مختارات من أقوال آباء أوبتينا

مختارات من أقوال آباء أوبتينا

القديس موسى الأوبتيني

  • إذا أظهرتَ الرحمة لشخص ما ، فسوف تَظهَر لك الرحمة.

  • إذا كنت تبدي التعاطف مع مَن يعاني (وهذا بالطبع ليس عملاً عظيماً) فسوف تُحصى بين الشهداء.

  • إذا كنت تغفر لشخص أهانَك، فلن تُغفَر لك كل ذنوبك وحسب، بل ستكون ابنًا للآب السماوي.

  • إذا صليّتَ من كلّ قلبِك للخلاص حتى ولو قليلاً – ستخلُص.

  • إذا كنت توبّخ نفسك وتتهِمُها وتقاضي ذاتك أمام الله على ذنوبك بضميرٍ حساس، فسوف تتبرر حتى بهذه.

  • إذا كنت تحزن لخطاياك، أو تبكي أو تتنهّد، فلن يخفى عليه تأوهك، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إذا كنت تندب ذنوبك وحسب، فهو يتقبّل هذا لخلاصِك“.

  • يجب أن تحمل عيوب أخيك الروحية بكل سرور ودون انزعاج. إذ عندما يكون شخصٌ ما مريضًا جسديًا ، فنحن لا ننزعج منه وحسب، بل نكون نموذجيين في رعايتنا له، علينا أن نقدّم مثالاً في حالات المرض الروحي“.

القديس مكاريوس الأوبتيني

  • الويل لزماننا: نحن الآن نبتعد عن الطريق الضيق المحزن المؤدي إلى الحياة الأبدية ونسعى إلى طريق سعيد هادئ. لكن الرب الرحيم يقود العديد من الناس من هذا الطريق، ضد إرادتهم، ويضعهم على الطريق المحزِن. بالأحزان والأمراض غير المرغوب فيها نقترب أكثر من الرب، لأنها تذلّنا بالإكراه، والتواضع عندما نكتسبه يمكن أن يخلّصنا حتى بدون أعمال، بحسب القديس إسحق السوري.

  • إن للأفكار التي تنكّد علينا وتزعجنا العديد من الامتيازات: إن الاستفزاز الأفكار أو هجومها ليس خطيئة بل هو اختبار لإرادتنا الحرة ولميلها، إلى الفكر أو لمعارضته. ومع ذلك، وجود توافق وشراكة مع هذه الأهواء يُعتَبَر خطيئة وهناك حاجة للتوبة. مَن لا يملك القوة بذاته لمعارضة الأفكار، يجب أن يسرع إلى الله، يلقي عجزه ويلتمس معونته ومساعدة والدة الإله. عندما ينغلب شخص ما أمام الأفكار، فهذا يدلّ على أن الكبرياء قد سبقها وبالتالي عليه أن يكون أكثر تواضعاً.

  • فيما يتعلق بالصلاة في الكنيسة، أعلمْ أنها أسمى من الصلوات في البيت، لأنها مجموعة كاملة من الناس ترفَعها، وبينها العديد من الصلوات الفائقة النقاوة، وتُقَدَّم إلى الله من قلوب متواضعة يقبلها كالبخور الزكي. ومع هذه الصلوات تُقبَل صلواتنا بالرغم من أنها ضعيفة وعديمة القيمة.

  • تجنّب صنع الأصنام سواء من الأشياء أو من العادات.

حول العلم والدين

حول العلم والدين

القديس لوقا الجرّاح رئيس أساقفة سيمفروبول

عندما ندرس العلوم المعاصرة كما طوّرها علماء مثل لامارك و داروين، فإننا نرى التناقض لا بل الخلاف التام القائم بين العلم والدين، حول موضوعات تتعلّق بالمشاكل الأساسية للوجود والمعرفة. لهذا، لا يمكن للعقل المتنوّر أن يقبل في آن واحد هذا وذاك بل عليه أن يختار بين الدين والعلم”.

هذه الكلمات كتبها عالم الحيوان الألماني المعروف إرنست هاكل [Haeckel] (1834-1919) الذي كان من أتباع داروين المميزين، قبل 65 عاماً في كتابه لغز الكونالذي حقق نجاحاً كبيراً على ما يبدو وأثبت سخافة الإيمان. وعليه، يقول هاكل أن على كل رجل متنوّر أن يختار بين العلم والدين ويجب أن يتبع إما هذا أو ذاك. واعتبر من الضروري أن ينكر الرجال المتنوّرون الدين لأن الإنسان المنطقي لا يستطيع إنكار العلم.

أحقاً هذا ضروري؟ لا على الإطلاق، لأننا نعلم أن العديد من العلماء العظام كانوا في نفس الوقت مؤمنين عظماء. على سبيل المثال، هكذا كان عالم الفلك البولندي كوبرنيكوس الذي وضع أساس كل علم الفلك المعاصر. لم يكن كوبرنيكوس مؤمناً فحسب، بل كان أيضاً رجل دين. عالم عظيم آخر هو نيوتن الذي كان كلّما ذكر كلمة الله أزال قبعته. لقد كان مؤمنًا عظيمًا. عالم بكتيريات عظيم في عصرنا ولا بل هو تقريباً باستور معاصر، وهو الذي وضع أساس علم الجراثيم المعاصر، كان يبدأ كل عمل علمي بصلاة إلى الله. قبل عشر سنوات، توفي مواطننا عالم الفيزياء بافلوف الذي كان عالماً عظيماً ومبتكر الفيزيولوجيا الجديدة للدماغ. هو أيضا كان مؤمنًا عظيمًا. هل يجرؤ هاكل على القول إن هؤلاء الرجال ليس لديهم عقول مستنيرة لأنهم يؤمنون بالله؟

ماذا إذاً الآن؟ لماذا حتّى اليوم يوجد بعض العلماء وهم أساتذة في الجامعات وأعرف بعضهم شخصياً ومؤمنين عظيمين؟ لماذا لا ينكر جميع العلماء الدين بل فقط أولئك الذين يفكرون مثل هاكل؟ لأن هؤلاء يؤمنون فقط بالمادة وينكرون العالم الروحي، فهم لا يؤمنون بالحياة بعد الموت، ولا يقبلون خلود الروح وبالطبع لا يقبلون قيامة الأموات. يقولون أن العلم قادر على كل شيء، وأنه لا أسرار في الطبيعة لا يستطيع العلم اكتشافها. بماذا يمكننا أن نجيبهم؟

