قتل الأهواء

قتل الأهواء

الشيخ موسى الأثوسي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

إن المسيحيين الذين يسعون مجاهدين ليسوا مغفلين، ولا هم ساذجين، تبسيطيين، سطحيين، ضحلين، مكتئبين، غريبي الأطوار، ولا تائهين. لو كانوا كذلك لما كانوا مسيحيين حقيقيين. المسيحيون المجاهدون متفائلون فرحون صادقون مشرقون ومتواضعون. نقطة البداية للتحسين الذاتي لا تتمركز على الإطلاق حول الذات. إن شعوري بخطيئتي يجعلني نادماً لا خائفاً ولا غاضباً

الاقتناع بأني قادر على التغيّر وأنني خاطئ كبير، لا ينبغي أن يكون تمنيات ولا تواضعاً زائفاً، بل على الأكيد كلمات وأعمالاً دقيقة وحازمة. إن اكتشاف محبة الله الصالح غير المتناهية وعصياني وارتدادي وتغرّبي يعطيني دموعاً حارة عن ندامة أصيلة

إن محبة الله لنا تحرّكني وتقودني إلى التوبة، تقلقلني وتستعيدني. إن نقطة البداية هي اعترافي بخطيئتي. هذا الاعتراف الصادق سوف يحمل إليّ الندامة من الله ما يجعل نفسي تكره ما أحبَّت وتحبّ كل صلاح كانت قد غفلَت عنه

سُئل مرة أحد الشيوخ الأثوسيين: ما هو الجبل المقدّس؟ فأجاب: ’عندنا أناس كثيرون هنا في طور التوبة. أو بالأحرى هنا كلنا توّابون’. شيخ آخر قال: ’يلبس الراهب التوبة. محبة الله تأكله فيحيا في التوبة’. هذه الكلمات الأخيرة مهمة جداً. التوبة ليست وضعية خاملة نندب فيها مصيرنا ونلعن حظّنا

بالمقابل، بحسب الأبّا إسحق السرياني، إن القلب المشتعل بمحبة الله، والناس الآخرين وكل الخليقة، هو قلب الذي يتوبون إذ يحتوي شعلة المحبة المحترقة وبالتالي يحاولون أن يعوّضوا الوقت الذي أضاعوه في الخطيئة فيندبون معاصيهم. إنهم لا يهتمّون ولا يقلقون على أنفسهم، ولا على كيف أن شخصاً رائعاً استطاع أن يسبب كل هذه البلبلة في الأمور، لأن هذا يدلّ على الكثير من الغرور بالذات. أنت لا تستطيع أن تقتني محبّة الله إن لم تكن محبّاً للآخرين. هذه المحبة تجعلني حليماً، مسامحاً، متعاطفاً، كريماً، مؤانساً وطيّباً مع الآخرين، لا قاسياً، دياناً، منتقداً، عنيفاً، عابساً، أو متزمتاً

عن السذاجة والحكمة

عن السذاجة والحكمة

البطريرك بافل الصربي

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

أن تكون إنساناً حقّاً في هذا العالم هو بالحقيقة نفس الشيء كأن تكون حملاً بين الذئاب لأن “الْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ” (1يوحنا 19:5). ومجدداً أقول لكم تذكّروا: حمل بين الذئاب معرّض للخطر من جهتين. أولاً، يمكن أن تمزّقه الذئاب. لكن هذا في يد الله. وثانياً، قد يقرر الحمل هكذا: لكونك محاطاً بالذئاب فما من سبيل للعيش غير أن تصير كالذئب سانّاً أسنانك، فتتعلّم كيف تعوي، تستبدل حوافرك بمخالب، وهكذا تتحوّل من حمل إلى ذئب. لم يرسلنا المسيح من أجل هذا، بل لكي بإيماننا وحياتنا بحسب الإيمان قد نجتذب الذئاب ليصيروا حملاناً للمسيح إذا أرادوا ذلك

يعلّمنا المسيح أن ننجو من كلا الخطرين: “كُونُوا حُكَمَاءَ كَالْحَيَّاتِ وَبُسَطَاءَ كَالْحَمَامِ” (متى 16:10). سوف تنقذك الحكمة من التمزّق، والبساطة والبراءة سوف تمنعانك من أن تصير ذئباً. من جهة أخرى، هذا يعني أنه يمكننا تنمية قدراتنا العقلية أكثر وأكثر، إلى اللانهاية، ولكن بشرط أن ننمي بالتوازي في ذواتنا اللطف الذي يعطينا الاتزان. يتطلع الإنسان في هذا العالم إلى كل الأشياء كما تفعل آلاف الأعين، والذباب والنحل… لكننا نرى في فكرنا ما لا يستطيعون رؤيته، أي العالم الروحي الداخلي والأبدية

لكن الفكر بارد. أحياناً يخترق الأحياء، عبر القلب. على عكس ذلك، الصلاح دافئ وغير أعمى. صحيح القول الشعبي بأن “الإنسان اللطيف والأحمق أخوان طبيعيان”. أي، إذا كان إنسان ما لطيفاً لكنه غير حكيم، فالآخرون لن يستغلّوه وحسب بل أيضاً سوف يضحكون منه ويزلّوه. حسناً، لكي لا يتحوّل العقل إلى مكر، والصلاح إلى غباء، علينا أن نوحّد العقل مع الصلاح. هذا يكون إنساناً إنجيلياً، شخصية أرثوذكسية: العقل والصلاح معاً

من الخطير تنمية العقل وتناسي الصلاح أو الازدراء به أو اعتباره مهيناً. وبالطبع، إنسان كهذا قد يدمّر حياته وحياة الآخرين بقربه. كل المجرمين الكبار والمنتحلون أصحاب عقول نامية جداً، وعلى درجات مختلفة من القدرات الفائقة وحتّى التعليم

وكما قلت سابقاً، الصلاح بحد ذاته ليس كافياً ومؤذٍ. هنا الحل للمسيحي. تنمية العقل الذي منحه إياه الله من بين جملة أشياء تجعلنا مختلفين عن الكائنات الحية الأخرى، التي لا تملك إلا الغرائز. نحن أيضاً عندنا غرائز لكن عندنا عقل ايضاً، منحنا إياه الله، وبه أقامنا الله فوق المخلوقات الأخرى. نحن أيضاً عندنا قلب وإرادة وحرية

فليعلّمنا الرب ويساعدنا على أن نمتلك العقل والصلاح معاً وننمّيهما لمجده، ولمنفعة عائلاتنا ووطننا وكل البشرية، ولخلاصنا وخلاصهم

* من مجموعات عظات ومقابلات غبطة البطريرك بافل الصربي: البطريرك بافل، السير نحو الأبدية

ما من شيء يخيف مَن رجاؤه في الله

ما من شيء يخيف مَن رجاؤه في الله

القديس يوحنا ماكسيموفيتش

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

“أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ؟ وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟ إِنْ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ، وَإِنْ فَرَشْتُ فِي الْهَاوِيَةِ فَهَا أَنْتَ. إِنْ أَخَذْتُ جَنَاحَيِ الصُّبْحِ، وَسَكَنْتُ فِي أَقَاصِي الْبَحْرِ، فَهُنَاكَ أَيْضًا تَهْدِينِي يَدُكَ وَتُمْسِكُنِي يَمِينُكَ.” (مزمور 7:139-10)

يجب أن تكون هذه الكلمات الملهَمة من الله لكاتب المزامير داود في أفكارنا في هذه الأيام، حيث العالم برمّته مهتزّ بكل معنى الكلمة، وتأتي أخبار الأسى والصدمات والمصائب من كل الجهات. قبل أن تصل إلى التركيز على ما يجري في بلد ما تذهلك أحداث أكثر تهديداً قد تفجّرت في مكان آخر بشكل غير مُتوقَّع؛ وقبل أن تتلقفها، تشغل انتباهك أخبار أخرى من مكان آخر، وتقودك إلى إضاعة القضايا السابقة مع أن أياً منها لم يبلغ خواتيمه. عبثاً يتشاور ممثلو الدول من أجل إيجاد علاج للمعاناة المشتركة ويشجعون واحدهم الآخر قائلين: “سَلاَمٌ، سَلاَمٌ. وَلاَ سَلاَمَ” (إرمياء 14:6). المصائب في الأراضي حيث تتكشف لا تنتهي، فتبدأ فجأة كوارث جديدة في أماكن كانت تُعتبر آمنة وهادئة

الذين يفرّون من المشاكل في مكان ما يجدون أنفسهم وسط مشاكل أخرى في مكان أسوأ. “كَمَا إِذَا هَرَبَ إِنْسَانٌ مِنْ أَمَامِ الأَسَدِ فَصَادَفَهُ الدُّبُّ، أَوْ دَخَلَ الْبَيْتَ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْحَائِطِ فَلَدَغَتْهُ الْحَيَّةُ!” (عاموس 19:5). أو كما يقول نبي آخر: “وَيَكُونُ أَنَّ الْهَارِبَ مِنْ صَوْتِ الرُّعْبِ يَسْقُطُ فِي الْحُفْرَةِ، وَالصَّاعِدَ مِنْ وَسَطِ الْحُفْرَةِ يُؤْخَذُ بِالْفَخِّ. لأَنَّ مَيَازِيبَ مِنَ الْعَلاَءِ انْفَتَحَتْ، وَأُسُسَ الأَرْضِ تَزَلْزَلَتْ.” (أشعياء 18:24)

هذا ما نراه يحدث في أيامنا. ينطلق الشخص إلى عمله بسلام فيسقط فجأة ضحية عمل عسكري اندلع في مكان لم يتوقعه أحد. الشخص الذي يهرب من خطر العمل العسكري، يجد نفسه وسط أهوال الكوارث الطبيعية أو الزلزال أو الإعصار. ويلاقي الكثيرون حتفهم حيث يفرّون، بينما يكون الآخرون على استعداد للمخاطرة بحياتهم بدلاً من إهدارها في أماكن تعتبر آمنة، لأنهم يتوقعون كوارث أخرى يمكن أن تأتي قريبًا على تلك المناطق. يبدو أنه لا يوجد مكان على الكرة الأرضية في الآونة الأخيرة يشكّل ملاذاً هادئاً وسلامياً من المشاكل في العالم.

كل شيء صار معقّداً: سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. “بِأَخْطَارِ سُيُول، بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ، بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي، بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْمَدِينَةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَرِّيَّةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَحْرِ، بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ” على ما يكتب الرسول بولس (2كورنثوس 26:11). وإلى هذه الأخطار في أيامنا ينبغي أن نضيف “أخطار في الهواء وأخطار من السماء” وهي مرعبة بشكل خاص

ولكن عندما كان هذا المتقدم في الرسل المجيد بولس يحتمل كل المخاطر التي يذكرها كانت لديه تعزية عظيمة. كان يعلم أنه يعاني من أجل المسيح وأن المسيح سيكافئه على هذه المعاناة. “لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ” (2تيموثاوس 12:1). كان يعلم أن الرب سيمنحه القوة اللازمة لتحمّل المزيد من الضيقات، ولهذا السبب قال بجرأة: “أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي” (فيليبي 13:4)

إن هذه الكوارث الحالية مرعبة للغاية بالنسبة لنا، فقد جاءت علينا لأننا لسنا ثابتين في الإيمان، ولأننا لا نتحمّلها من أجل المسيح. لهذا السبب، لا أمل لدينا في الحصول على الأكاليل من ورائها. وما هو أسوأ من ذلك ويتركنا عاجزين في جهودنا لمواجهة مصائبنا، هو أننا لا ندعّم أنفسنا بقوة المسيح. نحن نضع رجاءنا لا في الله بل في القوى والوسائل البشرية. نحن ننسى كلمات الكتاب المقدس: “لاَ تَتَّكِلُوا عَلَى الرُّؤَسَاءِ، وَلاَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَيْثُ لاَ خَلاَصَ عِنْدَهُ. طُوبَى لِمَنْ إِلهُ يَعْقُوبَ مُعِينُهُ، وَرَجَاؤُهُ عَلَى الرَّبِّ إِلهِهِ” (مزمور 3:146 و5). وأيضاً: “إِنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ الْبَيْتَ، فَبَاطِلاً يَتْعَبُ الْبَنَّاؤُونَ. إِنْ لَمْ يَحْفَظِ الرَّبُّ الْمَدِينَةَ، فَبَاطِلاً يَسْهَرُ الْحَارِسُ” (مزمور 1:126). لا نفتأ نحاول إيجاد أساس ثابت بعيدًا عن الله. وهكذا فإننا نعاني ما تنبأ به النبي: “لِذلِكَ يَكُونُ لَكُمْ هذَا الإِثْمُ كَصَدْعٍ مُنْقَضٍّ نَاتِئٍ فِي جِدَارٍ مُرْتَفِعٍ، يَأْتِي هدُّهُ بَغْتَةً فِي لَحْظَةٍ” (إشعياء 13:30). ويل لمن يميلون ضد تلك الجدران! تماماً كما يسحق الجدار المنهار أولئك الذين يميلون إليه، بنفس الطريقة، مع تدمير الآمال الكاذبة، سيهلك كل من وضعوا ثقتهم فيها. سوف يكون أملهم مثل “عُكَّازَ قَصَبٍ”. “عِنْدَ مَسْكِهِمْ بِكَ بِالْكَفِّ، انْكَسَرْتَ وَمَزَّقْتَ لَهُمْ كُلَّ كَتِفٍ، وَلَمَّا تَوَكَّأُوا عَلَيْكَ انْكَسَرْتَ وَقَلْقَلْتَ كُلَّ مُتُونِهِمْ” (حزقيال 7:29). الأمر مختلف تماماً عند الذين يطلبون المعونة من الله. “اَللهُ لَنَا مَلْجَأٌ وَقُوَّةٌ. عَوْنًا فِي الضِّيْقَاتِ وُجِدَ شَدِيدًا. لِذلِكَ لاَ نَخْشَى وَلَوْ تَزَحْزَحَتِ الأَرْضُ، وَلَوِ انْقَلَبَتِ الْجِبَالُ إِلَى قَلْبِ الْبِحَارِ” (مزمور 1:46-2)

