أعمال الرحمة

أعمال الرحمة

القديس سمعان اللاهوتي الحديث

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

أيها الإخوة والآباء

لا ينبغي بي أن أغامر أبداً بالتوجه كمعلم إليكم أو أن آخذ مكان معلم في حضرة محبتكم. لكن كما تعرفون جيداً، فالأرغن الذي يصنعه الحرفي لا يعزف لوحده. بينما عندما تمتلئ أنابيبه بالهواء وتلامسه أصابع العازف بالترتيب المناسب، فيصدر صوته ويملأ الآذان بموسيقاه العذبة. وهكذا الآن معي، تذكّروا أي آلة حقيرة أنا، ولا تتعاطوا بفظاظة مع ما سوف أقول. بالمقابل انظروا إلى نعمة الروح التي من فوق والتي تملأ نفوس المؤمنين بأصبع الله“[1] الذي ينقر على أوتار الفكر ويحثنا على الكلام. أصغوا بخوف ورعدة[2] إلى صوت بوق السيد، وبكلام أصح، إلى ملك الكل عندما يكلّمنا بأدوات. اسمعوا بفهم وهدوء عظيم.

على كلّ منّا أن يكون متنبّهاً ومنتبهاً لنفسه، سواء كنّا مؤمنين أو غير مؤمنين، عظماء أو حقيرين. إذا كنّا غير مؤمنين، علينا أن نؤمن لكي نصل إلى معرفة الله الذي صنعنا وإلى الإيمان به. وإذا كنا نؤمن فلكي نحيا بحق ونرضيه في كل عمل صالح. فالرهبان المبتدئون يجب أن يكونوا مستمعين للمتقدمين من أجل الرب، والمتقدمون يجب أن يعاملوا المبتدئين كأبناء حقيقيين. أعطى الرب وصية: “كل ما صنعتموه بإخوتي هؤلاء الصغار فبي صنعتموه..”[3]. الرب لم يقل هذا فقط عن السالكين في الفقر والعوز بالنسبة للطعام الجسدي، بل أيضاً عن كل إخوتنا الآخرين الضالّين بعيداً، لا من مجاعة الخبز والماء بل من مجاعة نسيان وصايا الله والفشل في إطاعتها. بقدر ما هي الروح أهم من الجسد، هكذا الطعام الروحي أهم من الجسدي. أظن أن الرب، في قوله كنت جائعاً فأطعمتموني…”[4]، قصد الطعام الروحي أكثر من الطعام الجسدي الذي يفنى، لأنه هو نفسه عانى العطش والجوع لخلاص كل منا. إنّ خلاصنا يكون بالتخلي عن كل خطيئة ويستحيل بدون ممارسة الفضيلة وتنفيذ الوصايا جميعاً. نحن نُطعم ربّ الكل، سيدنا وإلهنا، عندما ننفذ وصاياه. يعلمنا آباؤنا القديسون أن الشياطين يتغذون بأعمالنا الشريرة ثم يثورون ضدنا. وهكذا عندما نتخلى عن الشرّ يضعفون من الجوع وينهزمون. لذا أفتكر أن ذاك الذي أصبح فقيراً من أجل خلاصنا، يتغذّى بنا ويعاني من الجوع عندما نتخلّى عنه. هذا ما تعلمنا إيّاه سير القديسين الذين يفوقون رمل البحر عدداً. لهذا سوف أترك الكثيرين وأعلّم محبتكم من خلال امرأة واحدة.

أعلم أنكم سمعتم سيرة مريم المصرية عند تلاوتها، ليس كما رواها شخص آخر بل كما روتها هي نفسها. إنّ تلك المرأة المساوية للملائكة أظهرت فقرها بشكل اعتراف عندما قالت حتى عندما كان الرجال يعطوني ثمن الخطيئة، كما يحصل عادة، لم أكن آخذه. ليس لأني كنت مكتفية من حاجات الحياة، فأنا كنت أحيا من نسج القنّب، إنما ليكون لي عشاق كثر مستعدين لقضاء شهوتي“. عندما أرادت أن تأخذ السفينة لتذهب إلى الإسكندرية كانت فقيرة لدرجة أنها لم تملك لا ثمن البطاقة ولا تكاليف الرحلة. لكنها بعد أن نذرت نذرها لوالدة الإله الفائقة الطهارة وقصدت الصحراء، اشترت رغيفين بقرشين أعطاها إياهما أحدهم وجازت الأردن ومكثت هناك إلى حين موتها. لم ترَ وجه أحد غير زوسيما. وبالتالي هي لم تطعم أحداً من الجياع، ولا سقت عطشاناً، ولا ألبست عرياناً، ولا زارت سجيناً أو استقبلت غرباء. على العكس، هي قادت كثيرين إلى جهنم واستقبلتهم زواراً في مساكن الخطيئة. إذاً، كيف سوف تخلص هذه المرأة وتدخل الملكوت مع الرحماء؟ إنّها لم تنبذ الثروة ولم تعطي مالها للفقراء، كما لم تمارس أيّ عمل رحمة بل بالمقابل أصبحت سبباً لضياع الآخرين. انظروا كيف نصل إلى نهاية منافية للعقل. نحن نطرح كثيرين من القديسين خارج الملكوت إذا اعتبرنا أن أعمال الرحمة تكون فقط بإعطاء المال والطعام الجسدي، وأن الرب يغتذي فقط بهذه وأنه لا يخلّص إلا الذين أطعموه وسقوه وقدّموا له العبادة وأن الذين لم يفعلوا هذا يهلكون. إن هذا مستحيل.

كلّ الأشياء والممتلكات التي في العالم مشتركة للجميع: النور والهواء الذي نتنفسه، كما مرعى الحيوانات في السهول وعلى الجبال. كلّ هذه الأشياء صُنعَت ليستعملها الجميع ويتمتّعوا بها. ومن حيث الملكية هي ليست لأحد. لكن الشهوة تسلّلت، مثل طاغية، إلى الحياة وبطرق شتى قسّم عبيدها وتابعوها ما أعطاه السيد ليكون مشتركاً. حبستهم بالخديعة وأغلقت عليهم بالأبراج والأقفال والأبواب. حرمت كل البشر الباقين من التمتع بعطايا السيد الحسنة متبجحة بأنها تملكهم ومدّعية أنها لم تخدع أحداً. لكن أتباع هذه الطاغية وعبيدها أصبحوا بدورهم عبيد الشيطان وحفظة للمتلكات والأموال الموكلة إليهم. حتى لو تأثروا بالخوف من العقوبات المخبأة لهم أو بالأمل باستعادة هذه الأملاك مئة ضعف، أو بالعطف على بؤس البشر، وأخذوا بعضاً أو حتى كل هذه الأشياء ليعطوها لهؤلاء الذين في الفقر والأسى، هل سوف يُحسبون رحماء؟ لا بأيّ شكل. أنا أخبركم أن عليهم دَيناً من الندامة، إلى يوم موتهم، عن كل ما احتفظوا به وحرموا اخوتهم من استعماله.

من جهتنا، نحن أصبحنا شكلاً فقراء مثل ربنا يسوع المسيح الذي اصبح فقيراً من أجلنا بالرغم من غناه. كيف سوف نُحسب رحومين معه فيما نحن نظهر رحمة نحو أنفسنا وهو الذي صار مثلنا من أجلنا؟ فكّروا جيداً بما أقول. من أجلكم أصبح الله إنساناً فقيراً. أنتم الذين تؤمنون به مدينون له بأن تكونوا فقراء مثله. هو فقير بحسب الطبيعة البشرية وانتم فقراء بحسب الطبيعة الإلهية. إذاً فكّروا كيف تطعموه. انتبهوا جيداً أنه أصبح فقيراً لتصبحوا أغنياء ولينقل إليكم غنى رحمته. اتّخذ جسداً لكي تصبحوا شركاء في ألوهيته. لهذا، كما قال، يكون هو ضيفكم عندما تستعدون لاستضافته. إنّه يحسب جوعكم وعطشكم من أجله طعاماً وشراباً له. كيف؟ لأنكم بهذه الأعمال وأمثالها تطهّرون أنفسكم وتخلّصون ذواتكم من مجاعة الشهوات وقذارتها. الله الذي يستقبلكم ويجعل كلّ ما لكم لنفسه، يشتهي أن يجعلكم آلهة تماماً كما صار هو إنساناً. إنّه يحسب كلّ ما تفعلونه لأنفسكم وكأنه هو يتحمّله قائلاً كما فعلتم هذا لأصغر واحد انتم فعلتموه لي“.