علينا أن نجيب بهذه الطريقة. أنتم محقّون تماماً. لا يمكننا حدّ العقل البشري الذي يبحث في الطبيعة. نحن نعلم اليوم أن العلم لا يعرف سوى جزءاً من الأشياء التي لدينا في الطبيعة. نحن ندرك أيضًا أن إمكانات العلم عظيمة. في هذا هم على حق ونحن لا نشكّ في ذلك. إذاً بماذا نشكّ؟ لماذا لا ننكر الدين مثلهم ونعتبره مخالفاً للمعرفة العلمية؟

لأننا نعتقد بإخلاص ومن كل قلبنا بأنه يوجد عالم روحي. نحن على يقين من أنه غير العالم المادي، هناك عالم روحي غير متناهٍ ومتفوق بشكل لا مثيل له. نحن نؤمن بوجود كائنات روحية تفوق البشر ذكاءً. نحن نؤمن بإخلاص أنّ فوق هذا العالم الروحي والمادي يوجد الله العظيم القدير.

ما نشكّ فيه هو حق العلم في البحث في العالم الروحي مستعملاً طرقه. لأنه لا يمكن دراسة العالم الروحي باستخدام الطرق المستخدمة للبحث في العالم المادي. مثل هذه الطرق غير ملائمة أبداً للبحث في العالم الروحي.

كيف نعرف أن هناك عالم روحي؟ من أخبرنا أنه موجود؟ إذا طلب منا أشخاص لا يؤمنون بالوحي الإلهي، فعلينا أن نجيبهم بالتالي: “يخبرنا قلبنا“. هناك طريقتان ليعرف الإنسان شيئًا ما، الأولى هي التي يذكرها هاكل، ويستخدمها العلم لدرس العالم المادي. وهناك طريقة أخرى لا يعرفها العلم، ولا يرغب بمعرفتها. إنها المعرفة من خلال القلب. قلبنا ليس الجهاز المركزي في نظام الدورة الدموية وحسب، بل هو جهاز به نعرف العالم الآخر ونحصل على أرفع معرفة. إنه العضو الذي يمنحنا القدرة على التواصل مع الله والعالم الأعلى. في هذه فقط نختلف مع العلم.

وإذ نشيد بالنجاحات العظيمة والإنجازات التي حققها العلم، فإننا لا نشكك على الإطلاق في أهميتها العظيمة ولا نقيّد المعرفة العلمية. نحن نقول للعلماء فقط: “أنتم لا تستطيعون أن تبحثوا بطرقكم في العالم الروحي، بينما نحن نستطيع بقلبنا“.

هناك العديد من الظواهر غير المفسّرة وتتعلّق بالعالم الروحي وهي حقيقية (كما هو بعض أنواع الظواهر المادية). فبالتالي هناك ظواهر لن يكون العلم قادراً على تفسيرها أبداً لأنه لا يستخدم الأساليب المناسبة.

فلتشرح العلوم كيف ظهرت النبؤات عن قدوم المسيح والتي تحققت جميعًا. أيستطيع العلم أن يخبرنا كيف أن النبي العظيم إشعياء، قبل حوالي 700 سنة من ميلاد المسيح، تنبأ بأهم الأحداث في حياة يسوع والتي بسببها سمّي إنجيلي العهد القديم؟ أتستطيع العلوم أن تفسّر النعمة النبوية التي يمتلكها القديسون وتخبرنا بأي طرق فيزيائية ورث القديسون هذه النعمة، وكيف استطاعوا أن يفهموا القلب ويقرؤوا أفكار الشخص من أول لقاء به؟ كانوا ما أن يروا الإنسان للمرة الأولى حتى ينادونه باسمه. ومن دون انتظار لأن يسأل الزائر كانوا يجيبون عمّا يزعجه.

إن استطاعوا فليشرحوا لنا. دعوهم يشرحون بأي طريقة تنبأ القديسون عن الأحداث التاريخية العظيمة التي تحققت بدقة كما تنبؤوا. فليشرحوا الزيارات من العالم الآخر وظهور الموتى للأحياء.

لن يستطيعوا أن يشرحوا ذلك لنا أبداً لأنهم بعيدون جداً عن أساس الدين أي الإيمان. إذا قرأتم كتب العلماء الذين يحاولون إعادة بناء الدين سترون كيف أنهم ينظرون بشكل سطحي إلى الأشياء. إنهم لا يفهمون جوهر الدين ومع ذلك هم ينتقدونه. إن انتقاداتهم لا تمس جوهر الإيمان لأنهم عاجزون عن فهم أنواع الشعور الديني والتعبيرات عنه. جوهر الدين هم لا يفهمونه. لماذا؟ لأن الرب يسوع المسيح يقول: ” لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي” (يوحنا 6: 44).

لذلك من الضروري أن نصير مشدودين إلى الآب السماوي، ومن الضروري أن تنير نعمة الروح القدس قلوبنا وعقلنا. ليسكن في قلوبنا وعقلنا من خلال هذه الاستنارة، الروح القدسُ ومعه الذين استحقوا موهبة الروح القدس الذين يعيش في قلبهم المسيح وأبوه وهم يعرفون جوهر الإيمان. لا يستطيع الآخرون، أولئك الذين خارج الإيمان، أن يفهموا أي شيء.

لِنسمع نقد الفيلسوف الفرنسي إميل بوتروكس (1845-1921) لهاكل: “إن انتقادات هاكل تطال الأساليب أكثر مما تطال الجوهر، فهو يلاحظ الطرق برأي مادي ضيق لا يستطيع المتدينون قبوله. لهذا لا يُشار إلى نقد هاكل للدين ولا حتى في أي من المبادئ التي تشكّل الدين“.

هذا هو رأينا بكتاب هاكل لغز الكونالذي يعتبره جميع الذين ينتقدون الدين حتى اليوم الكتاب المقدسفي إنكارهم للدين واعتبارهم إياه مخالفاً للعلوم. أترون الحجج الفقيرة التي لا طعم لها التي يستخدمونها؟ لا تغتاظوا عند سماع ما يقولونه عن الدين، لأنهم هم أنفسهم لا يستطيعون فهمَ جوهرِه. إن الذين علاقتهم بالعلم ضعيفة ولا يعرفون الكثير عن الفلسفة، يتذكرون دائماً البدايات البسيطة التي كانت معروفة لدى المسيحيين الأوائل. إنهم يعتبرون الشخص الذين يعرف كل العلوم دون أن يعرف الله فقيراً. من ناحية أخرى، انهم يعتبرون أن الشخص الذي يعرف الله مبارَكاً حتى لو لم يكن يعرف شيئاً عن الأشياء الدنيوية.

