روح التمييز

روح التمييز

الخورية سميرة عوض ملكي

يكثر الكلام عن المشاكل الناجمة عن وسائل التواصل الاجتماعي، مما صار يشكّل مادة واسعة يتداول فيها المهتمّون، فيما تغيب عن بال كثيرين. ليس هدفنا معالجة هذا الموضوع وقد سبق وأُشير إليه في أكثر من مرة، لذا سوف نتوقّف عند ظاهرتين منتشرتين وينبغي الإضاءة عليهما تحصيناً للمؤمنين ولثباتهم في استقامة الإيمان. الظاهرة الأولى هي ما يرِد إلينا جميعاً من رسائل وقصص تجذب الانتباه وتحاكي عواطف المؤمنين خاصة العاطفيين منهم، نذكر على سبيل المثال ممكن طلب صغير أن ترسل لكل واحد عندك ’المجد لك يا ربي يسوع’من فضلك اليوم سنهدي أم الله هديةأمانة لا توقفهااليوم هو نعمة الربلن يباركك الرب إن لم ترسلها… يجب أن تصل إلى عدد كذا…” يمكن وصف هذه الرسائل بالخديعة، لأنها تخدع الشخص بأن ترهبه أولاً ومن ثم تعطيه شعوراً بأنه قد أتمّ واجباتهلأنه أرسلها كما هو مطلوب. وهذه الرسالة ذات الشكل الإيماني قد تصلك من اشخاص تتفاجأ بأنهم قد يؤمنوا بهذا الضلال. فهل يمكن أن يصل الإنسان إلى أن يستعيض عن الجهاد الروحي بإرسال الرسائل النصية ظانّاً أنه يتمّم أعمال البِرّ؟ وأسوأ هذه الرسائل تلك التي تحكي عن أحلام هنا وهناك وتشجّع كل مَن يعتقد بها على الثبات في ما يعتقد أنه رؤيا إلهية، وبأن الله يكلمه في الأحلام، على خلاف ما يعلّمنا الآباء القديسون بأن الله لا يرسل إلينا إلا ما يقود إلى معرفة الحق، وبأن الأحلام ليست نبوءات وأن النبي هو بالدرجة الأولى إنسان مجاهد متطهر، وحول هذا يرِد في كتاب بستان الرهبان: “المصدِّق المنامات يشبه مَن يريد أن يلحق ظلّه ليمسكه… فإنّ الشيطان يخدع الخفيفي العقول وقد يتشكّل مرّات كثيرة بشكل ملاك نور… ويرينا ذلك في الحلم“. الظاهرة الثانية هي تلك الفيديوات المنتشرة والتي يتبادلها المؤمنون عن حسن نية وفيها مواضيع بظاهرها إيمانية لكن محتواها لا يتوافق مع تعليم الكنيسة وإيمانها. فقد يقع أحد الأشخاص على فيديو يتحدّث فيه أحد كهنة الهراطقة عن والدة الإله وعمل الروح القدس أو عن أمور لاهوتية، فيسارع إلى مشاركته مع الآخرين، معتقداً بأنه يساهم في نشر البشارة وتوزيع المعرفة اللاهوتية. لكن مَن حَكَم بأن المحتوى متوافق مع إيمان كنيستنا؟ وبالرغم من الكنوز التي تختزنها كنيستنا الأرثوذكسية، فإن ما يؤلِم حقاً أن بين أبناء الكنيسة مَن صاروا مدمنين على عظات وأقوال رجال دين معينين يجاهرون بمخالفتهم تعليم الكنيسة الأرثوذكسية (كالأنبا شنودة مثلاً)، لكنهم يفسّرون الكتاب المقدس ويتكلّمون عن القديسين بعواطف جياشة وأسلوب يدغدغ دواخل الناس، فيسارعون إلى نشرها ومشاركتها. لكن كم يمرّ في هذه المحاضرات من العبارات والأفكار المخالفة لتعليم الكنيسة أو التي تزرع الشكّ بهذا التعليم, كما يصف الرسول بطرس في رسالته الثانية مُعَلِّمُونَ كَذَبَةٌ يَدُسُّونَ بِدَعَ هَلاَكٍ.. وَسَيَتْبَعُ كَثِيرُونَ تَهْلُكَاتِهِمْ؟ يحكي تقليدنا عن أن الأريوسيين ألّفوا أغانٍ شعبية لتحمل أفكارهم إلى الناس، واليوم الأمر نفسه حيث أن المبتدعين يضعون تسجيلات، لكن الفرق أن أبناء الكنيسة يساهمون بنشرها. البعض يدافع عن هذا النشر بالقول بأن الخلاف مع المبتدعين لفظي، وبهذا يغرس في ذهن الناس أن الآباء القديسين لم يُحسِنوا استعمال الألفاظ اللاهوتية وبذلك ينصّب ذاته معلّماً على معلّمي العقيدة التي ثبّتوها في المجامع المسكونية. وآخرون يتمسّكون بنشر هذه المواد معتبرين عملهم عمل محبة ونبذاً للتعصب. ألا يعني هذا الكلام اتهاماً للآباء بقلّة المحبة؟ أليس هذا ضرباً لتاريخ الكنيسة والتقليد الذي دافع عنه الآباء حتى بذل الدم لحفظه سالماً من البدع؟ وفوق كل هذا، إن الإصرار على نشر ما لا يتوافق مع تعليم الكنيسة يعكس كبرياءً خطيراً يستدعي التوبة، بينما الرسول يعلّمنا بأن مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ، يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا” (يعقوب 20:5) وليس العكس.

ختاماً استشهاد بقديسنا الشيخ باييسيوس الأثوسي حول هذا الموضوع على لسان الأب اسحق (عطالله) الآثوسي، وفيه يصيب النقطة التي نناقشها: بالنسبة للاّخلقيدونيين (المونوفيزيت) قال (أي القديس باييسيوس): ‘هؤلاء لا يقولون إنهم لم يفهموا الآباء القديسين، بل إن الآباء القديسين لم يفهموهم. أي وكأنّ عندهم حق والآباء أساؤوا فهمه‘.

وأوضح أن الإقتراح القائل بأن نمحو من الكتب الليتورجية صفة الهرطقة عن ديوسقوروس وسفيروس هو إهانة بحق الآباء القديسين. قال: ‘كمّ من الآباء القديسين المستنيرين بالله كانوا معاصرين لهم، لم يفهموهم ورفضوهم. أفنأتي نحن بعد قرون كثيرة لنصلح الآباء القديسين؟ وعجيبة القديسة أوفيميا أفَما يحسبون لها حساب؟ فهي أيضاً قد رفضت كتاب الهراطقة‘” [1]

[1] “حياة الشيخ باييسيوس الآثوسي، للأب اسحق (عطالله) الآثوسي، منشورات الجبل المقدس – آثوس، ص. 506-507

الفتور وحال الأرثوذكسية اليوم

الفتور وحال الأرثوذكسية اليوم

الأب أنطوان ملكي

في رؤيا يوحنا، نقرأ السيد يقول لمَلاَكِ كَنِيسَةِ الّلاَوُدِكِيِّينَ: “أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، أَنَّكَ لَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا. لَيْتَكَ كُنْتَ بَارِدًا أَوْ حَارًّا!هكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي” (رؤيا 15:3-16). يذكر الآباء الذين يتناولون هذا النص أن كنيسة لاودكية تشير إلى كنيسة الأيام الأخيرة التي يسود فيها الفتور. ما هو الفتور وما هي المشكلة فيه؟

الفتور في الحياة الروحية هو حالة عدم الاكتراث التي قد تتكوّن لأسباب مختلفة. يعلّم القديس قوزما الإيتولي أنّ الفتور يأتي من قلّة الإيمان. الضعف البشري والمثالية البشرية قد تؤديان أيضاً إلى الفتور. والاستكبار أيضاً قد يزرع الفتور. ليس الهدف هنا معالجة الفتور من الزاوية النفسية بل من زاوية علاقته بالجهاد الروحي، بالغيرة المقدسة وبالشهادة للحق. في تعليمه، القديس سلوان الأثوسي يدعو إلى الجهاد: “لا تتهرّب من الجهاد، فالرب يحبّ المحارب الشجاع. الرب يحب الروح الباسلة“. الفاتر يتهرّب من المواجهة، من مواجهة أهوائه، ومن مواجهة الأخطار التي تحدق بالمحيطين به، ومن بينهم وربّما على رأسهم الكنيسة. يؤكّد القديس ثالاسيوس في الفيلوكاليا أن الفتور هو من اللامبالاة الناتجة عن الابتلاء بمحبة الذات.

أمّا عن المشكلة في الفتور، فالقديس يوحنا السلّمي يرى أن الفتور يؤدّي إلى موت الإحساس في الإنسان. يقول القديس ذياذوخوس فوتيكي أن الفتور يمنعنا من الشعور بالرغبة القوية بالبركات المُعدّة لنا في الحياة الآتية وينتقص من الحياة الروحية محطّماً هذه الحياة العابرة بشكل مفرط.

تطول لائحة الأقوال الآبائية التي تحذّر المؤمنين من الفتور وتمتد إلى قديسين معاصرين. يقول معاصرنا القديس نيقولا فيليميروفيتش: “في عالم اليوم من اللامبالاة والفتور الروحي ، والتي هي جذور الإلحاد والابتعاد عن الله، يُحَثُّ الإنسان على تجاهل الجذور الروحية وأصول الممارسات الدهرية عندما تبدو أشكالها الخارجية عادية ومسلية وغير ضارة. إن عقيدة الإلحاد تكمن في العديد من هذه الممارسات التي تنكر وجود الله والشيطان معاً”. الأب جورج موريلي الذي ينير على الطب النفسي المعاصر بفكر الآباء يقول أن اللامبالاة التي تعكس الفتور هي أكثر الخطايا ممارسة في هذا الزمن، وأنها أهم انعكاسات الدهرية.

وكما قد يصيب هذا الفتور الأفراد يصيب الجماعة، التي هي مجموعة الأفراد. قد يحاجج البعض أن هذا الكلام لا يصحّ في الكنيسة التي يستحيل أن يصيبها الفتور لأن رأسها المسيح. هذا قول لا غبار عليه، لكن واقع الكنيسة يتطلب منّا أن نتفكّر في ما أوصلَنا إلى حيث نحن. من أهم العوامل التي أضعفت الكنيسة عبر العصور هو الفتور المستشري على كافّة المستويات. فالرؤساء متى أصابهم الفتور يمتنعون عن الوقوف مع الحق ويدفعهم تفضيل الهدوء بحجة السلام والتدبير إلى غضّ النظر عن أخطاء قد تكون سوابق. والشعب يمنعه الفتور من الوقوف مع الرؤساء حين يقطعون كلمة الحق باستقامة، ومن مطالبتهم عندما يحيدون عن الحق، سواء عن كسل أو عن جهل أو عن نسيان.

لو أخذنا اليوم الشركة التي انقطعت بين الكرسيين القسطنطيني والروسي والتي تشغل العالم الأرثوذكسي. هذا يحمّل المسؤولية للقسطنطينية وذاك يحمّلها لموسكو. الحق يقال، أنّه فيما تتحمّل القسطنطينية المسؤولية القانونية عن الأزمة في أوكرانيا، إلا إن كل الأرثوذكس يتحمّلون مسؤولية الوصول إلى هذه الحالة التي أودت إلى انقطاع الشركة. الكل مسؤولون لأنهم فاترون، البطاركة والأساقفة والكهنة والرهبان والشعب. وهذا الفتور ليس وليد الساعة، بل قد تسلل إلى الكنيسة منذ أن تحررت من الاضطهاد، لكنه تكثّف مع مطلع القرن العشرين. هذا الفتور سمح للمنطق المسكوني بأن يتغلغل في عروق الكنيسة، وترك منافذ كثيرة تسللت منها الدهرية إلى حياتها. لامبالاة الأرثوذكس سمحت بأن يتنقّل إنسان كملاتيوس ميتاكساكيس بين أربعة كراسٍ مترئساً، وقبلت بأن يتقدّم إنسان مثل أثيناغوراس، وأن يرفع أناثيما هو يستحقها عن مَن لم يتُب، والأسوأ أن اللامبالاة والفتور جعلا الرؤساء الآخرين يتبعونه بدل أن يدينوا أفكاره ويدينوه. لامبالاة الأرثوذكس، من كل الطغمات وعلى كل المستويات، جعلتهم مكسر عصا يتدخّل في شؤونهم السياسيون ويفرضون مصالحهم، محلياً وعالمياً. لامبالاة الأرثوذكس صمّت آذانهم عن سماع صوت أنطاكية حين تظلّمت لأنها ظُلِمَت في قطر، وصربيا حين تظلّمَت لأنها ظُلِمَت في أرضها وهي اليوم مهَدَّدة في مكدونيا والجبل الأسود، وروسيا حين ظُلِمَت في أوكرانيا وهُدِّدَت في أستونيا وروسيا البيضاء، والقدس حين ظُلِمَت بخلع بطريركها الشرعي وتركيب اللصوصي مكانه.

المؤلم هو أن كل هذا جرى بمشاركة الكلّ. ينطبق علينا اليوم قول إرمياء النبي يَشْفُونَ كَسْرَ بِنْتِ شَعْبِي عَلَى عَثَمٍ قَائِلِينَ: سَلاَمٌ، سَلاَمٌ. وَلاَ سَلاَمَ” (14:6). السلام الفعلي يأتي مع الحق. شعب الله بحاجة إلى رعاة، إلى قادة، إلى مَن يرفعه ويدلّه على الطريق إلى الله. “الرُّعَاةَ بَلُدُوا وَالرَّبَّ لَمْ يَطْلُبُوا. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ لَمْ يَنْجَحُوا، وَكُلُّ رَعِيَّتِهِمْ تَبَدَّدَتْ” (إرمياء 21:10). لم يقل النبي أن الرعاة عملوا ما يبدد الرعية، بل أنها تبددت لأنهم لم يعملوا. تبددت لأنهم غير مبالين.تبددت لأنهم فاترون.

إن عدم العمل هو خطيئة توازي العمل الخاطئ. هكذا يعلّم الرسول يعقوب في رسالته: “ فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ” (17:4).

إن إهمال هذا الأمر وذاك، وغض النظر عن هذا وذاك، تارة بحجة السعي إلى السلام وأخرى بحجة التدبير، يحطّم الكنيسة ويشوّه صورتها في عيون أبنائها ويكشف مكامن ضعفها لأعدائها. هذا لاحظه القديس باييسيوس الأثوسي فجاء قوله دقيقاً: “عندما يكون هناك احترام للأشياء الصغيرة، يكون هناك احترام أكبر للأشياء الأكبر. عندما لا يكون هناك احترام للأشياء الصغيرة، فلن يكون هناك احترام للأكبر. هكذا حافظ الآباء على التقليد.”

حتّى من خارج الكنيسة الأرثوذكسية، نقرأ عند سي آس لويس في قصته رسائل المسمارأن الشيطان كان يدرّب ابن أخيه وورموود لكي يقوم بخدمة فعالة له في العالم، فقال له أنا، الشيطان، سوف أحرص دائماً على وجود أشخاص سيئين. أما وظيفتك، يا عزيزي وورموود، فهي أن تزودني بأشخاص غير مبالين“.

إن فتور الأرثوذكسيين يضع الأرثوذكسية في خطر جدي قد يؤدّي إلى تفككها. هذا بدأ بين أنطاكية والقدس، واليوم هو بين القسطنطينية وروسيا، وقد يتطور ليصير داخل الكنائس نفسها. أبشع أوجه هذا الخطر هو أن أحداً لا يتعاطى معه روحياً بل الكل يناقشه سياسياً“. لم نسمع دعوة من بطريرك أو أسقف أو غيرهما إلى صلاة لحفظ الكنيسة. ما من أحد يحكي عن التوبة إلا الكتاب المقدس: “كُنْ غَيُورًا وَتُبْ. هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي. مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضًا وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ.” (رؤيا 15:3-19)

حول الحوار بين الكنائس الأرثوذكسية وغير الخلقيدونية

حول الحوار بين الكنائس الأرثوذكسية وغير الخلقيدونية

مذكرة من شركة جبل آثوس المقدسة

نقلها إلى العربية الأب انطوان ملكي

كتب الرئيس المشارك للجنة المشتركة للحوار اللاهوتي بين الكنائس الأرثوذكسية وغير الخلقيدونية، الجزيل الاحترام دمسكينوس، أسقف سويسرا، مقالاً بعنوان الحوار اللاهوتي للكنائس الأرثوذكسية والكنائس الأرثوذكسية الشرقية: خواطر ووجهات نظر “[Episkepsis # 516 / March 31، 1995]. ساهم هذا المقال برفع مستوى القلق لدى الجبل المقدس فيما يتعلق بتطوّر هذا الحوار اللاهوتي.

أمام هجمة العديد من الأرثوذكسيين نحو الحوار العشوائي مع غير الخلقيدونيين رأينا من الضروري ترجمة هذه الرسالة ووضعها بين يدي المؤمنين الأنطاكيين [المترجم]

من المعروف أن اتحادًا متعجلاً يتمّ فرضه على الأرثوذكس وغير الخلقيدونيين على الرغم من الاختلافات العقائدية القائمة حاليًا والمشاكل الكنائسية المتنازع عليها، كمثل قبول غير الخلقيدونيين غير المشروط لقرارات المجامع المسكونية وقدسيتها وعالميتها.

عبّر مجلس الشركة المقدسة، في تقريره حول حوار الأرثوذكس وغير الخلقيدونيين بتاريخ 1 شباط 1994، عن تحفظاته حول مسيرة هذا الحوار اللاهوتي. باختصار، لا يقود هذا الحوار إلى وحدة في الحقّ، أي وحدة مقبولة من وجهة النظر الأرثوذكسية. هذه التحفظات عبّر عنها أيضاً أساتذة بارزون في المعاهد اللاهوتية وغيرهم من رجال الكنيسة في دراسات خاصة بهذه المسألة المحددة.

من المفروض وجود نقاش واسع ضمن جسد الكنيسة حول أمور مهمة مثل هذه للإعلام وحتى يتحرّك وعي الكنيسة بحرية ومن دون عوائق.

غير أن أسقف سويسرا قد وصف هذه المناقشة في مقالته المذكورة أعلاه بأنها انتقادات أعرب عنها بعض الأوساط الدينية لإثارة الشكوك حول القضايا التي يغطيها تماماً اللاهوت المعبَّر عنه في البيانين المشتركين‘” [ص. 15]. يبدو من هذا الوصف أنه يفهم الحوار اللاهوتي كموضوع خاص فقط ببعض اللاهوتيين، خبراء العقائد، الذين لا يهتمون تمامًا بقلق الأتقياء. إذا كان بالحقيقة شعب الله غاضبًا من لاهوت الإعلانات المشتركة، أليس من المفروض أن تتخذ الكنيسة قراراً مجمعياً حول أرثوذكسيتها؟ وينبغي اتخاذ مثل هذا القرار في وقت قصير جداً، خشية أن يستمر التطور المقلِق لهذا الحوار اللاهوتي القائم على لاهوت الزائف.

بعد أن علمنا بمثل هذا الخطر، أي الاتحاد مع غير الخلقيدونيين على أساس افتراضات غير أرثوذكسية، نحن في حالة عدم ارتياح دائم وسخط مقدّس. الإيمان في خطر، ونحن لا نستطيع أن نعبث بأشياء لا يُعبَث بها. نحن على علم بمسؤوليتنا في حماية عقيدة الكنيسة المقدسة وكنسيّتها وحفظها من دون ابتداعات كما تلقيناها من الآباء القديسين.

لهذا نحن نتوجّه من:

صاحب القداسة برثلماوس، البطريرك المسكوني ومجمعه المقدس

الرؤساء الفائقو البركة للبطريركيات القديمة والبطريركيات الأخرى ومجامعها المقدسة

الرؤساء الفائقو البركة للكنائس الأرثوذكسية المستقلّة ومجامعها المقدسة

كل الإكليروس الأرثوذكسي المقدس والشعب المؤمن في كل العالم

لشجب اللجنة المشتركة لهذا الحوار بسبب الانحرافات التالية التي لاحظناها فيما بعد وتحققنا منها، وفي عملنا هذا، نحن نعترف بأن ما يحرّكنا هو الشعور بالمسؤولية فقط.

أولاً) تشكيك اللجنة المشتركة بوعي كنيستنا المستمر بأنها الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية، عندما قبلت اللجنة ما يرد في البيان: “على الدوام حفظت كلتا العائلتين بصدقٍ الإيمانَ الأرثوذكسي الخريستولوجي نفسه والتسلسل الرسولي غير المنقطع“. [II البيان المشترك ، الفقرة 9]

ثانياً) مهاجمة صلاحية وسلطة المجامع المسكونية المقدسة في قرار اللجنة المشتركة بأن رؤساء الكهنة غير الخلقيدونية ديوسقوروس ويعقوب وسفيروس، وغيرهم، لا يعتبرون هراطقة بل أرثوذكسيين في تفكيرهم. إن وعي الكنيسة الأرثوذكسية يدرك أن العصمة والسلطة في الروح القدس هي في المجامع المسكونية وترفض قبول إمكانية إعادة النظر في قرارات أيّ مجمع مسكوني في ايّ مجمع مسكوني آخر من دون اعتبار المجمع الأخير محفلاً هرطوقياً، كمثل مجمع أفسس اللصوصي.

ثالثاً) قرار اللجنة المشتركة المتعلّق بإمكانية رفع الحرم الذي وضعه مجمع مسكوني. هذا قرار غير مقبول وغريب على فكر الكنيسة السليم، وهو يسيء إلى وعي الكنيسة الأساسي لسلطة المجامع المسكونية.

رابعاً) مخالفة اللجنة المشتركة جذرياً لتعاليم الآباء القديسين عن خريستولوجيا غير الخلقيدونيين. إن الآباء (مكسيموس المعترف، صفرونيوس أورشليم، أناستاسيوس السينائي، يوحنا الدمشقي، فوتيوس الكبير، ثيوذوروس الستوديتي، ثيوذوسيوس رئيس الأديرة، وغيرهم) يصفون خريستولوجية غير الخلقيدونيين بالهرطقة، لكن اللجنة المشتركة تعتبرها أرثوذكسية واستمرارًا لإيمان الكنيسة الرسولي القديم.

خامساً) قبول اللجنة المشتركة بأن غير الخلقيدونيين المعاصرين يؤمنون بنفس خريستولوجيتنا. ومع ذلك، هذا غير واضح في البيان المشترك (1989 ، 1990)حيث يوجد العديد من التعبيرات القابلة للتفسير المونوفيزي الشبيه بتعليم سفيروس، الطبيعة الواحدة المتّحدة” [البيان المشترك 1] والطبيعتان تختلفان فقط في الفكر “[البيان المشترك 2]. فقد طُلب من غير الخلقيدونيين توضيح هذه المصطلحات لتبديد أي حالة من عدم اليقين حتى نكون متأكدين من أنهم يفهمونها بالمعنى الأرثوذكسي. للأسف لم يتم الحصول على إجابة.

سادساً) حصر اللجنة المشتركة طلب الإدانة بتطرف أوطيخا في الاعتقاد بالطبيعة الواحدة. بحسب تعاليم الآباء القديسين وضمير الكنيسة المتعبّد، حتى المونوفيزيتية المعتدلة عند ديسقوروس وسفيروس هي بدعة. إن المقارنة بين بعض الصيغ في البيانات المشتركة وتعبيرات معاصرة للبطاركة واللاهوتيين غير الخلقيدونيين المعاصرين تثبت تمسكهم بالمونوفيزيتية المعتدلة.

سابعاً)إعلان مطران سويسرا المضلّل بأنّ غير الخلقيدونيين يقبلون تعاليم مجامعنا المسكونية [Episkepsis # 5/16، March 31، 1995، p]، على الرغم من رفضهم قبول التفسير الأرثوذكسي لتحديدات المجامع المسكونية الرابع والخامس والسادس والسابع، على أنها تفسيراتهم. سوف نقدم كلمة بكلمة نص البيان المشترك الذي يفترض أنه يدعم قبولهم لتعاليم هذه المجالس المسكونية: “أما بالنسبة لمجامع الكنيسة الأرثوذكسية الأربعة اللاحقة، فإن الأرثوذكس يصرحون بأن بالنسبة لهم، النقاط المذكورة أعلاه من واحد إلى سبعة هي أيضاً تعاليم المجامع الأربعة اللاحقة للكنيسة الأرثوذكسية، بينما في نفس الوقت يعتبر الأرثوذكس الشرقيون هذا التصريح بمثابة التفسير الخاص بالأرثوذكس. بهذا التفهّم المتبادَل تجاوب الشرقيون“. نحن نسأل: أيمكن أن يُستنتج من هذا الإعلان أن غير الخلقيدونيين يقبلون بدون تحفظ تعاليم مجامعنا المسكونية؟

ثامناً) نظرية اللجنة المشتركة الجديدة بأن إعلان غير الخلقيدونيين الرسمي عن مسكونية المجامع المسكونية الرابع والخامس والسادس والسابع، كان يعتبر عمومًا نتيجة طبيعية لاستعادة الشركة الكاملة أو أنه يمكن تقييمه في المستقبل“. [Episkepsis # 516 / March 31، 1995، p. 15]. بعبارة أخرى، إن الوحدة سوف تتمّ من دون الاعتراف بالمجامع المسكونية. ولكن بعد الوحدة، سيتمّ قبولها على الأرجح أو سيتمّ طرح مسألة تقييمها. نحن نسأل: أي أسقف أرثوذكسي وقد أقسم على أن يدافع عن المجامع المسكونية والمحلية، سيقبل بالمناولة المشتركة مع أساقفة يناقشون مسكونية المجامع المسكونية؟

إن الشك في قبول غير الخلقيدونيين لمسكونية المجامع، تثبّت في إعلان البطريرك القبطي شنودة الثالث أمام اللجنة الأرثوذكسية في شامبيزي: “أما بالنسبة للمجامع المسكونية، فنحن نقبل الثلاثة الأولى نحن نرفض مجمع خلقديدونيةأستطيع أن أقول بصراحة شديدة أن كل المشرق لا يستطيع قبول مجمع خلقيدونيةلديكم سبعة مجامع مسكونية. إذا اضطررتم أن تخسروا واحداً، فلن يكون خسارة كبيرة بالنسبة لكم” [من المتروبوليت خريسوستوموس كوستانتينيدس مطران ميرا، حوار الكنيسة الأرثوذكسية مع الكنائس الشرقية القديمة، في دورية Theologia، أثينا 1980، Vol. 51، Issue 1، page 229-230].

تاسعاً) ميل اللجنة المشتركة إلى إخفاء الأحداث وإعطاء معلومات مضللة إلى الجسم الكنسي ما يُعتَبَر أعمالاً مثيرة للغاية لحساسيات الكنيسة، وهو يثبت في ما يلي:

أ) يجب نشر محاضر الاجتماعات الرسمية للجنة المشتركة للحوار بهدف إعلام رؤساء الكنيسة والإكليروس والشعب المؤمن وتوعيتهم.

ب) بأوامر من الكنائس المحلية، عقدت اللجنة المشتركة اجتماعها الرابع، وعلى أساس ما تمّ قبوله والاتفاق عليه في البيانات المشتركة، واتخذت قرار إمكانية رفع الحروم. [إعلان الاجتماع الرابع ، Episkepsis 498 ، 30 تشرين الثاني 1993 ، ص. 4 ، 6]. نحن نسأل: أيٌ من المجامع المحلية أعطى هذا الأمر أو على أساس أي قرارات مجمعية وافق رؤساء الكنائس على نصوص البيانات المشتركة وباركوا قرار رفع الحرم، أعلى أساس لاهوت البيانات المشتركة كما لو أنها تقوم على قاعدة أرثوذكسية قوية؟ فلتُنشر مثل هذه القرارات الصادرة عن المجامع المقدسة. وإلا فسيُفهَم أن اللجنة المشتركة ستقوم باتخاذ قرارات متتالية دون أن تؤمّن أولاً موافقة مجمعية على تشريعاتها السابقة وقراراتها.

