ما معنى: احمل صليبك؟

ما معنى: احمل صليبك؟

القديس نيقولاوس فيليميروفيتش

المسيح قام، حقاً قام

ما معنى: احمل صليبك؟ إنها تعني القبول الطوعي، على يد التدبير الإلهي، لكل وسائل الشفاء الممنوحة لنا حتّى ولو كانت مُرّة.

أتقع عليك الكوارث؟ كُنْ مطيعاً لمشيئة الله، كما كان نوح.

أمطلوب منك أن تضحّي؟ سلّم نفسك ليَدَي الله بنفس إيمان إبراهيم عندما مضى ليضحي بابنه.

أتتعرّض ممتلكاتك للخراب؟ أيموت أبناؤك فجأة؟ احتمل العذاب كلّه بصبر، ملتصقاً بالله بقلبك، كما فعل أيوب.

أتخلّى عنك أصدقاؤك وتجد نفسك محاطاً بالأعداء؟ احتمل من دون تبرّم، وبثقة بأن معونة الله هي في متناول يدك، كما فعل الرسل.

أمحكوم عليك بالموت من أجل المسيح؟ كن شاكراً لله لهذا الشرف، كمثل الآلاف من الشهداء المسيحيين.

ما من شيء تسعى إليه ولم يكن من قبل، وبالأرجح أنك سوف تتبع مثال الكثيرين، الرسل والقديسين والمعترفين والشهداء، الذين عملوا مشيئة المسيح.

فمن ثمّ يجب أن نعلم، أننا في سعينا إلى صلبنا، يطلب الرب أن يُصلَب الإنسان العتيق، الإنسان المصنوع من الشر وخدمة الخطيئة. إذ بهذا الصلب، الإنسان القديم المشابه للحيوان يوضَع للموت، والإنسان الجديد الذي على صورة الله وغير المائت، يُقام إلى الحياة.

لكن ما هي مشيئة الله؟

لكن ما هي مشيئة الله؟

الشيخ سمعان كراغيبولوس

نسمع بين الفينة والأخرى الناس يقولون: “لكن، ما هي مشيئة الله؟ أنا لا أعرف ما يريده الله.”

ما الذي لا تعرفه؟ ألا تعرف، مثلاً، أن عليك أن تصلي قليلاً أكثر مما تصلي الآن؟ أأنت بحاجة إلى أن يخبرك أحد بذلك؟ ألا تعرف أن الصلاة القليلة التي تقوم بها يجب أن تكون من كل قلبك؟ ألا تعرف أنه لا ينبغي بك أن تجاوب أحداً، أو أن تتوجّه إليه بطريقة تحزنه؟ ألا تعرف أن عليك أن تساعده؟ ألا تعرف أن عليك أن تسامحه؟ أن تحتمله؟ أن تحبه؟ أن تصلي من أجله؟ ألا تعرف أن عليك أن تكون صبوراً؟ وأن عليك ألا تغضب؟

اعمل ما تعرفه. والله، إذ يرى تصرفك الصادق لمعرفة إرادته باستمرار، سوف يجد، في كل مرة، طريقةً يوضح فيها لك ما لا تعرفه.

أن نبدأ كل مرة من جديد لا يعني أننا سوف نقوم بأمور لا نتوقعها. بالأحرى، سوف نقوم بأشياء نعرفها، أشياء مألوفة، لكن بروح أخرى، وميل آخر.

فيما ندرس الموضوع برمته سوف نفهم ويكون لنا بداية جديدة، اليوم ، غداً، واليوم الذي بعده؛ وهذا لا ينتهي. ما من أحد سوف يتعب يقول: “أنا تعبت من تكرار البداية“. على العكس، سوف تشعر بداخلك أن هذا ضروري كل يوم. وهذا سوف يكون شهادة، علامة، برهاناً، بأن قطعة أخرى من لاوعيك خرجت من القبو المظلم وهي الآن تحت سيطرتك. عند هذه النقطة تضعها تحت نعمة الله حتّى أنها تتقدّس. كل ما هو شرير، كل ما هو مشوّه، يتبدد ويتطهر بالنعمة، وروحك وحدها تبقى طاهرة.

