الإنسان المخدوع والرحمة

الإنسان المخدوع والرحمة

الأب أنطوان ملكي

يبدأ النصّ الإنجيلي بعبارة يُشبِه ملكوتُ السماوات انساناً مَلِكاً“. كيف يشبه الملكوت إنساناً ومَن هو الإنسان الذي يشبه الملكوت؟ إنه بالطبع يسوع المتجسّد، أي ابن الله متّحدًا بالناسوت، ما جعله إنسانًا ملكًا. العبد المديون بعشرة آلاف وزنة هو البشرية. يرى بعض اﻵباء أن الرقم عشرة يُشير إلى الوصايا العشرة، والرقم ألف يُشير للأبديّة. هذا يعني أن قيمة دين الإنسان أي عشرة آلاف، هي مخالفة كبيرة للناموس، وليست شيئاً يستطيع أي مخلوق أن يفيه في حياته. إذاً هذا المثل يظهِر يسوع ملكاً ديّاناً يقف أمامه الإنسان بعجزه التام عن الإيفاء بالدين. بيع المديون هو بحسب الشريعة، أي أنه أمر قانوني لكنه ذو معنى روحي عميق. فبيع الإنسان يعني أن الإنسان خسر كل شيء. كون معنى الدَين الفعلي في المَثَل هو الخطيئة، فهذا يعني أن الخطيئة تفقِد الإنسان الكثير. فبالخطيئة يخسر الإنسان روحه أي ذاته، كما يفقد زوجته أي جسده المرتبط به والذي يعوله ويربِّيه، لكون الخطيئة تحوّل الجسد الصالح دنسًا مثقّلاً بالشهوات التي تفسد الفكر والحواس. أمّا الأولاد الذين سوف يُباعون مع الإنسان لأنه يفقدهم فَهُم المواهب المتعدّدة التي حباه الله بها، والتي تحوّلها الخطيئة من أدواتٍ لبِرّ لله إلى أدوات إثم تخدم الشيطان؛ أمّا الممتلكات فهي الأمور التي بطبيعتها هي صالحة لكن فساد الإنسان يحوّلها إلى معثرة.

ومجدداً يظهر الإنسان بمظهر المُضلَّل حيث يطلب التأجيل ظانّاً أن بعض الوقت قد يؤهّله للإيفاء. لكن الملك أعطاه أكثر ممّا طلب فأطلقه حرًا وترك له ما عليه. هنا المعنى الروحي هو أن الملك وَهَبَه حرّية النفس والجسد، مقدّسًا مواهبه وممتلكاته، حتى يكون بكلّيته مقدّسًا له.

لكن انغلاق قلب العبد على أخيه عطّل حريته. طبعاً تظهِر مقارنة ما كان له عند أخيه بما كان عليه للملك فرقاً شاسعاً، مئة بمقابل عشرة آلاف. أمامنا إنسان تحرّر من عشرة آلاف وزنة، ولا يتنازل لأخيه عن مائة وزنة. يصف القديس يوحنا الذهبي الفم حالته بقوله: “إذ لم يكن بعد صوت المغفرة يدوّي في أذنيه نسي محبّة سيّده المترفّقةإن تذكار معاصينا أمر مفيد للغاية وضروري جدًا. ليس شيء يجعل النفس حكيمة بحقٍ ووديعة ومترفّقة مثل تذكار خطايانا على الدوام“.

واقع هذا العبد أحزن العبيد رفقاءه فشكوه إلى الملك. هذا تعليم عن أهمية صوت الجماعة. إن الله يسمع تنهّدات البشريّة بسبب قسوة الناس على بعضهم البعض. هذا هو حال البشريّة. إنها تئن من عدم تنازل الناس لبعضهم البعض وعدم غفرانهم لأخطائهم التي يرتكبونها بحق بعضهم البعض. لكن السيد ومعه الجماعة، أي الكنيسة، يحزنان جدًا لرؤية مَن لا يصفح يخسر ما تمتّع به من عطايا ونِعم إلهيّة.

يختم السيد المقطع الإنجيلي بقوله: “هكذا أبي السماويُّ يصنعُ بكم إنْ لم تَتْركوا من قلوبِكم كلُّ واحدٍ لأخيهِ زلاَّتِهِ“. يلاحظ القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيّد في هذه العبارة الإلهيّة لم يقل أباكمبل أبي“. فهو من جهة يساوي نفسه بنا ومن جهة أخرى ينحو بالله عن أن يكون أبًا لشرّيرين وحقودِين.

الغاية الأخيرة لهذه القراءة الإنجيلية هي أن نفهم أننا مرحومين لأن الرب كريم، وأننا نبقى مرحومين طالما نرحم. إن مقياس تلقينا للرحمة هو مقدار نقلنا إياها إلى إخوتنا البشر الآخرين.

* عن نشرة الكرمة، حول إنجيل الأحد الحادي عشر من متى

الإعلام الرقمي والشهادة الأرثوذكسية

الإعلام الرقمي والشهادة الأرثوذكسية

الشيخ أفرام رئيس دير الفاتوبيذي

قدس الممثل الرسمي لغبطة البطريرك المسكوني برثلماوس الأرشمندريت سيزاريوس

سيادة مطران كيساموس،

أصحاب النيافة الرؤساء،

السادة المسؤولون

إخوتي بالمسيح

الزمن الذي نعيش فيه ينمو دائماً وبمعدلات سريعة، بحيث يواجه الإنسان صعوبة في مراقبة التطورات والأكثر صعوبة هو تقييمها. إن التطور السريع للتكنولوجيا الحيوية والمعلوماتية وغيرها من العلوم واستخدام الإنترنت وتأثيرها على الحياة الاجتماعية قد شكّلا طريقة حياة معولمة مختلفة تمامًا عن ما كان في الأزمنة السابقة. مَن كان يعتقد، على مدى عدّة عقود، بأنه يمكن الاتصال ببعضنا ورؤية بعضنا البعض من خلال جهاز صغير، هو عبارة عن هاتف محمول أو لوحة، فيما الآخر على المقلب الثاني من الأرض!

الإلكترونيات والتكنولوجيا الرقمية لم تغزُ حياتنا وحسب، بل أصبحت الآن جزءاً لا يتجزأ منها.لقد أصبح استخدام الكمبيوتر ضروريًا للغاية بالنسبة إلى السكرتارية والمحاسبة والدراسة الاقتصادية لكل شركة كبيرة أو خدمة خاصة صغيرة أو خدمة عامة. لكن الأكثر إثارة للاهتمام هو أجهزة الكمبيوتر الموجودة في كل مكان، في المدرسة، في المنزل، في الرعية، في المطرانية وحتّى في الدير. مَن من المستعملين يرضى أن يعود إلى استخدام الآلة الكاتبة أو الكتابة بالقلم والورقة في عمله؟ لا يمكن تخيّل ذلك. في المدرسة، في الدروس الخاصّة، في المنزل، في العمل، في الترفيه، في وقت الفراغ، يكون بجانبنا كومبيوتر أو بدلاً عنه جهاز رقمي صغير، أو لوحة، أو هاتف محمول، أو حتى ساعة ذكية. لقد جلبت الثورة الرقمية كإستمرار للثورة الصناعية الكثير من الثمار إلى عصرنا.

قبل بضع سنوات تمحورت المناقشات حول قدرة وسائل الإعلام الرقمية على تقديم معلومات مثل وسائل الإعلام الكلاسيكية. الآن، مع شبكة الإنترنت، نجد أنها لم تفشل، بل تجاوزتها، حتى لا نقول أنها حلّت مكانها. وبطبيعة الحال لم تبقَ فقط في مجال الإعلام بل دخلت مجال الاتصالات والليتورجيا والصحة والترفيه والتجارة. الآن، بهاتف محمول يمكنك التحدث إلى شخص ما، ورؤيته على قيد الحياة، وحيثما يكون الآخرون، يمكن الاتصال بك من خلال صفحة ويب ﻹيصال أخبار اليوم، اللعب، الاستماع للموسيقى والراديو، مشاهدة الأفلام، شراء ما تريده من الإنترنت، كما يمكنك العثور على معارفك الذين فقدت الاتصال بهم منذ سنوات أو اكتساب أصدقاء جدد من خلال الشبكات الاجتماعية. وكل هذا ممكن شرط أن تكون على اتصال بالإنترنت.

نحن نرى بوضوح قدرة الجيل الجديد في التعامل مع الوسائط الرقمية. ليس من المبالغة وصف الجيل الجديد بأنه الجيل الرقمي. بالطبع، التكنولوجيا الرقمية ليست ميزة الجيل الجديد فقط، هناك أشياء أخرى كثيرة دخلت حياتنا ولم تؤخَذ على محمل الجد. في أيار 1967، أنطلقت حركة من فرنسا أثّرت على الوضع الاجتماعي والأخلاقي في أوروبا وأمريكا وحتّى في اليونان. من نتائج هذا التمرد الاجتماعي التحرر الجنسي، والفردية، وتفتيت المؤسسات والبنى الاجتماعية والدينية. جاء تأثيرها كمحفّز بحيث أنها في غضون سنوات قليلة كسرت أسلوب الحياة الأخلاقي المعروف، والذي كان قائماً بطبيعة الحال على أساس الروح الفعلية والأساس الروحي الحقيقي للحياة في المسيح. وبالنتيجة، صار الجيل التالي أكثر ضعفاً روحياً، يتخطّى كل الحواجز الأخلاقية بسهولة كبيرة، ويعارض ويرفض كل القيّم والمثاليات. الجيل الحالي الذي يتكوّن من أحفاد شباب أيار 68 ضعفت أخلاقه بالكامل ووصل إلى درجة من السخف بات يرى غير الطبيعي من الطبيعة. لذلك، مجتمعاتنا اليوم تقبل بسهولة كبيرةٍ الزنا والإجهاض والمساكنة والمثلية وتبنّي المثليين للأطفال والهويات المجندرة، الخ. لأنها كانت وما زالت مطالبَ عصرنا. الإنسان المعاصر يطلب وينظر إلى الخطيئة كحالة طبيعية وكنمط حياة صحيح وطبيعي. وهكذا شيئاً فشيئاً، بدأت تتشكّل أخلاقيات جديدة عند الناس المعاصرين، أخلاق جديدة، أخلاقيات البيولوجيا، أخلاقيات غير أخلاقية، تمّت ترجمتها بإنسان حرّ ومستقل في تنوع فوضوي في هذا العصر. من ناحية أخرى، افتتحت الثورة الرقمية حقبة جديدة من الرقابة الجماعية، وخلقت سلسلة من الحقوق السياسية والإنسانية المثيرة للمشاكل. لهذا فإن الدولة نفسها، أي النظام نفسه، تضع قوانين لحماية البيانات الشخصية لكنها في الممارسة تنتهك الحياة الشخصية الخاصة.