بأيّة أعمال أخرى أرضى الله أولئك الذين عاشوا في المغاور والجبال وخلُصوا بالمحبة والندامة والإيمان؟ لقد تركوا العالم كله وتبعوه وحده. لقد استقبلوه وأكرموه كضيف بالندامة والدموع، لقد أطعموه وأعطوه شراباً عندما كان عطشاناً. وهكذا بالفعل، كل المدعوين أبناء الله، بحسب المعمودية المقدسة، هم فقراء وحقيرون بحسب العالم. إنّ الذين يدركون في أنفسهم أنّهم أبناء الله، لا يستطيعون من بعدها احتمال أن يزيّنوا أنفسهم لعالم عابر، لأنهم البسوا أنفسهم المسيح. مَن مِن الناس اللابسي الإرجوان الملكي يرضى أن يضع عليه ثوباً قذراً ممزقاً؟ أولئك الذين لا يعرفون هذا وهم عراة، بدون ثياب ملكية، إنما يسعون إلى أن يحملوا المسيح بواسطة التوبة والأعمال الحسنة الأخرى التي ذكرناها، فيلبسون المسيح نفسه. إنّهم أنفسهم مسحاء كما هم أبناء الله بقوة المعمودية المقدسة. ولكن ماذا ينتفعون لو ألبسوا كل العراة في العالم وفشلوا في إلباس أنفسهم وبقوا عراة؟

مرة أخرى، نحن الذين اعتمدنا على اسم الآب والابن والروح القدس، نحمل إسم أخوة المسيح. لا بل نحن أكثر من ذلك لأننا أعضاؤه. أنت تستضيف كل الآخرين وتكرمهم وتعتني بهم لأنك أخو المسيح وعضوه. ولكن ألا تكون قد عاملت أخوّة المسيح باحتقار إن أنت، بدل أن تجاهد بكل الوسائل للوصول إلى قمة تلك الحياة والشرف اللذين يرضيان الله، أهملت نفسك وتركتها مطروحة في القذارة والفساد والكآبة العميقة، من خلال الشره ومحبة اللذة، وكأنك ميت؟ ألا تكون قد تركتَه للجوع والعطش؟ ألا تكون تركته من دون زيارة وهو في السجن؟ وبالتأكيد سوف تسمعه يقول لم يكن لك رحمة على نفسك ولهذا لن ترى الرحمة“.

ولكن إن قال أحد بما أن الوضع هو على هذه الحال وليس لنا مردود للأموال والممتلكات التي نعطيها فما الحاجة إلى إعطاء الفقير؟، فاتركوه يسمع من الذي سوف يحاكمه ويجازي كل إنسان بحسب أعماله أيها الأحمق ماذا جلبت معك الى العالم؟“[5]، هل صنعت شيئاً منظوراً؟ ألم تأتِ عرياناً من رحم أمك؟ ألن تمضي من الحياة عرياناً؟ ألن تقف أمام كرسي حكمي؟ أي مال لك هناك تطلب عنه تعويضاً؟ بأيٍ من ممتلكاتك تقول أنك أعطيت صدقة لإخوتك ومن خلالهم لي؟ أعطيتك كل هذه الأشياء، ليس لك وحدك ولكن لكل الناس مشاركة. أو هل تفتكر أني اشتهيت شيئاً او أني أُرتشى مثل الطماعين من قضاة الناس؟ من المستحيل أن تكون قد افتكرت هكذا في حماقتك. ليس لأني اشتهيت أي ثروة إنما لأني أشفق عليك. وليس لأني أريد أن آخذ ما لك بل لأني أريد أن أحررك من الدينونة العالقة به (بما هو لك) وليس لسبب آخر“.

لا تفتكر أبداً يا أخي أن الله يوصيك بإظهار الرحمة نحو الفقراء ويعطي هذه الوصية قيمة كبيرة، لأنّه في عوز وغير قادر على إطعامهم. لقد أخذ المسيح ما صنعه الشيطان من خلال الطمع لهلاكنا، وحوّله بإعطاء الصدقات لصالحنا وأضافه إلى خلاصنا. ماذا أعني؟ أوعز لنا الشيطان بأن نستولي على الأشياء التي أُعطِيناها لاستعمالنا المشترك لكي نختزنها لأنفسنا حتى يجعلنا هذا الطمع عرضةً لاتهام مزدوج وبالتالي لعقاب أبدي ودينونة. الاتهام الأول هو بأننا كنا عاقين، والثاني بأننا وضعنا رجاءنا في الممتلكات المخزونة بدل الله. لأن الذي يملك ثروات مخبأة لا يستطيع أن يضع رجاءه على الله، وهذا واضح من قول المسيح ربنا بأنه حيث تكون كنوزكم تكون قلوبكم[6]. إن الذي يوزّع على الجميع من الثروة التي خبأها ليس له أي مكافأة على هذا العمل، إنما يُلام لأنه حرم الآخرين منها حتى الآن بغير حق. إضافة إلى هذا، هو مسؤول عن الذين خسروا حياتهم بسبب الجوع والعطش، وعن الذين لم يطعمهم حين كان قادراً على ذلك، وعن الفقير الذي خبّأ حصته وتركه يموت ميتة فظيعة من البرد والجوع. إنه متهم وكأنه قتل ضحايا كثيرة، بعدد الذين كان قادراً على إطعامهم.

عندما يحررنا السيد الكريم المنعم من كل هذه الاتهامات، لا يعود يحصينا بين الذين يحتجزون ممتلكات الآخرين. إنه يحسبها أملاكاً لنا يعد أن يعطينا مئة ضعف، وليس فقط عشرة أضعاف، إن نحن وزّعناها على إخوتنا بابتهاج. لا يكمن هذا الابتهاج في النظر إلى هذه الأشياء على أنها لنا بل على أنها أمانة لدينا من الله من أجل خير الخدّام إخوتنا. إنه يكمن في توزيعها بكرم وفرح وشهامة وليس بحزن أو إكراه. بعدها علينا أن نفرغ أنفسنا بفرح من كل ما فيها على رجاء تحقيق الوعد الذي قطعه الله بمكافأتنا بمئة ضعف. فالرب استعمل الدواء المناسب كونه يعرف أننا متمَلَكون بشهوة الممتلكات والثروة ويعرف كم هو صعب علينا أن نتخلى عنها، وكيف يصاب باليأس من الحياة كل مَن لا يمتلكها. لقد وعَدَنا، كما ذكرنا، بأن يردّ لنا ما نعطيه للفقير مئة ضعف. وقد فعل هذا أولاً ليحررنا من دينونة الطمع وثانياً لنتوقف عن وضع رجائنا وثقتنا في الممتلكات، ونحرر قلوبنا من هذه القيود. عندما نتحرر، نستطيع أن نتقدم بدون عراقيل إلى تطبيق وصاياه وخدمته بخوف ورعدة، ليس كما لو أننا نُحسن إليه بل كأن قبولنا في خدمته هو كسب لنا. بغير ذلك يكون مستحيلاً علينا أن نخلص. لقد أُوصي الأغنياء بأن يضعوا ثروتهم جانباً لأنها حِمل وعائق أمام الحياة التي ترضي الله، وأن يحملوا الصليب على أكتافهم ويتبعوا خطى السيد لأنه يستحيل علينا أن نحمل الحِملين معاً. كذلك ليس هناك ما يعوق الذين ليست هذه حالهم العائشين في ظروف أكثر اعتدالاً أو حتى ينقصهم الكثير من حاجات الحياة، إن هم أرادوا أن يسلكوا الدرب الضيق والصعب. المذكورون أولاً لا يحتاجون إلا العزم ليفعلوا هذا، أما الآخرون فهم يسيرون على هذا الطريق وعليهم أن يعيشوا بصبر وشكر، والرب بعدله يهيء مكان راحة للذين هم على طريق الحياة الأبدية والسعادة.

ولكن التخلي عن الممتلكات والثروة بدون المحاربة بشجاعة ضد هجمات الشهوات وكل أنواع المحن، يبدو لي ملائماً لنفس غير مكترثة ولا تعرف النهاية التي يخدمها هذا العمل. كما أن الذهب الفاسد في عمق الأرض لا يتنقى حسناً ويعود إلى لمعانه الأصلي بدون تمحيصه بالنار وضربه بالمطارق، كذلك النفس الملوثة بغبار الخطيئة لا تستطيع أن تتنقى وتعود إلى بهائها الأصلي إلا إذا التقت بتجارب كثيرة ودخلت في أتون المحن. تشير كلمة الرب إلى هذا بقوله بِع كل شيء واعطه للفقراء واحمل صليبك واتبعني“[7]. يشير هنا بالصليب الى الشهوات والتجارب. الذين يتخلون عن الثروات والممتلكات ويلجأون الى الحياة الرهبانية لن يكسبوا شيئاً بهذا التخلي إلا إذا ثابروا إلى النهاية بالتجارب والآلام والحزن الذي يرضي الله. لم يقل المسيح بترككم ممتلكاتكم تكسبون نفوسكم، بل بصبركم[8]. واضح أن توزيع المقتنيات على الفقراء وهجر العالم هما أمران ممتازان ونافعان ولكنهما لوحدهما، وبدون تحمّل التجارب، لا يستطيعان أن يصنعا رجلاً ممتازاً ومرضياً لله. إن الحقيقة هي على هذا الشكل، وهي التي ترضي الله، واسمعوه يقول للرجل الغني: إن أردت أن تكون كاملاً، بِع ما لديك واعطه للفقراء واحمل صليبك واتبعني. وكما ذكرنا سابقاً فالصليب يشير إلى التجارب والمحن.