وهكذا، كل لحظة، في كل محطة، أن تتذكّر أنك بدأتَ من جديد وأنّك مجدداً سلّمت نفسك إلى الله، فسوف تحاول أن لا تترك هذه القطعة التي فيك تغلبك، ولا أن تفعل ما تدفعك إلى فعله. لكن ماذا بعد؟ تعمل ما يعمله القديس، ما يقول لك يسوع أن تعمل.

على هذا المنوال أنت تكون في كل لحظة ضمن إرادة الله وليس ضمن إرادتك.

ما هو معنى شخص المهاتما غاندي الهندي؟

ما هو معنى شخص المهاتما غاندي الهندي؟

القديس نيقولا فيلميروفيتش

نقلتها إلى العربية علا مقصود

رسالة من القديس نيقولا فيلميروفيتش إلى النبيل البريطاني تشارلز ب.

من الممكن لأيّ إنسان مؤمن أن يتعرّض للسؤال التالي: ما الذي ستفعله العناية الإلهية مع غاندي وما هو معنى ظهور هذا الإنسان الغريب وسط سياسيي ورجال الدول في عصرنا؟

إنه تحذير من الله، هذا هو بالتأكيد معنى قائد أمّة الهند العظيمة. من خلال هذا الإنسان تُظهِر العناية الإلهية للسياسيين ورجالات الدول في العالم وحتى المسيحيين منهم، أن هنالك طرق أخرى في السياسة غير الدهاء والمكر و العنف. إن طريقة غاندي السياسية بسيطة جداً وواضحة: إنه لا يطلب شيئاً سوى الإنسان الذي يتضرع والإله الذي يستجيب. في وجه السلاح والذخيرة والجيوش وضع غاندي الصوم، وفي وجه الدهاء والمكر و العنف وضع الصلاة، وفي وجه النزاعات السياسية وضع الصمت.

كم يبدو هذا تافهاً ومثيراً للشفقة في أعين رجال هذا العصر. أليس صحيحاً؟

في كتب التدريس السياسية المعاصرة، لا ترد هذه الطرق الثلاثة ولا حتى كملاحظة هامشية. الصلاة والصوم والصمت! بالكاد يوجد رجل سياسة واحد في أوربا وأميركا لا ينظر بسخرية إلى هذه الأسرار الثلاثة لدى القائد الهندي على أنها أغصان يابسة في المعركة في وجه أكوام الحديد والرصاص والنار والسموم. على أية حال إن غاندي نجح مع تعويذاتهالثلاثة لدرجة أدهشت العالم. وإن أراد المشرعون في انكلترا وفي بقية الدول أو لم يريدوا فإن عليهم أن يضيفوا فصلاً جديداً إلى كتبهم الدراسية السياسية: “الصوم والصلاة والصمت كأسلحة قوية في السياسة“. تخيّل، أما كان من حظ كل البشرية لو أن طرق غاندي غير المعمَّد حلّت في علم السياسة مكان طرق مكيافيللي المعمَّد؟

لكن ما يفاجئ العالم ليس طريقة الهندي بحد ذاتها بل هو فعليّاً الشخص الذي يستعمل الطريقة. إن الطريقة مسيحيّة، ومع أنها قديمة قِدم الإيمان المسيحي فهي جديدة في هذا اليوم والزمن.

إن مَن أظهر مثال الصوم والصلاة والصمت هو السيد المسيح وقد أظهره لتلاميذ. هم سلّموها للكنيسة من خلال عيشهم والتزامهم فيها بحياتهم، والكنيسة سلّمتها للمؤمنين من جيل إلى جيل حتى يومنا هذا.

الصوم هو تضحية، الصمت هو فحص داخلي لذات كل شخص، الصلاة هي تضرّع لله. تلك هي المصادر الثلاثة الأعظم للقوة الروحية التي تجعل الإنسان منتصراً في المعركة ومثالاً ممتازاً في الحياة. هل هنالك إنسان لا يمكنه أن يتسلّح بهذه الأسلحة؟ بالطبع هذه الأمور الثلاثة لا تتضمّن كل الإيمان المسيحي بل هي جزء فقط من قوانينه ومن أسراره الفائقة الطبيعة. على الأكيد، الكثير من المبادئ المسيحية مهملة والكثير من الأسرار المدهشة الفعل منسيّة.