ما من شيء يخيف مَن رجاؤه في الله. هو لا يخشى لا البشر ولا عمل الشرير. “اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي، مِمَّنْ أَخَافُ؟ الرَّبُّ عاضد حَيَاتِي، مِمَّنْ أفزع؟” (مزمور 1:27). إنه هادئ إذ يعيش في بيته “اَلسَّاكِنُ فِي سِتْرِ الْعَلِيِّ، فِي ظِلِّ الْقَدِيرِ يسكن” (مزمور 91:1). مستعدّ للإبحار عبر البحر “فِي الْبَحْرِ طَرِيقُكَ، وَسُبُلُكَ فِي الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ” /زمور 77:19). بجرأة، كما على أجنحة، يطير في السماء إلى الأراضي البعيدة، قائلاً: “إِنْ أَخَذْتُ جَنَاحَيِ الصُّبْحِ، وَسَكَنْتُ فِي أَقَاصِي الْبَحْرِ، فَهُنَاكَ أَيْضًا تَهْدِينِي يَدُكَ وَتُمْسِكُنِي يَمِينُكَ (مزمور 139:10-11). هو يعرف أنه يرضي الله لحفظ حياته “يَسْقُطُ ألوف عَنْ جَانِبيكَ، وَرِبْوَاتٌ عَنْ يَمِينِكَ. أما إِلَيْكَ فلاَ يَقْتربُون” (مزمور 7:91)

حتّى الموت لا يرهبه لأن مَن المسيح هو حياته الموتُ هو ربح (فيليبي 21:1). “مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضَيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:«إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ. قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ». وَلكِنَّنَا فِي هذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا. فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ، وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً، وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ، وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا” (رومية 35:8-39). “فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِيدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ اللهِ” (2 كورنثوس 1:7).

هذا ما يقوله الرب: “حَلَّ قُيُودِ الشَّرِّ. فَكَّ عُقَدِ النِّيرِ، وَإِطْلاَقَ الْمَسْحُوقِينَ أَحْرَارًا، وَقَطْعَ كُلِّ نِيرٍ. أَلَيْسَ أَنْ تَكْسِرَ لِلْجَائِعِ خُبْزَكَ، وَأَنْ تُدْخِلَ الْمَسَاكِينَ التَّائِهِينَ إِلَى بَيْتِكَ؟ إِذَا رَأَيْتَ عُرْيَانًا أَنْ تَكْسُوهُ، وَأَنْ لاَ تَتَغَاضَى عَنْ لَحْمِكَ. حِينَئِذٍ يَنْفَجِرُ مِثْلَ الصُّبْحِ نُورُكَ، وَتَنْبُتُ صِحَّتُكَ سَرِيعًا، وَيَسِيرُ بِرُّكَ أَمَامَكَ، وَمَجْدُ الرَّبِّ يَجْمَعُ سَاقَتَكَ. حِينَئِذٍ تَدْعُو فَيُجِيبُ الرَّبُّ. تَسْتَغِيثُ فَيَقُولُ: هأَنَذَا. إِنْ نَزَعْتَ مِنْ وَسَطِكَ النِّيرَ وَالإِيمَاءَ بِالأصْبُعِ وَكَلاَمَ الإِثْمِ” (إشعياء 6:58-9)

أيها الرب علّمني أن أعمل مشيئتك ويوم أدعوك استمع لي. فلتكن رحمتك علينا لأننا عليك وضعنا رجاءنا

الحقير يوحنا، أسقف شنغهاي

30 آب، 1937، عيد القديس ألكسندر نفسكي

عن ضد المسيح وعلامة الوحش و666

عن ضد المسيح وعلامة الوحش و666

القديس بورفيريوس الكافسوكاليفي

نقلتها إلى العربية ماريا وسلوى الأشقر

سألني الشيخ: “قل لي يا بنَيّ ماذا قال الشيخ أميليانوس عن 666 وضد المسيح؟” فأجبته: “لقد قال لنا في اجتماع قبل أيام قليلة بألاّ نهتمّ. علينا أن نكون مهتمين باقتناء علاقة حيّة مع المسيح ولا نولي اهتماماً كثيراً لضد المسيح، كي لا يصير هو مركز حياتنا لا المسيح”. فإذ بالشيخ (القديس بورفيريوس) يضرب سريره بيديه ويقول: “ماذا قلتَ يا بنيّ؟ المجد لك أيها الإله، أني وجدتُ أباً روحياً يوافقني! يا بنيّ، هؤلاء الآباء الروحيون هنا في العالم، ماذا يفعلون؟ لقد أوقعوا النفوس في الاضطراب، وخلقوا الكثير من المشكلات في العائلات بالـ666. هناك أناس في العالم لا يستطيعون النوم ويتعاطون عقاقير نفسية وحبوب للنوم لكي يغفوا. ما هو هذا الأمر؟ المسيح لا يريد هذه الأشياء يا بنيّ. أأقول لك شيئاً؟”

فقلت: “ماذا أيها الشيخ؟”

فقال لي: “بالنسبة لنا نحن المسيحيين، عندما نعيش خبرة المسيح لا يوجد ضد المسيح. قل لي شيئاً، أنا أجلس على هذا السرير، أتستطيع أنت أن تجلس؟” أجبته: “لا، أيها الشيخ”. فسألني: “لماذا؟” فأجبتُ: “لأني إن جلستُ فسوف أسحقك”. فسألني مجدداً: “ألن تستطيع الجلوس هنا أبداً؟” فقلتُ له: “عندما تمضي، أَجلِسُ أيها الشيخ”. فقال لي: “بالضبط يا بنيّ. الأمر نفسه يحصل في النفوس. عندما يكون المسيح في داخلنا، أيستطيع ضد المسيح الحضور؟ أيستطيع أي شيء معاكس أن يدخل إلى نفوسنا؟ لهذا السبب يا بنيّ، نحن لا نقتني المسيح في داخلنا اليوم ولهذا السبب نهتمّ بضد المسيح.ـ

عندما نحوي المسيح في داخلنا كل شيء يصير فردوساً. المسيح هو الكلّ يا بنيّ وليس علينا أن نهابَ معاكسَه. هذا عليك أن تخبره للناس دائماً. ولأقلْ لك شيئاً. إذا جاء الآن ضد المسيح شخصياً ومعه جهاز يطلِق أشعة لايزر وختم عليّ 666 بالقوة، فلن أستاء. سوف تسألني: ’أيها الشيخ أليس هذا ختم ضد المسيح؟’ نعم، ولكن حتى ولو كتب عليّ 666 ألفَ مرة بأشعة الليزر، بشكل غير قابل للإزالة، فلن أستاء. لماذا؟ لأن يا ولدي، الشهداء الأوائل أطاحوا بالوحوش الضارية، وعندما رسموا إشارة الصليب صارت الوحوش الضارية كالحملان. لقد رموهم في البحر، ولكن عندما رسموا إشارة الصليب صار البحر كمثل أرض جافة وساروا عليها. رموهم بالنار، وعندما رسموا إشارة الصليب بردت النار. يا بنيّ المبارك، ماذا أصبحنا اليوم؟ أنؤمن بالمسيح؟ بصليبنا؟ لماذا أتى المسيح؟ ألم يأتِ ليشددنا في ضعفاتنا؟

هذا ما عليك أن تقوله للشيخ. وعليك أن تخبر الناس ألا يخافوا ضد المسيح. نحن أبناء المسيح، أبناء الكنيسة.” كل هذا ترك أثراً كبيراً عليّ.ـ

Source: Ανθολόγιο Συμβουλών Γέροντος Πορφυρίου, σελ 71, 72-75, δ΄ έκδ. 2003.

***

عن نهاية الأزمنة

عن نهاية الأزمنة

الأب سيرافيم روز

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

أول ما ينبغي اقتناؤه للتفسير الصحيح لعلامات الأزمنة هو معرفة الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، لا بالطريقة التي يبدو بها وحسب، بل وفقًا للطريقة التي فسرته بها الكنيسة؛ معرفة كتابات الآباء القديسين؛ معرفة تاريخ الكنيسة؛ والإلمام بمختلف أنواع البدع والأخطاء التي هاجمت فهم الكنيسة الحقيقي للعقيدة، وخاصة في الماضي. إذا لم يكن لدينا أساس في مصادر مثل هذه، فسوف نجد أنفسنا مرتبكين وغير مستعدين. فبالضبط ما يخبرنا به ربنا: كونوا على أهبة، كونوا مستعدين. ما لم يكن لدينا هذه المعرفة الأساسية، فإننا لن نكون مستعدين وسنسيء تفسير علامات الأزمنة…ـ

أهم ما يكتسبه المرء من خلال الكتابات الأرثوذكسية الأساسية هو فضيلةٌ تسمى التمييز. عندما نلتقي ظاهرتين يبدو أنهما متطابقتان أو متشابهتان تمامًا مع بعضهما البعض، فإن فضيلة التمييز تسمح لنا برؤية أي هي الصحيحة وأي هي الباطلة: أي تحمل روح المسيح وأي قد تحمل روح ضد المسيح.ـ

إن طبيعة ضد المسيح، الذي سيصبح آخر حاكم عالمي عظيم وآخر معادٍ للمسيح، أنه ليس ضد للمسيح وحسب. “ضد” لا تعني “معادياً” وحسب، بل أيضًا “أنه يقلّده ويدّعي مكانه”. ضد المسيح، كما يقول جميع الآباء القديسين في كتاباتهم عنه، هو الشخص الذي يقلّد المسيح، أي يحاول خداع الناس بالنظر، كما لو كان المسيح قد عاد إلى الأرض. لذلك، مَن كان فهمه للمسيحية ضبابياً أو يقرأ الكتاب المقدس بالاستناد إلى افكاره وحسب، وآراء المرء قد تأتي من الجو الذي ليس مسيحيًا بل معادٍ للمسيحية، فعندئذ سيصل إلى استنتاجات ضد المسيحية. عند رؤية شخص ضد المسيح، قد ينخدع الإنسان إلى الاعتقاد بأنه المسيح.ـ

يمكننا أن نعطي عدداً من الأمثلة عن كيفية عمل فضيلة التمييز على فهم بعض الظواهر المعقدة قليلاً. إحدى هذه الظواهر هي الحركة المواهبية (الكاريزماتيك)… إذا نظرتم بعمق إلى ما يقولونه في هذه الحركة… ترون أن ما يسمّونه إحياءً روحياً وحياةً روحية هو في الواقع ما وصفه الآباء الجدد مثل الأسقف إغناتيوس بريانشانينوف بعناية بأنه خداع، أي نوع من حمّى الدم مما يجعلهم يبدون كما لو كان روحانيين في حين أنهم حقاً لا يدركون الحقيقة الروحية على الإطلاق. في الواقع، إنهم مختلفون عن الحياة المسيحية الحقيقية التي تنعكس في هذه الكتب الأرثوذكسية الأساسية اختلاف السماء من الأرض…ـ

مرة أخرى، يمكنكم أن تروا كيف يمكِّنُنا التمييزُ في تقييم الظواهر الأخرى التي قد لا تكون متطابقة مع الظاهرة الأرثوذكسية، بل هي أشياء جديدة. عندما تنظرون إليها لأول مرة، تتساءلون عن ماهية كل شيء. هذه هي سمة الموضات الفكرية: شيء ما ينطلق في الجو، يمسك به الجميع لأن الوقت مؤاتٍ، وبعد ذلك يبدأ الجميع في الحديث عنه ويصير موضة العصر. لا أحد يعرف كيف. كل ما في الأمر أن الجميع كانوا على استعداد لذلك، وفجأة ذكره أحدهم فبدأ في الانتشار في كل مكان.ـ

وهكذا، عودة إلى النقطة الأولى: نحن نراقب علامات الأزمنة من أجل التعرّف على المسيح عندما يأتي، حيث أنه كان هناك العديد من المسحاء الكذبة، وسيأتي المزيد من الكذابين، وفي النهاية سيأتي شخص يُدعى ضد المسيح. سيوحّد المسيح الدجّال كل الذين خُدعوا باعتقادهم أنه المسيح، وهذا سيشمل كل الذين فشِل تفسيرهم للمسيحية. في كثير من الأوقات يحدث أن تنظروا إلى بعض الأشخاص الذين يعترفون بالمسيحية، ويبدو أن العديد من أفكارهم صحيحة، أي أنهم يتكلّمون بحسب الكتاب المقدس. ثم تنظرون هنا وهناك، فترون خطأ من هناك، وخطأ من هناك…ـ