لأن ملكوت السماوات يغتصب اغتصاباً ومن المستحيل على المؤمن أن يدخله بطريقة أخرى غير المرور بباب التجارب الضيق، فقد أوصتنا الحكمة الإلهية بأن اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق“[9] وأنه بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت السماوات“[10]. إذاً ذاك الذي يفرق برّه“[11] على المحتاجين ويتخلّى عن العالم وأعماله على أمل المكافأة، يحمّل ضميره باللذة العظيمة التي يحملها في داخله وقد يفقد مع الوقت المكافأة بسبب المجد الباطل. أما الذي يعطي كل شيء للفقراء ويتحمّل الصعوبات بشكر ويحفظ نفسه في الصعوبات ويحس بكل مرارة المعذبين وألمهم، فهو يبقي فكره غير منثلم في الوقت الحاضر. أما في الحياة المقبلة فله ثواب عظيم لأنه تشبّه بآلام المسيح وانتظره بصبر في الأيام التي فيها أغارت عليه الشهوات.

إذاً يا إخوتي في المسيح، أنا أتوسل إليكم أن نسعى لنتصرف بحسب كلمة ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح. فنحن قد تركنا العالم والأشياء التي في العالم“[12] لكيما ندخل في الباب الضيّق، الذي يستدعي قطع فكرنا وإرادتنا الشهوانيين والهرب منهما. لأننا إن لم نمت بالجسد وشهواته ورغباته فلن يكون مستطاعاً لدينا أن نحصل على الراحة والتحرر من أمراضنا، ولا الحرية التي تأتي إلينا من تعزية الروح القدس. بدون هذا أعني مجيء الروح القدسفإن أحداً لن يرى الرب، لا في هذا العالم ولا في الآتي. لأنكم فعلتم حسناً بأنكم وزعتم كل ثروتكم على المحتاجين، طالما أنكم لم تتركوا شيئاً لكم على مثال حنانيا[13]، وإضافة فقد تخليتم عن العالم وما فيه، وهجرتم الحياة العالمية واهتماماتها ووصلتم الى نعيم الحياة وغلّفتم أنفسكم بصورة التقوى[14]، فأنا اوافقكم وأمدح مجهودكم. ولكن الآن يجب أن تعرّوا أنفسكم من اهتمام الجسد“[15]، تماماً كما نبذتم ثيابكم العالمية الفاخرة. وكما أنكم وضعتم عليكم رداءكم (الرهباني) هذا من أجل المسيح، هكذا عليكم أن تكتسبوا عادات النفس والفكر الروحي نفسه. يجب أن تكتسبوا من خلال التوبة ذلك الثوب المشعّ الذي هو الروح القدس عينه. هذا يتحقق فقط من خلال الممارسة المستمرة للفضائل وتحمّل الأحزان. تتحرك النفس المنكسرة نحو الدموع بالتجارب. وعندما تنقي الدموعُ القلبَ تحوّله إلى هيكل للروح القدس ومكان راحة له. لا ارتداء الثوب الرهباني ولا ترتيب المنظر الخارجي يكفيان لخلاصنا وكمالنا. نحن بحاجة إلى أن نزيّن إنساننا الداخلي كما الإنسان الخارجي بوساطة الروح القدس فنقدم أنفسنا إلى الله بالنفس والجسد. نحن ندرّب الجسد على أعمال الفضيلة بالرياضة الجسدية[16] حتى يكون قوياً ومدرباً على الأمور المؤلمة التي ترضي الله ولكي يحمل بنبل مرارة الصوم، وقوة التقشف وضرورة السهرانيات وكل عذابات الصعوبات. بالتقوى ندرّب النفس لترتأي كما يجب أن ترتأي[17] ولتتأمل دائماً بالأمور المتعلّقة بالحياة الأبدية، وتكون متواضعة ووديعة ومنسحقة القلب، مملؤة بالندامة، باكية كل يوم تستحضر نور الروح عليها بالصلاة. هذه النعم تأتي إليها من خلال التوبة المتقدة عندما تتنقى النفس بالدموع الكثيرة. وبدون هذه لا تستطيع أن تنقي حتى ثوبها وتترك نفسها ترتفع الى المعاينة. كما أن الثوب المنتقع في الوحل والروث وسخ كلياً حتى إنه لا ينظف إلا بغسله بماء كثير ودوسه بالأقدام، كذلك عندما يصبح ثوب النفس ملوثاً بوحل الشهوات الخاطئة ووسخها، لا يعود مستطاعاً غسله ليصبح نظيفاً إلا بدموع غزيرة واحتمال للتجارب والمحن. فهناك سائلان يفرزهما الجسد بالطبيعة: الدموع التي تنسكب من فوق، والآخر الذي ينسكب من أعضاء التناسل. فالأخير يلوث النفس عندما يفرّغ بعكس الطبيعة والناموس، بينما الأول يطهّرها عندما ينسكب من التوبة. الذين أصبحوا ملوثي النفس من الممارسة الأثيمة للخطيئة وحركة القلب الشهوانية التي تطبع فيهم أشكال الشهوات غير العاقلة، يجب أن يتنقوا بدموع غزيرة ويصلوا إلى نقاوة ثوب النفس وإلا فتستحيل عليهم رؤية الله النور الذي ينير كل إنسان آتٍ إليه بالتوبة، لأن النقي القلب هو الذي يعاين الله[18].

لهذا أتوسل إليكم أيها الآباء والإخوة والأبناء، دعونا نسعى لنكسب نقاوة القلب التي تأتي من الانتباه لطرقنا ومن الاعتراف الدائم بأفكار النفس المخفية. لأننا إن اعترفنا يومياً بهذه الأفكار، محرَّكين بقلب تائب، تُخلق فينا الندامة على ما فعلنا أو افتكرنا. الندامة ترفع الدموع من عمق النفس؛ الدموع تنقي القلب وتمسح الخطايا العظيمة. عندما تُمسح هذه الخطايا بالدموع، تجد النفس نفسها في عزاء روح الرب فتسقيها ينابيع الندامة الأكثر عذوبة. بهذه تثمر الروح روحياً يوماً بعد يوم حتى تظهر ثمار الروح[19] وفي الوقت المناسب تعطي مثل حصاد وفير من الحب ومصدر طعام لا يفرغ لحياة النفس الأبدية التي لا تفنى. عندما تصل النفس إلى هذه الحالة فإنها تتشابه بالله وتصبح منزلاً ومقراً للثالوث القدوس، فهي ترى خالقها وربها بوضوح. وعندما تحاوره يوماً بعد يوم، تبتعد عن الجسد وعن العالم وعن هذا الجو وتصعد إلى سماء السماوات. فهي إذ تُحمل عالياً بالفضائل وبأجنحة محبة الله، ترتاح من أعمالها مع الصديقين وتُوجد في النور الإلهي غير المتناهي، حيث مصاف رسل المسيح والشهداء والمباركين وكل القوات العلوية ينشدون معاً في آن واحد.

إخوتي في المسيح ، لنسعى لأن نصل الى هذه الحالة. لا نقصرنّ عن آبائنا القديسين بل بحماستنا للصلاح وممارستنا لوصايا المسيح فلننتهي الى إنسان كامل، الى قياس قامة ملء المسيح“[20]. لا شيء يمنعنا من هذا إن كنا نتوق إليه. لهذا فلنمجد الرب في أنفسنا وهو يوجِد الفرح فينا. عندما ننطلق من هذه الحياة فسوف نجد الرب مثل حضن ابراهيم، يستقبلنا ويدللنا في ملكوت السماوات. نحن نصل إلى كل هذا بنعمة ربنا يسوع المسيح له المجد إلى الأبد. آمين.

[1] لوقا 20:11

[2] أفسس 5:6

[3] متى 40:25

[4] متى 42:25

[5] 1 تيم7:6

[6] لوقا 34:12

[7] متى 21:19و24:16

[8] لوقا 19:21

[9] لوقا 24:13

[10] أعمال 22:14

[11] مز9:112

[12] 1يوحنا 15:2

[13] أعمال 1:5

[14] 2تيموثاوس5:3

[15] روما 6:8

[16] اتيم8:4

[17] روم3:12

[18] متى 8:5

[19] غلاطية 22:5

[20] أفسس 13:4

كلمة عن التجديف والتبجيل

كلمة عن التجديف والتبجيل

ذكريات معجزة القديس نيل ستولوبنسك

الاسقف المعترف نيكولا موغيليفسكي مطران الما اتا وكازاخستان

التجديف هو خطيئة فظيعة! في كل مرة يتناول فيها الناس بالمزاح الأشياء المقدسة أو الأفعال المقدسة، او يقللون من التوقير السليم للقديسين ولكل ما له علاقة بالكنيسة، أو يشوّهون سمعة الكهنة أو يشهّرون بهم، يكون هذا تجديفاً. حذار من هذه الخطيئة الفظيعة! قد تقولون لي: “فلاديكا (سيدنا)، نحن لسنا مجدفين!” هذا أمر جيد! ولكن هناك العديدون بيننا مَن هم قريبون من التجديف. لنأخذ مثالاً. نزور منزلاً أرثوذكسياً فنرى صور العائلة والأصدقاء معلقة على الجدران، نظيفة، وكل شيء حولها جميل. ولكن في الزاوية القريبة نجد أيقونة معلّقة وقد اسودّت من الغبار، وتتدلّى منها بعض الأزهار القديمة المتلاشية والمجعّدة. هل هذا يرضي الله؟

