مختارات من أقوال المطران سرجيوس (براغ)

مختارات من أقوال المطران سرجيوس (براغ)

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

الإنسان مخلوق للسعادة، وفقط من خلال الانتصارات اليومية يمكنه أن يحصل على الفرح والحالة التي تجلب النور إليه وإلى كل الآخرين.

كل الحياة هي في العلاقات بين الأشخاص. علينا أن ننير هذه العلاقات بنور حقيقة المسيح.

إن كان هناك سلام في النفس، فذاك الفرح لا يُنتَزَع أبداً. غياب السلام لا يجلب السعادة.

الحياة هي عمل عظيم. علينا أن نتعلّم أن نسلك بحكمة في المسيح، ومن ثمّ كل ما هو حولنا يصير له معنى ويكتسب قيمة للأبدية.

كل انتصار على الخطيئة هو انتصار على ذواتنا وعلى الآخرين من أجل الفهم المشترك لحياة كل الناس.

إن رعاية الإنسان الداخلي لا تتم في عالم الجهادات المذهلة، بل في الحياة اليومية.

إن وجود السعادة في الحياة يكمن في وجود حياتنا الروحية. مهما كانت أشكال الحياة جميلة، لن يكتسب الإنسان السعادة الحقيقية ما لم يغلب الخطيئة في نفسه.

ليست المسألة في تفاهتنا، بل في عدم رغبتنا بتحمل المسؤولية.

البشر هم أزهار الله، ونخن مثل النحل علينا أن نعرف كيف نجمع العسل من هذه الأزهار، لإغناء ذواتنا بشخصية الآخرين وكشف شخصيتنا لهم.

هناك جمال في كل شخص، وخطيئتنا وحدها هي ما يمنعنا عن رؤيته.

حياة الجماعة هي هبة من الله، وفي حال لم نكن اجتماعيي النزعة فإن تغيير أنفسنا لنصير محبين للاختلاط بالناس هو عمل نسكي، من أجل أن نكمّل فقر شخصيتنا.

علينا أن نجد الكنز المخبّأ في كل قلب. غالباً ما يبحث الناس عن الكنوز، لكن ليس عن كنوز النفس. لكننا بحاجة لأن نسعى إلى كنوز النفس. قد يتساءل البعض ما الداعي؟ ونجيب: لكي نصير أغنياء.

إن مهمتنا تكمن في توجيه انتباهنا لا إلى الخارج بل للبحث في أنفسنا وفي الآخرين عن ما عندنا من الله.

إن نفوسنا مخلوقة للأبدية، لكننا لا نعيرها أي اهتمام بالمطلق. نحن نجاهد لنكسب كل الكنوز الممكنة، ما عدا كنوز الأبدية. نحن تجّار فقراء، نضع سعراً رخيصاً لنفوسنا.

إن مهمة المسيحي المباشرة هي تحقيق الحياة الإلهية على الأرض.

من المستحيل إيجاد الصلاح إن لم نمشِ على درب المسيح. فقط باتّباع المسيح يجد المرء صلاحه الذاتي.

ليست الحياة الإلهية مثالاً نظرياً، بل ضرورة عملية.

إن الوحدة بين الناس هي الخيط الممتد من الأرض إلى السماء، إلى الله، إلى المركز الموحّد. الوحدة الممتدة من قلب إلى آخر هي موجّهة إلى مركز واحد، الله. لأن الوحدة بين الناس هي الحياة بينما الانقسام هو الموت.

مع الخطيئة، يكون الإنسان خائفاً من الإنسان الآخر، ولا يخطو ببهجة على الأرض. يفتكر في نفسه كيف يتهرّب من لقاء هذا أو ذاكعندما يغلب الخطيئة، يقدر الإنسان أن يقترب من الآخر ويصيبه بالصلاح.

علينا أن نعرف كيف ننير علاقاتنا المتبادلة بنور حقيقة المسيح، حتّى نجلب الصلاح إلى هذه العلاقات. في بحثنا عمّا هو مشترك بيننا من الله، نصير مشاركين لله في العمل على الأرض.

ما هو من الله هو الصلاح الحقيقي هنا على الأرض، إنه الفرح بالروح القدس. ومن ثمّ تُفتح لنا الحياة السماوية.