اليوم، لا يعرف الإنسان المعاصر ما هو الإنسان. إنه يحيا بقناع. الإنسان، كما يُنظَر إليه رقمياً لا يُعتبر أكثر من وحدة بيولوجية وعَدَد. لقد انحطّ الإنسان. خفّض جودة ومعنى حياته. إنه مستقلّ، أناني ومختوم بإحكام في الأنا، فرداني، ملاحِق للذة ومتشائم، سخيف وزائف. بتعبير آخر، اكتسب الإنسان المعاصر شخصًا أهوائياً إلى حدٍّ كبير، مشكّلاً أنثروبولوجيا غير مترابطة. كل أنواع الأزمات التي ابتلي بها مجتمعنا اليوم، الاقتصادية والسياسية والثقافية والأخلاقية والمؤساستية، تستند إلى حكم الشخص وبالتالي تعبّر عن القناع الأهوائي.

لا يستطيع الإنسان أن يجد نفسه في العلاج بالتحليل النفسي أو بالدخول في بعض فرق الأديان الزائفة أو الكنسية على الطراز الغربي. لأن المسيح طبيب نفوسنا وأجسادناالوحيد، لا يعيش هناك. على الإنسان المعاصر أن يرجع إلى نفسه(أنظر لوقا 17:15). وللرجعة إلى نفسه، يجب عليه أولاً أن يلامس مكاناً ما، وأن يجد نقطة دعم ويفهم أن هناك شيئًا أكثر سمواً، شيئًا مثاليًا غير متناهٍ وأبديًا. هذا من شأنه أن يجذبه ويؤدي إلى صعوده الروحي، لإعطاء المعنى الحقيقي والهدف لحياته. داخل هذه المتاهة التي نعيش فيها، نعتقد أن ساعة الأرثوذكسية قد أتت، ساعة الشهادة الصالحة، الشهادة للحق التي ليست فكرة مجردة بل هي شخص حيّ. الحق تجسّد في كلمة الله وشَهِد في التاريخ. “أنا هو الطريق والحق والحياة” (يوحنا 6:14). لهذا علينا أن نكون قادرين على تقديم المسيح الحي، الطريقة الصحيحة لحياة المسيح، التي الإنسان والمجتمع هما في أمس الحاجة إليها.

قال عالِم البيزنطيات العظيم السير ستيفن رانسيمان، في آخر مقابلة معه مع بامبتوسيا، أنه خلال الـمئة سنة القادمة ستكون الأرثوذكسية الوحيدة الموجودة من الكنائس التاريخية. إنه يؤمن بأن الأرثوذكسية لديها الروحانية الحقيقية التي لم تعد الكنائس الأخرى قادرة على بثّها. تشارلز تايلور، واحد من أعظم الفلاسفة في عالم اليوم، كتب بكثير من العمق عن الفلسفة الحديثة والمعاصرة في الغرب، قال قبل بضعة أيام، في محاضرة في أثينا، عبّر عن رغبتهالقوية بالارثوذكسية وتوقعاته لها. ليست هذه الأمور صدفة. كل الباحثين الجديين من غير الأرثوذكس يتوقّعون شيئاً من الأرثوذكسية. الأرثوذكسية هي النور، الحقيقة، المعرفة، الفرح، الحياة، ملء الحياة لكل إنسان. وعلينا نحن الأرثوذكسيين أن نكون جاهزين في كل لحظة لأن نشهد لهذا النور وهذه الحياة.

هذه الشهادة للأرثوذكسية، التجربة الأرثوذكسية، أعتقد أن بإمكانها أن تشمل حالياً استخدام الوسائط الرقمية. هذا لأنّ الوسائط الرقمية تُعَدّ الطريقة الرئيسية للاتصال في عصرنا. من خلالها يمكنك نشر رسالة الإنجيل إلى جميع الأمم، في طول الأرض وعرضها. القديس باييسيوس، في أحد اجتماعاتنا في قلايته الباناغودا حوالي عام 1982، وهي الفترة التي خلالها كان اجتماعنا يجري في دير كوتلوموسيو، قال نبويًا:”سوف تعيش في زمن ترى فيه كلمة الله وصلت إلى طول الأرض وعرضها“. هذا بالطبع تحقق اليوم بوجود الإنترنت والوسائط الرقمية. في ذلك الحين، لم يكن هناك إنترنت ولا هواتف محمولة.

لماذا تُتسَعمَل الوسائط الرقمية لنشر الشذوذ وأسلوب الحياة غير الطبيعي، ولا تُستَعمَل لتعكس الحياة الأبدية” (أنظر 1تيموثاوس 19:6)، الحياة في المسيح؟ لماذا لا يتم تحويل كل ثروات وحكمة الأدب الآبائي، إلى الرقمية وتُصنّف وتقدّم بطريقة حديثة فتكون متاحة على الإنترنت؟ فلتُنتَج أفلام ومسلسلات وأفلام وثائقية ورسوم متحركة وألعاب وتطبيقات على الجوّال وأقراص مدمّجة مستوحاة من رسالة الإنجيل ومن حياة المسيح وحياة القديسين وحكمة الآباء والتقليد الأرثوذكسي. نحن بحاجة لوجود كنسي قوي وشامل ومتعدد الأبعاد للكنيسة في الإعلام الرقمي (عندما نقول كنسي لا نعني الإكليروس، بل كل أعضاء الكنيسة الواعين).

يتغذى الإنسان بأسرار الكنيسة الروحية، بالقربان المقدس، ولكن أيضًا بالعقل. يتطور المؤمن ويتغيّر مع كلمة الله. كلمة الله، كما يعلّم الرسول بولس، هي حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ” (عبرانيين 12:4). كلمة الله تحيي الإنسان وتعطيه الإلهام في حياته وتفتح عقله وتكشف عن أعماق الشخص، وأهم من ذلك هي من الله. يمكن أن تعمل كلمة الله بشكل جيد للغاية مع الوسائط الرقمية، شريطة أن تتوفر الظروف اللازمة. يمكن لوسائل الإعلام الرقمية أن تعمل كالمبشرين، أن تعطي شهادة أرثوذكسية، ولكن كي تكون النتيجة صحيحة نحتاج الإجابة على السؤال: مَن وكيف؟ لا يستطيع أيّ كان أن يقدّم شهادة للمسيح إن لم يحيَ أولاً بالمسيح. لا يجوز لأحد أن يقوم بأي نشاط تبشيري إن لم يكن قد أخذ بركة من رئيسه الروحي، أسقفه أو شيخه. على سبيل المثال، يجب على مؤسس أو مدير كلّ موقع أرثوذكسي أن يعيش حياة داخلية في المسيح، وأن يتطهّر من الأهواء أو على الأقل يسعى إلى التطهر، كما يبرز القديس غريغوريوس اللاهوتي: “انتبهوا إلى التطهر أولاً، فتكونوا طاهرين؛ يحدث النور فيضيء؛ تتقدّسون فتقَدّسون“[1]. يجب أن يكون رجل المسيح متكاملاً، ذاك الذي قضى على الواجهة البشعة“[2] الذي بثّ عقلياً الطاقة التي توحد العقل مع القلب، وتعطي القوى النفسية الجسدية الموحدة، وتزرع الفضيلة والحب غير الأناني لله وللإنسان. ثم اسلك بحياة المعرفة الذاتية الحقيقية ولكن أيضا معرفة الله. يقضي القناع البشععلى الرجل الذي تحول إلى شخص حقيقي على صورة الشخص الحقيقي والأبدي أي يسوع المسيح. هذا الرجل في وضع يسمح له بأن يقدّم الكثير للبشر ولكل خليقة الله. كل نشاطاته تتقدّس. من ناحية أخرى، يمكن لمستخدم الإنترنت أو الوسيطة الرقمية أن يكون أي شخص، وقد لا يكون له أي علاقة بالكنيسة، وقد يكون ملحداً أو ضد المسيح. إن تقديم نتاج الاستنارة بالروح القدس، بالتأكيد سوف يعكس وسوف يخلق قلقاً حسناًحسب قول القديس باييسيوس. لكن لا ينبغي أن لا يستفيد روحياً شخص من أبناء الكنيسة مما يقدمه بالمسيح إنسان صالح يعيش نعمة الله. لا وسائل الإعلام الرقمية، ولا العلم، ولا الفلسفة، ولا الفن هي حواجز أمام اختبار النعمة الإلهية، بل التعلّق بها واعتبارها هدفاً بحد ذاتها. يعيش إنسان المسيح أربعاً وعشرين ساعة من الأربع وعشرين في المسيح حتّى في روتين مهنته اليومي أو علمه أو فنه، دون تعلّق بوسائل الإعلام الرقمية.