علامة أخرى من أعراض عصرنا هي العلامة التالية المذكورة في هذا الفصل من متى: أن محبة الكثيرين تبرد. يبدو أن هذه خاصية محددة في عصرنا، إلى درجة أكبر بكثير من أي وقت في التاريخ الماضي. يمكن للمرء أن يرى هذا في ما يُسمّى العدمية. يرتكب الناس جرائم بدون سبب معين، لا من أجل الربح ولكن فقط من أجل التشويق لأنهم لا يملكون الله بداخلهم. في مختلف الأماكن الآن، يمكن للمرء أن يرى غياب العلاقات الإنسانية الطبيعية في العائلات، والتي تنتج أناساً باردين. هذا النوع من الناس، في المجتمع الشمولي، يُستخدم كسائقين عبيد، يعملون في معسكرات الاعتقال وما إلى ذلك…ـ

كل علامات الأزمنة سلبية للغاية. إنها علامات على أن العالم ينهار، وأن نهاية العالم قريبة وأن ضد المسيح على وشك القدوم. من السهل جدًا النظر إلى كل علامات الأزمنة السلبيّة هذه والدخول في مثل هذه الحالة المزاجية التي لا نبحث فيها إلا عن الأشياء السلبية. في الواقع، يمكن للمرء أن يطور شخصية كاملة، أي نوعاً سلبياً من الشخصية، بناءً على ذلك. عندما يأتي أي خبر جديد، يقول أحدهم “نعم، بالطبع ، هذا ما هو عليه، وسيزداد الأمر سوءًا.” يأتي الأمر التالي ويقول أحدهم ، “نعم، نعم، من الواضح أن هذا ما سيحدث، والآن سيكون أسوأ من ذلك.” كل ما يحدث يُمظَر إليه على أنه مجرد تحقيق سلبي للأوقات الرهيبة.ـ

صحيح أن علينا أن نكون على دراية بهذه الأشياء وألا نكون متفائلين من غير داعٍ بشأن الأحداث المعاصرة، لأن الأخبار في عصرنا نادراً ما تكون جيدة. ولكن في الوقت نفسه، علينا أن نضع في اعتبارنا الغرض الكامل من مشاهدتنا لعلامات الأزمنة. نحن نراقبها ليس فقط حتى نعرف متى سيأتي ضد المسيح. هذا شيء ثانوي. نحن نراقب علامات الأزمنة حتى نعرف متى سيأتي المسيح. هذا شيء أساسي يجب أن نضعه في الاعتبار حتى لا نغرق في الحزن والاكتئاب أو الاعتزال بعد أن نخزّن الطعام من أجل الكارثة العظيمة. هذا ليس من الحكمة. علينا أن نكون مسيحيين أكثر، أي أن نفكّر بالآخرين، محاولين مساعدة الآخرين. إذا كنا أنفسنا باردين ومكتئبين ومتشائمين، فنحن نشارك في هذا البرودة، وهي علامة على النهاية. علينا أن نكون دافئين وأن نساعد بعضنا البعض. هذه هي علامة المسيحية.ـ

إذا نظرتم إلى التاريخ (في الواقع، هذا سبب وجيه آخر لقراءة تاريخ الكنيسة)، فسترون أنه طوال تاريخ البشرية بأكمله، في كل أنحاء العهد القديم والعهد الجديد وجميع الممالك المسيحية بعد ذلك، وإذا نظرتم إلى العالم الوثني، فالقصة نفسها: هناك معاناة مستمرة. حيث يكون المسيحيون هناك محاكمات واضطهاد، ومن خلال كل هذا بلغ المسيحيون ملكوت السماء. لذلك، عندما يأتي وقت الاضطهاد، من المفترض أن نفرح…ـ

***

السُّبُل الخمسة للشَّرِكة مع المسيح [1]

الأب إيليا كليوبّا

تعريب عمار عوض

إن الاشتراك بالأسرار الطاهرة، أن نتناول جسد الرب ودمه، هو السِّرُّ الأكثرُ رهبة وصلاحاً وقداسة، لأن المخلص يقول: “من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه” [2].ـ

لكن الشَّرِكة مع المسيح في كنيسته ممكنةٌ، حقًا، عبر خمسة طرق:ـ

الشَّرِكة الأولى والأهم هي تناول جسد الرب ودمه.ـ

الشَّرِكة الثانية، بحسب القديس باسيليوس الكبير، هي الشَّرِكة الروحية عبر طريق الصلاة القلبية الورعة. حتى إن أوقفكَ الكاهن عن المناولة لعدّة أعوام، يمكنك أن تأتي إلى الكنيسة، وأن تَقتبلَ المسيح آلاف المرات في اليوم وأكثر، من خلال طريق آخر، طريق الصلاة. إذا كنتَ تأتي إلى الكنيسة، وتقول الصلاة: “يا ربِّي يسوع المسيح، يا ابن الله، ارحمني أنا الخاطئ”، من كل قلبك، فبعدد المرات التي تتنهد فيها ذاكراً اسم يسوع، تشترك معه كما لو أنك أخذت بالملعقة الأسرار الإلهيّة. هذه هي الشَّرِكة عبر طريق الصلاة القلبية الورعة، والتي من خلالها يمكن للإنسان أن يقتبلَ المسيح مرّات كثيرة في اليوم وليس لمرّة واحدة فقط، كما لو أنه يتناول بالملعقة من الكأس المقدّسة.ـ

السبيل الثالث للشَّرِكة، هو عبر تطبيق وصايا المسيح. قال المخلّص لنا أن نصوم، وأظهر لنا كيف نصوم. قال المخلّص لنا أن نصلّي، وأظهر لنا كيف نُصلّي. أوصى أن نستقبل الغريب، أن نروي ظمأ العطشان، أن نُطعِم الجائع، أن نزورَ المحبوسين، وأن نغفر لمن يخطئ إلينا. عندما نقوم بهذه الوصايا، نقتبلُ المسيح عبرَ تطبيق وصاياه؛ هذا هو السبيل الثالث للشَّرِكة. ومن خلاله، يمكنك أن تدخل في شركة مع المسيح لمرّات كثيرة في اليوم، بعدد المرات التي تطبّق فيها وصايا المسيح. اسمع ما يقوله مكسيموس الإلهي في الفيلوكاليا: “المسيح يختبئ في وصاياه، من يطبّق وصيّةً يقتبِلُ المسيحَ، وليس فقط المسيح، بل كل الثالوث القدّوس”. واسمع ما يقوله الكتاب المقدّس: “من يحبني، وله وصاياي، ويحفظها، أنا والآب إليه نأتي، وعنده نصنع منزلاً”[3]. يتّضحُ أنه ليس الابن فقط، بل والآبُ أيضاً يأتي. وحيث الآبُ والابنُ، يقتبلُ كلَّ الثالوث القدوس ذاك الذي يعمل وصايا الله، حتى لو كان مُوقفًا، من قبل الكاهن، عن المناولة المقدّسة. أتفهمون؟ هذا هو السبيل الثالث للشَّرِكة، عن طريقِ تطبيقِ وصايا المسيح. ـ

الشَّرِكة الرابعة هي بالسماع. كيف؟ أنا مُوقَفٌ من قبل كاهن لأعوام عن المناولة، لكنني أذهب إلى الكنيسة وأستمع بورعٍ إلى القداس الإلهي؛ الرسالة، والإنجيل، والشيروبيكون، وبواجب الاستئهال، وعِظَة الكاهن. إذا كنتُ أستمع بخشوع لكلمة الرّب، فبعدد المرّات التي آخذُ فيها فهمًا روحيًا بالسماع، أكونُ قد اقتبلتُ المسيح. هذه شَرِكة مع المسيح عبر الأذنين. هذا هو السبيل الرابع للشَّرِكة، ويقول الرسول بشكلٍ واضح: “الإيمان يأتي بالسمع، والسمع عبر كلمة الله” [4]. أنت تقتبل المسيح بالملعقة، وأنا أقتبله بالأذنين، عندما أسمع بورع القدّاس الإلهي، والتراتيل، وعظة الكاهن، أقتبلُ المسيح آلاف المرات دون أن تعرف أنت. إذا لم تتهيأ أنت بشكلٍ جيّد، يمكن أن تكونَ المناولة دينونةً لكَ، أمّا أنا فأمكثُ في الكنيسة بإيمانٍ كذاك الذي للعشار، وأسمعُ الخدمة بورعٍ، وأقتبلُ المسيح عبر الأُذنين. هذه طريقةٌ رابعةٌ في الشركة.ـ

السبيل الخامس للشَّرِكة هو عبر الذكرانيّات، أي الأجزاء التي تُقتطع من أجلنا في القدّاس الإلهي، لذلك لا يُمكننا أن نذكر (في الذبيحة) أولئك المدمنين على الكحول، أو الشتّامين، أو الذين يعيشون في المساكنة، أو الهراطقة، أو القتلة، لأنَّ ذلك الجزء الذي يُقتطع يمثل حضور تلك النفس. هذه الأجزاءُ تُقدَّسُ عند الاستحالة، من خلال استدعاء الرّوح القدس. وفي نهاية الخدمة، بعد أن يوضَع في الكأس جزء الحمل الذي عليه اسم يسوع، يقال: “كمال كأس الإيمان بالروح القدس”[5]، وبعدها توضع الأجزاء التي تُقتطع من أجل المؤمنين في الدم الإلهي، في الكأس المقدّسة [6]، هناك حيث يوجد جسدُ المسيح الحي ودمه. من القربانة الرابعة تُقتطع الأجزاء الخاصة بالأحياءِ، ومن الخامسة الأجزاء الخاصة بالراقدين [7]، وتُوضَع في الكأس المقدّسة. من خلال هذه الأجزاء الصغيرة كحبات الطحين والتي تُروّى بالدم الإلهيِّ في الكأس، تقتبل آلاف النفوس، لا بل الملايين، الشركة الإلهية والمباشرة مع يسوع المسيح بجسده ودمه. إذًا هذه هي الطرق الأربعة للشركة عبر سلوك طريق الأعمال الصالحة، والتي لا تحل مكان الأولى (الشَّرِكة بجسد المسيح ودمه) [8].ـ

[1] العنوان الأصلي للحديث هو “الأنواع الخمسة للشَّرِكة”، ارتأيتُ تعديل العنوان ليكون أكثر وضوحاً للقارئ باللغة العربية.ـ

[2] يو 6: 56 ـ

[3] يو 14: 23ـ

[4] رو 10: 17ـ

[5] في الترجمة العربية المستخدمة نقول: “كمال الروح القدس”.ـ

[6] بحسب تقليد الكنيسة الرومانية، توضع الأجزاء الخاصة بالأحياء والأموات في الكأس المقدسة قبل المناولة، وليس بعدها، مع الاحتفاظ بالحمل دون تقطيع إلى أجزاء صغيرة، ويقوم الكاهن أثناء المناولة باقتطاع أجزاء من الحمل لمناولة المؤمنين.ـ

[7] يستخدم الكاهن الروماني لتحضير الذبيحة في القداس الإلهي خمس قرابين.ـ

[8] في حال دنو الأجل (الاحتضار) يركز الأب كليوبا على ضرورة المناولة الإلهية كشركة في المسيح لا بديل عنها. ـ

العظة الثالثة على كولوسي 1: 15-18

للقدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم

ترجمة الأب الحارث إبراهيم

من الضروري بالنسبة لي اليوم، أن أدفع الدين الذي قمت بتأجيله أمس، حتّى أتمكّن من تقديمه لعقولكم عندما تكون في جاهزيّتها الكاملة. كما أظهرنا، يتكلّم بولس عن كرامة الابن، فيقول هذه الكلمات: “الذي هو صورة الله غير المنظور”. على صورة مَن ستعتبرونه؟ على صورة الله؟ إذًا، هو بالضبط كالذي يُمثّله. لأنّه إذا كان يقول على صورة إنسان، فأكون قد تكلّمتُ كمجنون. ولكن إذا كان يقول على صورة الله، فابن الله، على صورة الله، يُظهِرُ الشبه الدقيق له. لماذا لم يتمّ إطلاق تسمية “صورة” أو “ابن”، في أي موضع، على ملاك بل أطلق هاتَين التسميتَين على الإنسان؟ لماذا؟ لأنّه في الحالة الأولى، قد يؤدّي تعظيم طبيعتها فعلاً إلى دفع الكثيرين في الوقت الحاضر إلى العقوق؛ لكن في الحالة الأخرى، الطبيعة الحقيرة والدنيا تحفظ من العقوق، ولن تسمح لأيٍّ كان، حتّى لو رغب في ذلك، أن يشكّ في أي شيء من هذا القبيل، ولا تُقلِّل هذه الطبيعة من شأن “الكلمة” إلى هذه الدرجة. لهذا السبب، حيث تكون الحقارة كبيرةً، يؤكّد الكتاب المقدّس الشرف بقوة، ولكن حيث تكون الطبيعة أعلى، فإنه يتمنّع. “صورة غير المنظور” هو نفسه غير منظور أيضًا، وبطريقة مماثلة غير منظور، وإلّا ما كان صورة. لأنَّ الصورة، بقدر ما هي صورة، حتّى عندنا، يجب أن تكون مطابقة تمامًا للأصل، على سبيل المثال، من حيث السمات والشبه. لكن في الحقيقة، عندنا هنا، هذا غير ممكن على الإطلاق؛ لأنَّ فَنَّ الإنسان يفشل في كثير من النواحي، أو بالأحرى يفشل في كلّ النواحي، إذا ما فحصنا بدقّة. لكن حيث الله، لا يوجد خطأ ولا فشل.ـ