النافذة المفتوحة

النافذة المفتوحة

الشيخ موسى الأثوسي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

مع أن هذا المقطع كُتِب على أثر الأزمة التي حلّت في اليونان في 2008، إلا أن الحالة التي يحكي عنها الشيخ موجودة في كل العالم لأن العالم كله يعاني من أزمات تشكّل ضغطاً على المؤمنين [المترجم]

لقد قلنا سابقاً أن الله ليس غضوباً ولا مصمماً على العقاب والانتقام وإلا كان سيئاً. لكن ليس في الألوهة أي أثر للسوء. كلّ تجربة هي تربية من الله وشكل من الجهاد الروحي الذي نفيناه عمداً من حياتنا. بطرق مختلفة، يحاول الإله الصالح أن يجذبنا إلى قربه. في عيني الرب، كلنا نجاهد الجهاد الحسن.

إن الأزمة الاقتصادية الحالية هي تجربة عظيمة، امتحان وتربية. الله هو مربٍّ رائع. إنه يجرّبنا لمصلحتنا ولنصرنا. اليونان تعرّضت، إنها غير آمنة، خائفة، تغلي، روحياً بلا دفاع، أغوتها الحياة الجيدة، التخمة، الاستهلاك المفرِط، الزخرفة والتمتّع المتهتّك. انجذاب أسلوب الحياة المغنطيسي نحو الخيرات المادية جلب الحزن والخيبة المرّة. كل ما نفكر به هو الأكل والشرب, لقد طُبع الكثير من الكتب المليئة بوصفات الأكل الغريبة. في سعينا إلى السعادة في أي مكان وأي زمان، كل ما وجدناه هو كسرُ الشظايا، البؤس، والأخطاء وعدم المساءلة.

البطالة في أعلى نسبها، الفقر يزداد انتشاراً، الألم يزداد والناس يشعرون بالفشل والوحدة وفقدان الرجاء. من دون الله، كل هذه تصير إلى الأسوأ بشكل يثير القلق. مع الله، لا تنحلّ دفعة واحدة كالسحر. بل على الأقلّ يشعر الناس بوجود الله ومحبته وبنعمة الروح القدس، بالتعزية وبالأمل. وهكذا لا ييأسون في وسط صعوباتهم اليومية. يستطيعون العيش في العالم من دون أن تحملهم الأشياء الخسيسة والوقحة بعيداً. الإيمان غير المتزعزع يجلب التفاؤل. المحبة الحقيقية تقدّم الإحسان والصدقة. بهذا، تستنير قلوب المجروحين وتدفأ.

إن الذين ما زالوا يتبعون آلهة كاذبة أو يصنعون من الناس آلهة في السياسة والفنون والعلوم سوف يخيبون بشكل مزرٍ. من دون الله، كل الأزمات تستبد بالناس وتجعلهم يعانون من الأوهام المروعة والمصاعب الكبيرة. المخادعون الذين يوقعون الناس الساذجين بالأوهام والرؤى المستقبلية والأحاديث عن ضد المسيح مخطئون ويرتكبون خطيئة. نحن بحاجة إلى اهتمام وتمييز ورزانة.

أنه وقت مناسب للغفران بصدق ومن القلب، للاتضاع والرحمة، للمحبة وممارسة اللطف والتسامح والرفقة والخير. نحن نفتقد اللمسة الإنسانية. الابتسامات مخفية. الوجوه مشوهة بالقسوة والتوهج، وهذا ما يخيم على الحركات والكلمات والقرارات. الوضع الصعب الذي نجد أنفسنا فيه لا يمكن تحسينه بالمزيد من الأحمال والتدابير الإضافية والرفض والرغبة في الانتقام. يمكن للشرطة أن تلقي القبض عندما يكون ضرورياً لا أن تلجأ للعنف. لا ينبغي بالقضاة أن يستنفدوا قسوتهم على بعض الأشخاص فقط. إنهم يقدمون أنفسهم كمنفذين صارمين للقانون، ولكن في بعض الأحيان يثبت أنهم أخطؤوا بشدة. المعلمون من جميع المستويات لا يساعدون طلابهم بأن يكونوا شرسين، صارمين بلا مبرر ومثيرين للسخرية. لقد سخر منا سياسيونا، والحكومة غير موجودة.

إن الأزمة الحالية هي فرصة للنظر إلى أنفسنا بشدة وإلى الآخرين بلين. اللطف جميل. إن التفاهم المتبادل والاحترام المتبادل والإعجاب المتبادل هم أكثر أهمية اليوم. في المنزل المغلق هناك نافذة مفتوحة. نافذة تجلب أشعة الشمس والهواء النقي. الربيع هو موسم عظيم. في الظلام، شمعة تخفف من الكآبة. دعونا نفتح نافذة قلوبنا مع الإنسانية واللطف اللذين يحتاجهما الجميع.