من المحزن أن كثيرين من المسيحيين في أيامنا يهملون هذه المبادئ وينسون الكثير من الأسرار العجائبية. لقد بدأ الناس يفتكرون بأن النصر ممكن فقط باستعمال الحديد، وأن الغيوم المحملة بالمطر يمكن تفريقها فقط بالمدافع وأن الأمراض تُشفى بالأدوية فقط وأن كل شيء في العالم يمكن تفسيره بالكهرباء ببساطة. إن القوى الروحية والأخلاقية ينظَر إليها على أنها فوق كل شيء قوى سحرية.

أعتقد أن هذا هو سبب اختيار العناية الإلهية للمهاتما غاندي، رجلاً غير معمّد ليكون إنذاراً للمعمَّدين، وخاصة أولئك الذين يكدسون على ذواتهم المحن الواحدة فوق الأخرى وفوق شعوبهم باستخدام الوسائل القاسية وعديمة الرحمة.

يخبرنا الإنجيل أن العناية الإلهية أحياناً تستخدم مثل هذه التحذيرات أو الإشارات لصالح الناس. سوف تدركون فوراً أني ألمّح هنا إلى القائد الروماني من كفرناحوم (متى،8). من جهة، ترى شيوخ إسرائيل الذين كمختارين موحدين ذلك الوقت تفاخروا بإيمانهم بينما رفضوا المسيح. ومن جهة أخرى، ترى الروماني الوثني المحتقر الذي أتى إلى المسيح بإيمان ومذلة عظيمَين طالباً منه أن يشفي خادمه، وعندما سمعه السيد ذُهل به وقال لمن يتبعونه: “الحق أقول لكم لم أجد ولا حتى في إسرائيل إيماناً بمقدار هذا“. إن العالم المسيحي هو إسرائيل المعمَّدة الجديدة. أصغوا! ألا يتحدث السيد المسيح اليوم بنفس الكلمات إلى ضمائر الشيوخ المسيحيين مشيراً إلى القائد الهندي؟

السلام والصحة من الرب إليكم.


Source: Missionary Letters of Saint Nikolai Velimirovich: Letters 1-100, trans. Hierodeacon Serafim (Baltic), Vol. VI in A Treasury of Serbian Orthodox Spirituality (Grayslake, IL: New Gracanica Monastery, 2008), pp. 171-173.

الزوجة الضّالة والزوج المؤمن

الزوجة الضّالة والزوج المؤمن

القديس باييسيوس الأثوسي

نقلتها إلى العربية غزل سرحان

زارني مرة دكتور أميركي – يوناني. كان أرثوذكسياً غير ملتزم، فهو لا يصوم يوم الجمعة وأغلب الأحيان لا يذهب إلى الكنيسة. مرّ مؤخراً بخبرة وأراد أن يناقشها مع شخص ما.

في إحدى الأمسيات، وبينما كان يصلي في شقته، فُتحت السموات، وغمره النور، واختفى السقف. والأمر نفسه جرى للأربعين طابق التي كانت فوق شقته. وبقي على هذه الحال مغموراً بالنور فترة طويلة جدًا، حتّى أنه لم يستطِع أن يخبِر لِكَم من الوقت.

وقفتُ مندهشاً! كنت أشعر وأفهم أن هذا الحدث كان من الله“. كان حقيقياً. فهو بالفعل قد عاين النور غير المخلوق“. ماذا فعل في حياته؟ وكيف عاش ليستحق مثل هذه الأمور الإلهية؟

كان متزوجاً، وعنده امرأة وأولاد. قالت له زوجته: “أنا مريضة ومرهقة من الأعمال المنزلية، وأودّ الخروج بنزهة بين الحين والآخر، لم تكن تعمل، فبدأت بالخروج مع صديقاتها والضغط عليه ليرافقها كل ليلة في نزهاتها. بعد فترة من الوقت قالت: “أريد الخروج مع صديقاتي لوحدي“. قبِل بهذا من أجل أبنائه. ولاحقاً أرادت الذهاب في إجازة بمفردها، ماذا بإمكانه أن يفعل؟ أعطاها النقود والسيارة.

