يُستَنفَد، وبعد أن يسعى على الأرجح لقراءة مقطع من الإنجيل أو أي شيء آخر. عندما ذهب إلى الصحراء أصبح “أسوأ”: في بعض الأحيان، لم يكن ينظر لأسابيع من خلال فتحة الكهف ليرى ما إذا كان النهار أو الليل. كان على الأرض، يصلي ليلاً ونهاراً، وعندما يشعر بالإرهاق ينام ساعتين ثم يتابع في نفس المكان. عندما يعيش الإنسان بهذه الطريقة، فإن حرارة هذا النشاط تغير بنيته. لم يعد الإنسان نفساً، بل أصبح روحانيًا

قال الأب صفروني إن إحدى طرق بدء الصلاة هي أن تقدّم لله ما تشعر به في تلك اللحظة. يقصد القديس أن تتحدث معه عن مشكلتك. قال أن في بعض الأحيان يمكن أن تكون هذه بداية صلاة عظيمة خاصةً عندما تترافق مع مقاومة الأهواء. أفضل طريقة للتعامل مع الأهواء هي أن توجّه عقلك إلى القلب وتقول “يا رب، كما ترى”. بمجرد أن تقول هذا تبدأ في دخول النور. “يا رب، أنت ترى بؤسي. لا أريد هذه الأفكار. من فضلك، تعالَ إلى مساعدتي.” فتختفي الأفكار. فقط أحضِرْ عقلك إلى قلبك، واعترف من قلبك للرب بالبؤس الذي أنت فيه وادعُه ليأتي لمساعدتك، مضيفًا “رغم أنني لا أستحق”. دائما بتواضع. كلما واضعنا أنفسنا، زادت فعالية الصلاة. خاصة عندما نحاول أن نحافظ على اليقظة ونحفظ أذهاننا من الأفكار، عندما نقول “يا رب، كما ترى”، فهذا يشبه إمساك فكر العدو من الأذن وإبرازه إلى النور. فبالطبع لا يستطيع تحمل الضوء فيختفي. لا تخفْ، فقط ضع عقلَك في قلبِك وانفصل عن كل شيء، وقُلْ هذه الصلاة الصغيرة. دعونا نرى ما إذا كان هناك أي شيء متبقٍّ بعد ذلك. ليس عليك حتى أن تكون سريعًا، ما عليك سوى فكّ الارتباط. ركّزْ ببساطة في القلب، حتى في مكان قلبك المادي، الذي يتوافق مع القلب الروحي من جهة “الجغرافيا”ـ

دموع التوبة

يقول الآباء القديسون أن الذين بكوا روحياً باستمرار في حياتهم، سوف يدخلون الملكوت حتى قبل الشهداء، لذلك يقدّر الله الدموع. ويجب أن يكون هذا صحيحًا، لأننا نقرأ في سفر الرؤيا أن آخر بادرة طيبة للرب هي مسح الدموع من عيون مختاريه (انظر رؤيا 7:17 ، 21: 4). يا لها من لفتة رائعة، أن يتعامل خالق السماء والأرض برقة شديدة مع كل واحد من مخلوقاته! في مكان آخر نقرأ شيئًا مختلفًا بعض الشيء، وهو أن صلوات القديسين، التي رُفِعَت بنعمة الروح القدس، أي بحزن ودموع، محفوظة في “قوارير” وسيتم إطلاقها لتخرج على شكل البخور امام الله في اليوم الاخير

