عظة في أحد توما

عظة في أحد توما

القديس لوقا رئيس أساقفة القرم

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

لقد كان صعباً على الرسل، لا بل فائق الصعوبة، التصديق بأن السيد يسوع المسيح قد قام. لقد اعتبروا كلام حاملات الطيب اللواتي جلبن الخبر لهم كذباً. عندما ذهبوا إلى الجليل، إلى الجبل كما أمرهم يسوع، ورآه البعض سقط أرضاً وقدّم له العبادة بينما وقف آخرون متسمّرين ولم يصدقوا عيونهم. عندما ظهر لهم يسوع وهم مجتمعون في العلية في أورشليم، ظنّوا أنهم يرون روحاً.

أقوى من كل شيء آخر كان عدم إيمان الرسول توما الذي طلب أن يضع أصبعه على الجراح التي من المسامير على يدي السيد ورجليه وأن يضع يده على جنبه قبل أن يؤمن. لماذا واجه الرسل هذه الصعوبة في الإيمان وقد رأوا بأعينهم؟ لقد رأوا المسيح يقيم ابن أرملة نايين وابنة ياييروس وحتّى لعازر بعد موته بأربعة أيام.

في نهاية المطاف، هذه كانت أعمال صانع معجزات عظيم جداً، والاموات لم يقوموا بقوتهم الذاتية. لكن الاعتقاد بإمكانية عودة جثة إلى الحياة بنفسها، بقوتها الذاتية، كان أكثر صعوبة بما لا يقاس. إذاً، كان من الصعب جداً على رسل المسيح أن يؤمنوا حتّى بما رأوه بعيونهم. أمّا بالنسبة لنا نحن الذين لم نرَ لا يسوع الحي ولا يسوع القائم، أهو أصعب أو أسهل تصديق ما نقرأه في الأناجيل وكتابات الرسل القديسين؟ بالطبع ، إنه أسهل، أسهل بكثير لأن الكثير من الحقائق والأحداث التاريخية تقنعنا بما لا يحمل الشك بحقيقة قيامة المسيح.

ما الذي يمكن قوله عن حقيقة أن وعظ الصيادين الجليليين الأميين وخلفائهم على مدى بضعة قرون غلب كامل العالم المأهول في ذلك الوقت ليس فقط اليونانيين المثقفين والرومان وحسب، بل حتّى الجرمان أنصاف الهمجيين، الغاليين، السلتيين، ووجّه ضربة قاتلة للوثنية؟ هل كان هذا ممكنًا لو لم يقم المسيح؟ ألم يكُن الوعظ عن أن المصلوب هو ابن الله ليُقابَل في كل مكان بالسخرية؟ أكان من الممكن فهم كيف أن عشرات الآلاف من الشهداء ذهبوا إلى التعذيب المرعب والموت الفظيع لو لم يؤمنوا بقيامة المسيح ولم يشتعلوا بمحبة غالب الموت؟ أكان ممكناً الجهاد النسكي بالصوم والصلاة الذي قام به النساك الذين لا يحصَون من أجل معرفة الربّ يسوع المسيح واكتساب فكر السيد المسيح؟

ملايين فوق ملايين من الناس من كل الأعمار والأجناس كانوا مسيحيين حقيقيين، خاصةً خلال العصور الأربع عشرة الأولى لميلاد المسيح. ومع ذلك، بالرغم من قوة وعظ المسيح وأعماله، وبالرغم من أن موت ابن الله على الصليب وقيامته من الأموات هزتا العالم، لم يؤمن به الجميع. ها هو بين رسل الرب يسوع المسيح ومعاصريه مَن لم يؤمن به، حتى أغلبية الشعب اليهودي المختار من الله.

عدم الإيمان، الذي تناثر كمثل موجة ضخمة فوق دولنا الحديثة في أوروبا وأمريكا، وجميعها كانت مسيحية في السابق، ينمو وينتشر. بالطبع لم يبدأ الأمر خلال عصر نهضة العلوم والفنون، وليس مع فولتير والموسوعيين الأخرين، بل في وقت سابق بما لا يقاس، بالفعل خلال القرن الأول لميلاد السيد المسيح.

ما معنى هذا؟ هذا يعني أن ربنا وسيدنا يسوع المسيح لا يجذب قلوب الناس إلى نفسه بالقوة، وهو أمر قادر على فعله بالطبع بقوته الإلهية، بل هو يبحث عن المحبة والإيمان الطوعي. ليس كل قلب يقبل وصاياه العظيمة بفرح. الناس الفخورون والمستبدون يضحكون على وصايا فقر الروح والوداعة والرحمة. إنهم حتّى لا يفكرون في حقيقة الله الأبدية السامية، لا يريدون سوى سماع أن العلاقات الاجتماعية صائبة، ولا يعتبرون مثالاً أعلى إلا العلاقات المضبوطة بين الأمم.

أيرغب كثيرون في أن يُضطهَدوا من أجل البر، وأن يُعَيَّروا ويُطرَدوا من أجل المسيح؟ هل كثيرون يدخلون عبر الأبواب المستقيمة على الطريق الضيق، ليتمكنوا في نهاية طريقهم الصعب من سماع النداء المبارك: تعالوا ، يا مباركي أبي، رثوا الملك المُعَدّ لكم منذ كون العالم (متى 24:34)”؟ ماذا سيقول لك العالِم إذا حاولت أن تبشره بالمسيح؟ بالطبع سوف يرد بضيق: “لا تزعجني، فأنا مشغول بعلمي، لأن بالنسبة لي كل الحقيقة موجودة فيه“. يتحدث الرسول بولس في رسالته إلى أهل كورنثوس عن الحكماء والمتبصّرين الذين رفضوا الإيمان بالله من أجل العلم: “فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌسَأُبِيدُ حِكْمَةَ الْحُكَمَاءِ، وَأَرْفُضُ فَهْمَ الْفُهَمَاءِ». أَيْنَ الْحَكِيمُ؟ أَيْنَ الْكَاتِبُ؟ أَيْنَ مُبَاحِثُ هذَا الدَّهْرِ؟ أَلَمْ يُجَهِّلِ اللهُ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ؟ لأَنَّهُ إِذْ كَانَ الْعَالَمُ فِي حِكْمَةِ اللهِ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ بِالْحِكْمَةِ، اسْتَحْسَنَ اللهُ أَنْ يُخَلِّصَ الْمُؤْمِنِينَ بِجَهَالَةِ الْكِرَازَةِ. لأَنَّ الْيَهُودَ يَسْأَلُونَ آيَةً، وَالْيُونَانِيِّينَ يَطْلُبُونَ حِكْمَةً، وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً! وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُودًا وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ. لأَنَّ جَهَالَةَ اللهِ أَحْكَمُ مِنَ النَّاسِ! وَضَعْفَ اللهِ أَقْوَى مِنَ النَّاسِ! فَانْظُرُوا دَعْوَتَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنْ لَيْسَ كَثِيرُونَ حُكَمَاءَ حَسَبَ الْجَسَدِ، لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ، لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ، بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ” (1كورنثوس 18:1-28).

حتى أثناء حياته الأرضية، دعا ربنا يسوع المسيح أولئك الذين يؤمنون به القطيع الصغير“. لا تقلقوا من هذا، بل افرحوا. وأعلموا أن المنتمين إلى هذا القطيع على مرّ العصور وإلى يومنا هذا هم عدد كبير جدًا من العلماء والباحثين والفلاسفة المهمّين الذين استطاعوا الجمع بين إيمانهم بالعلوم وإيمانهم السامي بالله ومسيحه. وأمّا الذين يرفضون الدين على أساس البيانات العلمية، فإن الغالبية العظمى منهم في الحقيقة لا علاقة لها بالعلوم وتحكي عنها كإشاعات.

أما بالنسبة لكم، أيها الشعب البسيط غير المتعلم فدعوا كلمات المسيح تكون دعماً قوياً: ما لم تتغيّروا وتصيروا كأصغر الأطفال فلن تدخلوا ملكوت السماوات (متى 3:18).

عظة في أحد السامرية

عظة في أحد السامرية

الميتروبوليت أنطون بلوم

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

لم يعطنا الكتاب المقدس اسم المرأة السامرية، لكنها في اليونانية فوتيني وفي الروسية سفتلانا وفي السلتية فيونا وفي لغات الغرب كلار. وكل هذه الأسماء تحدثنا عن النور.