ج) يؤكّد أسقف سويسرا الفائق الاحترام: “كل الكنائس الأرثوذكسية والشرقية المحلية المذكورة أعلاه رحّبت بحماسة، لا بالنتائج الإيجابية للحوار اللاهوتي وحسب، بل أيضًا باحتمال استعادة الشركة الكنسية بعد انفصال دام خمسة عشر قرن؛ لقد وصفوا الاتفاق الكامل على العقيدة الخريستولوجية بأنه حدث تاريخي.” [Episkepsis # 516 / March 31، 1955، p. 14]. هذا التأكيد هو تناقض مدوٍّ مع إجراءات ملموسة اتخذنها الكنائس وهي تشهد على عكس ذلك. نشير على وجه التحديد إلى:

1) توصية المجمع المقدس للكنيسة اليونانية، في 2 شباط 1994، إلى اللجنة المجمعية حول القضايا العقائدية والقضائية، حيث تقترح اللجنة أن لا تسارع الكنيسة اليونانية إلى قبول هذه ’البيانات’ وأن تعتبر ما يلي كشروط عقائدية أساسية لاتحاد غير الخلقيدونيين مع الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة :

أ) قبول غير الخلقيدونيين بتحديدات المجمع المسكوني الرابع

ب) الاعتراف بالمجامع المسكونية الرابع والخامس والسادس والسابع على أنها مسكونية بالإضافة إلى تحديداتها العقائدية ومن دون بيانات تفسيرية

ج)عدم التشجيع على الصلوات المشتركة أو غيرها من مظاهر العبادة المشتركة“…

إذا لم تُستوفى هذه الشروط، فإن غير الخلقيدونيينيبقون… غير أرثوذكسيين[Ecclesia، January 1-15، 1995، issue 1، p. 31]

2) في كانون الأول 1994 قدمت اللجنة اللاهوتية المجمعية لكنيسة روسيا تقريراً إلى مجمع رؤساء الكهنة المقدس، وعليه قرر مجمع الرؤساءما يلي:

1) الموافقة على تقرير اللجنة اللاهوتية المجمعية؛

2) تحديد أن البيان المشترك الثاني ومقترحاته إلى الكنائسلا يمكن اعتباره نصًا نهائيًا

3) وجوب أن تجري اللجنة اللاهوتية المجمعية دراسة إضافية لمحاضر الاجتماعات السابقة للاهوتيي الجانبينومن ثمّ، ستقوم الكنيسة الأرثوذكسية الروسية بإبلاغ اللجنة المشتركة للحوار اللاهوتي برأيها…

4) مع الأخذ في الاعتبار ضرورة مشاركة شعب الله في هذا الأمر من أجل تأسيس الوحدة بثبات، حيث أن الشعب بحسب رسالة بطاركة الشرق، هوحارس التقوى القديمة، فإن المجمع يرى أن الوقت مناسب لتنظيم مناقشة لكل الكنيسة حول هذا الموضوع المحدد” [Episkepsis، 516، March 31، 1995، p. 16].

ألم يكن هناك خداع فاضح في المعلومات المقدّمة إلى شعب الله؟

د) لقد أعلن لنا أساقفة من كنائس أرثوذكسية مختلفة أنه لم يتم إطلاعهم أبداً على الأحداث في هذا الحوار اللاهوتي وأنهم لن يقبلوا أبدًا الوحدة ما لم يقبل غير الخلقيدونيين المجامع المسكونية.

نحن نسأل: أيمكن تبرير مثل هذا الإغفال في إعلام أساقفة الكنيسة أصحاب الاهتمام المباشر، خاصة وأن الموافقة المجمعية المسبقة هي شرط لا غنى عنه عند التعامل مع مثل هذه القضايا الخطيرة؟

عاشراً) قرار مجمع الكنيسة الرومانية المقدس الغريب عن فكر الكنيسة، لكونه:

أ) يعتبر أن المجامع المسكونية وضعت الحروم على الهراطقة بروح تفتقر إلى المحبة، بينما اليوم، بوجود المحبة، يمكن إنجاز الوحدة. إن هذه الطريقة بالتفكير هي تجديف عميق ضد الروح القدس، الذي بإلهامه اتُخذَت هذه القرارات، كما ضد ذكرى الآباء القديسين المقدسة، الذين تدعوهم الكنيسة متوشحين بالله، أفواه الكلمة، قيثارات الروح، إلخ

ب) يقترح استبدال سلطة المجمع المسكوني بإجماع المجامع المقدسة المحلية أولٌ جديد في تاريخ الكنيسة.

ج) يوافق على تنظيم برامج لنشر قرارات اللجنة المشتركة بين الشعب دون أن يكون هناك قرار سابق بالإجماع. هذه الظروف الحالية هي بالتأكيد مؤلمة وضارّة للشعب الروماني التقي.

لهذا السبب ، تمتلئ قلوبنا بحزن لا يوصف لكنيسة رومانيا.

حادي عشر) قرار اللجنة المشتركة المثير للقلق للغاية بتطهير الكتب الطقسية من النصوص التي تشير إلى غير الخلقيدونيين كهرطقة. إن هذا القرار سوف يشوّه الخدم المقدسة لكثير من القديسين المعترفين بالإيمان والعديد من الآباء الأبرار، ولا سيما آباء المجمع الرابع في خلقيدونية وعملياً سيتمّ إسكات سينوذيكون الأرثوذكسية كما سوف يتوقف شعب الله عن قراءة سيَر العديد من القديسين.

نحن نسأل: هل النصوص المشار إليها أعلاه هي مجرّد عناصر زخرفية من الترتيل الأرثوذكسي بحيث يمكن إزالتها بدون ألم وبدون ضرر، أم أنها عناصر أساسية للأرثوذكسية، سيؤدي عزلها إلى استئصال فهمنا للأرثوذكسية؟

بقدر ما نحن معنيون، هذا سيكون ابتداعاً غير مقبول له عواقبه على هوية الكنيسة الأرثوذكسية ذاتها.

إننا بشجبنا لكل ما سبق، أمام البطريركية المسكونية المبجلة ورؤساء الكنائس الأرثوذكسية المحترمين والإكليروس المقدس والشعب المؤمن، نسعى إلى إعادة تأسيس الحوار اللاهوتي بأسرع ما يمكن على المبادئ الصحيحة، حتى يحفظ الأرثوذكس لأنفسهم الإيمان الأرثوذكسي غير معاب، ولكن أيضًا حتى يكون لغير الخلقيدونيين إمكانية العودة إلى كنيسة المسيح الحقيقية، التي انقطعوا منها لمدة خمسة عشر قرناً.

نحن نؤمن أنه بنعمة المسيح ستحقق مساعي كافّة أعضاء الكنيسة الدؤوبة نتائج إيجابية.

وفي حال، لا سمح الله، أتت الوحدة خارج الحقيقة الوحيدة، نعلن صراحة وبشكل قاطع أن الجبل المقدس لن يقبل مثل هذا الاتحاد الخاطئ.

بين الأرثوذكس والأقباط: الالتباس اللاهوتي وامتداده الرعائي

بين الأرثوذكس والأقباط: الالتباس اللاهوتي وامتداده الرعائي

الأب أنطوان ملكي

إن العلاقة بين الأرثوذكس وغير الخلقيدونيين ملتبسة منذ ثمانينيات القرن الماضي، وقد عملت دوائر حوارية عديدة في الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة على تسخيف الخلاف العقائدي الخريستولوجي الذي دام خمسة عشر قرن، ببثّ الاعتقاد بأنّ الخلاف مع غير الخلقيدونيين هو خلاف لفظي وحسب. لطالما شكّل هذا الكلام التباساً يأخذ بعداً أكبر في أيامنا هذه، خاصةً مع الفوضى الناتجة عن سهولة النشر والتواصل الإلكترونيين.

في مكتبتنا العربية دراسة، هي الأهمّ في العالم الأرثوذكسي، حول الفرق اللاهوتي بين الأرثوذكس وغير الخلقيدونيين، كتبها العلّامة الآبائي جان كلود لارشيه، نقلها إلى العربية الأب الدكتور يوحنا اللاطي، راجعها ودقق فيها الأرشمندريت توما بيطار، هي في الأصل مقال منشور في Le Messager Orthodoxe العدد 134 منشورات ACER في باريس، وقد صدرت بالعربية عن عائلة الثالوث القدوس، أوراق ديرية 7، سنة 2004، بعنوان المسألة المسيحيانية في شأن مشروع اتّحاد الكنيسة الأرثوذكسية والكنائس غير الخلقيدونية: مشكلات لاهوتية وكنائسانية معلّقة“. يؤكّد الكاتب في خاتمته: “ليس الحوار بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنائس اللاخلقيدونية بجديد… أنشئت مشاريع اتحاد عدة على مرّ القرون إلى أيامنا هذه. يبيّن التاريخ لسوء الحظ أن المناهضين لخلقيدونيا (باستثناء الكنيسة الأرمنية) ما غيّروا قط في مواقفهم، وأن كل الخطوات إلى الأمام باتجاههم قامت بها الكنيسة الأرثوذكسية، الأمر الذي أدّى في حالات كثيرة إلى أن يقترب عدد ليس بقليل من رؤساء الكهنة من الهرطقة…”

إن حجم الدراسات والمواقف الأرثوذكسية الرزينة والمستندة إلى الآباء القديسين كبير، لكنه لا يحظى بالدعم السياسيالكافي لنشره بين المؤمنين وتحصينهم ضد العواطفية التي تجعلهم يعتقدون بإمكانية الوحدة أو التقارب من دون العقيدة والحق. يزيد هذا الواقع من الالتباس في هذه العلاقة، خاصةً عندما ينتقل الالتباس من المستوى اللاهوتي إلى المستوى الرعائي، فيتحوّل الالتباس خطراً. وما يزيد الخطر هو تمسّك غير الخلقيدونيين بمواقفهم التاريخية بمقابل التراخي الأرثوذكسي.

كمثال على أن الأقباط لم يتزحزحوا عن تعاليمهم عدد من الفيديوات المنتشرة للبابا شنودة وغيره يشرحون فيها عقيدتهم. في واحد منها بعنوان شرح مجمع خلقيدونية وطبيعة السيد المسيح، 1989″ يشرح شنودة تعليم الأقباط عن الطبيعة المركّبة مستعملاً عبارات تخالف بشكل لا لبس فيه تعليم الأرثوذكسية عن الطبيعتين فيقول: ” لا نستطيع من بعد الاتحاد أن نتكلّم عن طبيعتين. إنما طبيعة واحدة بعد الاتحاد… لما اكتمل الجنين اصبح طبيعة واحدة…” [1] هذا الكلام يردّ عليه حرفياً تعليم القديس يوحنا الدمشقي لا سبيل للكلام عن طبيعة واحدة في ربنا يسوع المسيح… فإننا نقول بأن الاتحاد صائر من طبيعتين كاملتين…” (المئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، منشورات المكتبة البولسية، ص. 156).

عليه، سوف نتطرّق إلى موضوع هذا الالتباس عبر ملاحظات رعائية نضعها تحت ثلاثة عناوين: 1) أثر شبكات التواصل الاجتماعي، 2) مساعي التقارب المستمرّة، و3) الحوارات الشعبية.

1) أثر شبكات التواصل الاجتماعي

تنتشر عظات وأقوال الأنبا شنودة وغيره من اﻷنبايات كالنار في الهشيم. وما يشير إلى الخطر الرعائي أن العديد من الكهنة الأرثوذكسيين يساهمون بقوة في نشرها. ففيما تظهِر الإحصائيات ضعف المشاركة في المنشورات الإلكترونية ذات المصدر الأرثوذكسي، تظهِر تفوقاً كبيراً في المشاركة في المنشورات ذات المصدر القبطي. إن قواعد الاتصال الجماهيري (mass communication) تؤكّد خطأ هذه الممارسةحيث أن مشاركة تعاليم من مصادر غير أرثوذكسية تشرّع هذه المصادر. فعلى سبيل المثال، إذا شارك أحد الكهنة مع رعيته فيديو لكاهن غير أرثوذكسي يتحدّث صواباً عن موضوع ما، ولم يرفِق مشاركتَه بتعليم واضح حول صحة الكلام الوارد في الفيديو حصراً من دون أن يشرّع مصدره، فإن أبناء الرعية، أو أقلّه بعضهم، سوف يشاركون فيديوات أخرى من المصدر نفسه لأنه صار محسوباً مصدراً شرعياً. كمثالٍ نورد خبراً من إحدى الرعايا، حيث شارك كاهنها رعيتَه فيديو لكاهن قبطي يتحدّث بدقّة عن موضوع أخلاقي، فأُعجب بعض أبناء رعية هذا الأب بالكاهن القبطي الذي كان متحدثاً لبقاً وصاروا من الزوار الثابتين لموقعه، وبعد فترة صاروا يتكلّمون لغة الأقباط حول طبيعتي المسيح.

فيما تمثّل هذه القصة خفّةً غير مقصودة في التعاطي إلا إن الخفّة بشكل عام تجرّح كنيستنا على أكثر من مستوى. كمثال وفي إطار مشابه، عندما يرى المؤمنون أنّ مطارنة يشاركون في صلوات مشتركة بملابس الخدمة الكهنوتية، فإنهم يعتبرون أن المشاركة مع غير الأرثوذكس شرعية، فلا يتوانون عنها.

2) مساعي التقارب المستمرّة

يقوم اليوم مسعى للتقارب مع الأقباط غير متّضح الملامح بعد. فعلى موقع حركة الشبية الأرثوذكسية بعنوان التقارب بين الكنيسة القبطية وكنيسة الروم الأرثوذكس خطة الاتحاد العالمي المسيحي للطلبة، بتاريخ 24 أيلول 2018، يرد الخبر التالي: <بدعوةٍ من الاتّحاد العالمي المسيحيّ للطلَبة في الشرق الأوسط، وتحت عنوان “الكنيسة والتربية: تحدّيات معاصرة (منطلقات من فكر كوستي بندلي المفكّر الكبير)”، أُقيمت 3 ندوات في مصر حاضر فيها الأخ الدكتور نقولا لوقا وذلك في 20، 21 و22 أيلول في خطوة تقارب بين الكنيسة القبطيّة والكنيسة الأرثوذكسيّة> [2]. هذا الخبر يطرح مجموعة من التساؤلات: مَن يأخذ قرار التقارب، أهو المجمع الأنطاكي أم الاتّحاد العالمي المسيحيّ للطلَبة في الشرق الأوسط؟ هل وافق المجمع على هذا التقارب؟ ما هو الأساس العقائدي لهذا التقارب؟ ما هو الثمر الرعائي الذي سوف ينتج عن هذا التقارب؟ إذا كان هناك مشكلات لاهوتية وكنائسانية معلّقة بين الكنيستين، هل يكون علاجها وتخطيها بالحوار التربوي وبفكر كوستي بندلي أم بحوار لاهوتي دقيق يقوم به لاهوتيون مُنتَدَبون؟

هذه المجموعة من الأسئلة، وطبعاً هناك غيرها، إنّما تظهِر عدم الوضوح والالتباس في العلاقة.

3) الحوارات الشعبية

فيما الحوارات الشعبية قد تقرّب الناس من بعضها إلى أنها متى تطرّقت إلى الأمور اللاهوتية تعمّق الالتباس المذكور أعلاه. نورد الحَدَث التالي لتأكيد ضرورة أن يكون الموقف الأرثوذكسي ثابتاً في أرثوذكسيته، وإلا فإن أصحابه يساهمون من حيث لا يدرون في انتشار الخطأ.

نشرت مجموعة محبو كوستي بندليعلى صفحتها في 1 أيلول 2018، القول التالي للأستاذ بندلي، مأخوذاً من فتات من نور“: <ما يؤكد هذا الخفر الإلهي، الذي رأينا أنه سمة أساسية في تعاطي الله مع الكون، هو أنه، لما انحدر اليه، لم يتّخذ شكلاً فائقاً، بل شكل إنسان كسائر الناس، آخذا صورة عبد ، صائراً بشبه البشر، وكأنه أفرغ ذاتهمن ألوهته (فيليبي 7:2). هكذا تواجد لديه أقصى الحضور، نتيجة حبه للكون، وأقصى التواري، نتيجة الحب عينه> ومن ضمن مساهمات القرّاء الطبيعية، جرَت المحادثة التالية حيث كتب أحد المشاركين واسمه مارتن رأفت: “افرغ ذاته من الوهته.. الكلمة دي صعبةفردّ المسؤول عن الصفحة: “لهذا من الضروري أن نقرأها مع كلمة كأنهالتي أثبتها الكاتب قبل هذه العبارة ونصِلها بالفكرة السابقة آخذا صورة عبد‘…فكان رد مارتن رأفت: “يعني فالحقيقه هو لم يفرغ ذاته“. بنتيجة هذا الحوار، حذف المسؤول عن الصفحة المحادثة، لكن يمكن الوصول إليها من محفوظات فايسبوك. جدير بالذكر أن زيارة صفحة مارتن رأفت تظهِر أنه قبطي ملتزِم.

ما معنى هذه المحادثة؟ يعبّر بندلي عن التعليم الأرثوذكسي حول إفراغ السيّد لذاته واتّخاذه الطبيعة البشرية، استناداً إلى تعليم الرسول بولس في الآية المذكورة التي تقول حرفياً: “لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ“. زيادة كلمة كأنهغير الواردة في الآية أصلاً هي خطأ. إن كانت هذه الزيادة مقصودة نستنتج أن بندلي يعلّم غير ما تعلّمه الكنيسة. وإن كانت هذه الزيادة هفوة لغوية، فيعني أنه يفتقد للدقة في أمور حساسة لا تتحمّل الهفوات.

لا يهدف هذا المقال إلى مناقشة فكر بندلي بل الأكيد هو أن فكر بندلي، أو غيره، لا يمكن أن يكون مادة للتقارب في اللاهوت إلا إذا اعتمده وجدان الكنيسة الجامعة مرجعاً. أما في الأمور الأخرى، كالتربية وعلم النفس وغيره، فالحكم هو لأصحاب الاختصاص، مع التشديد على أن لا مجلس الكنائس ولا اتحاد الطلبة المسيحيين ولا حركة الشبيبة الأرثوذكسية، ولا أي كاهن أو علماني يتبرّع للمساهمة في هذا التقارب منفرداً هو مَن يختار.

من جهة أخرى، تظهِر المحادثة أن الأقباط متمسّكون بنظرتهم المسيحانية التي تخالف التعليم الأرثوذكسي وهم يعلّمون أجيالهم هذا التعليم، بما يؤكّد أن القول بأن الخلاف بين الأقباط والأرثوذكس هو خلاف لفظي غير صحيح. فوق هذا، إن عملية الحذف عن فايسبوك تؤكّد خطورة أن يتعاطى الحوار اللاهوتي مَن هو غير مؤهّل ومتدرّب لذلك. واضح أن عبارة وكأنهتعني أن الأمر فعلياً لم يحدث، وهذا ما وجد فيه القبطي دعماً لنظرته، وما وجد فيه القائم على الصفحة إحراجاً واتّهاماً لكوستي بندلي بالافتقاد إلى التعبير الدقيق عن العقيدة الأرثوذكسية فلجأ إلى الحذف. لكن مَن يعرِف كم من الناس قرأ هذا الحوار قبل حذفه؟

في الختام، نعيش في أنطاكيا فوضى لاهوتية سببها الأساسي عدم الاهتمام باللاهوت من جهة وغياب المجمعية من جهة أخرى. لا لجان تدرس ولا أساقفة تراقب ولا معاهد تبحث ولا أديار تسهر، فيما شبكات التواصل الاجتماعي تفتح شهية الجميع على اتّخاذ دور التعليم بغضّ النظر عن النوايا. من جهة أخرى، انفتاح بعض الأنطاكيين على المؤسسات الكونية التي يهمها تسجيل اللقاءات بين الكنائس على أنها إنجازات في سِيرِها، يزيد من قابلية التأثّر والإصابة في الكنيسة. يُضاف إلى هذه التوهّمُ الذي يعيشه البعض، ومنهم من الرؤساء، بأن الوحدة المسيحية الشكليّة تزيد من مناعتهم في الوضع السياسي والاجتماعي القائم.

[1] https://youtu.be/ZUzzqdRj0hY ابتداءً من الثانية 2:50

[2] http://mjoa.org/archives/30004

حول الهوية الأساسية للمسكونية والعرقية الوطنية

حول الهوية الأساسية للمسكونية والعرقية الوطنية

المتقدم في الكهنة بيتر هيرز

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

كتب الاب سيرافيم روز ذات مرة أن الفرق بين الأرثوذكسية وغير الأرثوذكسية يظهر بالشكل الأكثر وضوحاً في أن الكنيسة الأرثوذكسية (في قديسيها) قادرة على تمييز الأرواح. وعلاوة على ذلك، فإن التمييز بين أساليب الأرواح الساقطة مطلب أساسي لتكوين علمَي الخريستولوجيا والإكليسيولوجيا. كما كتب الإنجيلي يوحنا “لأَجْلِ هذَا أُظْهِرَ ابْنُ اللهِ لِكَيْ يَنْقُضَ أَعْمَالَ إِبْلِيسَ(1 يوحنا 3: 8).

لذلك، بقدر ما يتطهر الإنسان من الأهواء ويستنير بروح الله، تصير رؤيته الروحية مفتوحة ويكتسب التمييز. هبة التمييز هذه، وهي أعظم الفضائل، تفترض تلقّن الموت والقيامة والحياة في المسيح، كما تُعاش في جسده أي الكنيسة. واقع أن قلّة من المسيحيين الأرثوذكس فقط يتمتّعون بقدر جيد من هذه الهبة هو شهادة على انتهاكات روح ضد المسيح الذي هو، بتسمية أخرى، الدهرية. إن غاية الروح الدهرية هي إنكار طبيعة المسيح الإلهية وجسده، سَاعَةِ التَّجْرِبَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَأْتِيَ عَلَى الْعَالَمِ كُلِّهِ لِتُجَرِّبَ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِقبل صعود رجل الإثم، ضد المسيح. هذه االتجربة آتية على العالم في المقام الأول من خلال انتشار البدعة الإكليسيولوجية المعروفة باسم المسكونية.

المسكونية والدهرية

إن المسكونية كبدعة إكليسيولوجية وإنكار لحقيقة جسد المسيح، وتشويه منهجي لطريق المسيح، قد وُلدت وتربّت في المسيحيةالدهرية. وكما قلنا ، فإن الدهرية هي أولاً وقبل كل شيء روح ضد المسيح، الذي هو بالفعل في العالم، وَكُلُّ رُوحٍ لاَ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ، فَلَيْسَ مِنَ اللهِ“. هذا لا يشير فقط إلى تلك المسيحيةالتي تنكر بصراحة لاهوت ربنا، الآريوسية المعاصرة بأشكالها المختلفة، بل كل روح ينكر أن يسوع المسيح أتى أي أتى وسكنفي جسده الذي هو الكنيسة الواحدة.

الحركة المسكونية، كحركة توحيدية، تسعى بشكل يثير السخرية إلى التغلب على جرسة الانقسام من خلال إنكار فضيحة الخاصيّة“* أي التجسد. تتمثّل هذه الفضيحة بدخول المسيح واستمراره في التاريخ في وقت ومكان معينين، أي بكونه سرياً ومن خلال التجسد هناوليس هناك“. من هنا، بدلاً من صلب فكرهم على صليب هذه الفضيحة، يسعى أتباع يسوع غير المتعصبون والعقلانيونإلى إيجاد هيئة بشرية على صورتهم: “منقسمة في الزمن، بحثًا عن ملءٍ يفترضون ضمناً وجوده فقط في السماوات. إنهم يرون الكنيسة مقسّمة في التاريخ، مقيّدة بيد التاريخ الثقيلة. إنهم يرون أن معرفات الكنيسة (identifiers) ليست بالدرجة الأولى العلامات الحصرية للوحدانية والقداسة والجامعية والرسولية، بل بالأحرى الظواهر الخارجية هي التي توحّد بالفعل، كماء المعمودية (إن كان يُرَشّ أو يُصَبّ أو يُغَطس)، الطقوس، والاعتقاد بألوهية المسيح أو النص المشترك للكتاب المقدس. إنه لأمر قليل الأهمية أن هذه العناصر الخارجية، لا بل وغيرها الكثير، كانت موجودة عند الهراطقة القدماء كأصحاب الطبيعة الواحدة أو محاربي الأيقونات ولم تُعتبر كافية لإنتاج أي نوع من الشركة الجزئيةأو الوحدة الموجودة أصلاً“. لا يبدو أنه يزعجهم أن الشياطين تؤمن وتقشعرما قد يعني أن الوحدة في الإيمان بألوهية المسيحسوف تشمل بالضرورة الشياطين.

هذه الإكليسيولوجيا الجديدة، هذه الرؤية الجديدة للكنيسة، أو للمسيح نفسه كرأس وجسد، يمكن وصفها بأنها نسطورية إكليسيولوجية، حيث تنقسم الكنيسة إلى كنيستين منفصلتين: من جهة الكنيسة في السماء، خارج الزمن ، وهي وحدها صحيحة وكاملة، ومن ناحية أخرى، الكنيسة، أو بالأحرى الكنائسعلى الأرض، في الزمن، وهي ناقصة ونسبية، تائهة في ظلال التاريخ، تسعى إلى التقرب من بعضها البعض ومن ذلك الكمال المتعالي على قدر إمكان ضعف الإرادة البشرية الزائلة.

لكنهم على ما يبدو لا يدركون أن في إنكار وحدانية المسيح بشكل واضح في زمان ومكان معينين على وجه الأرض، في الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة والرسولية، ينكرون أيضًا أنه جاء في الجسد. إنهم يسعون لتشكيل كنيسة من عناصر متباينة أو الاعتراف بكنيسة قائمة بالفعل ولكنها مقسّمةبدلاً من الكنيسة الواحدة، وهي جسد بدلاً من جسد الإله القدوس الذي أتى، وفي هذا الكشف هم من روح ضد المسيح (تحديداً الذي يُوضَع في مكان المسيح).

العرقية (Phyletism) والدهرية

من الغريب أن ما يُنظر إليه في الغالب على أنه معارض للمسكونية، أو حتى للهرطقة التي يُسعى إلى إصلاحها بالمسكونيّة، أي القبلية العرقية، هي روح عشيرة مع المسكونيّة ولدت وترعرعت في الوسط الروحي نفسه أي الدهرية.

كما هو الحال مع بدعة المسكونية ، يرى القبلي العرقي أن الكنيسة محدودة في التاريخ وضمنه، لا كما هي محددة بالمقام الأول بصفات الوحدة والقداسة والجامعية والرسولية، بل محددة بهويته العرقية وماضيها. هدف الكنيسة عنده ليس خلاص جميع البشر من الخطيئة والموت، إنما خلاص هويتهم العرقية وأمتهم. مع العرقية، الحال هو كما مع المسكونية، تضيع الهرمية، ويكون التمييز في غير مكانه أو يختفي حول ما يتعلق بما يأتي أولاً وما يتبع من ناحية هويتنا، مع إعطاء الأوليّة لما يأتي ثانياً وثالثاً.