هناك كهنة ممن لا يهتمون بتنظيف الهيكل ولا المذبح بما فيه الكفاية: هذا مكان رهيب حيث الملائكة تنظر بخوف ومحبة. أثناء تجوّلي في الأبرشية، وصلت إلى إحدى المدن، فقال لي المتقدّم أن أحد الكهنة (باتوشكا) كان لا يهتمّ بالنظافة ويحتاج إلى تشديد. ذهبت إلى كنيسته، وماذا رأيت؟ على المذبح طبقة من الغبار، على الأيقونات أزهار يابسة لم تُبَدَل منذ عامين. سألته: “أين هي أيقونتك العجائبية؟“. فأجاب: “ها هي!” قلت: “أنا لا أرى ذلك!”. فأجابني: “إنها هنا، فلاديكا!” فقلت لا! أنا لا أرى الأيقونات وراء كل الغبار المتراكم عليها“. طلب الكاهن الغفران ووعد بالتغير وتقديم تقرير أسبوعي عن الحفاظ على النظافة في الكنيسة.

وهنا صورة أخرى. في الفصح وبعد الانتهاء من السحرية والقداس وقد جلستم لكسر الصوم. تأكلون قطعة من الكوليش (خبز الفصح) مع الجبن، وتحيّون بعضكم البعض المسيح قام، ومعكم البيض المبارك، وتكسرونه وتأكلونه. كل شيء يتّم بشكل جيد وواضح. “وأين أضع قشور البيض؟تسأل الخادمة. “في القمامة، بطبيعة الحال!” هذه القشرة، التي رُشَّت منذ قليل بالمياه المقدسة في الكنيسة، وبورِكت بترتيل المسيح قامعليها مرات عديدة، سوف ترمونها في سلة المهملات؟ أهذا هو احترام الأشياء المقدسة وكنيسة الله؟! تذكّروا جيداً أن كل ما يتعلّق بالخدم الإلهية وكنيسة الله هو مقدس، ومن خلاله يتم سكب نعمة الله ومحبته علينا، وعليكم بالتالي أن تقاربوها بمحبة كبيرة وورع. أردتُ أن أنهي مع هذا، ولكن تذكرت قصة أخرى يجب أن أرويها لكم.

جرت القصة في دير القديس نيل ستولوبنسك على بحيرة سيليجر. رفات هذا القديس مكرّمة هناك، وهي الآن في صندوق جديد، فيما الصندوق السابق وعليه ايقونة القديس موجود في الكنيسة فارغاً. في يوم من الأيام ذهبت امرأة تقية إلى الدير مع طفلين صغيرين للتبرك من الرفات المقدسة. وبينما كانت المرأة تصلي في الكنيسة، كان طفلاها يركضان في الحديقة، ويقطفان توت الرماد غير الناضج الذي ينمو بوفرة هناك. دخلا الكنيسة التي لم يكن فيها أحد في ذلك الوقت، وحيث كان صندوق رفات القديس السابق. هناك بدآ لعبتهما: رمي التوت على أيقونة القديس.

وفجأة، وتحت سماء صافية، سمع جميع الحاضرين في الدير رعداً رهيباً هزّ المبنى بأكمله. المرأة، إذ لم ترَ طفليها من حولها، هرعت للبحث عنهما في ضوء هذا الخطر. وأخيراً وجدتهما مرميين فاقدَي الوعي قرب الصندوق الفارغ. تجمّع الرهبان هناك لإعادة الطفلين إلى وعيهما. وعندما استعادا وعيهما، سألتهما الأم عما حدث لهما؟ فأخبرا ​​كيف بدآ اللعب برمي التوت على الجد، وكيف رأيا فجأة أن الجدقام ورفع اصبعه، وإذ بذلك البرق يومض، والرعد ينفجر، وبعد ذلك لم يعودا يذكران شيئاً. أترون كيف أن الله يطارد ويحذّر حتى الأطفال الصغار الحمقى لعدم احترام قديسيه. حذّروا أطفالكم ونبّهوهم من هذا.

بصلوات القديس غريغوريوس العجائبي ليهبنا الرب لنا ولأطفالنا عطية توقير الايقونات والأشياء المقدسة. آمين.

عن الرجاء واليأس

عن الرجاء واليأس

من محادثة مع راهب أثوسي معاصر

اشتكى بعض الضيوف العاديين إلى أحد الرهبان في واحد من الأساقيط الأثوسية، من أن الاضطرابات والصعوبات والمشاكل الدنيوية تحرمهم من وقتهم وقوتهم، مما يسبب لهم اليأس، ولا يعرفون كيف ينقذون نفوسهم في مثل هذه الظروف. بعد أن استمعوا إلى إجابة الراهب، طلبوا الإذن بنشر كلماته، لكونها تثير اهتمام دائرة أوسع من المسيحيين وتفيدهم. وافق الراهب طالباً فقط عدم ذكر اسمه على أنه المؤلف، لأن، كما أوضح، كل ما قاله هو تعليم الكنيسة والتقاليد الروحية الأرثوذكسية، وليست أفكاره الشخصية. تلبية لهذا الطلب السهل، نورد كلمات هذا الراهب الأثوسي النافعة للروح.

لكي نكون أقوى، فلنتذكر خيبة الأمل الكامنة وغير المتوقعة، والمشاكل التي تفاجئنا، والعقبات التي لا نستطيع التنبؤ بها، والفرح غير المتوقع الذي يرفعنا إلى السماء وكأننا على أجنحة، والمعاناة التي تغزو روحنا، مثل عاصفة يزيد الألم من انحناء رؤوسنا أكثر وأكثر، ولكن فقط بمعونته نصير قادرين على معرفة السلام الحقيقي ونصير أقوياء.

نحن أُعطينا أسلحة إلهية لخلاص أرواحنا: الصلاة، وخاصة الصلاة العقلية، الصوم، الاعتراف المستمر، والمناولة الإلهية، وقراءة كلمة الله وكتب الآباء القديسين النسكية، للتخلي عن كل ما يمزّق علاقتنا مع الله ويبعد عقولنا وقلوبنا عنه وعن إرادته المقدسة. والشيء الأكثر أهمية هو ذكر الموت. في الأديرة، وخاصة في الجبل المقدس، يُعيّن راهب خصيصاً لزيارة قلالي الإخوة في الصباح والمناداة: “صباح الخير يا أخ، تذكر كلّنا سوف نموت … “.

لذلك، لا أعتقد أن هناك أي إنسان لا يعرف قدراته وضعفاته.

حدث أن أحد الرهبان الشباب عديمي الخبرة سقط في خطيئة خطيرة بالجسد. غادرته النعمة واستولى عليه الحزن، فقد الأمل في الله وقال انه يأس من خلاصه، ومن الحياة بشكل عام ترك قانون صلاته حائراً في ما يعمل، وبالكاد كان يئن: “أيها المسيح، أنرني!” قرر أن يذهب إلى الاعتراف عند شيخه وكشف حزنه. وصل، اعترف، وحكى عن فقدانه الأمل بالخلاص، وعن أن اليأس خنق قلبه كرذيلة

قال الشيخ: “إنك تجني من الثمار على قدر الاهتمام الذي تقدمه“. ثم أخبر الراهب الساقط هذه القصة: كان لفلاح حقل بعيد عن منزله، وبالتالي فإن المزارع أهمله تماماً. صارت الأرض مغمورة بالأعشاب الضارة. فدعا ابنه البكر وقال له: “اذهب ونظّف حقلنا البعيد، إذ لم يعد ممكناً حتى رؤيته“. وافق الابن وفي اليوم التالي سرج حماره، وجمع أدواته، وتوجّه إلى الحقل. ولكن ماذا وجد؟ يا أم الله! بدلاً من حقل وجد غابة لا يمكن عبورها من الأعشاب الضارة النامية. صفق الشاب بيديه وقرر لا، لن يتم تنظيف هذا الحقل“. استلقى في ظل شجرة وغطّ نائماً من الحزن. أسكره اليأس كما المخدرات. بعد أن نام طوال اليوم، وأضاع الوقت عبثاً، عاد إلى المنزل.

حسناً؟استقبله والده، هل نظّفت الحقل؟” “لا، يا أبي، أجاب الابن، لم أفعل أي شيء.” لماذا لا؟ “” إنه من المستحيل. هناك الكثير من الأعشاب الضارة والحشيشلم أعرف حتى من أين أبدأ.” “فماذا فعلت كل اليوم؟“” نمت “” آه، أليس مخزياً لك كرجل بالغ أن تنام؟! اعتقدت أنك أكثر ذكاء من ذلكغداً، سوف تذهب مرة أخرى، وتنظّف حتّى ولو مجرّد قسم صغير، على حجم طولك. وما أن تنظفه يمكنك أن تنام.”