بعد التقائها الرب يسوع المسيح صارت نوراً مشعاً للعالم، نوراً ينير الذين يلتقونها. كل القديسين هم لنا أمثلة؛ لكننا لا نستطيع دوماً أن نحاكي الطرق الملموسة التي عاشها القديس، لا يمكننا دائماً أن نكرر طريقهم من الأرض إلى الملكوت. لكن يمكننا أن نتعلم من كل واحد منهم أمرين. الأول هو أننا بفضل الله يمكننا تحقيق ما يبدو مستحيلاً إنسانياً؛ أي أن أصبح شخصًا في صورة الله ومثاله، أن أكون في عالم الظلام والمأساة التي هي في قوة الأكاذيب كلمة حق ، علامة أمل ، يقينًا أن الله يستطيع أن ينتصر بمجرد أن نسمح له بالوصول إلى أرواحنا. لأنه إذا لم يثبت ملكوت الله في داخلنا، إذا لم يتتوج الله في أذهاننا وقلوبنا، ناراً تدمّر كل شيء لا يليق بنا وبه، لا يمكننا أن ننشر نور الله حولنا.

أما الأمر الثاني الذي يمكن أن يعلّمنا إياه القديسون فهو فهم الرسالة التي تنقلها أسماؤهم إلينا. اسم المرأة السامرية اليوم يحكي عن النور. لقد قال المسيح أنه نور العالم، النور الذي ينير جميع الناس. ونحن مدعوون لإيواء هذا النور في نفوسنا وعقولنا وقلوبنا في الواقع ، في كلّ داخلنا؛ حتى قول المسيح فليضيء نوركم أمام جميع الناس، الذين يرون أعمالكم الصالحة فيمجدون أباكم الذي في السماوات، يمكن تحقيقه وإنجازه فينا ومن خلالنا.

فقط من خلال رؤية أفعالنا، من خلال رؤية أسلوب حياتنا، يستطيع الناس أن يؤمنوا بأن النور هو نور الله، لاس في كلماتنا ما لم تكن كلمات حقيقة وقوة كأقوال الرسل أو المسيح نفسه في الواقع. ولنفكّر، كل واحد منا، بمعنى اسمنا وبالطريقة التي يمكننا بها أن نصبح ما نسمّاه.

جاءت المرأة السامرية إلى البئر بدون أي هدف روحي. جاءت ، كما كانت تأتي يومياً، لجلب الماء، وقابلت المسيح. يلتقي كل واحد منا بإلهنا في أي مرحلة من حياتنا، عندما نكون في مهماتنا الأكثر خصوصية، إذا توجهت قلوبنا في الاتجاه الصحيح، إذا كنا مستعدين لتلقي رسالة، للاستماع؛ وفي الواقع لطرح الأسئلة!

لأن المرأة السامرية سألت المسيح سؤالاً، فما سمعته تجاوز سؤالها حتى رأت فيه نبياً، ومن ثمّ المسيح ، مخلص العالم. لكن لا ينبغي وضع الضوء تحت المكيال. بعد أن اكتشفت أن النور قد جاء إلى العالم، وأن كلمة الحقيقة الإلهية كانت مدوية وسط البشر، وأن الله كان بيننا، تركت وراءها كل المخاوف وركضت لتشارك الفرح وروعة ما اكتشفته مع الآخرين. أحضرت مواطنيها إلى المسيح. أخبرتهم أولا لماذا صدّقت؛ وعندما أتى بهم الفضول إلى المسيح، أو قوة الإقناع في كلماتها، أو التغيير الذي حدث فيها، فقد رأوا بأنفسهم، وقالوا لها: لم يعد ما تقولينه سبب إيماننا، فقد رأينا وسمعنا.

هذا ما تعلّمنا إياه المرأة السامرية: أن نكون منفتحين في كل لحظة من الحياة، أثناء انشغالنا بأبسط الأشياء، لنستقبل الكلمة الإلهية، لنستنير بالنور الإلهي، لنتطهّر بنقاوته، لنستقبله في أعماق نفوسنا، لنستقبله بكل حياتنا، حتّى يرى الناس ما أصبحنا ويؤمنوا بأن النور قد أتى إلى العالم.

لنصلِّ إلى المرأة السامرية لتعلِّمَنا، لترشدنا، لتجلبنا إلى المسيح بالطريقة التي جاءت هي بها، فنخدمه بالطريقة التي خدمته هي بها، لأنها كانت خلاصاً لكل الذين أحاطوا بها. ولتكُن بركة الله عليكم، الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى دهر الداهرين! آمين.

إجابات الراهب سمعان الأثوسي الحكيمة

إجابات الراهب سمعان الأثوسي الحكيمة

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

مَن هو المعلم الأفضل؟ الألم

مَن هو المعلم الأسوأ؟ اللذة

ما هي أكثر المهارات ندرة؟ العطاء

ما هي أفضل المهارات؟ الصفح

ما هي أصعب المهارات؟ الحفاظ على الهدوء

ما هي أهم المهارات؟ القدرة على الطلب

ما هي المهارة الصحيحة؟ الاستماع

أي هي المعركة الأكثر خطورة؟ التعصب

أي هي العادة الأكثر ضررًا؟ الثرثرة

من هو الشخص الأقوى؟ القادر على فهم الحقيقة

من هو الشخص الأضعف؟ من يعتبر نفسه الأقوى

أي نوع من الأشخاص هو الأكثر حساسية؟ من يراقب قلبه

أي هو التعلّق الأكثر خطورة؟ التعلّق بالجسد

من هو الأكثر فقراً؟ الذي يحب المال أكثر

أي إنسان أقرب إلى الله؟ الرحيم

من هو الشخص الأضعف؟ الفائز على الآخرين

من هو الشخص الأقوى؟ الفائز على نفسه

كيف يُقاوم الاضطراب؟ بالبهجة

كيف يُحتَمَل الألم؟ بالصبر

ما هي علامة الروح الصحيحة؟ الإيمان

ما هي عوارض روح المرض؟ اليأس

ما هي علامة الأعمال الخاطئة؟ السخط

ما هي علامة الأعمال الصالحة؟ عالم الروح

حول الأشياء الصغيرة في الحياة

حول الأشياء الصغيرة في الحياة

القديس يوحنا مكسيموفيتش

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

يعتقد الكثيرون بأن العيش بحسب الإيمان وتحقيق مشيئة الله أمر صعب جداً. بالواقع، إنه شديد السهولة. على المرء أن ينتبه للتفاصيل، للتفاهات، ويحاول تلافي الشر في الأمور الصغيرة جداً والأكثر بداهية. هذه هي أبسط وأضمن طريقة لدخول عالم الروح والاقتراب من الله. غالباً ما يعتقد الإنسان أن الخالق يطالبه بأشياء عظيمة، وأن الإنجيل يصرّ على التضحية الذاتية الكاملة، وإلغاء شخصية الإنسان، وما إلى ذلك، كشرط للإيمان. يرتعب الإنسان كثيراً من هذا حتى أنه يخشى التعرّف على الله، والاقتراب منه، فيخفي نفسه عن الله، غير راغب حتّى في النظر إلى كلمة الله. “إذ لا أستطع فعل أي شيء مهم لله، فالأفضل أن أبقى بعيداً عن الأمور الروحية، وأن أتوقف عن التفكير في الأبدية، وأن أعيش «بطريقة طبيعية»“.

يوجد عند مدخل العالم الروحي تنويم مغناطيسي من الأعمال العظيمة“: على الإنسان إما أن يفعل شيئاً كبيراً أو ألّا يفعل شيئاً. وهكذا لا يفعل الناس شيئًا على الإطلاق في سبيل الله أو أرواحهم! إنه أمر غريب للغاية كلّما اهتمّ الإنسان بأشياء الحياة الصغيرة، كلما قلّت رغبته في أن يكون أميناً أو نقيًا أو مخلصًا لله في نفس الأشياء الصغيرة. وعلاوة على ذلك ، يجب على كل شخص أن يتبنّى موقفاً سليماً تجاه الأشياء الصغيرة إذا أراد أن يقترب من ملكوت السماوات.

مكوّنات هذا الموقف

الرغبة في الاقتراب: في هذا تتلخّص كل صعوبات الحياة الدينية. غالباً ما يرغب المرء في الدخول إلى ملكوت السماوات بشكل غير متوقع، بطريقة عجائبية وسحرية، أو عن طريق الاستحقاق أي من خلال إنجاز عظيم ما. لكن لا هذا ولا ذاك هو الطريق الصحيح للعثور على العالم الأسمى. لا يدخل المرء حضرة الله بطريقة عجيبة فيما هو غير مبالٍ على الأرض لاحتياجات ملكوت الله وأبديته الساطعة، ولا يمكن لأحد أن يشتري كنوز ملكوت الله ببعض الأفعال الأبدية، مهما كانت الأفعال عظيمة. ومع ذلك، فإن الأعمال الصالحة والأفعال المقدسة ضرورية لكي ينمو إلى حياة أعلى، وإرادة مشرقة، ورغبة جيدة، وعلم نفس سماوي، وقلب نقي وعادل.