مقت النفس والقنوط المبارَك

القنوط المبارك يساعد، لكن مقت الذات يأتي من نبذ الذات الحقيقي. في الواقع، إنه يأتي من محبة الله، لأننا عندما نختبر جمال محبة الله، فإننا نلعن أي شيء يتعارض معها، حتى أنفسنا. تسودنا فكرة واحدة فقط: أننا لا نستحق أن يكون لنا إله مثل المسيح، كما أظهر نفسه في محبته. في الإنسان الذي يتبع المسيح، تصبح محبة الله حتى النهاية محبة لكراهية الذات. هناك لحظة تنقلب فيها الأمور هكذا. ذات مرة، كان الأب صفروني يشرح كلمات القديس سلوان، “تواضع المسيح لا يوصف”. كنت شاباً جداً وقلت للأب صفروني: “يا أبتي، اشرح لي. كيف هذا التواضع لا يوصف؟” أجاب: “التواضع الروحي هو أن نعرف أننا لا نستحق أن يكون لنا إله مثل المسيح.” أحيانًا، كان الأب صفروني يتلطّف ويتحدث بعبارات بسيطة للغاية، إذا لم أفهم. عندما يعرف المرء الواقع الذي يحاول شرحه ويتحمل تجربته، يخرج التفسير بسهولة وحتى بكلمات بسيطة. بعض الكتاب ناجحون جدًا، لأن لديهم شغفًا، وهذا الشغف مليء بالكلمات. يعتمد ذلك على شغف الكاتب

في كل شيء، حتى في الصلاة، إذا كان خوف الله فينا، وإذا كنا نخاف حقًا اسمه، فسوف نحب اسمه، وإذا أحببنا اسمه، فستكون الصلاة قوية. وإلا كيف يمكننا استدعاء هذا الاسم؟ لذلك، فإن مخافة الله ليست فقط بداية الحكمة، كما يقول الكتاب المقدس، بل كما يتابع الأب صفروني: “إنها أيضًا بداية المحبة الإلهية”ـ

[1] (ακηδία)

السعادة وموانعها

السعادة وموانعها

الأم دومينيكا

نقلتها إلى العربية اسرة التراث الأرثوذكسي

في بداية حديثنا أود أن أقرأ مقطعًا من رسالة القديس نيكولا (فيليميروفيتش) مطران أوخريدا وزيكا رداً على سؤال من ابنته الروحية: “لماذا لم يقل الإنجيل شيئًا عن السعادة؟” هذا ما قاله: “أيتها العزيزة، لماذا تعتقدين  أنه لم يقل شيئاً. يبدو أن الإنجيل تحدّث عن سعادة الإنسان أكثر من أي شيء آخر! أعتقد أن الإنجيل يمكن أن يسمى كتاب السعادة، والدرس الذي يعلّمنا المسيح هو درس عن السعادة. هل تشعرين بالحيرة لعدم وجود كلمة “سعادة” فيه؟ لكن هناك كلمات أخرى في الإنجيل مكانها، على سبيل المثال، الفرح، الغبطة، الفردوس، النعيم. الغبطة تعني السعادة الفائقة. هل تعلمين ما هو الدرس الرئيسي الذي علّمنا إياه المسيح؟ هو درس عن السعادة تكرره الكنيسة الأرثوذكسية للناس في كل قداس إلهي بترنيم التطويبات.”ـ

هذا كان جواب القديس لابنته الروحية. في الواقع، هل يمكن أن يكون صحيحًا أن الإنجيل لم يقل كلمة واحدة عن السعادة ولم يعطِ إجابة لأحد أكثر ما يثير اهتمام البشر من الأسئلة: “ما هي السعادة وكيف تُقتنى”؟ بدأ الرب الذي جاء إلى الأرض كرازته تحديداً بالإجابة على هذا السؤال. وبإجابته جعل السعادة قريبة جدًا من البشرية جمعاء بل يمكن القول إنه سلّمها إلينا

عادة ما نتخيّل السعادة على أنها شيء بعيد عنا ولن يأتي إلا بعد أن تتغير الظروف الخارجية. يعتقد البعض: “إذا غيرت وظيفتي، سأكون سعيدًا”؛ يقول آخرون: “إذا كان لدي جيران مختلفون، فسوف أشعر أنني بحالة جيدة”؛ ويعتقد آخرون أنه من أجل أن يكونوا سعداء، عليهم القيام برحلة. حتى أن هناك من يعتقدون أنه إذا غيروا شكل أنوفهم، فإن حياتهم ستتغير بالكامل. وهذا ما يفعله الناس. لكن في كثير من الحالات عندما يحصلون على ما يريدون، لا يجدون السعادة فيه. يشعر الناس بالصدمة وفي بعض الأحيان يفقدون هدف الحياة. يحدث هذا في كل مرة يلاحق فيها أحدهم حلمه أو فكرته. فبهذا يضمن تعاسته. يشرح الشيخ إميليانوس فافيديس (سيمونوبترا) سبب حدوث ذلك بهذه الطريقة: “عندما يثير اهتمامنا شيئ ما، عندما نتوق إلى الأشياء الأرضية ونسعى إليها بإصرار، نصبح غير سعداء مفكّرين بطموحاتنا ورغبات قلوبنا وليس بالله.”ـ