ولكن كمخلوق: كيف هو صورة الخالق؟ لأنّه لل يمكن للحصان أن يكون صورة للإنسان. لأنّه إذا لم تكن “الصورة” تعني الشبه الدقيق لغير المنظور، فما الذي يعيق الملائكة أيضًا عن أن يكونوا صورته؟ لأنّهم هم أيضًا غير منظورين؛ ولكن ليس لبعضها البعض. لكنّ الروح غير منظورة، ولكونّها غير منظورة، تكون ببساطة صورة بحسب هذا المنطق، ولكن ليس كما هو والملائكة صورًا.ـ

“بكر كلّ خليقة”. يقول أحدهم: “يا للعجب. إنّه مخلوق”. منذ متى؟ أخبرنى. لأنّه قال “بكر”؟ لاحظ، إنّه لم يقل “أول خليقة” بل “أول مولود = بكر”. وإلاّ يصبح منطقيًّا أن يُطلق عليه أسماء كثيرة، كأن يسمّى أيضًا أخًا “في كلّ شيء” عبرانيين 2: 17، وأن نأخذ منه كينونته كخالق، ونصرّ على أنّه لا يتفوّق علينا لا في الكرامة ولا في أيّ شيء آخر! ومَن هو الفهيم الذي يمكن أن يقول هذا؟ لأنّ كلمة “بكر” ليست معبرةً عن الكرامة والشرف، ولا عن أيّ شيء آخر، وإنّما عن الزمن فقط. ماذا تعني كلمة “بكر”؟ يجيبون: إنّه مخلوق. حسنًا. إذا كان الأمر كذلك، فللكلمة أيضًا معاني مرادفة. إذ من ناحية أخرى، يكون البكر من نفس الجوهر مع مَن وُلِدَ منهم أولاً. وعليه، سيكون الابن البكر لكلّ شيء – لأنّه مكتوب “كلّ خليقة”؛ لذلك، سيكون الله الكلمة هو بكر (المولود الأول) من الحجارة أيضًا، ومنّي. ولكن مرّة أخرى أخبرني: عن ماذا تعلن كلمات “بكر من بين الأموات” كولوسي 1: 18؛ ورومية 8: 29؟ أليس أنّه هو قام أولاً؟ لأنّه لم يَقُل ببساطة “من بين الأموات”، بل “بكر من بين الأموات”، ولا حتّى قال، “إنّه مات أولاً”، لكنّه قام كَبِكْرٍ من بين الأموات. بحيث لا يعلنون أيّ شيء آخر غير هذا، أنّه هو أول ثمر القيامة. بالتأكيد ليس المقصود أيًّا من هذه هنا. [ليس يقصد الرسول بولس أنَّ يسوع بكرٌ لكونه مولودًا من الآب، بل لأنَّ الخليقة به ظهرَت إلى الوجود. وتاليًا هو يُشير إلى أنَّ يسوع هو بداية الخليقة] بعد ذلك ينتقل إلى العقيدة عينها، لكي لا يفتكروا في أنّ وجوده حديث، لأنّه في الأوقات السابقة كان التواصل من خلال الملائكة، ولكنّه الآن من خلاله. لقد أوضح أولاً أنّه لم يكن لديهم قدرة (وإلا لما أنقذهم من سلطان الظلمة، الآية 13)، ثمّ بعد ذلك، يقول هو أيضًا كان قَبلَهم. ويستخدم كدليل على وجوده قَبلَهم، هذه العبارة أنّه “خلقهُم”. لأنّه “فيه”، كما يقول، “خُلِقَ الكلّ”. فماذا يقول هنا أتباع بولس الساموساتي؟ [يعتبر بولس الساموساتي الكلمةَ الإلهيّ والحكمة صفات وليس شخصًا. لذلك فشخص ربّنا ببساطة بشريّ تحت تأثير إلهي.] لقد وضع في المرتبة الأولى “ما في السماوات”، أي ما كان السؤال عنه مطروحًا، ثمّ “ما على الأرض”. ثمّ أردف يقول “ما يُرى وما لا يُرى”. ما لا يُرى، مثل الروح، وكلّ ما خُلِقَ في السماء؛ وما يُرى، مثل الإنسان والشمس والسماء، “سواء كان عروشًا”، مؤكّدًا ما هو مشكوك فيه وتاركًا ما هو معروف. “سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ”. نفهم من كلمَتَي: “سواء” و “أم”، الكلّ. وهكذا بالكلام عن الأشياء الأعظم يُظهِر أنّها تشمل الأقلّ أيضًا. لكنّ الروح ليست من بين “السلاطين”. لقد قال: “الكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ”. يا للعجب، “فيه” (الآية 16 “فِيْهِ خُلِقَ الكُلّ”) تعني “به”، لأنّه إذ قال “فيه” أضاف هنا “به”. ولكن ماذا تعني “له”؟ المعنى هو هذا: الكُلّ يَعتمد عليه من أجل ديمومته. ليس أنّه هو نفسه أخرجهم من العَدَم إلى الوجود فقط، بل هو نفسه يحفظهم الآن، بحيث أنّه لو كانت العناية الإلهيّة نبذتهم، لعادوا إلى العدم من ساعتهم وفنوا. وهو لم يَقل إنّه “يجعلهم يستمرّون”، والتي كانت طريقة أكثر جرأة في الكلام، بل ما هو أكثر دقة: “إنّهم يعتمدون عليه“. أن يكون الاعتماد عليه فقط كافٍ لأن يجعل أيّ شيء مستمرًا ويرتبط به بسرعة. هكذت أيضًا كلمة “بكر”، بمعنى الأساس. لكنّ هذا لا يُظهر المخلوقات أنّها من ذات جوهره، بل أنَّ الكلّ به، وأنّها قائمة فيه. لأنَّ بولس، عندما يقول في مكان آخر: “لَقَدْ وَضَعْتُ الأساس” (1 كورنثوس 3: 10)، لم يكن يتحدّث عن الجوهر، بل عن العمل. ولكي لا تَفتكر به أنّه خادم، يقول إنّه يجعلهم يستمرّون، وهذا لا يَقِلُّ شأنًا عن خلقهم. بالتأكيد، معنا هي حتّى أعظم: إذ بالنسبة للسابق، فإنّ المبادئ تَهدينا، لكن ليس كذلك بالنسبة إلى الأخير، إذ لا يبقى شيئًا منحلاً.ـ

يقول: “الذي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ”. هذا يليق بالله. أين بولس الساموساتي؟ ويقول أيضًا: “وفيهِ يَقُوْمُ الكُلّ”، أي إنّها مخلوقة فيه! يُكرِّر هذه التعبيرات في تسلسل وثيق، وكأنَّ تعاقبها الوثيق يعمل كطرقات سريعة تقتلع العقيدة المُميتة من الجذور. لأنّه حتّى لو أنَّ الإعلان عن مثل هذه الأشياء العظيمة قد تمّ، ينبت بعد فترة طويلة بولس الساموساتي، فكم [سيكون الحال] أعظم، إنْ لم تكن هذه الأشياء قد قيلَت من قَبْلُ؟ يقول: “وفيهِ يَقُوْمُ الكُلّ”، كيف تقوم (تتكوَّن) في مَن لم يكن، لأنَّ ما تمّ في الملائكة تمّ من خلاله؟

“وَهُوَ رَأسُ الجَسَدِ: الكَنيسَةِ”. إذ تحدَّث عن كرامته، يتكلّم بعدها عن حُبّه للإنسان أيضًا. يقول: “هُوَ رَأسُ الجَسَدِ: الكَنيسَةِ”. ولم يقل “[رأس] الملء” [المسكونة هي المقصودة بالملء هنا، مثلما يقول الرسول بولس في 1 كورنثوس 10: 26 “للرب الأرض وملأها τοῦ πληρώματος”]، (بالرغم من أنّ هذا مشارٌ إليه أيضًا)، بدافع من الرغبة في إظهار مودّته الكبيرة لنا، لأنّه وهو فوق، وفوق الكلّ، يربط نفسه مع أولئك الذين أدناه. لأنّه هو الأول في كلّ مكان: هو الأول فوق، والأول في الكنيسة، لأنّه هو الرأس، وهو الأول في القيامة. وفي قوله: “لكي يكون متقدِّمًا في كُلِّ شَيءٍ” (الآية 18)، يكون هو الأول أيضًا في الأجيال. وهذا ما كان بولس يسعى لإظهاره بشكلٍ رئيسيّ. لأنّه إن كان حسنًا أنّه كان قَبل جميع الملائكة، فمن ثمّ تكون النتيجة المواكبة أيضًا أنّه قام بأعمالهم من خلال أمرته لهم. وكم هو رائع حقًا، أنّه أشار إلى أنّه هو الأول في الأجيال اللاحقة. ومع أنّه يدعو آدم، في مكان آخر، أولاً (1 كورنثوس 15: 45): “صار آدَمُ، الإنسانُ الأولُ”، وهو هكذا في الحقيقة، لكنّه هنا يجعل الكنيسة مكان الجنس البشريّ بأكمله، فهو الأول من الكنيس، والأول من الناس بحسب الجسد، كأول الخلق. وعلى هذا، فهو يستخدم هنا كلمة “بكر”.ـ

فما هو معنى “بكر” في هذا الموضع؟ مَن الذي خُلِق أولاً، أو قام قبل الكلّ، كما كان المعنى في الآية السابقة “الذي هو قَبْلَ كُلِّ شيء”. وهنا يستخدم في الواقع كلمة “الثمرة الأولى” قائلاً: “مَن هو الثمرة الأولى، بكر من بين الأموات، لكي يكون هو مُتقدِّمًا في كلّ شيء”. موضحًا أنَّ الباقين هم أيضًا مثله؟ لكن في المقام الأول ليس الثمرة الأولى للخليقة. وهناك، هو صورة الله غير المنظور، ثمّ “بكر”.ـ

الآية 19 و20. لأنَّ الآبَ سُرَّ أنْ يَحُلَّ فيه كُلُّ الملء. وإذ صنع السلام بدم صليبه، لكي يُصالِحَ بِهِ الكُلَّ لنفْسِه، سواء ما كان على الأرض، أم ما في السماوات”.ـ

كلُّ ما للآب، يقول إنّه للابن أيضًا، وذلك بكثافة أكبر، لأنّه قد مات عنّا وأَتْحد نفسه بنا. قال “الثمرة الأولى” كأنّه من الثمر. لم يقل “القيامة”، بل “الثمرة الأولى”، مُظهِرًا أنَّه قدَّسَنا جميعًا، وكأنّه قدَّمَ لنا ذبيحة. يعتبر البعض أنَّ مصطلح “الملء” يشير إلى الله، كما قال يوحنا، “ومِن ملئه كُلّنا أخذنا”. إذًا، أيًّا كان الابن، الابن كُلُّه حَلَّ هناك، وليس نوع من القوى، بل جوهر.ـ

ليس لديه سبب إلا مشيئة الله: لأنَّ هذا هو المغزى من قوله “فيه سُرَّ … ويصالح به الكُلَّ لِنَفْسِه”، خشية أن تعتقد أنّه اتَّخَذ رتبة خادم فقط، قال: “لنفسه” (2 كورنثوس ٥: ١٨). ومع ذلك يقول في مكان آخر، إنّه صالحنا مع الله، كما كتب في رسالته إلى الكورنثيّين [“18ولكنَّ الكلَّ مِنَ الله، الذي صالحَنا لنَفْسِه بيسوع المسيح، وأعطانا خِدمةَ المصالحة، 19أي إنَّ اللهَ كان في المسيح مصالِحًا العالَم لنفسِه، غير حاسِبٍ لهم خطاياهم، وواضعًا فينا كَلِمَةَ المصالحة” (2 كور 5: 18 و19)]. وقال حسناً “به لينهي المصالحة”. لأنّهم كانوا قد تصالحوا بالفعل، بل يقول بالتمام، بحيث لن تكون في عداوة معه في ما بعد. كيف؟ لأنّه ليس أنَّ المصالحة انطلَقَت فحسب، بل أيضًا طريقة المصالحة. “إذ صنع السلام بدم صليبه”. تُظهِر كلمة “مصالحة” أنَّ هناك عداوة، كما تُظهِرُ كلمة “صنع السلام” أنَّ هناك حربًا. “وإذ صنع السلام بدم صليبه، بنفسه، سواء ما كان على الأرض، أم ما في السماوات”. إنَّ المصالحة أمرٌ عظيم حَقًّا، فإن تمّمها بنفسه فهي أيضًا أعظم؛ وأعظم بكثير – كيف بنفسه؟ بدمه. بدمه، ولم يقل بدمه فقط، بل بما هو أعظم، بالصليب. حتّى صارت خمسٌ تدعو للعجب: صالحَنا، مع الله، بنفسه، بالموت، بالصليب. مثير للعجب مرّة أخرى! كيف خلطهم! فلئلا تظنّ إنّه أمرٌ واحد فقط، أو أنَّ الصليب هو شيء في حَدِّ ذاته، قال: “بنفسه”. ما مقدار معرفته أنَّ هذا كان أمرًا عظيمًا. لأنّه ليس بالكلام، بل بإعطاء نفسه للمصالحة، هكذا أبدع الكلّ.ـ