من ثم طلبت أن تستأجر شقة بحيث تستطيع أن تعيش بمفردها، وتدعو إليها أيضاً أصدقاءها. فودّ أن يتحدث معها ويستوضح، ما شعور أطفالنا في كل هذا؟كانت مصرّة على موقفها. في النهاية، سحبت منه مبلغاً كبيراً من المال وتخلّت عنه. لقد كانت تشعر بأنها مقيدة جداً!

وبعد عدة سنوات، علم بأن الأمر انتهى بها كعاهرة في أندية بيريه (ميناء أثينا)! كان مذهولاً وحزن بشأن مصيرها! فكّر في أن يبحث عنها ولكن .. ماذا سيقول لها؟

جثا على ركبتيه ليصلي: “يا إلهي، ساعدني، قل لي ماذا أقول ماذا أفعل… لإنقاذ هذه الروح …” أنظر. كان مجروحاً من أجلها، أراد أن ينقذ روحها“. لا عقلية ذكورية، ولا انتقام، ولا ازدراء، فهو مجروح حقاً بداخله لرؤيته حالتها البائسة. لقد تألّم من أجل خلاصها. وكانت تلك هي اللحظة التي فتح فيها الله السموات، وغمره بنوره.

أترى؟ هل ترى؟ كان في أميركا، وفي أي بيئة كان يعيش؟ وبعد .. كم واحد منا يعيش في هذا الجبل المقدس، مشمولاً بنعمة الأم المقدسة، دون أي تقدم!

المجد لله! المجد لله!

An excerpt from the book: Father Paisios Told Me, by Athanasios Rakovalis, “Orthodoxos Kypseli” Publications, pages 27­2

روح العالم وروح الله

روح العالم وروح الله

القديس نيقولاي فيليميروفيتش

نقلتها إلى العربية منيرة فرح

نحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله” (كورنثوس الأولى 12:2).

أيها الأخوة إن روح هذا العالم هي روح الغرور والقوة، والروح التي من الله هي روح الوداعة واللطف. وقد أكد الرسول على أن أتباع المسيح لم يتلّقوا روح هذا العالم وإنما الروح الذي من اللهالذي انبثق من الله الآب كرائحة حلوة العبير مثل رائحة الزهور ومثل عطر رائع انسكب على روح الانسان جاعلاً منها جبارة، مشرقة، شاكرة وممتعة.

إن البشر بحسب الطبيعة ودعاء ولطيفون. كتب ترتيليان يقول: “روح الإنسان بالطبيعة هي مسيحية“. ولكن بسبب روح هذا العالم هي سريعة الانفعال وغضوبة. فإن روح هذا العالم تحوّل الحملان إلى ذئاب بينما روح الله تحوّل الذئاب إلى حملان.

يضيف الرسول أيضاً أننا نتلقى روح الله لنعرف الاشياء الموهوبة لنا مجاناً من الله” (كورنثوس الأولى 12:2). أي لكي نعرف ما هو من الله فينا وما ليس من الله، ولنتذوق حلاوة وجمال ما هو آتٍ من الله ومرارة ما ليس من الله وإنما من روح هذا العالم. لذا طالما أن الإنسان خارج طبيعته ودون طبيعته فهو يعتبر المرارة كالحلاوة، والحلاوة كالمرارة، ولكن بروح الله يعود إلى طبيعته الحقيقية ومن ثم يعتبر الحلاوة حلاوة، والمرارة مرارة.

من يستطيع إعادة الإنسان إلى الله؟

من يستطيع شفاءه من المرارة المسمِّمة الخاطئة؟

من يستطيع أن يعلّمه بواسطة التجربة أن يفرق الحلاوة الحقيقية عن المرارة؟

لا أحد سوى الروح الذي من الله.

لذلك أيها الأخوة دعونا نصلي إلى الله ليمنحنا روحه القدوس كما منح الروح القدس لتلاميذه وقديسيه. وعندما يحل هذا الروح القدس فينا يصل ملكوت الله حيث كل الحلاوة بحد ذاتها، والخير فقط، والنور فقط والوداعة فقط واللطف فقط.