ما معنى: احمل صليبك؟

ما معنى: احمل صليبك؟

القديس نيقولاوس فيليميروفيتش

المسيح قام، حقاً قام

ما معنى: احمل صليبك؟ إنها تعني القبول الطوعي، على يد التدبير الإلهي، لكل وسائل الشفاء الممنوحة لنا حتّى ولو كانت مُرّة.

أتقع عليك الكوارث؟ كُنْ مطيعاً لمشيئة الله، كما كان نوح.

أمطلوب منك أن تضحّي؟ سلّم نفسك ليَدَي الله بنفس إيمان إبراهيم عندما مضى ليضحي بابنه.

أتتعرّض ممتلكاتك للخراب؟ أيموت أبناؤك فجأة؟ احتمل العذاب كلّه بصبر، ملتصقاً بالله بقلبك، كما فعل أيوب.

أتخلّى عنك أصدقاؤك وتجد نفسك محاطاً بالأعداء؟ احتمل من دون تبرّم، وبثقة بأن معونة الله هي في متناول يدك، كما فعل الرسل.

أمحكوم عليك بالموت من أجل المسيح؟ كن شاكراً لله لهذا الشرف، كمثل الآلاف من الشهداء المسيحيين.

ما من شيء تسعى إليه ولم يكن من قبل، وبالأرجح أنك سوف تتبع مثال الكثيرين، الرسل والقديسين والمعترفين والشهداء، الذين عملوا مشيئة المسيح.

فمن ثمّ يجب أن نعلم، أننا في سعينا إلى صلبنا، يطلب الرب أن يُصلَب الإنسان العتيق، الإنسان المصنوع من الشر وخدمة الخطيئة. إذ بهذا الصلب، الإنسان القديم المشابه للحيوان يوضَع للموت، والإنسان الجديد الذي على صورة الله وغير المائت، يُقام إلى الحياة.

لكن ما هي مشيئة الله؟

لكن ما هي مشيئة الله؟

الشيخ سمعان كراغيبولوس

نسمع بين الفينة والأخرى الناس يقولون: “لكن، ما هي مشيئة الله؟ أنا لا أعرف ما يريده الله.”

ما الذي لا تعرفه؟ ألا تعرف، مثلاً، أن عليك أن تصلي قليلاً أكثر مما تصلي الآن؟ أأنت بحاجة إلى أن يخبرك أحد بذلك؟ ألا تعرف أن الصلاة القليلة التي تقوم بها يجب أن تكون من كل قلبك؟ ألا تعرف أنه لا ينبغي بك أن تجاوب أحداً، أو أن تتوجّه إليه بطريقة تحزنه؟ ألا تعرف أن عليك أن تساعده؟ ألا تعرف أن عليك أن تسامحه؟ أن تحتمله؟ أن تحبه؟ أن تصلي من أجله؟ ألا تعرف أن عليك أن تكون صبوراً؟ وأن عليك ألا تغضب؟

اعمل ما تعرفه. والله، إذ يرى تصرفك الصادق لمعرفة إرادته باستمرار، سوف يجد، في كل مرة، طريقةً يوضح فيها لك ما لا تعرفه.

أن نبدأ كل مرة من جديد لا يعني أننا سوف نقوم بأمور لا نتوقعها. بالأحرى، سوف نقوم بأشياء نعرفها، أشياء مألوفة، لكن بروح أخرى، وميل آخر.

فيما ندرس الموضوع برمته سوف نفهم ويكون لنا بداية جديدة، اليوم ، غداً، واليوم الذي بعده؛ وهذا لا ينتهي. ما من أحد سوف يتعب يقول: “أنا تعبت من تكرار البداية“. على العكس، سوف تشعر بداخلك أن هذا ضروري كل يوم. وهذا سوف يكون شهادة، علامة، برهاناً، بأن قطعة أخرى من لاوعيك خرجت من القبو المظلم وهي الآن تحت سيطرتك. عند هذه النقطة تضعها تحت نعمة الله حتّى أنها تتقدّس. كل ما هو شرير، كل ما هو مشوّه، يتبدد ويتطهر بالنعمة، وروحك وحدها تبقى طاهرة.

وهكذا، كل لحظة، في كل محطة، أن تتذكّر أنك بدأتَ من جديد وأنّك مجدداً سلّمت نفسك إلى الله، فسوف تحاول أن لا تترك هذه القطعة التي فيك تغلبك، ولا أن تفعل ما تدفعك إلى فعله. لكن ماذا بعد؟ تعمل ما يعمله القديس، ما يقول لك يسوع أن تعمل.