كوب ماء: الحق الحق أقول لكم مَن أعطى واحدًا من هؤلاء الصغار ولو كوبًا من الماء البارد، باسم تلميذ (من تلاميذ الرب)، لا يفقد أجره. في قول الرب هذا التعبير الأعلى عن صغر الخير. “كوب من الماء“. هذا ليس كثيرًا.

التواصل بروح طيبة: في كل تواصل بين الناس لا بد أن يكون هناك روح خيّرة: هذه الروح هي المسيح ، صراحة أو خفية. “باسم تلميذ:” هذه هي الخطوة الأولى في التواصل مع شخص آخر باسم يسوع المسيح نفسه. كثير من الناس، ممن لا يعرفون الرب والإلفة العجيبة باسمه، لكنهم يحتفظون فيما بينهم بمودة غير أنانية ونقية وإنسانية تجعلهم أقرب إلى روح المسيح.

الخير الأصغر ضروري: في واقع الأمر ، فإن الخير الأصغر أكثر ضرورة للبشرية من الأعظم. يمكن للناس أن ينسجموا مع حياتهم بدون الخير الأكبر. بينما بدون الأصغر لا يمكن أن تكون حياتهم موجودة. البشر يهلكون لا من نقص الخير الأكبر ، ولكن من قلّة الخير الأصغر. ليس الخير الأعظم أكثر من سقف مقامٍ على جدران من طوب الخير الأصغر.

إن الخير الأصغر والأسهل متروك على هذه الأرض من الخالق نفسه الذي أخذ على عاتقه الخير الأعظم. مَن يعمل الأصغر، يخلق – ومن خلاله يخلق الخالق – الخير الأكبر. من خيرنا القليل يصنع الخالق خيره الكبير. إذ كما أن ربنا هو الخالق الذي كوّن كل الأشياء من العدم، كذلك هو أكثر قدرة على خلق الخير الأكبر أكثر من الأصغر.

من خلال هذا العمل الأصغر والأسهل، الذي يتمّ إنجازه ببساطة كبيرة، يعتاد الإنسان على الخير ويبدأ بالخدمة من كل قلبه وبإخلاص، وبهذه الطريقة يدخل في جو من الصلاح، ويترك جذور حياته في تربة جديدة، تربة الخير. إن جذور الحياة البشرية تتكيّف بسرعة مع هذه الأرض الجيدة، وعاجلاً لا يمكنها العيش بدونها…

هكذا يخلُص الإنسان: من الصغير يأتي الكبير. “الأمين على القليليصير أميناً على الكثير“.

المعنى الأخلاقي لنا: أن نضع جانباً كل الاعتبارات النظرية كالتي تحظّر ذبح الملايين والنساء والأطفال والمسنين. ارضوا بإظهار حسّكم الأخلاقي من خلال عدم قتل كرامة قريبكم الإنسانية، لا بالكلمة، ولا من خلال التلميح، ولا بالإيماءة. لا تغضب على أخيك بَاطِلاً (مت 5: 22) أو في احتكاكات الحياة اليومية تقول عن قريبك ما ليس حقاً. هذه تفاهات، تغييرات صغيرة، بدون حساب؛ ولكن فقط حاول أن تفعل هذا وسوف ترى ما يأتي منه.

الصلاة: الصلاة صعبة في الليل. لكن حاول في الصباح. إذا كنت لا تستطيع أن تصلي في المنزل فعلى الأقل أثناء ركوبك إلى مكان عملك حاول الصلاة الربيةأبانابفكر نقي ودع كلمات هذه الصلاة القصيرة تتردد في قلبك. وفي الليل سلّم نفسك بأمانة كاملة في يد الآب السماوي.

هذا بالفعل سهل جداً. أعطِ كوبًا من الماء البارد لكل من يحتاج إليه؛ أعطِ كأساً فيّاضاً مع رفقة إنسانية بسيطة لكل من يفتقدها ، الرفقة الأكثر بساطة…

يا طريق الأشياء الصغيرة العجيب، أنشد لك ترتيلة! أحيطوا أنفسكم أيها الناس، انشدوا أنفسكم بأعمال خير صغيرةمع سلسلة من المشاعر الصغيرة والبسيطة والسهلة والجيدة التي لا تكلّفنا شيئاً، سلسلة من الأفكار والكلمات والأفعال الساطعة. دعونا نتخلَّ عن الكبيرة والصعبة. هذه لهؤلاء الذين يحبونها وليست لنا نحن الذين لم نتعلّم بعد أن نحبّ المحبة الكبرى، الذين جعل لهم الرب برحمته المحبّة الصغرى في كل مكان مجانية كالماء والهواء.

Vol. 12, Issue 05-06 Orthodox Heritage

هل يُغرَس الإيمان عبر التربية؟

هل يُغرَس الإيمان عبر التربية؟

القديس ثيوفانس الحبيس

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

من أين يأتي الإيمان؟ الإيمان بوجود الله وقوته هو خاصيّة متأصلّة في الروح التي توجد في كل شخص بمجرد تطوّر قدراته. التربية تطوّر الإيمان وتعطيه شكلاً حتى تصير تغذيته ممكنة من خلال الأنشطة الدنيوية. هذا مختلف تمامًا عن الإيمان الذي نكتسبه في المجتمع. يغرس المجتمع الإيمان بمعاييره من خلال التربية. تأتي جميع معايير المجتمع من العقل البشري، وتتثبّت في مجتمع معين من خلال القوانين والممارسات المقبولة فيه. فالحاجة إلى هذا التعلّم قائمة لأن معايير المجتمع ليست طبيعية ولا متأصلة في الكيان البشري. هذه المعايير خارجية ما يشترط على العقل تعلّمها فتؤدي إلى معتقدات كالوطنية والحرية السياسية والديمقراطية.

الإيمان بالله يختلف قليلاً عن أي إيمان نملكه في المجتمع. نحن مصنوعون على صورة الله. لسنا بحاجة لتعلّم طبيعة هذه الصورة من أيِ من أشكال التعليم. إنه في تركيبتنا. تتطلّب معرفة الله نوعًا من المعرفة مختلفًا عمّا اعتدنا معرفته من طرق المجتمع. لا يمكن تعلم الإيمان بالله عن طريق الدراسة. يمكن اكتسابه فقط من خلال الانفتاح الداخلي لقلبنا على الواقع الموجود هناك.

هناك العديد من الطرق الممكنة للوصول إلى معرفة الله التي تقودنا إلى الإيمان. يمكننا أن نجد الله من خلال تجاربنا مع خليقته، خاصة إذا قضينا بعض الوقت في البريّة حيث ليس للإنسان تأثير. هناك، كل ما نراه هو عمل الله ونختبر جماله المذهل الذي يفتح قلوبنا على ما في الداخل. يمكن أن يرسل لنا الله رؤية كما فعل مع القديس بولس في رحلته إلى دمشق. مثل هذه الرؤى للنور غير المخلوق وصوت الله قادرة على إحداث التحوّل الفوري ولكنها نادرة. يمكننا قراءة الإنجيل ما يشعل الضوء في قلوبنا ونجده يفسر ما نشعر به في أعماقنا. إنه يفتح قلبنا على ما هو موجود فيه بالفعل. يمكن أن يحرّكنا مرشد روحي أو صديق يعطينا فكرة تفكّ هذه الأسرار الداخلية. الإيمان لا يأتي بالتعليم المنهجي بل من خلال التبصّر، أي التجربة التي تسمح لنا بمعرفة حقيقة ما هو فعلاً داخلنا.

ماذا يقول هذا عن التربية المسيحية؟ هل يمكن أن نتعلم الإيمان في المدرسة بالصلاة أو دراسة الكتاب المقدس القسرية؟ هل يمكننا اكتساب الإيمان من خلال القوانين الجديدة؟ ما قيمة مدارس الأحد التي نحاول فيها تلقيم أطفالنا بالقوة معلومات حول خطاب وممارسة إيماننا؟ هل كل هذه الجهود عبث؟

لا ، ليس كلياً، لأن محاولات التعليم هذه قد توقظ لدى البعض ما هو في داخلهم بالفعل. لكن بالنسبة للآخرين. يمكن لهذه الأنشطة أن تدخِل عقلانية تؤدي إلى رفض الله إذا كانت مبنية على افتراض أنه يمكنك تفسير الله والإيمان من خلال الخطاب العقلاني.

يجب أن يكون التعليم المسيحي الصحيح مصدر إلهام للمرء ليسعى وراء ما في داخله. يجب أن نركّز على ما لا يمكن تفسيره أو فهمه بعقلنا المنطقي. يجب أن نشجّع الإنسان على العيش في السرّ والسعي وراء ما هو أبعد من معرفة المجتمع.

