لا نريد القيامة

لا نريد القيامة

سرجيوس ساكوس

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

يبدو القول بأننا لا نريد القيامة قاسيًا ويهزّ المصداقية في عيون القراء المطمئنين. إذا كنتَ أعمى، ألا تريد نظرك؟ إذا كنت مريضًا، ألا تريد الشفاء؟ وقيامة المسيح هي بالضبط هذا: عيونٌ في ظلامِ عمانا، وصحةٌ في عذابِ مرض قابليتنا للموت، ومخرجُ إنقاذٍ من طريق العالم الحالي المسدود إلى عالم الأبدية المقدسة اللامتناهي، عبورنا من الفساد إلى عدم الفساد.

القيامة هي حدث لا يمكن دحضه وليس مدعوماً بإيماننا وحسب، بل هو أساس إيماننا ودعمه. قبل ألفي عام، دخل شخص ربنا يسوع المسيح الإلهيالإنساني في صراع مع الموت، وبدا كأنه خضع لمصير آدم القابل للموت: “مات ودفن“. ولأنه لم يكن شخصًا عاديًا، لم يبقَ يسوع المسيح في القبر ولكن قام ورأيناه“. لقد هزم الموت وارتفع، وقف مستقيماً وحيّاً، كما رأى كثيرون واعترفوا، وخلّص الجنس البشري من هيمنة الموت والخوف منه.

ومع هذا، فالناس لا يريدون القيامة. ليس الأمر بحاجة إلى كثير من التحقيق ولا يتطلّب الكثير من الدراسة لفهم أن المجتمع المعاصر، حتى ولو من المفتَرَض أنه مسيحي، لا يرحّب على الإطلاق بقيامة يسوع المسيح. القوا نظرة من حولكم وسوف ترون أن أناساً كثيرين هم من أنصار المادية الأبيقورية (مبدأ الانغماس باللذة)، عقيدة كُلْ واشربْ وكُن سعيداً لأنك غداً تموت“. إنهم لا يستطيعون أن يروا شيئاً أبعد من شاهِدِ القبر لأنهم حبسوا ذواتهم في أشياء هذا العالم. لهذا السبب أصيب الشباب والكهول بالذعر عندما ضربت الأزمة الاقتصادية. إن خسارة الراحة والبحبوحة، أو انحسارهما، اللتين تمتعوا بهما بدت غير محمولة ولا تطاق، وعدم إشباع مشاعرهم ورغباتهم تساوى مع الحرمان من المتعة.

في مطلق الأحوال، إن القيامة، وهي حدث خارج التجربة الإنسانية، تعرّضت للهجوم من الناس منذ البداية. إنها حقًا أمر لا يُصدّق، ويتحدّى أسلوبَ تفكيرنا أن أول المشككين بالقيامة والأكثر تعنتًا في ذلك هم الذين يُتوقّع منهم أن يرحّبوا بها من دون تشكيك، أي تلاميذ الرب نفسه. ما رأوه واختبروه معه أقنعهم بأنه المسيح، لكنهم حصروه في وجهة نظرهم الدنيوية. لم يريدوا المسيا الذي تكلّم عنه الأنبياء، لم يكونوا على استعداد لقبوله كما قدّم نفسه متواضعًا ووديعًا. بحسب طريقة تفكيرهم، يجب أن يكون المسيا فاتحًا عظيمًا، ملكًا قويًا بالكامل، حاكمًا للعالم لا يُقهر. لقد كانوا فخورين به وأشادوا به عندما أطعم الحشود وعندما أقام لعازر الميت. كيف يمكن أن يقبلوا أن المسيح قد مات وأُضجِع في القبر؟ لذلك عندما رأوه مسمرًا على الصليب ومن ثم موضوعًا في القبر، ميتًا، تفرّقوا وخابوا. وحدهم أعداء يسوع بدأوا يقلقون من أنه سيقوم كما تنبأ، وسارعوا إلى إغلاق القبر ووضع الجنود لحراسته. ضد مَن؟ ضد التلاميذ المذعورين واليائسين الذين قالوا كنا نرجو أنه هو مَن يفتدي إسرائيل؟” (لوقا 21:24). “كنا نرجوأي في الماضي. ولكن الآن تلاشت آمالهم وانطفأت.

لكن يسوع كسر أقفال الجحيم وقام. الذي علّم الحقّ الذي يقدّس ويحرّر، الذي كشف سلطته الإلهية بالمعجزات والشفاءات وإحياء الموتى الذي قام به، أكّدها الآن بمعجزة المعجزات، أي قيامته هو نفسه. وعندما اقتنعوا بذلك من خلال ظهوراته المتعاقبة، أصبح التلاميذ الذين كانوا جبناء في وقت من الأوقات رسلًا، و كأسود ينفثون النار بلّغوا إلى العالم شهادتهم الصحيحة بأن المسيح قد قام. هكذا انبثق نور الرجاء من القبر الفارغ من يسوع القائم. انفتح طريق جديد في حياتنا وسعادتنا الأبدية ندوسه بالتوبة والإيمان.

هذه هي بالضبط مشكلة الناس اليوم. إنهم لا يرفضون المسيح. إنهم معجبون بصلاحه ومحبته، وكل البركات التي أمطرها على الأرض. إن القيامة هي التي تزعجهم. لو بقي يسوع ميتاً في القبر، لكان حافظ على تعاطف معظم الناس. إنه غير مرحّب به ويتعرض للهجوم اليوم بالتحديد لأنه قام، والنتيجة المباشرة لإعلان قيامته هي الطلب منا التوبة ونبذ الأهواء.

إن مسيحاً لم ينهض يمكن مماثلته مع آلهة وثنية لا تعد ولا تحصى، وهم لا يمنعون الأهواء وحسب بل يشجّعونها. ولكن ماذا عن المسيح القائم الذي أعلن: “كُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ!” (رؤيا 18:1)؟ كيف يمكنك أن تتحمل معه التأنيب على الآثام والحدّ من الشرور وتنظيم الحياة؟ هذا هو سبب رفض الكثيرين للقيامة.

حول الأشياء الصغيرة في الحياة

حول الأشياء الصغيرة في الحياة

القديس يوحنا مكسيموفيتش

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

يعتقد الكثيرون بأن العيش بحسب الإيمان وتحقيق مشيئة الله أمر صعب جداً. بالواقع، إنه شديد السهولة. على المرء أن ينتبه للتفاصيل، للتفاهات، ويحاول تلافي الشر في الأمور الصغيرة جداً والأكثر بداهية. هذه هي أبسط وأضمن طريقة لدخول عالم الروح والاقتراب من الله. غالباً ما يعتقد الإنسان أن الخالق يطالبه بأشياء عظيمة، وأن الإنجيل يصرّ على التضحية الذاتية الكاملة، وإلغاء شخصية الإنسان، وما إلى ذلك، كشرط للإيمان. يرتعب الإنسان كثيراً من هذا حتى أنه يخشى التعرّف على الله، والاقتراب منه، فيخفي نفسه عن الله، غير راغب حتّى في النظر إلى كلمة الله. “إذ لا أستطع فعل أي شيء مهم لله، فالأفضل أن أبقى بعيداً عن الأمور الروحية، وأن أتوقف عن التفكير في الأبدية، وأن أعيش «بطريقة طبيعية»“.

يوجد عند مدخل العالم الروحي تنويم مغناطيسي من الأعمال العظيمة“: على الإنسان إما أن يفعل شيئاً كبيراً أو ألّا يفعل شيئاً. وهكذا لا يفعل الناس شيئًا على الإطلاق في سبيل الله أو أرواحهم! إنه أمر غريب للغاية كلّما اهتمّ الإنسان بأشياء الحياة الصغيرة، كلما قلّت رغبته في أن يكون أميناً أو نقيًا أو مخلصًا لله في نفس الأشياء الصغيرة. وعلاوة على ذلك ، يجب على كل شخص أن يتبنّى موقفاً سليماً تجاه الأشياء الصغيرة إذا أراد أن يقترب من ملكوت السماوات.

مكوّنات هذا الموقف

الرغبة في الاقتراب: في هذا تتلخّص كل صعوبات الحياة الدينية. غالباً ما يرغب المرء في الدخول إلى ملكوت السماوات بشكل غير متوقع، بطريقة عجائبية وسحرية، أو عن طريق الاستحقاق أي من خلال إنجاز عظيم ما. لكن لا هذا ولا ذاك هو الطريق الصحيح للعثور على العالم الأسمى. لا يدخل المرء حضرة الله بطريقة عجيبة فيما هو غير مبالٍ على الأرض لاحتياجات ملكوت الله وأبديته الساطعة، ولا يمكن لأحد أن يشتري كنوز ملكوت الله ببعض الأفعال الأبدية، مهما كانت الأفعال عظيمة. ومع ذلك، فإن الأعمال الصالحة والأفعال المقدسة ضرورية لكي ينمو إلى حياة أعلى، وإرادة مشرقة، ورغبة جيدة، وعلم نفس سماوي، وقلب نقي وعادل.

كوب ماء: الحق الحق أقول لكم مَن أعطى واحدًا من هؤلاء الصغار ولو كوبًا من الماء البارد، باسم تلميذ (من تلاميذ الرب)، لا يفقد أجره. في قول الرب هذا التعبير الأعلى عن صغر الخير. “كوب من الماء“. هذا ليس كثيرًا.

التواصل بروح طيبة: في كل تواصل بين الناس لا بد أن يكون هناك روح خيّرة: هذه الروح هي المسيح ، صراحة أو خفية. “باسم تلميذ:” هذه هي الخطوة الأولى في التواصل مع شخص آخر باسم يسوع المسيح نفسه. كثير من الناس، ممن لا يعرفون الرب والإلفة العجيبة باسمه، لكنهم يحتفظون فيما بينهم بمودة غير أنانية ونقية وإنسانية تجعلهم أقرب إلى روح المسيح.

الخير الأصغر ضروري: في واقع الأمر ، فإن الخير الأصغر أكثر ضرورة للبشرية من الأعظم. يمكن للناس أن ينسجموا مع حياتهم بدون الخير الأكبر. بينما بدون الأصغر لا يمكن أن تكون حياتهم موجودة. البشر يهلكون لا من نقص الخير الأكبر ، ولكن من قلّة الخير الأصغر. ليس الخير الأعظم أكثر من سقف مقامٍ على جدران من طوب الخير الأصغر.

إن الخير الأصغر والأسهل متروك على هذه الأرض من الخالق نفسه الذي أخذ على عاتقه الخير الأعظم. مَن يعمل الأصغر، يخلق – ومن خلاله يخلق الخالق – الخير الأكبر. من خيرنا القليل يصنع الخالق خيره الكبير. إذ كما أن ربنا هو الخالق الذي كوّن كل الأشياء من العدم، كذلك هو أكثر قدرة على خلق الخير الأكبر أكثر من الأصغر.