كل هذه الجهود التبشيرية من خلال وسائل الإعلام الرقمية، الشخصية أو من خلال الرعايا والأبرشيات، حسنة وقادرة على ضبط وإظهار قوة الأرثوذكسية ووحدتها. ثم يؤدي هذا الجهد أيضاً إلى نتائج أفضل، ويساهم في يقظة الإنسان المعاصر وتوبته ومنفعته الروحية. بالطبع لا ينبغي أن ننزّه هذا النشاط التبشيري الرقمي ولا أن نعيّره، لأن هذا النشاط سيكون مساعداً. لا ينبغي أن يكون قبول الأنظمة الرقمية في الرعاية الأرثوذكسية من دون تمييز. على سبيل المثال، لا يمكن استبدال العلاقات الشخصية الحيّة في الاعتراف الروحي بين المعترف والمعرّف بمجرد الاتصالات الشخصية عبر البريد الإلكتروني أو الشبكات الاجتماعية. وعلى الأكيد أيضاً، لا يمكن استبدال مشاركتنا في القداس الإلهي بحضور بث على الإنترنت. جميل جداً ما توجّه به غبطة البطريرك المسكوني السيد برثلماوس إلى تلاميذ ثانوية زوغرافو في القسطنطينية: “أنتم أبناء الفايسبوك والإنستغرام، لكن عادات هذا العصر لا تترككم تستمتعون بالتواصل عن كثب مع وجه الآخر” [3].

هدف هذا المؤتمر هو الدراسة العلمية المتعددة الأوجه والمتخصصة للوسائط الرقمية للاستخدام الرشيد والعقلاني في العمل الرعائي للكنيسة. ومع ذلك، فإن التحدي والدعوة واضحان: بما أن الإنترنت ووسائل الإعلام الرقمية مستخدمة في الحياة البشرية المعولمة الحديثة، لماذا لا تستخدمها الأرثوذكسية لإعلان عالميتها، وبدلاً من تظهير الإنسان المعولَم، تظهير طريقة الحياة الحقيقية الأصيلة الأبدية؟

[1] Ἁγίου Γρηγορίου Θεολόγου, Λόγος 2, 71, ᾿Απολογητικός τῆς εἰς τόν Πόντον φυγῆς, PG 35, 480.

[2] Βλ. Ἁγίου Γρηγορίου Παλαμᾶ, Εἰς τὸν Βίον τοῦ ὁσίου Πέτρου τοῦ ἐν Ἄθῳ 18, Συγγράμματα, ἐπιμ. Π. Χρήστου, τόμ. Ε΄, Θεσσαλονίκη 1992, σ. 171.

[3] Ὁμιλία τοῦ Οἰκουμενικοῦ Πατριάρχου κ.κ. Βαρθολομαίου στὸ Ζωγράφειο Λύκειο τῆς Κωνσταντινουπόλεως μὲ τίτλο «Ὁ Κωνσταντινουπολίτης Γεώργιος Θεοτοκᾶς».

متى تزيح التكنولوجيا الله ومتى تخدم في الكنيسة

متى تزيح التكنولوجيا الله ومتى تخدم في الكنيسة

الأرشمندريت زخريا زخريو

يكشف الرب يسوع في كثير من الأحيان عن الملكوت السماوي كعرس، ويدعو إليه جميع الناس على حد سواء. العالم كله، خليقة الله المتنوعة، هي ديباجة لعرس سماوي إلى حدٍ ما، طالما لم يتخلّ عنها الخالق بل بإخلاص ودقة هو يعمل” (يوحنا 17:5) ، ويصونها. العالم موجود لأن العناية الإلهية المستمرة والمثالية والقوية والدقيقة تعمل وتصون العالم، متخفيّة ضمن حتمية الطبيعة.

في عرس الملكوت، على حد تعبير الرب، ثلاثة أسباب قد تمنع الدخول:

أ) عند التعلّق بالخليقة المادية، حين تتربّع الخليقة المنظورة في المقام الأول في حياتنا، متّخذة الشرف الذي هو بالأصل لله. إذا تعلقنا بالمادة، يصبح نوسنا مادياً، رماداً. إذا وقعنا في تجربة التعلّق بالتكنولوجيا، فسوف يضعف اختيارنا لمشيئة الله في حياتنا، ونفقد مخافة الله الكاملة، التي ترجّح دائماً الأبدي على الأرضي، وتجعل الإنسان أكثر قوة في كفاحه ضد الخطيئة. “اشْتَرَيْتُ حَقْلاً، وَأَنَا مُضْطَرٌّ أَنْ أَخْرُجَ وَأَنْظُرَهُ” (لوقا 18:14).

ب) يرفض الدعوة الإلهية أولئك الذين يفضّلون على الله أموراً أخرى، قد تكون مقدّسة وشرعة، كالزواج مثلاً. “إِنِّي تَزَوَّجْتُ بِامْرَأَةٍ، فَلِذلِكَ لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَجِيءَ” (لوقا 20:14). يجب أن نكون مستعدين لتقديم أي تضحية لتحقيق اتحاد مثالي لروحنا مع الله.

ج) لا يدخل المدعوون إلى وليمة الملكوت عندما يكونون محاصَرين بالرغبة بتجربة شيء جديد. “إِنِّي اشْتَرَيْتُ خَمْسَةَ أَزْوَاجِ بَقَرٍ، وَأَنَا مَاضٍ لأَمْتَحِنَهَا. أَسْأَلُكَ أَنْ تُعْفِيَنِي” (لوقا 19:14). هذا الإغراء الأخير يسيطر على عقول البشر المعاصرين في استعمالهم للتكنولوجيا. إنه إغراء الحداثة والابتكار، الذي يستعبد الإنسان للشغف المستمرّ باكتساب أحدث نماذج التكنولوجيا المتطورة واستخدامها. إن زيف المعرفة وسحر الجديدالذي توفره التكنولوجيا يمكن أن يمحو عطش الإنسان الروحي ويطمس رؤية الروح والنوس. وهكذا، لا يعود الإنسان يرى يد الله التي تشغّل التكنولوجيا، ويصير محروماً من فرصة ملء نواقصه بالشكر.

عندما يتبع الإنسان مشيئة الله وفكره، يعرف بشكل أفضل كيف يعيش مع الآخرين، وكيف يستعمل التكنولوجيا، كما كل الخليقة، بشكل حكيم ونافع لمجد الله ومنفعة الإخوة.

كل وصايا الله تعكس الطريقة التي يعمل بها. عندما أعطانا وصية أن لا تعرف شمالك ما تصنع يمينك (متى 3:6)، أرانا طريقة عمله هو. إذاً، الرب يخدم الإنسان دائماً بطريقة متواضعة، من دون أن يظهر. إنه يختبئ قليلاً وراء القوانين الطبيعية وقليلاً وراء العلوم التي يمنحها لخدمة الإنسان بعنايته الواضحة، لأنه لا يريد أن يحمّله عبء الامتنان.

الربّ، بصلاحه اللامتناهي، يهب الاكتشافات العلمية والإبداعات الفنية، مانحاً البشر الفرصة للحصول على الوسائل والموارد لحياة سكان الأرض المتزايدين. إن خليقة الله لا تحدّث عن مجده وحسب، بل هي تخفي ثروة من الطاقة التي يتمّ اكتشافها تدريجياً لسدّ حاجات البشر. مأساة العلماء تكمن في أنهم عندما يفتحون مناطق جديدة وينجزون الاختراعات، بدلاً من أن يؤدّوا المجد والشكر لله، يخرجونه من خليقته بروح الكبرياء.

يقول الرسول بولس نَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ” (1كورنثوس 12:2). روح الرب متواضع ونحن نكتسبه بالشكر. الشكر يقدّس كل الخليقة، وبقدر ما نشكر الرب على أعماله نكسب أكثر في حياة العالم لأَنَّ كُلَّ خَلِيقَةِ اللهِ جَيِّدَةٌ، وَلاَ يُرْفَضُ شَيْءٌ إِذَا أُخِذَ مَعَ الشُّكْرِ، لأَنَّهُ يُقَدَّسُ بِكَلِمَةِ اللهِ وَالصَّلاَةِ” (1 تيموثاوس 4:4-5). وبالتالي، فإن التكنولوجيا ليست أمراً سيئاً إذا استخدمها الإنسان بالشكر والاعتدال.

الكلمة الرسولية المذكورة أعلاه هي بداية كل ممارسة ليتورجية وكما أنها نموذج الحياة التي تعلمنا إياها الليتورجيا الإلهية. يمكننا تطبيق نفس البداية على استخدام التكنولوجيا الرقمية. وبالتالي، فإن الإنسان المستعمِل الذي يعرف كيف يشير دائماً إلى الله بشكرٍ سوف يحقق الاستفادة القصوى من استخدام التكنولوجيا. وكما أن الله في محبته المتواضعة يصل إلى الإنسان حتى مع التكنولوجيا، كذلك المؤمن يستخدم العلم والتكنولوجيا بشكرٍ لمجد الله ومنفعته هو بذاته.

من أجل الاستعمال الصحيح للتكنولوجيا، يجب ألّا يغيب عن بالنا أمران: أولاً، أن التكنولوجيا هي منحة من الله لمعيشة جيلنا، وثانياً أن المعرفة خارجية، نسبيّة وعابرة، بينما المعرفة التي نسعى إليها كمسيحيين داخلية، قلبية، تحوّل القلب وترافقنا إلى ما بعد القبر. المعرفة الخارجية لا تصل إلى كمال الزمان، ولا تمنح الإنسان أي كيان حقيقي. في المقابل، القَلبي يتحقق بالتحوّل المستمر لروح الإنسان نحو القلب ومن هناك نحو إلى الله. عندما يتّحد النوس مع القلب، فنعمة الله تجعل الإنسان يرى نفسه وكل العالم بوضوح، ويصير في وحدة مع كل شيء كما هو.

إن تعاسة الإنسان الناتجة عن فشله وعن فقره الروحي تحتجزه في أدنى مخلوقيته. لقد منحه الله نوساً عجيباً لينظر من خلاله ويستمتع بوجه خالقه، فيصير بقلبه قادراً على تتويجه مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ” (1تيموثاوس 15:6). بحضور الإله الحي، لا يعود الكائن البشري محتاجاً إلى معلومات من الإنترنت، ولا من الكتب والرسائل إذ في ذلك الحين يكتب الروح القدس في قلبه أفعال الحياة الأبدية. وبحسب كلام القديس سلوان: “بعقلنا لا يمكننا أن نفهم ولا حتّى كيف وُجدت الشمس. وعندما نسأل الله: <قلْ لنا كيف صنعت الشمس> نسمع بوضوح في قلبنا: <واضعوا ذواتكم وسوف لن تعرفوا الشمس وحسب بل حتّى خالقَها>. وعندما تتعرف النفس إلى السيد بالروح القدس، فمن فرحها تنسى الشمس وكل الخليقة وتفقد اهتمامها بالمعرفة الفائضة“[1].