على هذا المنوال أنت تكون في كل لحظة ضمن إرادة الله وليس ضمن إرادتك.

ما هو معنى شخص المهاتما غاندي الهندي؟

ما هو معنى شخص المهاتما غاندي الهندي؟

القديس نيقولا فيلميروفيتش

نقلتها إلى العربية علا مقصود

رسالة من القديس نيقولا فيلميروفيتش إلى النبيل البريطاني تشارلز ب.

من الممكن لأيّ إنسان مؤمن أن يتعرّض للسؤال التالي: ما الذي ستفعله العناية الإلهية مع غاندي وما هو معنى ظهور هذا الإنسان الغريب وسط سياسيي ورجال الدول في عصرنا؟

إنه تحذير من الله، هذا هو بالتأكيد معنى قائد أمّة الهند العظيمة. من خلال هذا الإنسان تُظهِر العناية الإلهية للسياسيين ورجالات الدول في العالم وحتى المسيحيين منهم، أن هنالك طرق أخرى في السياسة غير الدهاء والمكر و العنف. إن طريقة غاندي السياسية بسيطة جداً وواضحة: إنه لا يطلب شيئاً سوى الإنسان الذي يتضرع والإله الذي يستجيب. في وجه السلاح والذخيرة والجيوش وضع غاندي الصوم، وفي وجه الدهاء والمكر و العنف وضع الصلاة، وفي وجه النزاعات السياسية وضع الصمت.

كم يبدو هذا تافهاً ومثيراً للشفقة في أعين رجال هذا العصر. أليس صحيحاً؟

في كتب التدريس السياسية المعاصرة، لا ترد هذه الطرق الثلاثة ولا حتى كملاحظة هامشية. الصلاة والصوم والصمت! بالكاد يوجد رجل سياسة واحد في أوربا وأميركا لا ينظر بسخرية إلى هذه الأسرار الثلاثة لدى القائد الهندي على أنها أغصان يابسة في المعركة في وجه أكوام الحديد والرصاص والنار والسموم. على أية حال إن غاندي نجح مع تعويذاتهالثلاثة لدرجة أدهشت العالم. وإن أراد المشرعون في انكلترا وفي بقية الدول أو لم يريدوا فإن عليهم أن يضيفوا فصلاً جديداً إلى كتبهم الدراسية السياسية: “الصوم والصلاة والصمت كأسلحة قوية في السياسة“. تخيّل، أما كان من حظ كل البشرية لو أن طرق غاندي غير المعمَّد حلّت في علم السياسة مكان طرق مكيافيللي المعمَّد؟

لكن ما يفاجئ العالم ليس طريقة الهندي بحد ذاتها بل هو فعليّاً الشخص الذي يستعمل الطريقة. إن الطريقة مسيحيّة، ومع أنها قديمة قِدم الإيمان المسيحي فهي جديدة في هذا اليوم والزمن.

إن مَن أظهر مثال الصوم والصلاة والصمت هو السيد المسيح وقد أظهره لتلاميذ. هم سلّموها للكنيسة من خلال عيشهم والتزامهم فيها بحياتهم، والكنيسة سلّمتها للمؤمنين من جيل إلى جيل حتى يومنا هذا.

الصوم هو تضحية، الصمت هو فحص داخلي لذات كل شخص، الصلاة هي تضرّع لله. تلك هي المصادر الثلاثة الأعظم للقوة الروحية التي تجعل الإنسان منتصراً في المعركة ومثالاً ممتازاً في الحياة. هل هنالك إنسان لا يمكنه أن يتسلّح بهذه الأسلحة؟ بالطبع هذه الأمور الثلاثة لا تتضمّن كل الإيمان المسيحي بل هي جزء فقط من قوانينه ومن أسراره الفائقة الطبيعة. على الأكيد، الكثير من المبادئ المسيحية مهملة والكثير من الأسرار المدهشة الفعل منسيّة.

من المحزن أن كثيرين من المسيحيين في أيامنا يهملون هذه المبادئ وينسون الكثير من الأسرار العجائبية. لقد بدأ الناس يفتكرون بأن النصر ممكن فقط باستعمال الحديد، وأن الغيوم المحملة بالمطر يمكن تفريقها فقط بالمدافع وأن الأمراض تُشفى بالأدوية فقط وأن كل شيء في العالم يمكن تفسيره بالكهرباء ببساطة. إن القوى الروحية والأخلاقية ينظَر إليها على أنها فوق كل شيء قوى سحرية.