من خلال هذا العمل الأصغر والأسهل، الذي يتمّ إنجازه ببساطة كبيرة، يعتاد الإنسان على الخير ويبدأ بالخدمة من كل قلبه وبإخلاص، وبهذه الطريقة يدخل في جو من الصلاح، ويترك جذور حياته في تربة جديدة، تربة الخير. إن جذور الحياة البشرية تتكيّف بسرعة مع هذه الأرض الجيدة، وعاجلاً لا يمكنها العيش بدونها…

هكذا يخلُص الإنسان: من الصغير يأتي الكبير. “الأمين على القليليصير أميناً على الكثير“.

المعنى الأخلاقي لنا: أن نضع جانباً كل الاعتبارات النظرية كالتي تحظّر ذبح الملايين والنساء والأطفال والمسنين. ارضوا بإظهار حسّكم الأخلاقي من خلال عدم قتل كرامة قريبكم الإنسانية، لا بالكلمة، ولا من خلال التلميح، ولا بالإيماءة. لا تغضب على أخيك بَاطِلاً (مت 5: 22) أو في احتكاكات الحياة اليومية تقول عن قريبك ما ليس حقاً. هذه تفاهات، تغييرات صغيرة، بدون حساب؛ ولكن فقط حاول أن تفعل هذا وسوف ترى ما يأتي منه.

الصلاة: الصلاة صعبة في الليل. لكن حاول في الصباح. إذا كنت لا تستطيع أن تصلي في المنزل فعلى الأقل أثناء ركوبك إلى مكان عملك حاول الصلاة الربيةأبانابفكر نقي ودع كلمات هذه الصلاة القصيرة تتردد في قلبك. وفي الليل سلّم نفسك بأمانة كاملة في يد الآب السماوي.

هذا بالفعل سهل جداً. أعطِ كوبًا من الماء البارد لكل من يحتاج إليه؛ أعطِ كأساً فيّاضاً مع رفقة إنسانية بسيطة لكل من يفتقدها ، الرفقة الأكثر بساطة…

يا طريق الأشياء الصغيرة العجيب، أنشد لك ترتيلة! أحيطوا أنفسكم أيها الناس، انشدوا أنفسكم بأعمال خير صغيرةمع سلسلة من المشاعر الصغيرة والبسيطة والسهلة والجيدة التي لا تكلّفنا شيئاً، سلسلة من الأفكار والكلمات والأفعال الساطعة. دعونا نتخلَّ عن الكبيرة والصعبة. هذه لهؤلاء الذين يحبونها وليست لنا نحن الذين لم نتعلّم بعد أن نحبّ المحبة الكبرى، الذين جعل لهم الرب برحمته المحبّة الصغرى في كل مكان مجانية كالماء والهواء.

Vol. 12, Issue 05-06 Orthodox Heritage

هل يُغرَس الإيمان عبر التربية؟

هل يُغرَس الإيمان عبر التربية؟

القديس ثيوفانس الحبيس

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

من أين يأتي الإيمان؟ الإيمان بوجود الله وقوته هو خاصيّة متأصلّة في الروح التي توجد في كل شخص بمجرد تطوّر قدراته. التربية تطوّر الإيمان وتعطيه شكلاً حتى تصير تغذيته ممكنة من خلال الأنشطة الدنيوية. هذا مختلف تمامًا عن الإيمان الذي نكتسبه في المجتمع. يغرس المجتمع الإيمان بمعاييره من خلال التربية. تأتي جميع معايير المجتمع من العقل البشري، وتتثبّت في مجتمع معين من خلال القوانين والممارسات المقبولة فيه. فالحاجة إلى هذا التعلّم قائمة لأن معايير المجتمع ليست طبيعية ولا متأصلة في الكيان البشري. هذه المعايير خارجية ما يشترط على العقل تعلّمها فتؤدي إلى معتقدات كالوطنية والحرية السياسية والديمقراطية.

الإيمان بالله يختلف قليلاً عن أي إيمان نملكه في المجتمع. نحن مصنوعون على صورة الله. لسنا بحاجة لتعلّم طبيعة هذه الصورة من أيِ من أشكال التعليم. إنه في تركيبتنا. تتطلّب معرفة الله نوعًا من المعرفة مختلفًا عمّا اعتدنا معرفته من طرق المجتمع. لا يمكن تعلم الإيمان بالله عن طريق الدراسة. يمكن اكتسابه فقط من خلال الانفتاح الداخلي لقلبنا على الواقع الموجود هناك.

هناك العديد من الطرق الممكنة للوصول إلى معرفة الله التي تقودنا إلى الإيمان. يمكننا أن نجد الله من خلال تجاربنا مع خليقته، خاصة إذا قضينا بعض الوقت في البريّة حيث ليس للإنسان تأثير. هناك، كل ما نراه هو عمل الله ونختبر جماله المذهل الذي يفتح قلوبنا على ما في الداخل. يمكن أن يرسل لنا الله رؤية كما فعل مع القديس بولس في رحلته إلى دمشق. مثل هذه الرؤى للنور غير المخلوق وصوت الله قادرة على إحداث التحوّل الفوري ولكنها نادرة. يمكننا قراءة الإنجيل ما يشعل الضوء في قلوبنا ونجده يفسر ما نشعر به في أعماقنا. إنه يفتح قلبنا على ما هو موجود فيه بالفعل. يمكن أن يحرّكنا مرشد روحي أو صديق يعطينا فكرة تفكّ هذه الأسرار الداخلية. الإيمان لا يأتي بالتعليم المنهجي بل من خلال التبصّر، أي التجربة التي تسمح لنا بمعرفة حقيقة ما هو فعلاً داخلنا.

ماذا يقول هذا عن التربية المسيحية؟ هل يمكن أن نتعلم الإيمان في المدرسة بالصلاة أو دراسة الكتاب المقدس القسرية؟ هل يمكننا اكتساب الإيمان من خلال القوانين الجديدة؟ ما قيمة مدارس الأحد التي نحاول فيها تلقيم أطفالنا بالقوة معلومات حول خطاب وممارسة إيماننا؟ هل كل هذه الجهود عبث؟

لا ، ليس كلياً، لأن محاولات التعليم هذه قد توقظ لدى البعض ما هو في داخلهم بالفعل. لكن بالنسبة للآخرين. يمكن لهذه الأنشطة أن تدخِل عقلانية تؤدي إلى رفض الله إذا كانت مبنية على افتراض أنه يمكنك تفسير الله والإيمان من خلال الخطاب العقلاني.

يجب أن يكون التعليم المسيحي الصحيح مصدر إلهام للمرء ليسعى وراء ما في داخله. يجب أن نركّز على ما لا يمكن تفسيره أو فهمه بعقلنا المنطقي. يجب أن نشجّع الإنسان على العيش في السرّ والسعي وراء ما هو أبعد من معرفة المجتمع.

هذا هو أساس الصلاة والعبادة الأرثوذكسية. توجيه المؤمنين بشكل صحيح في القداس الإلهي هو أكثر أهمية من دقائق قليلة في صف مدرسة الأحد. قد تساعدنا غرفة الصف فقط في شرح ومشاركة ما اكتسبناه من تجربتنا الداخلية. إنها تعطينا لغةً لمشاركة ما هو بالفعل غير قابل للمشاركة.

 في الختام إذا كان لدى كل إنسان إيمان، فهذا يعني أن معيار الحياة البشرية يتضمن الإيمان دون شك. وبالتالي ، فمَن ليس عنده إيمان ينحرف عن هذا المعيار ، ويصاب بالهوس الروحي. إن غير المؤمنين جميعاً هم من هذا الترتيب.

Reference: The Spiritual LIfe, pp 301-303

بغض النظر عن شدة المحاولة

بغض النظر عن شدة المحاولة

الشيخ أميليانوس السيمونوباتريني

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

شرط أساسي للحياة الروحية هو أن علينا أن نفهم أنه لا يمكننا فعل أي شيء بمفردنا على الإطلاق. بغض النظر عن مدى القوة التي نحاول بها، فالحياة الروحية شيء يعطينا إياه شخص آخر. والشخص الآخرهو روح الله، المعزي، كنز الصالحات ورازق الحياة، الكنز الذي تخرج منه جميع الثروات الروحانية، النبع الذي تخرج منه الحياة الروحية وتفيض.

بالطبع، أحيانًا نشعر بالارتباك، ونعتقد أنه أن تكون روحانياً تعني أن تكون شخصًا صالحاً“: لا تسرق، لا تقتل، لا تزور أماكن سيئة ولا تخرج مع أصدقاء سيئين، تذهب إلى الكنيسة يوم الأحد، تقرأ الكتب الروحية، وما إليه. لكن لا، هذه ليست الحياة الروحية. الشخص الروحي، المسيحي الحقيقي، هو شخصٌ حياته موقَفَة لله بالكامل. في البداية بمعموديته، ولاحقاً في قلبه، حيث يقسم هذا الشخص يميناً لله، بأن يعيش لله، ويبقى مع الله إلى الأبد. الشخص الروحي هو رياضي تفجّر بالحياة، يبرز من بين حشود البشر، ويجري بكلّ سرعة روحه إلى الملكوت. الشخص الروحي هو الذي يشبّ إلى الأمام بعينين لامعتين وصدر مفتوح، وقد حدّد مساره وسباقاته في السماء. هو ليس رجلاً صالحاً“. يعرف الشخص الروحي أنه ، لكي ينجح ، يحتاج إلى أجنحة قوية: أجنحة الروح القدس. لذلك على الشخص الروحي أن يقوم بكل ما هو ممكن لجذب روح الله واكتسابه، لأن الروح القدس وحده، الإله بذاته، عنده موهبة الحياة الروحية. بحسب القديس غريغوريوس النيسّي، فإن توزيع الهدايا الملكيةالتي من الروح القدس يتمّ في الكنيسة عبر الأسرار المقدسة.