احفظوا هذه الحقيقة مثل أفضل كنز في القلب، سيروا باستقامة دون أن تنظروا إلى اليمين أو اليسار. لا نعبأنّ بما نسمعه ضد الدين، ونفقد اتزاننا. لنتمسكّنّ بإيماننا الذي هو الحقيقة الخالدة التي لا نزاع فيها. آمين.

عظة في أحد توما

عظة في أحد توما

القديس لوقا رئيس أساقفة القرم

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

لقد كان صعباً على الرسل، لا بل فائق الصعوبة، التصديق بأن السيد يسوع المسيح قد قام. لقد اعتبروا كلام حاملات الطيب اللواتي جلبن الخبر لهم كذباً. عندما ذهبوا إلى الجليل، إلى الجبل كما أمرهم يسوع، ورآه البعض سقط أرضاً وقدّم له العبادة بينما وقف آخرون متسمّرين ولم يصدقوا عيونهم. عندما ظهر لهم يسوع وهم مجتمعون في العلية في أورشليم، ظنّوا أنهم يرون روحاً.

أقوى من كل شيء آخر كان عدم إيمان الرسول توما الذي طلب أن يضع أصبعه على الجراح التي من المسامير على يدي السيد ورجليه وأن يضع يده على جنبه قبل أن يؤمن. لماذا واجه الرسل هذه الصعوبة في الإيمان وقد رأوا بأعينهم؟ لقد رأوا المسيح يقيم ابن أرملة نايين وابنة ياييروس وحتّى لعازر بعد موته بأربعة أيام.

في نهاية المطاف، هذه كانت أعمال صانع معجزات عظيم جداً، والاموات لم يقوموا بقوتهم الذاتية. لكن الاعتقاد بإمكانية عودة جثة إلى الحياة بنفسها، بقوتها الذاتية، كان أكثر صعوبة بما لا يقاس. إذاً، كان من الصعب جداً على رسل المسيح أن يؤمنوا حتّى بما رأوه بعيونهم. أمّا بالنسبة لنا نحن الذين لم نرَ لا يسوع الحي ولا يسوع القائم، أهو أصعب أو أسهل تصديق ما نقرأه في الأناجيل وكتابات الرسل القديسين؟ بالطبع ، إنه أسهل، أسهل بكثير لأن الكثير من الحقائق والأحداث التاريخية تقنعنا بما لا يحمل الشك بحقيقة قيامة المسيح.

ما الذي يمكن قوله عن حقيقة أن وعظ الصيادين الجليليين الأميين وخلفائهم على مدى بضعة قرون غلب كامل العالم المأهول في ذلك الوقت ليس فقط اليونانيين المثقفين والرومان وحسب، بل حتّى الجرمان أنصاف الهمجيين، الغاليين، السلتيين، ووجّه ضربة قاتلة للوثنية؟ هل كان هذا ممكنًا لو لم يقم المسيح؟ ألم يكُن الوعظ عن أن المصلوب هو ابن الله ليُقابَل في كل مكان بالسخرية؟ أكان من الممكن فهم كيف أن عشرات الآلاف من الشهداء ذهبوا إلى التعذيب المرعب والموت الفظيع لو لم يؤمنوا بقيامة المسيح ولم يشتعلوا بمحبة غالب الموت؟ أكان ممكناً الجهاد النسكي بالصوم والصلاة الذي قام به النساك الذين لا يحصَون من أجل معرفة الربّ يسوع المسيح واكتساب فكر السيد المسيح؟

ملايين فوق ملايين من الناس من كل الأعمار والأجناس كانوا مسيحيين حقيقيين، خاصةً خلال العصور الأربع عشرة الأولى لميلاد المسيح. ومع ذلك، بالرغم من قوة وعظ المسيح وأعماله، وبالرغم من أن موت ابن الله على الصليب وقيامته من الأموات هزتا العالم، لم يؤمن به الجميع. ها هو بين رسل الرب يسوع المسيح ومعاصريه مَن لم يؤمن به، حتى أغلبية الشعب اليهودي المختار من الله.

عدم الإيمان، الذي تناثر كمثل موجة ضخمة فوق دولنا الحديثة في أوروبا وأمريكا، وجميعها كانت مسيحية في السابق، ينمو وينتشر. بالطبع لم يبدأ الأمر خلال عصر نهضة العلوم والفنون، وليس مع فولتير والموسوعيين الأخرين، بل في وقت سابق بما لا يقاس، بالفعل خلال القرن الأول لميلاد السيد المسيح.

ما معنى هذا؟ هذا يعني أن ربنا وسيدنا يسوع المسيح لا يجذب قلوب الناس إلى نفسه بالقوة، وهو أمر قادر على فعله بالطبع بقوته الإلهية، بل هو يبحث عن المحبة والإيمان الطوعي. ليس كل قلب يقبل وصاياه العظيمة بفرح. الناس الفخورون والمستبدون يضحكون على وصايا فقر الروح والوداعة والرحمة. إنهم حتّى لا يفكرون في حقيقة الله الأبدية السامية، لا يريدون سوى سماع أن العلاقات الاجتماعية صائبة، ولا يعتبرون مثالاً أعلى إلا العلاقات المضبوطة بين الأمم.