ولكن ما هي “ما في السماوات”؟ لأنّه بالعقل فعلاً يقول: “ما على الأرض”، لأنَّ أولئك كانوا ممتلئين عداوة، ومتعدِّدي الإنقسامات، وكان كلّ واحد منّا في اختلاف تامّ مع نفسه، ومع الكثيرين، لكن كيف صنع السلام بين “ما في السماوات”؟ هل كانت هناك معركة وحربٌ أيضًا؟ فكيف نصلّي إذًا قائلين: “لِتَكُن مشيئَتُكَ كما في السماء كذلك على الأرض”؟ (متّى 10: 6) ما هو إذن؟ انفصلَت الأرض عن السماء، وأصبح الملائكة أعداءً للناس، لرؤيتهم الربَّ مُهانًا. قال في أفسس 1: 10: “ليجمَعَ كُلَّ شيءٍ في المسيح، ما في السماوات، وما على الأرض”. كيف؟ ما في السماء فعلاً هكذا: لقد نقل الإنسان إلى هناك، لقد أحضر إليهم العدو الذي يكروهنه. لم يكتفِ بصنع السلام بين ما على الأرض، بل أحضر إليهم مَن كان عدوهم وخصمهم. هنا كان السلام عميقًا. فعادت الملائكة للظهور مرة أخرى على الأرض بعد ذلك، لأن ذاك الإنسان عاد فظهر أيضًا في السماء. ويبدو لي أنَّ بولس قد اختُطِفَ بهذا الأمر (2 كورنثوس 12: 2) [“أعرِفُ إنسانًا في المسيح قَبلَ أربع عشرةَ سنةً. أفي الجسد؟ لستُ أعْلَم، أمْ خارج الجسد؟ لستُ أعْلَم. الله يعلَم. اختُطِفَ هذا إلى السماء الثالثة”]، ولكي يُظهِر أنّ الابن أيضًا قد استُقبِلَ هناك. لأنّه في الحقيقة كان السلام في الأرض ذا شِقَّين: مع ما في السماء وفي ما بينهم؛ في حين أنَّ السلام كان في السماء بسيطًا. لأنَّه إذا كانت الملائكة تبتهج بخاطئٍ واحد يتوب، فكم بالأكثر سيبتهجون بكثيرين!ـ

يقول: إذا كانت قوة الله قد عملَت كلّ هذا، لماذا إذن تضعون ثقتكم في الملائكة؟ لأنّهم حتّى الآن كانوا بعيدين جدًّا عن قَبولهم بقربكم، إذْ كانوا أعداءكم الأبديّين، لولا أنّ اللهَ نفسه قد صالحكم معهم. فلماذا تركضون إليهم؟ هل تعرف مدى الكراهية التي كان الملائكة يكنّونها لنا، كم كانت عظيمة، وكيف كانوا ينفرون منّا دائمًا؟ لقد أُرسلوا للانتقام في قضيّة بني إسرائيل، وداود، والصادوميّين، ووادي البكاء. (خروج 23: 20). لكنّهم ليسوا كذلك الآن، بل على العكس من ذلك، رنّموا على الأرض (2 صموئيل 24: 16) بفرح شديد. وهو الذي أحدرهم إلى الناس (تكوين 19: 13)، وأصعد الناس إليهم.ـ

وأصلّي من أجلكم لتلاحظوا المذهل في هذا: لقد أتى بهؤلاء إلى هنا أسفل، ثمّ أصعد الإنسان إليهم، فأصبحت الأرض سماء، لأنَّ تلك السماء كانت على وشك استقبال ما على الأرض. لذلك، نقول عندما نشكر: “المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض سلام، وللناس المسرّة”. يقول: أنظروا، حتّى الناس بدوا سعداء به بعد ذلك. ما هي “المسرّة”؟ (أفسس 2: 14؛ التثنية ٣٢: ٨، السبعينيه) هي المصالحة. لم تَعُد السماء جِدارًا فاصلاً. في البداية كانت الملائكة حسب عدد الأمم، لكنّهم الآن، ليسوا بعدد الأمم، بل بعدد المؤمنين. مِن أين يتّضح هذا؟ إسمع المسيح قائلًا: “أنظروا، لا تَحتَقروا أحد هؤلاء الصغار، لأنّ ملائكتهم ينظرون كلَّ حين وَجْهَ أبي الذي في السماء”. (متّى 18: 10) لأنّ لكلّ مؤمن ملاك. لأنّه حتّى منذ البداية، كان لكلّ مَن اعتُمِدَ ملاكه، كما يقول يعقوب: “الملاك الذي يُطعمني، ويخلّصني منذ شبابي”. (تكوين 48: 15-16)، فإذا كان عندنا ملائكة، فلنكن متيقّظين، كما لو كنّا في حضور معلّمين؛ لأنّه يوجد شيطان أيضًا. لذلك نصلّي، نطلب ملاكَ سلامٍ، وفي كلّ مكان نطلب السلام (لأنّ لا شيء يعادله): يمنح للكنيسة السلام، في الكنائس، في الصلوات، في الطلبات، في التحيات؛ مرّة، ومرّتين، وثلاث مرّات، ومرّات عديدة، حين يقول: “السلام لكم”. لماذا؟ لأنَّ هذا هو أمّ كلّ الصالحات. هذا هو أساس الفرح. لذلك، أمر السيّدُ المسيحُ الرسلَ أنّهم عند دخولهم إلى المنازل يقولون هذا على الفور، باعتباره رمزًا للأشياء الصالحة. فقد قال: “عندما تدخلون إلى منزل، قولوا: السلام لكم”. لأنّه حيثما يكون هذا مطلوبًا، لا نفع من أي شيء آخر. وقال السيّد المسيح لتلاميذه: “السلام أترك معكم، سلامي أعطيكم”. (يوحنا 14: 27) هذا يُمَهِّدُ الطريق للحبّ. والناظر على الكنيسة [المتقدِّم الذي يرأس العبادة ὁπροεστὼς]، لا يقول ببساطة: “السلام لكم”، بل: “السلام لجميعكم”. ماذا لو كان لدينا سلام مع هذا الإنسان، ولكن مع غيره، حرب وقتال؟ ما هو الربح؟ لأنّه هل من الممكن الحفاظ على الصحة، إذا كانت بعض عناصر الجسد في حالة راحة وأخرى في اختلاف، بل فقط عندما تكون كلّها في انتظام جيد، ووئام، وسلام؟ فإن لم تكن كلّها في راحة، ومستمرة في حدودها الصحيحة، ستنقلب كلّها. وعلاوة على ذلك، إنْ لم تكن كلّ الأفكار في أذهاننا في حالة راحة، لن يوجد السلام. السلام هو الخير العظيم، بحيث أنَّ صانعيه ومخرجيه، بمنطق، يُدعَون أبناء الله (متّى 5: 9 و45)؛ لأنَّ ابن الله من أجل هذا السبب جاء على الأرض، ليثبّت السلام في ما في الأرض، وفي تلك التي في السماوات. فإذا كان صانعو السلام هم أبناء الله، فإنَّ صانعي الاضطراب هم أبناء الشيطان.ـ

ماذا تقول؟ هل تثير الإدّعاءات والقتال؟ وهل يسأل أحدهم مَن هو غير سعيد؟ هناك الكثيرون الذين يفرحون بالشر، والذين يمزّقون جسد المسيح، أكثر من طعنة الجند بالحربة، أو من ثقب اليهود له بالمسامير. ذاك كان أقلَّ شرًّا من هذا. أولئك الأعضاء المقطوعين، اتّحدوا مرّة أخرى، لكنّ هؤلاء المفصولين، إذا لم يتمّ توحيدهم هنا، فلن يتمّ توحيدهم أبدًا، بل سيبقون بعيدين عن الملء. عندما تفكّر في شنّ حرب ضدّ أخيك، تصوَّر أنّك تحارب أعضاء المسيح، وتوقّف عن جنونك. ماذا لو كان منبوذًا؟ ماذا لو كان دنيئًا؟ ماذا لو كان معرّضًا للاحتقار؟ هكذا يقول هو: “ليست إرادة أبي أن يهلك أحد هؤلاء الصغار”. (متّى ١٨: ١٤) وأيضًا: “إنَّ ملائكتهم ينظرون دائمًا وجه أبي الذي في السماء”. (متّى 18: 10) الله أصبح عبدًا من أجله ومن أجلك أيضًا، وذُبح، أفأنت تعتبره لا شيء؟ بالتأكيد، أنت بهذا تحارب الله، من خلال إصدارك حُكمًا مخالفًا لحُكمه. عندما يدخل الناظر على الكنيسة، يقول من فوره: “السلام لجميعكم”، وعندما يعظ: “السلام لجميعكم”، وعندما يبارك: “السلام لجميعكم”، وعندما يحَيّي: “السلام لجميعكم”، وعندما تنتهي الذبيحة: “السلام لجميعكم”: وأيضًا في الوسط: “نعمة لكم وسلام”، أفلا يكون ذلك وحشيًا، إذا كنا نسمع أنَّ علينا أن نكون في سلام مرات كثيرة إلى هذا الحدّ، ونكون في حالة من الخلاف مع بعضنا البعض؟ أفلا نكون في حالة حرب مع الذس يعطينا السلام حين نأخذ السلام ونردّه؟ أنت تقول: “ومع روحك”، أترميه خارجًا؟ ويحي! أنَّ استخدامات الكنيسة المهيبة أصبحت مظاهر فقط، وليست حقيقة. وَيحي! أن كلمات سرّ هذا الجيش لا تتعدّى كونها مجرّد كلمات. فإنْ كنت تجهل أيضًا قول المسيح: “السلام لجميعكم”، اسمع ما يعقبه: “وأيّ مدينة أو قرية تدخلونها … عند دخولكم إلى البيت، تحيّونه، فإن كان المنزل مستحقًا، يأتي سلامكم عليه، وإنْ لم يكن مستحقًا، يعود سلامكم إليكم”. (متّى 10: 11 و13) لذلك نحن جهلة، لأنّنا نعتبر هذا مجرّد صورة من الكلمات، ولا نؤيّدها في أذهاننا. فهل أنا أعطي السلام؟ إنّه المسيح الذي يتنازل ليتكلّم بنا. حتّى لو كنّا في جميع الأوقات الأخرى خالين من النعمة، لسنا نخلو منها الآن، من أجلكم. لأنّه إن كانت نعمة الله قد فعَلَت في حمارٍ ورائٍ، من أجل تدبير ومنفعة الإسرائيليّين (عدد 22)، فمن الواضح تمامًا أنّها لن ترفض العمل حتّى فينا، بل من أجل مصلحتكم سوف تحتمل حتّى هذا.ـ

فلا يقل أحدٌ عنّي إنّي خسيس ودنيء ولا أستحق أيّ اعتبار، ويستمعني بهذه الذهنيّة. وإنْ كنتُ أنا هكذا، لكن طريقة الله دائمًا هي هذه: أن تكون حاضرةً مع أمثالي من أجل الكثيرين. ولعلّكم تعرفون هذا، أنّه قَبِل أن يتكلَّم مع قايين من أجل هابيل (تكوين 4)، ومع الشيطان من أجل أيوب (أيوب 1)، ومع فرعون من أجل يوسف (تكوين 41)، ومع نبوخذنصَّر من أجل دانيال (دانيال 2؛ 4)، كما ومع بيلشاصّر من أجل دانيال أيضًا (دانيال 5)، وأعطى إعلانًا للمجوس (متّى 2)، وتنبّأ في قيافا، رغم أنّه قاتل المسيح، ورجل غير مستحق، بسبب استحقاق الكهنوت. (يوحنا ١١: ٤٩) ويقال إنّ هارون لم يُضرب بالجُذام [البرص] لهذا السبب. أخبرني، لماذا، عندما تطاول كلاهما [مريم وهارون أخوَي موسى] بالكلام على موسى، نالت وحدها العقاب؟ (عدد 12) لا تتعجّب: لأنّه، من حيث الكرامة الدنيويّة، إذا تمّ رفع عشرة آلاف دعوى ضدّ إنسان، فلا يُقدَّم للمحاكمة قَبل أن يترك منصبه، حتّى لا يُلام شرف المنصب معه؛ الأمر أهمّ بكثير من جهة المنصب الروحيّ، أيًّا كان شاغله، لأنَّ نعمة الله تعمل فيه، وإلّا فُقِدَ كُلُّ شيء. لكن مَتَى ترك منصبه، سواء توفّي أو حتّى ههنا، حينئذٍ سينال عقابًا أمرّ فعلاً.ـ