في اليوم التالي، حتّى قبل ارتفاع الشمس، كان الشاب بالفعل يحمل معوله. خلال عشر دقائق، كان قد نظّف جزءاً صغيراً من الحقل، على حجم طوله. هذا الأمر ألهمه كما يقول المثل القديم: “البداية الجيدة هي نصف المعركة“. سار العمل بشكل جيد، وكان الشاب يعمل بحماس، عن طيب خاطر. يأسه واكتئابه مضيا!

في المساء، عاد إلى البيت راضياً.

ماذا جرى؟“.سأل الأب ابنه. “أنا نظفت ثلاثين قدماً! سأنتهي خلال بضعة أيام، قال الأب: “إذا فقدنا الأمل، فإن اليأس والحزن يأكلاننا من الداخل مثل الديدان لن يسمحا لك برفع إصبع أو هز ساق“.

وبالفعل، تمّ تنظيف الحقل تماماً من الأعشاب الضارة في غضون أيام قليلة.

هل تفهم ما أحاول أن أقول؟سأل الشيخ الراهبَ اليائس.

أنا أفهم، أيها الأب، أجاب. “لا بدّ لي من تنقية نفسي. ولكن كيف أبدأ؟

أنت بدأت بالفعل، أيها الأخ. الاعتراف هو البداية الجيدة. لقد غفر لك الرب خطاياك. ولكن هذه عطيته، وأنت يجب أن تقدم شيئاً من نفسك “.

إذاً ايها الأب، سأل الراهب الشاب، أنت تقول أنه يمكن أن أصبح مسيحياً وصالحاً

بالطبع، يا أخي. أنا واثق على قدر ثقتي بأننا نرى بعضنا البعض ونتحادث“.

إذاً، يا أبتي!” هتف الراهب الشاب بحماس. “ماذا ينبغي أن أفعل الان؟

قال الشيخ باشر قانونك الرهباني مجدداً وببطء. كرر بلا توقف: يا رب ارحم! “واستعد للمناولة المقدسة. نعم، أيها الأخ، قريباً. في الوقت الحالي، مهمتك الرئيسية هي قتل شيطان عدم الرجاء واليأس! “

أنا لا أعرف كيف أشكرك يا أبيقال الراهب الشاب ثم انحنى إلى الأرض مقبّلاً أقدام الشيخ. “لقد أعطيتني السماء. أرجو أن أعود، وروحي ملأى بالفرح والنور. اليأس قد اختفى، والجنّة في قلبي! “

أنهى الأب الآثوسي قصته مع اقتباس من الكتاب المقدس: “وَأَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ. يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ.”(أشعياء 31:40).

النضال المشروع

النضال المشروع

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

عندما كان يوحنا السابق في السجن، أرسل اثنين من تلاميذه يسأل المسيح: “«أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟». فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمَااذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ: اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ.”(متى 4:11-5). تاريخياً هذه العلاجات أجريَت للمتألّمين، ولكنها اكتسبت أيضاً معنى مختلفاً في السياق الأوسع للكتاب المقدس. أمراض طبيعتنا ترمز إلى أهواء النفس، حيث يقيم قانون الفساد. هناك عدد قليل من العميان في البشرية جمعاء. ألا نكون كلّنا عمياناً روحياً عندما لا نكون قادرين على تمييز هدفنا الرئيسي ومقصدنا؟ كل من يعلّق رجاءه على مصالح العالم هو أعمى؛ وهو لن يستعيد نظره إلا إذا وضع إيمانه ورجاءه في الرب. وعلى المنوال عينه، إذا سمح لنفسه بأن يكون عبداً لطرق الحياة غير الطبيعية الأخرى، ووضع أمله واهتمامه فيها فقط، فهو يكون أصماً ومجذوماً ودائم الحدبة ومسكوناً من الشيطان.

ربنا يسوع الذي أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا” (متى17:8) هو المعالج الحقيقي لطبيعتنا الفاسدة. كل من يؤمن به ويتبعه يشفى. إن لألمه الأكثر نقاء، الذي احتمله طوعاً لخلاصنا نفس المعنى، لأنه لا يوجد في المسيح أي هوى شرير. “ لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ” (بطرس الأولى 22:2). يسمح الرب بعذاب أكثر أعضائه قداسةً من أجل علاج طبيعتنا الفاسدة: إنه يسلّم كل واحد من أعضائه المقدسة إلى ما يتوافق مع كل جزء من جسدنا الخاص الذي عصى الوصية وارتكب الخطيئة. مدّ آدم ذراعه ليلتقط ثمار العصيان؛ فبسط ربّنا ذراعيه على الصليب. لقد جرّدوا ربنا من ثيابه وهو شفى فراغ الأجداد من النعمة الإلهية. لقد رفعوا صدر ربنا وهو شفى حواء التي نُحِتَت من ضلع آدم. ثُقبَت ساقاه حتى يتمكن من علاج أقدام آدم المتّجهتين نحو ارتكاب الخطيئة. لقد بصقوا عليه وصفعوه، من أجل تطهير عار حواء من التألّه الكاذب، الذي كانت تسلك فيه بتحريض من العدو. كان يمسك عصا السخرية في يديه لكي يتمكن من التوقيع على حلّ الذنب البشري وإلغاء صكّ تجاوزنا. لقد ذاق الخل والمرّ لكي يبصق طعم الخطيئة الممتع. لقد اتّخذ في كل جزء من أجزاء جسده المقدس القانون الملائم لتجاوزاتنا.

تشير الكتب المقدسة رمزياً إلى الطرق والوسائل التي تنفع نوايانا، وتحضّنا على تبنّي عقلية حماسية. “لِتَكُنْ أَحْقَاؤُكُمْ مُمَنْطَقَةً وَسُرُجُكُمْ مُوقَدَةً” (لوقا 35:12) يقول ربّنا. يتم وصف الاعتدال الشامل مع التواضع بأنه حزام مفيد حول منطقتنايجعلنا على استعداد للمعركة غير المنظورة.

لماذا يأتي ضبط النفس قبل دخولنا في المعركة؟ بما أن عدونا يبدأ الهجوم باستخدام أسباب الخطيئة، فإن ربّنا، كقائد، يبيّن لنا كيف نعفي أنفسنا ونتحرر. “يأتي رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ” (یوحنا 30:14). إذا لم یجد العدو الأسباب والمواد التي يغوينا بها، فلا یمكنه أن ینتصر علينا. “المصابيح المشتعلةترمز إلى الصلاة العميقة التي ترافقها المحبة، والتي تشكل الدرع الذي يدمّر الأسهم النارية التي يرسلها الشرير. “فَكُلُّ الَّذِينَ يَسْلُكُونَ بِحَسَبِ هذَا الْقَانُونِ عَلَيْهِمْ سَلاَمٌ وَرَحْمَةٌ، وَعَلَى إِسْرَائِيلِ اللهِ” (غلاطية 16:6). “مِثْلُ أُنَاسٍ يَنْتَظِرُونَ سَيِّدَهُمْ مَتَى يَرْجعُ مِنَ الْعُرْسِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ وَقَرَعَ يَفْتَحُونَ لَهُ لِلْوَقْتِ. طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَتَمَنْطَقُ وَيُتْكِئُهُمْ وَيَتَقَدَّمُ وَيَخْدُمُهُمْ.”(لوقا 36:12-37).

إن نواة نضالنا هي تسكين الأهواء ومن ثم الانتصار عليها بنعمة الله. ثانياً، يجب أن نستبدل الأهواء القديمة بالفضائل، حتى لا تبقى نفسنا عارية ومن دون ملابس روحية. ثالثاً، يجب أن نكون متأهّبين حتى لا نفقد الكنز. وهكذا، فإننا نحقق الوصية اعْمَلْهَا وَاحْفَظْهَا“. من خلال العمل الفعلي يمكننا أن نخضع الرغبات المتّقدة عموماً ونضع ظفيرة على الغضب، الذي هو الشكل الخارجي للإنسان العتيق“. ومع ذلك، يُثار العقل نحو الله ويتحرر من هيمنة الأشياء المادية عن طريق المعرفة الروحية والتأمل. آباؤنا محقّون في التأكيد على أن الإنسان لا يستطيع أن يجد راحة ما لم يحوّل فكره نحو الله بشكل كليّ، بشكل يفتكر فيه أنه ليس في الوجود إلا هو والله فقط. هذا يبدو غريباً للذين لم يختبروا هذا العمل. لكن، أولئك الذين احتملوا القليل من المتاعب وحوّلوا الأمر إلى مهارة، فإنهم يتمتّعون بتأمّل الأشياء الإلهية وهم متحررون من الأفكار الشريرة وفقا للقول: “اِلْتَصَقَتْ نَفْسِي بِكَ. يَمِينُكَ تَعْضُدُنِي“(مزمور 8:63).