تحمّل عار الاعتراف

تحمّل عار الاعتراف

الأرشمندريت زخريا زخريو

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

سؤال: في القيام بالخطوات التي قدمتموها لنا ، أعتقد أن أصعبها هو التغلب على الخوف من العار. هذا ما أحاول القيام به في رعيتي. فالناس لا يأتون للاعتراف على الرغم من أن أرواحهم مثقلة والأشياء تدفعهم إلى الجنون، لأنهم لا يستطيعون التغلب على عار الاعتراف بخطاياهم. كيف تقود الناس في هذا الاتجاه؟

جواب: أعتقد أن قوة تحمل العار هي هبة من الله. عندما كنت أبًا روحيًا شاباً وعديم الخبرة، أخبرني الشيخ صوفرونيوس بأن أشجّع الشباب على الاعتراف بالأشياء التي يشعرون بالخجل بها، لأنهم إذا تعلّموا القيام بذلك، فإن العار يتحوّل إلى قوة ضد العواطف، فيتغلّبون على الخطيئة. هذا هو بالضبط ما حدث في شخص زكا. كان يحمل العار طواعية، والرب، الذي كان في طريقه إلى أورشليم لكي يتألّم بصليب العار، رأى زكا يحمل خزيًا من أجله ورأى فيه روحاً مماثلة. وضع زكا نفسه بشكل نبوي في طريق المسيح، في طريق الصليب، وبطريقة نبوية تفعّل سر الصليب وقيامة المسيح في قلب زكا. اتّسع قلبه وصار قادراً على الدخول في قوة الإيمان. لقد أنقذَنا المسيح بصليب العار، حتّى عندما نعاني من العار من أجله، يعتبر هذا الأمر بمثابة امتنان، وبالمقابل ينقل إلينا نعمته التي تجدّد حياتنا.

هذا هو بالضبط ما يحدث في الاعتراف. إن الذين يعترفون بصدق ويحمّلون أنفسهم عار خطاياهم يتجدّدون. أمّا الذين يهزّون أكتافهم ويقولون ، لا شيء محدد ، الأشياء المعتادة …” إنهم لا يتحمّلون أي خزي، ويبقى قلبهم غير متأثر، وبالكاد يحصّلون أي فائدة. أمّا الذين، بخزي وقلب منسحق، يجرّدون أرواحهم عراة أمام الله وأمام إنسان آخر، تَحْتَ آلاَمٍ مِثْلُهمْ” (أعمال 14: 15) فإن خزيهم يكتشف القلب، يضعه، ويجلبه إلى السطح. من ثمّ هذا ، يفتح القلب لاستقبال نعمة التجدد والتعزية. نحن نرى ذلك في حياة الكثيرين الذين يأتون إلينا: بقدر ما يكون الخزي الذي يتحملونه بندامة كبيراً، متّهمين أنفسهم أمام الله، تزداد النعمة التي يتلقونها لتحسين حياتهم وتحقيق بداية جديدة.

From “Remember thy First Love” by Archimandrite Zacharias Zacharou

خبرات ما بعد الموت

خبرات ما بعد الموت

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

لقد رأينا… أن ساعة الموت مرعبة جداً بالنسبة للإنسان، لأن نفسه تنفصل عن جسده الذي كانت معه في وحدة غير منحلّة. لذلك يستعد قديسو الكنيسة لهذه اللحظة طوال حياتهم، وعندما يقترب الوقت يُصَّلون أكثر. إننا نرى في الكتابات النسكية اهتماماً كبيراً بالطريقة التي يرحل بها الناس. ويهتمّ النساك على الأخص بأن يرحلوا وهم في حالة وعي لموتهم. وفي الواقع هم يعتبرونه أمراً مروعاً أن يموتوا دون أن يكونوا مدركين لذلك، وأن يعبروا من الموت إلى الحياةدون أن يكونوا قد انفتحوا على الوعي به، وبالطبع دون أن يكونوا قد صلّوا لله. وهذا ما يجعلهم يفضلون أن يكونوا بمفردهم في تلك اللحظة لكي يصَّلوا.

سوف نتحدث عمّا يسمى خبرات ما بعد الموت التي تُناقَش بكثرة في العالم الغربي. كما نعلم، فإن روايات بعض الناس الذين عادوا إلى الحياة بطريقة ما ووصفوا ما رأوه أعطت انطباعاً عظيماً. وأتى هذا الانطباع لأن الحياة بعد الموت كانت قد نُسيت بدرجة ما في المجتمع الغربي. لقد كان الناس يظنون أن الشخص ينتهي بانتهاء حياته الأرضية. وإذ قد تعودوا كشعب أن يحدُّوا وجود الإنسان بما هو ملموس، اكتشفوا عالماً آخر واندهشوا.

لم يكن لهذه الخبرات المعاصرة، المعروفة بخبرات ما بعد الموت أو خبرات الاحتضار، نفس الانطباع في العالم الأرثوذكسي، لأن هذه المسائل موجودة في كتابات آباء الكنيسة القديسين وهي موضوعات مألوفة. فالآباء يصفون بقدر الإمكان الحالات المرتبطة برحيل النفس من الجسد.

يجب أن نؤكد وجود بعض القيامات من الأموات، كإقامة ابن أرملة صرفند صيدا بواسطة إيليا النبي، وإقامة الأموات الثلاثة الذين أقامهم السيد المسيح (ابن أرملة نايين، ابنة يايرس، ولعازر)، بالإضافة إلى إقامة طابيثا بواسطة بولس الرسول بقوة المسيح. وعلى أية حال، لم يعطنا أي من هؤلاء الذين عرفنا أنهم أُقيموا من الأموات أي وصف عما يحدث بالضبط عندما تغادر النفس الجسد، أو ما يحدث بالضبط في الحياة الآتية. فعلى الأقل ليس لدينا كتابات تصف شعور النفس عندما تعيش خارج الجسد، وما هي المشاعرالتي تتغلب عليها عندما تدخل الجسد ثانية وتستمر في الحياة في ظروفها المألوفة. كما أن أولئك الذين قاموا وقت الزلزال الذي جرى لحظة موت المسيح على الصليب لم يحفظوا لنا خبراتهم.

أحد تفسيرات هذه الظاهرة هي أن المسيحيين لا يغلبهم مثل هذا الفضول. وحيث أن لديهم كلمة الوحي، ويعرفون أنهم يُشفون بواسطة وصايا الله، وحيث أن وصية الله كما تظهر في مثل الغني ولعازر واضحة: “عندهم موسى والأنبياء ليسمعوا منهم، بالتالي لا يعود مهماً بالنسبة لهم أن يجمعوا معلومات عن خبرات ما بعد الموت هذه. بالإضافة إلى أن كلمة إبراهيم، أي كلمة الله: “إن كانوا لا يسمعون من موسى والأنبياء ولا إن قام واحد من الأموات يصدقون” (لو 31:16) تُظهر أن الإنسان الجسداني لن يؤمن حتى لو سمع الأشياء الأكثر غرابة، كما أنه يكون مستعداً لأن ينسبها لسبب آخر.

سوف نحاول فيما يلي أن نلقي نظرة مختصرة جداً على هذه الظاهرة التي لوحظت ووصفت، على أن يكون ذلك من منظور أرثوذكسي على الدوام.

1- خبرات ما بعد الموت المعاصرة

توجد شهادات مبكرة عن مثل هذه الحالات، ولكن الشعور الذي أثير حديثاً في أميركا أتى من ملاحظات الطبيب النفسي مودي (Moody)“. بعد ذلك، وبسبب الاهتمام الذي أظهره القراء، نُشرَِت أيضاً كتب أخرى تتناول هذا الموضوع. لقد قام مودي بجمع خبرات مئة وخمسين شخصاً، ولكن تحرياته تمركزت حول خمسين شخصاً كانت لهم فرصة الدخول في خبرات الاحتضار وخبرات ما بعد الموت.

لقد قام الأب سيرافيم روز بتحليل ونقد آراء مودي في كتاب عن هذا الموضوع. ولاحظ العلماء الغربيون أن بعض الناس في لحظة الموت أو عندما عادوا للحياة بعد الموت، رأوا أحداثاً مميزة جداً وغريبة لا يمكن تفسيرها بعلم الطب التقليدي. تتنوع أسباب هذه الخبرات.

السبب الأول هو اقتراب الموت. فعندما تقترب النفس من رحيلها من الحياة تختبر وضعاً جديداً. فالموت هو حقاً نقطة حادة في حياة الإنسان. ففي هذا الوقت يجد نفسه بين حياته الأرضية وحياة نفسه بدون الجسد.

والسبب الثاني هو اقتراب أرواح الشر والخير الذي أكد عليه العديد من القديسين كما ذكرنا بالفعل. فالإنسان يتلقى تأثيرات من الشياطين أثناء حياته إلا أنه يحصل أيضاً على مساعدة الملائكة، وهذا يحدث بالأكثر في الوقت الذي تنفصل فيه نفسه عن جسده.

والسبب الثالث هو أن تقدّم علم الطب جعل من الممكن أن يدخل الناس في خبرة الموت السريري لعدة أيام وساعات. فقد ازدادت ظاهرة الناس المعتبرين موتى سريرياً ويعودون للحياة بعد استحثاث ميكانيكي للقلب الذي توقف عن النبض.

وهكذا، بالإضافة للأسباب المألوفة التي ينتج عنها ما يسمى خبرات ما بعد الموت، يوجد سبب مرتبط بعلم الطب. ولو أضفنا الأمراض العقلية بالإضافة للعقاقير القوية التي توصف للمريض بمرض خطير، فإننا نستطيع أيضاً أن نفسر بعض التشوشات الحسية أو الأحاسيس غير الطبيعية التي تتكون في مثل هذه الأوقات. وهكذا يوجد خلط بين كل هذه الحالات ولا يكون من السهل تصنيف خبرة ما أو تحديد ماهيتها.

يركز الأب سيرافيم روز انتباهه على بعض النقاط المشتركة التي لاحظها مودي في الروايات التي سردها أولئك الذين مروا بمثل هذه الخبرات حيث توجد ثلاث نقاط مشتركة. الأولى، هي ما يسمى خبرات خارج الجسد“. وهي خبرات شعر بها الجميع كحالة تخرج فيها النفس من الجسد ومع ذلك لا تستمر في وعيها. فالنفس تجد نفسها في عالم تشعر فيه بدفء محمود وسهولة، كما أنها ترى الناس المحيطين بالجسد الميت ولكنها لا تستطيع التواصل معهم.

الظاهرة الثانية المشتركة بين خبرات ما بعد الموت هي الالتقاء بالآخرين“. أي كما يقول مودي، تشعر النفوس بالوحدة لفترة قصيرة فقط، ثم بعد ذلك تشعر بأنها تلتقي بآخرين حيث ترى فجأة، ليس فقط ما بعد الموت ولكن أيضاً ما قبله، أي أقرباء وأصدقاء كانوا قد ماتوا.

السمة المشتركة لخبرات ما بعد الموت تلك هي كيان النورأو الكيان المنير“. فكل من دخلوا في مثل هذه الخبرات وصفوا ظهور نور يزداد بسرعة في اللمعان. وتعرفوا عليه جميعاً كشخصية معينة مملوءة دفئاً وحباً ينجذب إليها المتوفي حديثاً بنوع من الانجذاب المغناطيسي. وأصر البعض منهم على أن هذه الشخصية هي المسيح، وأصر البعض الآخر على أنه ملاك.