أيرغب كثيرون في أن يُضطهَدوا من أجل البر، وأن يُعَيَّروا ويُطرَدوا من أجل المسيح؟ هل كثيرون يدخلون عبر الأبواب المستقيمة على الطريق الضيق، ليتمكنوا في نهاية طريقهم الصعب من سماع النداء المبارك: تعالوا ، يا مباركي أبي، رثوا الملك المُعَدّ لكم منذ كون العالم (متى 24:34)”؟ ماذا سيقول لك العالِم إذا حاولت أن تبشره بالمسيح؟ بالطبع سوف يرد بضيق: “لا تزعجني، فأنا مشغول بعلمي، لأن بالنسبة لي كل الحقيقة موجودة فيه“. يتحدث الرسول بولس في رسالته إلى أهل كورنثوس عن الحكماء والمتبصّرين الذين رفضوا الإيمان بالله من أجل العلم: “فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌسَأُبِيدُ حِكْمَةَ الْحُكَمَاءِ، وَأَرْفُضُ فَهْمَ الْفُهَمَاءِ». أَيْنَ الْحَكِيمُ؟ أَيْنَ الْكَاتِبُ؟ أَيْنَ مُبَاحِثُ هذَا الدَّهْرِ؟ أَلَمْ يُجَهِّلِ اللهُ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ؟ لأَنَّهُ إِذْ كَانَ الْعَالَمُ فِي حِكْمَةِ اللهِ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ بِالْحِكْمَةِ، اسْتَحْسَنَ اللهُ أَنْ يُخَلِّصَ الْمُؤْمِنِينَ بِجَهَالَةِ الْكِرَازَةِ. لأَنَّ الْيَهُودَ يَسْأَلُونَ آيَةً، وَالْيُونَانِيِّينَ يَطْلُبُونَ حِكْمَةً، وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً! وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُودًا وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ. لأَنَّ جَهَالَةَ اللهِ أَحْكَمُ مِنَ النَّاسِ! وَضَعْفَ اللهِ أَقْوَى مِنَ النَّاسِ! فَانْظُرُوا دَعْوَتَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنْ لَيْسَ كَثِيرُونَ حُكَمَاءَ حَسَبَ الْجَسَدِ، لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ، لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ، بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ” (1كورنثوس 18:1-28).

حتى أثناء حياته الأرضية، دعا ربنا يسوع المسيح أولئك الذين يؤمنون به القطيع الصغير“. لا تقلقوا من هذا، بل افرحوا. وأعلموا أن المنتمين إلى هذا القطيع على مرّ العصور وإلى يومنا هذا هم عدد كبير جدًا من العلماء والباحثين والفلاسفة المهمّين الذين استطاعوا الجمع بين إيمانهم بالعلوم وإيمانهم السامي بالله ومسيحه. وأمّا الذين يرفضون الدين على أساس البيانات العلمية، فإن الغالبية العظمى منهم في الحقيقة لا علاقة لها بالعلوم وتحكي عنها كإشاعات.

أما بالنسبة لكم، أيها الشعب البسيط غير المتعلم فدعوا كلمات المسيح تكون دعماً قوياً: ما لم تتغيّروا وتصيروا كأصغر الأطفال فلن تدخلوا ملكوت السماوات (متى 3:18).

عظة في أحد السامرية

عظة في أحد السامرية

الميتروبوليت أنطون بلوم

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

لم يعطنا الكتاب المقدس اسم المرأة السامرية، لكنها في اليونانية فوتيني وفي الروسية سفتلانا وفي السلتية فيونا وفي لغات الغرب كلار. وكل هذه الأسماء تحدثنا عن النور.

بعد التقائها الرب يسوع المسيح صارت نوراً مشعاً للعالم، نوراً ينير الذين يلتقونها. كل القديسين هم لنا أمثلة؛ لكننا لا نستطيع دوماً أن نحاكي الطرق الملموسة التي عاشها القديس، لا يمكننا دائماً أن نكرر طريقهم من الأرض إلى الملكوت. لكن يمكننا أن نتعلم من كل واحد منهم أمرين. الأول هو أننا بفضل الله يمكننا تحقيق ما يبدو مستحيلاً إنسانياً؛ أي أن أصبح شخصًا في صورة الله ومثاله، أن أكون في عالم الظلام والمأساة التي هي في قوة الأكاذيب كلمة حق ، علامة أمل ، يقينًا أن الله يستطيع أن ينتصر بمجرد أن نسمح له بالوصول إلى أرواحنا. لأنه إذا لم يثبت ملكوت الله في داخلنا، إذا لم يتتوج الله في أذهاننا وقلوبنا، ناراً تدمّر كل شيء لا يليق بنا وبه، لا يمكننا أن ننشر نور الله حولنا.

أما الأمر الثاني الذي يمكن أن يعلّمنا إياه القديسون فهو فهم الرسالة التي تنقلها أسماؤهم إلينا. اسم المرأة السامرية اليوم يحكي عن النور. لقد قال المسيح أنه نور العالم، النور الذي ينير جميع الناس. ونحن مدعوون لإيواء هذا النور في نفوسنا وعقولنا وقلوبنا في الواقع ، في كلّ داخلنا؛ حتى قول المسيح فليضيء نوركم أمام جميع الناس، الذين يرون أعمالكم الصالحة فيمجدون أباكم الذي في السماوات، يمكن تحقيقه وإنجازه فينا ومن خلالنا.

فقط من خلال رؤية أفعالنا، من خلال رؤية أسلوب حياتنا، يستطيع الناس أن يؤمنوا بأن النور هو نور الله، لاس في كلماتنا ما لم تكن كلمات حقيقة وقوة كأقوال الرسل أو المسيح نفسه في الواقع. ولنفكّر، كل واحد منا، بمعنى اسمنا وبالطريقة التي يمكننا بها أن نصبح ما نسمّاه.

جاءت المرأة السامرية إلى البئر بدون أي هدف روحي. جاءت ، كما كانت تأتي يومياً، لجلب الماء، وقابلت المسيح. يلتقي كل واحد منا بإلهنا في أي مرحلة من حياتنا، عندما نكون في مهماتنا الأكثر خصوصية، إذا توجهت قلوبنا في الاتجاه الصحيح، إذا كنا مستعدين لتلقي رسالة، للاستماع؛ وفي الواقع لطرح الأسئلة!

لأن المرأة السامرية سألت المسيح سؤالاً، فما سمعته تجاوز سؤالها حتى رأت فيه نبياً، ومن ثمّ المسيح ، مخلص العالم. لكن لا ينبغي وضع الضوء تحت المكيال. بعد أن اكتشفت أن النور قد جاء إلى العالم، وأن كلمة الحقيقة الإلهية كانت مدوية وسط البشر، وأن الله كان بيننا، تركت وراءها كل المخاوف وركضت لتشارك الفرح وروعة ما اكتشفته مع الآخرين. أحضرت مواطنيها إلى المسيح. أخبرتهم أولا لماذا صدّقت؛ وعندما أتى بهم الفضول إلى المسيح، أو قوة الإقناع في كلماتها، أو التغيير الذي حدث فيها، فقد رأوا بأنفسهم، وقالوا لها: لم يعد ما تقولينه سبب إيماننا، فقد رأينا وسمعنا.

هذا ما تعلّمنا إياه المرأة السامرية: أن نكون منفتحين في كل لحظة من الحياة، أثناء انشغالنا بأبسط الأشياء، لنستقبل الكلمة الإلهية، لنستنير بالنور الإلهي، لنتطهّر بنقاوته، لنستقبله في أعماق نفوسنا، لنستقبله بكل حياتنا، حتّى يرى الناس ما أصبحنا ويؤمنوا بأن النور قد أتى إلى العالم.