كما هو الحال في الحقول الاجتماعية، يحتاج المرء لأن يكون ذا دهاء ومثابراً وصاحب نظام، ومثله مَن يحب مؤامرات خلاصه“. من يؤمن بالله يخشى الحكم. كل من يخاف الحكم والانفصال عن الله، يحاول الانتباه إلى الوصايا. طاعة الوصايا هي المقصود بها المسار الضيق والوعر، وبالتالي فهو يصرخ بصبر في مواجهة المصاعب. إن ثمرة مثابرة المريض في مواجهة المصاعب هي رجاء النعمة التي لا تخزي أحداً. هذا الرجاء يفصل العقل عن الأشياء المادية والآمال، من ثم تأتي محب الله كجائزة.

لقد نصحنا شيخنا المبارك: “أولاً، الشياطين الماكرة تزعزع سلام العقل بحجج لا توصف. ثم تحرّك شغف الرغبة لدى جميع الذين لا يحرسون عقولهم. هذا لكي يبعِدوا العقل عن التأمل في السماوات، وهو ما يجاهد من أجله المؤمنون ويسرعون نحوه بشكل خاص، فإنهم ينشرون أمامه صورة المتعة، ويثيرون فيه العملية البيولوجية مقدمينها كضرورة. بهذا، إنهم يسلبون عقله من الطاقة الروحية. إن الخطيئة السابقة والمشاعر المستبدّة تحملنا على تمييز الشرور النشطة في داخلنا. من هذه يبدأ إحسان الله بعلاجنا، مقدّماً الدواء المناسب على قدر حجم الأذى“. كان الشيخ الدائم الذكر يقول أن هناك علاج مناسب واحد، وهو أسهل طرق العلاج، لا بل هو الطريقة للتحرر مسبقاً. انه التواضع ولا شيء سواه. إن السلاح الوحيد والوسيلة التي تساعدنا على غلبة العدو وتجعلنا منيعين هي الفكر المتواضع الذي لا يجرؤ الزهو الشيطاني على التطلع نحوه. إن التحدّث باستخدام الكلمات المتواضعة هو أمر، بينما التواضع هو أمر آخر، وتواضع القلب أمر مختلف تماماً. الكلام بتواضع والتواضع يولدان من المحبة للعمل الجادّ، من المعاناة بألم من أجل الوصايا ومن الفضيلة. إنها جزء ممّا يسمى بالجزء الخارجي العملي“. ومع هذا، التواضع الحقيقي هو عطيّة إلهية قويّة تمنحها النعمة الإلهية لجميع الذين تخطّوا العملية وارتفعوا إلى التأمل بالله بنعمة المسيح.

المعرفة الروحية

المعرفة الروحية

القديس سمعان اللاهوتي الحديث

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

المعرفة الروحية هي مثل بيت مبني في وسط المعرفة الوثنية وفي وسطه صندوق يحتوي كنوز الكتاب المقدس التي لا تُقدّر. لا يكفي دخول هذا المنزل لرؤية هذه الثروات إنما ينبغي فتح الصندوق، وهذا ليس بالحكمة الإنسانية كي تبقى ثروات الروح الموضوعة فيه مجهولة للأرضيين. إن مَن يحفظ الكتابات جميعاً عن ظهر قلب كما يحفظ مزموراً واحداً، في حين يجهل عطايا الروح القدس المخبأة فيها، هو مثل مَن يحمل الصندوق على كتفيه دون أن يعرف ما في داخله.

إذا ما رأيت صندوقاً صغيراً مغلقاً بإحكام قد تحزر أن فيه كنزاً من وزنه ومظهره وربما مما سمعت عنه، فلهذا تلتقطه وتهرب به. ولكن ما المنفعة إذا حملتَه إلى الأبد مغلقاً دون أن تفتحه وترى الثروة التي يحتويها: تلألؤ الأحجار الثمينة، بريق المجوهرات ولمعان الذهب؟ ماذا تنتفع إن لم تكن قادراً على أخذ بعض منه لشراء طعام أو كساء؟ إذا حملت هذا الصندوق مغلقاً فلن تربح شيئا بالرغم من امتلائه بالثروات وستبقى معرضاً للجوع والعطش والعري.

انتبه لي يا أخي، ولنطبّق هذا على الأمور الروحية. لنتصور أن هذا الصندوق هو إنجيل ربنا يسوع المسيح وغيره من الكتابات المقدسة. الحياة الأبدية والبركات التي لا تُوصف موجودة في هذا الكتاب مختوماً عليها بطريقة لا تُرى. يقول السيد: “فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية“. الرجل الذي يحمل الصندوق هو مَن حَفِظ الكتاب عن ظهر قلب وردده دائماً في فمه حافظاً إياه في ذاكرته كما في صندوق حجارة كريمة. ولأن كلام المسيح هو النور والحياة كما يقول هو الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة، هذا الصندوق يحتوي الفضائل والوصايا كالجواهر.

من الوصايا تفيض الفضائل ومنها إظهار الأسرار المخبأة في الحروف. من إتمام الوصايا يأتي تطبيق الفضائل، وبتطبيق الفضائل إتمام الوصايا. إذاً بهذه فُتح لنا باب المعرفة. والأصح انه ليس بهذه فُتح لنا الباب إنما بالقائل :”إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي.. وأظهر له ذاتي“. وعندما يسكن الله فينا ويسكن بيننايظهِر لنا نفسه ونعاين بوعي محتوى الصندوق والكنوز المخبأة في الكتاب المقدس. لا نخدعنّ أنفسنا، ليس من طريقة أخرى لفتح صندوق المعرفة والتمتع بالأشياء الحسنة المحتواة فيه والمشاركة فيها ومعاينتها.

ولكن ما هي هذه الأشياء الحسنة التي أتكلم عنها؟ إنها المحبة اللامتناهية نحو الله والقريب، وازدراء كل المرئيات، وكبح الجسد وكل أعضائنا التي على الأرض بما فيها الشهوة الرديئة. وكما الرجل الميت ليس له فكر يجب أن نكون دائماً بلا أفكار شريرة وشهوات وأحاسيس هوى. يجب أن لا نحس طغيان واضطهاد الشر بل أن نعي فقط وصايا مخلصنا المسيح. يجب أن نفتكر فقط بخلود المجد الإلهي وعدم انتهائه، وبمملكة السماء وبتبني الله لنا من خلال الروح القدس. نحن أصبحنا أبناءً بالتبني والنعمة، نحن ورثة الله ووارثون مع المسيحونحن نكتسب فكر المسيح ومن خلاله نرى الله والمسيح نفسه ساكناً فينا وسائراً معنا بطريقة ممكنة المعرفة. كل هذه الأشياء ممنوحة للذين يسمعون وصايا الله ويعملون بها. انهم يتمتعون لا نهائياً بهذه الأشياء الثمينة التي فوق الوصف من خلال فتح الصندوق الذي تكلمنا عنه، أي رفع الغطاء عن أعين فكرنا ومعاينة الأشياء المخبأة في الكتاب المقدس. أما الآخرون الذين تنقصهم معرفة واختبار الأشياء التي تكلمنا عنها فلن يتذوقوا حلاوة ما في الكتاب المقدس ولا الحياة الأبدية الصادرة منه لأنهم يتكلون فقط على دراسة الكتاب. إضافة إلى ذلك، هذه الدراسة سوف تدينهم عند انتقالهم من هذه الأرض أكثر من الذين لم يسمعوا بالكتاب المقدس مطلقاً. بعض أولئك يخطئ بجهله ويحرّف الكتاب المقدس عندما يفسره بحسب شهواته. هم يريدون أن يمدحوا أنفسهم كأنهم قادرون على الخلاص بدون التقيد الصحيح بوصايا المسيح وهكذا ينكرون قوة الكتاب المقدس.

مختارات من أقوال المطران سرجيوس (براغ)

مختارات من أقوال المطران سرجيوس (براغ)

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

الإنسان مخلوق للسعادة، وفقط من خلال الانتصارات اليومية يمكنه أن يحصل على الفرح والحالة التي تجلب النور إليه وإلى كل الآخرين.

كل الحياة هي في العلاقات بين الأشخاص. علينا أن ننير هذه العلاقات بنور حقيقة المسيح.

إن كان هناك سلام في النفس، فذاك الفرح لا يُنتَزَع أبداً. غياب السلام لا يجلب السعادة.

الحياة هي عمل عظيم. علينا أن نتعلّم أن نسلك بحكمة في المسيح، ومن ثمّ كل ما هو حولنا يصير له معنى ويكتسب قيمة للأبدية.

كل انتصار على الخطيئة هو انتصار على ذواتنا وعلى الآخرين من أجل الفهم المشترك لحياة كل الناس.

إن رعاية الإنسان الداخلي لا تتم في عالم الجهادات المذهلة، بل في الحياة اليومية.

إن وجود السعادة في الحياة يكمن في وجود حياتنا الروحية. مهما كانت أشكال الحياة جميلة، لن يكتسب الإنسان السعادة الحقيقية ما لم يغلب الخطيئة في نفسه.

ليست المسألة في تفاهتنا، بل في عدم رغبتنا بتحمل المسؤولية.