لن نراجع هنا كل خبرة، ولكن ما نريد التأكيد عليه هو أن جميعهم يؤكدون على وجود شيء آخر مختلف عما نراه بحواسنا وما نفكر فيه بعقولنا.

وإذ يقدم الأب سيرافيم مثل هذه العناصر فإنه يقدم نقده الوافي معبراً عن حقيقة أن مثل هذه الأشياء تحدث في خبرة الكنيسة أيضاً. ولكنه يلاحظ تولّد التشويش. ونحن على كل حال لن نتوقف هنا عند تلك النقطة.

أثناء خدمتي الرعائية سمعت العديد من الناس يحكون عن حوادث مشابهة. أحياناً كانت تلك الخبرات خبراتهم الخاصة أثناء أمراض خطيرة، وفي أحيان أخرى كانوا شهوداً على أقاربهم الذين كانوا يشاهدونهم. عندما كنت شاباً شاهدت حادثة حيث أن امرأة أثناء رحيل نفسها تأوهت وفي نفس الوقت كانت تحرك يدها كما لو أنها كانت تطرد شخصاً ما بعيداً عنها.

يمكن أن يسمع الإنسان عن تلك الأحداث في الجبل المقدس. فقد أخبرني العديد من الآباء النساك عن حوادث في اللحظات الأخيرة للرهبان القديسين ومنهم الخطأة.

أسمح أن أقدّم شهادة شخصية مرتبطة بموضوع هذا الباب، وهي من مرض أبي الروحي الدائم الذكر المطران كالينيكوس مطران إديسا. بعد أن خضع سيادته لعملية جراحية لإزالة ورم بالمخ حدث له نزيف بالمخ ودخل في غيبوبة عميقة. وقال الأطباء المعالجون أنه على الحافة بين الحياة والموت. كان قلبه ينبض ولكنه يتنفس بواسطة جهاز تنفس اصطناعي. أي أنه إذا توقف الهواء الداخل لرئتيه يموت. لقد كانت كل الاحتمالات واردة، فإما أن يبقى حياً أو يموت أو يستعيد وعيه. وعندما استعاد وعيه بعد بضعة أيام، حكى بدموع وكرب شديد عن حادثة مروعة.

لقد قال أن ذلك لم يكن حلماً ولكنه حدث حقيقي، فقد كان واعياً أن ذلك كان واقعاً. لقد رأى نفسه خارج جسده، وكانت نفسه ترى جسده المتمدد على الفراش وكان يرانا جميعاً نحن الذين كنا نشعر بالأسى وكنا نجهز للجنازة. وفي الواقع، أشار لممرضة معينة من بين العديدين الذين كانوا هناك والتي كانت ترفع مقاساته لتشتري له الكفن! لقد فهم أن روحه خرجت من جسده، وفي الواقع قال أنه في تلك الساعة كان هو نفسه يتلو صلاة تجنيز الموتى لنفسه! وقد اختبر خبرات أخرى مماثلة، ولكن التي ذكرتها للتو هي الأكثر تعبيراً وارتباطاً بالموضوع الذي نناقشه. إنني لا أعرف حقاً إن كانت هذه خبرة خارج الجسد، أم أنها خبرة الاقتراب من الموت. ولكن الحقيقة الثابتة هي أنها كانت حالة غير مألوفة.

من المؤكد، أنه انتشرت في الآونة الأخيرة في أمريكا مناقشات كبيرة ليس فقط عما يسمى خبرات ما بعد الموت، ولكن أيضاً عن آراء الأب سيرافيم روز وبصورة رئيسية من قِبَل لعازر بوهالو رئيس أساقفة كنيسة أوكرانيا المستقلّة“. إن الموضوع واسع ولن نتوسع في تحليل تلك النقطة حيث يمكن على أية حال اكتشاف العديد من الأخطاء اللاهوتية والروحية.

يجب علينا أولاً أن نلاحظ أن رئيس الأساقفةلعازر يؤكد في كتابه على أن ما يسمى خبرات خارج الجسد هي حالات شيطانية، وأنها تكون أحياناً الآثار العضوية لتنشيط الجسد بعد حالة الغيبوبة. وبالإضافة إلى ذلك فهي أوهام وضلالات، ولكنه يؤكد أنها عادة ما تكون نتيجة لطاقات شيطانية.

وبوجه عام فإن توجهاته اللاهوتية سليمة. ونستطيع أن نشير إلى ثلاثة من براهينه.

أولاً: لا يمكن أن تُطلَب الخبرة الروحية وحياة ملكوت الله خارج جسد الإنسان، لأن جسد الإنسان هو هيكل الروح القدس. ومَن يتكلّم عن خبرات خارج الجسد هو جاهل بتعليم آباء الكنيسة القديسين، وواقع تحت التأثير الغربي الفلسفي الهليني.

ثانياً: لا تكون خبرات خارج الجسدأصلية أبداً، ولكنها تكون نتيجة إما لضلالات شيطانية، أو أوهام، أو خداعات، أو هلاوس، أو أمراض عقلية. فمن يتعرض لمغادرة النفس للجسد يُسقِط حقاً تخيلاته وانفعالاته على عالم الأرواح الشريرة التي تقدم إعلاناتها الخاصة. أي أنها خبرات شيطانية.

ثالثاً: خبرات آباء الكنيسة هي خبرات عقلية على نفس عمق كيانهم حيث يوجد ملكوت الله.

وهو إذ وضع هذه المفاهيم اللاهوتية في ذهنه، أصر على أن الذين يتحدثون عن خبرات خارج الجسد يتعاملون مع عبادة وثنية باطنية في الهندوسية والشامانية، مفترضاً ازدواجية تعليم أوريجانوس أو حتى المانوية.

لا يستطيع أحد أن ينكر هذا التوجه اللاهوتي العام، ولا البراهين اللاهوتية التي قدمها الكاتب. ولكنني أعتقد أنه لا ينبغي علينا أن نكون في المطلق، ولا أن نربط كل خبرة بخبرات مشابهة خارج المسيحية ما لم نتناولها من منظور أرثوذكسي. وسوف أذكر بعض النقاط البارزة.

عندما يتحدث الناس في الغرب عن خبرات خارج الجسد، فإنهم يربطونها بما يسمى خبرات ما بعد الموت. أي أنهم يشيرون إلى حالات أشخاص ماتوا، أو يُظَنّ أنهم ماتوا وعادوا للحياة ثانية فيما بعد. لا يتعلق الأمر بمجهود للعقل لكي يستطيع أن يترك الجسد.

ثم أن نصوص القديس غريغوريوس بالاماس وسفر نشيد الأنشاد التي يستعملها لعازر رئيس الأساقفةلا تشير لحالات ما يسمى خبرات خارج الجسد المرتبطة بالموت، ولكنها تشير لحالات من الدهش بالمفهوم الأرثوذكسي. وهذه أشياء مختلفة. فالنص الموجود في نشيد الأنشاد أنا نائمة وقلبي مستيقظيشير إلى حالة الصلاة. وبالمثل فإن نص القديس غريغوريوس بالاماس الذي بحسبه عندما يُحمَل النوس خارج الجسد يكون اختراعاً من الشياطين وتعليماً وثنياً، يشير إلى حالات الدهش الخاصة بالإغريق القدماء والتي كانت حالة شيطانية. لقد علَّم برلعام أنه ينبغي على النوس أن يؤخذ خارج الجسد في الصلاة، لأن الجسد شر. وقال القديس غريغوريوس بالاماس أن هذا كان شيطانياً، لأنه ينبغي على النوس أن يعود للقلب، ومن هناك لله. وبحسب القديس غريغوريوس بالاماس، ليس الدهش هو ابتعاد النوس عن الجسد، ولكنه إبعاد النوس عن الذهن الجسداني. فالنوس هو طاقة النفس وعينها، وهو ليس النفس كما ترجمها لعازر رئيس الأساقفة“.

لقد لاحظت أيضاً أن الأب سيرافيم روز يميّز باستمرار بين الخبرات الروحية والشيطانية التي تأتي من الديانات الأخرى. إنه يصنع في الواقع مداخلات مهمة في مواضيع عديدة. فهو يقول أن بعض الناس يفسرون مثل هذه الظاهرة أحياناً من وجهات نظر تخص السحر أو الروحانية، وأحياناً من مفاهيم معارضة ترى أن النفوس بعد الموت ستكون في حالة من اللاوعي، وأحياناً من وجهة نظر إلحاد عقائدي يرفض الرأي القائل بأن النفس تعيش بعد الموت، وأحياناً أخرى من وجهة نظر أرثوذكسيةمتحفظة ترى أن الأرثوذكسية لم تعطِ رأياً عن كيف ستكون الحياة الآتية. وفي النهاية، يصل الأب سيرافيم لنتيجة وهي أنه ينبغي على المرء ألا يتوقع الكثير من كتاب مودي ولكن أن يرى كل شيء في إطار التقليد الأرثوذكسي.

بالإضافة إلى ذلك، توجد العديد من الأحداث الموجودة في النصوص الآبائية حيث يبدو فيها أن شخصاً معيناً مات فعلاً ثم عاد للحياة ثانية بإرادة الله.

وفي قصص الإقامة من الموت في العهدين القديم والجديد، لا نجد وصفاً لما شعروا به في أثناء تلك الفترة. ومع ذلك نجد تعليماً قليلاً عن ذلك في بعض النصوص الرهبانية. وبالتالي لا نستطيع تجاهل هذه الحقيقة.

في الواقع، لا يمكن الإصرار على أرثوذكسية كل آراء الأب سيرافيم. وبالإضافة إلى ذلك، ليس لديّ أية نية لتأييده. كما أنه لا يمكن الإصرار على أن براهين رئيس الأساقفةلعازر اللاهوتية ليست صحيحة. الأكيد هو أن الحرص الشديد مطلوب. فمعظم ما يسمى خبرات ما بعد الموت قد بكون شيطانياً، أو عضوياً بسبب العقاقير، أو هلاوس أو ضلالات. ولكن البعض منها، حتى ولو القليل، صحيح ويظهِر وجود حياة بعد الموت. يعلّمنا التقليد الآبائي بأنه لا ينبغي إنكار أي شيء ولا قبول أي شيء ما لم يُحكَم عليه بالفكر المستنير بالتمييز وخبرة الاتحاد بالله. سوف نلقي نظرة سريعة في الفصل التالي على موضوع تمييز هذه الخبرات.