إن الموقف الحكيم من التكنولوجيا هو الإسخاتولوجي. هذه كانت توصية الرسول بولس في وجه كل التحديات في زمانه: “وَالَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ هذَا الْعَالَمَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَعْمِلُونَهُ. لأَنَّ هَيْئَةَ هذَا الْعَالَمِ تَزُولُ” (1كورنثوس 31:7). إن روح الإنسان الذي يسعى إلى وجه الإله الحي يجب ألا تكون مربوطة بأي شيء في هذا العالم، بل أن تعبُر هذه الحياة الحاضرة بسرعة بوجهة وحيدة ثابتة هي ملكوت الله. يعرف المؤمن أَنْ لَيْسَ لَنَا هُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ، لكِنَّنَا نَطْلُبُ الْعَتِيدَة” (عبرانيين 14:13) لذا يتخلّص من كل ارتباطٍ وتعلّقٍ بمعايير وقِيَم هذا العالم الذي كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ” (1يوحنا 19:5). عندما يكون فكره في الآخرة، يكفّ عن الالتصاق بالوقتيات ويبدأ ببناء الصالحات. إذاً، المشكلة ليست التكنولوجيا بل هي تكمن في الإنسان، أي في عقله والتزامه ورجائه.

في جهاد الصلاة يبدأ المؤمن بتذوّق حلاوة النعمة. لكن التصدعات غير المتوافقة مع النعمة تخلق هذا التضاد المأساوي في النفس، الذي يهزّ الكيان من أساسه ويقلبه بأكمله بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ“(عبرانيين 7:5) إلى السيد الذي هو الوحيد القادر على تجديده وخلاصه. إن لم يشعر الإنسان بهذا التضاد ولا يجتاز هذه التجربة العميقة فلن يكون قادراً على الانقطاع عن الخطيئة ومواجهة تحديات هذا العالم.

قال السيد: “مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كُلُّ كَاتِبٍ مُتَعَلِّمٍ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ جُدُدًا وَعُتَقَاءَ” (متى 52:13). العتقاء هي المواهب الطبيعية الموجودة، بما فيها علوم وتكنولوجيا الإنسان، وكل معارف طبيعته غير المحرّرة. الجدد هي نعمة الروح القدس ومواهبه التي يكتسبها الإنسان المتجدد الحكيم والملمّ بأسرار الله. والمواهب القديمة أو المكتَسَبة يجب أن تخدم مجد الله والاتّحاد العجائبي بين الإنسان وروح الرب. في كل الأحوال، مَن يضع إيمانه بمواهبه المخلوقة، يسد طريقه نحو المواهب الفوق طبيعية التي الإنسان مدعو إليها ومهيأ لها قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ” (2تيموثاوس 9:1).

لقد واجه آباء الكنيسة في القرن الرابع تحدياً مماثلاً لتحدي التكنولوجيا مصدره الفلسفة الهلينية. هؤلاء أثبتوا بوضوح أن الفلسفة البشرية الحقيقية هي الفلسفة العملية أي التحقيق الكامل لمتطلبات الإنجيل. الأمثلة البطولية الحقيقية عن هؤلاء الفلاسفة هم باسيليوس الكبير، غريغوريوس اللاهوتي ويوحنا الذهبي الفم، وكثيرون غيرهم من القديسين.

الكنيسة بطبيعتها تمتلك الحقيقة الأبدية بأن يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ” (عبرانيين 8:13). إذا عَرَضنا الأنثروبولوجيا الإنجيلية فسوف تتكشّف فرادةُ حقيقةِ كلمةِ الله، مقدّمةً الأجوبة لكل المشاكل وكاشفةً الطريق الموثوقة إلى الأبدية.

التكنولوجيا اليوم تعني العولمة. لكن العولمة الحقيقية هي التي للمسيح الذي غلب العالم بصليبه وبقيامته، وبآلام جسده صار آدم الجديد وأب الدهر الآتي“.

[1] Ἀρχιμ. Σωφρονίου, Ὁ Ἅγιος Σιλουανὸς ὁ Ἀθωνίτης, Ἱ. Μ. Τιμίου Προδρόμου Ἔσσεξ Ἀγγλίας, 142011, σ. 347.

التماس إلى جميع الكنائس المحلية

التماس إلى جميع الكنائس المحلية لإضافة الامتناع عن استخدام الإنترنت والشبكات الاجتماعية بشكل واضح إلى القواعد المتعلقة بالصوم

الأستاذ جانكلود لارشيه

هناك أشكال جديدة من الوسائط التي تسمّى بالوسائط الرقمية، والتي يتمّ الوصول إليها عبر أجهزة الكمبيوتر، والأجهزة اللوحية، وخاصةً الهواتف الذكية الآن، ومحتواها بشكل أساسي هو الإنترنت، والشبكات الاجتماعية، والرسائل (الرسائل القصيرة ، رسائل الوسائط المتعددة ، إلخ)، وقد غَزَت حياة الناس المعاصرين وخاصة شباب اليوم، من سن العاشرة وأحيانًا دون ذلك.

إن قدرة هذه الوسائط على تأمين التواصل بسرعة وبتكلفة ضئيلة، وإمكانيتها على توفير الوصول إلى كل شخص تقريبًا وكل شيء، وقوة الصور التي يتم تداولها في وسائل الإعلام الرقمية، كلها أمور تُكسِب الوسائط الرقمية قوة إغواء كبيرة. إن الضغط الاجتماعي (لا سيما الضغط للتكيّف) ، ولكن أيضاً التنظيم الاقتصادي للمجتمع، قد جعل هذه الوسائط أدواتٍ يكاد يكون الإنسان مضطرًا إلى امتلاكها حتى لا يتمّ استبعاده من مختلف المجموعات والدوائر الاجتماعية والإدارية والاقتصادية.

في الغالب، لقد تمّ ترسيخ اعتمادٍ ذي طبيعة داخلية أو نفسية بين المستخدمين من كافة الأعمار. يقلِق هذا الإدمان العديد من الآباء، لأنه يؤثّر الآن على الكثير من الأطفال، وحتّى المستخدمون أنفسهم يلاحظونه؛ أوضح ما يظهر هذا الإدمان في الحالات الخطيرة، حيث يكون العلاج جذرياً ويتطلّب انسحاباً كاملاً طويلَ الأجل من مثل هذه الوسائط، و أيضًا رعايةً نفسيةً عيادية في بعض الأحيان. مع ذلك، إن هذا الإدمان غالباً ما يبقى غير محسوس في الحالات الأقل خطورة، حيث أن العادة قادرة على جعل ما هو غير عادي يبدو وكأنه عادي. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الاستخدام أصبح مسيئًا لدى معظم المستخدمين.

في هذا المؤتمر الذي جمع ممثلين عن الإعلام الأرثوذكسي، يتمّ عرض وسائل الإعلام في معظم الحالات بطريقة إيجابية، على أنها من ضمن الحياة الكنسية أو كأنّها شيء يجب أن ينضمّ إلى هذه الحياة، مع فكرة أنها أصبحت الآن قوى مؤثّرة لا غنى عنها للنشاط الرعائي والبشاري في الكنيسة. هذه الرؤية شبه الفردوسية يجب أن تخضع للاعتدال. في الحياة الواقعية، يقضي الناس في زيارة المواقع الأرثوذكسية وقتاً أقل بكثير من غيرهم، ويبقى كثيرون من الشباب الأرثوذكسي غافلين تماماً عن هذه المواقع. في الغالبية العظمى من الحالات، الأهواء التي تسكن الإنسان الساقط تجذبه إلى المحتوى الذي يتلاءم معها، سواء عبر اختيار المواقع التي تتم زيارتها أو عبر دوافع التواصل على الشبكات الاجتماعية مثل فايسبوك، حيث النرجسية (التي يسمّيها آباء الكنيسة [philautia- ϕιλαυτία] أي محبة الذات) تلعب دوراً كبيراً، سواء في عرض الذات أو في السعي المحموم إلى الإعجابات likesالتي تداهن الأنا.

لقد قمت مؤخراً بنشر كتاب مؤلف من 320 صفحة بعنوان مرضى من وسائل الإعلام الجديدة” (باللغة الفرنسية: “Malades des nouveaux médias”)، والذي تمّت ترجمته إلى اللغة الرومانية تحت عنوان أسرى الإنترنت، والذي يجري حالياً ترجمته إلى اللغة الإنجليزية تحت عنوان مدمني وسائل الإعلام الحديثة“. في هذا الكتاب، أبيّن بطريقة مفصّلة ومعلّلة تأثيرات وسائل الإعلام الحديثة السلبية والأكّالة والمدمرة على مختلف مجالات الحياة البشرية: النفسية والفكرية والثقافية والاجتماعية والعلائقية، وأخيراً (وبشكل خاص) الروحيّة. كما أني أقترح بعض التدابير الوقائية والعلاجية، وخاصة ذات الطبيعة الروحية. بالنسبة لهذا العرض التقديمي، الذي يجب أن يكون موجزاً للغاية، قد اخترت التحدث فقط عن الصوم والعفّة كوسائل للحدّ من استخدام وضبط وسائل الإعلام الجديدة التي أصبحت في معظم الحالات اعتسافية ومؤذية.

لقد وضعت الكنيسة الأرثوذكسية قواعدَ للحدّ من استهلاك الغذاء والنشاط الجنسي والامتناع عنه في فترات الصوم كما في أيام معينة من الأسبوع والسنة.

إن أحد الأغراض الرئيسية من هذه القواعد هو ترويض العقل على التحكم بالنبضات الجسدية والنفسية، بهدف إعادة توجيه القوى النفسيةالفيزيولوجية نحو الحياة الروحية والتركيز عليها، لإرساء حالة من الجوع والرغبة التي تسبب في الإنسان الشعور باعتماده على الله وحاجته إليه، كما لترسيخ حالة سلامية في النفس ميّالة إلى التوبة وتعزيز الانتباه والتركيز في الصلاة.