إن العرقية هي سليفة لازمة للمسكونية، يأتي الرقّاص إلى اليمين ليتجّمع الزخم من أجل التأرجح الكبير إلى اليسار والارتداد الذي يتلوه. كان من الضروري أيضاً إيجاد إنسان يحلّ مكان الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية الآبائية حتى يصير ممكناً تهميش المعارضة الشرعية للإكليسيولوجيا الجديدة وشقّها جنباً إلى جنب مع مختلف العوالمعلى اليمين. من المفترض أن تأتي المسكونية كتصحيح للعرقية، ولكن من المفارقات أنها يمكن أن تكون، في كثير من الأحيان، مصالَحة سلميةمع العرقية.

على سبيل المثال ، عندما ينظر المرء إلى كنيسته على أنها محددة بشكل أساسي بقبيلته، فإنه يقبل بسهولة أن قبيلة جاره يجب أن يكون لها أيضًا كنيسة وطنية (بالنسبة للعقل الدنيوي، لا يهم ما إذا كان أرثوذكسيًاتمامًا أو جزئيًا“). فقط في هذا السياق يمكن فهم هذه الظاهرة في الغرب حيث لا يرى المهاجر مشكلة في أن يذهب أطفاله إلى الجماعة المحلية غير الأرثوذكسية لأنهم أصبحوا أمريكيينويذهبون إلى الكنيسة الأمريكية“.فقط عندما يفهم الإنسان أن العرقيين يماثلون جسد المسيح الإلهيالإنساني بلغتهم وثقافتهم يبدأ باستيعاب سبب تفضيلهم لفقدان أولادهم وترك رعيتهم تموت معهم، على تغيير نقطة واحدة من هذه الجوانب العابرة.

المسكونية والعرقية: وجهان لعملة واحدة من الدهرية

بعيدا عن أن تكونا عدوتَين أو مصححتَين إحداهما للأخرى، فإن المسكونية والعرقية هما وجهان لعملة الدهرية الواحدة. كلاهما تنكر جامعية الكنيسة الواحدة وتسعى كلاهما للاعتراف بكنيسة منقسمةمكانها، سواء كان الانقسام على أسس عرقية أو طائفية. كلاهما يخفض الكنيسة إلى المستوى الاجتماعي والتاريخي، واضعاً إياها في خدمة العالم الساقط بمقابل خدمة خلاص الإنسان من العالم والتغلب عليه، حسب قول الرب: “ثقوا لقد غلبت العالم“(يو 16: 33).

إن أكبر دليل على أن المسكونيّة والعرقية ممتَلَكتان من روح ضد المسيحتكمن في ثمارهما. إنهما تعملان ضد خلاص العالم لأنهما تجعلان الكنيسة في العالم، لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ، إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجًا وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ(متى 13:5). فمن ناحية تنكران طبيعة الكنيسة الواحدة الإنسانيةالإلهية، سواء بالمسكونيّة أو بالعرقية، كما ينكرون انتماءها إلى العالم الآخر، وقوة الصليب التي فيها (أي النسك) والتي إذا ارتفعت بها تجذب جميع الناس نحو المسيح (يوحنا 32:12).

ومن ناحية أخرى ، من دون مغناطيس القداسة والفضائل الإلهيةالبشرية، فإن ابنتي الدهرية هاتين تحرمان غير الأرثوذكسيين من الوخز الخلاصي الذي يصيب النفس، والذي يسمّيه الشيخ القدّيس بايسيوس اﻷثوسي الاضطراب الصالح“. بكثرة الحديث عن المحبة، كلٌ على طريقتها الخاصة (الأمة أو المسكونة)، تتكشفان كلاهما مجردتين من محبة خلاص الأخ، لأنهما تتركانه في الوهم والخطأ، الواحدة عن طريق إقامة حاجز عرقي، والأخرى بحرمانه الطريق الضيق.

* فضيحة الخاصية (scandal of particularity) عبارة وضعها رئيس أساقفة كانتربري الأسبق، وليم تامبل، وهي إشارة إلى صعوبة النظر إلى إنسان واحد، أي يسوع، كمخلّص لكل البشر (المترجم).

المقال الأصلي بعنوان “On the Essential Identity of Ecumenism and Phyletism” عن

http://anothercity.org/on-the-essential-identity-of-ecumenism-and-phyletism/

المسكونية على لسان شيوخ معاصرين

المسكونية على لسان شيوخ معاصرين

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

مقابلة مع الأب جورج كالسيو الروماني

حول التنازلات داخل الكنيسة… اليوم توجد فكرة أن المسكونية ضرورة في المدى الكنسي. ماذا تظن في ذلك؟

إن كنا نطيع الشيطان، فهل يعني أنه ضرورة؟ ليس ضرورة بل خطيئة، تجربة كبيرة، هرطقة. أرى أن على الكنيسة الأرثوذكسية أن تنتبه لنشاطاتها، لا أن تهتمّ بالمسكونية وغيرها من الحركات. عليها أن تحيا في المسيح كما كانت من قبل.

ما هي قوة الأرثوذكسية؟

إن قوة الأرثوذكسية تكمن في حقيقة أنها لم تغيّر أياً من القوانين التي كانت ثابتة إلى انفصال الكاثوليك، بينما قوة الكثلكة تكمن في عدد المؤسسات. قدرة الكثلكة تتحطّم اليوم بينما قدرة الأرثوذكسية تبقى. إذا سقطت الأرثوذكسية، فإنها تسقط بخطايا الشعب الذي فيها، ليس بشيء آخر. لأن الأرثوذكسية بذاتها لا تُغلَب.

إذاً، نحن نتراجع داخل كنيستنا

نعم. المشكلة هي أننا أفسدنا ذواتنا لا الآخرين. حتّى الآن، في المجموعة الأوروبية يمكن لأي كنيسة أن تحفظ هويتها الكاملة، من دون تنازل أو ضرر للعقيدة الدينية، إن كانت واعية أن عليها أن تحفظ هذه الهوية.

هنا يجب أن نغيّر العقليّات قليلاً…

حسناً، هذه هي المشكلة.إذا فقدنا تعلّقنا بالتقليد الأرثوذكسي وبدأنا بإذابة ذواتنا في هذه الحركة السخيفة المجرمة فعلى الأكيد سوف نضيع. حتّى لو لم تكن مجرمة فهي ضد المسيح. إنها لمأساة عظيمة! لكن البعض يقومون بذلك… أنا أفكّر إن كانوا حقيقة لا يعرفون خطرها، أو ربّما هم مرتَشون؟ لا أعرف، ولا أفهم…

كيف ترى حالة الكنيسة اليوم؟

كما في تلك القصة التي كانت أمي تحكيها لنا في طفولتنا، عن جيش الشياطين الذين أتوا إلى بيت الأرملة حين كانت تصلّي مع أولادها السبعة. الأمر نفسه يجري اليوم، هناك جيش عظيم من الشياطين يحوم حول الكنيسة. أعني أن هذا يجري مع أي كنيسة أرثوذكسية في العالم ليس فقط مع كنيستنا (رومانيا)؛ ملايين من الشياطين يركضون حولها. لطالما كان هناك الكثير من الاضطرابات في كل حقبات التاريخ لكن اليوم هناك الكثير أكثر، هذا ما نراه. هناك الكثير من الكهنة فاقدي الطاعة، والكثير من الرهبان الجوّالين الذين ينبغي ألّا يتركوا أديارهم على هواهم. رهبان كثيرون يذهبون إلى الغرب، علامَ يبحثون هناك؟ ينبغي بهم أن يبقوا في أديارهم. إن لم يعجبهم ديرهم لأنه مسكوني أو شيء آخر، يمكنهم أن يختاروا ديراً أخراً لأن هذا مسموح لهم. أعني أنّ علينا أن نفرض نظاماً على ذواتنا من خلاله نحترم سلطة الكنيسة، لأنها تستحق أن يحترمها المسيح. لكن ابقوا في وجه الشيطان. كونوا كالعامود الثابت! حتّى متى اصطدم بكاهن أو راهب أو أسقف ينغلب.

Source: Viata parintelui Gheorghe Calciu dupa marturiile sale si ale altora“, Editura Christiana, Bucuresti, 2007

الشيخ يوستينوس بارفو

إن المسكونية كذبة كبيرة. إنهم يتكلّمون باسم المحبة، خارج المسيح، ما يرميكم خارج الحق. إن كان المسكونيون فعلاً يحبّون العالم لما تبرؤا حقيقة من قيمة تقليد آباء الكنيسة المسيحي وغناه الروحي. إنهم يبرؤون المسيحية من جمالها المنعَم به عليها. الله تخلّى عنهم، ولم يبقَ إلا أناهم. لا، لسنا بحاجة لكم. نحن نقود العالم، نحكم العالم، نعطي الخبز، نمنح السعادة على هذه الأرض. يجب أن يُلقى القبض على يسوع مجدداً حتّى لا يشوّش مسيرتنا. إزاحة الله من العالم والنفس في أي حال، هذا هو هدف المسكونية التي رفضها أيضاً القديس يوستينوس بوبوفيتش. إن المسكونية والعولمة هما واجهة آخر الأزمنة. غايتهما تعويد عين الأرثوذكسيين وروحهم على الخدمة مع الهراطقة، إلى أن يشتركوا معهم بالمناولة من نفس الكأس. كان ممكناً أن يعطى لهم هذا الحق ببناء كنائسهم الخاصة. لكن لا، ما يريدونه استراتيجياً هو التنازل عن المعابد وخضوع الكهنة ذوي القلوب الضعيفة سريعي الطاعة“. لدى المسكونيين انطباع خاطئ بأنهم سوف يأتون بشيء جديد إلى كنيسة المسيح. لا ننسيّنّ أن الكنيسة هي الجسد الذي رأسه المسيح. لا يمكن قطعها عن المسيح الذي هو الطريق والحق والحياة. لن ينجز المسكونيون أي شيء. أنتم لا تستطيعون تغيير الحقيقة بحسب الرغبات البشرية. تبقى الحقيقة الإلهية نفسها في كل الأجيال. يتكلّم الروح القدس بأفواه حاملي الله لا حاملي المصالح البشرية. لم تتبع الكنيسة المسيحية الجماهير يوماً؛ لم تكن الغالبية هي القائدة ولا حاملة الحقيقة، بل القلة المختارون هم حملة الروح القدس. نحن نعمل فقط تحت حقيقة الآب، وإنجيل ربنا وتقليد الكنيسة الأرثوذكسية. كل هذا البهتان الذي ظهر في عالمنا لا غاية له إلا إحراج وتقويض تقليد الأمة ومعتقداتها بالكامل. لا تُطرَح أسئلة ولا تُعطى إجابات والناس تقبل كل ما يُكتَب على المستوى الرسمي كمسلَّم به. لكن في عدم حلّ هذه المسائل العقائدية، يستقر الكذب ببطء في كنيستنا الأرثوذكسية. كل المحاولات المسكونية لتوحيد الجماعات المسيحية الأخرى القائمة في الهرطقة، الحوارات التي نمَت في كنيستنا الأرثوذكسية، منذ أن عرفتْها، لم تصل إلى أي نتيجة لأن أساسها خاطئ، لأنها كاذبة ولا عمل لها إلا تشويش الحياة المسيحية الأصيلة.

text extracted from the book “Din învățăturile și minunile Părintelui Justin” (من تعاليم وعجائب الأب يوستينوس)

الأب يوستينوس بارفو: حول القديس يوستينوس بوبوفيتش والحركة المسكونية

بالنسبة لي، القديس يوستينوس بوبوفيتش هو أفضل تطبيق للعقيدة في هذا الزمن. إنه رجل جلب الله بين الناس، إلى حضارة مرتكزة على نفسها، على الإنسانوية الشيطانية. لاهوتي عظيم وعقائدي ذو قيمة كبرى لم يمنح الراحة ولا هو يمنحها من خلال أسلوبه الحاد في تقديم الحقيقة. بالطبع، لا نجده يُدَرَّس في الكليات اللاهوتية. إنه يظهّر كعدو عظيم للكنيسة ولأوروبا لأنه حاجج ضج البابوية وكل الهرطقات الإنسانوية في الدول الأوروبية، لكن بوجه خاص ضد الهرطقة الكاثوليكية التي أبعدت الناس عن الله. إنّه بالحقيقة رسول إلى الأمم الأوروبية. لقد عبّر عن الفرق بين إيمان الشرق وإيمان الغرب: الشرق الذي يسلك حياته في التوبة وإنكار الذات من خلال العذابات والصعوبات، والغرب المأخوذ بالحركة المسكونية والإنسانوية. الثورة الفرنسية هي ذروة الإنسانوية والوجودية – فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، البرتغال هي أهل الإنسانوية ولا تستطيع احتمال الشرق حتى في أيامنا.

Source: http://www.atitudini.com

الشيخ افرام الفاتوبيذي

نحن ضد المسكونية. ومَن هو غير المسكوني؟ الذي حياته متجذرة بشكل صحيح في الكنيسة الأرثوذكسية. قووا أنفسكم بالحياة في الكنيسة الأرثوذكسية، عيشوا الروحانية الأرثوذكسية، وسوف تكونون انتم أيضاً ضد المسكونية. هذا ما أردت إخباركم به.


القديس أنطونيوس الكبير والمسكونية المعاصرة

القديس أنطونيوس الكبير والمسكونية المعاصرة

المتقدّم في الكهنة ثيوذور ذيسيس

1. ما لم يعفُ عنه الزمن: بيئة مماثلة بين الأديان وبين المسيحية

إن تذكار القديس أنطونيوس الكبير في الكنيسة … يعطينا بنعمة الله وبركة القديس الفرصة لنفرح مرة أخرى بسيرته الرائعة التي كتبها تلميذه رئيس أساقفة الإسكندرية، عمود الأرثوذكسية، القديس أثناسيوس الكبير. إنها نموذج في أدب سيَر القديسين لجميع الذين كتبوا لاحقاً.

يعالج الجزء الأكبر من السيرة إنجازات القديس أنطونيوس، كفاحه ضد الشياطين وتعليمه عنهم، كما إنجازه العظيم في أن يكون مؤسس التجمعات في الصحراء، ملؤه الصحراء بالأديرة، وبالتالي كونه مؤسس حياة الزهد وقائدها. “أقنع الكثيرين باختيار حياة التوحّد، وبهذا أدّى إلى أن تصير الأديار على الجبال وفي الصحراء مأهولة برهبان خرجوا من تلقاء أنفسهم وتجنّدوا في المدينة السماوية“.

لقد قطع غيابه الطويل عن العالم مرتين من أجل النضال والإسهام في إنقاذ الأرثوذكسية، التي في ذلك الحين كما الآن، كانت في خطر من أعداء الخارج وأكثر منه من الأعداء الداخليين. لم تكن المسيحية أبداً على قدم المساواةفي المحادثات والمفاوضات مع الأديان الأخرى، كما يجدّف المدعوون قادةً مسيحيين في اجتماعات ضد المسيح للحوارات الدينية. المسيحية كانت ولم تزل الحقيقة الوحيدة والطريقة الوحيدة للخلاص والضوء الحقيقي الذي حلّ محل لا الأضواء الأضعف منه بل محلّ ظلام المغالطة وجهل الله. “الشَّعْبُ الْجَالِسُ فِي ظُلْمَةٍ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا، وَالْجَالِسُونَ فِي كُورَةِ الْمَوْتِ وَظِلاَلِهِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ” (متى 16:4). المسيح لم يقل أنا إحدى الطرقات، وإحدى الحقائق، وأحد الأضواء من بين طرق أخرى، وحقائق أخرى، وأضواء أخرى، بل أنا الطريق الوحيدة، والحقيقة الوحيدة، والضوء الوحيد“.” أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي“(يوحنا 6:14)، أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ” (يوحنا 12:8).

إن حصرية الكتاب المقدس التي يصفها البعض اليوم بأنها هامشية وأصولية، فيما يهينون ويقطعون كلّ مَن يعلنون بثبات وإخلاص أنها الإنجيل والحياة التي دفع ثمنها الرسل القديسون والشهداء غالياً،مفضّلين أن يتعرضوا للتعذيب وسفك الدماء بدلاً من المساومة مع ما يُسمّى الحقائقبهدف التعايش في النموذج المتعدد الثقافات السائد في العلاقات والاجتماعات بين الأديان، مفترضين أن هذا محبة للآخرين.

2. معلمو التقاعس والنفاق. كليّو المعرفة و المتواضعون

قبل قسطنطين الكبير، أثناء اضطهاد ماكسيميانوس لمسيحيي الإسكندرية في عام 311، كان القديس أنطونيوس الكبير في الحادية والستين من العمر، ترك الصحراء والزهد والصلاة لفترة من الوقت وجاء إلى الإسكندرية، شجاعاً وغير خائف مشتاقاً لأن يشهد وأن يشجع أولئك الذين يقادون إلى الاستشهاد. لقد تجاهل بشكل قاطع أوامر القاضي للرهبان بالخروج من المدينة وعدم الحضور في المحاكم. ظهر أمام الحاكم الذي كان في مقعده البارز في المحكمة، مبرهناً استعداد المسيحيين للقتال والشهادة على إيمانهم. “وقف غير خائف، مبيناً لنا الغيرة المسيحية، لأنه هو أيضا رغب في الاستشهاد كما قلنا سابقاً“. بالطبع حفظه الله ولم يُقتَل، لأنه أكثر فائدة على قيد الحياة، لكنه لم يحبس نفسه في قلايته في الصحراء بل كان عادة يخدم المعترفين كواحد معهم في العمل في خدمتهم“. عندما يكون الإيمان الأرثوذكسي في خطر، فإن الأولوية الروحية الأولى هي للدفاع عنه، والنضال ودعم الذين يجاهدون، والقبول بتقديم الدم وحتى الموت؛ كلّ الواجبات الروحية الأخرى تصير ثانوية. كل الآخرين الذين يعملون أو يقدمون المشورة على عكس ذلك، هم ببساطة يغطّون أعذارهم لتخلفهم وجبنهم فيصبحوا معلمين وأساتذة للتقاعس والنفاق.

بالطبع لن نقدم هنا كيف واجه أنطونيوس العظيم رجال الأدب العظماء المتعلمين وفلاسفة الوثنية، بمرافعة لا تُرَدّ، وهو نفسه أميّ، تاركاً إياهم لا كلام لهم مذهولين. قد نفعل ذلك مرة أخرى، لأن الوثنية وعبادة الآلهى تعود إلأى الظهور مرة أخرى، بدعم من أنصار أقوياء. لم يكن القديس يعرف كل شيء كما هم كانوا، لم تكن لديه المعرفة الدنيوية، لكنه كان يعرف الكتاب المقدس وتعاليم القديسين وقبل كل شيء كان الله معلمه ومصدر وحيه.

الإيمان ليس قضية معرفة كبيرة وعلم، بل هو خضوع متواضع لا للمعرفة السائدة بل لحقيقة الكنيسة الخالدة والأبدية. إذا لم يجرّد المرء نفسه من الحكمة الذاتية والتباهي بها يندمج بتواضع في روح المسيح، روح الكنيسة، روح القديسين وآباء الكنيسة التي تفتح الآفاق الروحية، فسوف يبقى المرء في التساؤل والتخمين حول يقين الإيمان ومعرفة الذات، حتى أنّ أكثر المؤمنين بساطة سوف يتهمه بأنه كليّ المعرفة وأناني، ويفتقر إلى التواضع. ومع ذلك، التواضع لا يعني أن على المرء أن يقبل الرأي السائد بل أن يقبل معرفة الله والقديسين، لأنه غالباً ما ينحاز الكثيرون إلى الكذبة ويمكّنون الكذب بكونهم غالبية. إذا كان قبول رأي الأغلبية هو معيار القبول حتّى عندما لا يتفق مع الحقيقة، لما كان الكتاب المقدس مقبولاً بدعم الرسل القليلي العدد ولا كانت الكنيسة استمرّت في هذا الفيض من غير المخلِصين والهراطقة.

3. موقف القديس أنطونيوس ضد الهراطقة. نموذج أولي ليتشبّه به الجميع اليوم

ما نود أن نفعله الآن هو عرض الطريقة التي واجه بها القديس أنطونيوس البدعة الآريوسية، التي هددت الكنيسة داخلياً، بدعم من الإمبراطور والقادة والبطاركة والأساقفة كما يحدث في هذا اليوم مع عموم الهرطقات من البابوية والمسكونية، والتي هي أكثر خطورة بكثير لأنها تقوض تقريباً كل عقائد الإيمان وتحوّل التعليم الإلهي الذي في الكتاب المقدس إلى تعليم إنساني عادي. فهم يسحبون المسيح الإلهالإنسان والقديسين والآباء ويستبدلونهم ببابا روما المعصوم وانتشار البدع في المجلس العالمي لما يسمى الكنائس. هذا العرض مفيد جداً حتى بالنسبة لأولئك الذين يدّعون عدم رؤية الخطر، وللآباء الروحيين الجديينالمُضَلَلين أو الموضوعين في مواقف صعبة جداً، ولأبنائهم الروحيين الذين يرون بشكل أفضل من خلال عيون القديسين وينتهي الأمر بهم إلى التشكيك في جدارة توجيههم الروحي. بالطبع، القديسون هم أكثر جدارة بالثقة من أي شيخ أو دليل روحي لا تغضبه الهرطقة ولا يقاتل لفضحها أو التخلّص منها.***

وهكذا، غادر أنطونيوس الكبير الصحراء للمرة الثانية ونزل إلى الإسكندرية. كان أثناسيوس الكبير الأسقف الأرثوذكسي والبطريرك، وهو كان تحت الاضطهاد المستمر، فيما سلسلة من المنفيين والشعب الأرثوذكسي كانوا واقعين تحت الهرطقة الأريوسية، كما هو الوضع في الوقت الحاضر حيث الشعب تحت وصاية البطاركة والأساقفة المسكونيين أو المؤيدين للمسكونية. نتعلّم من سيرة انطونيوس الكبير أنّه كان أكثر من رائع وموقر“. كان لديه تعاملات مع الملتيوسيين المنشقين لأنه منذ البداية كان على بينة من مكرهم وارتدادهم. ولكن علاقته مع المانيخيين وغيرهم من الهراطقة لم تكن ودية أبداً بل انحصرت بتقديم المشورة وإستعادتهم ليرجعوا مؤمنين أرثوذكسيين. لقد آمن وعلّم أنّ مصادقتهم والحفاظ على الشركة معهم ضارة ويمكن أن تنتهي بخسارة الأرواح. لقد أبغض البدعة الأريوسية وحذّر الجميع من الاقتراب من الأريوسيين أو قبول تعليمهم الزائف. مرة زاره بعض الأريوسيين المتعصبين، فبعد أن تحدّث معهم وفهم أنهم غير مؤمنين، أرسلهم بعيداً عن الجبل حيث كان ينسك، وقال لهم أنّ كلماتهم أسوأ من سم الثعابين. نستطيع أن نقول أن هذا التعليم يحدد القاعدة التي تظهِر لنا بوضوح وصدق وبدون خداع، كيفية محاورة الهراطقة وتنظيم تفاعلاتنا الإنسانية والاجتماعية معهم. وفي الوقت نفسه يظهر لنا أن كل الحدود التي وضعها الآباء القدامى يهدمها المسكونيون الذين يحتضنون الهراطقة ويقبلونهم كما لو كانوا أتقياء ويشاركونهم الإيمان نفسه ولا يفكّرون أبداً باستبعادهم ولا حتّى حثّهم على العودة إلى الأرثوذكسية. تجري الحوارات على قدم المساواة، مساوين الأكاذيب والبدع والخداع بالحقيقة. عند التحاور على قدم المساواة، يعني أنك تمنح الأكاذيب إمكانية السيادة على الحقيقة، وأنك تشكّ بالحقيقة وتسعى للعثور عليها. لكن حوار القديسين والآباء، هو حوار المسيح مع المرأة السامرية، حوار الرسل مع اليهود والأمم، حوار الآباء مع الهراطقة، إنه دعوة وحثّ على العودة إلى الحقيقة، إلى الانضمام مجدداً إلى الكنيسة الواحدة، المقدسة، الجامعة والرسولية؛ هذا هو الاتحاد والسلام الحقيقان. أما الباقي فهو اتحادات كاذبة، وسلام كاذب، وحوارات مزيفة.

4. رؤية القديس أنطونيوس المروّعة عن الهراطقة: وحوش بكماء حول المذبح المقدس

إن الرؤية التي رآها القديس أنطونيوس عن وجود الهراطقة داخل الكنائس الأرثوذكسية لمروّعة حقاً. هذه الرؤية تصوّر وتوضح بيانياً الأسباب التي أدّت بالآباء القديسين إلى وضع قوانين مجمعية تمنع دخول الهراطقة إلى الأماكن المكرّسة، ومشاركتهم في الخدم والقداديس، كما الصلوات المشتركة والعبادة المشتركة.

لا يقبل الهراطقة تعاليم الكنيسة والرسل والقديسين، وهم متأثرون بالشياطين وأبيهم، الشيطان، في الترويج لوجهات نظر مضللة. لهذا السبب تعليمهم عديم الفائدة وعبثي وفكرهم ليس صحيحاً، كالبغال البكماء“.

لقد ارتعد وخاف القديس أنطونيوس عندما سمح الله له بأن يبصر في رؤيته الآريوسيين محيطين بالمذبح المقدس كبغال تركل المذبح وتدنسه. لقد بلغ به الحزن أنه راح يبكي مكتئباً ومدمعاً شأن الكثير من المؤمنين عند رؤيتهم البابا الهرطوقي يدخل ويدنّس كنيسة القديس جاورجيوس في الفنار فيما الفاتيكان أسقط هذا القديس نفسه. نحن على يقين أنه لو كان البطاركة ورؤساء الأساقفة والأساقفة قد قرأوا وتعلّموا من رؤية القديس أنطونيوس، وبطبيعة الحال لو أنهم كأرثوذكس لا يزالون يكرمون ويتّبعون حياة القديسين وتعليمهم، فإنهم سيوقفون الضيافات والزيارات الليتورجية المتبادلة، الصلوات المشتركة الأسبوعية، وتبادل الممثلين في الاحتفالات السنوية. وإلا فإنهم سيظهَرون بين المتآمرين بحسب رؤية القديس أنطونيوس المخيفة.

بحسب سرد أثناسيوس العظيم في السيرة، ففي حين كان أنطونيوس الكبير جالساً، مشغولاً بعمله اليدوي، دخل في غشية فكان يتنفس بصعوبة أثناء رؤيته. بعد ذلك بقليل تحول إلى الرهبان الحاضرين، فيما لا يزال يتنفس بصعوبة ويرتجف. سقط على ركبتيه للصلاة واستمر راكعاً لفترة طويلة. وعندما نهض الشيخ كان يبكي. ارتعب الحاضرون وأصابتهم الصدمة. فطلبوا منه أن يشرح لهم. وإذ أصرّوا وألزموه، تنهّد مرة أخرى وقال: “أبنائي من الأفضل لي أن أموت قبل أن أرى حدوث الأمور التي عاينتها في رؤيتي. غضب الله سوف يقع على الكنيسة وسوف تُسلّم إلى أناس هم وحوش عديمو الفكر. رأيت هيكل الكنيسة المقدس، عند الإسقيط الرئيسي محاطاً بالبغال من كل النواحي وكانت تركل وتقفز صعوداً وهبوطاً كما هو طبيعي لهذه الحيوانات البكماء. لقد رأيتموني ولاحظتم أني كنت أتنهّد قبلاً؛ ذلك لأنني سمعت صوتاً يقول: “سوف يتدنّس مذبحي، هذا ما رآه الشيخ. وبعد عامين بالضبط هاجم أريوس الكنائس وسرقها، واخذ الأوعية المقدسة بالقوة وسلّمها إلى المشرِكين. لقد أجبروا الكهنة على حضور الاجتماعات معهم ونفّذوا كل رغباتهم على المذبح المقدس. ثم فهمنا جميعاً، يقول أثناسيوس الكبير، أن ركل البغال الذي أنبئ القديس أنطونيوس به هو ما يفعله الأريوسيون الآن كحيوانات. بعد الرؤية، أحسّ الشيخ بالحاجة إلى تشجيع الذين حوله وتعزيتهم بالقول: “لا تحزنوا يا أبنائي. إذ كما غضب ربنا، فهو سوف يشفي كل الشر. سريعاً سوف تستعيد الكنيسة جمالها وسوف تتألق. سوف تشهدون عودة المنفيين، المؤمنون الأتقياء سوف يظهرون مجدداً ويحكمون في كل مكان. يكفي أن لا تدعوا أنفسكم تتنّجسون ببدعة أريوس، كونها ليست من تعليم الرسل بل من الشياطين وأبيهم، الشيطان، غير عقلانية ولا مثيل له مثل البغال البكم“.