هذا هو أساس الصلاة والعبادة الأرثوذكسية. توجيه المؤمنين بشكل صحيح في القداس الإلهي هو أكثر أهمية من دقائق قليلة في صف مدرسة الأحد. قد تساعدنا غرفة الصف فقط في شرح ومشاركة ما اكتسبناه من تجربتنا الداخلية. إنها تعطينا لغةً لمشاركة ما هو بالفعل غير قابل للمشاركة.

 في الختام إذا كان لدى كل إنسان إيمان، فهذا يعني أن معيار الحياة البشرية يتضمن الإيمان دون شك. وبالتالي ، فمَن ليس عنده إيمان ينحرف عن هذا المعيار ، ويصاب بالهوس الروحي. إن غير المؤمنين جميعاً هم من هذا الترتيب.

Reference: The Spiritual LIfe, pp 301-303

بغض النظر عن شدة المحاولة

بغض النظر عن شدة المحاولة

الشيخ أميليانوس السيمونوباتريني

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

شرط أساسي للحياة الروحية هو أن علينا أن نفهم أنه لا يمكننا فعل أي شيء بمفردنا على الإطلاق. بغض النظر عن مدى القوة التي نحاول بها، فالحياة الروحية شيء يعطينا إياه شخص آخر. والشخص الآخرهو روح الله، المعزي، كنز الصالحات ورازق الحياة، الكنز الذي تخرج منه جميع الثروات الروحانية، النبع الذي تخرج منه الحياة الروحية وتفيض.

بالطبع، أحيانًا نشعر بالارتباك، ونعتقد أنه أن تكون روحانياً تعني أن تكون شخصًا صالحاً“: لا تسرق، لا تقتل، لا تزور أماكن سيئة ولا تخرج مع أصدقاء سيئين، تذهب إلى الكنيسة يوم الأحد، تقرأ الكتب الروحية، وما إليه. لكن لا، هذه ليست الحياة الروحية. الشخص الروحي، المسيحي الحقيقي، هو شخصٌ حياته موقَفَة لله بالكامل. في البداية بمعموديته، ولاحقاً في قلبه، حيث يقسم هذا الشخص يميناً لله، بأن يعيش لله، ويبقى مع الله إلى الأبد. الشخص الروحي هو رياضي تفجّر بالحياة، يبرز من بين حشود البشر، ويجري بكلّ سرعة روحه إلى الملكوت. الشخص الروحي هو الذي يشبّ إلى الأمام بعينين لامعتين وصدر مفتوح، وقد حدّد مساره وسباقاته في السماء. هو ليس رجلاً صالحاً“. يعرف الشخص الروحي أنه ، لكي ينجح ، يحتاج إلى أجنحة قوية: أجنحة الروح القدس. لذلك على الشخص الروحي أن يقوم بكل ما هو ممكن لجذب روح الله واكتسابه، لأن الروح القدس وحده، الإله بذاته، عنده موهبة الحياة الروحية. بحسب القديس غريغوريوس النيسّي، فإن توزيع الهدايا الملكيةالتي من الروح القدس يتمّ في الكنيسة عبر الأسرار المقدسة.

حالما يظهر الهوى اقتلعْه

حالما يظهر الهوى اقتلعْه

القديس نيكولا فيليميروفيتش

يتكون الحبل السميك من ألياف القنب. واحد من الألياف الرفيعة لا يمكنه ربطك، ولا خنقك. لأنه يمكنك أن تتحرر منه بسهولة. ولكن إذا كنت مربوطاً بحبل سميك، فأنت محتَجَز وقد يخنقك. لا يمكنك قطعه بسهولة.

كما أن هذا الحبل السميك يتكون من العديد من الألياف الرقيقة الضعيفة، كذلك أهواؤنا تتكون من ما يبدأ على شكل هفوات صغيرة.

يمكن أن نتحرر ونهرب في المراحل الأولى من الهفوات الصغيرة. ولكن عندما تتكرر الخطيئة بعد الأخرى، يتقوّى نسيجها شيئاً فشيئاً حتى، في النهاية، يتشكّل الهوى. هذا يحول الناس إلى ما يشبه الوحوش، حتى لا يعودوا يعرفون طريقة أخرى للتصرف. لا يمكنك إيقاف الهوى بسهولة، أو الخروج منه أو الانفصال عنه.

إذا احترس الناس واحتموا واستعدّوا واقتلعوا براعم خطاياهم الجديدة وحسب. فلن يكونوا بحاجة للمعاناة كثيراً حتّى يتحرروا من الأهواء.

في إحدى المرات، قال راهب من الجبل المقدس أن قطع الأهواء ذات الجذور العميقة هو كمثل قطع أصابعك. ذكر الموت ساعد القديس أميليانوس إلى حد كبير في تحرره من الأهواء الخاطئة بنعمة الله على الأكيد، إذ بدونها يصعب كثيراً على الناس هزيمة أهوائهم.

فكّرْ غالباً بموتك الوشيك، تُبْ وتوسّل إلى الله الفائق القدرة. هذه الأعمال الثلاثة تحررنا من عبوديتنا للخطيئة.

سؤل مرة الأنبا صيصوي لكم من الوقت تحتاج لاقتلاع جذور الأهواء، فأجاب: “حالما يظهر الهوى اقتلعّه

المسيح والمسألة الإجتماعية

المسيح والمسألة الإجتماعية

الأرشمندريت جورج كابسانيس

بقدر ما يتطهر الناس من الأهواء، تزداد قدرتهم على التواصل الحقيقي مع الله ومع غيرهم من الناس.

إن الذين يتبنّون وجهة نظر رومانسية وخارجية عن الشخص البشري ينقلون الشرّ من الشخص إلى المجتمع، وهذا هو سبب إعلانهم أن أي تحسن في المجتمع سوف يجلب معه تحسناً في الناس. ولكن، من دون إنكار أثر المجتمع على الناس، نحن الأرثوذكس نعطي الأفضلية لتحول الشخص من خلال التوبة والنعمة الإلهية.

إنه لخطأ عظيم أن نرغب بتغيير المجتمع من دون السعي أولاً لتغيير أنفسنا. ومن السذاجة، على الأقل، أن نعتقد بأن التغيير في عدد قليل من المؤسسات الاجتماعية سيحدِث أيضاً تغييراً في الناس إن لم يتوبوا.

الأشخاص المرضى يخلقون مجتمعات مريضة والمجتمعات المريضة تجعل المرضى أكثر سوءاً. إن محاولة علاج الأمراض الاجتماعية من دون علاج المرض الشخصي هو ببساطة تحويل للمشكلة، إنه رفض لقبول مسؤوليتنا الشخصية، تهرّب من التوبة، خضوع لأنانيتنا، إحجام عن رؤية أنفسنا كما نحن حقاً. من المهم أن نتذكّر أن الرب جعل التوبة الشخصية شرطاً لدخول مملكته.

كما أنه لا ينبغي بنا أن نتجاهل عمل الشيطان في تفكيك المجتمعات والأفراد وفي انتشار الشرّ عموماً. إن التبسيط الإنساني للمشاكل الاجتماعية ينكر وجود الشيطان. ومع ذلك، في الإنجيل كما في الخبرة المسيحية، فإن مدى مشاركة الشيطان النشطة في الحالات الشخصية والاجتماعية واضح، على قدر الحاجة إلى الجهاد ضده ونبذ ورفض الأرواح الشريرة وطردها. إن التعرّف على الأرواح هو موهبة عند بعض الكهنة الرهبان والأشخاص العاديين، لاستخدامها لمنع المسيحيين من الوقوع في الفخاخ التي وضعها لهم الشرير، عندما يظهر متخفياً شكل الخير.

لقد ركّزنا على قدرة القوى المناهضة للإفخارستيا والمعادية للمجتمع لا من أجل إثبات استحالة التغلب عليها، بل لإظهار أن على أنّ المسيحيين المجاهدين أخذها بعين الاعتبار. لقد هزم المسيح هذه القوى بقوته، وبدعم النعمة الإلهية يمكن للمسيحيين المشاركة في هذا النصر.

في هذه النقطة يختلف نضال المسيحيين الاجتماعي عن كل جهاد آخر. إن المجتمع الذي ترغب النظم الإنسانوية (المثالية والمادية) في إنشائه يتمحور حول الإنسان. يتمحور مجتمع المسيحيين حول الرب المتجسد. إن الوسائل التي يستخدمها الإنسانوي هي بدورها تتمحور حول الإنسان؛ وسائل المسيحيين محورها الله. أساس الاشتراكية المسيحية هو التواضع، بينما في أساس النسخة الإنسانية نجد العُجب والاكتفاء الذاتي واستبعاد الله. إن هذا هو تكرار لخطيئة آدم: السعي إلى الألوهية بدون الله.