أيها الروح القدس، روح الوداعة واللطف، هلّمَ واسكن فينا.

السر في إيمان القديسين

السر في إيمان القديسين

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

نقلتها إلى العربية راما مخول

هل ترى مدَى عظَمة الإيمان؟ إنه بالحقيقة ما يطلبه الله من البشرية. ونحن نسمع دائماً ذلك النشيد الرائع لبولس الرسول. فهو ليس مجرد رسالة أو خطاب، كتبه إنسان مستنير، إنه نشيد موحى به من الله: “[جميع القديسين] الذين بالإيمان قهروا ممالك، صنعوا برّاً، نالوا مواعيد، سدّوا أفواه أسودٍ، أَطفأُوا قوّة النّار، نجو من حدّ السّيف، تقوّوا من ضعفٍ، صاروا أشدّاء في الحرب، هزموا جيوش غرباء. أخذت نساءٌ أمواتهنَّ بقيامةٍ، وآخرون عُذِّبوا، ولم يقبلوا النّجاة، لكي ينالوا قيامةً أفضل، وآخرون تجرَّبوا في هزءٍ وجَلْدٍ، ثمّ في قيودٍ أيضاً وحبسٍ. رُجِموا، نُشِروا، جُرِّبوا، ماتوا قتلاً بالسَّيف. طافوا في جلود غنمٍ، وجلود معزٍ، مُعتازين، مَكروبين، مُذلّين…” (عب. 11: 32-38). وكما تعلمون، فإن هذا النشيد العظيم يستمر.

كلُّ هذه الجوائز، وهذه الانتصارات، التي تُجدد وتُكمل علاقة الجنس البشري مع الرب، وُلدت من الإيمان. هذا هو ما يخلّصنا. هذا الإيمان الذي يصل إلى كلّ واحد منا، نحن جماعة المؤمنين، وهو ما يبرر كل شيء.

نأتي الآن إلى سرِّ أعمق. جميع هؤلاء الأجداد كانوا يميلون إلى الوحيّ، ولذلك وُهِب لهؤلاء أن تُمنح البركات. فالرب سبق فاختارهم، ودعاهم، وسكن فيما بينهم، ليكون فخوراً لكونه إلههم. هؤلاء أيضاً تلقوا الوعود المباشرة وتحدثوا وجهًا لوجه مع الله. وهؤلاء على الرغم من اليقين بالوعود التي أوحيت إليهم حقاً من السماء، ربحوا الاحترام من الله والتقوى، وبشكل عام توجههم نحو الله بصليبهم الكامل، أي بالحزن، الأسى، الاضطهاد، وعدم الراحة، وانتقلوا من هذه الحياة دون رؤية أي شيء من كل ما وَعَد به الله، باستثناء بعض الإشارات وفترات الخبرات المختلفة. أترون هذا السرّ؟ في وادي البكاء هذا، تُشاهد الوعود الإلهية جزئياً، وتُدرك جزئياً، وتُكشف إلى حد ما. وهنا بالتحديد هو حيث نطبّق ما يلي: “مَنْ كان حكيماً يحفظ هذه ويتعقَّل مَرَاحِم الرَّبِّ” (مز. 106: 43).

هذا هو السبيل الذي به نحن المختارون بالإيمان نلتزم ونحفظ علاقتنا مع الله ووعوده. مجدداً، بفهم الإيمان في خضم المعاناة الهائلة الطويلة، والصبر والاحتمال في خضمّ التجارب والأهواء، نُكَمّل كما جميع القديسين.

درجات النمو الروحي

درجات النمو الروحي

البطريرك بولس الصربي

ما هو أهم شيء على المسيحي معرفته؟

كما سبقت الإشارة، الأهم هو معرفة هدف الحياة ومعناها. إنه الأمر الأكثر أهمية. إذا عرف الإنسان هذا يستطيع أن يستعمل قواه ومواهبه من أجل ما هو حسن ومستحق، أي لنفسه، لعائلته، لأمّته ولكل إنسان. غني عن القول، علينا أن نعرف هذا القول: “اصنعوا للآخرين ما تريدونه أن يصنعوا لكم“.

لقد قلتَ مرةَ أن القدرة على الصلاة هي أهم الأشياء للمسيحي.