الخاتمة

إن غضب الله على الكنيسة حلّ منذ عقود عديدة. البابوية والمسكونية تنتصران. في ذلك الزمان فهم أثناسيوس الكبير والآباء القديسون الآخرون الخطر الموصوف في رؤيا أنطونيوس الكبير. نحن نشهد الآن تلوث الكنائس والهياكل المقدّسة بالصلوات والطقوس المشتركة مع الهراطقة غير العقلانيين، ونحن نساعد التلوث ونثنّي عليه، بالانضمام إليه في ركل المذبح“. وإذا لاحظ أحد الصلوات المسكونية المشتركة، كتلك التي جرت في كانبيرا خلال المجلس العام السابع لما يسمى بمجلس الكنائس، مع المشاركة المعتادة للكهنة المثليين الذين لا يجرؤون على حمل الكأس المقدس، كما الأساقفة النساء والكاهنات، فإن المنظر يتجاوز حتى رؤيا أنطونيوس الكبير: “إن الأمل الوحيد لكنيستنا لاستعادة جمالها وارد في وصية أنطونيوس الكبير ونصيحته: «حذار أن تتلوثوا أنفسكم مع الآريوسيين». يجب أن نحرص على أن لا نلوث أنفسنا بالشركة مع البابوية والمسكونية والأرثوذكس المؤيدون للبابابوية والمسكونية. لأننا حتى الآن لم نقم بذلك بشكل حيوي وحاسم، فيما الله لسنوات يطيل غضبه ومعه أَسر الأرثوذكس بالهرطقة المسكونية. إلى كم من الوقت سوف يسمح الأساقفة والرهبان والشعب للحيوانات الوحشية، الهراطقة، بأن يركلوا ويلوثوا مذبح الأرثوذكسية ومقدّساتها؟ طالما نحن نبقى غير ناشطين ونستنبط أعذاراً روحية زائفة مختلفة، فإن رجسة الخراب ستقف على الأرض المقدسة.

لافرا بوكاييف تطلب من الكنيسة الروسية الانسحاب من مجلس الكنائس العالمي

لافرا بوكاييف تطلب من الكنيسة الروسية الانسحاب من مجلس الكنائس العالمي

لافرا (الدير الكبير) رقاد والدة الإله في بوكاييف في أوكرانيا هي أحد أهم المراكز الروحية والفكرية في الكنيسة الروسية. تعيد المصادر بداية الدير إلى 1527 فيما التقاليد المحلية تحكي عن وجوده قبل هذا التاريخ بقرون كنقطة تلاقٍ بين رهبان دير المغاور في كييف ورهبان جبل أثوس. تحكي قصة نشوء الدير عن ظهورٍ لوالدة الإله حيث تظهر آثار قدميها على صخرة ينبع منها ماء حصلت به أشفية كثيرة. في الدير أيقونة لوالدة الإله وهي عجائبية وذائعة الصيت. من أهم رؤساء هذا الدير هو القديس أيوب بوكاييف الذي عاش أواخر القرن السادس عشر إلى منتصف السابع عشر. تعرّض الدير لأزمات كثيرة حيث حاصره الأتراك لفترة طويلة أواخر القرن السابع عشر إلى أن ظهرت والدة الإله ومعها القديس أيوب ما أدى إلى تحوّل العديد من الأتراك إلى المسيحية. أعطي الدير إلى الرهبان الإتحاديين (الروم الكاثوليك) على أيام بطرس الأكبر، وبعد انتصار روسيا على بولندا أواخر القرن الثامن عشر عاد إلى الأرثوذكسية. أواخر القرن التاسع عشر كانت لافرا بوكاييف بمثابة مكان الحجّ بالنسبة للروس. كان للافرا دور كبير في استرجاع الكثيرين من الأرثوذكس الذين انضمّوا إلى الكثلكة إلى أن تعرّضت للنهب على يد النمساويين عام 1915. في 2002 أعلنت الكنيسة الروسية قداسة رئيس آخر للدير هو القديس أمفيلوخيوس الذي رقد عام 1971.

ليس رهبان دير بوكاييف أوّل الداعين في الكنيسة الروسية إلى الخروج من مجلس الكنائس العالمي، فقبلهم الميتروبوليت بنيامين (بوشكار) مطران فلاديفوستوك أرسل رسالة إلى المجمع بيّن فيها الخطأ اللاهوتي في عضوية المجلس المذكور، وحثّ المجمع على الانسحاب منه. هذا وأنّ لدى الكنيسة الروسية الكثير من الملاحظات على عمل المجلس.

من جهتها الكنيسة الأرثوذكسية الجورجية كانت قد انسحبت من هذا المجلس في 1997، والكنيسة البلغارية في 1998. الكنيسة الصربية منذ 1995 اتخذت قراراً ورد فيه: ” لا نعرف أيّ مثال، ولا واحد فقط، من آباء الكنيسة القديسين يمكن أن يكون بتعاليمه أو حياته أو أفعاله، بمثابة تبرير لعضويتنا في منظمة مجلس الكنائس العالمي غير الكنسية أو ما شابه ذلك “.

إن العلاقة مع مجلس الكنائس العالمي وما شاببه من المنظمات عادت إلى الواجهة بعد مؤتمر كريت في 2016، خاصةً الجدل الذي دار حول وثيقة علاقات الكنيسة الأرثوذكسية بباقي العالم المسيحي، التي تشيد بمشاركة الكنيسة الأرثوذكسية في مجلس الكنائس العالمي. أما بالنسبة للكنيسة الروسية فمسودة التعليم التي يُعاد النظر بها اليوم تشيد ايضاً بهذه المشاركة، لكنها تلقى اعتراضاً من فئات كثيرة من المعنيين، الذين يفضّلون حذف هذه الإشادة وتسمية الأمور بأسمائها.

في ما يلي نصّ رسالة رهبان بوكاييف إلى المجمع الروسي

صاحب الغبطة بطريرك موسكو وكل الروسيا كيرللس

15 تشرين الثاني، 2017 الرقم 37/K

إن الإخوة في لافرا رقاد السيدة المقدسة في بوكاييف، يتوسّلون بجدية رئاسة ومجلس الأساقفة لأن يلبّوا الالتماس والنداءات المتكررة من أبناء كنيستنا المؤمنين في ما يتعلق بالانسحاب من مجلس الكنائس العالمي ووقف مشاركة كنيستنا في الحركة المسكونية.

كل أعضاء مجلس الكنائس العالمي، بانضمامهم إليه، يقبلون ميثاق هذا المجلس الذي يؤكد أن أياً من الطوائف لا تملك كامل الحقيقة. وأنّ كمال الحقيقة، بحسب هذا الميثاق، سوف يأتي فقط عندما تلتئم جميع الطوائف ككل واحد.

إن الخطة الشيطانية لإنشاء مجلس الكنائس العالمي هو بناء كنيسة عالمية واحدة كاذبة في مملكة ضد المسيح القادمة، متحدة بطبيعة الحال، لا في روح الحقيقة ومحبة لله، ولكن على العكس من ذلك، في اللامبالاة بالحقيقة وقبول روح أبي الكذب بمحبته الكاذبة الوهمية. إنّ الوثائق والمواد التوثيقية لمجريات الاجتماعات والصلوات المسكونية لا تترك أيّ شك في طبيعتها الشيطانية المناهضة للمسيحية، ولا في انحراف الكنيسة الأرثوذكسية عن الحقيقة والعقائد والقوانين التي وضعتها المجامع المسكونية. إن كنيستنا، بمشاركتها في مجلس الكنائس العالمي، توافق على هذه الأعمال وعلى أنها ليست الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية.

إلى هذا، إن خروج الكنيسة الأرثوذكسية الروسية من مجلس الكنائس العالمي لن يشكّل عزلة تفرضها على نفسها، كما يحاول البعض أن يقول، بل هو التزام بتعليم العهد الجديد الحقيقي الطاهر. يجب أن لا نقع في الخديعة الروحية متخيلين أن لدينا محبة أكبر من محبة الرسل. القديس يوحنا اللاهوتي، رسول المحبة، يعلّم إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِيكُمْ، وَلاَ يَجِيءُ بِهذَا التَّعْلِيمِ، فَلاَ تَقْبَلُوهُ فِي الْبَيْتِ، وَلاَ تَقُولُوا لَهُ سَلاَمٌ” (2يوحنا 10:1). الرسول بولس، وقد عمل أكثر من الجميع في التبشير بالإنجيل إلى العالم بأسره، يوصي أيضاً اَلرَّجُلُ الْمُبْتَدِعُ بَعْدَ الإِنْذَارِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ، أَعْرِضْ عَنْهُ” (تيطس 10:3). يدّعي ممثلو الكنائس الأرثوذكسية أنّهم أنذروا الهراطقة في مجلس الكنائس العالمي لا مرتين بل لعقود. هل اهتدى الكثيرون إلى الإيمان؟ بعد كل هذا، لا يعتقد أعضاء مجلس الكنائس العالمي الآخرون، على أساس ميثاق هذه المنظمة، بأن الكنيسة الأرثوذكسية تحفظ ملء الحقيقة. ولذلك، إن هذا الإنذاربلا فائدة. وما يثير الرثاء بالأكثر، هو أن الكنيسة الأرثوذكسية، بانخراطها في هذه الحركة، تقع في إثم كبير أمام الله إذ توقع أبناءها المؤمنين في التجربة والابتعاد عنها.

أحقاً ليس هناك وسيلة أخرى للتبشير بأن ملكوت الله يأتي بقوة (مرقس 1:9)، وبالعنصرة الحقيقية؟ بالطبع هناك.

فالكنيسة الأرثوذكسية، التي هي كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ” (1 تيموثايوس 15:3)، قد شهدت ولألفي سنة لكل مَن له أذنان للسمع (مت 9:13)، للبشارة السارّة التي حملها إلينا يسوع المسيح، من دون أن ترتّب في أي يوم منظمات مشتركة مع الهراطقة للبشارة بالإنجيل، بل على العكس من ذلك، فقد حفظت خراف المسيح من تعاليمهم الكاذبة السامة. إن الحزن والبكاء على فساد الهراطقة بمحبة الأم، والصلاة من أجل اهتدائهم، هو في الوقت نفسه تحقيق لوصية المسيح بأن أحب الله من كل قلبك وروحك، من ثم أخاك! (متى 37:2-39). يسوع المسيح، وهو المحبة المتجسدة، شهد بنفسه أنه جلب إلى الأرض لا سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا” (متى 34:10)، فاصلاً الذين يحبون الحقيقة عن الذين يقبلون الكذب. كثيرون من الذين سمعوا تعليمه لم يقدروا أن يستوعبوا تعاليم العهد الجديد وغادروا، أمّا المدعوين من الآب السماوي فقد ثبتوا في الحقيقة (يوحنا 66:6-69).

لَيْسَ التِّلْمِيذُ أَفْضَلَ مِنَ الْمُعَلِّمِ” (متى 24:10). إنه ضعيف، وعليه أن يحفظ نفسه من عناصر هذا العالم، حتى لا يصير الملح الذي فقد طعمَه (مت 13:5)، وفقط بعد ذلك، بحسب كلمة المخلّص، يستمع لنا الكلّ كما استمعوا إليه، كما أنّ البعض سوف يضطهدوننا كما اضطهدوه (يوحنا 15:20).

في هذا الإطار، الإخوة في لافرا الرقاد المقدس في بوكايف يناشدون رؤساء الكنيسة الأرثوذكسية الروسية ويحثونهم على الانسحاب من مجلس الكنائس العالمي، ووقف كل أشكال المشاركة في الحركة المسكونية الخبيثة.

فلاديمير، ميتروبوليت بوكاييف

وكيل أبرشية كييف

نائب رئيس لافرا الرقاد المقدس

مع الإخوة

مجمع” كريت: وقائع الانحراف المتعمّد

السنة الثالثة عشرة، العدد الحادي عشر، آب 2017

عدد خاص

مجمعكريت: وقائع الانحراف المتعمّد

الأرشمندريت أثناسيوس أناستاسيو

مقدمة الترجمة الإنكليزية(الأب بيتر هيرز )

هذا هو إلى حد بعيد السرد التاريخي الأكثر اكتمالاً والتحليل الروحي لمجريات مجمعكريت، ما يعطي القارئ نظرة عامة كما ونظرة داخلية إلى كل الأحداث المؤدية إلى المجمعوما جرى خلاله، مع التركيز على انخراط كنيسة اليونان. تضع الترجمة الإنكليزية هذا النص بمتناول المسيحيين الأرثوذكسيين في كل العالم، على رجاء أن تتمّ ترجمته إلى لغات أخرى حتى تصير الكنيسة كلها أكثر علماً وتتخذ الإجراءات المناسبة لتأمين رد أرثوذكسي كوني ومعه وحدة أرثوذكسية في وجه هرطقة مسببة للشقاق.

مقدمة الترجمة العربية (الأب أنطوان ملكي)

عند قراءة هذه الدراسة، يجد المؤمن الكثير من النقاط التي تنطبق على وضع الكنيسة الأرثوذكسية الناطقة بالعربية، سواء لجهة تغييب الشعب أو اختيار الممثلين في المحافل الخارجية، والأهم هو في كيفية تسلل الفكر المسكوني إلى الكنيسة الأنطاكية وتكوّنه وتقدّمه على الفكر التقليدي، وأدوار بعض الأشخاص والأحداث الذين قد يبدون طارئين على تسلسل التاريخ الأنطاكي فيما هم بالواقع كانوا مساهمين فاعلين.

حول الكاتب

الأرشمندريت أثناسيوس رئيس دير الميتيورا الكبير، لاهوتي درس في جامعة تسالونيكي، معروف جداً لحضوره الفعّال في الجهادات من أجل إيمان الأجداد، كما موقعه المميز في تقديم شهادة إيمانية، له عدد من المقالات والعظات وأعمال أخرى في الدفاع عن إيماننا الساطع خاصةً في وجه الخطر المسكوني المعاصر.

أ. مدخل

في تاريخ كنيستنا عبر الأجيال، كان المؤمنون من شعب الله دوماً حرّاس وأبطال حقيقة إيماننا الأرثوذكسي؛ فهم الحكم النهائي على صحّة وشرعية قرارات أي مجمع. إن الشعب بضميره الكنسي والعقائدي الساهر هو مَن يوافق أو يرفض ما يقدمه المجمع [1].

بهذه الطريقة سوف يُحكَم على مجمعكريت. كلّنا مدعوون كمؤمنين أعضاء في جسد المسيح لتقديم تقييمنا. إنه متوجب علينا أن نتكلّم بصوت عالٍ. إن واجبنا هو التعبير عن ضميرنا الكهنوتي والرهباني لطرح أفكارنا ببساطة وتواضع، والتعبير عن نظرتنا أمام رعاتنا. إن من واجبنا أن نأخذ نصيبنا من المسؤولية الشخصية كما من مسؤوليتنا نحو أبنائنا الروحي الذين يعهدون إلينا بألمهم وقلقهم وأيضاً بغضبهم من مجريات مجمعكريت.

ما نكتبه هنا في هذا العمل، كما كتاباتنا الأخرى عن المواضيع نفسها التي سبقت أو ما قد نكتبه في المستقبل بمعونة الله، يشكّل ردّنا الصغير على حقائق إيماننا الواضحة، على وديعة الإيمان المسلّمة من القديسين من البطاركة والأساقفة والكهنة والرهبان الموقّرين والعلمانيين المعترفين من أجل الإيمان، كواجبنا نحو الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية. إنها طاعتنا لآبائنا القديسين الذين أوضحوا لنا أنّ في أمور الإيمان علينا أن نقدّم حساباً، ليس على أساس الآراء الشخصية بل على أساس إيمان الآباء القديسين والمجامع المقدّسة المسكونية والمحلية الموحى بها من الروح القدس، والكلمة الحيّة في شيوخنا المعاصرين وكلّ الملتزمين بالتقليد الأرثوذكسي والثابتين في اتّباع الآباء.

1. نداء القديسين والأساقفة المعاصرين، والكهنة وأساتذة اللاهوت

يذكر القديس ثيوذوروس الستوديتي بوضوح إنها وصية من الله بأن لا نصمت عندما يكون الإيمان في خطر… عندما يتعلّق الأمر بالإيمان، لا يمكننا أن نقول «مَن أنا؟ أكاهن؟ لا. أرَجل نبيل؟ لا. أقائد؟ لا. من أين؟ مزارع؟ ولا حتى هذا. أنا رجل فقير، أسعى لتأمين خبزي اليومي. أنا غير متعلّم ولا أهتمّ بهذا الأمرالويل لك! الحجارة سوف تبكي وأنت سوف تبقى صامتاً وغير مبالٍ؟ حتّى الرجل الفقير لن يجد مبرراً في يوم الدينونة إن لم يحكِ الآن، لأنّه سوف يُحاسَب حتّى ولو على هذه فقط“.[2]

في ما يتعلّق بشهادة الرهبان بشكل خاص في شؤون الإيمان، يشدد الطيب الذكر الشيخ جورج كابسانيس، على أنه عندما يكون الإيمان في خطر، فإن المتعلمين من الرهبان، وخاصةً أولئك الذين أوكِلَت إليهم مهمة رعاية آخرين، من أجل القيادة الصحيحة لمَن حياتهم الروحية في عهدتهم، كما من أجل عقائد التقوى الحقيقية، عليهم مسؤولية أن يتكلّموا، لا لكي يعلّموا الكنيسة بل ليعترفوا بالإيمان بما يوافق وصية السيّد: «كُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ» (متى 32:10). إن الاعتراف بالمسيح ليس عمل خدمة بل تعبير عن الحياة. لا يقول المسيح كلّ مَن يعترف ليبل كلّ مَن يعترف بي“. إن الاعتراف بالمسيح هو تعبير عن الشركة مع المسيح، عن الحياة في المسيح. والرهبان الذين يحيون في المسيح يعترفون ويعلّمون المسيحيين بهذه الطريقة. إنهم يقومون بذلك بتواضع، لا لي يعلّموا، بل لكي يقدّموا اعترافاً. هذا تقليد ثابت تاريخياً في الرهبنة الأرثوذكسية“. [3]

إن الذين أوحوا بهذا المجمع ونظّموه قد أخذوا على عاتقهم، بطريقة عنيفة وسلطوية، أن يرموا تقليد الكنيسة الآبائي وأن يرفعوا المجمع كمؤسسة بحد ذاته إلى درجة السلطة المطلقة، من دون أي شروط. إن هدفهم الأساسي هو خلق مؤسسة موحدة محورها الأسقف، بموازاة الخطوط البابوية ومن مصدر بابوي، بحيث، من دون عائق ومن دون رقابة، يستطيعون أن يضفوا الطابع المؤسساتي على تعاليمهم المبتكرة والابتداعية، أي نسبةَ الحقيقة الكنسية إلى مجموعات هرطوقية بهدف وحدة الكنائسالتي سوف تؤدّي في نهاية المطاف إلى توحيد الأديان كما يتوقّعه تيار العصر الجديد (New Age).

على أساس هذا النظام الأحادي الجانب والموحّد في اتّخاذ القرارات، تمّ التأسيس لوجود أولّ من دون مساوين في الشرق الأرثوذكسي. إن التعبير عن هذا النهج المتماسك هو في وثيقةعلاقات الكنيسة الأرثوذكسية مع باقي العالم المسيحي، حيث يرِد التالي: “إن الحفاظ على الإيمان الأرثوذكسي الحقيقي مضمون فقط عِبر النظام المجمعي، الذي كان دائماً ممثِلاً السلطة العليا في الكنيسة في شؤون الإيمان والأحكام القانونية.” [4]

بحسب أستاذ اللاهوت العقائدي، ديمتريوس تسالانغيدس، بهذه الطريقة يستبق المجمع العظيم المقدس المقبِل عصمة قراراته… إن النظام المجمعي بحد ذاته لا يضمن بشكل تلقائي صحّة الإيمان الأرثوذكسي. هذا يحدث فقط عندما يكون الروح القدس في مجمع الأساقفة وأيضاً الطريقة الأقنومية، أي المسيح، فاعلة في المجمع، وهكذا هم (“syn”—“odikoi”) [أي عابرون الطريق معاً] عملياً «متّبعين الآباء»” [5].

إن هذا النظام المبلوَر المتمحور حول الأسقف هو غريب بالكليّة عن الأرثوذكسية. وعلى نفس النسبة من التغرّب أيضاً هو الانطباع التعسفي والمضلّل الذي يجري زراعته عمداً بأنّ من المفترض أن تكون الكنيسة محددة بطاقمها الإداري أي أساقفتها. استناداً إلى هذه الفكرة الخاطئة، صار من المعتاد لدى كثيرين أن يرددوا كلّ ما تقوله الكنيسةأو سوف نطيع الكنيسةبمعنى أن الكنيسة هي الأساقفة أو مجمع الأساقفة، حتّى عندما يفكّر هؤلاء الأساقفة أو يعملون على عكس الإيمان الأرثوذكسي.1

بحسب الأستاذ تسالانغيدس، يوجد تمييز واضح بين الكنيسة بذاتها، كجسد المسيح الإلهي الإنساني السري، وإدارة الكنيسة التي تعبّر بشكل حقيقي وصحيح عن الكنيسة في ظروف محددة وواضحة فقط” [6].

كما يلاحظ الأب جورج فلوروفسكي، لم يتلقَّ الأسقف كامل سلطة التعليم من شعبه بل من المسيح عِبر التسلسل الرسولي. لكن هذه السلطة المُعطاة له هي قدرته على حمل الشهادة لخبرة الكنيسة الجامعة. إنها مقيّدة بخبرته. بالتالي، في مسائل متعلّقة بالإيمان، على الشعب أن يحكم على تعليمه. إن واجب الطاعة يكفّ عن الإلزام عندما يحيد الأسقف عن المعيار الجامع وفي هذه الحالات للشعب الحق بإدانته وحتّى عزله” [7].

ويشدد اللاهوتي الكبير نفسه أيضاً: “على الأسقف أن يتبنّى في داخله الكنيسة كلها؛ عليه أن يعبّر عن خبرتها وإيمانها ويظهرهما. لا ينبغي عليه أن يحكي عن ذاته، بل بما توافق عليه الكنيسة وعنه.” ويستنتج أنّ لكل جسم الكنيسة الحقّ في التحقق. أو بتعبير أكثر دقة، لكل جسم الكنيسة لا الحق فقط بل عليه واجب «التصديق». وعلى هذا الأساس، كتب بطاركة الشرق في رسالتهم الشهيرة سنة 1848 أنّ «حامي الدين هو… حتّى الشعب نفسه»” [8].

سيادة الميتروبوليت ييروثيوس مطران نافباكتوس يحدد بوضوحٍ مطلَق الخطوطَ العريضة لدور المؤمنين من العلمانيين في مجامع الكنيسة: “… والمؤمنون من العلمانيين هم شهود للحقيقة، إنهم رعاة (بطريقة غير مباشرة) لشعب الله. إنهم عاملون مشاركون للرعاة. حتّى أنهم يشاركون كمستشارين في المجامع المسكونية وفوق هذا يقبلون أو يرفضون قرارات المجامع المسكونية. الشعب (كهنة وعلمانيون) لم يقبلوا وحدة <الكنائس> التي تمّت في فيريرافلورنسا” [9].

القديس يوحنا الذهبي الفم يستعرض بوضوح مطلَق حدود طاعة المؤمنين ﻷساقفتهم حين يتكلّمون أو يعملون على عكس إيماننا: “لماذا إذاً يقول بولس «أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا»؟ وقد سبق له أن قال: «الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ»، ومن ثمّ «أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا». إذاً ماذا، إذا كان شريراً فهل علينا أن نطيع؟ شرير؟ بأي معنى؟ إن كان بالحقيقة من جهة الإيمان، فابتعدوا عنه واجتنبوه؛ ليس إن كان رجلاً، بل حتى ولو كان ملاكاً نازلاً من السماء؛ لكن من جهة الحياة، لا تكونوا مفرطين بالفضولية… إلى هذا لا تدينوا كي لا تُدانوا في ما يخص الحياة، لا الإيمان. أترون أن الحديث ليس عن العقائد بل عن الحياة والأعمال؟” [10]

والذهبي الفم الإلهي، في وقت آخر، مشيراً إلى الانقسامات البشريةبين أعضاء الجسم الكنسي إلى قطعان ورعاةيلاحظ أن تمييز الحمل عن الرعاة هو بشري، أمام المسيح الكل قطيع، الرعاة والمرعيين، الكل يرعاهم راعٍ واحد سامٍ.” [11]

والشيخ جورج كابسانيس الطيب الذكر، في كتابة عن الموضوع نفسه يقول: “حين يتعلّق الأمر بالإدارة والتعليم، فإن مشاركة الشعب أساسية، لأن الشعب هو حامل الروح والله يعلمه. إنه يشكّل، إلى جانب الكهنة، الضمير الساهر للكنيسة الذي يشهد (يحكم، يميّز، يوافق ويقبل، أو يدين ويرفض) تعليم الرؤساء وأعمالهم بحسب ما ذكر بطاركة الشرق في رسالتهم في السادس من أيار 1848.”[12]

2. تقنيات فريق العمل المسكوني

لقد تمّ تجاهل الشعب والكهنة والرهبان وغالبية الأساقفة، إذ دُفِعوا جانباً، هُمِّشوا وكُذِب عليهم من مجمعكريت. لقد أُسكِتوا، استُهزِئ بهم، لُعِنوا، هُزِء بهم وهُدِّدوا. يقدّم الميتروبوليت ييروثيوس مطران نافباكتوس، وهو أحد الأساقفة المشاركين، شهادة ذات دلالة وهي تكشف الروح التي هيمنت على هذا المجمع“: “أقلّ ما فيه، يمكنني أن أشهد على أني شخصياً تعرّضتُ لضغوط كبيرة ومعاملة تعسفية من الرؤساء بسبب موقفي، وقد أُعلِمتُ أن الأساقفة الآخرين من كنيستنا أيضاً تعرَّضوا لهذه الضغوطات. ولأنني أجاهد دائماً لأن أتصرّف بهدوء ورصانة وحرية، لم أكن أستطيع قبول هذه التصرفات المهينة.” [13]

إن حملة القذف والترهيب التي اشترك فيها دوائر معروفة قبل وبعد المجمعهي بالحقيقة غير مسبوقة. هناك مؤسسة معروفة جداً، منها فريق العمل الذي يعمل في ضواحي الفنار [مركز البطريركية المسكونية] وغيرها من المراكز المسكونية، قد حملت بشكل منهجي مشروع تعزيز ونشر الأفكار المبتكرة والتعاليم غير الأرثوذكسية التي تدخل عالم اللاهوت الأرثوذكسي. هذه المجموعة المغلقة هي الحامل الرئيسي والمؤيد للاهوت العقلي الأكاديمي، الفكري، غير الليتورجي، الفرداني، غير الملتزم بالاشتراك بحياة الكنيسة الأسرارية، الخالي من الروح، وفي النهاية غير اللاهوتي. إنه لاهوت اللجان والمؤتمرات المنفصل عن الجسم الكنسي، لاهوت متغرّب دهري متعصرن وما بعد آبائي.