قد لا يكون من قبيل المصادفة أن هذين النظامين الإنسانويين (الرأسمالية والشيوعية) وآثارهما الاقتصادية، تكمن أصولهما في الغرب الهرطوقي، وقد سبقهما الدين ذو المركزية الإنسانية في عصمة البابا المعصوم وعقيدة انبثاق الروح القدس. وهذا ينبغي أن لا يغيب عن فكر الأرثوذكسيين والأرثوذكسيين السابقين الذين بتهوّر يهملون تقليدنا الأرثوذكسي، بالعادة من الجهل، رغبة بمشايعة النظم الغربية.

حقيقة أن المجتمع غير المسيحي هو إنسانوي وحسب يحرمه من إمكانية إحلال السلام في نفوس الناس، لأنه يمنع عنا المصالحة مع أبينا السماوي، فلا يبقى إمكانية لأن يكون هو المركز. لنتذكّر كلمات القديس أوغسطين، التي تعبّر عن تجربة الإنسان: “أنت جعلتنا، يا رب، لنفسك، وقلبنا لن يجد الاستقرار حتى يجد الراحة معك“.

إن الأنظمة الاجتماعية الإلحادية تساعدنا على إيجاد حلول لبعض المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، ولكن ليس لندخل في علاقة حقيقية وكبيرة مع الله والناس الآخرين. إنها لا تجيب فعلياً عن أسئلتنا الوجودية، ولا سيما عن مسألة الموت. يستقرّ الناس بشكل مريح جداً من أجل الموت. وعلى الرغم من أن هذه الأنظمة، وخاصة الماركسية، تتميز بمسيحانية علمانية قوية، إلا إنها لا تقود في الحقيقة من الموت إلى الحياة، وبالتالي فهي تخلق أناساً مأساويين ومن دون أمل. في بعض الأحيان يكون النشاط الإنساني أو الريادي المكثف نتيجةً لمحاولة نسيان مشكلتنا الأساسية، وهي الموت، لتحريرنا وإيصالنا من القلق والفراغ والملل التي تَسِم الحياة المنفصلة عن مصدرها، أي الإله الثالوثي.

لهذا السبب، وبالرغم من أفضل النوايا لدى الكثيرين من الناس النبلاء الذين جاهدوا وضحّوا بأنفسهم من أجل مثلهم، فإن هذه النظم تعارض الإنسان بشكل أساسي. باسم مجتمع أفضل وأكثر عدلاً، فإنها تشكّل عقبة أمام شركتنا الكاملة مع الله، الذي في النهاية، هو الشيء الوحيد الذي يرضي ويكمّل طبيعتنا. إنهم يقصروننا على الأبعاد المقيدة لعالم مغلق، ميكانيكي، غير شخصي ومادي، يمنعون عنّ رؤية السماء. أيّ معنى تتخذه الحياة بالحقيقة إذا كنّا حيوانات متطورة ولسنا صوراً لله؟ إذا أدِنّنا للموت دون أي إمكانية للمشاركة في حياة الله الأبدية؟

أعمال الرحمة

أعمال الرحمة

القديس سمعان اللاهوتي الحديث

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

أيها الإخوة والآباء

لا ينبغي بي أن أغامر أبداً بالتوجه كمعلم إليكم أو أن آخذ مكان معلم في حضرة محبتكم. لكن كما تعرفون جيداً، فالأرغن الذي يصنعه الحرفي لا يعزف لوحده. بينما عندما تمتلئ أنابيبه بالهواء وتلامسه أصابع العازف بالترتيب المناسب، فيصدر صوته ويملأ الآذان بموسيقاه العذبة. وهكذا الآن معي، تذكّروا أي آلة حقيرة أنا، ولا تتعاطوا بفظاظة مع ما سوف أقول. بالمقابل انظروا إلى نعمة الروح التي من فوق والتي تملأ نفوس المؤمنين بأصبع الله“[1] الذي ينقر على أوتار الفكر ويحثنا على الكلام. أصغوا بخوف ورعدة[2] إلى صوت بوق السيد، وبكلام أصح، إلى ملك الكل عندما يكلّمنا بأدوات. اسمعوا بفهم وهدوء عظيم.

على كلّ منّا أن يكون متنبّهاً ومنتبهاً لنفسه، سواء كنّا مؤمنين أو غير مؤمنين، عظماء أو حقيرين. إذا كنّا غير مؤمنين، علينا أن نؤمن لكي نصل إلى معرفة الله الذي صنعنا وإلى الإيمان به. وإذا كنا نؤمن فلكي نحيا بحق ونرضيه في كل عمل صالح. فالرهبان المبتدئون يجب أن يكونوا مستمعين للمتقدمين من أجل الرب، والمتقدمون يجب أن يعاملوا المبتدئين كأبناء حقيقيين. أعطى الرب وصية: “كل ما صنعتموه بإخوتي هؤلاء الصغار فبي صنعتموه..”[3]. الرب لم يقل هذا فقط عن السالكين في الفقر والعوز بالنسبة للطعام الجسدي، بل أيضاً عن كل إخوتنا الآخرين الضالّين بعيداً، لا من مجاعة الخبز والماء بل من مجاعة نسيان وصايا الله والفشل في إطاعتها. بقدر ما هي الروح أهم من الجسد، هكذا الطعام الروحي أهم من الجسدي. أظن أن الرب، في قوله كنت جائعاً فأطعمتموني…”[4]، قصد الطعام الروحي أكثر من الطعام الجسدي الذي يفنى، لأنه هو نفسه عانى العطش والجوع لخلاص كل منا. إنّ خلاصنا يكون بالتخلي عن كل خطيئة ويستحيل بدون ممارسة الفضيلة وتنفيذ الوصايا جميعاً. نحن نُطعم ربّ الكل، سيدنا وإلهنا، عندما ننفذ وصاياه. يعلمنا آباؤنا القديسون أن الشياطين يتغذون بأعمالنا الشريرة ثم يثورون ضدنا. وهكذا عندما نتخلى عن الشرّ يضعفون من الجوع وينهزمون. لذا أفتكر أن ذاك الذي أصبح فقيراً من أجل خلاصنا، يتغذّى بنا ويعاني من الجوع عندما نتخلّى عنه. هذا ما تعلمنا إيّاه سير القديسين الذين يفوقون رمل البحر عدداً. لهذا سوف أترك الكثيرين وأعلّم محبتكم من خلال امرأة واحدة.

أعلم أنكم سمعتم سيرة مريم المصرية عند تلاوتها، ليس كما رواها شخص آخر بل كما روتها هي نفسها. إنّ تلك المرأة المساوية للملائكة أظهرت فقرها بشكل اعتراف عندما قالت حتى عندما كان الرجال يعطوني ثمن الخطيئة، كما يحصل عادة، لم أكن آخذه. ليس لأني كنت مكتفية من حاجات الحياة، فأنا كنت أحيا من نسج القنّب، إنما ليكون لي عشاق كثر مستعدين لقضاء شهوتي“. عندما أرادت أن تأخذ السفينة لتذهب إلى الإسكندرية كانت فقيرة لدرجة أنها لم تملك لا ثمن البطاقة ولا تكاليف الرحلة. لكنها بعد أن نذرت نذرها لوالدة الإله الفائقة الطهارة وقصدت الصحراء، اشترت رغيفين بقرشين أعطاها إياهما أحدهم وجازت الأردن ومكثت هناك إلى حين موتها. لم ترَ وجه أحد غير زوسيما. وبالتالي هي لم تطعم أحداً من الجياع، ولا سقت عطشاناً، ولا ألبست عرياناً، ولا زارت سجيناً أو استقبلت غرباء. على العكس، هي قادت كثيرين إلى جهنم واستقبلتهم زواراً في مساكن الخطيئة. إذاً، كيف سوف تخلص هذه المرأة وتدخل الملكوت مع الرحماء؟ إنّها لم تنبذ الثروة ولم تعطي مالها للفقراء، كما لم تمارس أيّ عمل رحمة بل بالمقابل أصبحت سبباً لضياع الآخرين. انظروا كيف نصل إلى نهاية منافية للعقل. نحن نطرح كثيرين من القديسين خارج الملكوت إذا اعتبرنا أن أعمال الرحمة تكون فقط بإعطاء المال والطعام الجسدي، وأن الرب يغتذي فقط بهذه وأنه لا يخلّص إلا الذين أطعموه وسقوه وقدّموا له العبادة وأن الذين لم يفعلوا هذا يهلكون. إن هذا مستحيل.