يفقد الإنسان سعادته عندما يبدأ بمطاردة الأشياء التي تنشأ من قلبه، أي الأوهام والأهواء… وهذا هو أكثر أخطائه مأساوية. في سعيه وراء نتاج خياله يتغاضى عن الغبطة الحقيقية. إذ رأى الرب هذه المشكلة المؤلمة التي يعاني منها جميع الناس، قدم لها حلّاً. قال: لا تبحثوا عن السعادة بعيدًا. لستم بحاجة إلى الركض أو الاستعجال أو الإسراع للحصول عليها. الغبطة قريبة: إنها في داخلكم.” ثم شرح لنا معنى السعادة الحقيقية بإعطائنا التطويبات التي إذا التزمنا بها ننال الغبطة

قد يجادل أحدهم: “كيف أتبع التطويبات؟ إنها من مستوى عالٍ ويصعب السلوك بحسبها!” في الواقع، من الممكن اتباعها كلّها. وهذا الطريق في متناول الجميع. هذا هو ما يقوله القديس باييسيوس الأثوسي عن هذا الأمر: “مهما حدث لنا فليكن سببًا للامتنان وليس شيئًا للإسهاب فيه”ـ

الامتنان هو الوسيلة التي يتمم من خلالها الإنسان كل التطويبات ويسعد. كل ما يحيط بنا أو يحدث لنا قابل لأن يصبح موضوعًا للإسهاب. “لماذا يتصرف بهذه الطريقة؟ لماذا لدي هذا العمل؟ لماذا يتساقط الثلج أو تمطر مرة أخرى؟ لماذا تسوء الأمور مرة أخرى؟” من ثمّ بالطبع، لن نشعر بالسعادة أو البركة على الإطلاق. ومع ذلك، إذا بدأنا بتقديم الشكر، على سبيل المثال بالقول “يا ربي يسوع المسيح يا ابن الله  المجد لك!”، ليس فقط باللسان بل بكل كياننا، فسنشعر عاجلاً بالغبطة. بشكرنا نعبّر عن تواضعنا العميق ووداعتنا وتشوّفنا إلى نقاوة القلب، أي كل ما أورده المسيح في التطويبات

كتب القديس نيكولاي (فيليميروفيتش) حكاية مثيرة للاهتمام للغاية عن رجل نبيل عاش في قصر في راحة ورخاء. على الرغم من أنه كان لديه كل ما يمكن أن يحلم به، إلا أن حزنًا عميقًا استحوذ عليه. لذلك قرر الذهاب في رحلة للاسترخاء قليلاً. ركب حصانه لفترة طويلة دون أن يرى أيَّ شيء ممتعاً. بعد وقت وصل إلى حقل فيه فلاح وثورَين، ووقعت عيناه على مشهد غير عادي. الآن سوف أقرأ بقية القصة:ـ