ليس من باب الصدفة أن نلتقي بنفس أعضاء هذه المجموعة المغلقة في كل مرة يتم الدفاع فيها عن الأفكار التي تشوّه وتحطّم الروح (Ethos) والتقليد الأرثوذكسيين. إنهم يدعمون التجديدالليتورجي المخادع، تغيير شكل التعليم الديني في المدارس أو دهرنته، أو حتّى إلغاءه. إنهم يقدّمون الدعم ويروّجون لقضية إعادة تقييم مكان المرأة في الكنيسةحتّى نُقاد تدريجياً إلى سيامة النساء كما في البروتستانتية. إنهم يسمسرون للتيارات المتعددة للمجموعات المختلفة من الحق في التعدديةوحرية التوجّه الجنسي وحتّى لقبول المثلية الجنسية بما يخالف الكتاب المقدس.

هؤلاء الأشخاص أنفسهم، من أساقفة وكهنة وأكاديميين ولاهوتيين، هم دائماً المنتَقون ممثلين للكنائس في الحوارات اللاهوتية ومؤتمرات كافة الأرثوذكس. وأيضاً على القنوات الإعلامية هم الضيوف ومديرو صفحات الإنترنت، المشجعون الذين يغطّون المؤتمرات والندوات والمنتديات العالمية وهم دوماً على الإنترنت عبر مداخلات ومساهمات ومقالات.

إنه لعبث مطلق وفضيحة واضحة أن أولئك الذين بمخالفاتهم المسكونية قد ثبّتوا موقعهم المريب ضمن الكنيسة يعيّرون المؤمنين الأتقياء وكل المقاومين لانحرافاتهم المسكونية. إنهم يعيّنون أنفسهم قضاة ومراقبين للجميع، معاقبين المخالفات؛ إنهم يتظاهرون دعماً للتجريد ويدفعون نحو الحرم! حتّى أنّهم ينادون الذين يرفضون أن يتخلّوا عن إيمان قديسينا وآبائنا بأنهم تـخلّوا عن الكنيسة الأرثوذكسية وعزلوا أنفسهم” [14]. فليكن معلوماً عندهم أنهم يعملون عبثاً. وبقدر ما هم يتمنون هذا الشيء فسوف يظهرون على خطأ بنعمة الله.

نحن لا نركع للتهديدات، ولا نُروَّع بالإرهاب، ولن نُسكَت، ولن نتراجع، ولن نهجر أو نسلمهم كنوز أرثوذكسيتنا. نحن نبقى، بمعونة الله، مخلِصين وثابتين في كنيستنا المقدسة، نثبت متّبعين الآباء القديسين، بثبات وحزم على أسوار النضال من أجل إيماننا غير المنثلم حتى الموت.

إن معاصرنا العظيم والقديس باييسيوس الأثوسي، كنور يظهِر الطريق، أوضح بطريقته النبوية الموحية: “لنتذكّر أن كنيستنا الأرثوذكسية ليس فيها أي شائبة. الخلل الوحيد التي تظهره هي افتقادها إلى رؤساء جديو الفكر ورعاة ذوي مبادئ آبائية. المختارون قليلون.” [15] وفي مكان آخر، أعلن القديس نفسه بوضوح مطلَق: “الكنيسة هي كنيسة المسيح وهو يحكمها. ليست معبداً مبنياً من حجارة، رمل، وإسمنت على يد رجال أتقياء ومن ثمّ مخرّبة بنيران البرابرة، إنها مبنيّة من المسيح نفسه. وكلّ مَن يقع على هذه الصخرة يتكسّر: وكلّ مَن تقع عليه تطحنه إلى مسحوق” [16] [17].

ب. قرار متعمد ومنهجي

شرط أساسي لأي تقييم لمجمع كريت هو في أن نتتبّع خصوصياته لاحظين نقاط اختلافه الكلي عن كل المجامع الأرثوذكسية. هذا المجمعالخاص لم ينعقد لإدانة أي هرطقة، بل ليعزو صفة الكنيسة إلى الهرطقات، لا ليحلّ أي مسائل قانونية بل لكي ينتهك القوانين بوعي وليثبّت قرارات غير شرعية، لا ليقوي الوحدة الأرثوذكسية ويظهرها بل ليفرِض وحدةمفبركة مع الهراطقة!!

كما يلاحظ سعادة الميتروبوليت سارافيم مطران بيريه: “مجمع لا يميز بين البذيء والمقدس (محاضر المجمع المسكوني السابع)، بين الأرثوذكسية والهرطقة، بين حقيقة المسيح وخديعة الشياطين، مشرعاً الهرطقة على مستوى كنسي، لا يمكن أن يكون أرثوذكسياً بالحقيقة بل يصير مجمعاً منحولاً.” [18]

هذا المجمعكان منذ البداية جزءً من مسعى أوسع لتفكيك وحدة الكنيسة بالروح القدس. هذا المسعى بدأ بالتعاون مع الشرير في بداية القرن العشرين بأمر البطريركية المسكونية، متعدد المستويات ويضمّ جبهتين. إنه يتحرك على طول محورين:

1- الحوار اللاهوتي مع غير الأرثوذكسي

2- اللقاءات والمؤتمرات الشاملة لكل الأرثوذكس، التي تمّ تنظيمها وترتيبها منهجياً في 1961، على الطريق نحو المجمع المقدس الكبير“.

العامل المشترك بين المحورين هو المسكونية.

1. ما هي المسكونية؟

ظهرت المسكونية للمرة الأولى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في العالم البروتستانتي الهرطوقي كمحاولة للتقارب والتعاون بين الطوائف البروتستانتية المختلفة.

من ثمّ في بداية القرن العشرين، بمبادرة إفرادية من البطريركية المسكونية، ظهرت المسكونية وانتشرت وتدريجياً فرضت نفسها على الكنيسة الأرثوذكسية كتيار هدفه بحسب المروّجين له إعادة توحيد المسيحيين والكنائس المنقسمين“. إنها تهتمّ بـِ إعادة توحيدخلواً من المسلّمات اللاهوتية مهملةً الفروقات العقائدية والتقليد الأرثوذكسي وممارسةَ الآباء القديسين وقرارات المجامع المسكونية والمحلية وقوانينها المقدسة. إنها محاولة إعادة توحيدقائمةً فقط على ما يوحّدنا، وعلى النقاط المشتركة، لا اللاهوتية بلّ على العوامل الاجتماعية والسياسية الصرفة. لهذا السبب، إنّ الذين يساهمون فيها يسقطون أكثر فأكثر في الخطط التسووية التوفيقية التي تنتهك مبادئ إيماننا الأرثوذكسي الرئيسية” [19] وتكسر الوعي العقائدي للكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة والرسولية.

إن الرؤية المسكونيةبمجملها ليست محدودة فقط بـِ وحدة الكنائس المسيحية” (الأرثوذكس، الكثلكة البابوية، البروتستانت، وغير الخلقيدونيين)، بل تمتدّ حتى لتضمّ أديان العالمالمختلفة.

في المرحلة الأولى، إنها تضمّ ما يُسمّى بالأديان التوحيدية (المسيحية واليهودية والإسلام) بهدف التوسع اللاحق لضمّ كل الباقين (الهندوسية، البوذية، وغيرها). ما لدينا ليس مسكونية مسيحية وحسب بل أيضاً مسكونية دينية.

تنتشر المسكونية وتعمل وتفرض ذاتها بمصطلحات ووسائل وممارسات العصر الجديد. خصوصية المسكونية بالمقارنة مع الهرطقات الأخرى المعروفة أنها تضمّها جميعاً، ولهذا السبب وصفها القديس يوستينوس بوبوفيتش بجدارة بأنها الهرطقة الشاملة“. فقد كتب: “المسكونية هي الاسم المشترَك للمسيحية المنحولة والكنائس المنحولة في أوروبا الغربية. في داخلها يقع قلب الإنسانوية الأوروبية، والبابوية رأسها. كل المسيحية المنحولة، كل الكنائس المنحولة، ليسوا سوى هرطقة تلو الأخرى. واسمها الإنجيلي المعروف هو الهرطقة الشاملة” [20].

لا تطعن المسكونية حقيقة واحدة فقط، بل كامل بنية الإيمان الأرثوذكسي، من دون أن تلقي بها في التشكيك. إن البعد الوحدوي للشكل المسكوني الذي تمّ إرساؤه في أيامنا يقوم على منطق مستَخرَج بشكل واضح من العصر الجديد. إنه لا يلمس الأرثوذكسية من خارج بل يجرّدها من صفتها الموحى بها الخلاصية، فيما في الوقت نفسه يساويها بالهرطقة التي يعتبرها شكلاً آخراً من الحقيقة نفسها.

إن التكتيكات التعسفية للمسكونيين المعاصرين وخياراتهم، المعادية للأرثوذكسية، وأعمال خائني الإيمان، تعمل معاً نحو تفكيك وحدة الكنيسة بالروح القدس، والترويج لأول من دون مساويين في الشرق الأرثوذكسي، والعمل على فرضه، والاعتراف بحقيقة كنسية بين الهراطقة، وفرض فكرتهم الخاطئة للوحدة والتي سوف توصِل بالنهاية إلى ما يُسمّى وحدة الكنائس، فيما الهدف الأخير هو خلق ديانة العصر الجديد الشمولية.

كل هذه المحاولات لتفكيك الكنيسة تمّ دفعها مؤسساتياً وبثبات في مجمعكريت. من الواضح أن الانحراف القانوني والإكليسيولوجي وبالنتيجة العقائدي لم يكن مجرد قرار عقائدي خاطئ؛ كما أنه لم يأتِ فجأة ومن دون توقّع خلال سير المجمع. على العكس، لقد شكّل قراراً خاصاً للبطريركية المسكونية ومُواليها؛ لقد كان انحرافاً متعمّداً، منظماً تنظيماً جيداً، منهجياً، وموجّهاً ضمن إطار المشروع الذي سبق وصفه.

2. الإعداد للـمجمع

إن تحقيق هذه الأهداف تطلّب معالجة مدروسة. لهذا السبب أخذ الأمر قرناً كاملاً للمحاولة؛ قرناً كاملاً من استغلال السلطة، والنشاطات الأحادية والإملاءات؛ مليئاً بالسرية والتهديد والتخويف، والابتزاز وبشكل عام بفقدان الشفافية بشكل كامل.

بهذه الممارسات، تمّ تحضير كل الحركات الضرورية وإنجازها خطوة خطوة خلال قرن من الزمن حتى أن انحراف الفنار المسكوني الذي بدأ في بداية القرن العشرين، فجأة ومن دون أي محفّز لاهوتي، يستطيع أن يكتسب سلطة على كل الأرثوذكس مع اعترافهم به.

إن الرسائل البطريركية في 1902 و1904 و1920 غيّرت على الأكيد موقف البطريركية المسكونية الذي كان ضد هرطقات الغرب فَقَلَب بشكل جذري الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية وداسها.

يلاحظ الأب جورج ميتيلينوس حول رسالة 1902: “ما هو مفاجئ هو اللغة المستعملة في هذا النص. من دون أي تحرك ولو صغير من البروتستانت نحو الكنائسية، وبعد ثلاثين عاماً من تحديد عصمة البابا كعقيدة في الفاتيكان الأول (1870)، دُعيَت الهرطقات المسيحية الغربية «فرعَي المسيحية العظيمين»” [21].

إن الرسالة البطريركية في 1902 كانت موجّهة إلى الكنائس الأرثوذكسية المستقلّة طالبة نظرتها في ما يخصّ التقارب مع البابوية. كل أجوبة الكنائس الأرثوذكسية كانت سلبية من جهة هذه الإمكانية. وبالرغم من الجواب السلبي، عادت البطريركية المسكونية مجدداً إلى الموضوع نفسه في الرسالة اللاحقة في 1920 (“إلى كل كنائس المسيح في كل مكان)التقارب بين مختلف الكنائس المسيحية والزمالة فيما بينها لا تمنعه الخلافات العقائدية القائمة” [22].

بالرغم من غياب السنَد اللاهوتي، اقترحت الرسالة البطريركية تشكيل عصبة كنائسسابقة لمجلس الكنائس العالمي، على شكل عصبة الأممالتي تمّ تشكيلها قبل ذلك بقليل. تَصيغ الرسالة ثماني نقاط أساسية لتُبنى عليها العلاقات الحسنة الضرورية والصداقة بين الكنائس“. من المعلوم تماماً أن الافتراضات والأساليب ازدادت من ذلك الوقت لتصير أحد عشر نقطة شكّلت الثوابتالأساسية للعمل المسكوني الذي تبعها خطوة خطوة بإخلاص مطلَق إلى أيامنا هذه. ما أن تنجَز مرحلة حتى تبدأ التحضيرات لتحقيق التالية. تصف الرسالة البطريركية هذه النقاط كما يلي:

1) قبول تقويم موحّد للأعياد المسيحية الكبرى في نفس الوقت لدى كل الكنائس. 2) تبادل الرسائل الأخوية في مناسبات الأعياد الكبيرة كما هي العادة، كما في المناسبات المميزة. 3) العلاقات الحميمة بين ممثلي كل الكنائس حيثما وُجدوا. 4) العلاقات بين المدارس اللاهوتية وأساتذة اللاهوت؛ وتبادل النشرات اللاهوتية والكنسية وغيرها من الأعمال المطبوعة في كل كنيسة. 5) تبادل الطلاب للمزيد من التدريب بين طلاب المعاهد في الكنائس المختلفة. 6) الدعوة إلى مؤتمرات لكل المسيحيين لدراسة المسائل ذات الاهتمام المشترك لكل الكنائس. 7) الدراسة الموضوعية والعميقة للفروقات العقائدية من قِبَل كلٍ من المعاهد والكتب. 8) الاحترام المتبادل للعادات والممارسات في الكنائس المختلفة. 9) السماح كلٌ للآخر باستعمال الكنائس والمقابر لجنانيز ودفن مؤمني الطوائف الأخرى الذين يتوفون في أراضي الغربة. 10) حل مسألة الزيجات المختلطة بين الطوائف. 11) أخيراً، المساعدة المتبادلة المخلصة للكنائس في مساعيها للتقدم الديني وأعمال المحبة وغيرها.” [23]

لقد تنظّم المشروع وبدأ كله في العقود الأولى من القرن العشرين، من ثمّ زُرع التغيّر الأحيائي في الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية وثُبِّت بشكل منهجي. طوال قرن كامل، كانت موافقة المؤسسة الأرثوذكسية الشاملة مطلوبة ويُسعى إليها حتى يتمكن المسكونيون من دفعها واستعمالها على أنها قرار أرثوذكسي عام. هذا بالتحديد ما أنجزه مجمعكريت: نَسَب المنزلة الكنسية إلى الهرطقات واعترف بها ككنائس.

نحن هنا نتحدّث عن تحقيق عقد متّفق عليه مسبقاً، إذ إنه من المعروف جيداً أن كل الأحداث التي جرت خلال المئة سنة الماضية كانت باتفاق مطلَق وتعاون حميم بين الفنار والفاتيكان وهي مندمجة ضمن إطار المسكونية ومجلس الكنائس العالمي.

إن التغيّر الكنائسي مع تأسيس كنائسية جديد تمنح المنزلة الكنائسية للهرطقات وتعترف بها كنائس، كانت قد تمّ إقرارها والاتفاق عليها مسبَقاً، تماماً كما أن وحدة الكنائسالتي تمّ الترويج لها وعرضها بشكل جيد كانت مقررة مسبقاً ومتفقاً عليها. لكنها تُقدَّم للشعب قطعة قطعة، بخطى حذرة، حتّى لا تثير أي ردة فعل كبيرة بين المؤمنين الأرثوذكسيين وحتى يتمّ بلعها بسهولة من المؤمنين المطمئنين.

في السطور التالية سوف نشرع بأقصى الإيجاز إلى كشف وتقديم الروابط التي في السلسلة والتي على مدى قرن كامل وإلى الآن تهدد بشكل منهجي بأن تحيط بكنيستنا المقدسة.

3. المحاولات الأولى لعقد مجمع أرثوذكسي شامل للجميع

إن القرار الأول لعقد المجمع الكبير العظيماتُّخِذ في غياب أغلبية الكنائس الأرثوذكسية سنة 1923 في القسطنطينية برئاسة البطريرك ملاتيوس ميتاكساكيس، وهو المعروف بالانشقاق الشنيع وغير القابل للإصلاح الذي أثاره في جسد المسيح بشكل وقح من خلال قرار فرض التقويم الغريغوري غير المشروع.

من ثمّ بدأت عملية تحديد لائحة المواضيع التي سوف يعالجها المجمع. الهدف الأول كان عقد مجمع مسكونيجديد في 1925 بمناسبة الذكرى 1600 لانعقاد المجمع المسكوني الأول في نيقية سنة 325. في النهاية، لم يكن هذا قابلاً للتنفيذ وظهر أنه مثال آخر على الاختلافات والاحتجاجات التي أحاطت بهذا المجمع منذ البداية. من ثمّ نوقشت الدعوة إلى المجمع ضمن إطار اللجنة التحضيرية لكل الأرثوذكسفي 1930، والتي اجتمعت في الجبل المقدس أثوس. انتهى هذا اللقاء مجدداً من دون أي نتيجة.

إن مدخل النصف الثاني من القرن العشرين أظهر ازدياداً وازدهاراً للمسكونية مرتبطاً بأشخاص وأحداث محددة. نشير هنا إلى نشوء مجلس الكنائس العالمي في سنة 1948 ووصول رجلين، ذوي تاريخ مسبق ومعرفة شخصية وأهداف مشتركة وأسلوب مشترك في التعبير، إلى تبوء عرشي روما والقسطنطينية: انتخاب الكاردينال أنجيلو رونكاللي في 1958 بإسم البابا يوحنا الثالث والعشرين، ورئيس أساقفة أميركا أثيناغوراس بطريركاً مسكونياً في 1948.

في تلك الفترة بالتحديد، دخلت السياسة إلى الشؤون الكنائسية، وبخاصة العامل الأميركي. في ذلك الوقت بدأت الحرب الباردة وراحت الولايات المتحدة الأميركية تعمل بفعالية على تقوية الفنار لتبطل التأثير الذي كان السوفيات يرغبون بممارسته عِبر الكنيسة الروسية على الأمم الأرثوذكسية في أوروبا الشرقية. من هذه الزاوية، دعمت الحكومات الغربية وشجّعت الحوار المسكونيومحاولاته تمتين العلاقات بين الكنائس في الشرق والغرب2.

في 1948، خُلِع البطريرك مكسيموس الخامس عن العرش المسكوني لاتّهامه بمشاعر ونشاطات ميّالة إلى الروس. قررت الولايات المتحدة أن تعمل بحزم وسَعَت إلى زرع شخصية قوية وموثوقة في الفنار ، شخصيةً مناسبة للاستجابة إلى الحاجات المذكورة أعلاه وإنجاز الغايات المحددة لها. على ضوء انتخاب البطريرك الجديد، أزالت الحكومة التركية كل مطارنة مجمع البطريركية الدائم من لائحة المرشحين حتّى تمّ انتخاب أثيناغوراس أميركا بموافقة الحكومتين الأميركية واليونانية.

4. فرض أسقف أول على الأرثوذكسية

ابتداء من ذلك الحين، قدّمت الولايات المتحدة، كوسيلة لإزالة مفعول العامل الروسي، دعمها لهدف الفنار الثابت بتثبيت أوليّته في الشرق الأرثوذكسي. تمّ الترويج لكل هذه المسألة بشكل منهجي من قِبَل ممثلي البطريركية المسكونية. ميتروبوليت بروسا أتى مباشرة إلى هذه النقطة مديناً بالهرطقة كل الذين لا يقبلون فرض الأولية في الكنيسة الأرثوذكسية، فكتب: “إن رفض الاعتراف بأيّ أوليّة في الكنيسة الأرثوذكسية، أوليّة لا يمكن تجسيدها إلا في <أوّلٍ> ما، أي في أسقف عنده امتياز أن يكون أولاً بين إخوته الأساقفة، إن هذا الرفض يشكّل هرطقة. ما يُقال عادةّ بين الأرثوذكس عن الوحدة بأنها مؤمَّنَة من خلال إيمانهم المشترك وعبادتهم المشتركة أو من خلال مؤسسة المجمع المسكوني كلام مرفوض. كلا النموذجين غير شخصي، بينما في اللاهوت الأرثوذكسي مبدأ الوحدة هو دوماً شخص. بالواقع، كما في الثالوث القدوس، مبدأ الوحدة ليس الجوهر الإلهي بل أقنوم الآب (رئاسة الآب)؛ الأمر نفسه على المستوى الإكليسيولوجي، في الكنيسة المحلية، نقطة الوحدة ليست الخدمة الكهنوتية ولا العبادة المشتركة بين المسيحيين، بل شخص الأسقف. بالتالي، على مستوى الأرثوذكس بشكل شامل، مبدأ الوحدة لا يمكن أن يستند إلى فكرة أو مؤسسة، بل يجب أن يكون شخصاً، إذا كنّا بالفعل نريد أن نبقى ثابتين في إيماننا” [24].

واضح أن نظرة ميتروبوليت بروسا تتوالد في الأفكار التي في لاهوت ميتروبوليت برغامن (يوحنا زيزيولاس) في ما يتعلّق بالشخص. بحسب مطران نافباكتوس، إن السلالة الكاملة من الفكر المتعلّق بالشخص، من دون المخاطرة بقول الكثير، هي هرطقة، استمرار للأريوسية والمشيئة الواحدة وهي تنتج من خلال تأثير الفلسفة الوجودية.” [25] “الكنيسة بحسب تعليم الرسول بولس، هي جسد المسيح؛ أساس الكنيسة هو محورية المسيح وليست محورية الثالوث، لأن المسيح، أحد الثالوث، صار إنساناً واتّخذ الطبيعة البشرية وألّهها. عندما تُوصَف الكنيسة بأنها أيقونة أو على صورة الثالوث القدوس، إذّاك من وجهة نظر لاهوتية صرفة يحصل خلط بين اللاهوت والتدبير والتباس بين المخلوق وغير المخلوق. إلى هذا، في صياغة أن الكنيسة هي أيقونة للثالوث القدوس تظهر عدة صعوبات في ما يتعلق بالصِلة بين الكنائس والصفات الأقنومية لأشخاص الثالوث القدوس” [26]

على خلاف ذلك، من المميز أن مع لاهوت الشخص هذا، الكنيسة كأيقونة للثالوث، واستعمال هذا اللاهوت لدعم فَرض الأوليّة، فإن ميتروبوليت برغامن يتخطّى حتّى لاهوتيي البابوية! ففي اجتماعات اللجنة المشتركة للحوار في عمان الأردن في أيلول 2014،لقد فاجأ حتّى ممثلي البابوية. “خلال الاستراحات بين الجلسات كانوا يتحدّثون مع ممثلي الكنائس الأرثوذكسية وأعلنوا أن الكنيسة الكاثوليكية لم تدعم يوماً أوليّة البابا بحجج كالتي قدّمها ميتروبوليت برغامن! لاحَظَ الكاثوليك أنهم فهموا البابا كخليفة في السلطة على كنيسة بطرس، لكنّهم لم يعبّروا أبداً عن أنّ البابا بالمماثلة هو في مكان الله الآب في الثالوث، أي في الموقع الذي يدعم به مطران برغامن روما والقسطنطينية!” [27]

للأسف، في نص رسالة مجمعكريت، الفصل العاشر يحمل أفكار مطران برغامن، وهو المعنوَن الكنيسة: جسد المسيح، أيقونة الثالوث القدوس“. من البداية، كان أحد أهداف المجمع، من بين أهداف أخرى، إقامة البطريرك المسكوني كأول من دون مساوين في الكنيسة الأرثوذكسية. إن ممارسات البطريركية المسكونية الأحادية في أمور المسكونية – استبعاد وإهمال ومخاصمة وتهميش جميع الكنائس الأرثوذكسية الأخرى – خلقت وأسست بحكم الواقع وضعية الأولية هذه للفنار. ممثلو الفنار، باتّباعهم الاستراتيجية الأحادية الجانب بفرض خياراتهم بشكل منهجي ومتكرر، تخطوا دور البطريركية المسكونية كمنسّق في الحوارات اللاهوتية والمؤتمرات الشاملة لكل الأرثوذكس. لقد استفزّوا بهذه الطريقة ردّة فعل مبررة من جهة الكنائس الأرثوذكسية الأخرى.

بالإشارة مجدداً إلى أحداث الماضي، نكتشف أن كنيسة اليونان كانت أخذت على عاتقها مقاومة شرسة لمخططات الفنار رافضة بأي شكل الاعتراف باحتكار السلطة على كل الكنائس الأخرى كما حاول الفنار أن يؤسس. بتعبير آخر، لقد رفضت الاعتراف بفَرض أوّل، لا بين متساوين، بل على غير متساوين؛ رفضت فرض أوليّة في السلطة لا أوليّة شرف ضمن الكنيسة الأرثوذكسية.

لتصوير هذه النقطة، نحن بحاجة فقط إلى تذكّر ردة الفعل القوية لكنيسة اليونان على التلهّف الذي انتاب البطريرك أثيناغوراس إلى الدعوة سريعاً إلى عقد المؤتمر الأرثوذكسي الشامل في 1963 ومحاولته أن يؤسس لأوليّة كرسيه على كل الأساقفة الأرثوذكسيين الآخرين. مجمع كنيسة اليونان أدان بالإجماع الطريقة التي بها يتمّ التحضير لتنظيم المؤتمر الأرثوذكسي من دون أي احترام للترتيب القانوني، وتعيقه الشرائع المقدسة عن الاعتراف بحصر السلطة في أي من الأساقفة الأُوَل في الكنيسة” [28]. وتوجّه المجمع إلى البطريرك أثيناغوراس: “توصّل المجمع إلى القرار الثابت بالامتناع عن المشاركة في المؤتمر الأرثوذكسي الشامل الذي قررتموه بمفردكم يا صاحب القداسة، والذي نتائجه تؤدّي إلى تخريب كنيستنا المقدسة” [29].

5. بطريركية أثيناغوراس – الاتفاق على الوحدة

بطريركية أثيناغوراس، باقتراحاتها المسكونية غير المتوقّعة وغير المرغوبة، وازدرائها الفاحش الذي لا يوصَف لقوانين ونظام الكنيسة، ودوسها عليها، كما تقرّبها المتهوّر والمفرِط من البابويين، من دون حدود ولا نهاية، بحسب ما وصفها هو نفسه، والتراجيكوميديا التي لا تُصدّق والكلام الفائض عن المحبة في لقاءاتهم معاً، والبطولات التواصلية وحرب الانطباعات، كل هذه كانت استفزازاً متواصلاً للخُلُق الأرثوذكسي وتقليد الكنيسة، وكما نتوقع، لم يحظَ ولا بأي لحظة بموافقة الكنائس الأرثوذكسية الأخرى.

من بين نشاطاته المسكونية الوفيرة، كان البطريرك أثيناغوراس مسؤولاً عن إعادة إطلاق عملية عقد المجمع الأرثوذكسي الشامل. بهذه الطريقة، نرى العلاقة الداخلية البديهية والمباشَرة بين ما يُسمّى المجمع الكبير وأهداف وغايات المسكونية.