لنصلِّ إلى المرأة السامرية لتعلِّمَنا، لترشدنا، لتجلبنا إلى المسيح بالطريقة التي جاءت هي بها، فنخدمه بالطريقة التي خدمته هي بها، لأنها كانت خلاصاً لكل الذين أحاطوا بها. ولتكُن بركة الله عليكم، الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى دهر الداهرين! آمين.

إجابات الراهب سمعان الأثوسي الحكيمة

إجابات الراهب سمعان الأثوسي الحكيمة

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

مَن هو المعلم الأفضل؟ الألم

مَن هو المعلم الأسوأ؟ اللذة

ما هي أكثر المهارات ندرة؟ العطاء

ما هي أفضل المهارات؟ الصفح

ما هي أصعب المهارات؟ الحفاظ على الهدوء

ما هي أهم المهارات؟ القدرة على الطلب

ما هي المهارة الصحيحة؟ الاستماع

أي هي المعركة الأكثر خطورة؟ التعصب

أي هي العادة الأكثر ضررًا؟ الثرثرة

من هو الشخص الأقوى؟ القادر على فهم الحقيقة

من هو الشخص الأضعف؟ من يعتبر نفسه الأقوى

أي نوع من الأشخاص هو الأكثر حساسية؟ من يراقب قلبه

أي هو التعلّق الأكثر خطورة؟ التعلّق بالجسد

من هو الأكثر فقراً؟ الذي يحب المال أكثر

أي إنسان أقرب إلى الله؟ الرحيم

من هو الشخص الأضعف؟ الفائز على الآخرين

من هو الشخص الأقوى؟ الفائز على نفسه

كيف يُقاوم الاضطراب؟ بالبهجة

كيف يُحتَمَل الألم؟ بالصبر

ما هي علامة الروح الصحيحة؟ الإيمان

ما هي عوارض روح المرض؟ اليأس

ما هي علامة الأعمال الخاطئة؟ السخط

ما هي علامة الأعمال الصالحة؟ عالم الروح

حول الأشياء الصغيرة في الحياة

حول الأشياء الصغيرة في الحياة

القديس يوحنا مكسيموفيتش

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

يعتقد الكثيرون بأن العيش بحسب الإيمان وتحقيق مشيئة الله أمر صعب جداً. بالواقع، إنه شديد السهولة. على المرء أن ينتبه للتفاصيل، للتفاهات، ويحاول تلافي الشر في الأمور الصغيرة جداً والأكثر بداهية. هذه هي أبسط وأضمن طريقة لدخول عالم الروح والاقتراب من الله. غالباً ما يعتقد الإنسان أن الخالق يطالبه بأشياء عظيمة، وأن الإنجيل يصرّ على التضحية الذاتية الكاملة، وإلغاء شخصية الإنسان، وما إلى ذلك، كشرط للإيمان. يرتعب الإنسان كثيراً من هذا حتى أنه يخشى التعرّف على الله، والاقتراب منه، فيخفي نفسه عن الله، غير راغب حتّى في النظر إلى كلمة الله. “إذ لا أستطع فعل أي شيء مهم لله، فالأفضل أن أبقى بعيداً عن الأمور الروحية، وأن أتوقف عن التفكير في الأبدية، وأن أعيش «بطريقة طبيعية»“.

يوجد عند مدخل العالم الروحي تنويم مغناطيسي من الأعمال العظيمة“: على الإنسان إما أن يفعل شيئاً كبيراً أو ألّا يفعل شيئاً. وهكذا لا يفعل الناس شيئًا على الإطلاق في سبيل الله أو أرواحهم! إنه أمر غريب للغاية كلّما اهتمّ الإنسان بأشياء الحياة الصغيرة، كلما قلّت رغبته في أن يكون أميناً أو نقيًا أو مخلصًا لله في نفس الأشياء الصغيرة. وعلاوة على ذلك ، يجب على كل شخص أن يتبنّى موقفاً سليماً تجاه الأشياء الصغيرة إذا أراد أن يقترب من ملكوت السماوات.

مكوّنات هذا الموقف

الرغبة في الاقتراب: في هذا تتلخّص كل صعوبات الحياة الدينية. غالباً ما يرغب المرء في الدخول إلى ملكوت السماوات بشكل غير متوقع، بطريقة عجائبية وسحرية، أو عن طريق الاستحقاق أي من خلال إنجاز عظيم ما. لكن لا هذا ولا ذاك هو الطريق الصحيح للعثور على العالم الأسمى. لا يدخل المرء حضرة الله بطريقة عجيبة فيما هو غير مبالٍ على الأرض لاحتياجات ملكوت الله وأبديته الساطعة، ولا يمكن لأحد أن يشتري كنوز ملكوت الله ببعض الأفعال الأبدية، مهما كانت الأفعال عظيمة. ومع ذلك، فإن الأعمال الصالحة والأفعال المقدسة ضرورية لكي ينمو إلى حياة أعلى، وإرادة مشرقة، ورغبة جيدة، وعلم نفس سماوي، وقلب نقي وعادل.

كوب ماء: الحق الحق أقول لكم مَن أعطى واحدًا من هؤلاء الصغار ولو كوبًا من الماء البارد، باسم تلميذ (من تلاميذ الرب)، لا يفقد أجره. في قول الرب هذا التعبير الأعلى عن صغر الخير. “كوب من الماء“. هذا ليس كثيرًا.

التواصل بروح طيبة: في كل تواصل بين الناس لا بد أن يكون هناك روح خيّرة: هذه الروح هي المسيح ، صراحة أو خفية. “باسم تلميذ:” هذه هي الخطوة الأولى في التواصل مع شخص آخر باسم يسوع المسيح نفسه. كثير من الناس، ممن لا يعرفون الرب والإلفة العجيبة باسمه، لكنهم يحتفظون فيما بينهم بمودة غير أنانية ونقية وإنسانية تجعلهم أقرب إلى روح المسيح.

الخير الأصغر ضروري: في واقع الأمر ، فإن الخير الأصغر أكثر ضرورة للبشرية من الأعظم. يمكن للناس أن ينسجموا مع حياتهم بدون الخير الأكبر. بينما بدون الأصغر لا يمكن أن تكون حياتهم موجودة. البشر يهلكون لا من نقص الخير الأكبر ، ولكن من قلّة الخير الأصغر. ليس الخير الأعظم أكثر من سقف مقامٍ على جدران من طوب الخير الأصغر.