“رأى النبيل ثوراً ملقى على الأرض، والثور الآخر واقفاً مربوطاً. أما الفلّاح فَراكعٌ في الأخدود وذراعاه ممدودتان نحو السماء، صارخاً مراراً وتكراراً: “المجد لك يا رب! أشكرك!” اقترب النبيل ونزل عن الحصان في حيرة من أمره، وسأله: “ما الذي تشكر الله عليه بهذه الحرارة؟” أجاب الفلاح: “مات أحد ثورَيّ”. “وأنت تحمد الله على هذا؟” سأل الرجل الغني متفاجئاً. “نعم لهذا بالتحديد”. فتابع الغني: “شخص آخر كان ليبكي ويئن ويشكو من ظلم السماء والأرض وأنت تشكر الله! اشرح من فضلك لماذا؟” تنهد الفلاح وقال: “أنا خاطئ، ولهذا أصابتني هذه المحنة. أخذ الرب ثوري بدلاً من أن يعاقبني بالموت. لا يسعني إلا أن أمدحه!” تفاجأ النبيل وسأله مرة أخرى: “كيف ستحرث بثور واحد فقط؟” أجاب الفلّاح وقد ارتسمت على وجهه المشعّ ابتسامة خفيفة: “الربّ سوف يدبّر الأمور”. فأدرك النبيل أنه على الرغم من أنه كان يعيش في قصر إلا أنه لم يبتسم مثل هذا الفلاح الفقير منذ سنوات. أخذ عدة عملات ذهبية من جيبه وقدمها له: “خذها واشترِ ثورًا آخراً. لقد تعلّمتُ الكثيرَ منك اليوم”. صرخ الفلاح بفرح: “ألم أقل لك يا مولاي أن الله سيحل الأمور؟” رفع الفلاح يديه نحو السماء وكرر مرة أخرى بصوت عالٍ: “أشكرك يا رب! أشكرك يا رب!”ـ

على الرغم من أن هنا كان يمكن أن يكون نهاية القصة إلا أن لها تتمّة. يروي القديس نيكولاي أنه بعد ذلك اللقاء عاد النبيل إلى قصره ليجد النيران تأكله. ماذا فعل النبيل؟ جثا على ركبتيه ورفع ذراعيه نحو السماء وصرخ: “أشكرك يا رب! أشكرك يا رب!” وقال للخدام الذين كانوا منذهلين من سلوكه: “اهدؤوا! لم أشكر الله منذ سنوات عديدة، رغم أنه منحني كل شيء. دعوني أبدأ بفعل ذلك الآن، عندما يأخذ الرب كلّ شيء مني. حان الوقت بالنسبة لي للعمل، هذا ما أحتاجه لاستعادة هدفي في الحياة”. وشرع النبيل ببناء منزل جديد بيديه. وكما يكتب القديس نيكولاي: “تنشّط الرجل الشريف، نقّى فكرَه، وارتفعت معنوياته. ومن ذلك اليوم راح يعطي شكراً لله على كلّ شيء كلّ يوم”ـ

بهذا اختتم القديس نيكولاي حكايته. تبدو هذه القصة وكأنها حكاية خرافية، لكنها تصف أشياء حقيقية. في الواقع، لم يَخِبْ أيّ شخص شَكَر الله. الشكر يفتح أعيننا، حتى نبدأ في رؤية كيف يعمل الله في ظروف الحياة المختلفة ويسكب محبته علينا. من الطبيعي أن نكون شاكرين للرب باستمرار، فكل إنسان لديه ما يشكر الله عليه في كل دقيقة

على العكس من ذلك، إن الذين لا يشكرون الله يخدعون أنفسهم طوال الوقت. هؤلاء الناس ينخدعون بأفكارهم. في معظم الحالات كل شيء على ما يرام معهم وقد باركهم الرب كثيرًا، باستثناء بعض الأشياء المحددة التي يعتبرونها مشكلة خطيرة. وقد يفكرون في هذا “الاختلال” لمدة ثلاثين عامًا متتالية، مما يجعلهم غير سعداء. على سبيل المثال، يعتقد البعض أن لديهم آباء سيئون: “أتمنى لو ولدتُ في عائلة مختلفة؛ كنتُ لأكون سعيداً”. آخرون يجزمون أن كل مصائبهم كانت بسبب شعرهم الزنجبيلي، وهو شيء عرّضهم للتنمر في المدرسة. يشتكي آخرون من أنهم لم يذهبوا إلى أفضل مدرسة ولم يحصلوا على تعليم عالٍ. تغشى هذه الأفكار على أذهانهم فلا يرون بركات الله العديدة التي تمتلئ بها حياتهم. لقد وهب الله المرء مواهب كثيرة والجميع يقدّره، لكن فكرة سلبية طفيفة قد تجعله غير سعيد! وهذا ما كان يقوله القديس باييسيوس الأثوسي عن هذا الأمر: “لماذا نسمح لأنفسنا بالتفكير في الهراء ونُجرَّب بتفاهات مثل: ’لماذا قال هذا لي؟ لماذا نظر إلي بهذه الطريقة؟ لماذا أخذ كأسًا وذهب إلى هناك وليس هنا؟’ وآلاف من الأشياء الطفولية الأخرى!”ـ