مع تبوئه عرش القسطنطينية، بدأ البطريرك أثيناغوراس اتصالات رسمية وخاصة مع الفاتيكان. “كانت تجري مفاوضات خلف الستائر بين أثيناغوراس والفاتيكان لترتيب لقائه مع البابا. كان الوسطاء لهذا اللقاء شخصيات مختلفة من العالم الكاثوليكي، لكن بوجه خاص الأرشمندريت سكريما الروماني، وهو لاهوتي متميز.” [30]

العلاقة الوثيقة والتواصل الذي تمت رعايته لسنوات مع الكاردينال أنجيلو رونكالي، لاحقاً البابا يوحنا الثالث والعشرون، أدّى إلى اتفاقات للترويج معاً لـوحدة الكنائس“. بالنسبة للبابا يوحنا، الوحدة سوف تكون وحدة قلوب، وحدة صلاة: ثمرة بحث الواحد عن الآخر” [31] والتي ينبغي أن تقوم على أسس الثورة الفرنسية. “إن لم يَسُد شعار الثورة الفرنسية: حرية، مساواة، أخوّة، فلن يكون هناك سلام بين الأمم ولا وحدة بين الكنائس” [32].

هذا الاتفاق الخاص بين الفنار والفاتيكان للترويج لـوحدة الكنائسحرّك سلسلة من الإشارات والمبادرات ذات معنى رمزي ضخم، وأهمها اللقاء المثير بين البطريرك أثيناغوراس والبطريرك التالي بولس السادس في أورشليم سنة 1964. لقد كان قراراً جديداً وغير متوقّع للبطريرك أثيناغوراس، أطاح بلحظة واحدة بكل ما كان مفروغاً منه في الكنيسة الأرثوذكسية – قوانينها المقدسة، مبدأ المجمعية، التقليد الآبائي، ضميرها العقائدي والكنائسي والكثير غير ذلك. وهل هناك منَ يعتقد بأن كل ذلك تمّ على يد رجل واحد من دون أي اتفاق مسبَق بين كل الأرثوذكس! مرة جديدة شجبت كنيسة اليونان هذا العمل: “إن أفكار البطريرك المسكوني المذكورة أعلاه… خلقت انطباعاً هدّاماً… هذه الخطوة المصيرية غير المتوقعة من البطريركية، مطلوب تحديدها كموضوع مناقشة مشتركة وقرار بين كل الكنائس الأرثوذكسية المقدسة.” [33]

وقد تمّ استثمار اجتماع البابا والبطريرك بشكل منهجي مع قوة الصورة والرمزية والتصورات. تكتيكات العلاقات العامة، المنشورات المثيرة، والفيض المتواصل لـلغة المحبةساد على الاجتماع الشهير، على حسب ما كشف البطريرك أثيناغوراس نفسه. وفي الوقت عينه تضمّن اجتماعات خاصّة وإنهاء اتفاقات مخبأة بين البابا والبطريرك: “دخلنا نحن الاثنان يداً بيد إلى غرفته وكان لنا نقاش منعزل. ماذا قلنا؟ مَن يعرف ماذا تقول روحان عندما تتحدثان! مَن يعرف ما يقول قلبان عندما يتبادلان مشاعر المحبة!… ماذا قلنا؟ لقد وضعنا مشروعاً مشتركاً، بمساواة مطلقة، من دون أي فرق في السلطة.” [34]

هذا المشروع المشترك يتمّ تنفيذه تدريجياً، خطوة خطوة، حتى اليوم. “الوحدةوُصّفت واتُّخِذ قرارها منذ تلك النقطة. لقد كان هناك اتفاق واضح على الوحدة في الكأس المشتركةكما يظهر من حقيقة أن هذا كان الرغبة الأساسية للفريقين. يتابع البطريرك أثيناغوراس وصفه “وقلنا أننا وجدنا أنفسنا على طريق عمواص… وأننا ماضون للقاء سيدنا في الكأس المقدسة المشتركة. جواباً، أعطاني البابا كأساً مقدسة كهدية. لم يعرف ما كنت سوف أقول عن الكأس المشتركة ولا أنا عرفت ما سوف تكون هديته. ما هذا؟ رمز للمستقبل.” [35]

إن رفع الحرمالشائن بين الفاتيكان والفنار في أواخر 1965 كان محاولة لتحقيق خطوة مهمة نحو هذه الوحدة في الكأس المشتركة، وهذا كان قراراً أحادياً من البطريركية المسكونية. ردة فعل الكنيسة اليونانية كانت مميزة: “بكثير من الامتعاض تمّ الإعلام عن مبادرة البطريرك المسكوني في القسطنطينية الكلي القداسة أثيناغوراس. ما من أحد له الحق بالتقدم في أعمال مماثلة. هذا الحق يعود للأرثوذكسية ككل.” [36]

في نص رفع الحرماللاتيني، ترد عبارة excommunicatio التي تعني الحرم، بينما في ترجمة البطريركية المسكونية الرسمية فتُرجِمَت إلى لعنة anathema.” بتعبير آخر، تكلّم النص عن رفع الحرم“. [37] يعلِمنا المطوّب الذكر المتقدّم في الكهنة يوحنا رومانيدس ذكرت النيويورك تايمز حول الإعلان من الفاتيكان والفنار في السابع من كانون الأول 1965 عن رفع الحرم (الحرم لا اللعنة في النص اللاتيني) على الصفحة الأولى، أنه وضع حد لانشقاق 1054 واستعادة للشركة الأسرارية التي انقطعت. واضح أن النص اليوناني الذي يعلن رفع اللعنات كان مضللاً عمداً. كان المقصود منه الردّ على ردات الفعل السلبية الممكن صدورها عن الكنائس الأرثوذكسية الأخرى.” [38]

ما يؤكّد الاتفاق الذي تمّ لرفع الحرم هو أن البابا يوحنا بولس الثاني قبل زيارته للفنار (11/30/1979)… عبّر عن ثقته بأن الوحدة قد استعيدَت من خلال هذه العملية.” [39]

لقد كانت قناعة البطريرك أثيناغوراس راسخة بأن وحدة الكأس المشتركةلن تتأخّر وأنّ وحدة كل المسيحيينسوف تتبع ومن ثمّ وحدة كل البشر من كل الأديان، أي دين العصر الجديد الشامل. “أنا أؤمن أنها آتية. لأن من المستحيل أن لا تأتي، لأنها أصلاً بدأت بالقدوم. ففي أميركا أصلاً أنت تناول الكثيرين من الكأس المقدسة وحسناً تفعل! وأنا هنا، عندما يأتي كاثوليكيون وبروتستانت ويطلبون المناولة أقدم لهم الكأس المقدّسة! والأمر نفسه يحدث في روما كما في بريطانيا وفي فرنسا. إنها آتية من ذاتها. لكن لا ينبغي أن تأتي بالشعب والكهنة. على الرؤساء واللاهوتيين أن يكونوا على اتفاق. لهذا السبب، نحن نحاول أن يكون لاهوتيونا معاً، حتى تأتي هذه الحقيقة العظيمة، المسيحية الشاملة. ومعاً مع هذه الحقيقة العظيمة، يأتي يوم حلمنا، البشرية الشاملة.” [40]

من المعبّر أن كلّ ما تقرر في الاجتماعات الخاصة والاتصالات بين ممثلي الطرفين (الفاتيكان والفنار) نلقاه لاحقاً يتطور كمخطط للتحقيق تدريجياً من خلال الخيارات والأفعال المنسجمة. هذا ما يعبّر عنه كل أبطال المسكونية الذين يؤكّدون لنا أن في الحقيقة، في العقود الأخيرة، رؤساء الكنائس، بمَن فيهم البابا فرنسيس والبطريرك برثلماوس، عبّروا ليس فقط بالأقوال عن إرادتهم بأن يحققوا رغبة الربّ باستعادة وحدة الكنائس، لكنهم كانوا يتحركون متقدمين من خلال أعمال الرجاء والأخوّة الملموسة والمحبة الكاملة والاحترام المتبادل، والأفعال التي تبرهن نواياهم المخلِصة والشريفة.”[41]

إن الحاجة لأن يكون الرؤساء واللاهوتيون على اتفاق، بحسب صياغة البطريرك أثيناغوراس، كان ينبغي إعطاؤها برنامجاً زمنياً للتمام حتّى تتحقق الوحدةالتي يسعون إليها وتكتسب اعترافاً مؤسساتياً وتصديقاً من مجمع أرثوذكسي شامل. وباتّجاه تحقيق هذا الهدف، وبموازاة حوار المحبة، تمّ تصميم مجمعين كبيرين، أحدهما يعقده الأرثوذكس والآخر البابويون (الفاتيكان الثاني). كلا المجمعين كان لا غنى عنه، على المستوى المؤسساتي، لخلق الظروف الضرورية والتغيرات التي ينبغي حصولها لكي تتقدم الوحدة“.

ج. الفاتيكان الثاني – المجمع الأرثوذكسي الشامل: الطريق والأهداف المشتركة

في العالم الكاثوليكي، كان هناك إعلان وتحضير وإنجاز للمجمع الفاتيكاني الثاني؛ على المقلب الأرثوذكسي كان هناك عملية من خلالها اللقاءات الأرثوذكسية الشاملة تتم كمراحل في التهيئة لـالمجمع المقدس الكبير“.

في اللقاءات الخاصّة مع ممثلي البطريرك أثيناغوراس، كشف البابا يوحنا الثالث والعشرون نوايا الفاتيكان في ما يتعلّق بمجمع الفاتيكان الثاني الذي كان على وشك ابتداء أعماله. فقد صرّح بأنّ “أحد أهداف المجمع الجديد هو إعادة وحدة الكنائس.” [42] في الخامس والعشرين من كانون الثاني 1959 أعلن ابتداء المجمع الفاتيكان الثاني الذي استمرت أعماله أربع سنوات (1962-1965) في 178 اجتماع.

في 1961، دعا البطريرك المسكوني إلى أول اجتماع شامل للأرثوذكس في رودس، وتبعه العديد (1961، 1963، 1964، 1968) كما لقاءات تحضيرية للمجمع (1976، 1982، 2009، 2015) متّبعة نفس منهجية الفاتيكان الثاني. عند نقطة ما، أثناء كان مطراناً لفيلادلفيا منذ 1977، كشف البطريرك المسكوني برثلماوس ميزة المجمع الذي كان في طور التصميم، وذلك في مقابلة مع مجلة The National Catholic Reporter، حيث ذكر: “إن غايتنا هي تماماً مثل غاية يوحنا (البابا يوحنا الثالث والعشرين): تحديث الكنيسة والترويج للوحدة المسيحية… أيضاً، المجمع سوف يعني فتح الكنيسة الأرثوذكسية للأديان غير المسيحية، للبشرية ككل. هذا يعني مقاربة جديدة للإسلام، البوذية، للحضارة المعاصرة، نحو تطلعات لأخوّة متحررة من التمييز العنصري… بتعبير آخر، سوف تكون علامة انتهاء اثني عشر قرناً من العزلة بالنسبة للكنيسة الأرثوذكسية.” [43]

منذ البداية هذه كانت أهدافهم؛ هذه كانت فلسفتهم. هذا هو الهدف الذي خدمه مجمعكريت وما كان يُرجى منه. مرفوض كنائسياً ويتخطّى المنطق الكنائسي أن يصوغ أسقف أرثوذكسي هذه المواقف غير الأرثوذكسية، ناهيك عن أن هذا الرجل عنده الشرف الأعلى في تراتبية الكنيسة الأرثوذكسية بأكملها أي البطريركية المسكونية. إنه فعلاً مؤلم وغير مبرر، لكن ما يتصوّره برثلماوس على أنه انتهاء اثني عشر قرناً من العزلة بالنسبة للكنيسة الأرثوذكسيةليس إلا نهاية الأمانة لآباء كنيستنا القديسين – نهاية التقليد وخبرة الروح القدس. صحيح إنه عزلة، لكن عن حقيقة كنيسة المسيح الحيّة!!!

هذه الأقوال تؤكّّد ما أوحِي به إلى الشيخ أفرام الكاتوناكي الطيّب الذكر، في ما يختصّ بالمسكونية، أي أن مدخِل كل الشرور يعمل في الداخل.

1. هرطقة الإكليسيولوجيا الجديدة

إن التغيير الكبير الذي كان على المجمعين فرضه كشرط ضروري لـوحدة الكنائسكان الاعتراف، من قبل الطرفين، بالحقيقة الكنسية للطرف الآخر. كان على الكاثوليك أن يعترفوا بأن الأرثوذكس كنيسة، ومثله على الأرثوذكس أن يعترفوا بالكثلكة. لتحقيق هذا الهدف، تمّ اكتشافإكليسيولوجيا جديدة ذات أصل مسكوني وفرضها. كأساس لهذه الإكليسيولوجيا الجديدة، كان ضرورياً الابتعاد عن مسكونية العودةوالتوجه نحو مسكونية التكامل.” [44]

أول عظة على الراديو للبابا يوحنا الثالث والعشرين في تشرين الأول 1958 يمكن اعتبارها الحركة الأخيرة قبل هذا الانعطاف، حيث بثّ دعوته للأرثوذكس للعودة إلى بيت الآب المشترك.” “نحن نصلّي أن يعود الكلّ طوعياً، وأن يتمّ ذلك قريباً بمعونة الله…” [45] يبدو أن هذه الدعوة إلى العودةأقلقت البطريرك أثيناغوراس الذي في رسالة رأس السنة 1959 أشار إلى أنّ التقارب بين الكنيستينيجب أن يتمّ في روح من المساوة والعدالة والحرية الروحية والاحترام المتبادل.” [46]

في السنتين اللتين تلتا، تشكّل المناخ المناسب لكي يتمكن الفاتيكان الثاني من تقديم ركيزة مسكونية التكامل” [47] وإكليسيولوجيا الفاتيكان الجديدة. استندت مسكونية التكاملإلى نظرية طوّرها الفرنسي الدومينيكاني إيف كونغار في 1939، حيث صاغ فكرة أن بعض العواملالمستقلّة كالمعمودية يمكن فصلها عن كامل الكنيسة، فيما تستمرّ بمدّ النعمة وتفعيل التكامل (voto) الروحي مع الكنيسة في نفس المسيحي المنشقّ، مثبتاً المنشقّ كعضو في الكنيسة. [48]

يعطي اللاهوتي والمفسّر الكتابي يوهانس فاينر وصفاً واضحاً لـإكليسيولوجيا الشركة (communio ecclesiology)” في الفاتيكان الثاني: “لأن الكنيسة تظهر كشركة (communio) أو كواقع معقّد على شكل شركة، فإن الوحدة التي يتسبب بها عدد من العوامل المختلفة، تبقي الإمكانية مفتوحة لأن يكون بعض العناصر المكوّنة للكنيسة موجودة حتّى في الجماعات المسيحية خارج الكنيسة الكاثوليكية وقد تعطي هذه الجماعات طبيعة الكنيسة. وعليه، إن كنيسة المسيح الواحدة يمكن أن تكون موجودة خارج الكنيسة الكاثوليكية، وهي موجودة…” [49]

إن السنوات الكثيرة التي انقضت في التحضير للمجمع الأرثوذكسي الشامل ارتكزت تحديداً على النماذج والفلسفة التي قد تمأسِس هذه الإكليسيولوجيا الجديدة ضمن العالم الأرثوذكسي أيضاً.

2. النقاط الرئيسية في الإكليسيولوجيا الجديدة

ارتكزت الإكليسيولوجيا الجديدة على فكرة أن حقيقة إيمان الرسل، أو جزء منها، محفوظ (ومُختَبَر روحياً) في الكنائس والطوائف المسيحية الأخرى. إذاً، بهذه الطريقة، تُنتَهَك حقيقة الكنيسة الخاصة كما هويتها وفهمها لذاتها.

مع تقبّل هذه الإكليسيولوجيا الجديدة، عندنا توسيع لحدود الكنيسة حتّى أن الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية لم تعد تتطابق حصرياً مع الكنيسة الأرثوذكسية. وبهذا نصل إلى الإعلان والاعتراف مع خليط الطوائف البروتستانتية والجماعات المثيرة للجدل في مجلس الكنائس العالمي، بأنّ كل كنيسة تحقق جامعيتها عندما تكون في شركة مع الكنائس الأخرى… من دون بعضنا نحن فقراء.” [50]

واضح أنّ الإكليسيولوجيا الجديدة تتخطّى في آن واحد الأفكار الغربية غير الأرثوذكسية عن الكنيسة غير المنظورة، الكنيسة المنقسمة، نظرية الفروع، صورة رئتي الكنيسة، ومفردات الكنائس الشقيقة واللاهوت ما بعد الآبائي.

في الفاتيكان الثاني، وتحديداً في مرسوم المسكونية، نجد أول حجارة الأساس الرسمي الذي وُضِع للإكليسيولوجيا الجديدة، في فصل عنوانه علاقات الإخوة المنفصلين مع الكنيسة الكاثوليكية“. في هذا الفصل يرد بشكل خاص أن في بدايات كنيسة الله الواحدة والوحيدة هذه نشأت بعض الشقاقات التي أدانها الرسل بقوة. لكن في القرون اللاحقة ظهر الكثير من الانشقاقات الخطيرة ووصل الأمر بجماعات كبيرة إلى الانفصال من الشركة مع الكنيسة الكاثوليكية – حيث يُلام عليها رجال من كلا الطرفين. إن الأولاد الذين وُلِدوا في هده الجماعات ونشؤوا على الإيمان بالمسيح لا يمكن اتهامهم بخطيئة الانفصال، والكنيسة الكاثوليكية تقبلهم كإخوة باحترام ومودة.” [51]

من المقلق حقاً أن نلاحظ الإخلاص الذي به المسكونيون الأرثوذكس يقلّدون الفاتيكان الثاني في مأسستهم للإكليسيولوجيا الجديدة ضمن الأرثوذكسية. رئيس اساقفة ألبانيا، متماهياً بشكل كامل مع قرارات الفاتيكان الثاني، يقول بشكل مميز: “إنه بديهي، بغض النظر عن سهولة تجاهله من قِبَل بعض الأرثوذكس، أنّ الأوروبيين الآخرين لم يختاروا عن قصد الدخول في الهرطقة (الطائفة المسيحية التي ينتمون إليها حالياً) بل هم وُلدوا في بلد حيث طائفتهم هي المهيمنة لعصور، أي النروجيون في الكنيسة اللوثرية، والاسكتلنديون في المشيخية. كيف لنا أن ندينهم لأنهم ليسوا أرثوذكسيين؟” [52]3

إن مرسوم المسكونية يضع الأساس أيضاً للاهوت التعميدي وصلاحية الأسرار في الكنائس الشقيقة“. ففيه يرِد بشكل خاص: “لأن الذين يؤمنون بالمسيح وتعمّدوا حقيقةً هم في شركة مع الكنيسة الكاثوليكية حتى ولو تكن شركتهم كاملة… ويبقى صحيحاً أن كل الذين تبرروا بالإيمان في المعمودية هم أعضاء جسد المسيح، ولهم الحق بأن يُسمّوا مسيحيين، وعليه فمن الصحيح قبولهم كإخوة لأبناء الكنيسة الكاثوليكية.” [53]

ويتابع المرسوم: “إن الإخوة المنقسمين عنّا يستعملون أيضاً الكثير من أفعال الدين المسيحي الليتورجية. هذه على الأكيد يمكن أن تولّد بالحقيقة حياة نعمة بطرق تتغيّر بحسب ظروف كل كنيسة أو جماعة. هذه الأفعال الليتورجية يجب أن يُنظَر إليها على أنها تتيح الوصول إلى جماعة الخلاص.” [54]

جوهرياً، وضع الفاتيكان الثاني الأساس لوحدة الكاثوليك والأرثوذكس على المقلب الكاثوليكي، مصوراً إياها على أنها طليعة المسكونية الجديدة. الأساس عينه وضعه المسكونيون الأرثوذكس على المدى الطويل في التحضير للمجمع الكبير.

3. الطريق إلى الانحراف الإكليسيولوجي

كما أشرنا سابقاً، إن الهدف الثابت لعملية التحضير هذه كان التحويل التدريجي للإكليسيولوجيا الأرثوذكسية. ولتحقيق هذا التحويل، كانت بعض الخطوات ضرورية ويمكن فهمها وفقا للمبادئ التوجيهية العامة التالية:

أ) تبديل اتجاه حدود الكنيسة القانونية

ب) تبديل اتّجاه الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية وفهمها الذاتي

ج) تكييف الأرثوذكس نحو التقارب والاتحاد مع غير الأرثوذكس، وهو الهدف الأخير

د) قبول صلاحية المعمودية بالبداية، ومن ثمّ لاحقاً كل أسرار الكاثوليك وغير الأرثوذكس الآخرين.

إن سنوات التحضير الطويلة للمجمع الكبير دارت حول هذه المحاور الرئيسية. وعليه بحسب رئيس الأساقفة ييرونيموس: “دعت البطريركية المسكونية إلى أربع مؤتمرات لكل الأرثوذكس… لكي تضع المعايير القانونية للكنيسة الأرثوذكسية وتحدد حدود علاقتها مع الكنائس والطوائف غير الأرثوذكسية.” [55]

يشدد المسكونيون على هذه الحاجة لإعادة تحديد واضحة ومباشرة للإكليسيولوجيا الأرثوذكسية، كما على الحاجة للحصول على القبول من كل الأرثوذكس. الميتروبوليت خريسوستوموس مطران ميسينياس يشدد على أنّ على الأرثوذكس أن يوضحوا أولاً وقبل كل شيء موقف كنيستهم وعلاقتها بالعالم خارجها، حتّى لا تزحف الشكوك إلى الداخل، ولا يبقى مراوغات، لا ارتياب عند الآخر حول آرائها، حتّى تكون القرارات المتّخذة لا لبس فيها وتعكس توافق كل الأرثوذكس وقبولهم. فقط بهذه الطريقة يُسمَع صوتنا ويُحتَرَم.” [56]

في البند العشرين من وثيقة علاقات الكنيسة الأرثوذكسية مع باقي العالم المسيحي، والذي أقرّه مجمعكريت، يرد: “إن آفاق إجراء الحوارات اللاهوتية بين الكنيسة الأرثوذكسية وباقي العالم المسيحي هي دائماً محددة على أساس المبادئ القانونية في الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية وفي المعايير القانونية في تقليد الكنيسة المعتَرَف به أصلاً.” [57].

يلاحظ خريسوستوموس ميتروبوليت ميسينيا أن في المقطع الحالي، لم تكن حدود الكنيسة الأرثوذكسية بالنسبة للكنائس والطوائف المسيحية الأخرى موضع شكّ قبل تحديدها على مستوى أرثوذكسي شامل، فبالتدبير تمّ الاعتراف بواقع وصلاحية معموديتهم بما يتوافق مع تقليدهم القانوني. وعليه فإن مبدأ التدبير الكنائسي هو موضع تشجيع في العلاقة مع الكنائس والطوائف المسيحية الأخرى، كتعبير عن محبة الكنيسة الأرثوذكسية للبشرية، فيما يُخفَف مبدأ الدقة.” [58]4

بعبارة تقليد الكنيسة المعتَرَف به أصلاًفي البند العشرين، إنهم بالطبع لا يعنون تقليد كنيستنا الآبائي الموحى به من الروح القدس في الألفيتين الأخيرتين، بل التقليدالذي تشكّل في القرن الأخير ضمن إطار الحركة المسكونية وعلى مدى الخمسين سنة الماضية.

يفترض تقليد الكنيسة المعتَرَف به أصلاًالجديد للمسكونية أنّ بحكم الواقع هناك قبول ومأسسة للاهوت التعميدي ضد الأرثوذكسي، على أساس أن للاعتراف بالمعمودية أهمية رئيسية لقبول كنائسية غير الأرثوذكس.

استناداً إلى هذه الفكرة المسكونية، يعلن كيرللس مطران أفيدوس، أنّه يمكن أن تُدفَع الكنيسة الأرثوذكسية إلى الاعتراف بحقيقة معمودية غير الأرثوذكس، حين وقبل كل شيء، تبتعد عن غطرسة التفرد. هذا التفرد لا يشكّل تعليماً عقائدياً في الكنيسة الأرثوذكسية.”[59]

البروفسور ستيليانوس تسومبانيدس، وهو أستاذ في الكلية اللاهوتية في جامعة أريسطوطاليس في تسالونيكي وعضو اللجنة المجمعية لعلاقات كنيسة اليونان مع المسيحيين، يحدد كأحد المبادئ في المجمع الكبير: “التحديد، بشكل أكثر إقناعاً وحسماً، موقف الكنيسة الأرثوذكسية ضمن الحوار المسكوني المعاصر والتوجه إلى مَن يتمّ التحاور معهم بأن الأرثوذكسية تختبر علاقتها معهم ومَن هم بالنسبة إلى الأرثوذكسيةإن إرسالية الأرثوذكسية المعاصرة، من خلال هذا المجمع الآتي، هي تأكيد الرغبة الأرثوذكسية بالسير مع الكنائس والطوائف المسيحية الأخرى على الطريق المؤدّية إلى الوحدة المسيحية.” [60]5

غالبية المشاركين في مجمعكريت عملوا في المزاج نفسه وخاصة الذين لعبوا أدواراً قيادية في تشجيع هذه الأفكار الجديدة والترويج لها.

قلة مختارة منهم اختارت العمل كرواد، كفريق عمل، لخلق جو من النزاع، مهاجمين بوقاحة ومن غير لين كل مَن يرغب في أن يبقى أميناً لتقليد الكنيسة. إنه تكتيك عدواني معروف، يحاول الإنسان المذنِب أن يغطّي ذنبه برميه على الآخر. في الحالة الحاضرة، هناك استهجان للمقاومين ووصمهم بأنهم غيارى (zealots)، متعصبون، متطرفون، أصوليون، أنانيون، مرضى نفسيون، وحتى هراطقة.

صرّح المستشار الخاص للبطريرك، مكاريوس ميتروبوليت خريستوبولي، في مقابلة قبل أيام قليلة من بداية مجمعكريت: “يحكي البعض عن هرطقة المسكونيةقد يكون ضرورياً أن تنشغل الكنيسة بهرطقة أخرى، شكل جديد من الهرطقة التي تُخلَق اليوم، هرطقة التعصب؟إن الخائفين من المسكونية ينضوون في هرطقة التعصّب.” [61]

على نفس الموجة، يشير أنستاسيوس رئيس اساقفة ألبانيا في خطابه في الجلسة الافتتاحية: “بعض الناس يسألون: في المجامع الأرثوذكسية الكبيرة كانت تُجابه بعض الهرطقات. ما هي الهرطقة التي سوف يعالجها هذا المجمع الكبير المقدس؟ الجواب بسيط. الهرطقة العظيمة، أمّ كل الهرطقات، الأنانية (egocentrism) – الشخصية، الجماعية، القبلية، المحلية، الكنائسية، وغيره – وجميعها تسمّم العلاقات البشرية وكل أشكال التعايش المتناغم والخلاق.” [62]

حتّى رئيس أساقفة قبرص، خريسوستوموس، في الجلسة نفسها علّق على ما يتعلّق بالخارِجين عن المجمع بأنّ حقل الكنيسة ينتِج أيضاً زواناً بذره العدو.” [63]

اللاهوتي ما بعد الآبائي جاورجيوس فلانديس، وهو باحث في أكاديمية الدراسات اللاهوتية في مطرانية ديميترياس (فولوس)، باصقاً النكد والسخرية على الذين يقاتلون من أجل الإيمان، كتب عنهم: “كونهم عاجزين عن الكنيسة كطريق، الأصوليون الأرثوذكس في كل العالم مدانون باختبارها كرصيفإن الأفضل أن يتمّ التعامل مع هذياناتهم الصاخبة على يد طبيب نفسي بدلاً من الردّ لاهوتياًفي كل الأحوال، ما هو أكثر إثارة للاهتمام من نوبات الغضب عند أولئك الرجال المختلّين والجهلة، هو وجود هرطقة ضمنية، تُعرَف بالأصولية…” [64]

يوجد سلسلة من الإشارات والتعليقات المشابهة، تيار لا نهاية له من الإساءة الذي لن نكرره هنا. هذه السلسلة تكشف نمط أنصار الفنار وأخلاقيتهم. إلى هذا، الخداع، الضغط، التهديدات، والترهيب تشكّل سياسة ثابتة في التعاطي مع المخالفين.