إن إساءة استخدام وسائل الإعلام الجديدة، التي أصبحت شائعة ، تنتج تأثيرات معاكسة لتلك المرجوة من الصوم والتعفف: استنفاد الطاقة التافه، الاغراء الخارجي الدائم والتشتت، الحركة الداخلية المستمرة والضوضاء، الاحتلال العدائي للزمن، استحالة تأصيل السلام الداخلي أو الحفاظ عليه، وتدمير الانتباه والتركيز اللازمين لليقظة والصلاة.

يجب التشديد على أن هذه التأثيرات تتعلّق باستخدام وسائل الإعلام الجديدة بحدّ معين بغضّ النظر عن محتواها. وكما أوضح خبير الإعلام الكبير مارشال ماكلوهان، فإن الوسيط له تأثير أكبر من الرسالة التي ينقلها إلى حد يمكننا القول إن الوسيط هو الرسالة“. بالطبع، هذا لا ينبغي أن يجعلنا ننسى مسألة المحتوى الذي عندما يكون سيئًا يؤول إلى إثارة الأهواء وتغذيتها، وبالتالي يزيد عدم التوافق مع حياة الزهد، كما هي مفهومة على نطاق واسع، ويضاعف الضرّر بالحياة الروحية.

على الكنيسة أن تأخذ بعين الاعتبار هذه الملابسات الجديدة التي أوجدها عصرنا، ويجب أن تضع القواعد المناسبة مواكبة قواعد الصوم عن الطعام والعفة الجنسية، وذلك لمساعدة الإنسان المعاصر عِبر الحدّ الطوعي المنتظم، لتحرير ذاته من الإدمان الجديد الذي يقيّده، بهدف إعطائه الوسيلة ليسلك بالكامل في الحياة الروحية التي تناسب طبيعته وتكون بمثابة الشرط لنموّه الشخصي الحقيقي.

قد يمكن القول أنه لا ضرورة لأي قاعدة من أجل هذا الأمر، وأن التوصيات الرعائية تكفي. ولكن عندها يمكن قول الشيء نفسه عن الصوم والعفّة، اللذين وضعت لهما الكنيسة قوانيناً بشكل رسمي في المجامع المسكونية. السبب هو حقيقة أن القواعد التي صيغت رسمياً وبدقّة لها تأثير أكبر، ونطاقها أكثر عالمية، وطابعها أكثر إلزامية من مجرد التوصيات على مستوى الرعيّة، والتي هي غالباً غير موجودة.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو الطبيعة الممارَسة للصوم والعفة.

كما ذكرنا أعلاه، فالأمر يتعلّق بتحديد الوقت الذي يكون فيه الإنسان على اتّصال، كما التنظيم الصارم لاستخدام هذه الوسائط ولمحتواها. من الضروري التخلّي عن الاتصال الدائم، وقصر الاتصال لفترة محددة في اليوم. نحن بحاجة إلى التخلص من الوسائل غير الضرورية، كالشبكات الاجتماعية (فايسبوك وإنستغرام وتويتر وغيرها) وجميع مواقع الترفيه. بالتأكيديجب تجنّب كل المواقع التي تشكّل خطر الإغراء أو تقود إلى لقاءات سيئة. ومن المناسب أيضًا التشدد بعد الاتصال بالإنترنت إلا لما هو تقتضيه ضرورات العمل أو الدراسات.

يحتاج الآباء إلى تعليم أطفالهم، الذين يستخدمون هذه الوسائط الجديدة، تنفيذَ هذا التقييد من خلال شرح المعنى الكامن وراءه.

تتيح فترات الصوم الفرصة للجميع للتخلّص من علاقات الشبكات الاجتماعية الاصطناعية والافتراضية، بهدف إعادة اكتشاف علاقات عميقة وملموسة وحقيقية مع العائلة والأصدقاء، وبشكلٍ عام لكي نكون أكثر انتباهاً للناس من حولنا. هذه الفترات الصيامية هي أيضا فرصة لإعادة اكتشاف الصمت والعزلة الضروريين لممارسة الحياة الروحية ونموها.

سؤال أخاطر بطرحه بأن أثير الغضب هنا في سياق هذا المؤتمر، وهو ما إذا كان ينبغي أن يمتدّ حكم الصوم والامتناع عن وسائل الإعلام الجديدة إلى المواقع الأرثوذكسية كذلك. لا أريد أن أضع معظم المشاركين في هذه الندوة خارج الوظيفة، ولا حتّى هدفي الحدّ من وجود الكلمة المسيحية والكنسية في عالم حضورها فيه أصلاً قليل.

بلّ قبل كل شيء، أود أن أشير إلى أنه خلال فترات الصوم، وخاصة الصوم الكبير، عدد من وسائل الإعلام الأرثوذكسية، وخاصةّ تلك ذات المحتوى الروحي، هي ذاتية التحديد: إما أنها تغلق مواقعها لفترة من الزمن يختلف امتدادها، أو على الأقل تبطئ إنتاجها أو تحدّه.

مثل هذا التقييد له قيمة مثالية ويشهد بطريقته الخاصة على وجود الصوم الكبير والإمساك الذي يدعونا إليه.

ملاحظتي الثانية تتعلق بالقراءة. صحيح أن وسائل الإعلام الأرثوذكسية تقدم بطريقة إيجابية للغاية قراءات روحية على الأقل جزئياً، بل إن بعض المواقع مكرسة فقط لمثل هذه الأدبيات. ولذلك لا يوجد سبب، من حيث المبدأ، للحد من إنتاج هذه المواقع أو العودة إليها، ويبدو أنه ينبغي تشجيعها بقدر ما يتمّ تشجيع المؤمنين على المزيد من القراءة الروحية خلال فترات الصوم.

ومع ذلك ، أود أن أشير هنا إلى أن الدراسات العلمية لطرق القراءة على الشاشة تظهِر أن هذا النوع من القراءة سريع وسطحي. فعلى الشاشات، تظهَر لنا النصوص كصور. لهذا السبب، يخضع النصّ على الشاشة لنظرة شاملة، تمامًا كما هو الحال مع الصورة، وبالعادةِ تستقرّ العين على بضعة أسطر فقط.

توصلت إحدى الدراسات إلى أن الغالبية العظمى من الناس لا يقرأون النص سطراً بسطر كما يفعلون في الكتاب، بل يقفزون بسرعة من أعلى الصفحة إلى الأسفل، في حركة تتبع إلى حد كبير شكل الحرف F: يقرأون السطور الأولى، ينزلون قليلاً، يقرؤون الجزء الأيسر من بضعة أسطر، ثم ينزلون على طول الجانب الأيسر من الصفحة.

خلصت دراسة ثانية إلى أن القارئ المتوسط على الإنترنت يقرأ فقط حوالي 20٪ من النص. ووجدت دراسة ثالثة أن معظم صفحات الويب يتم استعراضها لمدة 10 ثوان على الأكثر، مما يدلّ بوضوح على أنها قراءتها لا تتمّ بالفعل.

بالكاد تتوقف القراءة على الشاشة عند الكلمات أو العبارات. إنها قراءة فيها شيء من التتبع الخلفي، وليست انعكاسية جداً. إنها قراءة سطحية بالكاد تثير جهود الاستيعاب والحفظ. من نواحٍ عديدة، تجعلُ وسائل الإعلام الجديدة العلاقةَ بالنص أكثر خفّة، أقلّ استقراراً، وأكثر هشاشة وعبورية.

يمكن أن تكون فترات الصيام، ويجب أن تكون، فترات يمكن فيها استعادة وقت القراءة وجودتها، بالتخلي عن الوسائط الرقمية لصالح المواد المطبوعة، وخاصة الكتب، التي توضح جميع الدراسات أنها تسمح بقراءة أكثر ثمراً من الشاشات بما لا يُقارَن، بينما تخلو من مساوئها.

إن الانقطاع التامّ عن وسائل الإعلام بكافة أنواعها خلال فترات الصوم هو الحل المثالي لإيجاد الهدوئية (hesychia)التي لا غنى عنه لتعميق الحياة الروحية، وهي بالضبط الهدف الرئيسي لفترات الصوم.

في الختام ، أود أن أشير إلى أن العديد من العيادات الخاصة والفنادق توفر فترات إقامة أطول أو أقصر من العزلة التامة، بدءاً بسعر منخفض حوالي الألف يورو، أي ما يقارب الألف ومائتي دولار في الأسبوع. على الكنيسة الأرثوذكسية أن تقدّم هذه الإمكانية رسمياً خلال الصوم، كخدمة مجانية مضمونة، مما يجعلها في متناول الجميع، بالإضافة إلى ربح روحي غير موجود في مكان آخر. إحدى هذه العيادات لها شعارها الإعلاني: “قَطْع الاتصال لإعادة الاتصال“. يمكن للكنيسة أن تتبنّى هذا الشعار بتحديد: “قَطْع الاتصال عن وسائل الإعلام الجديدة لإعادة الاتصال مع الله وأخيك“.

ما هو اللقاء مع الله وكيف يحدث؟

ما هو اللقاء مع الله وكيف يحدث؟

المتقدم في الكهنة أندرو ليميشونوك*

عندما تلمس نعمة الرب شخصاً وهو يفهم أن هذا لقاءه الشخصي مع الله، فمن المستحيل التعبير بكلمات عما يدور في نفسه في هذه اللحظة. هذا الحدث يتخطى كل شعور بشري.

في الكنيسة، يمنحنا الرب فرصة أن نصبح جزءًا من حياة جديدة الحياة الأبدية من خلال كلمته، ومن خلال الخدم الإلهية ومن خلال التراتيل. كل ما نسمعه ونراه في الكنيسة، كل ما نشارك فيه كل ذلك يشكل اجتماعنا مع الله. المناولة المقدسة هي اللقاء مع الله. هنا الجسم والدم. شاركوا!

هذا هو مفتاحنا للنصر. هذا هو أملي في أنني في يوم من الأيام سوف أقول لاللخطيئة في حياتي وأتوب. وأنا لن أقول ذلك وحسب بل سوف أتغيّر.