نعم. بالجوهر، الصلاة هي المحادثة مع الله، مع أبينا السماوي. يقول الإنجيل أن المسيح ابن الله كان يعتزل ويصلي. بالحقيقة هذا كان حديث الابن مع الآب. والأمر عينه بالنسبة لنا، الصلاة هي حديثنا مع الآب السماوي. فالله يتحدّث إلينا من خلال الكتاب المقدس وعلينا أن نجيبه من خلال الصلاة.

يقول القديس باسيليوس الكبير أن هناك ثلاث مراحل للنمو الروحي.

المرحلة الأولى هي مرحلة العبد. يعرف العبد أن مصيره يتوقف على السيد الذي ينتمي هو إليه، الذي يملك الحق بضربه أو قتله أو بيعه مع امرأته وأولاده. لهذا، هو يحقق إرادة سيده. روحياً، هذا هو المسيحي الذي يحقق إرادة الله خوفاً من نار جهنم. إنه يفهم أن حياة الخطيئة لألف عام لا قيمة لها لأنه سوف يتعذّب إلى الأبد.

المرحلة الثانية هي مرحلة الأجراء. الأجير هو إنسان حر يتقاضى أجراً مقابل عمله. هو يعمل ليقبض. روحياً، هو المسيحي الذي يرغب في الوصول إلى أعلى مراتب الفردوس. ليست كل المراتب متماثلة. المستحق والحسن يتقدم أكثر وأكثر الى قرب الله، من دون الوصول إليه، لأن الله غير متناهٍ، لكن أيضاً هو يقترب شيئاً فشيئاً. بالطبع، الله هو حياتنا وبركتنا، هو كل ما لنا.

المرحلة الثالثة هي مرحلة الأبناء والبنات. الابن يحقق إرادة أبيه لا خوفاً من عقابه، فهو ليس عبداً. ولا رغبةً بأجر من أبيه فهو ليس أجيراً. إنه يقوم بذلك طوعياً حتى يكون أبوه راضياً. روحياً، هذا هو المسيحي الذي يحقق إرادة الله لأنه يحب الله حتى يكون الله راضياً.

فالأولان يفكّران بأنفسهما، الواحد يريد أن لا يُعاقَب والثاني يريد الأجر، الابن أو البنت يفكّران بالله. هذا هو المسيحي الحقيقي. لكن ما من أحد يبلغ هذه المرحلة إلا بعد أن يعبر المرحلتين الأولين. كم من الوقت يقضي في كل منهما، هذا يتوقف على كل واحد شخصياً.

حتّى نصلّي لا بالكلمات فقط بل بأعمالنا وكياننا بأكمله…

يقول المسيح: “لماذا تنادوني يا رب يا رب؟ ليس كل من قال يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يفعل إرادة أبيالأرثوذكسية هي إيمان يُعرَف بكيفية عيشنا له، بأفعالنا، بتصرفنا.” الأرثوذكسية هي أسلوب حياة.

من كتاب رجاءً كونوا الشعبليوفان يانيتش.

ضبط نغمتنا

ضبط نغمتنا

الأب رومان براغا*

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

لقد كنتُ في سجن الشيوعيين لمدة إحدى عشر سنة، وفي الحجز الانفرادي لثلاث سنوات. وجدت في السجن أني لم أعرف شيئاً. اختفت فكرتي عن الله. لكن ما وجدته هو أن إله الكتب مختلف عن إله الخبرة. عندما تشعر بأن الله حي تفهم: أنا أحيا لأن المسيح حيّ فيّ. عندما يكون المسيح حياتك لا تحتاج إلى كتب، لا تحتاج أطروحات في اللاهوت، ولا محاضرات، ولا أيّ شيء. لقد وجدت الإله الحقيقي بعد سنوات كثيرة في المعهد واللاهوت والكتب والأناجيل وكل أنواع الدراسات. أنت تتعلّم بالخبرة لأن الله هو موضوع يجب اختباره. الله حيّ. نحن عبيد للكتب. في بعض الأحيان أنت لا تجد الوقت لتكون ذاتَك، فأنت مصنوع من الاقتباسات، هذا ما قاله كانت وأفلاطون، والآباء القديسون يقولون أيضاً هذا القول. أنت مختلف.