إن الخير الأصغر والأسهل متروك على هذه الأرض من الخالق نفسه الذي أخذ على عاتقه الخير الأعظم. مَن يعمل الأصغر، يخلق – ومن خلاله يخلق الخالق – الخير الأكبر. من خيرنا القليل يصنع الخالق خيره الكبير. إذ كما أن ربنا هو الخالق الذي كوّن كل الأشياء من العدم، كذلك هو أكثر قدرة على خلق الخير الأكبر أكثر من الأصغر.

من خلال هذا العمل الأصغر والأسهل، الذي يتمّ إنجازه ببساطة كبيرة، يعتاد الإنسان على الخير ويبدأ بالخدمة من كل قلبه وبإخلاص، وبهذه الطريقة يدخل في جو من الصلاح، ويترك جذور حياته في تربة جديدة، تربة الخير. إن جذور الحياة البشرية تتكيّف بسرعة مع هذه الأرض الجيدة، وعاجلاً لا يمكنها العيش بدونها…

هكذا يخلُص الإنسان: من الصغير يأتي الكبير. “الأمين على القليليصير أميناً على الكثير“.

المعنى الأخلاقي لنا: أن نضع جانباً كل الاعتبارات النظرية كالتي تحظّر ذبح الملايين والنساء والأطفال والمسنين. ارضوا بإظهار حسّكم الأخلاقي من خلال عدم قتل كرامة قريبكم الإنسانية، لا بالكلمة، ولا من خلال التلميح، ولا بالإيماءة. لا تغضب على أخيك بَاطِلاً (مت 5: 22) أو في احتكاكات الحياة اليومية تقول عن قريبك ما ليس حقاً. هذه تفاهات، تغييرات صغيرة، بدون حساب؛ ولكن فقط حاول أن تفعل هذا وسوف ترى ما يأتي منه.

الصلاة: الصلاة صعبة في الليل. لكن حاول في الصباح. إذا كنت لا تستطيع أن تصلي في المنزل فعلى الأقل أثناء ركوبك إلى مكان عملك حاول الصلاة الربيةأبانابفكر نقي ودع كلمات هذه الصلاة القصيرة تتردد في قلبك. وفي الليل سلّم نفسك بأمانة كاملة في يد الآب السماوي.

هذا بالفعل سهل جداً. أعطِ كوبًا من الماء البارد لكل من يحتاج إليه؛ أعطِ كأساً فيّاضاً مع رفقة إنسانية بسيطة لكل من يفتقدها ، الرفقة الأكثر بساطة…

يا طريق الأشياء الصغيرة العجيب، أنشد لك ترتيلة! أحيطوا أنفسكم أيها الناس، انشدوا أنفسكم بأعمال خير صغيرةمع سلسلة من المشاعر الصغيرة والبسيطة والسهلة والجيدة التي لا تكلّفنا شيئاً، سلسلة من الأفكار والكلمات والأفعال الساطعة. دعونا نتخلَّ عن الكبيرة والصعبة. هذه لهؤلاء الذين يحبونها وليست لنا نحن الذين لم نتعلّم بعد أن نحبّ المحبة الكبرى، الذين جعل لهم الرب برحمته المحبّة الصغرى في كل مكان مجانية كالماء والهواء.

Vol. 12, Issue 05-06 Orthodox Heritage

هل يُغرَس الإيمان عبر التربية؟

هل يُغرَس الإيمان عبر التربية؟

القديس ثيوفانس الحبيس

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

من أين يأتي الإيمان؟ الإيمان بوجود الله وقوته هو خاصيّة متأصلّة في الروح التي توجد في كل شخص بمجرد تطوّر قدراته. التربية تطوّر الإيمان وتعطيه شكلاً حتى تصير تغذيته ممكنة من خلال الأنشطة الدنيوية. هذا مختلف تمامًا عن الإيمان الذي نكتسبه في المجتمع. يغرس المجتمع الإيمان بمعاييره من خلال التربية. تأتي جميع معايير المجتمع من العقل البشري، وتتثبّت في مجتمع معين من خلال القوانين والممارسات المقبولة فيه. فالحاجة إلى هذا التعلّم قائمة لأن معايير المجتمع ليست طبيعية ولا متأصلة في الكيان البشري. هذه المعايير خارجية ما يشترط على العقل تعلّمها فتؤدي إلى معتقدات كالوطنية والحرية السياسية والديمقراطية.

الإيمان بالله يختلف قليلاً عن أي إيمان نملكه في المجتمع. نحن مصنوعون على صورة الله. لسنا بحاجة لتعلّم طبيعة هذه الصورة من أيِ من أشكال التعليم. إنه في تركيبتنا. تتطلّب معرفة الله نوعًا من المعرفة مختلفًا عمّا اعتدنا معرفته من طرق المجتمع. لا يمكن تعلم الإيمان بالله عن طريق الدراسة. يمكن اكتسابه فقط من خلال الانفتاح الداخلي لقلبنا على الواقع الموجود هناك.

هناك العديد من الطرق الممكنة للوصول إلى معرفة الله التي تقودنا إلى الإيمان. يمكننا أن نجد الله من خلال تجاربنا مع خليقته، خاصة إذا قضينا بعض الوقت في البريّة حيث ليس للإنسان تأثير. هناك، كل ما نراه هو عمل الله ونختبر جماله المذهل الذي يفتح قلوبنا على ما في الداخل. يمكن أن يرسل لنا الله رؤية كما فعل مع القديس بولس في رحلته إلى دمشق. مثل هذه الرؤى للنور غير المخلوق وصوت الله قادرة على إحداث التحوّل الفوري ولكنها نادرة. يمكننا قراءة الإنجيل ما يشعل الضوء في قلوبنا ونجده يفسر ما نشعر به في أعماقنا. إنه يفتح قلبنا على ما هو موجود فيه بالفعل. يمكن أن يحرّكنا مرشد روحي أو صديق يعطينا فكرة تفكّ هذه الأسرار الداخلية. الإيمان لا يأتي بالتعليم المنهجي بل من خلال التبصّر، أي التجربة التي تسمح لنا بمعرفة حقيقة ما هو فعلاً داخلنا.