كلّ الأشياء والممتلكات التي في العالم مشتركة للجميع: النور والهواء الذي نتنفسه، كما مرعى الحيوانات في السهول وعلى الجبال. كلّ هذه الأشياء صُنعَت ليستعملها الجميع ويتمتّعوا بها. ومن حيث الملكية هي ليست لأحد. لكن الشهوة تسلّلت، مثل طاغية، إلى الحياة وبطرق شتى قسّم عبيدها وتابعوها ما أعطاه السيد ليكون مشتركاً. حبستهم بالخديعة وأغلقت عليهم بالأبراج والأقفال والأبواب. حرمت كل البشر الباقين من التمتع بعطايا السيد الحسنة متبجحة بأنها تملكهم ومدّعية أنها لم تخدع أحداً. لكن أتباع هذه الطاغية وعبيدها أصبحوا بدورهم عبيد الشيطان وحفظة للمتلكات والأموال الموكلة إليهم. حتى لو تأثروا بالخوف من العقوبات المخبأة لهم أو بالأمل باستعادة هذه الأملاك مئة ضعف، أو بالعطف على بؤس البشر، وأخذوا بعضاً أو حتى كل هذه الأشياء ليعطوها لهؤلاء الذين في الفقر والأسى، هل سوف يُحسبون رحماء؟ لا بأيّ شكل. أنا أخبركم أن عليهم دَيناً من الندامة، إلى يوم موتهم، عن كل ما احتفظوا به وحرموا اخوتهم من استعماله.

من جهتنا، نحن أصبحنا شكلاً فقراء مثل ربنا يسوع المسيح الذي اصبح فقيراً من أجلنا بالرغم من غناه. كيف سوف نُحسب رحومين معه فيما نحن نظهر رحمة نحو أنفسنا وهو الذي صار مثلنا من أجلنا؟ فكّروا جيداً بما أقول. من أجلكم أصبح الله إنساناً فقيراً. أنتم الذين تؤمنون به مدينون له بأن تكونوا فقراء مثله. هو فقير بحسب الطبيعة البشرية وانتم فقراء بحسب الطبيعة الإلهية. إذاً فكّروا كيف تطعموه. انتبهوا جيداً أنه أصبح فقيراً لتصبحوا أغنياء ولينقل إليكم غنى رحمته. اتّخذ جسداً لكي تصبحوا شركاء في ألوهيته. لهذا، كما قال، يكون هو ضيفكم عندما تستعدون لاستضافته. إنّه يحسب جوعكم وعطشكم من أجله طعاماً وشراباً له. كيف؟ لأنكم بهذه الأعمال وأمثالها تطهّرون أنفسكم وتخلّصون ذواتكم من مجاعة الشهوات وقذارتها. الله الذي يستقبلكم ويجعل كلّ ما لكم لنفسه، يشتهي أن يجعلكم آلهة تماماً كما صار هو إنساناً. إنّه يحسب كلّ ما تفعلونه لأنفسكم وكأنه هو يتحمّله قائلاً كما فعلتم هذا لأصغر واحد انتم فعلتموه لي“.

بأيّة أعمال أخرى أرضى الله أولئك الذين عاشوا في المغاور والجبال وخلُصوا بالمحبة والندامة والإيمان؟ لقد تركوا العالم كله وتبعوه وحده. لقد استقبلوه وأكرموه كضيف بالندامة والدموع، لقد أطعموه وأعطوه شراباً عندما كان عطشاناً. وهكذا بالفعل، كل المدعوين أبناء الله، بحسب المعمودية المقدسة، هم فقراء وحقيرون بحسب العالم. إنّ الذين يدركون في أنفسهم أنّهم أبناء الله، لا يستطيعون من بعدها احتمال أن يزيّنوا أنفسهم لعالم عابر، لأنهم البسوا أنفسهم المسيح. مَن مِن الناس اللابسي الإرجوان الملكي يرضى أن يضع عليه ثوباً قذراً ممزقاً؟ أولئك الذين لا يعرفون هذا وهم عراة، بدون ثياب ملكية، إنما يسعون إلى أن يحملوا المسيح بواسطة التوبة والأعمال الحسنة الأخرى التي ذكرناها، فيلبسون المسيح نفسه. إنّهم أنفسهم مسحاء كما هم أبناء الله بقوة المعمودية المقدسة. ولكن ماذا ينتفعون لو ألبسوا كل العراة في العالم وفشلوا في إلباس أنفسهم وبقوا عراة؟

مرة أخرى، نحن الذين اعتمدنا على اسم الآب والابن والروح القدس، نحمل إسم أخوة المسيح. لا بل نحن أكثر من ذلك لأننا أعضاؤه. أنت تستضيف كل الآخرين وتكرمهم وتعتني بهم لأنك أخو المسيح وعضوه. ولكن ألا تكون قد عاملت أخوّة المسيح باحتقار إن أنت، بدل أن تجاهد بكل الوسائل للوصول إلى قمة تلك الحياة والشرف اللذين يرضيان الله، أهملت نفسك وتركتها مطروحة في القذارة والفساد والكآبة العميقة، من خلال الشره ومحبة اللذة، وكأنك ميت؟ ألا تكون قد تركتَه للجوع والعطش؟ ألا تكون تركته من دون زيارة وهو في السجن؟ وبالتأكيد سوف تسمعه يقول لم يكن لك رحمة على نفسك ولهذا لن ترى الرحمة“.

ولكن إن قال أحد بما أن الوضع هو على هذه الحال وليس لنا مردود للأموال والممتلكات التي نعطيها فما الحاجة إلى إعطاء الفقير؟، فاتركوه يسمع من الذي سوف يحاكمه ويجازي كل إنسان بحسب أعماله أيها الأحمق ماذا جلبت معك الى العالم؟“[5]، هل صنعت شيئاً منظوراً؟ ألم تأتِ عرياناً من رحم أمك؟ ألن تمضي من الحياة عرياناً؟ ألن تقف أمام كرسي حكمي؟ أي مال لك هناك تطلب عنه تعويضاً؟ بأيٍ من ممتلكاتك تقول أنك أعطيت صدقة لإخوتك ومن خلالهم لي؟ أعطيتك كل هذه الأشياء، ليس لك وحدك ولكن لكل الناس مشاركة. أو هل تفتكر أني اشتهيت شيئاً او أني أُرتشى مثل الطماعين من قضاة الناس؟ من المستحيل أن تكون قد افتكرت هكذا في حماقتك. ليس لأني اشتهيت أي ثروة إنما لأني أشفق عليك. وليس لأني أريد أن آخذ ما لك بل لأني أريد أن أحررك من الدينونة العالقة به (بما هو لك) وليس لسبب آخر“.

لا تفتكر أبداً يا أخي أن الله يوصيك بإظهار الرحمة نحو الفقراء ويعطي هذه الوصية قيمة كبيرة، لأنّه في عوز وغير قادر على إطعامهم. لقد أخذ المسيح ما صنعه الشيطان من خلال الطمع لهلاكنا، وحوّله بإعطاء الصدقات لصالحنا وأضافه إلى خلاصنا. ماذا أعني؟ أوعز لنا الشيطان بأن نستولي على الأشياء التي أُعطِيناها لاستعمالنا المشترك لكي نختزنها لأنفسنا حتى يجعلنا هذا الطمع عرضةً لاتهام مزدوج وبالتالي لعقاب أبدي ودينونة. الاتهام الأول هو بأننا كنا عاقين، والثاني بأننا وضعنا رجاءنا في الممتلكات المخزونة بدل الله. لأن الذي يملك ثروات مخبأة لا يستطيع أن يضع رجاءه على الله، وهذا واضح من قول المسيح ربنا بأنه حيث تكون كنوزكم تكون قلوبكم[6]. إن الذي يوزّع على الجميع من الثروة التي خبأها ليس له أي مكافأة على هذا العمل، إنما يُلام لأنه حرم الآخرين منها حتى الآن بغير حق. إضافة إلى هذا، هو مسؤول عن الذين خسروا حياتهم بسبب الجوع والعطش، وعن الذين لم يطعمهم حين كان قادراً على ذلك، وعن الفقير الذي خبّأ حصته وتركه يموت ميتة فظيعة من البرد والجوع. إنه متهم وكأنه قتل ضحايا كثيرة، بعدد الذين كان قادراً على إطعامهم.