2- نقد هذه الخبرات من وجهة نظر أرثوذكسية

ليس من السهل الحكم على مثل هذه الحالات لأنها غير مألوفة. فنحن عادة ما نحكم على كل شيء على أساس افتراضاتنا المسبقة، وفي إطار العقل باستمرار. فربما يعتبر العديد منا ظهورات الملائكة والقديسين لأناس يتمتعون بالشفافية في حياتهم أنها نتيجة لحالات عاطفية، أو حتى نفسية مرضية. إذا قام إنسان بدرس رؤى القديسين بطريقة منطقية أو بحسب طب النفس العلمي، فقد يصل لاستنتاجات خاطئة. ومع ذلك، لكن هذه الإعلانات، كونها كثيرة في نصوص قديمة وفي تقاليد شفهية معاصرة، فهي موثوق فيها.

لا يحقّ لنا أن ننبذ كل الخبرات لمجرّد أنها تفوق افتراضاتنا. كما علينا بالتأكيد أن نكون حذرين جداً في قبول كل خبرة على أنها حقيقية لأن الضلالات قائمة. يجب علينا قبل كل شيء أن نؤمن بكلمة الله المعلنة، وأن نرى طريق خلاصنا تاركين المجهول لعناية الله. ومع ذلك لا ينبغي علينا أن نصل لرفض كامل كما يفعل مع الأسف بعض البروتستانت، حيث يؤمنون أن النفس بعد الموت تكون في حالة من اللاوعي، أو أنّها تستعجل على الفور لكي تكون مع المسيح“. كما لا ينبغي علينا أن نتصرف كالملحدين الذين يظنون أن النفس هي طاقة بسيطة للجسد وتفنى معه.

في تقليد كنيستنا العديد من صور الحياة أثناء وبعد الموت. لقد ذكرنا العديد من مثل هذه الحوادث في الباب السابق. سوف نكتفي هنا بالبعض المميّز منها.

نقرأ في أقوال آباء البرية عن اللحظات الأخيرة لرقاد العظيم الأنبا صيصوي. وهي تبدو بحق أنها ليست خبرة خارج الجسد بل خبرة روحية كان يحتفظ خلالها بوعيه ويتكلّم مع الحاضرين. وكان يقصّ للحضور بالترتيب: “أنظروا، ها هوذا الأنبا أنطونيوس قادمثم ها هي جوقات الأنبياء قادمةثم جوقات الرسل قادمة“. وفي كل مرة كان وجهه يزداد سطوعاً. وفي لحظة ما دخل في حوار، وعندما سأله الحاضرون قال أنه كان يتكلم مع الملائكة التي أتت لاستقبال نفسه. وقال أنه كان يتوسل للملائكة ألا يأخذوا نفسه لأنه كان يحتاج للتوبة أكثر. ثم أضاء وجهه مثل الشمس ثم أعلن أن الرب قد أتى بنفسه. وبعد ذلك أسلم الروح، وحدث شيء شبيه بالبرق، وامتلأ المكان برائحة عطرة.

يوجد في إفرجيتينوس مثالان بارزان محفوظان يشيران بوضوح لحالة ما بعد الموت.

الحادثة الأولى عن بطرس الراهب الذي قبل أن يقيم في الصحراء ضربه المرض ومات“. ثم رأى كل عذابات الجحيم وأماكن النار التي لا ينطق بها. لقد رأى في الواقع بعض رؤساء هذا العالم معلّقين، ومنع ملاك منير إلقاءهم في هذا المكان الناري، ثم أعيدت نفسه إلى جسده. “وعند قيامته من نوم الموت الأبديوعودته إلى جسده ثانيةأعلن كل ما رآه وعاش في توبة.

تشير الحادثة الثانية إلى إنسان أراد أن يصير راهباً ولم يستجب لتوسلات أمه أن يبقى معها، ولكنه مضى قائلاً أنه أراد أن يخلّص نفسه. وبعد قليل ماتت والدته ثم مات الراهب أيضاً. وفي الحقيقة قيل أنه مرض مرضاً خطيراً هدد حياته بالموت. وفي أثناء مرضه دخل في غيبة وخرج من جسده واقتيد إلى الدينونة“. ثم رأى أمه مع المحكوم عليهم، أي الخطأة. فاندهشت وسألته كيف أتى إلى ذلك المكان طالما أنه صار راهباً لكي يخلّص نفسه. وقيل أنه بعد ذلك سمع صوتاً ينبغي عليه أن يؤخذ من هذا المكان“. وفي الحال، إذ خرج من غيبته وعاد إلى نفسه أخبر الحاضرين بما رآه وسمعه…”.

يعود هذان المثلان إلى خبرات ما بعد الموت. وكما سنرى فيما يلي، فإن هذا قد حدث بحسب تدبير إلهي. هذا هو السبب الذي يجعلنا نقول أنه لا أحد يستطيع أن يغفل مثل هذه الخبرات، وعلى الأخص لأننا نجدها في تقليد الكنيسة أيضاً.

ومع ذلك ينبغي علينا أن نؤكد على أننا نخطئ خطأً كبيراً عندما نتعامل مع كل الخبرات وكل الحالات الموصوفة بطريقة واحدة من دون تمييز بينها. لأن البعض منها يأتي من حالات نفسية، والبعض من قوى شيطانية، والبعض الآخر هو نعمة وبركة من الله. التالي هو وصف بعض هذه الفروقات.

يوجد فرق بين خبرات ما يسمى الموت السريريوخبرات مشارف الموت“. يكون الشخص ميتاً سريرياًعندما يعيش بواسطة أجهزة صناعية، ويعتبره الأطباء قد مات بصورة رئيسية. وهم يحافظون على القلب بطرق استحثاث متنوعة. ومن المؤكد، أنه حتى في هذه الحالات لا نستطيع أن نكون متأكدين أن النفس غادرت الجسد. ولكن على أية حال هي حالة إشراف على الموت. تختلف خبرات مشارف الموتعن الخبرة السابقة، إذ عادة ما يكون الناس واعين بحالتهم ويتكلمون، بل وحتى عندما لا يكونون في وعيهم فإنهم يكونون في حالة رحيل. لا يمكن إذاً الربط بين هاتين الحالتين.

يوجد فرق آخر بين الهلوسات والأحداث الحقيقية التي تحدث في لحظة استعداد النفس لمغادرة الجسد. توجد صلة بين الهلوسات (التشوش الحسي والحس الخاطئ)، وبين العقاقير والأمراض المعنية والطرق التكنولوجية المستعملة. ففي الخبرة الحقيقية للأحداث يبقى الوعي.

يقول الأب سيرافيم روز أن الكُتَّاب الذين عالجوا هذه الظاهرة لاحظوا حقيقة أن أصحاب الذهن الحاد روحياً يرون ظهورات لموتى أو كائنات روحية. وهذا يعني وعي أولئك الناس بالظروف المحيطة بهم. فرق رئيسي آخر بين الهلوسات والأحداث الحقيقية هو أن أصحاب الهلوسات يرون أحياء، بينما يرى أصحاب الخبرات الأصيلة يرون أموات. كما أن الكتّاب لاحظوا حدوث خبرات أكثر ترابطاً وأكثر تميزاً على المستوى التجريدي عند مَن لديهم هلوسات بل هم على صلة بواقع ملموس.

توجد أيضاً فروقات بين الظهورات الشيطانية والظهورات الإلهية. ولا تُصَنَف هذه الفئة مع الفئات السابقة، ولكنها تتعلّق برؤية ملائكة أو شياطين. يوجد العديد من مثل هذه الأمثلة التي ذكرناها بالفعل وبالتالي لا نحتاج للرجوع إليها.

الأمر المهم هو أنّه لا ينبغي علينا أن نصنّف كل خبرات ما بعد الموت أو الاحتضار معاً في خانة واحدة. كما لا يجوز أيضاً أن نعزوها لسبب واحد ما قد يسبب التباساً عظيماً.

3- تميـيـز الخـبرات

يقودنا كل ما ذكرناه حتى الآن إلى دراسة كيفية حدوث هذه الحالات. وفي هذا الشأن لنا نحن الأرثوذكسيون ميزة، إذ لنا تقليد حي يعطينا القدرة على تمييز هذه الظواهر.

يوصي الرسول يوحنا في رسالته العامة الأولى للمسيحيين قائلاً: “أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟” (1يو1:4).

إننا نضع أهمية كبرى في اللاهوت الأرثوذكسي على فضيلة التمييز، إذ إن وجودها دليل على اقتناء نعمة الله. فاللاهوت الحقيقي هو تمييز مصدر الأرواح الله أم الشيطان. من هنا القول بأن اللاهوتي الذي يستطيع تمييز الأفكار والرؤى هو أب روحي سديد.

من الواضح في تعليم الآباء القديسين أن التمييز يفترض مسبقاً معرفة روحية وحياة روحية. يقول القديس مكسيموس المعترف أن مكافأة ضبط النفس هي اللاهوى، واللاهوى يولد التمييز.

يولي الآباء القديسون أهمية كبرى لفضيلة التمييز لأنها ترتبط بالمعرفة الروحية الحقيقية. وبحسب القديس ذياذوخوس فوتيكيس: “نور المعرفة الحقيقية هو قوة التمييز بدون خطأ بين الخير والشر“. يقول القديس يوحنا السلمي أن التمييز هو نور في الظلمة، وطريق للمسافر الضال، واستنارة للأعمى. والشخص المميِّز هو مكتشف للصحة ومدمر للمرض“. وتظهر أهمية فضيلة التمييز في قول القديس أنطونيوس أن بعض الناس ضيّقوا على أجسادهم وقهروها بالنسك، ولكنهم أعوزتهم موهبة التمييز وبالتالي هم بعيدون عن الله“.

يبدو إذاً أن التمييز هو عطية إلهية، وأنه مرتبط بحالة الشخص الروحية. يقول القديس يوحنا السلمي أن عند المبتدئين في الحياة الروحية يكون التمييز في معرفة الذات الحقيقية، وبالنسبة للذين هم في منتصف طريق الكمال يرتبط التمييز بالقدرة الروحية على التمييز الصادق بين ما هو حسنٌ بحق وما هو مضاد بالطبيعة لما هو حسن، وبالنسبة للكاملين يكون التمييز مرتبطاً بالمعرفة الروحية التي تأتي مع الاستنارة الإلهية وتلقي الضوء حتى على تلك الأشياء المظلمة بالنسبة للآخرين.

لقد أردنا مما قيل عن التمييز أن نظهر عدم سهولة الحكم على كل خبرة يصفها أشخاص على وشك الموت. إنها موهبة للآباء الروحيين العظام الذين يرون الحقيقة بعمقها ولا يفحصون السطح ببساطة. فهم يميزون إن كان الأمر ثمرة لحالة نفسية غير سوية، أم هو ظهور للشيطان، أم أنه نتيجة لظهور الله والقديسين. هذا هو السبب الذي يجعل من الصعب على أي أحد أن ينخرط في تحليل خبرات الاحتضار وما بعد الموت.