أتوسَّل إليكم ألّا تفتكروا أنَّي أتكلَّم هذه الأمور من عندي، بل هي نعمة الله التي تعمل في غير المستحق، ليس من أجلنا، بل من أجلكم. فاسمعوا إذن ما يقوله المسيح: “إذا كان المنزل مستحقًّا، فيأتي سلامكم عليه”. (متّى 10: 13-15) وكيف يصبح مستحقًّا؟ كما يقول: “إذا استقبلوكم” (لوقا 10: 8). أمّا إنْ لم يستقبلوكم، ولم يسمعوا كلامكم، … فإنّي الحقّ أقول لكم: إنّه يكون لأرض سدوم وعمورة في يوم الدينونة حالةً أكثَرَ احتمالاً مِمّا لتلك المدينة”. ما الذي يجعلك تستقبلنا إذن، ولا تسمع ما نقول؟ ما هو المكسب الذي تنتظره منّا، ولا تهتمّ بما نتكلّم به معك؟ هذه الخدمة الرائعة، النافعة لكم ولنا، ستكون شرفًا لنا، إن سمعتمونا. واسمع أيضًا قول بولس: “لم أكُنْ أعرف، أيّها الإخوة، أنّه رئيس كهنة”. (أعمال الرسل ٢٣: ٥) واسمع أيضا قول المسيح: “اعملوا بكل ما يوصونكم به” (متّى ٢٣: ٣)، فالوصية والعمل لا يحقّرانني أنا بل الكهنوت. احتقرني إذًا عندما تراني مُجَرِّدًا من الكهنوت، إذ حينها لن أجرؤ على فرض وصايا. لكن طالما نحن نجلس على هذا العرش، طالما أنَّ لدينا المركز الأول، فلنا الكرامة والقوة كليهما، بالرغم من عدم استحقاقنا. إذا كان لعرش موسى كلّ هذا التوقير، لدرجة أنّهم يطيعونه بسبب المقام، فكم بالأحرى أكثر عرش المسيح، الذي استلمناه بالتسلسل، والذي منه نتكلّم، منذ أن عَهَدَ لنا المسيح بخدمة المصالحة.ـ

يتمتّع السفراء، مهما كان نوعهم، بسبب كرامة السفارة، بشرف كبير. من أجل الوصيّة يذهبون بمفردهم إلى قلب أرض البرابرة، وسط أعداء كثيرين؛ ولأنّ قانون السفارة يتمتّع بقوة هائلة، يكرّمهم الجميع، وينظر الجميع إليهم باحترام، وجميعهم يرسلونهم بأمان. وها نحن الآن تلقينا كلمة سفارة، وقد أتينا من الله، لأنَّ هذه هي كرامة الأسقفيّة. لقد أتينا إليكم بسفارة، طالبين منكم وضع حَدٍّ للحرب، ونحن نقول شروطها؛ غير واعدين بإعطاء مدن، ولا كميات كثيرة من الحبوب، ولا عبيد، ولا ذهب؛ بل ملكوت السماوات، والحياة الأبديّة، والاجتماع إلى المسيح، والصالحات الأخرى، التي لا نستطيع أن نخبركم بها، طالما نحن لا نزال في هذا الجسد، والحياة الحاليّة. إذاً نحن سفراء، ونودّ أن نتمتّع بالشرف، ليس من أجل مصلحتنا الخاصّة، لا سمح الله، لأنّنا نعرف عدم جدواها؛ بل من أجلكم، لكي تسمعوا بجدّية ما نقوله، حتّى تنتفعوا، لكي لا تحضروا للإستماع إلى ما يقال بعدم اكتراث أو لامبالاة. ألا ترون سفراء، وكيف يبجّلهم الجميع؟ نحن سفراء الله إلى الناس. لكن، إن كنت منزعجًا، فمن رئاسة الأسقفيّة، وليس منّا، وليس من هذا الإنسان أو ذاك، بل من الأسقف. لا يَسمعني أحدٌ إلا الكرامة. لنعمل كل شيء إذًا وِفقًا لإرادة الله، حتّى نعيش لمجد الله، ونُحسَب مستحقين الخيرات التي وعد بها أولئك الذين يحبّونه، من خلال النعمة والمحبة، إلخ.ـ

Source. Translated by John A. Broadus. From Nicene and Post-Nicene Fathers, First Series, Vol. 13. Edited by Philip Schaff. (Buffalo, NY: Christian Literature Publishing Co., 1889.) <https://ccel.org/ccel/schaff/npnf113.iv.iv.iii.html> .Revised and edited for New Advent by Kevin Knight. <http://www.newadvent.org/fathers/230303.htm>.

رسالة إلى والدته

الأرشمندريت نيكن من دير أوبتينا

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

المسيح بيننا، أمّي الغالية

أطلب لك بحرارة السلامَ والفرح بالرب وأطلب صلواتك المقدسة وبركتك الوالدية

ماذا أكتب عن نفسي؟ أنا حيّ وبحال جيد، ولا احتياجات محددة عندي، أحصل على كل ما أحتاجه، أعمل قليلاً كأمين سرّ، ومنشغل بأمور مختلفة في الدير وبالغالب أمور تتعلّق بحياة الشركة بشكل عام: أرتّل مع الجوقة، وفي النهاية، أخدم واقفاً أمام مذبح الرب المقدّس

بالنسبة لحياتي الداخلية، قلايتي ونفسي، لا يستطيع أي كان أن يعرف ذلك. قلايتي طولها خمس ياردات وعرضها ثلاثة ونصف. هذه القلاية أعزّ عندي من كل البيوت والقاعات الفاخرة

أما عن الحياة المشتركة، فهذا أمر معقد لكنه في الوقت نفسه بسيط. معقّد لأن من الصعب أن نضع على الورق كيف تحول الدير السابق بالإضافة إلى كل ما نعمل ونختبر. لكنه بسيط لأنه إن لم يبنِ الرب البيت باطلاً يتعب البناؤون كما يقول المزمور (1:126). نعم على المرء، مدفوعاً بالفطرة السليمة، أن يتخذ التدابير الممكنة التي لا تخالف الروح المسيحية والحياة الرهبانية. لكن في اتخاذها عليه أن ينتظر النجاح بالكامل من يد الله

يقول التيه البشري: سوف نعمل، سوف نحقق، ونروح نبني برج بابل، نطلب من الله حساباً عن أعماله، نرغب في أن يكون الكون بتصرّفنا، نحلم بالعروش فوق الغمام، لكن ما من شيء أو أحد يخضع لنا، ويثبُت عجز الإنسان بجلاء كامل في الخبرة المرّة. وإذ قد لاحظتُ هذه الخبرة في تاريخ الأيام القديمة الغابرة كما في الأزمنة الحديثة، استنتجتُ أن طرق تدبير الله هي بالنسبة لنا كاكتشاف الماضي، لا نستطيع فهمها ولهذا علينا أن نستسلم بكل تواضع إلى مشيئة الله

من ثم ثانياً، لا يستطيع أي شيء أو أيٌّ كان أن يؤذي إنساناً إن لم يؤذِ هو نفسَه. وعلى العكس، إن لم يتحاشَ الإنسان الخطيئة فإن ألف وسيلةِ خلاص لن تسعِفَه. وبالتالي فإن الشر الوحيد هو الخطيئة: يهوذا سقط بحضور المخلّص، لكن لوط البارّ خلُص فيما كان يعيش في سدوم. هذه الأفكار ومثلها تأتي إلى رأسي أثناء تعلّمي من قراءة الآباء القديسين وعندما أتطلع فكرياً إلى ما يحيط بي

ماذا سوف يحدث؟ كيف سوف يحدث؟ متى سوف يحدث؟ إن حدث كذا وكذا إلى أين ينبغي أن يميل المرء؟ إن جرى كذا وكذا أين سوف يجد المرء القوة الروحية والتعزية؟ أيها الرب السيد! ويتملّك النفسَ ارتباك عاتٍ عندما تتمنين أن تري مسبقاً كل ما هو في فكرك، أن تلجي إلى سر المستقبل المجهول ولكن المرعِب. يُرهَق الفكر، والخطط والأساليب التي اجترحها هي وهم طفولي وحلم جذاب. يستفيق الرجل وقد اختفى كل شيء بعيداً بالواقع القاسي وكل مخططات الإنسان قد تدمّرت. أين هو الرجاء؟ إن رجاءنا هو في الله

الربّ رجائي وملجئي. في تسليمي ذاتي وكل شيء آخر لمشيئة الله، تتحقق مشيئة الله فيّ، وهي دوماً حسنة وكاملة. إذا كنتُ لله فالرب يدافع عني ويعزّيني. إذا أرسِل إلي بعض التجارب لخيري، فليكن الرب مباركاً لأنه رتّب لخلاصي. حتى في وسط الأحزان الرب قادر على أن يمنح التعزية العظيمة والمجيدة… هكذا أفكّر وهكذا أشعر وهكذا أراقب وأؤمن

لا تفتكري من هذا أني اختبرتُ الكثير من الأحزان والتجارب. لا، يبدو لي أنني لم أرَ اي حزن بعد. إذا كنتُ قد عبرتُ في بعض الأمور التي بدت لي من نظرة سطحية أنها محزنة، فإنها لم تسبب لي أي ألم كبير في القلب ولا سببت لي أي حزن وبالتالي أنا لا أسمّيها أحزان. لكني لا أغلق عيني عن ما يجري ولا عن المستقبل كما لتجهيز نفسي للتجربة، لكي أستطيع أن اقول بكلمات المزمور: هيأت نفسي ولم أرتبك

ـ…ولكن، من دون أي شك، لن يحصل شيء إلا بإرادة الله سواء لي أو لنا جميعاً، ولهذا أنا هادئ. وعندما تكون نفس الإنسان هادئة ماذا يطلب أكثر؟

لقد عدت لتوي من السهرانية وها أنا أنهي هذه الرسالة التي بدأتها قبل السهرانية. يا للسعادة يا إلهي! أي كلمات رائعة تُعلَن لنا في الكنيسة؟ يشعر الإنسان حسياً بالسلام والسكون وروح القداسة في الكنيسة. ينتهي القداس والكل يرجع إلى بيته، وأنا خرجت من الكنيسة

إنها ليلة مدهشة مع برد خفيف. القمر بشعاعاته الفضية يخضل زاويتنا الصغيرة الهادئة. ذهبت إلى مدافن الشيوخ الراقدين، سجدت لهم، وطلبت معونتهم في الصلاة ولهم طلبت من الرب الغبطة الأبدية في الملكوت. هذه المدافن تقول الكثير لعقلنا وقلبنا. من هذه التدوينات الباردة يأتي نَفَسٌ من الدفء. أمام نظرة فكري العقلية تنتصب هناك الصور الرائعة لعمالقة الروح الراقدين

خلال هذه الأيام تذكرت الأب برصنوفيوس مرات كثيرة. تذكرت كلماته والإرشاد الذي أعطاني إياه مرة، وربما اكثر. لقد قال لي: “يحثنا الرسول: “جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَانِ؟” (2كورنثوس 5:13)، ويتابع: “لاحظ ما يقول الرسول نفسه: قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ، وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ” (2تيموثاوس 7:4-8). نعم إن حفظ الإيمان وصونه لأمر عظيم. لهذا أقول لكم أيضاً: “امتحنوا أنفسكم إذا أنتم في الإيمان. إن حفظتم الإيمان فيمكنكم أن ترجوا الرجاء الحسن بحصتكم”ـ

عندما قال لي الشيخ السابق رقاده كل هذا، وقد تكلّم حسناً وبحماس، وكما أذكر كان الوقت مساءً، وعلى ضوء هادئ من قنديل على شكل أيقونة في قلايته العزيزة الدافئة، أحسست أنه كان يقول شيئاً رائعاً سامياً وروحياً. تمسّك فكري وقلبي بكلماته بشوق. لقد سمعتُ هذه الاقتباسات من الرسول قبلاً لكنها لم تحرّك فيّ هذا التفاعل ولا هذا الانطباع

لقد بدا لي أن “حفظ الإيمان” كان شيئاً مختلفاً. أنا أؤمن، وبطريقة أرثوذكسية، وليس لديّ أي شكوك في ما يتعلّق بالإيمان. لكن هنا شعرت بأن في هذا الاقتباس شيء عظيم، وفي الحقيقة أنه عظيم بالرغم من كل التجارب وكل خبرات الحياة وكل الأشياء المخيّبة، الحفاظ على الإيمان المقدس في قلب الإنسان غير منطفئ، وغير منطفئ حتى إلى الموت، إذ يُقال: لقد أتممت السعي، أي أن قد عشت كل الحياة الأرضية، وقد انتهت، قطعت ما كان عليّ قطعه، أنا الآن على حدود الحياة الأرضية، خلف القبر حياة أخرى سوف تبدأ، وهي الحياة التي تمّت تهيئتها لي بالإيمان الذي حفظته. لقد أتممتُ السعي وحفظت الإيمان. وقد أعطاني شيخي الرائع كعهد منه عليّ بأن أتفحّص نفسي بين الحين والآخر في حقائق الإيمان الأرثوذكسي حتى لا أكون عن غير انتباه قد انحرفت عنها. لقد نصحني، من بين جملة أشياء، أن أقرأ التعليم الأرثوذكسي للميتروبوليت فيلاريت وبأن أتآلف مع اعتراف الإيمان الأرثوذكسي لبطاركة الشرق

الآن، عندما اهتزّت أسس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، رأيت قيمة تعليم الشيخ هذا. الآن، يبدو أن وقت الامتحان قد أتى لنرى إن كنا في الإيمان أم لا. الآن على المرء أن يعرف أن مَن يستطيع الحفاظ على الإيمان هو مَن يؤمن بحرارة وبإخلاص والذي عنده الله أغلى من كل شيء، وهذا يثبت فقط عندما يحفظ نفسه عن كل خطيئة ومَن يحافظ على حياته الأخلاقية. أيها الرب، احفظني بالإيمان بنعمتك