إن الضغط الممارَس على كنيسة اليونان من خلال التهديد بالأراضي الجديدة وشكوى رئيس الأساقفة من أنّ كنيسة اليونان تُقوَّض” [65] ذات دلالة. ضغط مماثل يُمارَس في أزمة أوكرانيا حيث الفنار يلوّح مهدداً سلطة موسكو بإعلان استقلال الكنيسة المنشقة.6

كما أن هناك دلالة في أن الاضطهاد يُمارَس على رهبان جبل أثوس لأنهم يعبّرون عن معارضتهم الاقتراحات المسكونية وقرارات مجمعكريت. أخيراً، هناك حقيقة أن ضغطاً مماثلاً، تحديداً بالتهديد برفع سلطة الجبل الذاتية، وهو ضغط يُمارَس على كل جماعة الجبل المقدس حتّى لا يقوموا بردات فعل ضد المجمع“.

فوق هذا، هذه ليست المرة الأولى التي يتولّى فيها الفنار انتهاك مؤسسة الجبل المقدس لإسكات الرهبان وإيقاف مقاومتهم ومراقبتهم لانحرافات الفنار المسكونية. ففي 1994، بعد اتفاق البلمند الغادر أشتعلت عاصفة من الجدال بين المؤمنين الأرثوذكسيين كما في الجبل المقدس. لقمع ردات الفعل هذه، أرسل الفنار وفداً بطريركياً مؤلّفاً من ثلاثة مطارنة مدّعين المشاركة في الاجتماع المشترك لرؤساء وممثلي أديار الجبل، وهذا أمر ممنوع بشكل واضح كما أنه انتهاك لوضع الحكم الذاتي لأثوس. مع هذا سار الاجتماع، وفُرِضت عقوبات من دون محاكمة ولا دفاع، وحتّى أنه أُعلِن عن خلع رؤساء أديار وممثلين بسبب عصيان الكنيسة الأم والفتنة ضدها.” [66]

4. موقف الجبل المقدس

يمكن لكل هذا، إلى حد ما، أن يفسّر موقف رؤساء الأديار الأثوسيين لكنه على الأكيد لا يبرر لشركة الجبل المقدس رفضها الكلام وصمتها الأصمّ الذي تستمرّ به في قضايا الإيمان، موقف على طرفي نقيض مع الذهنية الاعترافية والشهادة التي حملها الجبل المقدس عبر العصور.

كلنا ننتظر أن نسمع موقف جبل أثوس من مجمعكريت الذي أعطاه شرعية بمشاركة ممثل منه، رئيس دير ستافرونيكيتا. نحن ننتظر ردة فعل الجماعة المقدسة على أن الكثير من اقتراحات التغيير في النصوص التحضيرية قد أهمِلَت من المجمع“.

ماذا سوف يكون الموقف النهائي لجماعة الجبل المقدس في ما يتعلّق بغير الأرثوذكس؟ هل سوف يعترفون بهم ككنائس، بما يتماشى مع قرارات المجمعأم سوف يعترفون بأنهم تعاليم وطوائف مسيحية” [67] كما فعلوا في رسالتهم التوضيحية في 25/12 آذار 2016 إلى برثلماوس البطريرك المسكوني؟

سوف نقتبس بعض المقاطع المميزة من معالجات قديمة لهذا السؤال المحدد على يد الجماعة المقدسة في جبل أثوس، حيث تعبّر بطريقة واضحة وسلطان عن الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية والفهم الذاتي الذي خالفه مجمعكريت. نحن ننتظر تأكيد هذه المواقف من الجماعة الحالية في الجبل المقدس.

إعلانات جماعة الجبل المقدّس:

1980: “… إن ترك الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية وتبنّي غير الأرثوذكسية، بأنّ الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية لا تشكّل وحدها الكنيسة بل هناك فروع أخرى للكنيسة، أي الأرثوذكسية والبابوية /الكثلكةيقنعنا بأن الوضع قد ازداد سؤاً وأنّ وحدة أمر واقع، كما تمّ تصميمها وتنفيذها في الفاتيكان الثاني، هي على الأبواب.” [68]

1981: “إن رهبان الجبل المقدّس قد تربّوا على يد الآباء المتوشحين بالله والبطريركية المسكونية الموقّرة على أن يعتبروا البابوية هرطقة، هرطقة مشابهة للأريوسية…” [69]

1987: “فوق ذلك، لا يشارك الجبل المقدّس في النظرة بأنّ خارج الأرثوذكسية يوجد «كنائس». هناك فقط جماعات من الهراطقة والمنشقين الذي يعترفون بالإيمان بالمسيح، غير أنه بخلاف وعكس ما تعترف به كنيسة المسيح المقدسة، كنيسة المسيح التي هي واحدة مع الكنيسة الأرثوذكسية ومطابقة لهاالكاثوليك هم منشقون وهراطقة من دون أسرار صالحة ولا نعمة إلهية.” [70]

1994: “نحن ملزَمون، من أجل الكاثوليك والعالم كلّه، الذين بالنسبة لهم الأرثوذكسية هي الأمل الأخير، بألا نقبل الوحدة، ولا بأن نصف الكنيسة الكاثوليكية على أنها «كنيسة شقيقة».” [71]

1995: “كيف يكون ممكناً أننا كنائس شقيقة، في حين أن بيننا فروقات عقائدية ولا شركة أسرارية بيننا؟ هذا كلام متناقض، جديد في تاريخ الكنيسة، واستعماله غير مفهوم. نحن ملزَمون بما يمليه ضميرنا بأن نعلن بأننا لا نقبل نظرية «الكنائس الشقيقة» المتغطرسة.” [72]

5. موقف كنيسة اليونان

منذ بداية الحركة المسكونية، كانت كنيسة اليونان دائما حذرة من الانفتاحات نحو غير الأرثوذكس وحافظت على مسافة واضحة من مغامرات الفنار. في البداية، ردّت كنيسة اليونان سلبياً على رسالة البطريرك الشهيرة في 1902، التي كتبها البطريرك يواكيم الثالث ووجهها إلى الكنائس الأرثوذكسية طالباً رأيها في ما إذا كانت مسألة وحدة الكنائسيجب أن تتقدّم. رئيس الأساقفة خريسوستوموس الثاني (خاتزيستافرو) ردّ بقساوة على مبادرات البطريرك أثيناغوراس المسكونية في الستينيات ووصل الرجلان إلى حد الانخراط في نزاع شرس. رئيس الأساقفة سارافيم كان على نفس الدرجة من التمسك بالتقليد. نذكر صراعه مع حكومة قسطنطين كارامانليس حول إيجاد سفارة فاتيكانية في اليونان سنة 1979.

السؤال الذي بقي في الخلف في كل مرة حُكي عن وحدة الكنائس“: “هل الفاتيكان كنيسة؟“[73] ويُفهَم من العلاقات بين الإجابات أنها ليست كنيسة، بل دولة مدنية. بدأ الموقف التقليدي لكنيسة اليونان بالتغيّر تدريجياً والتحوّل والانزلاق نحو الممارسات المسكونية التي تتوجّت في زيارة البابا يوحنا بولس الثاني إلى أثينا سنة 2001 والزيارة التي بادله بها رئيس الأساقفة خريستوذولس إلى الفاتيكان في 2006.

بعد هذا بدأنا نرى تجنيد اللجان المجمعية المناسبة بالأساقفة واللاهوتيين الأكاديميين المسكونيين. السؤال الذي يُطرَح هو ما هي المعايير التي على أساسها يتم اختيار ممثلي كنيسة اليونان إلى الحوارات اللاهوتية ومجلس الكنائس العالمي واللقاءات الأرثوذكسية. هل هناك تقييم لجودة عملهم وكيفية القيام به؟ هل يقرّ الرؤساء نصوص الحوارات؟ إذ كما هو معلَن بقرار من الرئاسة الكنسية في 2008، شرط مراجعة كل الكنائس المستقلّة والتصديق عليها.” [74]

بالواقع، إن إصرار المجمع المقدس على تعيين هؤلاء الممثلين في الحوارات يشكّل استفزازاً قاسياً للحساسية الأرثوذكسية للشعب المؤمن، خاصةً وأنّ المجمع يعرف بشكل جيد أفكارهم المسكونية المعلَنة. من الأمثلة المميزة المطرانان خريسوستوموس ميسينياس وإغناطيوس ديميترياس.

وأكثر من ذلك هو أن ما حدث في مجمعكريت يشكّل تحديًا من ناحية الانقلاب على اتفاق المطارنة حول تبديل النص علاقات الكنيسة الأرثوذكسية مع باقي العالم المسيحي“. إن الطريقة التي تطورت فيها القضية كلها تظهِر النقص المطلَق للشفافية، والتغطية بالسريّة، للانتهاء بفرض أمر واقع قام على أساس العملية التحضيرية لهذا المجمعالخاص. إن حفنة من الناس، مجموعة مغلقة ومختارة من النخبة، وهي نواة صلبة من الرجال الثقاة وأصحاب الإرادة، شكّلَت حكم أقلية من الأساقفة واللاهوتيين العلمانيين تمكنوا من فرض إرادتهم على الكنيسة بأكملها.

بشكل خاص، في ما يختص بكنيسة اليونان، لسنوات كثيرة كان أغلبية رؤساء الكهنة والمؤمنون الأتقياء جاهلين تماماً ولا يشكّون في ما كان يجري إتمامه بالسر طوال عقود. وكما قال الميتروبوليت ييروثيوس مطران نافباكتوس في رسالته إلى رئيس الأساقفة ييرونيموس: “كنيستنا لم تكن مستعدة بما يكفي للتعاطي مع هذه المسائل. على العكس، رؤساء الكهنة الذين انشغلوا بهذه الأمور أكّدوا لنا أنه لن يكون هناك مشاكل ضمن الكنيسة بسبب الوثائق. ولكن في الحقيقة هناك مشاكل لاهوتية.” [75] في رسالة أخرى وجهها أيضاً إلى غبطته، أثار سلسلة من الأسئلة طارحاً إياها على الأساقفة: “تقرير لجنة العلاقات مع الأرثوذكس ومع المسيحيين إلى مجلس المجمع المقدس، وأعطيَت بعض التوجيهات للجنة لتحسين النص.” [76]

ما زال الجواب الواضح مطلوباً وينبغي تقديم الحقيقة كاملة. إن لم يكن رؤساء الكهنة على علم بالوقت المناسب بمحتوى الوثائق، على حسب ما يقول أغلبيتهم، فمَن هو المسؤول عن هذا؟ مَن هو المسؤول عن إخفاء هذه النصوص المهمّة عن رؤساء الكهنة؟ هل يتمّ البحث عمّن أخفى الوثائق؟ في حال الإيجاب، مَن كان المسؤول؟

إذا كانت الإمكانية الأخرى صحيحة، بأنّ المجمع كان على علم في حينه وأن الرؤساء كانوا يعرفون محتوى الوثائق، فلماذا لم يتفاعلوا في الوقت المناسب حتّى تكون ردة فعلهم أكثر فاعلية؟ لمَ لم يكن هناك أي كلمة في هذه المسألة الخطيرة؟ لمَ لم يكن هناك إعلان عامّ، ولا حتى ملاحظة، لأنه لم يوجّه إلى الشعب أي شيئ مطلَقاً؟ من الواضح أن العملية بأكملها كما جرَت، كانت لهدف واحد هو صياغة أمر واقع وفرضه، واقع من القرارات السابق اتخاذها في غياب رؤساء الكهنة والشعب المؤمن.

خلال المجمع في الخامس والعشرين من أيار 2016، كان هناك خلف الستائر حركة ومناقشة عنيفة، مع أصوات عالية واختلافات، بالتأكيد لم يُفصَح عن محتواها. سمة عدم الشفافية والغموض التي اكتنفت كلّ هذا ظهرت في أن البيان الصحفي والإعلانات والرسالة الموجّهة إلى الشعب من الرئاسات، لم تأتِ على ذكر ما تمّ إقراره بالتحديد وما هي التعديلات المقتَرَحة على المجمع الكبير.

للأسف، لم يتمّ إعلام المؤمنين بالتعديلات التي قدمتها كنيسة اليونان والتي كانت موضوع الكثير من النقاشات في المجمعفي كريت. المعلومات الوحيدة التي لدينا إلى اليوم هي السرد الذي نشره الميتروبوليت ييروثيوس عمّا جرى في موضوع الوثائق، وما تسرّب إلى وسائل الإعلام.

أول سؤال للطرح من قرارات الرئاسات وأعلاناتهم هو كيف تُفهَم جملة: “القرار الأخير للرئاسات (…) سوف يدعمه غبطته خلال جلسات المجمع الكبير.” [77]

ما هو بالضبط ما دَعَمَه صاحب الغبطة في مجمعكريت وما كان أساس حججه؟ ما كان الأساس اللاهوتي الذي قدّمه لحججه؟ هل كانت ناضجة ما يكفي؟ سؤال مهم آخر هو عمّا إذا كان الرؤساء الذين شاركوا في وفد كنيسة اليونان قد تبنّوا فعلياً التغييرات وقبلوها وهم كان مفترضاً أن يدعموها، أو أنّ بعضهم تراجع لمعرفته السابقة بأنّ في النهاية هذه التغييرات لن تُقبَل في مجمعكريت.

إلى جانب هذا، بحسب المقطع الثاني من البند 11 من قوانين عمل المجمع، التغيير الذي لا يُصدّق عليه بالإجماع لن يمر.” [78].

التسوية مصيرها الفشل

في مطلق الأحوال، كان واضحاً منذ البداية أن اقتراح رئاسة كنيسة اليونان شكّل جوهرياً حركة تكتيكية ومساومة تمت لتوحيد الوفد ووصل الآراء المتضاربة التي كان عبّر عنها العديد من المطارنة. بالواقع قد كانت مسألة استرضاء ردات فعل المؤمنين العنيفة والتي عبّروا عنها بعدد من المقالات والإعلانات والرسائل والمطبوعات والمؤتمرات وغيرها.

معروف جيداً أن في أمور الإيمان لا مساومة. لهذا كان التشديد مسبقاً على أن وثيقة علاقة الكنيسة الأرثوذكسية بباقي العالم المسيحييجب رفضها بالكامل لكونها إشكالية على مستوى أساسي وغير قابلة للتصحيح.

إن اقتراح أساقفة كنيسة اليونان كان محكوماً عليه بالفشل مسبقاً. يمكن أن نلاحظ، بنيّة طيبة، أن الأساقفة كانوا يرغبون ومستعدين لتحسين النص. لكن هل كانت هذه هي الحال؟

مقوّض من الداخل

بعد أيام قليلة من اتفاق مطارنة كنيسة اليونان على اقتراح تعديلات على نص علاقة الكنيسة الأرثوذكسية بباقي العالم المسيحي، في السابع من حزيران 2016، أجرت جريدة La Stampa الإيطالية (النسخة الإلكترونية)، مقابلة مع الميتروبوليت خريسوستوموس مطران ميسينياس. من بين أمور عديدة تمّ التطرق إليها، سأله المراسل أندريا تورنييلي أن يعلّق على معلومة مفادها أن العديد من أساقفة كنيسة اليونان الأرثوذكسية كانوا يسعون إلى إبطال تطبيق كلمة كنيسةعلى الكاثوليك، فأجاب الميتروبوليت متساءلاً: “لكن إلى اليوم، ألم يكن الكاثوليك مُعتَبَرين كنيسة؟ بالطبع نعمالكنيسة الكاثوليكية كانت دائماً مُعتَبرة كنيسة حقيقية. ما تشير إليه هو اقتراح قدّمه بعض المحافظين الذين لا يريدون أن تكون الكنائس على نفس المستوى. لكني أعتقد أن لا حظّ لأن يمرّ الاقتراح. هناك كثيرون غيرهم لا يوافقون على هذا التعديل.” [79]

نرى إذاً أنه مباشرة بعد قرار المطارنة المُفتَرَض أنه اتُّخِذ بالإجماع حول التعديلات المقترحة، فإن ممثل كنيسة اليونان في اللقاءات التحضيرية للمجمع نأى بنفسه رسمياً عن الموقف الرسمي. إنه يَصِم زملاءه الأساقفة بأنهم محافظونويسارع إلى تطمين الجمهور الكاثوليكي بأن هذا الاقتراح لن يُقَرّ في كريت. إنه يحكم مسبقاً برفض اقتراح مطارنة كنيسة اليونان ويعلن ذلك.

الانقلاب على قرار المطارنة

كما توقعنا، لم تكن الأقنعة بطيئة بالسقوط وكشف الوجه الحقيقي للمطارنة في وفد كنيسة اليونان. بحسب شهادة الميتروبوليت ييروثيوس مطران نافباكتوس الذي كان عضواً في هذا الوفد، يوم الجمعة الماضي، عند مناقشة هذا النص [في كريت]، وصلت النقاشات إلى طريق مسدود عند المقطع السادس، حيث موضوع النقاش كان كيفية الإشارة إلى غير الأرثوذكسفي اجتماع خاص لوفدنا بعد ظهر اليوم نفسه، تقرر أن نلتزم قرار مطارنتنا حتى ولو قُدمت اقتراحات حلول بديلة، كمثل «تعترف الكنيسة الأرثوذكسية بوجود غير الأرثوذكس أو المسيحيين أو المسيحيين غير الأرثوذكس».” [80]

عاد وفد كنيسة اليونان إلى الاجتماع مجدداً يوم السبت صباحاً، حيث طرح رئيس الأساقفة تقديم اقتراح جديد، بأن الكنيسة الأرثوذكسية تقبل التسمية التاريخية للكنائس والطوائف الأخرى غير الأرثوذكسية.” [81]

بحسب المعلومات التي تمّ تسريبها لوسائل الإعلام، نشأ جدال دام طوال الليل بين مطارنة الكنائس الأرثوذكسية.” [82] في هذه العمليات الليلية، شارك الميتروبوليت غفرئيل مطران نيا يونيا والأستاذ فلاسيوس فيداس، وهناك قناعة واسعة بأنهما كاتبَي الاقتراح الجديد الذي انقلب على قرار المطارنة. تلا النقاش تصويت حيث قبل كل الحاضرين (من كنيسة اليونان) بالاقتراح الجديد باستثناء الميتروبوليت ييروثيوس، الذي رفض الاقتراح وقرر أن لا يوقّع على نص الوثيقة، ومن أجل الوحدة، قرر أن ينسحب من المناقشات التالية.” [83]

في النهاية، ما جرى في كريت كان عكساً كاملاً لقرار المطارنة في أيار 2016 في الجوهر كما في الروح، لأن همّ المطارنة في الموضوع برمّته كان صحّة اعتبار غير الأرثوذكس كنائس أو لا. بعد ساعات من النقاش الملأى بتبادل الاتهامات، توافقوا على أن كل الجمل التي تصف غير الأرثوذكس ككنائس سوف تُستَبدَل. بحسب الاقتراح القرار من كنيسة اليونان، هذه النصوص المرفوعة للتصديق في المجمع الكبير، حيثما تُستَعمَل كلمة «كنيسة» للإشارة إلى الكاثوليك أو البروتستانت، سوف تُستَبدَل بعبارات «طائفة» أو «جماعة مسيحية».” [84]

بالواقع، وافق المطارنة على دعم هذا الاقتراح بقوة ودون تنازلات. “فلنبقَ وحيدين. الدعاة الوحيدين للأرثوذكسية. المفسرين الأصيلين،” [85] صرّح مطران آلايا، وهو أحد المحركين الرئيسيين للقضية بين المطارنة، معطياً قوة الدفع لهذا القرار. إن الهدف والالتزام اللذان باتفاقهم قدمهما المطارنة لرئيس الأساقفة والأساقفة الآخرين من أعضاء الوفد، كان واضحاً: عدم السماح لعبارة كنيسةبالإشارة إلى غير الأرثوذكس.

لقد مضى رئيس الأساقفة وأعضاء الوفد بانتهاك قذر للتفويض المُعطى لهم. لقد تصرّفوا بطريقة معاكسة كلياً للمجمعية، متخطّين السلطة المعطاة لهم من أعلى هيئة في كنيستهم، أي المطارنة في مجمع. وهذا الاتفاق الخاص لم يتضمّن أي احتياط لإمكانية تغيير الاقتراح. وها الميتروبوليت إغناطيوس مطران ديميترياس يعتبر الإطاحة بالمجمعية وانتهاك كل نظام ومبدأ التمثيل الديموقراطي مظهراً للوحدة! بحسب الميتروبوليت: “كنيسة اليونان، مع غبطة رئيس أساقفة أثينا وكل اليونان ييرونيموس، أثبتت قدرتها على التقدّم واحدةً، للتوفيق بين وجهات نظر أولئك المختلفين، وللمساهمة في توضيح وسلطة صياغة رسالة الأرثوذكسية.” [86]

فهذا المطران نفسه، في مقال في جريدة كاثيميريني قبل مجمعكريت ببعض الأيام، كتب من بين جملة أمور أنّ “… القرارات سوف تؤخذ بحسب ما يشير تقليدنا: «حَسُن للروح القدس ولنا». فالحاضرون يأخذون القرارات.” [87] هذا بيان قابل للعديد من التفسيرات ويثير عدداً من الأسئلة. هل كان قرار المطارنة في أيار 2016 “بحسب ما يشير تقليدنا؟ هل انتُهِكت الاقتراحات في كريت بالروح القدس؟

وأخيراً، إذا كان الحاضرون يأخذون القرارات” (أي الحاضرون في كريت) كما يفترض المطران إغناطيوس، فما قيمة قرارات المطارنة؟ ألم يمثّل الوفد في كريت المطارنة؟ ألم يمثّلوا الأساقفة الآخرين؟ ألدينا فرز وتقسيم للأساقفة إلى نوعين، الذين يقررون والذين يقبلون القرارات؟ رئيس الاساقفة ييرونيموس أجاب على التحدي الذي قدمه له رئيس أساقفة قبرص بالإشارة إلى أن في اليونان مجمعنا مؤلّف من ثمانين مطراناً.” [88]

على ضوء هذا الكلام، فإن اجتماع المطارنة القادم في تشرين الثاني في غاية الأهمية، إذ سوف نعلم كلنا كيف سوف يتعامل المطارنة مع الانقلاب على قرارهم. ماذا سوف يعملون؟ هل سوف يستمرون بالتعامي والتصرف من دون اهتمام؟ هل سوف يقبلون انقلاب هذه الأقلية الأسقفية التي بشكل منظم وممنهج ولسنوات تفرض أفكارها المسكونية وتحتلّ المراكز الاستراتيجية في اللجان المجمعية في الحوار مع غير الأرثوذكس؟ هل سوف يستمرون في المشاركة في المسؤولية والذنب عن الجرائم التي تُرتَكَب ضد إيماننا الطاهر؟

6. تقييم

إن مجمعكريت لم يفشل في إظهار وحدة الأرثوذكسيين وإثباتها وحسب، كما ادُّعي أنه سوف يكون، بل على العكس أدخل الأرثوذكسيين في تجربة مؤلِمة. بدلاً من تعدين الوحدة، زاد الانقسامات والمعارضات والتنافسات والعداوات. ألعاب الرؤساء السياسية، حتّى من دون أن تؤدّي إلى أي انتصار واضح، سببت ضرراً مدمّراً في الكنيسة الأرثوذكسية، مما يؤدّي بها إلى دوامة داخلية مكثّفة وعواقب غير متوقعة. إن غياب أربع بطريركيات تمثّل أكثر من نصف الأرثوذكسيين في كل أنحاء العالم، ألحقت جرحاً قاتلاً بصورة الوحدة وبالمجمع بشكل عام.

لاحظ المحلل فيكتور غايتن أنّ من خلال رفضها المشاركة في المجمع، الكنيسة الأرثوذكسية الروسيةأحبطت حلم البطريرك المسكوني برثلماوس بإبراز الوحدة الأرثوذكسية العالمية.” وهكذا تركت أسئلة أكثر من الإجابات…” [89]

إن السؤال المفهوم ذا الأهمية القصوى والذي نشأ عن هذه الأحداث وقد طرحه الأغلبية الساحقة من المعلقين إذ راقبوا مجمعكريت وحللوه، هو هذا: لماذا أظهر البطريرك المسكوني برثلماوس كلّ هذا الإصرار على تحقيق هذا المجمع؟ لماذا أصرّ على عقد هذا المجمع” – كمحاكاة ساخرة للمجمع، مع اشتراك قلة صغيرة من المطارنة الذين بالكاد يشكّلون الجزء الأصغر من الجسم الأسقفي، وأغلبهم حُرموا من حقهم بالتصويت وأهملوا كلياً جسد الكنيسة، المؤمنين الأرثوذكسيين؟

لماذا أصرّ البطريرك برثلماوس بهذا القدر بأن يتحقق المجمع كمهزلة، حيث رفض البعض أن يأتي، والبعض عبّر عن تحفظات جديّة، بينما آخرون رفضوا قبول أو توقيع الوثائق التي تمّ الاتفاق عليها، فوقّع غيرهم عنهم كما هي حال رئيس أساقفة قبرص الذي وقّع نيابة عن مطارنة قبرص الذين رفضوا التوقيع؟ من الطبيعي أنّ هذا جرى من دون موافقتهم، ما يسقِط كل مبادئ التعبير والتمثيل الديموقراطيين، حتّى بالمعنى الدنيوي المحض.

لماذا أصرّ البطريرك برثلماوس على عقد هذا المجمعالذي سوّد صورة الكنيسة الأرثوذكسية، مرسلاً إلى العالم رسائل ملتبسة، مما يضعف في نهاية المطاف تماسك الكنائس الأرثوذكسية من خلال تأثيره السلبي؟

وفي الختام، لماذا فضّل البطريرك أن يعاني من هزيمة استراتيجية؟ لماذا قبِل بعلاقات عامة انتحارية فيها مخاطرة بانهيار التصميم الكبير الذي كان يعمل له قرابة نصف قرن لتنظيمه وتنفيذه؟

الجواب، بعد كل ما أوردنا، بديهي. أهداف المجمعكانت مختلفة، وهي ما وصفناه بالتفصيل وقد تمّ التحضير لتحقيقها بتأنٍّ وحيلة ومَكر، خلال قرن كامل وبخاصة في الخمسين سنة الأخيرة: إنّه الاعتراف بأنّ الهرطقات كنائس، تسريع العملية التي سوف تقود إلى وحدة الكنائسالنهائية وإلى الكأس المشتركة، وهذه تمّ تقريرها، ورفع البطريرك المسكوني كأول من غير مساوٍ في الأرثوذكسية.

إلى هذا، كما تمّ برهانه، كل شيء كان ذا أهمية ثانوية أمام إنجاز الأهداف الاستراتيجية الأساسية لدى المسكونيين. على المنوال عينه، تقليد آباء الكنيسة القديسين واللاهوت الأرثوذكسي، الموحى به من الروح القدس نفسه، اعتُبِر ذا أهمية ثانوية وأُهمِل ورُفِض. تمّ تجاهل عدد من المجامع المسكونية وديس عليها، المجامع التي شجبت بشكل لا لبس فيه الأوهام الهرطوقية المختلفة التي حتى يومنا هذا يعترف بها البابويون والبروتستانت على السواء. وفي كريت، بُرِّئت هذه الأوهام عندما اعترف المجمعبأن الطوائف غير الأرثوذكسية هي كنائس“. لهذا السبب، لاحظ الميتروبولت ييروثيوس وبشكل دقيق جداً: “إن تحييد لاهوت الكنيسة المعبّر عنه من خلال قديسيها، من أجل إيجاد بعض النقاط المشتركة مع المسيحية الغربية، هو خيانة للإيمان. لا أستطيع العثور على توصيف أكثر اعتدالاً.” [90]

هنا سوف نورِد فقط بعض المجامع التي ديسَت في مجمعكريت:

1. المجمع المسكوني الثاني (381) الذي حرّم إضافة أو نزع أي شيء من دستور الإيمان. كل المجامع اللاحقة كررت هذا الحرم.