عندما يكون إيماننا المسيحي خارجيًا، نكون هادئين: نجد بعض الكلمات، كمثل كلمات حكمة من كاهن ما تدعمنا ونشعر أنها مهمة بالنسبة لنالكن هذا لا يكفي. يجب أن نجد كلمة تدخل قلبنا. يجب أن يتمّ هذا اللقاء، ومن ثمّ لن نكون قادرين على الخطيئة إذ سيكون ذلك مستحيلاً بالنسبة لنا. يجب أن تتغير عقولنا وتصورُنا لحياتنا والعالم كله بشكل عام.

يقرر شخص ما أن يكرّس حياته لله ويذهب إلى الدير. هذا يكون خياره. فيشكّك شخص آخرشخص ما يربّي عائلة، في حين أن آخراً يكون غير متأكد بعد مما يريد. لماذا يفضّل الناس عدم تسجيل زواجهم هذه الأيام؟ يمكننا القول بأنهم لا يرغبون في أن يكونوا مسؤولين عن أي شيء. انهم لا يريدون أي مسؤولية. في الوقت نفسه، لا يعتقد الناس أنهم يستطيعون أن يحبّوا شخصاً ما طوال حياتهم. إنهم لا يؤمنون بقدرتهم، ولا يعتقدون أن بإمكان الإنسان أن يكرّس حياته بالكامل لشخص آخر. ماذا لو لم يكن هذا الشخص هو المناسب لي؟ ماذا لو حدث شيء ما، وصرت وحدي؟ هذا هو التقلّب والشكّ اللذين يعيش فيهما الإنسان الخاطئ، الذي ليس عنده ركيزة أو أساس إيماني يمكن أن يبني حياته عليهما. لا يستطيع المرء بناء أي شيء على الرمال لأن البناء على ما ليس مستقراً يسقط

يعدّنا الله لهذا اللقاء. بالنسبة للكثيرين منا، هذا سيحدث في آخر لحظة من حياتنا. لسوء الحظ، نحن نعرف ما يمكن أن يحدث للأشخاص الذين لا يعرفون الله: في اللحظة التي يكونون فيها قادرين في النهاية على رؤية العالم الروحي، يرون الشياطين بدلاً من الله. يكون الإنسان خائفاً لأنه لا يعرف ما يتوقع كونه لا خبرة عنده بالتواصل مع الله. هذا مريع. إنه المرحلة الأخيرة من الحياة، والتي يمكن أن تؤدي إلى الخوف الأبدي. وهذا مختلف تمامًا عما يحدث لمَن قضى حياته في الإيمان! هو أيضاً يرى شيئًا ولكن يكون في عينيه أمل وليس خوف. هذا لا يكون خائفاً لأنه يثق بالله. ثم في النهاية، يتمّ لقاؤه مع الله، بداية حياة جديدة ، حياة أبدية عندما تشهد ذلك تشعر بأنك جزء من سر الحياة الأبدية.

* المتقدم في الكهنة أندرو ليميشونوك هو الأب الروحي لدير القديس أليزابيت الدوقة في مينسك، روسيا البيضاء. المقتطف المترجَم هنا هو جزء من عظة له.

اسألْ الله أن يزيد يقظتَك لا إيمانَك

اسألْ الله أن يزيد يقظتَك لا إيمانَك*

آريك هايد**

الكثير من المسيحيين يريدون أن يزيدوا إيمانهم. ولما لا؟ هذا يبدو طبيعياً وحسب. لكن، ألم يقرأوا أنّ المسيح وبّخ تلاميذه لأنهم طلبوا إليه ان يزيد إيمانهم؟ إنه المقطع حيث يخبرهم أن إيماناً بقدر حبّة خردل يكفي، وما يحتاجونه هو أن يزيدوا طاعتهم واتضاعهم (لوقا 5:17-10).

يبدو العديد من المسيحيين مهووسين بشكل إيجابي بزيادة إيمانهم، متخيلين أن كل نقص عندهم وأنّ انهزامهم وانعدام أمنهم ومرضهم ومعاناتهم وما إلى ذلك يرجع إلى افتقارهم إلى الإيمان وبالتالي فإن المزيد من الإيمان يمنحهم القوة على هذه الأمور.

أعتقد أنهم على حق بشكل جزئي فقط. صحيح أنهم يفتقدون الإيمان (وربما حتّى الإيمان الذي بحجم حبّة الخردل)، لكنهم مخطئون في تحديد سبب افتقارهم إليه. إنهم يفتقرون إلى الإيمان لأنهم يعاملون الإيمان كمفهوم وليس كصيغة للوجود. إنهم يفتقرون إلى الإيمان للأسباب التي ذكرها المسيح في الكتاب المقدس على وجه التحديد: بسبب الافتقار إلى الطاعة والتواضع أي أعمال الإيمان. لكن الإصلاح الوحيد لهؤلاء ليس مزيدًا من التركيز على الإيمان بل المزيد من التركيز على اليقظة.

في كل أجزاء الكتاب المقدس هناك تعليم عن اليقظة كما عبر المسيحية التاريخية عند القديسين والنسّاك. في الفيلوكاليا (وهو كتاب من اربع مجلدات يحتوي على كتابات الرهبان المسيحيين الأرثوذكس والنساك من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر) تُفهم اليقظة على أنها حرفياً عكس الثمالة. إنها الرصانة والانتباه والسهر بورع. إنها فعل مراقبة الأفكار الداخلية وأوهام التفاهة، إنها حفظ النفس المستمر. اليقظة تجعل عمل الصلاة المستمرة ممكناً، وتغلّف مجموعة الفضائل كاملة بما فيها نقاء القلب والسكون.

باختصار ، اليقظة هي الإيمان عاملاً. لا حاجة لمراقبة مستوى الإيمان طوال اليوم وكل يوم، وببساطة متى انخرط الإنسان في اليقظة يتحقق هدف الإيمان. وكما ذكرنا أعلاه، الإيمان ليس مفهوماً عقلياً بل هو نمط وجود. في الإيمان يكون الإنسان على غرار ما يكون في المحبة. لا يمكن أن يتمّ الإيمان إلا من الداخل؛ لا يلاحظ المرء الإيمان من الخارج ويتصوّر عقلياً كيف يعمل. الإيمان سفينة محطمة إذا كان فقط في الدماغ.

وبما أن الإيمان ليس بناءً فكريًا، فلا جدوى من التفكير في أن المرء يقترب من الإيمان بمجرد التفكير فيه. لقد رأيت الكثير من الناس يصابون بالعصبية ﻷن زيادة إيمانهم استحوذت عليهم. كل ما يمكننا فعله هو زيادة يقظتنا، وبهذا نلبّي دعوة الإيمان.

* اليقظة هي أحد أهمّ المواضيع التي يتناولها اﻵباء النسّاك، حتى أن أهمّ الكتب التي تجمع تعاليمهم، أي الفيلوكاليا، اسمه الكامل فيلوكاليا اﻵباء اليقظين“. اليقظة باليونانية نيبسيس” (nepsis). وقد عرف تراثنا العربي هذه الكلمة منذ زمن طويل، حيث ترِد في نصوص قداس الذهبي الفم الإلهي يقظة النفس ومغفرة الخطايا“. أمّا ترجمات اﻵباء في العربية فجميعها ترجمت نيبسيس إلى اليقظة. فالبطريرك الياس الرابع الذي ترجم كتابات مرقس الناسك ودير الحرف الذي ترجم القديس يوحنا السلمي، والأسقف استفانس حداد الذي ترجم القديس دوروثاوس غزة، والأب منيف حمصي الذي ترجم أكثر من كتاب ومنها اليقظة والصلاةحيث أفرد فصلاً طويلاً لتحديد اليقظة، جميعهم ترجموا νίψις إلى اليقظة.

مؤخّراً استُعملَت عبارة النباهةبدلاً من اليقظة. فكتاب خدمة الكهنة الصادر عام 2000 عن دير الحميراء يذكر نباهة النفس ومغفرة الخطايا، وكتاب الفيلوكاليا الصادر مؤخراً عن تعاونية النور أيضاً معنون فيلوكاليا اﻵباء النبهاء“.

إن النباهة في قاموس المعجم الوسيط هي الشَّرَفُ أو الشُّهْرَةُ أو الفِطنةُ. لمَ قد يحكي اﻵباء عن الشهرة وهم قد هربوا منها؟ أمّا الفطنة فلها عدّة معانٍ لا تنطبق جميعها: البصيرة، حدة الذكاء والتمييز. فالبَصِيرَة باليونانية “οξύνοια”، وحِدّة الذكاء هي “οξύτητα”، والتمييز هي “διάκριση” ويستفيض اﻵباء، بخاصة القديس يوحنا السلمي، بالتعليم عنها. يبقى أن المعنى الأرجح للنباهة هو الشرف. هل القديس نيقوديموس اﻷثوسي آباء الفيلوكاليا بالشرفاء أو المشرّفين؟ ربما، إنما لماذا قد يطلب القديس يوحنا الذهبي الفم شرف النفس ومغفرة الخطايا؟ في اليونانية، الشرف قد يكون “υπεροχή” أو “εξοχότης”.

νίψις لطالما كانت اليقظة. في اﻵتيمولوجيا اليونانية، أي دراسة أصول الكلمات، لا يوجد أي تفسير لهذه الكلمة. كل ما يرد عنها أنها من اليونانية القديمة. التفسير المطوّل لهذه العبارة هو في المراجع اﻵبائية والتي تُرجمَت إلى العربية باليقظة، على يد أشخاص يعرفون اللغتين في زمان كانت اللغتان مستَعمَلتين في أوساطنا، وقد ترجم المذكورون أعلاه عن النص الأصلي وليس عن نص مترجَم إلى لغة أخرى كالإنكليزية أو الفرنسية.