لا ينبغي بنا تقليد أيّ كان لأننا نحن مَن نحن. نحن نتبنّى المبادئ من هنا ومن هناك. لكننا نحتاج الكتاب المقدس فقط، نحن لا نحتاج أيّ كتاب آخر لأن الله يحاكينا من خلال الكتاب المقدس. أنت تبدأ بالتحدّث إلى الله قائلاً: “أنظر أيها الرب، أنت خلقتَني. مَن أنا؟ أنت أردتني أن أكون في هذا العالم“. هنا تبدأ بالتعلّم، الله نفسه يعلّمك مَن تكون.

كل رجل أو امرأة هو شخص محدد، ليس مثل أي آخر. لا يكرر الرب نفسه عندما يخلق شيئاً. إذاً لديك طريقتك في الصلاة والتي هي خاصتك. من العبث أن أخبرك طريقتي. لكن ابْدأ، مارِسْ، والله يمنحك طريقتك التي هي شخصية. حياتنا في الله شخصية جداً، وتختلف عن حياة شخص آخر. لكن المهم هو القيام بهذا العمل، أي بالحياة في الله. تحدثوا إليه، اشعروا بحضوره وهو سوف يعلّمكم مَن تكونون.

* أرشمندريت في الأسقفية الرومانية التابعة للكنيسة الأرثوذكسية في أميركا. وُلد في بيساربيا في 1922 وتوفي في دير رقاد السيدة في ميشيغن في 2015. بعد أ، سجن عدة مرات واضطُهِد في رومانيا، انتقل إلى أميركا في 1972 حيث قام بنقل الخدم الليتورجية الرومانية إلى الإنكليزية. عمل الكثير في التربية المسيحية للرومان في أميركا.

ماذا يعني الصراع ضد الشر

ماذا يعني الصراع ضد الشر

البطريرك بولس الصربي

نقلتها إلى العربية شيم حموي

أَيْضًا سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ:لاَ تَحْنَثْ، بَلْ أَوْفِ لِلرَّبِّ أَقْسَامَكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ، لاَ بِالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ اللهِ، وَلاَ بِالأَرْضِ لأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ، وَلاَ بِأُورُشَلِيمَ لأَنَّهَا مَدِينَةُ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ. وَلاَ تَحْلِفْ بِرَأْسِكَ، لأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَجْعَلَ شَعْرَةً وَاحِدَةً بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ. بَلْ لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ، لاَ لاَ. وَمَا زَادَ عَلَى ذلِكَ فَهُوَ مِنَ الشِّرِّيرِ. «سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ.” (متى33:4-41).

يذكّرنا الربّ أنه يجب أن لا نحلف، ويجب أن يكون فيما بيننا من محبّة الحق والثقة ما يجعل القول نعميعني نعموقول لايعني لا“. هناك بالطبع بعض الحالات الضرورية التي تسمح فيها الكنيسة بالإقسام لتأكيد الحقيقة خاصةً في المحاكم. نعرف من الكتاب المقدس أن الله قد حلف مرة بنفسه. ليس أن القَسَم ممنوع بشكل قاطع بل واجبنا أن نحاول أن نكون محبّين للحقّ لأن الله هو الحقّ، والشيطان هو الكذّاب وأبو الكذب. بهذا المعنى يجب أن نحبّ الحقّ. وأكرر ذلك.

قيل في ناموس موسى القديم أنه عين بعين وسن بسن” (خر 24:21) هذه كانت قانوناً أعلى مما سبقه. قال لامك الذي كانت له امرأتان إِنِّي قَتَلْتُ رَجُلاً لِجُرْحِي، وَفَتىً لِشَدْخِي” (تك 4: 23). ويظهر ناموس موسى يقول: “عين بعين وسن بسن ويد بيد وقدم بقدم” (خر 24:21) بقدر ما يفعلون بكم يمكنكم أن تردوا بالمثل.