ولكن توجد بعض النقاط الخارجية التي تميّز وتحدد هذه الخبرات. فالمسيح إذ يتكلم عن الأنبياء الكذبة الذين يأتون في ثياب الحملان وهم من داخل ذئاب خاطفة، ينصح تلاميذه قائلاً: “من ثمارهم تعرفونهم“. كل شجرة جيدة تعطي ثمراً جيداً وكل شجرة رديئة تعطي أثماراً رديئة. “لاَ تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، وَلاَ شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا جَيِّدَةً“(مت 7: 18).

المحك إذاً هو الثمار الناضجة. فإذا ساد السلام والهدوء في القلب بعد رؤية ما، تكون هذه علامة على أنها من الله، ولكنها إن تسببت باضطراب فهذه علامة على أنها من الشيطان. يحدث نفس الشيء من جهة هوى الكبرياء. فعندما يتكبر الشخص بعد مثل هذه الخبرة، يكون ذلك علامة على أن قوة شريرة تتملكه. بينما الشخص الملهَم بنعمة الله يتواضع أكثر، وعادة ما لا يقول أي شيء.

وبالتالي تُقَيَم الخبرة بحسب حياة الشخص التالية للخبرة. تظهر هذه الحقيقة في المثالين اللذين أوردناهما من إيفيرجيتينوس.

بطرس الراهب الذي مات ورأى أهوال الجحيم وعاد للحياة شعر أن ذلك كان من أجل توبته. والملاك الذي منعه من أن يؤخذ في النار قال له: “اذهب واعرف كيف ستعيش بعد ذلك، وانتبه لنفسك“. وفي الواقع يقول غريغوريوس اللاهوتي أن الله سمح له بهذا الموت بعنايته الرائعة لئلا يموت إلى الأبد“. إذ أنه من الممكن أنه بعد عودة الناس من رؤية الجحيم ألا يُقادوا إلى التوبة، وهكذا يعودون للحياة الحاضرة بعد رؤية هذه الأمور المرعبة ويبقون غير قابلين للتغيير، ولا يبقى لهم أي عذر“.

والراهب الثاني الذي عاد للحياة الحاضرة بعد أن رأى أمه في محاكمة المدانين، أغلق على نفسه في القلاية واعتنى بخلاصه تائباً ونائحاً على ما فعله من قبل خلال التواني“. وقيل في الواقع أنه تاب بشدة، وكانت دموعه وتأنيباته لنفسه كثيرة لدرجة أن بعض الذين رأوه ترجوه أن يستريح قليلاً لكي لا يعاني من المرض بسبب إسرافه في النحيب”.

لا يستطيع أحد أن يبقي بدون تأثر وبلا توبة بعد مثل هذه الخبرات. فإذا انتفخ يعني أن ما اختبره كان إما شيطانياً، أو علامة من الله ولكنه شوهها وخسرها. فمن الممكن أن تكون خبرة واحدة كهذه سبباً للدينونة والملامة العظيمة.

ولكن حتى في حالة أبي الروحي، أستطيع أن أضمن حقيقة أنه حكى مرة واحدة ما رآه ولكنه لم يحكيه ثانية أبداً. ولكن هذا الحدث أنشأ فيه توبة عظيمة، محبوبة، غير محدودة. فهو لم يكن يدين أي أحد، وكان يشعر أنه حاضر في كرسي دينونة الله المخوف. وفي مرة من المرات قلت له كلمة حمقاء فغضب بسبب أنني حرمته من نقاوة عقله، وبسبب أنني أعطيته فرصة للإدانة على حين أنه كان تحت الحكم في ذلك الوقت بحسب قوله. لقد قال لي مراراً وتكراراً أنه لو شفاه الله ومنحه أن يقيم الخدمات الطقسية ثانية، فلن يبشر ولكنه بدلاً من ذلك سيذهب ليقف أمام العرش ويقول: “اللهم ارحمني أنا الخاطئ“. لقد وصل لعمق الاتضاع والتوبة. وهذا ما يجعلني واثقاً أن هذه الخبرة، بالإضافة إلى كل حياته النسكية المتجردة، أوصلته إلى نهاية مقدسة جداً.

وعلى أية حال، من الصعب علينا أن نفهم نوع وطبيعة الرؤى، لذا يجب علينا أن نلجأ لأصحاب الخبرة والمعرفة بالحياة الروحية كما ينصحنا الآباء. ليس للأطباء النفسيين وعلماء هذا الدهر ما يقولونه في هذه المسائل. فهم يستطيعون أن يتوقعوا ويدركوا وجود شيء وراء الحياة الحاضرة، ولكنهم في كل الأحوال غير قادرين على تقديم تشخيص حقيقي معصوم من الخطأ.

خلاصة هذا الموضوع، أننا نستطيع أن نقول أن الشخص الذي يقترب من الموت يدرك حقيقة أخرى، ومن الجائز أنه لم يكن يعرفها من قبل. فنحن نظن أن الحياة التي نراها هي الحياة الحقيقية. ومع ذلك، فطالما أنه توجد خليقة نوسية وحسية بآن واحد، فبالتالي هناك عالم آخر لا يخضع للعقل والحواس يفوق عالم المحسوسات والمدركات. وهكذا من يتوجّه نحو الموت يُقاد نحو الواقع والأصالة. فالباطل على ارتباط بوجودنا في عالم الحواس والمادة.

ومع ذلك، لا ينبغي ترك نوس الإنسان يُستَنـزَف بلا هدف في شئون كثيرة حتى ولو كانت رؤى. على النوس ألا يكف عن تذكّر الله المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالوعي بالخطية. وبالتالي لا ينبغي على النوس أن يتمعن فيما يسمى الحالات فائقة الطبيعة“. وحتى لو كان الإنسان مختبراً بشكل ما، لا ينبغي عليه أن يعتمد عليها بصورة مطلقة. القديسون أصحاب النوس النقي يرون خزيهم حتى في وسط رؤيتهم لله. وفي كتاب الأرشمندريت صوفرونيوس معاينة الله كما هو، هو يؤكد باستمرار حقيقة أن النوس، بالرغم من معاينته للنور الغير مخلوق ولخبرات أخرى، كان منشغلاً بخطاياه وليس بالحالات التجريبية المختلفة.

يقول القديس اسحق السرياني أن الذي يُحسَب مستحقاً لأن يرى نفسه هو أعظم من الذي يُحسَب مستحقاً لرؤية الملائكة“. وأن الذي يُحسَب مستحقاً لأن يرى خطاياه هو أعظم من الذي يقيم الموتى بصلواته“.

نحن لا ننتفع من رؤية الملائكة ومن إقامة الأموات إن لم نكن قد اكتسبنا المعرفة الروحية بذواتنا، وقد أقمنا أنفسنا الميتة من الأهواء والخطايا. يسمح الله ببقائنا في الحياة لنستطيع أن نتوب ونتذوق ملكوت السموات.

* من كتاب الحياة بعد الموت، الباب الثاث. ترجمة د. نيفين سعد. مراجعة الأب أنطوان ملكي

– Hieromonk Seraphim Rose: The soul after death, Platina, California, 1977.

– Archbishop Lazar Puhalo: The soul, the body and death, Synaxis Pess, Canada.

– The Sayings of the Desert Fathers, Mowbrays, London, 1975.

مرارة الجحيم

مرارة الجحيم

الخورية سميرة عوض ملكي

الجحيم كلمة ترافق الإنسان منذ طفولته. وللأسف، قلّما نلتقي بالتفسير الحقيقي لهذه الكلمة والمستنِد إلى فهم روحي. فأغلب الأحيان، ترعِب هذه الكلمة الصغار والكبار معاً بسبب التصوّرات والأفكار الخاطئة والأوهام المزروعة في الأذهان والنفوس. فمفردات الجحيم والحب والخير والجمال وغيرها من الكلمات التي تتعلّق بعمق حياة الإنسان وقد كُتِب عنها الكثير من المؤلّفات والأساطير والملاحم والمثولوجيات والفنون، وما زالت إلى اليوم تشكّل مادة مهمّة لصناعات المرئي والمسموع ذات التأثير الكبير على الشعوب.

اختلفت الشعوب في بعض الأحيان وتلاقَت في غيرها في تصوير الجحيم. فمنهم مَن رأى أنّه دار أو مقرّ الأموات، أو مملكة الأموات المظلمة، أو الهاوية التي لها قواتها التي تندفع منها إلى الأرض لتلتهم الأحياء وما إلى هنالك… حتّى الكتاب المقدّس، بعهديه القديم والجديد، يشير إلى الجحيم بمقاطع كثيرة. بالتأكيد، لم يقبل الكتاب المقدس أيّاً من تصورات الأمم عن الجحيم. ويبقى السؤال لماذا الحديث عن الجحيم فيما نحن نفرح ونتهلل بعيد الفصح؟ إن الهدف في هذا المقال هو عرض تعليم التقليد الكنسي عن الجحيم وإبادته. بالطبع نحن نحتفل بقيامة المسيح والكنيسة تعلّمنا أنّ احتفالنا بالفصح يبدأ في لحظة نزول المسيح إلى الجحيم. ما معنى هذا؟

الجحيم في التقليد الأرثوذكسي ليس مجرّد مكان بل هو سلطان وسيادة الموت والشيطان، من هنا أن جوهر القيامة هو موت الموت وإبادة الشيطان. هذا ما فعله المسيح إذ بنزوله إلى الجحيم غلب الموت وحطّم الشيطان وملأ كل الأشياء برؤية ألوهيته، فغفر للخطأة وأنار أعين العميان الذين على الأرض وفي الوقت نفسه سطع نوره على الساكنين في الظلمات وظلال الموت. ولعلّ من أروع الصوّر التي نجدها مراراً في خدمة الفصح تلك التي تصوّر الجحيم منادياً متأوّهاً وصارخاً بخوف. نذكر على سبيل المثال كانين الأودية الرابعة: “أيها الكلمة إن الجحيم لما استقبلك تمرمر، لمشاهدته إنساناً متألِّهاً يُوسم بالكلوم، مع أنه القادر على كلِّ شيءٍ، فمن هذه الصورة الغريبة صاح مرتاعاً.” فالمسيح مع كونه مثخَناً بالجراح إلا إنه كان لا يزال كليّ القدرة بسبب ألوهيته مع استحالة أن تكون الجراح لها إنما لنفسه التي تألّمت مع جسده.

