أزمة تتعمّق ووحدة تتمزّق

الأب أنطوان ملكي

قرار إنشاء الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا من خلال تبني بعض الأشخاص غير المسامين قانونياً، ما يزال يتفاعل في العالم الأرثوذكسي. ما يلي هو جردة لآخر المستجدات على ضوء هذا الأمر ويظهر التجاذب والانقسام الدائر حول هذا الأمر، يلي هذه الجردة تحليل واستنتاج.

كنيسة اليونان

اعترفت كنيسة اليونان بالكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا. بعض أعضاء المجمع اليوناني يعتبرون أن ما جرى تهريبة. وقد أرسلوا رسالة إلى البطريرك المسكوني يرجونه أن يعقد اجتماعاً لرؤساء الكنائس لمناقشة الأمر.

لكن الوضع في اليونان ليس على ما يرام. إذ تُسجّل بلبلة في العلاقات بين المطارنة وفي الشعب، خاصةً وأن اثنين من المطارنة الأوكران قاما بزيارة حج إلى اليونان. وقد اضطرا إلى تغيير برنامجهما بطلب من المطارنة المحليين. ففي أيينا، أراد المطران منعهما من التبرّك برفات القديس نكتاريوس، لكنه عاد فسمح لأنه لم يشأ أن يحرم المؤمنين الذين صادف وجودهم بأعداد كبيرة في عيد القديس. في نيا ماكري، منعهما المطران من الاشتراك في القداس الإلهي وسمح لهما البقاء في الكنيسة مع مرافقيهم. في كنائس أخرى مُنِعا حتى من دخول الكنائس. أما في كنائس مثل آفيا وثيساليوتيس فقد استُقبلا وشاركا في الخدم. يظهر داخل الكنيسة اليونانية جو من الانقسام بسبب ما اعتبره بعض المطارنة “تهريبة” الاعتراف بأبيفانيوس وكنيسته، حيث يصر عدد من المطارنة على أنه لم يجرِ أي تصويت على هذا الاعتراف، خاصةً أنهم يطلبون إجابات على أسئلة لم يحصلوا عليها من رئاستهم. من الأمور المقلِقة أيضاً أن الاختلاف انتقل إلى الشعب حيث ينتج عنه ردات فعلية سلبية. فقد تعرّض مبنى مطرانية بيريا للرمي بالحجارة والزجاجات الفارغة ليل الثلاثاء 26 تشرين الثاني 2019. تربط الجرائد التي غطت الخبر بين الاعتداء وموقف مطران بيريا الرافض للاعتراف بالكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا. في 28 تشرين الثاني 2019، أرسل أربعة من المطارنة اليونان رسالة إلى البطريرك المسكوني يرجونه الدعوة إلى اجتماع لرؤساء الكنائس الأرثوذكسية.

في 11 كانون الأول 2019 اجتمع مجمع اليونان وأصدر بياناً شدد فيه على أن الاعتراف بالكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا لم يكن تحت أي ضغط أو بأي تأثير سياسي بل كان بحسب القوانين الكنسية. هذا الكلام فُهم على أنه رد على وزير الدفاع السابق بانوس كامينوس الذي اعتبر أن هذا الاعتراف كان غلطة وحذّر من أن رفع الغطاء الروسي عن اليونان يفقِدها قوة ردع تركيا عن الجزر اليونانية.

كنيسة قبرص

في الأول من تشرين الثاني 2019، جدد البرلمان القبرصي التزام الدولة بدفع مخصصات الكهنة بعد رفع عدد الكهنة وتحسين التقديمات. تحكي مصادر الكنيسة القبرصية عن تدخل دبلوماسي من اليونان لدى الحكومة لاتخاذ هذا القرار. بعد يومين، أعلن رئيس الأساقفة القبرصي أن الإكليروس القبرصي ليس مع موسكو ولا الفنار. قُرئ كلام رئيس الأساقفة على أنه تراجع عن مواقف سابقة اتخذها معارَضة لموقف الفنار، وتهيئة للانتقال إلى موافقة القسطنطينية والاعتراف الجزئي أو الكلي بما سمّي الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا، خاصةً أن البطريرك برثلماوس يمارس ضغطاً كبيراً ويضع رؤساء الكنائس الناطقة باليونانية في موقع ملزم لأن يختاروا موسكو أو الفنار. لكن معروف أن هناك معترضين على هذا الاعتراف في قبرص في طليعتهم علناً أثناسيوس مطران ليماسول ونيكيفوروس مطران كيكوس، ويشكّل كلّ منهما مرجعية خاصة في كنيسة قبرص، الأول لاهوتي والثاني إداري. لاحقاً كان مطران مورفو نيوفيتوس في منتهى الوضوح بأن لا مجال للاعتراف بالكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا حيث الرؤساء وكهنتهم غير قانونيين.