أعتقد أن هذا هو سبب اختيار العناية الإلهية للمهاتما غاندي، رجلاً غير معمّد ليكون إنذاراً للمعمَّدين، وخاصة أولئك الذين يكدسون على ذواتهم المحن الواحدة فوق الأخرى وفوق شعوبهم باستخدام الوسائل القاسية وعديمة الرحمة.

يخبرنا الإنجيل أن العناية الإلهية أحياناً تستخدم مثل هذه التحذيرات أو الإشارات لصالح الناس. سوف تدركون فوراً أني ألمّح هنا إلى القائد الروماني من كفرناحوم (متى،8). من جهة، ترى شيوخ إسرائيل الذين كمختارين موحدين ذلك الوقت تفاخروا بإيمانهم بينما رفضوا المسيح. ومن جهة أخرى، ترى الروماني الوثني المحتقر الذي أتى إلى المسيح بإيمان ومذلة عظيمَين طالباً منه أن يشفي خادمه، وعندما سمعه السيد ذُهل به وقال لمن يتبعونه: “الحق أقول لكم لم أجد ولا حتى في إسرائيل إيماناً بمقدار هذا“. إن العالم المسيحي هو إسرائيل المعمَّدة الجديدة. أصغوا! ألا يتحدث السيد المسيح اليوم بنفس الكلمات إلى ضمائر الشيوخ المسيحيين مشيراً إلى القائد الهندي؟

السلام والصحة من الرب إليكم.


Source: Missionary Letters of Saint Nikolai Velimirovich: Letters 1-100, trans. Hierodeacon Serafim (Baltic), Vol. VI in A Treasury of Serbian Orthodox Spirituality (Grayslake, IL: New Gracanica Monastery, 2008), pp. 171-173.

الزوجة الضّالة والزوج المؤمن

الزوجة الضّالة والزوج المؤمن

القديس باييسيوس الأثوسي

نقلتها إلى العربية غزل سرحان

زارني مرة دكتور أميركي – يوناني. كان أرثوذكسياً غير ملتزم، فهو لا يصوم يوم الجمعة وأغلب الأحيان لا يذهب إلى الكنيسة. مرّ مؤخراً بخبرة وأراد أن يناقشها مع شخص ما.

في إحدى الأمسيات، وبينما كان يصلي في شقته، فُتحت السموات، وغمره النور، واختفى السقف. والأمر نفسه جرى للأربعين طابق التي كانت فوق شقته. وبقي على هذه الحال مغموراً بالنور فترة طويلة جدًا، حتّى أنه لم يستطِع أن يخبِر لِكَم من الوقت.

وقفتُ مندهشاً! كنت أشعر وأفهم أن هذا الحدث كان من الله“. كان حقيقياً. فهو بالفعل قد عاين النور غير المخلوق“. ماذا فعل في حياته؟ وكيف عاش ليستحق مثل هذه الأمور الإلهية؟

كان متزوجاً، وعنده امرأة وأولاد. قالت له زوجته: “أنا مريضة ومرهقة من الأعمال المنزلية، وأودّ الخروج بنزهة بين الحين والآخر، لم تكن تعمل، فبدأت بالخروج مع صديقاتها والضغط عليه ليرافقها كل ليلة في نزهاتها. بعد فترة من الوقت قالت: “أريد الخروج مع صديقاتي لوحدي“. قبِل بهذا من أجل أبنائه. ولاحقاً أرادت الذهاب في إجازة بمفردها، ماذا بإمكانه أن يفعل؟ أعطاها النقود والسيارة.

من ثم طلبت أن تستأجر شقة بحيث تستطيع أن تعيش بمفردها، وتدعو إليها أيضاً أصدقاءها. فودّ أن يتحدث معها ويستوضح، ما شعور أطفالنا في كل هذا؟كانت مصرّة على موقفها. في النهاية، سحبت منه مبلغاً كبيراً من المال وتخلّت عنه. لقد كانت تشعر بأنها مقيدة جداً!