هذا ينطبق أيضاً على نفس الإنسان هنا والآن، وليس بعد الموت وحسب. الذين يرتكبون أموراً شريرة عادمة الضمير، فإن صورة أعمالهم عندما يتفطّنون لها، تثير الرعب في نفوسهم أكثر من الظلام والنار الأبدية حيث أن رؤية المسيح القائم تكشف عيوب الإنسان، كما يكشف النور الظلام. هذا هو الجحيم الداخلي بعينه، أن يرى الإنسان عيوبه على نور المسيح. لكن المسيح لا يكشف لنا نوره لنتعذّب بل لنتوب. من جهة أخرى، يعاني الكثيرون اليوم من تسلل الجحيم من خارج نفوسهم إلى داخلها. فما يحيط بالإنسان وما يراه ويمرّ به ويعانيه ويتأثر بنتائجه، في داخل الكنيسة وخارجها، يثير فيه الإحباط، فتصير رؤية المسيح والنور أصعب. هذا يبعد البعض عن الكنيسة، فيما يتوّهم البعض الآخر بأنّه قيامي ويتغنّى بفرح القيامة، ولا يميّز فعلياً بين الحقيقة والوهم.

لكي يرى الإنسان المسيحَ القائم عليه أن يختبر التوبة التي تؤدّي إلى التطهّر والسلام الداخلي وبراءة النفس التي تنتج الفضائل وتبعد كل هوى بالاتّضاع. هذه الحالات عندما يختبرها الإنسان، بسلوكه حسب تعليم الكنيسة، يصير قادراً على النزول إلى جحيم قلبه فيغلب الموت فيه ويرى ملاك الرب، أي ضميره، يدحرج له الحجر ويخبره بأن الفضيلة التي ماتت في قلبه سوف تُقام وتؤهّله للمعرفة التي تمنحه أن يرى المسيح القائم ممرمِراً للجحيم.

* عن نشرة الكرمة.

غيرة أم إدانة؟

غيرة أم إدانة؟

الخورية سميرة عوض ملكي

إن التوق إلى تفسير ما يجري اليوم في كنيستنا من اضطرابات وتساؤلات محيّرة عن أيّ جواب وصراعات وأفكار لا سكينة لها، يمكنه أن يعمينا عن تذكّر مراحم الله الغزيرة، وعظمة ملكه وكلية اقتداره التي لا نهاية لها. فالنعمة الإلهيّة تعلّمنا أنّ السيّد يعطينا معرفة رحماته بالروح القدس وإلاّ لكنّا يئسنا بسبب خطايانا وبسبب كلّ ما يحيط بنا.

يقول القديس سلوان الأثوسي: “القلب المسيحي يخشى أدقّ حركة لفكره أو أي شعور عدواني أو سيء النيّة، يتألّم وينوح على كل شيء، وفي الوقت ذاته، لا يخاف أحداً أو شيئاً حتّى ولو «دخلت الأرض والسماء في تصادم»، حتّى ولو «هَوَت الجبال وأطبقَت فوق رؤوسنا بكلّ ثقلِها»، فإنّ قلب الإنسان العيق يبقى في سلام رصين، هادئ“. من هنا ينبغي على كلّ عضو من أعضاء الكنيسة أيّاً كانت مرتبته أن يحصّن نفسه من مرض الفصام الروحي أو ما يسمّى الشيزوفرينياالروحية المتفشّي منذ بدء التاريخ بدءاً بالسقوط إلى يومنا هذا. وهناك العديد من الأمثلة في الكتاب المقدّس بعهديه تشير إليه: “حَتَّى مَتَى تَعْرُجُونَ بَيْنَ الْفِرْقَتَيْنِ؟ إِنْ كَانَ الرَّبُّ هُوَ اللهَ فَاتَّبِعُوهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَعْلُ فَاتَّبِعُوهُ” (1ملوك 21:18)، لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْرَبُوا كَأْسَ الرَّبِّ وَكَأْسَ شَيَاطِينَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْتَرِكُوا فِي مَائِدَةِ الرَّبِّ وَفِي مَائِدَةِ شَيَاطِينَ” (1كورنثوس 21:10)، هكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي” (رؤيا 16:3).

وعن هذا يتكلّم غاندي بكلام جميل فيقول: “أنا مُغرَمٌ بمسيحكم، ولكنّي كرهتُ مسيحيّتكم، أعطوني المسيح وخذوا مسيحيّتكم، لم أجد في مسيحيّتكم المسيحَ الذي تتكلّمون عنه“. أنا لا أستطيع أن أقول أني مسيحي طالما مسيحيتي تنفصل عن المسيح. لا يمكنني أن أتناول الأسرار الإلهية وأمارس العبادة في الكنيسة، وأتأثّر بالكلمات الإلهية أو التراتيل، وعند خروجي من الكنيسة وعودتي إلى المنزل أو العمل أكون شخصاً مغايراً كلياً، استخدم أسلوباً عدائياً مع عائلتي أو على شبكات التواصل أظلُم وأشتُم وأُدين وأدخل في مخاصمات دائمة مع مَن حولي… فالمسيحي يجب أن يعيش بوجه واحد، داخل الكنيسة وخارجها، فيتقبّل عطيّة المحبة الروحية الأبدية للكلّ ومن أجل الكلّ. فلا يكون كالذين يصفهم الرسول بولس لَهُمْ صُورَةُ التَّقْوَى، وَلكِنَّهُمْ مُنْكِرُونَ قُوَّتَهَا” (2تيموثاوس 5:3) أو يصبح نحاساً يطنّ أو صنجاً يرنّ” (1 كورنثوس 1:13).

الإنسان المؤمن تتركّز وّته في درء ومقاومة الشرّ الذي قد تتعرّض له الكنيسة وعليه أن يفرّق بين الحكم على الخطايا الشخصية والحكم على الأخطاء العقائدية أو الإيمانية. فليس من حقّ أحد أن يخوض في الحياة الشخصية لأيّ إنسان ويلوك سيرته بفمه أو على صفحته. وهذا ما تتعلّق به وصيّة الرب: “لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ(متى 2:7)، مَنْ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ عَبْدَ غَيْرِكَ؟” (رومية 4:14).

أمّا بالنسبة لأمور الإيمان فالدفاع عنها واجب مقدّس. هوذا يوحنا الحجبيب يقول من جهة اﻷمور الإيمانية كُلُّ مَنْ تَعَدَّى وَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَعْلِيمِ الْمَسِيحِ فَلَيْسَ لَهُ اللهُ. وَمَنْ يَثْبُتْ فِي تَعْلِيمِ الْمَسِيحِ فَهذَا لَهُ الآبُ وَالابْنُ جَمِيعًا(2يوحنا 9:1)، وأيضاً الرسول بولس يذكّر في رسالته إلى تيطس اَلرَّجُلُ الْمُبْتَدِعُ بَعْدَ الإِنْذَارِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ، أَعْرِضْ عَنْهُ.عَالِمًا أَنَّ مِثْلَ هذَا قَدِ انْحَرَفَ، وَهُوَ يُخْطِئُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ.” (10:3-11). فعدم إدانة المنحرف هي تقصير من جهة المؤمن وتؤثّر على الجماعة. فالذين تزعموا إدانة المنحرفين اعتبرتهم الكنيسة من أبطال الإيمان إكليروساً وشعباً.

نحن بحاجة إلى موقف ثابت لا يعرج بين الفرقتين أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، أَنَّكَ لَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا. لَيْتَكَ كُنْتَ بَارِدًا أَوْ حَارًّا! هكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي” (رؤيا 15:3-16). لأن التقلقل هو وليد الخطايا وليس وليد المحبة. ولو حفظ المسؤولون وصايا السيّد وطبّقوها، ولو أطاع الشعب باتّضاع، اكان لنا على الأرض سلام عميق وفرح عظيم.

الغيرة المقدّسة

الغيرة المقدّسة

الخورية سميرة عوض ملكي

غالباً ما يتحدّث الناس عن الغيرة السلبية النابعة من دوافع أنانية وقد تتراوح بين الحبّ النزيه والحسد الرديء. ولكن ثمّة نوع من الغيرة المقدّسة يتحدّث عنه الكتاب المقدّس، وهذه هي موضوعنا.

إحدى الصعوبات التي يواجهها المؤمن الغيور على الكنيسة أنّ كلامه يُفهَم على أنّه إدانة. فالغيرة المقدّسة عندما تتّقد في قلب المؤمن تكون كالنار تُلهِب. وكثيراً ما يندفع بحماس وبكلّ جهد لأجل الكنيسة ولأجل خلاص الناس. هوذا داود النبي وغيره من الأنبياء تتملكه الكآبة من أجل الخطأة الذين انحرفوا فيقول: “أَهْلَكَتْنِي غَيْرَتِي، لأَنَّ أَعْدَائِي نَسُوا كَلاَمَكَ” (مزمور 139:119). وهذا للأسف قد لا يفهمه حتّى الآباء الروحيون أنفسهم حين يشتكي المؤمن من وضع الكنيسة والقيّمين عليها أو من الإخوة المقرّبين منهم، فينعتونه بالديّان. إن الذي يحبّ الله يريد أن يكون الكلُّ لله، وأنّ الكلّ يخلصون، وهذا ما عبّر عنه الرسول بولس بقوله: “مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟” (2كورنثوس 29:11). وقد يعتبر البعض أنّ الغيرة تنفي الوداعة والتواضع، فهل السيد المسيح، وهو المثال في الوداعة والتواضع، قد فقد هاتين الفضيلتين حين طرد الباعة من الهيكل؟ (أنظر متى 12:21-13)، أو هل كلن الرسول بولس ديّاناً حين احتدّت روحه لرؤيته مدينة أثينا مملوءة أصناماً (أعمال 16:17)؟ أم كيف نفسّر غيرة النبي موسى التي بلغت أن يحطّم لوحَي الوصايا عند رؤيته شعبه قد رفع العجل الذهبي؟ وماذا نقول عن إيليا والأنبياء في العهد القديم والرسل والقديسين في العهد الجديد؟

لكن مما لا شكّ فيه أن الغيرة المقدّسة لا تؤثّر في الناس ما لم تصحبها سيرة صالحة، لأن أفضل دفاع عن وصية الله وتقاليد الكنيسة هي في أن يراها الناس مُعاشةً في المدافعين عنها، وإلا فباطلة هي هذه الغيرة ومعثِرة. الكلام بغيرة عن وصايا الله من دون السيرة الصالحة هي كالجرس الذي يدعو الناس إلى الكنيسة ويبقى هو خارجاً.

يخطئ مَن يتعاطى مع الغيرة المقدسة كتحزّب أو كثورة من أجل الإصلاح، وأنّ هذه الثورة تكون بالشتائم والتوبيخ والخروج عن اللياقة، تماماً كما يجري على شبكات التواصل الاجتماعي حيث لا ضوابط إلا تلك التي يضعها الإنسان لذاته.