إن فكرة أن الإيمان يُحفَظ فقط بالحياة الأخلاقية الحسنة ليست فكرتي؛ إنها تعليم الكتاب المقدس والآباء القديسين. هذا ما يقوله الكتاب المقدس بحسب القديس يوحنا 19:3-21: “إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ السَّيِّئاتِ يُبْغِضُ النُّورَ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى النُّورِ لِئَلاَّ تُوَبَّخَ أَعْمَالُهُ. وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُ الْحَقَّ فَيُقْبِلُ إِلَى النُّورِ، لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللهِ مَعْمُولَةٌ”ـ

المسيح يسمّي نفسه هنا النور. إنه يحاول أن يقنع يهود زمانه بترك طلب المجد من بعضهم البعض، فيما يعملون ما يعجز عن عمله إنسان الإيمان “كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تُؤْمِنُوا وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ مَجْدًا بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَالْمَجْدُ الَّذِي مِنَ الإِلهِ الْوَاحِدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ؟” (يوحنا 44:5)

ويشير الأسقف إغناطيوس بريانشانينوف حول هذه الكلمات الإنجيلية قائلاً بأن هوى المجد الباطل، كغيره من الأهواء، يقضي على الإيمان في القلب البشري: “مثلها، إنه يجعل القلب البشري عاجزاً عن الإيمان بالمسيح والاعتراف بالمسيح…” لهذا أنا أنشد صلواتكم بحرارة لأن يحفظني الرب من كل شر، أي من الخطيئة بكل أشكالها، ومن ثمّ لن يقدر أي ظرف خارجي على إيذائي

لقد رغبت فقط بأن أخبركِ بأني حيّ وبخير وبأني ملتُ إلى كتابة هذه الرسالة أكثر من نيتي ذلك. في كتابتي، بالكاد كنت ألحق بأفكاري وأدوّن ما تمليه لي. كل هذا فاض من قلمي بشكل غير إرادي، وهو يعكس قناعاتي العميقة

فليحفظنا الرب جميعاً. إني أطلب صلوات الجميع، وأنا على حسب قدراتي الواهنة، سوف أذكر الجميع في صلواتي. سامحيني

نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله الآب وشركة الروح القدس لتكن معكم جميعاً. آمين

ـ 15-16 تشرين الثاني 1922. دير أوبتينا. إنها الساعة الثانية ليلاً

أقوال آبائية مختارة لزمن الكورونا

إعداد أسرة التراث الأرثوذكسي

القديس اسحق السرياني

لا يُعتَبَر حكيماً مَن يحكم فكرَه الخوف بسبب الأمور الدنيوية

القديس سلوان الأثوسي

أخبرني أحد الرهبان أنه عندما كان مريضاً جداً سمع أمه تقول لأبيه ’كم يعاني طفلنا! أنا مستعدة أن أقدّم نفسي بفرح لأقطّع إرَباً إن كان هذا يخفف ألمه’. هكذا هي محبة الله لشعبه. إنه يشفق على الناس كثيراً حتّى أنه يريد أن يتألّم عنهم، كمِثل أمهم، لا بل وأكثر. لكن ما من أحد يفهم هذه المحبة العظيمة من دون نعمة الروح القدس

القديس يوستينوس بوبوفيتش

إذا كنتَ تتألّم من أجل إيمانك بالمسيح فإن سيَر القديسين تعزّيك وتشجعّك وتجعلك باسلاً وتعطيك أجنحة، وتتحوّل شدائدك إلى فرح. إذا كنتَ في أي نوع من أنواع التجارب فإن سيَر القديسين تساعدك على تخطيها الآن وإلى الأبد. إذا كنتَ في خطر من أعداء الخلاص غير المنظورين فإن سيَر القديسين تسلحّك بسلاح الله الكامل فتسحقهم الآن وعلى مدى حياتك وإلى الأبد. إذا كنتَ في وسط أعداء منظورين ومضطهدي كنيسة المسيح، فإن سيَر القديسين تمنحك شجاعة المعترِف وقوته، فتعترف بلا خوف بالإله الواحد الحقيقي وسيد كل العالم، يسوع المسيح، وتقف ببسالة من أجل حقيقة إنجيله حتى الموت، أي موت، وسوف تشعر بأنك أقوى من كل موت، وأعتى من كل أعداء المسيح المنظورين

القديس باسيليوس الكبير

عندما تجلس لتأكل صَلِّ. عندما تأكل خبزاً أشكره لأنه كريم جداً معك. إذا شربتَ خمراً، تذكرْه هو مَن أعطاك الخمر لتمتعك وإراحتك في المرض. عندما تلبس، اشكره على جودِه في تأمين الثياب لك. عندما تنظر إلى السماء وجمال النجوم، ارمِ بنفسك عند قدمي الله واعبده إذ بحكمته رتّب كل الأشياء بهذه الطريقة. على المنوال عينه، عندما تغرب الشمس وعندما تشرق، عندما تكون نائماً أو صاحياً، أعطِ شكراً لله، الذي خلق كل الأشياء ورتّبَها لخيرك، لكي تعرف خالقها وتحبه وتسبّحه

القديس نيقولا فاليميروفيتش

وحده الأحمق يعتبر أن الألم شر. الإنسان الحساس يعرف أن الألم ليس شراً بل مجرد ظهور للشرّ ودواء منه. الخطيئة وحدها في الإنسان هي الشر الحقيقي، ولا شرّ خارج الخطيئة. كل الأمور الأخرى التي يسمّيها الإنسان شراً ليست كذلك، بل هذ دواء مرّ للشفاء من الشرّ. بقدر ما يزداد مرض الإنسان تزداد مرارة الدواء الي يصفه له الطبيب، حتى أنه في بعض الأوقات، يبدو للمريض أن الدواء أسوأ من المرض نفسه! وهكذا أيضاً يبدو للخاطئ: الألم أصعب وأمرّ من الخطيئة التي ارتُكبَت. لكن هذا هو مجرد وهم، خديعة قوية للذات. ما من ألم في العالم قريب من الخطيئة بالقساوة والبطش. كل الآلام التي يحتملها الناس والأمم ليست سوى الشفاء الغزير الذي تمنحه الرحمة الأبدية للبشر والأمم لتخلّصهم من الموت الأبدي. كل خطيئة، مهما كانت صغيرة، تجلب الموت بشكل حتمي إذا لم تسمح الرحمة ببعض الألم لكي يصحو الناس من سكرة الخطيئة؛ لأن الشفاء الذي يأتي عِبر الألم آتٍ من القوة الممتلئة نعمة، قوة الروح القدس المحيي

داود النبي

لا تخش من خوف الليل ، ولا من سهم يطير فى النهار … يسقط عن يسارك ألوف، وعن يمينك ربوات وأما إليك فلا يقتربون. (مزمور 5:91-7)

القديس برصنوفيوس الكبير

عندما تكون مع الله، لا تخشَ شيئاً، بل ارمِ على الله همَّك، وهو يهتمّ بك. آمِنْ بلا شكّ، والله يساعدك بحسب رحمته

القديس يوحنا الذهبي الفم

لو لم نكن ميالين بشغف إلى المال والمجد الباطل، لما كنا نخاف الموت ولا الفقر. لما كنا نعرف العداوة ولا الكراهية، ولا كنا نتألّم من أحزاننا أو أحزان الآخرين

القديس أمبروسيوس أوبتينا

علينا ألا ننسى في زمن التعقيدات هذا أنه حتّى الأطفال متأذّون روحياً من ما يسمعون ويرون. بالنتيجة، التنقية مطلوبة وهي لا تتحقق إلا بالألم الجسدي… يجب أن تفهمي أن النعمة الفردوسية لا تُمنَح لأحد من دون ألم

القديس مكاريوس أوبتينا

أخبر المريض أنه حتى ولو كان رجاؤه وإيمانه قويين، عليه ألا يزدري بمساعدة الطبيب. الله هو خالق كل الناس وكل الأشياء: لا المريض فقط بل والطبيب ايضاً، وحكمة الطبيب والنباتات الطبية وقوتها الشفائية

الرعاية – 2

القديس غريغوريوس الكبير

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

حول الكتاب

كتاب الرعاية (المعروف باللاتينيةLiber Regulae Pastoralis ) هو أحد أعمال القديس غريغوريوس الكبير الأكثر شهرة. الكتاب عبارة عن رسالة تضمّ عرضاً من أربعة أجزاء يقدم فيها إرشادات جوهرية للكهنة والأساقفة حول كيفية رعاية كنائسهم إنجيلياً وبحكمة وكيفية تدبير حياتهم أخلاقياً. في هذه الرسالة يقدم القديس غريغوريوس رأيه حول مؤهلات الراعي الجيد ومواقفه وخياراته وأنشطته، إذ بحسب تعبيره ، الكهنة هم “أطباء القلب”ـ

الفصل الخامس

حول أن الذين في موقع السلطة العليا يمكن أن يستفيد الآخرون بمثال فضائلهم، لكنهم يفرّون منها من أجل سلامهم

يوجد موهوبون بدرجة عالية من الفضائل ويُعظّمون بمواهب عظيمة لتدريب الآخرين؛ رجال لم تتلطخ غيرتهم للعفة، أقوياء في عفّتهم، مفعَمون بمواسم المعرفة، متواضعون في صبرهم الطويل المعاناة، منتصبون في ثبات السلطة، متلطّفون في نعمة السماحة المُحِبّة، صارمون وغير منثنين في العدل. في الواقع، عندما يرفضون حمل السلطة العليا عندما يُدعَون إلى ذلك، يحرمون أنفسهم، في غالبية الحالات، من المواهب التي تلقّوها لا من أجلهم فقط بل ومن أجل الآخرين أيضًا

عندما يهتم هؤلاء بمصلحتهم الشخصية، وليس بمصلحة الآخرين، فإنهم يفقدون هذه المزايا إذا ما رغبوا بالاحتفاظ بها لأنفسهم. ولهذا قال الحقّ لتلاميذه: “لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَل. وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجًا وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ” (متى 14:5-15). ولهذا السبب قال لبطرس: “يا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟” وعندما أجاب بطرس مباشرة بأنه يحبه قال له: “ارْعَ غَنَمِي”. إذا كانت الرعاية شهادة على المحبة، فإن صاحب فيض الفضائل إذا رفض إطعام قطيع الله، يُدان بفقدان محبة الراعي العُلوي. لذلك ، يقول بولس: “إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ، فَالْجَمِيعُ إِذًا مَاتُوا. وَهُوَ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ كَيْ يَعِيشَ الأَحْيَاءُ فِيمَا بَعْدُ لاَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لِلَّذِي مَاتَ لأَجْلِهِمْ وَقَامَ.” (2كورنثوس 14:5). وهكذا يقول موسى أن الأخ الباقي يجب أن يأخذ زوجة شقيقه الذي مات بدون أطفال، وأن يربّى الأطفال باسم أخيه؛ “فَإِنْ أَصَرَّ وَقَالَ: لاَ أَرْضَى أَنْ أَتَّخِذَهَا. تَتَقَدَّمُ امْرَأَةُ أَخِيهِ إِلَيْهِ أَمَامَ أَعْيُنِ الشُّيُوخِ، وَتَخْلَعُ نَعْلَهُ مِنْ رِجْلِهِ، وَتَبْصُقُ فِي وَجْهِهِ، وَتُصَرِّحُ وَتَقُولُ: هكَذَا يُفْعَلُ بِالرَّجُلِ الَّذِي لاَ يَبْنِي بَيْتَ أَخِيهِ. فَيُدْعَى اسْمُهُ فِي إِسْرَائِيلَ «بَيْتَ مَخْلُوعِ النَّعْلِ»” (تثنية 8:25-10)

الآن، الأخ المتوفى هو الذي قال بعد مجد القيامة: “اذهب قل لإخوتي” (متى 10:28)؛ لأنه مات بدون أبناء ولم يملأ بعد عدد المختارين. مطلوب من الأخ الباقي أن يأخذ الإمرأة لأن من الأفضل أن يُسنَد الاهتمام بالكنيسة المقدسة إلى ذاك القادر على قيادتها أيضاً. إذا أثبت عدم رغبته، فالمرأة تبصق في وجهه، لأن كل مَن لا يهتمّ بعون الآخرين بالمواهب التي تسلّمها، فهو مستهجَن من الكنيسة أيضاً لما عنده من حسنات، وكما هو مذكور، فهي تبصق في وجهه وتخلع نعله من رِجل واحدة، حتى يُدعى بيته بيت مخلوع النعل، لأنه مكتوب “… حَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَمِ” (أفسس 15:6)

إذن، إذا كنا نحرص على إخوتنا وعلى أنفسنا، فإننا نحمي كل قدم بحذاء. لكن الرجل الذي يفكّر فقط بمصلحته، متجاهلاً مصلحة إخوته، ويخسر الحذاء بعار ، كما من قدم واحدة