إذاً، الأفكار يمكن أن تخدعنا وتعمينا وتجعل حياتنا قاتمة. لتجنّب هذا يجب علينا دائمًا التحكم بقلوبنا. بمجرد أن نلاحظ أن شيئًا ما سوف يزعجنا وأن الفكرة التالية تتسلل إلى أذهاننا: “أنا غير سعيد لأن كذا وكذا قد حدث لي أو ليس لدي شيء كذا وكذا”، لنكن يقظين، مع العلم أن الثقة في مثل هذه الأفكار هو خطأ فادح. قد تظهر أفكار من هذا النوع في مواقف يومية غير متوقعة أو عندما يحمل شخص ضغينة أو حزنًا لفترة طويلة. دعونا نبذل جهودًا، كونوا يقظين، اتركوا هذه الأفكار تمر دون التحدث معها؛ ودعونا نشعر باستمرار بامتنان الله في قلوبنا. لنتذكر الكلمات الحكيمة للشيخ باييسيوس مرة أخرى: “كل ما يحدث لنا فليكنْ سبباً للامتنان وليس سبباً للإسهاب”ـ

يكمن سر السعادة في هذه الكلمات القليلة. السعادة ليست في امتلاك بعض الأشياء الخارجية أو تغيّر الظروف؛ هو الشكر على كل شيء، ومن خلال هذا الشعور بسلام مع الله والشعور بمحبته. كما قال القديس سلوان الأثوسي: “كنت أعتقد أن السعادة هنا على الأرض، لأنني كنت بصحة جيدة ووسامة وغنى ومحبوباً من الآخرين. ملأني هذا بالمجد الباطل. لكنني اعتبرت كل السعادة في العالم على أنها ضباب تحمله الريح منذ أن عرفت الرب بالروح القدس. ونعمة الروح القدس تسعِد وتفرّح النفس التي تتأمل الرب بعمق في العالم الروحي.”ـ

* من حديث للأم دومينيكا كوروبايينيكوفا رئيسة دير القديس ألكسندر نيفسكي في نوفو تيخفين، أيكاتينبرغ، روسيا، إلى أخوية الدير*

العائلة التي تصلي معاً

العائلة التي تصلي معاً

المتقدم في الكهنة جورج كونستانتوبولوس

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

ابعد عني يا رب كل كبرياء هدام وأعطِ نظرة حكيمة لعيني. ضع لجامًا على لساني، واجعل أذنيّ مطيعتَين لوصاياك المقدسة، وصبّرني على الضيقات، واجعل قلبي حكيمًا وقويًا في الصبر، في الخير، في ضبط النفس، في التعاطف، في عمل الخير، في المحبة، في التواضع، في السلام تجاه نفسي وكل الآخرين، وفي رفض البلادة وتراخي الشياطين التي انغمستُ فيه ذات مرة كما لو كانت مجرد حلويات. امنحني موهبة التمييز المتمرّس لأتمكن من تمييز الأفكار والأحكام التي تفضلها. أعطني أيضًا القدرة على تمييز مكائد الشيطان ورفضها ورفضه. وأن أقطع إرادتي تمامًا حتى أتمكن من الاعتماد على عنايتك الإلهية، راجياً أن تهبَني وأنت هو نوري ومخلّصي. وأنا أباركك وأمجّدك وأعبدك مع الآب والابن الذين أنت قائم معهما دائمًا، الآن وإلى دهر الداهرين. آمين (القديس سمعان اللاهوتي الحديث)ـ