وفي النهاية يعلمنا الرب يسوع أن نفعل أكثر من ذلك، أن نبدأ بمقاومة الشر. يقول الربّ: لا تقاوموا الشر بالعنف. ليس ألا نقاوم الشر البتة حيث ستكون هذه سلبية وإبادة للفارق بين الخير والشر، لكن ليس مقاومته بالعنف، ولا الردّ على الشر بالشر. ويقول بولس الرسول: “لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ” (رو 21:12). هذا هو معنى قول السيد المسيح، ولكن مجدداً أكرر هذا ليس حرفياً. لأنه هو نفسه عندما كان واقفاً أمام المحكمة لم يحوّل خده الأيسر للخادم الذي جاء وصفعه بل قال له: “إِنْ كُنْتُ قَدْ تَكَلَّمْتُ رَدِيًّا فَاشْهَدْ عَلَى الرَّدِيِّ، وَإِنْ حَسَنًا فَلِمَاذَا تَضْرِبُنِي؟” (يو 23:18).

أظن أنكم فهمتم ما الذي قصده بالضبط، علينا أن نكون مستعدين لمواجهة الشر الموجّه ضدنا بالخير، وأن نبحث عن فرصة لتقويم الخاطئ وأن نفعل كل شيء لكي يفهم حجم خطيئته. بكل الأحوال لا يجب أن نكون سلبيين بل أن نأخذ المبادرة ونوجهها نحو الخير. كم من المجرمين الحقيقيين صاروا مسيحيين حقيقيين لأن المسيحيين تبعوا كلمات المسيح وأحبّوا أعداءهم محاولين توجيههم إلى التوبة؟

فليسعفنا الرب لنبني محبة الحقّ فيما بيننا، لنحبّ حتى خصومنا: لنصلي إلى الله ليريهم بحياتنا الحقيقية أنهم يتخبطون في جحيم روحي وظلمة أبدية وبأن عليهم أن يتوبوا ويكونوا مُخلَّصين.

فليبارككم الرب

* من كتاب مواعظ وأقوال البطريرك الصربي بولس السير إلى الأبدية – مواعظ مختارة – حوارات، نشره دير سريتينسكي

في المحبّة الحقيقية والصافية

في المحبّة الحقيقية والصافية

الشيخ جرمانوس الستافروفوني

نقلتها إلى العربية علا مقصود

هل تريد أن تعرف ما نوع المحبة التي تشعر بها؟

قف أمام مرآة الإصحاح 13 من رسالة بولس الرسول الأولى لأهل كورنثوس وفكّر بصدق هل ينطبق عليك ما قال الرسول بولس.الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ، وَلاَ تَنْتَفِخُ، وَلاَ تُقَبِّحُ، وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلاَ تَحْتَدُّ، وَلاَ تَظُنُّ السُّؤَ، وَلاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ، وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ

هؤلاء الذين يحبّون قريبهم محبة صادقة متوافقة مع مشيئة الله يشعرون بسلام وفرح كبيرَين في داخلهم. أما الذين يحبّون بشكل زائف سطحي، جسدي، ومادي، يشعرون باضطراب واهتياج في داخلهم.

المحبة الحقيقية مرتبطة بروح التواضع والتضحّية والعطاء. هؤلاء الذين يحبّون بصورة مطابقة لمشيئة الله يضحّون برغباتهم وراحتهم لأجل من يحبّون. أما الحب غير المتوافق مع مشيئة الله متعلق بالأنانية ومن يحب مثل هذه المحبة يطلب من الآخرين التضحية من أجله بدلاً من التضحية لأجلهم.

إن محبة أعدائنا تخفي حكمة كبيرة فعندما نقابل الشر بالخير نصبح مشابهين للمسيح فتأتي نعمته وتغمرنا. إن نعمة الروح القدس تفيض علينا. القديسون يحبّون حتى مضّطهديهم. وهذه الحقيقة كانت أساسية ليظهَروا أصدقاء حقيقين للمسيح، أي قديسيه.

إن محبة القريب لا يُعبّر عنها بالكلام فقط بل يجب أن تُبرهن بالأعمال. إن المحبة الحقيقية تشع على الوجه نوراً فائق الطبيعية للشخص المحبوب. أما وجه من يبغض فمتجهّم ومكفهر لا بلّ مظلم. المحبة الحقيقة لا تبتهج بمصائب الآخرين ولا هي تحزن من نجاحاتهم.