وهناك الذين مُنِحوا مواهب عظيمة، كما ذكرنا، في حرصهم على السعي إلى التأمّل فقط، يرفضون أن يكونوا في خدمة الإخوة بالوعظ؛ إنهم يحبون الانسحاب بهدوء راغبين في أن يكونوا وحدهم للتأمل. إذا حُكم عليهم من خلال سلوكهم بشكل صارم، فهم بالتأكيد مذنبون بما يتناسب مع الخدمة العامة التي كانوا قادرين على تحملها. في الواقع، ما هو الموقف الفكري الذي يتكشّف في مَن باستطاعته أن يؤدي خيراً عاماً واضحًا في قيامه بمهمته، ولكنه يفضل خصوصيته على منفعة الآخرين، مع أنه يرى الابن الوحيد للآب العلوي قد جاء من حضن أبيه إلى وسطنا لكي ينفع الكثيرين؟

الفصل السادس

الرجال الذين يفرّون من عبء الرئاسة تواضعاً، يكونون متواضعين حقًا عندما لا يقاومون الأحكام الإلهية

هناك بعض الذين يهربون من هذا العبء بسبب التواضع فقط: إنهم لا يرغبون في أن يكونوا مفضَّلين على الذين يعتقدون أنهم أقل شأناً منهم. إن تواضعهم أصيل حقًا في نظر الله، شريطة أن يكون مصحوبًا بالفضائل الأخرى وألا يكونوا عنيدين في رفض تولّي ما هو مطلوب القيام به بشكل نافع. لأن الذي يفهم أن حكم الإرادة العليا له هي أن يتسلّم القيادة ومع هذا يرفض فهو ليس متواضعاً حقاً. لكن عندما يُفرَض عليه القضاء الأعلى وطالما أنه منعَم عليه بهذه المواهب التي بها ينفع الآخرين، عليه نزولاً عند رغبة الله ومن دون علة المكابرة، أن يهرب منها في قلبه ويطيع بالرغم من أن الطاعة هي على عكس ميله

الفصل السابع

كما يحدث، فإن بعض الرجال الجديرين بالثناء يرغبون بمهمة الوعظ، وآخرون ممن هم على نفس القدْر يُدفَعون إليها مكرَهين

في بعض الأحيان، على الرغم من ذلك، هناك مَن يرغب بشكل جدير بالثناء بمهمة الوعظ، في حين أن آخرين لا يقلون عنه مقاماً يُدفعون إليه بالإكراه. نرى هذا بوضوح عندما ننظر إلى حالة اثنين من الأنبياء، أحدهما قدّم نفسه تلقائيًا لمهمة الدعوة، بينما الآخر عارض خوفاً. على سبيل المثال، عندما سأل الرب من يجب أن يرسل، قدّم أشعياء نفسه من تلقاء ذاته، قائلاً: «هأَنَذَا أَرْسِلْنِي» إرمياء، من ناحية أخرى، أُرسِل لكنه كان متردداً بتواضع في أن يكون مُلزماً بالذهاب، قائلا: «آهِ، يَا سَيِّدُ الرَّبُّ، إِنِّي لاَ أَعْرِفُ أَنْ أَتَكَلَّمَ لأَنِّي وَلَدٌ»ـ

لاحظوا كيف أعطى هذان الشخصان كلامًا مختلفًا خارجيًا، مع أنه لم يخرج من نبعَين متعاكسين من المحبة. فهناك مبدأان للمحبة، أحدهما مبني على محبة الله، والآخر على محبة الأخ. فإشعياء، إذ رغب بالحياة الفعّالة في مهمة الوعظ، تحرّك برغبته في أن ينفع إخوته. أما إرمياء، فكان يتشوّق بغيرة إلى محبة خالقه، لكن في الحياة التأملية. فاعترض على إرساله. إذاً ما رغب به الأول مشكوراً انكمش عنه الآخر محموداً. الأول خاف أنه بالتعليم قد يخسر منفعة التأمل الهادئ؛ الآخر خشي أنه من دون التعليم قد يتأذّى بغياب العمل الشاق

الآن، علينا أن نتأمّل بتأنٍّ في هذا في كلتا الحالتين: إن الذي احتج لم يقاوم كلياً، والذي رغب في أن يكون مرسَلاً، رأى نفسه متطهراً توقّعاً بجمرة من المذبح (أنظر أشعياء 6:6). مَن لم يتطهّر لا ينبغي أن يجرؤ على القيام بالخدم المقدسة؛ والذي تطهّر بنعم سماوية، عليه ألا يقاوم بفخر تحت ستار التواضع

بما أنه من الصعب للغاية إدراك أن الشخص قد تطهّر، فمن الأسلم رفض مهمة الوعظ، ومع ذلك، كما قلنا، قد لا تُرفَض عن قصد عند إدراك أن وجوب القيام بها هو من الإرادة السماوية. لقد تمم موسى كلا الالتزامين بشكل مثير للإعجاب، فهو قد أطاع رغم عدم رغبته في قبول مشيئة الجمهور الكبير العليا. فهو ربما كان ليفتخر إن تولّى قيادة عدد لا يحصى من الناس دون خوف، ومن جديد، كان ليفتخر، لو أنه رفض إطاعة أمر الخالق. لكنه في الحالتين كان متواضعاً وفي الحالتين مطيعاً، سواء في عدم إرادته أن يتقدم على الشعب عندما نظر إلى نفسه فقط، وعندما وافق متكلاً على قوة الذي أمره

إذاً، من هذه الأمثلة، فليفهم المندفعون كم يكون ذنبهم عظيماً إذا كانوا محرّكين برغبات ذاتية ولا يحجِمون عن التقدم على الآخرين، وإذ يرون أن الرجال القديسين يخشون أن يقبلوا قيادة الشعب حين يأمر الرب بذلك. موسى ارتعد مع أن الرب أصر عليه ليتقدّم؛ ومع هذا فإن رجلاً ضعيفاً يسعى إلى عبء هذه المسؤولية، ووارد جداً أنه يسقط تحت هذا العبء، مستعد أن يكون مغموراً بوضع كتفيه تحت أحمال الآخرين! إنه يعجز عن حمل أعماله، فيما هو يزيد من العبء الذي يحمله

الفصل الثامن

في ما يختصّ بالذين يطلبون الأوليّة ويستنسبون قول الرسول لخدمة طمعهم

الآن، وكما يحدث دائماً، إن الذين يسعون إلى الأوليّة يطلبون الدعم لطمعهم، فيستغلّون قول الرسول: “إِنِ ابْتَغَى أَحَدٌ الأُسْقُفِيَّةَ، فَيَشْتَهِي عَمَلاً صَالِحًا” (1تيموثايوس 3:1). ولكن، فيما يمدح هذا الابتغاء، للحين يحصر مديحه بإضافة سبب للنظر شزراً مضيفاً: “يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ” (2:1). وإذ يتابع معدداً الفضائل الضرورية، يشرح معنى “بلا لوم”. لذا هو يقبَل الرغبة لكنه يحذّر هؤلاء الأشخاص بهذه القاعدة وكأنه يقول: “إنني أثني على ما تطلبون، لكن تعرّفوا أولاً على ما تطلبون، خشية أن بتجاهلكم تأخذون الأمور على قياس لياقتكم، فتصبحون أكثر استحقاقاً للوم والإهانة، في كونكم تسرعون لأن تظهروا للجميع على قمة الشرف”

المعلم الكبير في فن القيادة يحث تابعيه بالموافقة على رغبتهم، لكنه يردعهم بالخوف، حتى يلجم مَن يسمعه عن الفخر، وبالثناء على المهمة المنشودة يؤهلهم لشكل الحياة المطلوب. مع هذا، علينا أن نلاحظ أن هذا قد قيل في وقت كان فيه المتقدم على الشعب، كائناً مَن كان، هو الأول في أخذه إلى تعذيبات الشهادة. إذاً، كان السعي إلى الأسقفية جديراً بالثناء من حيث أن الحاصل على القيادة كان بلا شك تنتظره أقسى العذابات. لهذا السبب، مهمة الأسقف توصَف بأنها عمل صالح عندما يُقال: مَن يشتهي الأسقفية يشتهِ عملاً صالحاً. بالمقابل فإن الرجل يشهد ضد نفسه إذا كان يشتهي مركز الأسقف، اي مجد ذلك الشرف، وليس خدمة العمل الصالح. فالرجل لا يفشل كلياً في محبة المركز وحسب، بل هو يكون جاهلاً له إذا كان يشتهي المركز الأعلى ويفرح لخضوع الآخرين في ثنايا افكاره، ويفرح لسماع المديح ويحس أن قلبه يموج من الشرف ويسعد في سعة رغده. إذاً، ما يسعى إليه هو الربح العالمي تحت غطاء ذاك النوع من الشرف، بينما الكسب العالمي ينبغي أن يكون قد أتلِف وعندما يفتكر العقل في أن يلتقط أعلى حالات التواضع لكي يقوّم كبرياءه، فهو يغيّر الطبيعة الداخلية لما كان مشتهىً خارجياً

الفصل التاسع

إن فكر الذين يسعون إلى التقدّم، بالغالب سوف يغري ذاته بمواعيد خيالية بإتمام أعمال حسنة

بالإجمال، إن الذين يبتغون السلطة الرعائية يقدّمون لذواتهم بعض العمل الحسن أيضاً، ومع أن لديهم هذه الرغبات بتحريك من الكبرياء، إلا أنهم يشغلون أنفسهم بفكر أنهم سوف يقومون بأعمال عظيمة. لكن المحرّك المخبّأ في الداخل هو شيء وما يجري على سطح فكرهم الواعي هو شيء آخر. هذا لأن الفكر غالباً ما يكذب على نفسه في ما يختص بنفسه، ويجعل نفسه يؤمن بأنه يحب العمل الحَسَن فيما هو فعلياً لا يحبه، وبأنه لا يتمنى المجد الدنيوي فيما هو بالواقع يتمناه. إن التشوق إلى مركز القيادة يثير الخوف أثناء السعي إليه لكنه يتحوّل طيشاً بعد الحصول عليه

في السعي إلى المركز، يكون العقل في ارتياعٍ من أنه لن يحصل عليه، لكن عندما يصل المركز فجأة، يفتكر العقل أن ما تحقق هو حق. فمن ثمّ، عندما يبدأ العقل بالتمتع، بطريقة دنيوية، بمركز الحظوة الذي حصل عليه، فهو ينسى بسهولة كل الأفكار الروحية التي كانت لديه قبلاً. وعندما يبدأ الفكر بالانحراف بشكل غير منتظم، ينبغي توجيهه بدقة للعودة إلى نشاطاته السابقة؛ وإذا تفكرّ الانسان بما عمله حين كان خاضعاً للسلطة فهو، كمتقدّم، يعرف مباشرة ما إذا كان يستطيع أن يعمل ما اقترح عمله، لأن الانسان عاجز إلى حد ما عن تعلّم التواضع فيما هو في موقع الوجاهة، إن لم يكن قد امتنع عن التصرف بكبرياء عندما كان في موضع الخضوع. إنه لا يعرف كيف يهرب من المديح عندما يفيض، إذا كان قد صبا إليه حين لم يكن يُمتَدَح. هو على الأكيد يعجز عن التغلب على طمعه عندما يتمّ تقديمه لدعم الكثيرين، إذا كانت موارده لا تكفي لدعم ذاته وحده. لهذا، فليكتشف كل واحد من حياته السابقة أي نوع من الرجال هو، إلا إذا كانت أفكاره تخدعه في تعطشه إلى الرئاسة

غالباً جداً، عندما يحصل على مركز القيادة، تفتر ممارسة الأعمال الصالحة، على الرغم من أنها قد سبق الحفاظ عليها عندما كانت الحياة غير مشوشة، إذ حتّى البحار غير المتمرس يستطيع قيادة سفينة في بحر هادئ، لكن في بحر تقحمه الأنواء حتّى البحار المتمرّس يضطرب كثيراً. وبالواقع، ما هي السلطة في موقع الرئاسة غير عاصفة في الفكر، فيما سفينة القلب في اهتزاز دائم من عواصف الأفكار، وهي مُقادَة بلا هوادة إلى الأمام وإلى الوراء، إلى أن تقف على الصخور المجابهة من خلال فيض مفاجئ من الكلمات والأعمال؟ كيف إذاً يمكن القيام بأي عمل في وسط هذه المخاطر، كيف يمكن التمسك بعمل إن لم يكن المتقدم الآتي إلى القيادة بالإلزام فائضاً بالفضيلة، والذي تنقصه الفضيلة يتراجع عن الوصول إليها حتى تحت الضغط؟ إذا تردد الأخير كلياً فلينتبه أنه لا يخفي في منديلٍ المواهب التي تلقاها، وإلا سوف يُحاكم على أنه أخفاها. إن إخفاء المواهب في المنديل هو بالطبع وضعُها في حالة من عدم الحركة. مع هذا، في حال أن أحداً يريد أن يتسلّط على الرغم من عدم ملاءمته، فلينتبه ألا يُعامَل بمثال عمله السيء، يصير كالفريسيين عثرةً للمجاهدين لأن يدخلوا الملكوت. هؤلاء، بحسب كلمات السيد “لا يدخلون ولا يتركون الآخرين يدخلون”. عليه أيضاً أن يعتبر أنه كرئيس مختار هو يتبنّى قضية الشعب لذا هو يأتي كطبيب لإنسان مريض. من ثمّ، إذا في ممارسته بقيت الآلام تصارع فيه، فبأي وقاحة هو يسرع ليشفي المصاب فيما القروح تغطي وجهه؟