عندما يحررنا السيد الكريم المنعم من كل هذه الاتهامات، لا يعود يحصينا بين الذين يحتجزون ممتلكات الآخرين. إنه يحسبها أملاكاً لنا يعد أن يعطينا مئة ضعف، وليس فقط عشرة أضعاف، إن نحن وزّعناها على إخوتنا بابتهاج. لا يكمن هذا الابتهاج في النظر إلى هذه الأشياء على أنها لنا بل على أنها أمانة لدينا من الله من أجل خير الخدّام إخوتنا. إنه يكمن في توزيعها بكرم وفرح وشهامة وليس بحزن أو إكراه. بعدها علينا أن نفرغ أنفسنا بفرح من كل ما فيها على رجاء تحقيق الوعد الذي قطعه الله بمكافأتنا بمئة ضعف. فالرب استعمل الدواء المناسب كونه يعرف أننا متمَلَكون بشهوة الممتلكات والثروة ويعرف كم هو صعب علينا أن نتخلى عنها، وكيف يصاب باليأس من الحياة كل مَن لا يمتلكها. لقد وعَدَنا، كما ذكرنا، بأن يردّ لنا ما نعطيه للفقير مئة ضعف. وقد فعل هذا أولاً ليحررنا من دينونة الطمع وثانياً لنتوقف عن وضع رجائنا وثقتنا في الممتلكات، ونحرر قلوبنا من هذه القيود. عندما نتحرر، نستطيع أن نتقدم بدون عراقيل إلى تطبيق وصاياه وخدمته بخوف ورعدة، ليس كما لو أننا نُحسن إليه بل كأن قبولنا في خدمته هو كسب لنا. بغير ذلك يكون مستحيلاً علينا أن نخلص. لقد أُوصي الأغنياء بأن يضعوا ثروتهم جانباً لأنها حِمل وعائق أمام الحياة التي ترضي الله، وأن يحملوا الصليب على أكتافهم ويتبعوا خطى السيد لأنه يستحيل علينا أن نحمل الحِملين معاً. كذلك ليس هناك ما يعوق الذين ليست هذه حالهم العائشين في ظروف أكثر اعتدالاً أو حتى ينقصهم الكثير من حاجات الحياة، إن هم أرادوا أن يسلكوا الدرب الضيق والصعب. المذكورون أولاً لا يحتاجون إلا العزم ليفعلوا هذا، أما الآخرون فهم يسيرون على هذا الطريق وعليهم أن يعيشوا بصبر وشكر، والرب بعدله يهيء مكان راحة للذين هم على طريق الحياة الأبدية والسعادة.

ولكن التخلي عن الممتلكات والثروة بدون المحاربة بشجاعة ضد هجمات الشهوات وكل أنواع المحن، يبدو لي ملائماً لنفس غير مكترثة ولا تعرف النهاية التي يخدمها هذا العمل. كما أن الذهب الفاسد في عمق الأرض لا يتنقى حسناً ويعود إلى لمعانه الأصلي بدون تمحيصه بالنار وضربه بالمطارق، كذلك النفس الملوثة بغبار الخطيئة لا تستطيع أن تتنقى وتعود إلى بهائها الأصلي إلا إذا التقت بتجارب كثيرة ودخلت في أتون المحن. تشير كلمة الرب إلى هذا بقوله بِع كل شيء واعطه للفقراء واحمل صليبك واتبعني“[7]. يشير هنا بالصليب الى الشهوات والتجارب. الذين يتخلون عن الثروات والممتلكات ويلجأون الى الحياة الرهبانية لن يكسبوا شيئاً بهذا التخلي إلا إذا ثابروا إلى النهاية بالتجارب والآلام والحزن الذي يرضي الله. لم يقل المسيح بترككم ممتلكاتكم تكسبون نفوسكم، بل بصبركم[8]. واضح أن توزيع المقتنيات على الفقراء وهجر العالم هما أمران ممتازان ونافعان ولكنهما لوحدهما، وبدون تحمّل التجارب، لا يستطيعان أن يصنعا رجلاً ممتازاً ومرضياً لله. إن الحقيقة هي على هذا الشكل، وهي التي ترضي الله، واسمعوه يقول للرجل الغني: إن أردت أن تكون كاملاً، بِع ما لديك واعطه للفقراء واحمل صليبك واتبعني. وكما ذكرنا سابقاً فالصليب يشير إلى التجارب والمحن.

لأن ملكوت السماوات يغتصب اغتصاباً ومن المستحيل على المؤمن أن يدخله بطريقة أخرى غير المرور بباب التجارب الضيق، فقد أوصتنا الحكمة الإلهية بأن اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق“[9] وأنه بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت السماوات“[10]. إذاً ذاك الذي يفرق برّه“[11] على المحتاجين ويتخلّى عن العالم وأعماله على أمل المكافأة، يحمّل ضميره باللذة العظيمة التي يحملها في داخله وقد يفقد مع الوقت المكافأة بسبب المجد الباطل. أما الذي يعطي كل شيء للفقراء ويتحمّل الصعوبات بشكر ويحفظ نفسه في الصعوبات ويحس بكل مرارة المعذبين وألمهم، فهو يبقي فكره غير منثلم في الوقت الحاضر. أما في الحياة المقبلة فله ثواب عظيم لأنه تشبّه بآلام المسيح وانتظره بصبر في الأيام التي فيها أغارت عليه الشهوات.

إذاً يا إخوتي في المسيح، أنا أتوسل إليكم أن نسعى لنتصرف بحسب كلمة ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح. فنحن قد تركنا العالم والأشياء التي في العالم“[12] لكيما ندخل في الباب الضيّق، الذي يستدعي قطع فكرنا وإرادتنا الشهوانيين والهرب منهما. لأننا إن لم نمت بالجسد وشهواته ورغباته فلن يكون مستطاعاً لدينا أن نحصل على الراحة والتحرر من أمراضنا، ولا الحرية التي تأتي إلينا من تعزية الروح القدس. بدون هذا أعني مجيء الروح القدسفإن أحداً لن يرى الرب، لا في هذا العالم ولا في الآتي. لأنكم فعلتم حسناً بأنكم وزعتم كل ثروتكم على المحتاجين، طالما أنكم لم تتركوا شيئاً لكم على مثال حنانيا[13]، وإضافة فقد تخليتم عن العالم وما فيه، وهجرتم الحياة العالمية واهتماماتها ووصلتم الى نعيم الحياة وغلّفتم أنفسكم بصورة التقوى[14]، فأنا اوافقكم وأمدح مجهودكم. ولكن الآن يجب أن تعرّوا أنفسكم من اهتمام الجسد“[15]، تماماً كما نبذتم ثيابكم العالمية الفاخرة. وكما أنكم وضعتم عليكم رداءكم (الرهباني) هذا من أجل المسيح، هكذا عليكم أن تكتسبوا عادات النفس والفكر الروحي نفسه. يجب أن تكتسبوا من خلال التوبة ذلك الثوب المشعّ الذي هو الروح القدس عينه. هذا يتحقق فقط من خلال الممارسة المستمرة للفضائل وتحمّل الأحزان. تتحرك النفس المنكسرة نحو الدموع بالتجارب. وعندما تنقي الدموعُ القلبَ تحوّله إلى هيكل للروح القدس ومكان راحة له. لا ارتداء الثوب الرهباني ولا ترتيب المنظر الخارجي يكفيان لخلاصنا وكمالنا. نحن بحاجة إلى أن نزيّن إنساننا الداخلي كما الإنسان الخارجي بوساطة الروح القدس فنقدم أنفسنا إلى الله بالنفس والجسد. نحن ندرّب الجسد على أعمال الفضيلة بالرياضة الجسدية[16] حتى يكون قوياً ومدرباً على الأمور المؤلمة التي ترضي الله ولكي يحمل بنبل مرارة الصوم، وقوة التقشف وضرورة السهرانيات وكل عذابات الصعوبات. بالتقوى ندرّب النفس لترتأي كما يجب أن ترتأي[17] ولتتأمل دائماً بالأمور المتعلّقة بالحياة الأبدية، وتكون متواضعة ووديعة ومنسحقة القلب، مملؤة بالندامة، باكية كل يوم تستحضر نور الروح عليها بالصلاة. هذه النعم تأتي إليها من خلال التوبة المتقدة عندما تتنقى النفس بالدموع الكثيرة. وبدون هذه لا تستطيع أن تنقي حتى ثوبها وتترك نفسها ترتفع الى المعاينة. كما أن الثوب المنتقع في الوحل والروث وسخ كلياً حتى إنه لا ينظف إلا بغسله بماء كثير ودوسه بالأقدام، كذلك عندما يصبح ثوب النفس ملوثاً بوحل الشهوات الخاطئة ووسخها، لا يعود مستطاعاً غسله ليصبح نظيفاً إلا بدموع غزيرة واحتمال للتجارب والمحن. فهناك سائلان يفرزهما الجسد بالطبيعة: الدموع التي تنسكب من فوق، والآخر الذي ينسكب من أعضاء التناسل. فالأخير يلوث النفس عندما يفرّغ بعكس الطبيعة والناموس، بينما الأول يطهّرها عندما ينسكب من التوبة. الذين أصبحوا ملوثي النفس من الممارسة الأثيمة للخطيئة وحركة القلب الشهوانية التي تطبع فيهم أشكال الشهوات غير العاقلة، يجب أن يتنقوا بدموع غزيرة ويصلوا إلى نقاوة ثوب النفس وإلا فتستحيل عليهم رؤية الله النور الذي ينير كل إنسان آتٍ إليه بالتوبة، لأن النقي القلب هو الذي يعاين الله[18].