الصلاة ضرورية للمؤمن المسيحي. “من الواضح للجميع أنه بدون الصلاة من المستحيل تمامًا تنمية الفضيلة وعيش حياة فاضلة. فكيف يمكن لأي شخص أن يكون فاضلاً وهو لا يصلي ولا ينحني دائمًا لمقدم الفضيلة ومعطيها؟” يكتب القديس يوحنا الذهبي الفم: “الصلاة لا تطهرنا من الخطيئة فحسب، بل تحمينا أيضًا من الأخطار الكبيرة”. لهذا يصرّ الرسول بولس ويذكرنا باستمرار: “وَاظِبُوا عَلَى الصَّلاَةِ سَاهِرِينَ فِيهَا بِالشُّكْرِ” (كولوسي2:4). وفي مكان آخر يقول: “افْرَحُوا كُلَّ حِينٍ. صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ. اشْكُرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ، لأَنَّ هذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ اللهِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ مِنْ جِهَتِكُمْ. “(1 تسالونيكي 16:5-18). ويكتب مرة أخرى في مكان آخر: “مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي الرُّوحِ، وَسَاهِرِينَ لِهذَا بِعَيْنِهِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ” (أفسس 18:6). بالكثير من مثل هذه الكلمات الإلهية، يحثنا القديس بولس البارع على أن نعيش حياتنا في الصلاة وأن نرعى أذهاننا باستمرار، لأن “كل البشر يحتاجون إلى الصلاة مثلما تحتاج الأشجار إلى الماء”. كما أن الأشجار لا تستطيع أن تثمر ما لم تشرب من جذورها ماءً غزيرًا، كذلك لا يمكننا أن ننتج ثمار التقوى النفيسة ما لم نتغذَّ بالصلاة

العديد من عائلاتنا محجوزة وحتى معزولة بسبب خطر الوباء. يعمل الأرثوذكسيون كغيرهم من المنزل ويتعلّم أطفالهم عبر الإنترنت أو افتراضيًا. يقضي الآباء والأطفال وقتًا أطول معًا وهذا أمر جيد. إنها أيضًا فرصة ثمينة لعائلاتنا المسيحية لتوجيه انتباهها إلى الله القدير والمحب بالصلاة. يجب أن يتعلم الأطفال الصلاة من والديهم وأن يصلوا معًا كعائلة يوميًا. يجب تشجيع الأطفال على قراءة الكتاب المقدس والسيرة الفاضلة لشفيعهم. يمكن تعزيز الحياة الروحية المسيحية الأرثوذكسية خلال هذا الوقت الأكثر خطورة. أطفالنا خائفون جدًا من كل ما يسمعونه عن هذا الفيروس، وبالتالي عليهم أن يعرفوا أن الله يحميهم مع أسرهم وأصدقائهم. الصلاة هي أعظم هبة من الله لنا

الصلاة ضرورية وهي بركة فريدة وشرف وامتياز للبشرية. “هذه الشركة مع الله هي التي لا تحددنا فقط كبشر، بل تقدم لنا أيضًا الانتصار على الشيطان والخطيئة والموت.” يفرض علينا إيماننا أن نشكر الله، ليس فقط عندما يهب طلباتنا، بل دائمًا ومن أجل كل شيء. لا شيء تعسفي في حياتنا. كل ما يحدث وكل ما لا يحدث هو تحت العناية الإلهية وحكمة الله، ويجب أن نكون قادرين على قبوله بامتنان وتواضع

نحن نجد الراحة و الاستِلهام في الصلاة. “…علّمنا حقوقك. لأننا لا نعرف أن نصلّي كما يجب، ما لم ترشدنا أنت، يا رب، بروحك القدوس. لذلك نطلب إليك أن تترك وتغفر وتصفح عن كل ما اقترفناه من الخطايا حتى الساعة الحاضرة بالقول أو بالفعل أو بالفكر، طوعاً كان أو كرهاً…”(أفشين السحر السابع) ” “أشرق قلوبنا بشمس برّك الحقيقية. وأنِرْ عقولنا واحفظ حواسنا كلّها حتى إذا سلكنا بوقار في وصاياك، سلوكَ مَن يسير في النهار، نبلغ الحياة الأبدية، لأن عندك ينبوع الحياة ونستحق المتّع بالنور الذي لا يُدنى منه. لأنك أنت إلهنا وإليك نرفع المجد أيها الآب والابن والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين. آمين” (أفشين السحر الثاني عشر)ـ