البشر هم أزهار الله، ونخن مثل النحل علينا أن نعرف كيف نجمع العسل من هذه الأزهار، لإغناء ذواتنا بشخصية الآخرين وكشف شخصيتنا لهم.

هناك جمال في كل شخص، وخطيئتنا وحدها هي ما يمنعنا عن رؤيته.

حياة الجماعة هي هبة من الله، وفي حال لم نكن اجتماعيي النزعة فإن تغيير أنفسنا لنصير محبين للاختلاط بالناس هو عمل نسكي، من أجل أن نكمّل فقر شخصيتنا.

علينا أن نجد الكنز المخبّأ في كل قلب. غالباً ما يبحث الناس عن الكنوز، لكن ليس عن كنوز النفس. لكننا بحاجة لأن نسعى إلى كنوز النفس. قد يتساءل البعض ما الداعي؟ ونجيب: لكي نصير أغنياء.

إن مهمتنا تكمن في توجيه انتباهنا لا إلى الخارج بل للبحث في أنفسنا وفي الآخرين عن ما عندنا من الله.

إن نفوسنا مخلوقة للأبدية، لكننا لا نعيرها أي اهتمام بالمطلق. نحن نجاهد لنكسب كل الكنوز الممكنة، ما عدا كنوز الأبدية. نحن تجّار فقراء، نضع سعراً رخيصاً لنفوسنا.

إن مهمة المسيحي المباشرة هي تحقيق الحياة الإلهية على الأرض.

من المستحيل إيجاد الصلاح إن لم نمشِ على درب المسيح. فقط باتّباع المسيح يجد المرء صلاحه الذاتي.

ليست الحياة الإلهية مثالاً نظرياً، بل ضرورة عملية.

إن الوحدة بين الناس هي الخيط الممتد من الأرض إلى السماء، إلى الله، إلى المركز الموحّد. الوحدة الممتدة من قلب إلى آخر هي موجّهة إلى مركز واحد، الله. لأن الوحدة بين الناس هي الحياة بينما الانقسام هو الموت.

مع الخطيئة، يكون الإنسان خائفاً من الإنسان الآخر، ولا يخطو ببهجة على الأرض. يفتكر في نفسه كيف يتهرّب من لقاء هذا أو ذاكعندما يغلب الخطيئة، يقدر الإنسان أن يقترب من الآخر ويصيبه بالصلاح.

علينا أن نعرف كيف ننير علاقاتنا المتبادلة بنور حقيقة المسيح، حتّى نجلب الصلاح إلى هذه العلاقات. في بحثنا عمّا هو مشترك بيننا من الله، نصير مشاركين لله في العمل على الأرض.

ما هو من الله هو الصلاح الحقيقي هنا على الأرض، إنه الفرح بالروح القدس. ومن ثمّ تُفتح لنا الحياة السماوية.

النافذة المفتوحة

النافذة المفتوحة

الشيخ موسى الأثوسي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

مع أن هذا المقطع كُتِب على أثر الأزمة التي حلّت في اليونان في 2008، إلا أن الحالة التي يحكي عنها الشيخ موجودة في كل العالم لأن العالم كله يعاني من أزمات تشكّل ضغطاً على المؤمنين [المترجم]

لقد قلنا سابقاً أن الله ليس غضوباً ولا مصمماً على العقاب والانتقام وإلا كان سيئاً. لكن ليس في الألوهة أي أثر للسوء. كلّ تجربة هي تربية من الله وشكل من الجهاد الروحي الذي نفيناه عمداً من حياتنا. بطرق مختلفة، يحاول الإله الصالح أن يجذبنا إلى قربه. في عيني الرب، كلنا نجاهد الجهاد الحسن.

إن الأزمة الاقتصادية الحالية هي تجربة عظيمة، امتحان وتربية. الله هو مربٍّ رائع. إنه يجرّبنا لمصلحتنا ولنصرنا. اليونان تعرّضت، إنها غير آمنة، خائفة، تغلي، روحياً بلا دفاع، أغوتها الحياة الجيدة، التخمة، الاستهلاك المفرِط، الزخرفة والتمتّع المتهتّك. انجذاب أسلوب الحياة المغنطيسي نحو الخيرات المادية جلب الحزن والخيبة المرّة. كل ما نفكر به هو الأكل والشرب, لقد طُبع الكثير من الكتب المليئة بوصفات الأكل الغريبة. في سعينا إلى السعادة في أي مكان وأي زمان، كل ما وجدناه هو كسرُ الشظايا، البؤس، والأخطاء وعدم المساءلة.

البطالة في أعلى نسبها، الفقر يزداد انتشاراً، الألم يزداد والناس يشعرون بالفشل والوحدة وفقدان الرجاء. من دون الله، كل هذه تصير إلى الأسوأ بشكل يثير القلق. مع الله، لا تنحلّ دفعة واحدة كالسحر. بل على الأقلّ يشعر الناس بوجود الله ومحبته وبنعمة الروح القدس، بالتعزية وبالأمل. وهكذا لا ييأسون في وسط صعوباتهم اليومية. يستطيعون العيش في العالم من دون أن تحملهم الأشياء الخسيسة والوقحة بعيداً. الإيمان غير المتزعزع يجلب التفاؤل. المحبة الحقيقية تقدّم الإحسان والصدقة. بهذا، تستنير قلوب المجروحين وتدفأ.

إن الذين ما زالوا يتبعون آلهة كاذبة أو يصنعون من الناس آلهة في السياسة والفنون والعلوم سوف يخيبون بشكل مزرٍ. من دون الله، كل الأزمات تستبد بالناس وتجعلهم يعانون من الأوهام المروعة والمصاعب الكبيرة. المخادعون الذين يوقعون الناس الساذجين بالأوهام والرؤى المستقبلية والأحاديث عن ضد المسيح مخطئون ويرتكبون خطيئة. نحن بحاجة إلى اهتمام وتمييز ورزانة.

أنه وقت مناسب للغفران بصدق ومن القلب، للاتضاع والرحمة، للمحبة وممارسة اللطف والتسامح والرفقة والخير. نحن نفتقد اللمسة الإنسانية. الابتسامات مخفية. الوجوه مشوهة بالقسوة والتوهج، وهذا ما يخيم على الحركات والكلمات والقرارات. الوضع الصعب الذي نجد أنفسنا فيه لا يمكن تحسينه بالمزيد من الأحمال والتدابير الإضافية والرفض والرغبة في الانتقام. يمكن للشرطة أن تلقي القبض عندما يكون ضرورياً لا أن تلجأ للعنف. لا ينبغي بالقضاة أن يستنفدوا قسوتهم على بعض الأشخاص فقط. إنهم يقدمون أنفسهم كمنفذين صارمين للقانون، ولكن في بعض الأحيان يثبت أنهم أخطؤوا بشدة. المعلمون من جميع المستويات لا يساعدون طلابهم بأن يكونوا شرسين، صارمين بلا مبرر ومثيرين للسخرية. لقد سخر منا سياسيونا، والحكومة غير موجودة.

إن الأزمة الحالية هي فرصة للنظر إلى أنفسنا بشدة وإلى الآخرين بلين. اللطف جميل. إن التفاهم المتبادل والاحترام المتبادل والإعجاب المتبادل هم أكثر أهمية اليوم. في المنزل المغلق هناك نافذة مفتوحة. نافذة تجلب أشعة الشمس والهواء النقي. الربيع هو موسم عظيم. في الظلام، شمعة تخفف من الكآبة. دعونا نفتح نافذة قلوبنا مع الإنسانية واللطف اللذين يحتاجهما الجميع.

ما معنى: احمل صليبك؟

ما معنى: احمل صليبك؟

القديس نيقولاوس فيليميروفيتش

المسيح قام، حقاً قام

ما معنى: احمل صليبك؟ إنها تعني القبول الطوعي، على يد التدبير الإلهي، لكل وسائل الشفاء الممنوحة لنا حتّى ولو كانت مُرّة.

أتقع عليك الكوارث؟ كُنْ مطيعاً لمشيئة الله، كما كان نوح.

أمطلوب منك أن تضحّي؟ سلّم نفسك ليَدَي الله بنفس إيمان إبراهيم عندما مضى ليضحي بابنه.

أتتعرّض ممتلكاتك للخراب؟ أيموت أبناؤك فجأة؟ احتمل العذاب كلّه بصبر، ملتصقاً بالله بقلبك، كما فعل أيوب.

أتخلّى عنك أصدقاؤك وتجد نفسك محاطاً بالأعداء؟ احتمل من دون تبرّم، وبثقة بأن معونة الله هي في متناول يدك، كما فعل الرسل.

أمحكوم عليك بالموت من أجل المسيح؟ كن شاكراً لله لهذا الشرف، كمثل الآلاف من الشهداء المسيحيين.

ما من شيء تسعى إليه ولم يكن من قبل، وبالأرجح أنك سوف تتبع مثال الكثيرين، الرسل والقديسين والمعترفين والشهداء، الذين عملوا مشيئة المسيح.