وبعد عدة سنوات، علم بأن الأمر انتهى بها كعاهرة في أندية بيريه (ميناء أثينا)! كان مذهولاً وحزن بشأن مصيرها! فكّر في أن يبحث عنها ولكن .. ماذا سيقول لها؟

جثا على ركبتيه ليصلي: “يا إلهي، ساعدني، قل لي ماذا أقول ماذا أفعل… لإنقاذ هذه الروح …” أنظر. كان مجروحاً من أجلها، أراد أن ينقذ روحها“. لا عقلية ذكورية، ولا انتقام، ولا ازدراء، فهو مجروح حقاً بداخله لرؤيته حالتها البائسة. لقد تألّم من أجل خلاصها. وكانت تلك هي اللحظة التي فتح فيها الله السموات، وغمره بنوره.

أترى؟ هل ترى؟ كان في أميركا، وفي أي بيئة كان يعيش؟ وبعد .. كم واحد منا يعيش في هذا الجبل المقدس، مشمولاً بنعمة الأم المقدسة، دون أي تقدم!

المجد لله! المجد لله!

An excerpt from the book: Father Paisios Told Me, by Athanasios Rakovalis, “Orthodoxos Kypseli” Publications, pages 27­2

روح العالم وروح الله

روح العالم وروح الله

القديس نيقولاي فيليميروفيتش

نقلتها إلى العربية منيرة فرح

نحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله” (كورنثوس الأولى 12:2).

أيها الأخوة إن روح هذا العالم هي روح الغرور والقوة، والروح التي من الله هي روح الوداعة واللطف. وقد أكد الرسول على أن أتباع المسيح لم يتلّقوا روح هذا العالم وإنما الروح الذي من اللهالذي انبثق من الله الآب كرائحة حلوة العبير مثل رائحة الزهور ومثل عطر رائع انسكب على روح الانسان جاعلاً منها جبارة، مشرقة، شاكرة وممتعة.

إن البشر بحسب الطبيعة ودعاء ولطيفون. كتب ترتيليان يقول: “روح الإنسان بالطبيعة هي مسيحية“. ولكن بسبب روح هذا العالم هي سريعة الانفعال وغضوبة. فإن روح هذا العالم تحوّل الحملان إلى ذئاب بينما روح الله تحوّل الذئاب إلى حملان.

يضيف الرسول أيضاً أننا نتلقى روح الله لنعرف الاشياء الموهوبة لنا مجاناً من الله” (كورنثوس الأولى 12:2). أي لكي نعرف ما هو من الله فينا وما ليس من الله، ولنتذوق حلاوة وجمال ما هو آتٍ من الله ومرارة ما ليس من الله وإنما من روح هذا العالم. لذا طالما أن الإنسان خارج طبيعته ودون طبيعته فهو يعتبر المرارة كالحلاوة، والحلاوة كالمرارة، ولكن بروح الله يعود إلى طبيعته الحقيقية ومن ثم يعتبر الحلاوة حلاوة، والمرارة مرارة.

من يستطيع إعادة الإنسان إلى الله؟

من يستطيع شفاءه من المرارة المسمِّمة الخاطئة؟

من يستطيع أن يعلّمه بواسطة التجربة أن يفرق الحلاوة الحقيقية عن المرارة؟

لا أحد سوى الروح الذي من الله.

لذلك أيها الأخوة دعونا نصلي إلى الله ليمنحنا روحه القدوس كما منح الروح القدس لتلاميذه وقديسيه. وعندما يحل هذا الروح القدس فينا يصل ملكوت الله حيث كل الحلاوة بحد ذاتها، والخير فقط، والنور فقط والوداعة فقط واللطف فقط.

أيها الروح القدس، روح الوداعة واللطف، هلّمَ واسكن فينا.

السر في إيمان القديسين

السر في إيمان القديسين

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

نقلتها إلى العربية راما مخول

هل ترى مدَى عظَمة الإيمان؟ إنه بالحقيقة ما يطلبه الله من البشرية. ونحن نسمع دائماً ذلك النشيد الرائع لبولس الرسول. فهو ليس مجرد رسالة أو خطاب، كتبه إنسان مستنير، إنه نشيد موحى به من الله: “[جميع القديسين] الذين بالإيمان قهروا ممالك، صنعوا برّاً، نالوا مواعيد، سدّوا أفواه أسودٍ، أَطفأُوا قوّة النّار، نجو من حدّ السّيف، تقوّوا من ضعفٍ، صاروا أشدّاء في الحرب، هزموا جيوش غرباء. أخذت نساءٌ أمواتهنَّ بقيامةٍ، وآخرون عُذِّبوا، ولم يقبلوا النّجاة، لكي ينالوا قيامةً أفضل، وآخرون تجرَّبوا في هزءٍ وجَلْدٍ، ثمّ في قيودٍ أيضاً وحبسٍ. رُجِموا، نُشِروا، جُرِّبوا، ماتوا قتلاً بالسَّيف. طافوا في جلود غنمٍ، وجلود معزٍ، مُعتازين، مَكروبين، مُذلّين…” (عب. 11: 32-38). وكما تعلمون، فإن هذا النشيد العظيم يستمر.