2. المجمع المسكوني الثامن (879-880) برئاسة القديس فوتيوس الكبير الذي أدان علناً هرطقتي انبثاق الروح القدس وعصمة البابا.

3. المجمع المسكوني التاسع (1341-1351) الذي أدان الأوهام البابوية عن النعمة المخلوقة وقوى الله.

4. مجمع لاتران المحلي (649) ومعه كل مجامع القسطنطينية المحلية في 867، 1009، 1054، 1089، 1170، 1273، 1282، 1484، 1642، 1722، 1727، 1838 و1895.

5. مجامع نيمفايون في 1324 وروسيا في 1441 وأورشليم في 1443.

6. وجواب بطاركة الشرق إلى البابا بيوس التاسع في 1848 واللقاء الأرثوذكسي الشامل في موسكو في 1948.

من المعبّر أيضاً أنه لا يوجد واحد من قديسي كنيستنا لم يُدِن البابوية. ما من أبٍ أو شيخ أو معاصر منذ الأزمنة القديمة إلى القديس باييسيوس الأثوسي في أيامنا ولم يُدِن أوهام البابويين. إنهم يشكّلون اتفاق رأي بالإجماع على رفض وإدانة مبادئ البابوية. إن مجمعكريت انتهك وداس بوحشية كل القرارات المجمعية للكنيسة والآباء على مر العصور.

د. الخاتمة

إن مجمعكريت انتهك الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية، وكسر المجمعية، وداس بوحشية على قرارات المجامع المسكونية والمحلية، كما تجاهل ورفض تقليد آباء الكنيسة القديسين والروح اللاهوت الأرثوذكسية الموحى بها.

لهذا السبب أيضاً، هذا المجلسباطل وقراراته لا سلطة ملزِمة لها على المؤمنين. ولهذا السبب، ضمير مؤمني الكنيسة اليقظ رفض قبول أعمال هذا المجمع“. لقد أبطل هذه الأعمال بالممارسة. من الأكيد أن في المستقبل، سوف يأتي مجمع شامل للأرثوذكس فعلياً يدين كل آراء هذا المجمعغير الأرثوذكسية ويحيي الحقيقة. هذا المجمعهو بالفعل غير موجود في وعي المؤمنين للكنيسة لأنه يتعارض بشكل صارخ مع وحدة الكنيسة الحيّة في الروح القدس. هذه الوحدة تترك عمليات الشرير ورفاقه عاجزة في نهاية المطاف. هذه الوحدة تحبط خطط المسكونيين ومخططاتهم.

إن الذين ألهموا ونظموا هذا المجمعسوف يتابعون عملهم الشيطاني من أجل تحقيق هدفهم النهائي وهو الاتحاد في الكأس المشترك، وفي نهاية المطاف الاعتراف بوحدة جميع الأديان وطبيعتها الخلاصية (“الدين الشامل“). لهذا السبب لا ينبغي أن يصاب المؤمنون بالجمود، عدم اليقظة، الرضا عن النفس، الخوف أو الجبن في أي حال من الأحوال. إن الشجاعة وعقلية المعترفين مطلوبة، الشجاعة، الرجولة الروحية، اليقظة، الحركة، المعلومات، والاعتراضات كمثل ما نقوم به اليوم، حتى نحصّن أرضنا قبل الانقضاض المسكوني ونكبح أعمالهم الخبيثة. يجب أن نتجمّع منسّقين ومبادرين لإعلام أساقفتنا وكهنتنا ورهباننا ولاهوتيينا وكل مؤمني الكنيسة بأن لنا الحق، وليس فقط الحق، بل واجب إطاعة” [91] قرارات المجامع.

إن المؤمنين الذين ما زالوا ساهرين بضميرهم الكنسي يبقون، والحمد لله، ثابتين في الكنيسة إلى جانب المسيح كمنتصرين عبر الأجيال. المسيح، من خلال الكنيسة، خَرَجَ غَالِبًا وَلِكَيْ يَغْلِبَ.” [92] إن الذين ألهموا ونظموا مجمعكريت ومعهم الذين ساهموا بتفكيك وحدة الكنيسة يجب أن يعرفوا أن صَعْبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ.” [93]

لنبقَ بالتالي جميعاً راسخين وثابتين في المسيح. فلنضع أمامه عذابنا وقلقنا بسبب ما يجري داخل كنيسته. فلنكثّف صلاتنا وتوبتنا، وعملنا النسكي، وتقشفنا، والتزامنا بوصاياه في حياتنا حتّى نصير مشاركين في نعمته ورحمته، وحت تُشفى ضعفاتنا ونعوّض عن سقطاتنا.

في النهاية، لقد برهن المجمع الكبير العظيمالموصوف كثيراً والمُروّج له كثيراً بأنه جهد مخفق آخر انتهى إلى هزيمة مدمرة أخرى لملهميه المسكونيين. من الأكيد أن مجمعكريت هو الآن في وعي مؤمني الكنيسة حدثاً لم يكن7.

* * *

الحواشي

[1] أنظر النص المأخوذ من رسالة بطاركة الشرق الأربعة (1848): “إلى هذا، لا البطاركة ولا المجامع بمقدورها إدخال أي تجديدات بيننا، لأن حامي الدين هو جسم الكنيسة نفسها، الشعب أنفسهم، الذين يشتهون بأن تكون عبادتهم الدينية دائماً ثابتة ومن نفس طبيعة إيمان آبائهم…”

[2] St. Theodore the Studite, Epistle 81, Philokalia 18G, p. 77 (Greek)

[3] Arch. George Kapsanis, Abbot of Holy Monastery of Grigoriou on Mt. Athos, Interview in Orthodoxos Typos, 14 March 1997. (Greek)

[4] Text “Relations of the Orthodox Church with the Rest of the Christian World,” article 22. Found online at the official Holy Synod website: << https://www.holycouncil.org/-/rest-of-christian-world?_101_INSTANCE_VA0WE2pZ4Y0I_languageId=en_US>>

[5] Demetrios Tselengidis, “Observations on the Text Prepared For the Pan-Orthodox Council: ‘Relations of the Orthodox Church with the Rest of the Christian World.’” Found online at Pravoslavie.ru << http://www.pravoslavie.ru/english/90489.htm>>

[6] Demetrios Tselengidis, Letter to the Synod of the Church of Greece, 30/8/2016 (Greek)

[7] Fr. George Florovsky, Themes in Orthodoxy Theology, publ. Artos Zoes, Athens 1989, p. 207 (Greek)

[8] Fr. George Florovsky, ibid.

[9] Metropolitan Hierotheos of Nafpaktos, Anatolika, vol. 1, publ. Holy Monastery of the Nativity of the Theotokos (Pelagia), 1993, p. 94

[10] St. John Chrysostom, Homily 34 on Hebrews 13:17. Translated by Frederic Gardiner. From Nicene and Post-Nicene Fathers, First Series, Vol. 14. Edited by Philip Schaff. (Buffalo, NY: Christian Literature Publishing Co., 1889.) Revised and edited for New Advent by Kevin Knight.

[11] St. John Chrysostom, On the Ascension of our Lord Jesus Christ , PG 52,784

[12] Arch. George Kapsanis, Pastoral Service According to the Holy Canons , Piraeus 1976, p. 110-112 (Greek)

[13] Metropolitan Hierotheos of Nafpaktos, “Why I didn’t sign the text ‘Relations of the Orthodox Church with the Rest of the Christian World’” Found online at <http://www.pravoslavie.ru/english/94945.htm>

[14] Petros Basileiadis, “The ministry of the Ecumenical Patriarch in the Orthodox Church” <http://www.amen.gr/article/i-diakonia-tou-oikoumenikou-patriarxi-stin-orthodoksi-ekklisia> (Greek)

[15] http://aktines.blogspot.gr/2016/07/blog-post_353.html (Greek)

[16] Matt. 21:44-45

[17] http://aktines.blogspot.gr/2016/07/blog-post_353.html (Greek)

[18] Announcement of the Diocese of Piraeus, March 2, 2016.

[19] Commentary concerning Ecumenism, Holy Monastery of the Paraclete, Oropos Attikes, 2004 (Greek)

[20] St. Justin Popovich, “Humanistic Ecumenism” in Orthodox Faith and Life in Christ, by Father Justin Popovich, trans. by Asterios Gerostergios (Belmont, MA: Institute for Byzantine and Modern Greek Studies, 1994), p. 169. Found online at << http://orthodoxinfo.com/inquirers/papism.aspx>>

[21] Protopresbyter George Metallinos, “The Ecumenical Patriarchate and Ecumenism,” The Acts of the Pan-Orthodox Academic Conference: Ecumenism, Origins-Expectations-Disenchantment, Vol. 1, publ. Theodromia, Thessaloniki 2008, pp. 237-238. (Greek)

[22] Original Greek found in Ioannis Karmires, Ta Dogmatika kai Symvolika Mnemeia tes Orthodoxou Katholikes Ekklesias, vol. 2, Athens 1953, p.957. English translation available here from the Orthodox Peace Fellowship: <>

[23] Original Greek found in Ioannis Karmires, Ta Dogmatika kai Symvolika Mnemeia tes Orthodoxou Katholikes Ekklesias, vol. 2, Athens 1953, p. 958-959. English translation available here from the Orthodox Peace Fellowship: <>

[24] Episkepsis, issue 698, 31/3/2009, p. 25 (Greek)

[25] Metropolitan Hierotheos of Nafpaktos, “Observations concerning the Holy and Great Synod” at the Synod of the Hierarchy of the Church of Greece.” <http://www.parembasis.gr/index.php/el/menu-teyxos-236/4447-2016-03-18> (Greek)

[26] Metropolitan Hierotheos of Nafpaktos, “A little bit after the ‘Holy and Great Synod’”, <<http://www.parembasis.gr/index.php/el/menu-teyxos-240/4566-2016-07-09-ligo-meta-amsoe>(Greek)

[27] Giorgos Papathanasopoulou, “Infectious Germ Papal Primacy” <http://aktines.blogspot.gr/2014/11/blog-post_899.html> (Greek)

[28] Chrysostomos II, Archbishop of Athens and All Greece, Proceedings from 15/7/1963 to 15/7/1964, pp. 18-19 (Greek)

[29] Ibid. pp.19-20

[30] D. Tsakonas, Athenagoras: The Ecumenism of New Ideas , Athens 1976, p. 93 (Greek)

[31] Ibid., p. 95

[32] Ibid., p. 95

[33] State of Archbishop Chrysostomos of Athens, newspaper. Orthodoxos Typos, November 1965

[34] The Address of Athenagoras, Protopresbyter G. Metallinos, Professor of the University of Athens, “The Dialogues Unmasked” [reproduced from the periodical Parakathiki], p. 4 (Greek)

[35] Protopresbyter G. Metallinos, ibid. p. 4

[36] Statement of Archbishop Chrysostomos of Athens in Orthodoxos Typos, November 1965 (Greek)

[37] The original texts are published in the Tomos Agapis (Book of Love). Vatican-Phanar (1958-1970 ), Rome-Istanbul 1971, pp. 288-289

[38] Fr. John Romanides, Orthodox and Vatican Agreement Concerning the Unia

<http://www.romanity.org/htm/-rom.e.14.orthodoxi_kai_vatikania_sumfonia_peri_ounias.01.htm>

Available in English here <http://www.romanity.org/htm/rom.13.en.orthodox_and_vatican_agreement.htm> [Trans. the translation does not seem to match the Greek text, and thus has been translated anew here.]

[39] Ant. Papadopoulou, Theological Dialogue between Orthodox and Roman Catholics (History-Texts-Problems) , publ. Kyraikides fraternity, Thessaloniki-Athens 1996, p. 40 (Greek)

[40] The Address of Athenagoras, Protopresbyter G. Metallinos, p. 5

[41] Grigorios Larntzakis, “The new form of communication between Rome and Constantinople-Pope of Rome and Ecumenical Patriarch. Continuities or discontinuities?” http://blogs.auth.gr/moschosg/

[42] D. Tsakonas, Athenagoras: The Ecumenism of New Ideas , p. 95

[43] “Council coming for Orthodox, » interview by Desmond O’ Grady, The National Catholic Reporter, in the January 21, 1977 edition.

[44] See Fr. Peter Heers, “The Recognition of the Baptism of the Heterodox As the Basis for a New Ecclesiology (In Step with Vatican II)” < http://www.pravoslavie.ru/english/92066.htm>

[45] The election of the Pope John XXIII as reported in Kathimerini http://www.kathimerini.gr/806488/article/epikairothta/kosmos/h-eklogh-toy-papa-iwannh-23oy (Greek)

[46] Ibid.

[47] See paragraph 3 of the Decree on Ecumenism <http://www.vatican.va/archive/hist_councils/ii_vatican_council/documents/vat-ii_decree_19641121_unitatis-redintegratio_en.html>

[48] Fr. Peter Heers, ibid.

[49] Fr. Peter Heers, ibid.

[50] Text 9 of the General Convention of the WCC in Porto Algere, February 2006. p. 257 

< https://www.oikoumene.org/en/resources/documents/assembly/2006-porto-alegre/official-report-of-the-wcc-9th-assembly>

[51] Decree on Ecumenism. http://www.vatican.va/archive/hist_councils/ii_vatican_council/documents/vat-ii_decree_19641121_unitatis-redintegratio_en.html

[52] Archbishop Anastasios of Albania, “The Relationship of the Orthodox with Other Christians” <http://panorthodoxcemes.blogspot.gr/2016/06/2007.html> (Greek)

[53] Decree on Ecumenism, para. 7 < http://www.vatican.va/archive/hist_councils/ii_vatican_council/documents/vat-ii_decree_19641121_unitatis-redintegratio_en.html>

[54] Ibid, p. 11.

[55] Archbishop Ieronymos, Epistle to the Hierarchs of the Church of Greece regarding the Great Council, 755, 16/2/2016 (Greek)

[56] Metropolitan Chrysostomos of Messinias, “The Orthodox Church and the ‘others’” Introduction to the Day Conference of the Synodal Committal of Divine Worship and Pastoral Care, Pentele, 4/6/2010 (Greek)

[57] Synod Text, “Relations of the Orthodox Church with the Rest of the Christian World,” https://www.holycouncil.org/-/rest-of-christian-world

[58] Metropolitan Chrysostomos of Messinias, “The relations of the Orthodox Church to the rest of the Christian churches and confessions on the basis of Pan-Orthodox decisions,” (Greek)http://blogs.auth.gr/moschosg/2015/12/08

[59] Kyrillos of Avydos, “I Trust the Church.” (Greek)

[60] Stylianos Tsompanidis, ”The Orthodox Church and the Ecumenical Movement: An ecclesiological approach on the way to the Holy and Great Synod” <http://blogs.auth.gr/moschosg/2015/12/17> (Greek)

[61] Bishop Makarios of Christoupoli, Interview with the reporter Nikos Panagiotopoulos, <http://flashnews.gr/post/272241/apokleistikh-synenteyksh-toy-ep-xristoypolews-sto-flashnews-meros-a> (Greek)

[62] Archbishop Anastasios of Albania, Opening Session of the Holy and Great Council, 19 June 2016, < https://www.holycouncil.org/-/opening-archbishop-anastasios> (Greek)

[63] Archbishop Chrysostomos of Cyprus, Opening Session of the Holy and Great Council, 19 June 2016, < https://www.holycouncil.org/-/opening-archbishop-chrysostomos> (Greek)

[64] Giorgos Vlantis, “Fear before the Spirit, The Holy and Great Council and the Fundamentalists,” <http://fanarion.blogspot.gr/2016/06/blog-post_78.html> (Greek)

[65] <http://www.romfea.gr/katigories/10-apopseis/6311-i-ixiri-apantisi-tis-athinas-sto-fanari> (Greek)

[66] Orthodoxos Typos, 1064, 25/2/1994

[67] Letter of the Holy Community of the Holy Mountain, 12/25 May 2016. Translation available here < http://www.pravoslavie.ru/english/93943.htm>

[68] Orthodoxos Typos, issue 426, 10/10/1980

[69] Ibid. issue 440, 16/1/1981

[70] Ibid. issue 772, 15/1/1988

[71] Ibid. issue 1067, 18/3/1994 Ibid. issue 1154 22/12/1995

[72] Ibid. issue 1154 22/12/1995

[73] Interview with reporter Gorgos Tragas on the show “Without an aesthetic”  https://www.youtube.com/watch?v=2Sg6uZnPtFw (Greek)

[74] Announcement of the Holy Synod of the Church of Greece, 16/10/2009 <http://www.ecclesia.gr/greek/holysynod/anakoinothenta.asp?id=1120&what_sub=announce> (Greek)

[75] Metropolitan Hierotheos of Nafpaktos http://www.parembasis.gr/images/anakoinoseis/2016/NAYPAKTOY_DIS_PARATHRHSEIS_M_SYNODO-MAR2016.pdf (Greek)

[76] Ibid.

[77] <http://www.ecclesia.gr/epikairotita/main_epikairotita_next.asp?id=1819>

[78] “Regulations, Organization and Operation of the Holy and Great Synod of the Orthodox Church”

< https://www.holycouncil.org/-/procedures?_101_INSTANCE_VA0WE2pZ4Y0I_languageId=en_US>

[79] Interview with Metropolitan Chrysostomos Messinias (English) 

< http://www.lastampa.it/2016/06/07/vaticaninsider/eng/inquiries-and-interviews/the-panorthodox-council-is-an-historic-event-no-one-must-be-absent-WTlAVSXZ3omyacCGvpoJiO/pagina.html>

[80] Metropolitan Hierotheos of Nafpaktos, “Why I didn’t sign the text ‘Relations of the Orthodox Church with the Rest of the Christian World’” < http://www.pravoslavie.ru/english/94945.htm>

[81] Ibid.

[82] Maria Antoniadou, “The background of the Synod which exiled the Catholics”

http://www.tovima.gr/society/article/?aid=803331 (Greek)

[83] Met. Hierotheos, ibid.

[84] Antoniadou, ibid.

[85] Antoniadou, ibid.

[86] Metropolitan Ignatius of Demetrias, “The Synod of Orthodoxy is the beginning” 

http://www.tovima.gr/opinions/article/?aid=812280 (Greek)

[87] Metropolitan Ignatius of Demetrias, “The Pan-Orthodox Synod” (Greek) 

http://www.kathimerini.gr/863416/opinion/epikairothta/politikh/h-panor8odo3os-synodos

[88] http://orthodoxia.info/news/(Greece)

[89] Victor Gaetan, Pan-Orthodox Council: Russian Absence Saves Ecumenical Patriarchate’s Status — for now, http://www.ncregister.com/daily-news/pan-orthodox-…

[90] Metropolitan Hierotheos Vlachos, “Just before the great and holy council, “ <<http://www.pravoslavie.ru/english/94354.htm>>

[91] Fr. George Florovsky, Themes in Orthodoxy Theology, publ. Artos Zoes, Athens 1989, p. 207 (Greek)

[92] Revelation 6:2

[93] Acts 26:14

حواشي المترجم

1 للأسف هذا المنطق يأخذ أحياناً صفة الطاعة فتتحوّل الكنيسة الأرثوذكسية إلى ممارسة العصمة البابوية ليس فقط على مستوى البابا الذي لا تملكه بل أيضاً على مستوى الأساقفة ما يعطّل مجمعية الكنيسة ويساهم في تحكّم الأهوائية والمزاجية خاصةً في ظل عدم الالتزام بقوانين الكنيسة بحجة التدبير .

2 الواقع أنه لو كان فعلاً الأميركيون مهتمّون بتقوية الكنيسة الأرثوذكسية بحدّ ذاتها، أو المسيحيين بشكل عام، لكانوا مارسوا بعض الضغط على تركيا لوضع حد لاضطهاد المسيحيين فيها، وتحديداً الفنار وساكنيه.

3 هذا المنطق نفسه استعمله الفاتيكان، ومن بعده بطريرك الروم الكاثوليك في بلادنا، لتبرير أن اليهود الحاليين لم يقتلوا المسيح، وبالتالي هم مبررون من دمه بالرغم من موقف آبائهم.

4 هذا الكلام المُطبَّق في كل الكنائس، حتّى ولو لم يكن كلاماً معلَناً أو مكتوباً، إنّما هو دليل على وجود محرّك خلف كل هذه التغيرات يفرض خطته على الكنيسة. قد يرى البعض أن هذا الكلام نابع من اعتقاد بنظرية المؤامرة من دون أن يثبتوا عكس ذلك. هذا من ضمن ما يُمارَس اليوم

5 كلام واضح لا لبس فيه ويلتقي فعلياً مع ما ورد في رسالة المجمع الأنطاكي بأن من الأسباب المهمة التي جعلت أنطاكية تقاطع كريت هو عدم التطرق إلى موضوع التقويم، وواضح أن موضوع التقويم يعني بالدرجة الأولى توحيد العيد. أحياناً يختلف بعض الشعب الأنطاكي مع بعضه البعض حول هذا الموضوع. لماذا لا يصارح المجمع الشعب بما يرغب هو به؟

6 أليست قضية قطر وخطف المطرانيين الحلبيين جزءً من هذا الضغط؟

7 أهمّ ما في هذه الورقة، إلى تسلسل الأحداث وما يستفيد القارئ العربي من مطابقتها مع أحداث عندنا، هو في أنها تظهِر كيف تكون الكنيسة الحية حيث يكون ممكناً التعبير عن الرأي الآخر ومقارعته. هذا دليل على أن الهدوء في الرعية ليس بالضرورة دليل صحة بل قد يكون دليل مرض.

“مجمع” كريت: وقائع الانحراف المتعمّد

مجمعكريت: وقائع الانحراف المتعمّد

الأرشمندريت أثناسيوس أناستاسيو

كتب الأرشمندريت أثناسيوس أناستاسيو مقالةً مطوَلة عنوانها«مجمع» كريت: وقائع الانحراف المتعمّد“. الأرشمندريت أثناسيوس هو رئيس دير الميتيورا الكبير، خرّيج جامعة تسالونيكي، معروف جداً بحضوره الفعّال في الكنيسة وفي تقديم شهادة إيمانية مميزة. له عدد من المقالات والعظات وأعمال أخرى. هو من الذين يرفعون الصوت ضد الخطر المسكوني المعاصر.

الأب بيتر هيرز، مترجم مقدمة الترجمة الإنكليزية، يرى في أن هذه المقالة هي إلى حدٍ بعيد السرد التاريخي الأكثر اكتمالاً والتحليل الروحي لمجريات مجمعكريت. إنها تعطي القارئ نظرة عامة كما ونظرةً داخلية إلى كل الأحداث المؤدية إلى المجمعوما جرى خلاله، مع التركيز على انخراط كنيسة اليونان.

تبدأ الرسالة بتسليط الضوء على دور الشعب في الحفاظ على الإيمان، لأنه يرى أن الشعب كان مغيّباً عن التحضير لهذا «المجمع». ولتسليط الضوء على دور الشعب هذا يستشهد بعدد من القديسين ومن الآباء واللاهوتيين المعاصرين. فبرأيه أن منظمي هذا المجمع لم يلتزموا تقليد الكنيسة وحوّلوا المجمع إلى مؤسسة مستقلّة محورها الأسقف بما يتوازى مع البنى الكاثوليكية، وهنا الخطر من إيجاد أولّ من دون مساوين في الشرق الأرثوذكسي ويصير المجمع معصوماً في قراراته.

من ثمّ ينتقل إلى وصف التقنيات التي اتبعها المنظمون إذ تجاهلوا الشعب، الكهنة، الرهبان وغالبية الأساقفة ويورد شهادات عن تعرض بعض المعارضين للقذف والترهيب والهزء على يد المجموعة المنظّمة بهدف تمرير أمور لا تتفق مع الروح (Ethos) والتقليد الأرثوذكسيين. ويلاحظ أن هؤلاء الأشخاص أنفسهم، من أساقفة وكهنة وأكاديميين ولاهوتيين، هم دائماً المنتَقون ممثلين للكنائس في الحوارات اللاهوتية ومؤتمرات كافة الأرثوذكس. وأيضاً على القنوات الإعلامية هم الضيوف ومديرو صفحات الإنترنت، المشجعون الذين يغطّون المؤتمرات والندوات والمنتديات العالمية وعلى الإنترنت بمداخلات ومساهمات ومقالات.”

ويستنتج الأب أثناسيوس أن المجمع هو نشاط مسكوني بامتياز وأن كل ما يطال فيه الأرثوذكس هو لتهيئة الجو المسكوني المناسب لقبول الأرثوذكس بما قبل به الكاثوليك في الفاتيكان الثاني. وهو يقيم موازاة مطوّلة بين المجمعين. وهنا يسرد مطولاً تاريخ تسرب الفكر المسكوني إلى الأرثوذكس منذ بداية القرن العشرين حتى قيام هذا المجمع، محدداً الأحداث والأشخاص والتواريخ.

ومن الأخطار المحدقة الناتجة عن مجمع كريت هي بث إكليسيولوجيا جديدة قوامها كل ما سبق الترويج له من نظريات الفروع، واللاهوت التعميدي من نتاجات المسكونية بعد الفاتيكان الثاني. ويتوقّف عند عدد من التصريحات لداعمي المجمع حيث يصفون المعترضين على التقارب مع الكاثوليك بالهراطقة ومعتبرين أن على المجمع في كريت معالجة هرطقة التعصب.

يتوقف الأب أثناسيوس عند موقف الجبل المقدّس وكنيسة اليونان، حيث يرى أنهما تعرّضا لنوع من الابتزاز بهدف الإسكات. كما يتوقف عند الخلل الذي أصاب مجمع كنيسة اليونان جراء تصرّف وفدها في المجمع بغير ما أوكِل إليه.

ختاماً في تقييمه للمجمع يرى أن «مجمع» كريت فشل في إظهار وحدة الأرثوذكسيين وإثباتها، كما ادُّعي أنه سوف يكون، بل على العكس أدخل الأرثوذكسيين في تجربة مؤلِمةزاد الانقسامات والمعارضات والتنافسات والعداوات. ألعاب الرؤساء السياسية، حتّى من دون أن تؤدّي إلى أي انتصار واضح، سببت ضرراً مدمّراً في الكنيسة الأرثوذكسيةإن غياب أربع بطريركيات تمثّل أكثر من نصف الأرثوذكسيين في كل أنحاء العالم، ألحقت جرحاً قاتلاً بصورة الوحدة وبالمجمع بشكل عام.”

كما أنه يطرح عدداً من الأسئلة التي تسلّط الضوء على دور البطريرك المسكوني في الإصرار على عقد المجمع بالرغم من غياب عدد كبير من الكنائس واعتراض غيرها. ويستنتج أن هذا «المجلس» باطل وقراراته لا سلطة ملزِمة لها على المؤمنين. لهذا السبب، ضمير مؤمني الكنيسة اليقظ رفض قبول أعمال هذا المجمع“. لقد أبطل هذه الأعمال بالممارسة.”

عند قراءة هذه الدراسة، يجد المؤمن الكثير من النقاط التي تنطبق على وضع كل الكنائس الأرثوذكسية، وتحديداً الكنيسة الأرثوذكسية الناطقة بالعربية، سواء لجهة تغييب الشعب واختيار الممثلين في المحافل الخارجية، والأهم هو في كيفية تسلل الفكر المسكوني إلى الكنيسة وتكوّنه وتقدّمه على الفكر التقليدي، وأدوار بعض الأشخاص والأحداث الذين قد يبدون طارئين على تسلسل التاريخ الأنطاكي فيما هم بالواقع مساهمين فاعلين.