لهذا أتوسل إليكم أيها الآباء والإخوة والأبناء، دعونا نسعى لنكسب نقاوة القلب التي تأتي من الانتباه لطرقنا ومن الاعتراف الدائم بأفكار النفس المخفية. لأننا إن اعترفنا يومياً بهذه الأفكار، محرَّكين بقلب تائب، تُخلق فينا الندامة على ما فعلنا أو افتكرنا. الندامة ترفع الدموع من عمق النفس؛ الدموع تنقي القلب وتمسح الخطايا العظيمة. عندما تُمسح هذه الخطايا بالدموع، تجد النفس نفسها في عزاء روح الرب فتسقيها ينابيع الندامة الأكثر عذوبة. بهذه تثمر الروح روحياً يوماً بعد يوم حتى تظهر ثمار الروح[19] وفي الوقت المناسب تعطي مثل حصاد وفير من الحب ومصدر طعام لا يفرغ لحياة النفس الأبدية التي لا تفنى. عندما تصل النفس إلى هذه الحالة فإنها تتشابه بالله وتصبح منزلاً ومقراً للثالوث القدوس، فهي ترى خالقها وربها بوضوح. وعندما تحاوره يوماً بعد يوم، تبتعد عن الجسد وعن العالم وعن هذا الجو وتصعد إلى سماء السماوات. فهي إذ تُحمل عالياً بالفضائل وبأجنحة محبة الله، ترتاح من أعمالها مع الصديقين وتُوجد في النور الإلهي غير المتناهي، حيث مصاف رسل المسيح والشهداء والمباركين وكل القوات العلوية ينشدون معاً في آن واحد.

إخوتي في المسيح ، لنسعى لأن نصل الى هذه الحالة. لا نقصرنّ عن آبائنا القديسين بل بحماستنا للصلاح وممارستنا لوصايا المسيح فلننتهي الى إنسان كامل، الى قياس قامة ملء المسيح“[20]. لا شيء يمنعنا من هذا إن كنا نتوق إليه. لهذا فلنمجد الرب في أنفسنا وهو يوجِد الفرح فينا. عندما ننطلق من هذه الحياة فسوف نجد الرب مثل حضن ابراهيم، يستقبلنا ويدللنا في ملكوت السماوات. نحن نصل إلى كل هذا بنعمة ربنا يسوع المسيح له المجد إلى الأبد. آمين.

[1] لوقا 20:11

[2] أفسس 5:6

[3] متى 40:25

[4] متى 42:25

[5] 1 تيم7:6

[6] لوقا 34:12

[7] متى 21:19و24:16

[8] لوقا 19:21

[9] لوقا 24:13

[10] أعمال 22:14

[11] مز9:112

[12] 1يوحنا 15:2

[13] أعمال 1:5

[14] 2تيموثاوس5:3

[15] روما 6:8

[16] اتيم8:4

[17] روم3:12

[18] متى 8:5

[19] غلاطية 22:5

[20] أفسس 13:4

كلمة عن التجديف والتبجيل

كلمة عن التجديف والتبجيل

ذكريات معجزة القديس نيل ستولوبنسك

الاسقف المعترف نيكولا موغيليفسكي مطران الما اتا وكازاخستان

التجديف هو خطيئة فظيعة! في كل مرة يتناول فيها الناس بالمزاح الأشياء المقدسة أو الأفعال المقدسة، او يقللون من التوقير السليم للقديسين ولكل ما له علاقة بالكنيسة، أو يشوّهون سمعة الكهنة أو يشهّرون بهم، يكون هذا تجديفاً. حذار من هذه الخطيئة الفظيعة! قد تقولون لي: “فلاديكا (سيدنا)، نحن لسنا مجدفين!” هذا أمر جيد! ولكن هناك العديدون بيننا مَن هم قريبون من التجديف. لنأخذ مثالاً. نزور منزلاً أرثوذكسياً فنرى صور العائلة والأصدقاء معلقة على الجدران، نظيفة، وكل شيء حولها جميل. ولكن في الزاوية القريبة نجد أيقونة معلّقة وقد اسودّت من الغبار، وتتدلّى منها بعض الأزهار القديمة المتلاشية والمجعّدة. هل هذا يرضي الله؟

هناك كهنة ممن لا يهتمون بتنظيف الهيكل ولا المذبح بما فيه الكفاية: هذا مكان رهيب حيث الملائكة تنظر بخوف ومحبة. أثناء تجوّلي في الأبرشية، وصلت إلى إحدى المدن، فقال لي المتقدّم أن أحد الكهنة (باتوشكا) كان لا يهتمّ بالنظافة ويحتاج إلى تشديد. ذهبت إلى كنيسته، وماذا رأيت؟ على المذبح طبقة من الغبار، على الأيقونات أزهار يابسة لم تُبَدَل منذ عامين. سألته: “أين هي أيقونتك العجائبية؟“. فأجاب: “ها هي!” قلت: “أنا لا أرى ذلك!”. فأجابني: “إنها هنا، فلاديكا!” فقلت لا! أنا لا أرى الأيقونات وراء كل الغبار المتراكم عليها“. طلب الكاهن الغفران ووعد بالتغير وتقديم تقرير أسبوعي عن الحفاظ على النظافة في الكنيسة.

وهنا صورة أخرى. في الفصح وبعد الانتهاء من السحرية والقداس وقد جلستم لكسر الصوم. تأكلون قطعة من الكوليش (خبز الفصح) مع الجبن، وتحيّون بعضكم البعض المسيح قام، ومعكم البيض المبارك، وتكسرونه وتأكلونه. كل شيء يتّم بشكل جيد وواضح. “وأين أضع قشور البيض؟تسأل الخادمة. “في القمامة، بطبيعة الحال!” هذه القشرة، التي رُشَّت منذ قليل بالمياه المقدسة في الكنيسة، وبورِكت بترتيل المسيح قامعليها مرات عديدة، سوف ترمونها في سلة المهملات؟ أهذا هو احترام الأشياء المقدسة وكنيسة الله؟! تذكّروا جيداً أن كل ما يتعلّق بالخدم الإلهية وكنيسة الله هو مقدس، ومن خلاله يتم سكب نعمة الله ومحبته علينا، وعليكم بالتالي أن تقاربوها بمحبة كبيرة وورع. أردتُ أن أنهي مع هذا، ولكن تذكرت قصة أخرى يجب أن أرويها لكم.

جرت القصة في دير القديس نيل ستولوبنسك على بحيرة سيليجر. رفات هذا القديس مكرّمة هناك، وهي الآن في صندوق جديد، فيما الصندوق السابق وعليه ايقونة القديس موجود في الكنيسة فارغاً. في يوم من الأيام ذهبت امرأة تقية إلى الدير مع طفلين صغيرين للتبرك من الرفات المقدسة. وبينما كانت المرأة تصلي في الكنيسة، كان طفلاها يركضان في الحديقة، ويقطفان توت الرماد غير الناضج الذي ينمو بوفرة هناك. دخلا الكنيسة التي لم يكن فيها أحد في ذلك الوقت، وحيث كان صندوق رفات القديس السابق. هناك بدآ لعبتهما: رمي التوت على أيقونة القديس.

وفجأة، وتحت سماء صافية، سمع جميع الحاضرين في الدير رعداً رهيباً هزّ المبنى بأكمله. المرأة، إذ لم ترَ طفليها من حولها، هرعت للبحث عنهما في ضوء هذا الخطر. وأخيراً وجدتهما مرميين فاقدَي الوعي قرب الصندوق الفارغ. تجمّع الرهبان هناك لإعادة الطفلين إلى وعيهما. وعندما استعادا وعيهما، سألتهما الأم عما حدث لهما؟ فأخبرا ​​كيف بدآ اللعب برمي التوت على الجد، وكيف رأيا فجأة أن الجدقام ورفع اصبعه، وإذ بذلك البرق يومض، والرعد ينفجر، وبعد ذلك لم يعودا يذكران شيئاً. أترون كيف أن الله يطارد ويحذّر حتى الأطفال الصغار الحمقى لعدم احترام قديسيه. حذّروا أطفالكم ونبّهوهم من هذا.

بصلوات القديس غريغوريوس العجائبي ليهبنا الرب لنا ولأطفالنا عطية توقير الايقونات والأشياء المقدسة. آمين.