ماذا يقول هذا عن التربية المسيحية؟ هل يمكن أن نتعلم الإيمان في المدرسة بالصلاة أو دراسة الكتاب المقدس القسرية؟ هل يمكننا اكتساب الإيمان من خلال القوانين الجديدة؟ ما قيمة مدارس الأحد التي نحاول فيها تلقيم أطفالنا بالقوة معلومات حول خطاب وممارسة إيماننا؟ هل كل هذه الجهود عبث؟

لا ، ليس كلياً، لأن محاولات التعليم هذه قد توقظ لدى البعض ما هو في داخلهم بالفعل. لكن بالنسبة للآخرين. يمكن لهذه الأنشطة أن تدخِل عقلانية تؤدي إلى رفض الله إذا كانت مبنية على افتراض أنه يمكنك تفسير الله والإيمان من خلال الخطاب العقلاني.

يجب أن يكون التعليم المسيحي الصحيح مصدر إلهام للمرء ليسعى وراء ما في داخله. يجب أن نركّز على ما لا يمكن تفسيره أو فهمه بعقلنا المنطقي. يجب أن نشجّع الإنسان على العيش في السرّ والسعي وراء ما هو أبعد من معرفة المجتمع.

هذا هو أساس الصلاة والعبادة الأرثوذكسية. توجيه المؤمنين بشكل صحيح في القداس الإلهي هو أكثر أهمية من دقائق قليلة في صف مدرسة الأحد. قد تساعدنا غرفة الصف فقط في شرح ومشاركة ما اكتسبناه من تجربتنا الداخلية. إنها تعطينا لغةً لمشاركة ما هو بالفعل غير قابل للمشاركة.

 في الختام إذا كان لدى كل إنسان إيمان، فهذا يعني أن معيار الحياة البشرية يتضمن الإيمان دون شك. وبالتالي ، فمَن ليس عنده إيمان ينحرف عن هذا المعيار ، ويصاب بالهوس الروحي. إن غير المؤمنين جميعاً هم من هذا الترتيب.

Reference: The Spiritual LIfe, pp 301-303

بغض النظر عن شدة المحاولة

بغض النظر عن شدة المحاولة

الشيخ أميليانوس السيمونوباتريني

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

شرط أساسي للحياة الروحية هو أن علينا أن نفهم أنه لا يمكننا فعل أي شيء بمفردنا على الإطلاق. بغض النظر عن مدى القوة التي نحاول بها، فالحياة الروحية شيء يعطينا إياه شخص آخر. والشخص الآخرهو روح الله، المعزي، كنز الصالحات ورازق الحياة، الكنز الذي تخرج منه جميع الثروات الروحانية، النبع الذي تخرج منه الحياة الروحية وتفيض.

بالطبع، أحيانًا نشعر بالارتباك، ونعتقد أنه أن تكون روحانياً تعني أن تكون شخصًا صالحاً“: لا تسرق، لا تقتل، لا تزور أماكن سيئة ولا تخرج مع أصدقاء سيئين، تذهب إلى الكنيسة يوم الأحد، تقرأ الكتب الروحية، وما إليه. لكن لا، هذه ليست الحياة الروحية. الشخص الروحي، المسيحي الحقيقي، هو شخصٌ حياته موقَفَة لله بالكامل. في البداية بمعموديته، ولاحقاً في قلبه، حيث يقسم هذا الشخص يميناً لله، بأن يعيش لله، ويبقى مع الله إلى الأبد. الشخص الروحي هو رياضي تفجّر بالحياة، يبرز من بين حشود البشر، ويجري بكلّ سرعة روحه إلى الملكوت. الشخص الروحي هو الذي يشبّ إلى الأمام بعينين لامعتين وصدر مفتوح، وقد حدّد مساره وسباقاته في السماء. هو ليس رجلاً صالحاً“. يعرف الشخص الروحي أنه ، لكي ينجح ، يحتاج إلى أجنحة قوية: أجنحة الروح القدس. لذلك على الشخص الروحي أن يقوم بكل ما هو ممكن لجذب روح الله واكتسابه، لأن الروح القدس وحده، الإله بذاته، عنده موهبة الحياة الروحية. بحسب القديس غريغوريوس النيسّي، فإن توزيع الهدايا الملكيةالتي من الروح القدس يتمّ في الكنيسة عبر الأسرار المقدسة.

حالما يظهر الهوى اقتلعْه

حالما يظهر الهوى اقتلعْه

القديس نيكولا فيليميروفيتش

يتكون الحبل السميك من ألياف القنب. واحد من الألياف الرفيعة لا يمكنه ربطك، ولا خنقك. لأنه يمكنك أن تتحرر منه بسهولة. ولكن إذا كنت مربوطاً بحبل سميك، فأنت محتَجَز وقد يخنقك. لا يمكنك قطعه بسهولة.

كما أن هذا الحبل السميك يتكون من العديد من الألياف الرقيقة الضعيفة، كذلك أهواؤنا تتكون من ما يبدأ على شكل هفوات صغيرة.

يمكن أن نتحرر ونهرب في المراحل الأولى من الهفوات الصغيرة. ولكن عندما تتكرر الخطيئة بعد الأخرى، يتقوّى نسيجها شيئاً فشيئاً حتى، في النهاية، يتشكّل الهوى. هذا يحول الناس إلى ما يشبه الوحوش، حتى لا يعودوا يعرفون طريقة أخرى للتصرف. لا يمكنك إيقاف الهوى بسهولة، أو الخروج منه أو الانفصال عنه.

إذا احترس الناس واحتموا واستعدّوا واقتلعوا براعم خطاياهم الجديدة وحسب. فلن يكونوا بحاجة للمعاناة كثيراً حتّى يتحرروا من الأهواء.

في إحدى المرات، قال راهب من الجبل المقدس أن قطع الأهواء ذات الجذور العميقة هو كمثل قطع أصابعك. ذكر الموت ساعد القديس أميليانوس إلى حد كبير في تحرره من الأهواء الخاطئة بنعمة الله على الأكيد، إذ بدونها يصعب كثيراً على الناس هزيمة أهوائهم.

فكّرْ غالباً بموتك الوشيك، تُبْ وتوسّل إلى الله الفائق القدرة. هذه الأعمال الثلاثة تحررنا من عبوديتنا للخطيئة.

سؤل مرة الأنبا صيصوي لكم من الوقت تحتاج لاقتلاع جذور الأهواء، فأجاب: “حالما يظهر الهوى اقتلعّه

المسيح والمسألة الإجتماعية

المسيح والمسألة الإجتماعية

الأرشمندريت جورج كابسانيس

بقدر ما يتطهر الناس من الأهواء، تزداد قدرتهم على التواصل الحقيقي مع الله ومع غيرهم من الناس.