فمن ثمّ يجب أن نعلم، أننا في سعينا إلى صلبنا، يطلب الرب أن يُصلَب الإنسان العتيق، الإنسان المصنوع من الشر وخدمة الخطيئة. إذ بهذا الصلب، الإنسان القديم المشابه للحيوان يوضَع للموت، والإنسان الجديد الذي على صورة الله وغير المائت، يُقام إلى الحياة.

لكن ما هي مشيئة الله؟

لكن ما هي مشيئة الله؟

الشيخ سمعان كراغيبولوس

نسمع بين الفينة والأخرى الناس يقولون: “لكن، ما هي مشيئة الله؟ أنا لا أعرف ما يريده الله.”

ما الذي لا تعرفه؟ ألا تعرف، مثلاً، أن عليك أن تصلي قليلاً أكثر مما تصلي الآن؟ أأنت بحاجة إلى أن يخبرك أحد بذلك؟ ألا تعرف أن الصلاة القليلة التي تقوم بها يجب أن تكون من كل قلبك؟ ألا تعرف أنه لا ينبغي بك أن تجاوب أحداً، أو أن تتوجّه إليه بطريقة تحزنه؟ ألا تعرف أن عليك أن تساعده؟ ألا تعرف أن عليك أن تسامحه؟ أن تحتمله؟ أن تحبه؟ أن تصلي من أجله؟ ألا تعرف أن عليك أن تكون صبوراً؟ وأن عليك ألا تغضب؟

اعمل ما تعرفه. والله، إذ يرى تصرفك الصادق لمعرفة إرادته باستمرار، سوف يجد، في كل مرة، طريقةً يوضح فيها لك ما لا تعرفه.

أن نبدأ كل مرة من جديد لا يعني أننا سوف نقوم بأمور لا نتوقعها. بالأحرى، سوف نقوم بأشياء نعرفها، أشياء مألوفة، لكن بروح أخرى، وميل آخر.

فيما ندرس الموضوع برمته سوف نفهم ويكون لنا بداية جديدة، اليوم ، غداً، واليوم الذي بعده؛ وهذا لا ينتهي. ما من أحد سوف يتعب يقول: “أنا تعبت من تكرار البداية“. على العكس، سوف تشعر بداخلك أن هذا ضروري كل يوم. وهذا سوف يكون شهادة، علامة، برهاناً، بأن قطعة أخرى من لاوعيك خرجت من القبو المظلم وهي الآن تحت سيطرتك. عند هذه النقطة تضعها تحت نعمة الله حتّى أنها تتقدّس. كل ما هو شرير، كل ما هو مشوّه، يتبدد ويتطهر بالنعمة، وروحك وحدها تبقى طاهرة.

وهكذا، كل لحظة، في كل محطة، أن تتذكّر أنك بدأتَ من جديد وأنّك مجدداً سلّمت نفسك إلى الله، فسوف تحاول أن لا تترك هذه القطعة التي فيك تغلبك، ولا أن تفعل ما تدفعك إلى فعله. لكن ماذا بعد؟ تعمل ما يعمله القديس، ما يقول لك يسوع أن تعمل.

على هذا المنوال أنت تكون في كل لحظة ضمن إرادة الله وليس ضمن إرادتك.

ما هو معنى شخص المهاتما غاندي الهندي؟

ما هو معنى شخص المهاتما غاندي الهندي؟

القديس نيقولا فيلميروفيتش

نقلتها إلى العربية علا مقصود

رسالة من القديس نيقولا فيلميروفيتش إلى النبيل البريطاني تشارلز ب.

من الممكن لأيّ إنسان مؤمن أن يتعرّض للسؤال التالي: ما الذي ستفعله العناية الإلهية مع غاندي وما هو معنى ظهور هذا الإنسان الغريب وسط سياسيي ورجال الدول في عصرنا؟

إنه تحذير من الله، هذا هو بالتأكيد معنى قائد أمّة الهند العظيمة. من خلال هذا الإنسان تُظهِر العناية الإلهية للسياسيين ورجالات الدول في العالم وحتى المسيحيين منهم، أن هنالك طرق أخرى في السياسة غير الدهاء والمكر و العنف. إن طريقة غاندي السياسية بسيطة جداً وواضحة: إنه لا يطلب شيئاً سوى الإنسان الذي يتضرع والإله الذي يستجيب. في وجه السلاح والذخيرة والجيوش وضع غاندي الصوم، وفي وجه الدهاء والمكر و العنف وضع الصلاة، وفي وجه النزاعات السياسية وضع الصمت.

كم يبدو هذا تافهاً ومثيراً للشفقة في أعين رجال هذا العصر. أليس صحيحاً؟

في كتب التدريس السياسية المعاصرة، لا ترد هذه الطرق الثلاثة ولا حتى كملاحظة هامشية. الصلاة والصوم والصمت! بالكاد يوجد رجل سياسة واحد في أوربا وأميركا لا ينظر بسخرية إلى هذه الأسرار الثلاثة لدى القائد الهندي على أنها أغصان يابسة في المعركة في وجه أكوام الحديد والرصاص والنار والسموم. على أية حال إن غاندي نجح مع تعويذاتهالثلاثة لدرجة أدهشت العالم. وإن أراد المشرعون في انكلترا وفي بقية الدول أو لم يريدوا فإن عليهم أن يضيفوا فصلاً جديداً إلى كتبهم الدراسية السياسية: “الصوم والصلاة والصمت كأسلحة قوية في السياسة“. تخيّل، أما كان من حظ كل البشرية لو أن طرق غاندي غير المعمَّد حلّت في علم السياسة مكان طرق مكيافيللي المعمَّد؟

لكن ما يفاجئ العالم ليس طريقة الهندي بحد ذاتها بل هو فعليّاً الشخص الذي يستعمل الطريقة. إن الطريقة مسيحيّة، ومع أنها قديمة قِدم الإيمان المسيحي فهي جديدة في هذا اليوم والزمن.

إن مَن أظهر مثال الصوم والصلاة والصمت هو السيد المسيح وقد أظهره لتلاميذ. هم سلّموها للكنيسة من خلال عيشهم والتزامهم فيها بحياتهم، والكنيسة سلّمتها للمؤمنين من جيل إلى جيل حتى يومنا هذا.

الصوم هو تضحية، الصمت هو فحص داخلي لذات كل شخص، الصلاة هي تضرّع لله. تلك هي المصادر الثلاثة الأعظم للقوة الروحية التي تجعل الإنسان منتصراً في المعركة ومثالاً ممتازاً في الحياة. هل هنالك إنسان لا يمكنه أن يتسلّح بهذه الأسلحة؟ بالطبع هذه الأمور الثلاثة لا تتضمّن كل الإيمان المسيحي بل هي جزء فقط من قوانينه ومن أسراره الفائقة الطبيعة. على الأكيد، الكثير من المبادئ المسيحية مهملة والكثير من الأسرار المدهشة الفعل منسيّة.

من المحزن أن كثيرين من المسيحيين في أيامنا يهملون هذه المبادئ وينسون الكثير من الأسرار العجائبية. لقد بدأ الناس يفتكرون بأن النصر ممكن فقط باستعمال الحديد، وأن الغيوم المحملة بالمطر يمكن تفريقها فقط بالمدافع وأن الأمراض تُشفى بالأدوية فقط وأن كل شيء في العالم يمكن تفسيره بالكهرباء ببساطة. إن القوى الروحية والأخلاقية ينظَر إليها على أنها فوق كل شيء قوى سحرية.

أعتقد أن هذا هو سبب اختيار العناية الإلهية للمهاتما غاندي، رجلاً غير معمّد ليكون إنذاراً للمعمَّدين، وخاصة أولئك الذين يكدسون على ذواتهم المحن الواحدة فوق الأخرى وفوق شعوبهم باستخدام الوسائل القاسية وعديمة الرحمة.

يخبرنا الإنجيل أن العناية الإلهية أحياناً تستخدم مثل هذه التحذيرات أو الإشارات لصالح الناس. سوف تدركون فوراً أني ألمّح هنا إلى القائد الروماني من كفرناحوم (متى،8). من جهة، ترى شيوخ إسرائيل الذين كمختارين موحدين ذلك الوقت تفاخروا بإيمانهم بينما رفضوا المسيح. ومن جهة أخرى، ترى الروماني الوثني المحتقر الذي أتى إلى المسيح بإيمان ومذلة عظيمَين طالباً منه أن يشفي خادمه، وعندما سمعه السيد ذُهل به وقال لمن يتبعونه: “الحق أقول لكم لم أجد ولا حتى في إسرائيل إيماناً بمقدار هذا“. إن العالم المسيحي هو إسرائيل المعمَّدة الجديدة. أصغوا! ألا يتحدث السيد المسيح اليوم بنفس الكلمات إلى ضمائر الشيوخ المسيحيين مشيراً إلى القائد الهندي؟

السلام والصحة من الرب إليكم.


Source: Missionary Letters of Saint Nikolai Velimirovich: Letters 1-100, trans. Hierodeacon Serafim (Baltic), Vol. VI in A Treasury of Serbian Orthodox Spirituality (Grayslake, IL: New Gracanica Monastery, 2008), pp. 171-173.