يبقى أخيراً تعليق حول مفعول العبارات وهذا أمر يحمّل المترجم مسؤولية كبيرة. إن استبدال اليقظة بالنباهة خطر. بالمنطق الآبائي، اليقظة حالة والنباهة صفة. الحالة يبلغها الإنسان بالجهاد أما الصفة فقد لا يكتسبها أو قد تكون من صفاته أصلاً (المترجم، الأب أنطوان ملكي)

** آريك هايد أرثوذكسي من أصل مورموني. قضى بعض الوقت يسعى إلى الكمال في الزان. هذه الخبرة وجهته نحو النسك الأرثوذكسي. تحوّل إلى الأرثوذكسيةودرس اللاهوت والرعاية. هو في الأصل متخصص في علم النفس الإرشادي ويعمل في هذا الميدان. لديه مدوّنة غنية لكونه يجمع عدداً من الخبرات في قالب أرثوذكسي رزين.

نضع التلفيقات في مكان الله

نضع التلفيقات في مكان الله

المتقدم في الكهنة نيقولاوس لودوفيكوس*

مقابلة مع جورج كيوسيس

المشكلة الحقيقية في عصرنا ليست الإلحاد ، بل تعدد الآلهة الذي يظهر في الواقع في شكل عبادة أصنام. هذا يخلق خطراً لأنه في مكان المسيح الإله المحب والمضحي نضع الوحوش الخارقة التي نختلقها في نرجسيتنا للسلطة والسيطرة.

س: كيف يواجه الناس اليوم حدث عيد الفصح؟

بعيداً عن الغلاف العاطفي والاحتفالي، هناك أيضاً إعلان وجودي مذهل: أن الله نزل إلى حالتِي، أي الفوضى واللاعقلانية، أحبّني حتّى ولو صلبتُه. يهتم الله بي وهذا مكلف له. فيما يريد الجميع أن يفرضوا عليّ، هو يمارس حريته في أن يكون في علاقة معي لا كـ إرادة للسلطة، بل كمحبة. إنه يضحّي بنفسه ويتواضع، يخسرتمامًا وكلّ شيء من أجلي. المسيح مصلوب لأن هذه هي الطريقة الوحيدة حقاً لمحبة الشخص المكسور بالفعل. إذن، القيامة هي الانتصار الشخصي النهائي لتعايشه المؤلم في حياة كل الناس: اليهود، الرومان، الإغريق، كما بالطبع تلاميذه المرعوبين والمربكين. الموت والشر يُهزَمان في وقت واحد في احتضان الجلجلة المُحِب. “لقد مددتَ يديك ووحّدت الذين كان في السابق منفصلين“.

س: ماذا تقول لشخص يمرّ عبر جلجلته هذه الأيام (بلا مأوى ، عاطل عن العمل ، مريض)؟

كلّنا مصلوبون على جلجلة التاريخ. فلنصنعنّ صليبنا الشخصي سعياً إلى صليب المسيح. صليب المسيح هو الوحيد غير المأساوي، لأنه صليب القيامة للتضحية بالذات من أجل الله والآخرين. قال أبيكتيتوس أن ما يرعب الناس ليس الألم بل انعدام المعنى. يجب أن تصبح المصائب سعياً عميقاً إلى الله، لأنه هو الهدف الحقيقي لشوقنا، خلف الكثير من المطالب المختلفة والمتنوعة التي عندنا. إنه المعنى العميق الذي يزوّدنا بكل ما نفتقده.

س: قبل بضعة أيام ، قال فيلوثيوس فاروس أن معظم رجال الدين غير موجودين على المستوى الرعائي. فهم لم يقدموا الدعم للمحتاجين”. هل توافق؟

إن الضجة المستمرة التي تحيط بالشر تنتِج عدم الأمان والعنف والعداء والإغراء المضاد لتعظيم الذات. ألا يمكننا الترويج للخير قليلاً؟ لقد التقيت شخصياً بعدد من الكهنة والرهبان القديسين الذين استطاعوا تحويل تلاميذ فرويد وهيدجر، ولم يكن لهم أي علاقة بالكنيسة، إلى علماء دين وكهنة. أشعر بنقص كبير في المقارنة بهم.

س: لقد قلت: “دعونا لا نفقد الأهواء بل لنحولْها“. ماذا تقصد؟

لحسن الحظ ، المسيحية ليست الأفلاطونية ولا الرواقية. كل شيء في جسدنا ونفسنا من صنع الله، وبالتالي فهو مقدس بالمطلَق. ما تبقى هو أنني يجب أن أغضب وأقع في الحب وألعب وأخلق وآكل وأبتهج وأحزن بطريقة تقرّبني أكثر من أي وقت مضى إلى مصدر كِياني الإلهي الذي هو التجسد. لم يدعُني الله للهروب من العالم بل لتحويله إلى مكان يتجلّى فيه.

س: هل القيامة عيد الأعياد وموسم المواسم؟

المسيحية هي عدو شرس لكلّ أشكال المثالية، لأنها في حد ذاتها، ليست سوى ماديّة دينية. التجسد هو التحقق من صحة المادة والتاريخ، عندما يُقدَّما إلى الله وللآخرين. المادة (بحسب الآباء ، ونفسنا هي الشكل الأكثر دقّة للمادة)، والتاريخ في النهاية، شركة وجودية مع الله (كجسد المسيح، بتعبير أكثر لاهوتية) جميعاً يذهبون معاً لتشكيل حقيقة الكنيسة الوجودية الأنطولوجية.

س: هل يزعجك أن الانغماسات الدهرية ووسائل راحة الرعاةتحدث باسم الله؟

يهوذا كان، في الواقع، أحد تلاميذ المسيح. أنا شخصياً اضطرب أكثر عندما، بدلاً من وجهة النظر هذه عن الكنيسة، يتمّ تبنّي وجهة نظر بلا معنى تمامًا، حيث تُعتبر الكنيسة مؤسسة دهرية تفترض أنها تقود الأمة أو تهتم عصابياً بضبط الأمن الأخلاقي للآخرين. هذه كنيسة بدون أي إثبات أنها حيّة.

س: وأخيرًا ، كيف يمكننا أن نختبر القيامة في كل لحظة، كحالة من الأبدية أو كالأبدية في كل لحظة؟

القيامة هي الانفتاح حتى التداخل، الحرية التي تصبح محبة عبر الصليب. هذا هو الخلود. هذه هي نهاية عهد الأنانية (الماركيز دي ساد): يتوقف الآخرون عن أن يكونوا أشياء لنفسي” (لكي نتذكر كوهوت) وندخل الأصالة الوجودية من خلال إعلان الآخرين عبر ذواتنا وذواتنا عبر الآخرين.

*المتقدم في الكهنة نيكولاوس لودوفيكوس هو لاهوتي يوناني، عالم نفس، مؤلف وأستاذ في كامبريدج

مختارات

مختارات

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

يخبرنا الآباء أن الإحساس بالخطيئة هو عطية عظيمة من الله، تتفوق على معاينة الرؤى السامية. عندما ندرك أن ظلمتنا الداخلية، والطبيعة الجهنمية المقرِفة للخطية قد انكشفت، هذا يؤدي إلى النفور منها ومن ثم تجلب النعمة الإلهية راحتها.

الكثير من الناس يطاردون اليوم الفرح والسعادة، ويسلكون في الطرق غير النظيفة، ويتصدّعون من تصرفات الشياطين. ولكن إذا كان الله الرب يتكلمفي قلوبنا، فينبغي أن نكون هادئين. يجب أن نلتفت إلى قلوبنا، وأن نتعلم أن نصلي صلاة يسوع، وأن نطهّر قلبنا بالانطواء على الذات، فمن ثمّ من دون أن نطلب ذلك ومن دون أن نسعى إليه سنكون مدينة مبنية على جبل“.

على الرغم من أن الله كان يعلم عن عصيان آدم وحواء في الجنة، إلا أنه لم يمنع ذلك. لو فعل ذلك، لكان قد تدخّل بحريتنا التي منحنا إياها بنفسه وقضى عليها. من دون الحرية، فإن الطريقة التي نعيش بها حياتنا، وحتّى خلاصنا، سوف يكونا مفروضَين. سنكون بلا شخصية وموجودين ككائنات سلبية. فضّل الله تغيير خططه لنا بدلاً من حرماننا من السمة الرئيسية لشخصيتنا أي حريتنا.

السقوط إذن هو مقاطعة ومغادرة أي كائن مخلوق للسبب الأول لوجوده أي الله. وبحسب الوحي الإلهي، فإن كل الأشياء هي نتيجة لسبب ما، ولا يمكن أن تكون قائمة بذاتها بل فقط من خلال المشاركةفي قوة الله وعنايته. إذاً إن كانوا معزولين عن قوة الله وقدرته المتماسكة فإنهم ينهارون ويحتضرون.

الذين يتبعون مسار وصايا المسيح يولدون من جديد روحياً ويتجلّون. ليس الأمر نفسه بالنسبة للجميع وعلى القدر نفسه، بل يعتمد على غيرتهم. إنهم يُصلبون مع يسوع المسيح وتجعلهم النعمة الإلهية على شبه مَن يحبون. هنا يكمن لاهوت الصليب، الذي يرنّم له القدّيس بولس على أنه نور المحبة الإلهية.

القلب المتواضع، الذي جُرِح أولاً بسهام العدو ومن ثمّ، بعد التوبة، بمحبة المخلص الأبوية، لا يملك طريقة للتعبير عن نفسه غير الدموع. من السذاجة أن تعتقد أن بإمكانك اتّباع خطوات المسيح دون دموع.

عندما نتحدث إلى الناس اليوم عن النوح يبدو الأمر غريباً عليهم لأنهم يخجلون من البكاء. إذا كنا نتحدث عن العَبَث وعن الأشياء العابرة فبالطبع إنها لا تستحق البكاء. فهذا النوح هو من نوع العُرف الاجتماعي. يرتبط النوح الروحي بعلاقتنا مع الله وهو نتيجة نعمة الروح القدس أكثر مما هو اختيارنا. إن الإحساس بالمسؤولية عن أفعالنا الشريرة هو هذا الثِقل في قلوبنا الذي يؤدي إلى حالة من الندم الأعمق.