إن الذين يتبنّون وجهة نظر رومانسية وخارجية عن الشخص البشري ينقلون الشرّ من الشخص إلى المجتمع، وهذا هو سبب إعلانهم أن أي تحسن في المجتمع سوف يجلب معه تحسناً في الناس. ولكن، من دون إنكار أثر المجتمع على الناس، نحن الأرثوذكس نعطي الأفضلية لتحول الشخص من خلال التوبة والنعمة الإلهية.

إنه لخطأ عظيم أن نرغب بتغيير المجتمع من دون السعي أولاً لتغيير أنفسنا. ومن السذاجة، على الأقل، أن نعتقد بأن التغيير في عدد قليل من المؤسسات الاجتماعية سيحدِث أيضاً تغييراً في الناس إن لم يتوبوا.

الأشخاص المرضى يخلقون مجتمعات مريضة والمجتمعات المريضة تجعل المرضى أكثر سوءاً. إن محاولة علاج الأمراض الاجتماعية من دون علاج المرض الشخصي هو ببساطة تحويل للمشكلة، إنه رفض لقبول مسؤوليتنا الشخصية، تهرّب من التوبة، خضوع لأنانيتنا، إحجام عن رؤية أنفسنا كما نحن حقاً. من المهم أن نتذكّر أن الرب جعل التوبة الشخصية شرطاً لدخول مملكته.

كما أنه لا ينبغي بنا أن نتجاهل عمل الشيطان في تفكيك المجتمعات والأفراد وفي انتشار الشرّ عموماً. إن التبسيط الإنساني للمشاكل الاجتماعية ينكر وجود الشيطان. ومع ذلك، في الإنجيل كما في الخبرة المسيحية، فإن مدى مشاركة الشيطان النشطة في الحالات الشخصية والاجتماعية واضح، على قدر الحاجة إلى الجهاد ضده ونبذ ورفض الأرواح الشريرة وطردها. إن التعرّف على الأرواح هو موهبة عند بعض الكهنة الرهبان والأشخاص العاديين، لاستخدامها لمنع المسيحيين من الوقوع في الفخاخ التي وضعها لهم الشرير، عندما يظهر متخفياً شكل الخير.

لقد ركّزنا على قدرة القوى المناهضة للإفخارستيا والمعادية للمجتمع لا من أجل إثبات استحالة التغلب عليها، بل لإظهار أن على أنّ المسيحيين المجاهدين أخذها بعين الاعتبار. لقد هزم المسيح هذه القوى بقوته، وبدعم النعمة الإلهية يمكن للمسيحيين المشاركة في هذا النصر.

في هذه النقطة يختلف نضال المسيحيين الاجتماعي عن كل جهاد آخر. إن المجتمع الذي ترغب النظم الإنسانوية (المثالية والمادية) في إنشائه يتمحور حول الإنسان. يتمحور مجتمع المسيحيين حول الرب المتجسد. إن الوسائل التي يستخدمها الإنسانوي هي بدورها تتمحور حول الإنسان؛ وسائل المسيحيين محورها الله. أساس الاشتراكية المسيحية هو التواضع، بينما في أساس النسخة الإنسانية نجد العُجب والاكتفاء الذاتي واستبعاد الله. إن هذا هو تكرار لخطيئة آدم: السعي إلى الألوهية بدون الله.

قد لا يكون من قبيل المصادفة أن هذين النظامين الإنسانويين (الرأسمالية والشيوعية) وآثارهما الاقتصادية، تكمن أصولهما في الغرب الهرطوقي، وقد سبقهما الدين ذو المركزية الإنسانية في عصمة البابا المعصوم وعقيدة انبثاق الروح القدس. وهذا ينبغي أن لا يغيب عن فكر الأرثوذكسيين والأرثوذكسيين السابقين الذين بتهوّر يهملون تقليدنا الأرثوذكسي، بالعادة من الجهل، رغبة بمشايعة النظم الغربية.

حقيقة أن المجتمع غير المسيحي هو إنسانوي وحسب يحرمه من إمكانية إحلال السلام في نفوس الناس، لأنه يمنع عنا المصالحة مع أبينا السماوي، فلا يبقى إمكانية لأن يكون هو المركز. لنتذكّر كلمات القديس أوغسطين، التي تعبّر عن تجربة الإنسان: “أنت جعلتنا، يا رب، لنفسك، وقلبنا لن يجد الاستقرار حتى يجد الراحة معك“.

إن الأنظمة الاجتماعية الإلحادية تساعدنا على إيجاد حلول لبعض المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، ولكن ليس لندخل في علاقة حقيقية وكبيرة مع الله والناس الآخرين. إنها لا تجيب فعلياً عن أسئلتنا الوجودية، ولا سيما عن مسألة الموت. يستقرّ الناس بشكل مريح جداً من أجل الموت. وعلى الرغم من أن هذه الأنظمة، وخاصة الماركسية، تتميز بمسيحانية علمانية قوية، إلا إنها لا تقود في الحقيقة من الموت إلى الحياة، وبالتالي فهي تخلق أناساً مأساويين ومن دون أمل. في بعض الأحيان يكون النشاط الإنساني أو الريادي المكثف نتيجةً لمحاولة نسيان مشكلتنا الأساسية، وهي الموت، لتحريرنا وإيصالنا من القلق والفراغ والملل التي تَسِم الحياة المنفصلة عن مصدرها، أي الإله الثالوثي.

لهذا السبب، وبالرغم من أفضل النوايا لدى الكثيرين من الناس النبلاء الذين جاهدوا وضحّوا بأنفسهم من أجل مثلهم، فإن هذه النظم تعارض الإنسان بشكل أساسي. باسم مجتمع أفضل وأكثر عدلاً، فإنها تشكّل عقبة أمام شركتنا الكاملة مع الله، الذي في النهاية، هو الشيء الوحيد الذي يرضي ويكمّل طبيعتنا. إنهم يقصروننا على الأبعاد المقيدة لعالم مغلق، ميكانيكي، غير شخصي ومادي، يمنعون عنّ رؤية السماء. أيّ معنى تتخذه الحياة بالحقيقة إذا كنّا حيوانات متطورة ولسنا صوراً لله؟ إذا أدِنّنا للموت دون أي إمكانية للمشاركة في حياة الله الأبدية؟