Source: http://saintandrewgoc.org/home/2020/8/24/a-family-that-prays-together

كم هي غير مقصودة الخطايا المرتَكَبة عن غير إدراك؟

كم هي غير مقصودة الخطايا المرتَكَبة عن غير إدراك؟

الأستاذ يوحنا كورناراكيس*

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

“بصراحة يا أبونا، لقد وقعت في هذه الخطيئة دون أن أدرك. لم يكن الأمر مقصوداً على الإطلاق. لم أكن أرغب في ذلك ولم أفكر بالقيام بذلك”. إلى أي مدى يمكن أن يكون هذا التأكيد حقيقيًا أو أقلّه ثابتاً، وما مدى صحة هذا الادعاء؟

بالتأكيد، يوجد حجة كتابية حول الطبيعة غير المقصودة للعديد من الخطايا، في الفصل السابع من رسالة القديس بولس إلى أهل رومية. هناك، يحدد رسول الأمم بشكل عام الطبيعة المضادة (التصارعية) لعمل الروح البشرية فيما يتعلق بعلاقتها، من ناحية مع ناموس الله، ومن ناحية أخرى مع الخطيئة الكامنة في هذه الروح

“إذاً أنا في الأساس لا أعرف ما أفعله. أنا لا أفعل ما أرغب فيه، لكن بدلاً من ذلك أفعل ما أريد أن أتجنبه… لذا وصلتُ إلى النقطة التي ليس أنا مَن يتصرف بل الخطيئة التي استقرت بداخلي. بهذه الطريقة، أنا لا أخدم الخير الذي أريده، ولكن الشر الذي لا أريده. لكن إذا فعلت ما لا أريده، فلن يكون التصرف قد صدر بقراري بعد الآن، بل بقرار الخطيئة التي استقرت بداخلي.”

صحيح أنّ هناك خطايا غير مقصودة. قد تكون الإغراءات المفاجئة أو المواقف غير المتوقعة في حياتنا اليومية وعلاقاتنا الشخصية، أقله ظاهرياً، هي العوامل المسؤولة عن خطيئة نرتكبها عن غير قصد

لكن، من زاوية أخرى، يبدو أن الخطايا غير المقصودة أو اللاواعية تشكل خطرًا على الضمير اليقظ عند الأشخاص المنخرطين في الصراع الروحي. يرتبط الخطر الكامن هنا بشكل غير مباشر بحقيقة أننا نحن أنفسنا، غالبًا ما نكون المنتقدين الوحيدين لأنفسنا، الذين يكشفون بكل صدق أحد تجاوزاتنا أو ارتدادنا أو فكرة خاطئة أو شك أو رغبة تتعارض مع المستوى الروحي الذي نحاول الحفاظ عليه. نحن نحكم على أفكارنا وأفعالنا ونؤكد لأنفسنا أن خطايانا كانت لا إرادية. وإلى هذا، لأننا مقتنعون “بكل نية حسنة” فنحن نحاول استخدام نفس الحجج لإقناع الآخرين، حتى أبينا المعرّف، بأن الأمر كان لا إراديًا

“ماذا عساي أقول يا أبونا؟ أنا مندهش من نفسي. يبدو الأمر كما لو أنني فقدت السيطرة وفعلت شيئًا لم أكن أعرفه، لم يكن خياري، ولم أكن أريده.” لاحظ القديس باسيليوس الكبير في حالة مثل هذه الادعاءات: “إن الأشخاص الذين أُجبِروا على ارتكاب خطيئةٍ ما دون أن يكونوا راغبين في ذلك، يجب أن يعلموا أنهم حتى ذلك الحين كانوا مربوطين بخطيئة أخرى موجودة بالفعل في داخلهم، وقد زرعوها عن عمد وهم الآن ينجذبون إلى هذه الخطيئة الموجودة مسبقًا وينشدّون إلى ما لا يريدون.” هذه الملاحظة من جانب القديس باسيليوس تهزّ أسس أي ادعاء يتعلق بعدم إرادة الخطيئة، لأنها تثير التساؤل عن مدى كون الخطيئة غير المقصودة حقًا غير مقصودة. كيف يمكنك أن تتأكد من أن خطاياك اللاإرادية هي فعلاً غير مقصودة وليست الفروع الطبيعية لخطيئة موجودة قبلاً ومرتَكَبة بالفعل عن طيب خاطر؟ في الواقع، ” اَلسَّهَوَاتُ مَنْ يَشْعُرُ بِهَا؟” (مزمور 12:19)ـ