إن كسر الوصية جلب السقوط الذي هو انفصالنا عن الله وعن كل ما يتعلّق به. قَبِل الله توبتنا وعودتنا وخضوعنا له بعدما أصلح علاقتنا بمحبته وقداسته. بحسب الآباء، إن الشكل الأكثر قبولاً للتوبة هو الدموع الساخنة التي تصل بذاتها من آلام القلب الذي يشعر بذنبه الكريه و خيانته لمحبة الله الأبوية.

كلما ازداد عمق شعورنا بأن خطيئتنا هي جرح مميت، كلما اقتربنا من السجود لله في صلاة التوبة. هذه الصلاة تطلقنا أحيانًا من روابط المكان والزمان، حتى نشعر بأننا مختلفون تمامًا.

أَخْطَار مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ

أَخْطَار مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ

الراهب أرسانيوس من دير الكوتلوموسيو في الجبل المقدس

في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس ، في الفصل 11 ، الآية 26 ، يعدد الرسول بولس الأخطار التي تواجه الرسل. كانت هناك ثمانية أخطار من هذا القبيل، وآخرها كان أَخْطَار مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ“. قدّم الراحل بانايوتيس ترامبلاس تفسيراً مقتضباً حيث يشير: “في مخاطر من أشخاص كانوا أصدقاء مزيفين يحملون اسم مسيحيتحت ذرائع زائفة”. كان ترامبلاس محقاً في الإشارة إلى ذلك لأن الإخوة الكذبة هم أولئك الذين يأتون إلينا كأصدقاء، في حين هم بالحقيقة غير ذلك، لأن لديهم آفاق مختلفة، وهي معادية لنا.

غادر القديس بولس هذه الحياة على الأرض في سنة 64 ميلادية كشهيد. نفترض أنه كتب الرسالة في وقت ما بين سنتي 50 و60. يتساءل المرء كيف أن هذه الازدواجية النجسة ظهرت ونَمَت بسرعة كبيرة، فيما كانت الأحداث الخلاصية، تضحية الرب على الصليب والقيامة، لا تزال بشكل ما جديدة، والفرحة المستمدة منها ما زالت سائدة. وإذا كان في مثل هذا الوقت القصير شقّ المتخاصمون طريقهم بجرأة إلى رسل المسيح القديسين، فماذا نقول عن عصرنا حيث محبة المسيح في معظم الأحيان هجرت من بيننا؟ في ذلك الوقت، في زمن القديس بولس، قد نكون على يقين من أن الأشخاص الذين يعانون من ازدواجية كانوا أقلية. ماذا يمكن أن نقول عن أيامنا؟

حقاً، مَن هم الأغلبية، الأصدقاء الزائفون أو الأصدقاء الحقيقيون في محبة المسيح؟ إذا قلنا أن هناك أكثرية من النوع المزدوج، فلا ينبغي أن نُحبَط، لأن السعادة غير متوفرة في الأماكن التي يوجد فيها الكثير من الناس، بل حيث تكون نعمة الروح القدس. قد نقول إن الصديق الزائف هو شخص ينكر بطريقة متعمدة طريقة التفكير بحسب صليب المسيح وبدلاً من ذلك بإرادته الحرة الخاصة يحتضن الأضداد الثلاثة لهذا الرأي: الطموح، والجشع، ومذهب المتعة. الأصدقاء الحقيقيون في المسيح يعلنون حربًا مفتوحة على هذه الشرور الثلاثة ويحاربون ببأس وقوة، حتى ولو سقطوا أحيانًا أو هزموا من ضعف أو عانوا انسحابًا بنّاءً للنعمة الإلهية. لكن بطبيعة الحال، النصر النهائي سيكون لهم بشرط أن يجاهدوا للحفاظ على المسار وأن يبقوا أصدقاء حقيقيين للمسيح حتى النهاية.

نقول هذا لأن الناس أحرار في اختيار ما هو حقيقي أو ما هو اصطناعي حينما يريدون.

يقول لنا القديس بولس أخطار من إخوة كذبة“. قد يكون، يا أصدقائي، أسوأ خطر على الإطلاق، لأنه دائمًا معنا، وغالباً ما لا نملك السبل والوسائل الكفيلة لتفادي هذا الخطر، ما يؤدي إلى أن تسحبنا شبكة الشر التي من جانب إخوتنا الكذبة. هؤلاء الناس لا يتحكمون بضميرهم ولهذا السبب غالباً ما يكون على وجوههم تعبير عن الفرح، لكنه تعبير ساخر ومنفّر.

إنهم بلا شك فخورون بـ العملالذي يقومون به، وفي هذه الأثناء، الإخوة الحقيقيون للمسيح يئنون تحت الحزن الناجم عن إخوانهم وأخواتهم المخادعين. لقد قام الإخوة الزائفون بتكميم ضميرهم وإفساده، في حين أن أصدقاء المسيح الحقيقيين يبقونه حيّاً، حتى يشهد لهم عندما يتصرّفون بشكل جيد ويعاقبهم بصرامة على أي خطأ قد يرتكبونه.

يمكننا قول الكثير عن اليوم، لأن أشياء كثيرة تتفاقم، وخاصة من جانب الإخوة الكذبة. نراهم يعملون علامات وعجائب تدمر إيماننا الأرثوذكسي وليس لديهم أدنى سيطرة على ضميرهم. ونحن نراهم يخطفون المواقع بلا خجل ممن هم أكثر استحقاقاً منهم، بالرغم من أن قدرتهم على العطاء هي دون أولئك بكثير. والأهم من ذلك أننا نراهم يقاتلون ضد عمال الروح القدس الخلاصي بدون خجل ولا حتّى حياء. كما نراهم أيضًا في حياة القديسين، إنهم هم الذين أهانوا واضطَهَدوا القديسين كيوحنا الذهبي الفم وسمعان اللاهوتي الحديث ونكتاريوس أسقف المدن الخمس وغيرهم الكثير. هؤلاء القديسون الذين ذكرتهم لم يفترِ عليهم ويشهّر بهم الوثنيون والهراطقة، بل إخوانهم، الذين كما قلنا، كانوا إخوة مزيفين، أي أنهم كانوا يرتدون قناعاً ويتظاهرون بأنهم مسيحيون أرثوذكس. أن يتعرض الإنسان للاضطهاد من قِبل أشخاص من أتباع الديانات الأخرى هو أمر، وعندما يكون المسيحيون الأرثوذكس هم الذين يقومون بالمطاردة والترصد إلى أن تسنح لهم الفرصة، ويصبحوا قادرين على الظهور كأناس مخادعين على حقيقتهم، هو أمر آخر.

فليحمِنا المسيح وسيدتنا من هؤلاء الإخوة والأخوات الخطرين. آمين

يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ

يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ

الأب أندرياس أغاثنجلوس

في الفترة التي تلي عيد الفصح، عند الاحتفال بالخدم بحسب البندكستاري، تكون القراءات الإنجيلية في الآحاد من إنجيل يوحنا. في الأساس، يقتبس الإنجيليّ معجزة أو شفاء على يد يسوع، وقبل الرواية أو بعدها، يعطي تفسيره اللاهوتيّ. وهكذا ، في حالة شفاء الرجل الذي كان أعمى منذ مولده، يشير القديس يوحنا إلى أهمية النهار والنور.

يكشف الرب عن نفسه على أنه نور العالموأنه يعمل أعمال الذي أرسلهما دام نهار. ولأن المسيح قال أنه يقوم بعمل الذي أرسلهفإن أردنا أن نكون مسيحيين مخلصين لربنا، علينا نحن أيضًا أن نؤدّي أعمال الله: أي الأعمال التي من أجل خلاصنا وخلاص العالم. ليس بمعنى الرسالة أو الخدمة الكهنوتية المحدد، بل بمعنى المهمة الأساسية التي يتعين على كل واحد منا القيام بها في حياتنا كوصية من الله. “يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ“.

تكمن دهرنة المسيحيين في حقيقة أننا تائهون على طريق الحياة المفروضة علينا. لقد قبلنا هذا الأمر لأنه يشبع تقديرنا لذاتنا. نحن نعيش كما لو أن حياتنا لن تنتهي يومًا ما. لهذا السبب،ولا محالة، تحلّ التوافه مكان مهامنا، والسطحي يخفي الأساسي والعابر يتخطّى الأبدي.

لا يهدف انتقادي إلى الإدانة بل فقط إلى الإشارة إلى ما نفقده بشكل لا رجعة فيه.

سبب ذلك بحسب القديس مكسيموس المعترف:

عندما أصلي شكلياً أفقد علاقتي الشخصية مع المسيح الذي يُحِبّ ويُحَبّ كشخص.

عندما أطلق العنان لأهوائي أفقد ثقتي الحسنةأمام الله.

عندما أذهب إلى الكنيسة لا كحاجة بل كواجب أفقد سلامي الداخلي.

عندما أعمل بجد بدون أيام استراحة أو عطل أفقد فرحة العمل والاسترخاء.

عندما أقطع الاتصال مع أناس أهتم بهم ومع أصدقائي القدامى أفقد جمال الحياة.

عندما لا أعبّر عن مشاعري أفقد الحرية والوفاء كشخص.

وبالطبع، يمكن إيراد أمور أخرى أيضًا، ولكن مرة أخرى، لن تحدد هذه الأمور الحياة التي تم منحها لنا كهبة والتي نحن مدعوون إلى بذل جهد لعيشها. إذا نظرنا بهدوء وبكل بساطة داخل أنفسنا فإن كل واحد منا سوف يكتشف ما عهد به الله إلينا والذي نحن مدعوون للعمل عليه حتى نتمكن من عيش حياة حقيقية لا تعترف بالموت نهاية لها. لتحقيق ذلك لا يتطلب الأمر القوة بقدر ما يتطلب الإرادة والرغبة والجرأة.

نحن مدعوون، كل واحد منا على حدة، ومعاً ككنيسة، إلى القيام بالعمل الذي عهد به الرب إلينا، لكي نصبح مثله، نوراً في عالم متعثر ويريد أن يُنار. دعونا نعمل الآن، فيما نحن أحياء، لأن يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ“.