كلُّ هذه الجوائز، وهذه الانتصارات، التي تُجدد وتُكمل علاقة الجنس البشري مع الرب، وُلدت من الإيمان. هذا هو ما يخلّصنا. هذا الإيمان الذي يصل إلى كلّ واحد منا، نحن جماعة المؤمنين، وهو ما يبرر كل شيء.

نأتي الآن إلى سرِّ أعمق. جميع هؤلاء الأجداد كانوا يميلون إلى الوحيّ، ولذلك وُهِب لهؤلاء أن تُمنح البركات. فالرب سبق فاختارهم، ودعاهم، وسكن فيما بينهم، ليكون فخوراً لكونه إلههم. هؤلاء أيضاً تلقوا الوعود المباشرة وتحدثوا وجهًا لوجه مع الله. وهؤلاء على الرغم من اليقين بالوعود التي أوحيت إليهم حقاً من السماء، ربحوا الاحترام من الله والتقوى، وبشكل عام توجههم نحو الله بصليبهم الكامل، أي بالحزن، الأسى، الاضطهاد، وعدم الراحة، وانتقلوا من هذه الحياة دون رؤية أي شيء من كل ما وَعَد به الله، باستثناء بعض الإشارات وفترات الخبرات المختلفة. أترون هذا السرّ؟ في وادي البكاء هذا، تُشاهد الوعود الإلهية جزئياً، وتُدرك جزئياً، وتُكشف إلى حد ما. وهنا بالتحديد هو حيث نطبّق ما يلي: “مَنْ كان حكيماً يحفظ هذه ويتعقَّل مَرَاحِم الرَّبِّ” (مز. 106: 43).

هذا هو السبيل الذي به نحن المختارون بالإيمان نلتزم ونحفظ علاقتنا مع الله ووعوده. مجدداً، بفهم الإيمان في خضم المعاناة الهائلة الطويلة، والصبر والاحتمال في خضمّ التجارب والأهواء، نُكَمّل كما جميع القديسين.

درجات النمو الروحي

درجات النمو الروحي

البطريرك بولس الصربي

ما هو أهم شيء على المسيحي معرفته؟

كما سبقت الإشارة، الأهم هو معرفة هدف الحياة ومعناها. إنه الأمر الأكثر أهمية. إذا عرف الإنسان هذا يستطيع أن يستعمل قواه ومواهبه من أجل ما هو حسن ومستحق، أي لنفسه، لعائلته، لأمّته ولكل إنسان. غني عن القول، علينا أن نعرف هذا القول: “اصنعوا للآخرين ما تريدونه أن يصنعوا لكم“.

لقد قلتَ مرةَ أن القدرة على الصلاة هي أهم الأشياء للمسيحي.

نعم. بالجوهر، الصلاة هي المحادثة مع الله، مع أبينا السماوي. يقول الإنجيل أن المسيح ابن الله كان يعتزل ويصلي. بالحقيقة هذا كان حديث الابن مع الآب. والأمر عينه بالنسبة لنا، الصلاة هي حديثنا مع الآب السماوي. فالله يتحدّث إلينا من خلال الكتاب المقدس وعلينا أن نجيبه من خلال الصلاة.

يقول القديس باسيليوس الكبير أن هناك ثلاث مراحل للنمو الروحي.

المرحلة الأولى هي مرحلة العبد. يعرف العبد أن مصيره يتوقف على السيد الذي ينتمي هو إليه، الذي يملك الحق بضربه أو قتله أو بيعه مع امرأته وأولاده. لهذا، هو يحقق إرادة سيده. روحياً، هذا هو المسيحي الذي يحقق إرادة الله خوفاً من نار جهنم. إنه يفهم أن حياة الخطيئة لألف عام لا قيمة لها لأنه سوف يتعذّب إلى الأبد.

المرحلة الثانية هي مرحلة الأجراء. الأجير هو إنسان حر يتقاضى أجراً مقابل عمله. هو يعمل ليقبض. روحياً، هو المسيحي الذي يرغب في الوصول إلى أعلى مراتب الفردوس. ليست كل المراتب متماثلة. المستحق والحسن يتقدم أكثر وأكثر الى قرب الله، من دون الوصول إليه، لأن الله غير متناهٍ، لكن أيضاً هو يقترب شيئاً فشيئاً. بالطبع، الله هو حياتنا وبركتنا، هو كل ما لنا.