إن هذا النوع من الغيرة يوبخه الرسول يعقوب في قوله: ” وَلكِنْ إِنْ كَانَ لَكُمْ غَيْرَةٌ مُرَّةٌ وَتَحَزُّبٌ فِي قُلُوبِكُمْ، فَلاَ تَفْتَخِرُوا وَتَكْذِبُوا عَلَى الْحَقّ.ِ لَيْسَتْ هذِهِ الْحِكْمَةُ نَازِلَةً مِنْ فَوْقُ، بَلْ هِيَ أَرْضِيَّةٌ نَفْسَانِيَّةٌ شَيْطَانِيَّةٌ. لأَنَّهُ حَيْثُ الْغَيْرَةُ وَالتَّحَزُّبُ، هُنَاكَ التَّشْوِيشُ وَكُلُّ أَمْرٍ رَدِيءٍ. وَأَمَّا الْحِكْمَةُ الَّتِي مِنْ فَوْقُ فَهِيَ أَوَّلاً طَاهِرَةٌ، ثُمَّ مُسَالِمَةٌ، مُتَرَفِّقَةٌ، مُذْعِنَةٌ، مَمْلُوَّةٌ رَحْمَةً وَأَثْمَارًا صَالِحَةً، عَدِيمَةُ الرَّيْبِ وَالرِّيَاءِ” (يعقوب 14:3-17).

ليست الغيرة مجرّد كلام، إنها كالنار التي تُنضِج لا كالنار التي تحرِق. إنها بذل، مثلما فعل السيّد من غيرته لخلاص الناس. فهو كان وديعاً ومتواضعاً لكن أيضاً قوياً وشجاعاً. وهكذا يجب أن يكون كلّ مؤمن على صورة سيّده، قوياً في الدفاع عن الإيمان والحق، فالغيرة من الصفات والأسماء الإلهية، فَإِنَّكَ لاَ تَسْجُدُ لإِلهٍ آخَرَ، لأَنَّ الرَّبَّ اسْمُهُ غَيُورٌ. إِلهٌ غَيُورٌ هُوَ.” (خروج 13:34).

لقد تذكّر التلاميذ أنه مكتوب غيرة بيتك أكلتني” (يوحنا 17:2) بعد أن صنع الربّ سوطاً من حبال وطرد الجمع من الهيكل. هذه الغيرة دفع ثمنها على الصليب ومات عنها. إنها الغيرة التي فيها الحبُّ والبذل. إنها الغيرة التي تطلبها منّا صورة الله التي فينا، والتي نحقق مثاله في اكتسابها.

* عن نشرة الكرمة

النسك، أمّ القداسة

النسك، أمّ القداسة

الميتروبوليت سيرافيم كاستوريا

نقلتها إلى العربية شيم حموي

إن إحسان الله على البشر يجعلنا مستحقين من جديد هذه السنة لنعبر فترة التريودي المقدسة وبنعمته ورحمته اللامحدودة سوف ندخل في الصوم العظيم خلال عدة أيام.

دعوني أذكّركم مرة أخرى كما أذكّر نفسي أيضاً بأنّ ما تقدمه الكنيسة هو في تضادٍ مع العالم المعاصر ومع المجتمع الاستهلاكي. إنّه النسك.

إنه يدعى أيضاً أمّ القداسة، لجامَ الأمور التي تسبب الموت الروحي، نظاماً لأعضاء الجسد، كما أنه إزالة لقذارة طعم الشجرة (شجرة المعرفة) بحسب تعبير القديس غريغوريوس اللاهوتي، الذي يكتب مملوءاً بالتقدير [1]:

هيا إذاً فلتنكروا ذواتكم ولتسكبوا حياتكم القديمة الآن في جدّة الحياة مخضعين كل ما يؤدي إلى الموت الروحي، مؤدبين شخصكم بكامله متقيئين كل لقمة قذرة من الشجرة، وكذلك متذكرين طرقكم القديمة لهدف وحيد هو تجنبها. الثمرة التي حملت إلي الموت كانت محببة للعين وشهية للمأكل ولكن فلنبتعد عن الجاذبية الخارجية ونوجّه نظرنا نحو ذواتنا الداخلية.

لا تدعوا الرغبة بالجمال تأخذ أفضل ما لديكم وتجعلكم عبيداً لعينيكم، ولا حتّى باختلاس نظرة سريعة ماكرة، بل تذكروا حواء وتلك الرغبة الفائقة الحلاوة لكن السامّة. كيف يمكن لرجل هالك بتلك التي هي خاصته أن يجد خلاصاً سهلاً في غيرها؟ لا يستسغ حلقك تناول كل ما هو في متناول يديك: لذة جذابة في البداية ولكن ما إن تُستهلك حتى تُلفظ.

أتعثرك حاسة الشم؟ اسعَ إذاً إلى تجنب الروائح العطرة! أتضنيك حاسة اللمس؟ تخلَّ عن الأشياء الناعمة والأنيقة! أتحتال أذنك عليك؟ أوصد الباب في وجه الكلمات الحاذقة المضللة! اسعَ إلى فتح فمك من أجل كلمة الله التي قد ترسمها بالروح ولا تُمْتَص بالموت.

في أي مرة يغريك شيء محرَّم تذكّر ما كنت عليه وكيف قاربت أن تضيع. فإذا حدث وانحرفت بطريقة ما عن الصواب حاول أن تستعيد حواسك قبل أن تعبر نهائياً بعيداً عن المرسى وتُرمى في الموت؟ واستبدل إنسانك القديم بإنسانك الجديد واستدِر للاحتفال بتكريس روحك.

اجعل الحيّة موضوع حنقك الوحيد لأنها هي التي سببت سقوطك. دعْ كل طموحك مكرساً لله وليس لأي مخادع أو غاية مغوية. دعْ العقل يترأس على كل شيء ولا تسمح لجزئك الأفضل أن ينحرف نحو الأسوأ. لا تبغض أخاك دون أن تنتظر ربحاً لأن من أجله مات المسيح وصار أخاً لك، مع أنه هو الله الرب.

لا تحسد الورعين انت يا مَن بذاتك وقعت ضحية للحسد وأُغْوِيْتَ بالاستسلام له ولهذا سقطت. لا تخجل من أن تبكي أنت يا مَن احتملت المعاناة التي تستحق دموعاً كثيرة ومن ثمّ تلقيت الرحمة. لا تعرض عن المحتاجين انت يا مَن مُنحتَ ثروة الألوهية، وإلا أقلّه لا تصبح غنياً على حسابه، وهذا طلب كثير من الأناني والجشع.

لا تحتقر الغريب لأن من أجله صار الرب، الذي نحن غرباء ومتغرّبون له جميعنا، غريباً على الأرض؛ وإلا سوف تُغَرّب عن الفردوس كما كنت في السابق. شارك طعامك وملابسك وملجأك مع المحتاجين، أنت يا مَن تمتلك أكثر من حاجتك وتتمرغ في ما تملك. لا تعشق ثروة إلا إذا كانت نافعة للفقراء. أظهر الرحمة التي قد أُظهِرَت لك. أحفظْ اللطف لنفسك بإظهاره نحو الآخرين عندما تسنح الفرصة. اجعل كل طريقك في الحياة وكل وجودك مكرسَين من أجلك“. [2]

وقد عبر القديس يوحنا الذهبي الفم عن نفس المفهوم بقوله:

حرر نفسك من العبودية أولاً، واكسب من بعدها لا كعبد من بعد بل كسيد. احتقر الثروات فتصير غنياً. ازدرِ بالمجد فتصير ممجداً. ارفض الانتقام لنفسك من أعدائك وسوف يتحقق لك لاحقاً. تخلَّ عن الراحة وسوف تحصل عليها فيما بعد، لا كَسَجين او عبد بل كرجل حر. كما في حالة الأطفال الصغار عندما يطلب الطفل الألعاب بلهفةٍ، كالكرة على سبيل المثال وغيرها من مثل هذه، نخفيها عنه بحرص كبير، حتى لا يكون ممنوعاً عن الأشياء الضرورية؛ ولكن عندما يصبح تفكيره بها أقل ولا يتوق إليها بعد عندها نقدمها له بلا خوف، عالمين بأن من ثمّ لن يأتيه أي أذى منها، وأن الرغبة لم تعد تملك من القوة ما يبعده عن الأشياء الضرورية. هكذا الله أيضاً، عندما يرى أننا لم نعد نطلب أشياء العالم برغبة، يتيحها لنا, لأننا عندها نمتلكها كرجال وأحرار لا كأولاد“.[3]

بالنسك نبلغ الحرية الروحية، وبالإضافة، نسلك برؤية ملكوت الله. إن نصائح الآباء المتوشحين بالله تنطبق الآن علينا جميعاً وخاصة رعاة الكنيسة: “أعطِ دماً وخُذْ روحاًما يعني أنّ علينا أن نجاهد في جهاد النسك لنتمتع بغنى نعمة الله.

في النهاية كيف لنا ان نتكلم عن النسك إذا كنا نزدريه؟ أو كيف نستطيع التكلم عن الطيبة(لدماثة)ss يف نستطيع التكلم عن (د غذا كنا نزدريه؟ أو كيف نستطيع التكلم عن (الدماثة) أو روح حب المال لتتلقى الروحوهذا يعني أنه أو روح حب المال والكسل والفضول وحب الرئاسة والكلام البطال، بحسب أروع صلوات الصوم الكبير صلاة القديس إفرام السرياني (أيها الرب وسيد حياتي….) إن لم نمتثل لتعاليم الكنيسة الحكيمة التي فيها شفاء جراحنا وأهوائنا.

إن الوقت مناسب إذاً لنتعامل مع النسك بجدية وبشكل لائق، لنقدمه ونعلمه لأناسنا المبارَكين مهيئين إياهم للصوم العظيم المقدس، حتّى يتمتعوا بمعاينة الله في ليلة القيامة.

يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي: “أي شخص ينظر إلى أعلى ويخلط الجسد مع الروح، يكون المسيح دليله الودود في الحياة كل الذين يهبون كل أرضهم، لسانهم، آذانهم، وحتى عقولهم وقوتهم للحياة الآتيةويجلبون إلى مستودعاتهم أشياء فوق الدنيوية بكثير، فسوف يرون بعيونهم ملكوت الله وسوف يصبحون روحاًهذه هي نهاية حياة الموت. إلى هذا يرفعنا ذلّ آلام المسيح“. [4]

1. Oration 44, “On New Sunday”.

2. Ibid.

3. Homily 25, On Hebrews.

4. Poem 45, “Lamentation on the Passions of his Soul”.