إن الأشخاص الذين يعرفون الآباء يحلّون هذه المشكلة بالتغلب على الحجة التي تدلي بها نفسهم الآثِمة. فلأنهم يعرفون الخطر الذي قد يكمن في هذا الخط الفكري المتعلق بالطبيعة اللاإرادية للخطيئة، فإنهم يحرسونها من خلال الاعتراف بحزمٍ (في جميع الأوقات وفي جميع الأماكن) بخطيئتهم الشخصية المطلقة باعتبارها الحالة الطبيعية لحياتهم الروحية

بتعبير آخر، إنهم يؤمنون تمامًا بطريقة لا تقبل الجدال بأنهم أكبر الخطأة بين الذين ولدوا منذ آدم. هذا الوعي للخطيئة يتم التعبير عنه بوضوح وصفاء مواهبي في طروباريات القانون الكبير، والذي يتوافق تمامًا مع اعتراف القديس بولس “أنا أولاً”. “لا توجد خطيئة أو فعل أو شر في هذه الحياة، أيها المخلص، لم أرتكبه في الفكر والكلام والنية. لقد أخطأت عمداً وفي أعمال لم يسبق لأي كان أن أخطأ بها.” “إذا نظرت إلى أعمالي، أيها المخلص، أرى أنني قد تجاوزت خطايا الآخرين، لأنني كنت أعرف ما كنت أفعله ولم أكن جاهلاً”. “أسقط عند قدميك وأقدم هذه الكلمات على شكل دموع: لقد أخطأت كما فعلت الزانية وتعدّيتُ كما لم يخطأ أحد آخر على الأرض”

مع هذا الإدراك للخطيئة الشخصية المطلقة، يطهّر هؤلاء الناس عالمهم الداخلي بيقين الاستنارة بالروح القدس وبالتالي يتحررون من التفكير غير المجدي بل والخطير الذي يظلِم حقيقة حالتهم الشخصية من الخطيئة بدلاً من أن ينيرها. “لأنه يعرف الأشياء المخفية في القلب”. “لأَنَّهُ هُوَ يَعْرِفُ خَفِيَّاتِ الْقَلْبِ” (مزمور 21:44)ـ

في الواقع، بحسب القديس مكسيموس المعترف، الله وحده يفهم أننا لا نستطيع أن نرى ما في أعماق أرواحنا. إنه هو الذي يرى جميع أعمالنا ويحكم عليها بإنصاف. حتى “الحركة الخفية للروح والاندفاع غير المرئي”. هو وحده يفهم الحيثيات والأسباب الكامنة وراء هذه الحركات الخفية للروح و “نهاية كل شيء قد سبق تصوره”ـ

هذه هي الحقيقة. فإلى أي مدى يمكن أن تكون الخطيئة اللاإرادية غير مقصودة في قضاء الله؟

Source: Pemptousia: https://pemptousia.com/2017/12/how-unintentional-are-unwittingly-committed-sins/

* أستاذ شرف في اختصاص علم النفس الرعائي والاعتراف في جامعة أثينا. رقد بالرب سنة 2013. له العديد من الدراسات الرزينة في علم النفس الرعائي حيث يقرأ هذا العلم على ضوء الآباء وليس العكس، ما يجعل كتاباته فعلياً نافعة للمؤمنين وللرعاة، لا حشواً يوصلهم إلى أفكار خارجة عن خبرة الكنيسة وتقديسها