المرحلة الثالثة هي مرحلة الأبناء والبنات. الابن يحقق إرادة أبيه لا خوفاً من عقابه، فهو ليس عبداً. ولا رغبةً بأجر من أبيه فهو ليس أجيراً. إنه يقوم بذلك طوعياً حتى يكون أبوه راضياً. روحياً، هذا هو المسيحي الذي يحقق إرادة الله لأنه يحب الله حتى يكون الله راضياً.

فالأولان يفكّران بأنفسهما، الواحد يريد أن لا يُعاقَب والثاني يريد الأجر، الابن أو البنت يفكّران بالله. هذا هو المسيحي الحقيقي. لكن ما من أحد يبلغ هذه المرحلة إلا بعد أن يعبر المرحلتين الأولين. كم من الوقت يقضي في كل منهما، هذا يتوقف على كل واحد شخصياً.

حتّى نصلّي لا بالكلمات فقط بل بأعمالنا وكياننا بأكمله…

يقول المسيح: “لماذا تنادوني يا رب يا رب؟ ليس كل من قال يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يفعل إرادة أبيالأرثوذكسية هي إيمان يُعرَف بكيفية عيشنا له، بأفعالنا، بتصرفنا.” الأرثوذكسية هي أسلوب حياة.

من كتاب رجاءً كونوا الشعبليوفان يانيتش.

ضبط نغمتنا

ضبط نغمتنا

الأب رومان براغا*

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

لقد كنتُ في سجن الشيوعيين لمدة إحدى عشر سنة، وفي الحجز الانفرادي لثلاث سنوات. وجدت في السجن أني لم أعرف شيئاً. اختفت فكرتي عن الله. لكن ما وجدته هو أن إله الكتب مختلف عن إله الخبرة. عندما تشعر بأن الله حي تفهم: أنا أحيا لأن المسيح حيّ فيّ. عندما يكون المسيح حياتك لا تحتاج إلى كتب، لا تحتاج أطروحات في اللاهوت، ولا محاضرات، ولا أيّ شيء. لقد وجدت الإله الحقيقي بعد سنوات كثيرة في المعهد واللاهوت والكتب والأناجيل وكل أنواع الدراسات. أنت تتعلّم بالخبرة لأن الله هو موضوع يجب اختباره. الله حيّ. نحن عبيد للكتب. في بعض الأحيان أنت لا تجد الوقت لتكون ذاتَك، فأنت مصنوع من الاقتباسات، هذا ما قاله كانت وأفلاطون، والآباء القديسون يقولون أيضاً هذا القول. أنت مختلف.

لا ينبغي بنا تقليد أيّ كان لأننا نحن مَن نحن. نحن نتبنّى المبادئ من هنا ومن هناك. لكننا نحتاج الكتاب المقدس فقط، نحن لا نحتاج أيّ كتاب آخر لأن الله يحاكينا من خلال الكتاب المقدس. أنت تبدأ بالتحدّث إلى الله قائلاً: “أنظر أيها الرب، أنت خلقتَني. مَن أنا؟ أنت أردتني أن أكون في هذا العالم“. هنا تبدأ بالتعلّم، الله نفسه يعلّمك مَن تكون.

كل رجل أو امرأة هو شخص محدد، ليس مثل أي آخر. لا يكرر الرب نفسه عندما يخلق شيئاً. إذاً لديك طريقتك في الصلاة والتي هي خاصتك. من العبث أن أخبرك طريقتي. لكن ابْدأ، مارِسْ، والله يمنحك طريقتك التي هي شخصية. حياتنا في الله شخصية جداً، وتختلف عن حياة شخص آخر. لكن المهم هو القيام بهذا العمل، أي بالحياة في الله. تحدثوا إليه، اشعروا بحضوره وهو سوف يعلّمكم مَن تكونون.

* أرشمندريت في الأسقفية الرومانية التابعة للكنيسة الأرثوذكسية في أميركا. وُلد في بيساربيا في 1922 وتوفي في دير رقاد السيدة في ميشيغن في 2015. بعد أ، سجن عدة مرات واضطُهِد في رومانيا، انتقل إلى أميركا في 1972 حيث قام بنقل الخدم الليتورجية الرومانية إلى الإنكليزية. عمل الكثير في التربية المسيحية للرومان في أميركا.