كنيسة الإسكندرية

في أواخر تشرين الأول الماضي قام مساعد وزير الخارجية اليوناني بزيارة بطريرك الإسكندرية، وفي اليوم التالي أثناء القداس الإلهي أعلن البطريرك اعترافه بأبيفانيوس دومينكو وكنيسته بوجود الدبلوماسي اليوناني. البطريرك كان واضحاً بأن هذا قراره وليس قراراً مجمعياً وهو يقول حرفياً: “لقد قررتُ (بصيغة المتكلّم) أن أعترف…” بطريرك الإسكندرية كان قد زار أوكرانيا في أيلول 2018 حيث أعلن أن زيارته لدعم كنيسة أوكرانيا الأرثوذكسية ورئيسها الميتروبوليت أونوفريوس التي هي الكنيسة الأرثوذكسية الوحيدة في أوكرانيا. ما الذي تغيّر؟ يربط عدد من المراقبين اليونان وغيرهم هذا القرار بزيارة الدبلوماسي اليوناني، خاصةً أن كنيسة الإسكندرية تقوم بغالبيتها على حاملي الجنسية اليونانية وتستفيد من دعم مادي غير قليل من الدولة اليونانية وبرامج نشر لغتها وثقافتها. لاحقاً، أوضح البطريرك الإسكندري أن اعترافه هو كرامةً للبطريرك القسطنطيني.

هذا الاعتراف تبعه زيارة بطريرك الإسكندرية لكنيسة قبرص للاحتفال بعيد القديس يوحنا الرحوم شفيع ليماسول. وقد طلب منه عدداً من رؤساء الكهنة القبارصة عدم ذكر أبيفانيوس في الذبتيخا أثناء القداس المشترك في ليماسول، منهم أثناسيوس مطرانها. بالمقابل قاطَع عدد من المطارنة هذا القداس. لكن البطريرك الاسكندري ذكر أبيفانيوس ما تبعه بلبلة بين المشاركين من الكهنة والشعب واستدعى استنكاراً من المطران أثناسيوس كما ذكرنا أعلاه. وقد جدد المطران أثناسيوس التعبير عن موقفه الرافض للكيان الذي يرأسه أبيفانيوس في أوكرانيا، بعد أن استقبل بطريرك الإسكندرية الذي بعد أن وعد بألا يذكر ابيفانيوس في الذبتيخا تراجع عن وعده.

كنيسة أورشليم

كردة فعل أولى، شخصت العيون إلى بطريرك القدس ورئيس أساقفة ألبانيا، على اعتبار أن الاثنين من اليونان وأنهما يستفيدان من دعم الدولة اليونانية، خاصةً أن البطريرك الأورشليمي ورئيس الأساقفة الألباني كان لهما مواقف واضحة ورسائل أكثر وضوحاً في رفضهم لدور القسطنطينية في الأزمة الأوكرانية. البطريرك الأورشليمي زار موسكو قبل أيام حيث مُنِح وساماً تقديراً لعمله من أجل الوحدة الأرثوذكسية، وأثناء تسلمه للوسام دعا رؤساء الكنائس الأرثوذكسية إلى اجتماع في الأردن لمناقشة الوضع القائم. سبب اختيار الأردن هو أن الأنطاكيين لا يستطيعون أن يشاركوا في القدس. أول رفض أتى من رئيس أساقفة أثينا واليونان الذي قال أنه لا يشارك بأي اجتماع لا يدعو إليه البطريرك القسطنطيني.

كنيسة ألبانيا

كتب رئيس أساقفة ألبانيا رسالة جديدة تدعو إلى المصالحة والتشديد على احترام التقليد الكنسي، مكرراً الدعوة إلى ضرورة انعقاد اجتماع لرؤساء الكنائس لإيجاد حلول للأزمة القائمة والحفاظ على المصالحة والوحدة في الكنيسة.

كنيسة أنطاكية

درس المجمع الأنطاكي القضية الأوكرانية في آخر انعقاد له. لم يصدر عن المجمع أي إعلان، لكن البطريرك الأنطاكي عبّر عن موقف الكنيسة بأن الاعتراف  ليس وارداً من دون الدخول بتفاصيل الأسباب. تتميّز أنطاكية عن غيرها من الكنائس بأنها ليست كنيسة قومية ولا محصورة ببلد واحد، بالإضافة إلى أنها لا سلافية ولا يونانية ولا تدور في أي من الفلكين.

كنيسة بلغاريا

تذكر بعض المصادر أن السفير الأميركي في صوفيا عاصمة بلغاريا والسفير اليوناني زارا البطريرك البلغاري، وتربط هذه المصادر بين هاتين الزيارتين ومشاركة أحد المطارنة البلغار في قداس في لانغادا اليونانية مع ثلاث اساقفة يونان حيث ذُكر أبيفانيوس مع أن كنيسة بلغاريا لم تعترف به بعد.

سياسات الدول

هنا ينبغي التوقّف عند دور الدبلوماسية اليونانية التي كان قد تراجع تدخلها في الكنيسة الأرثوذكسية أثناء حكم اليسار، لكن يبدو أنه عاد إلى ما كان عليه سابقاً بعد عودة اليمين إلى الحكم. فعلى الرغم من أن عدداً من القوانين قد مرّت في اليونان بضغط أوروبي، كزواج المثليين وحرق أجساد الموتى، إلا أن قوانين أخرى عادت بعد أن تمّ التخلي عنها كمثل تغريم التعرّض للمقدسات ومراجعة منهاج التعليم الديني والحفاظ على مخصصات الكهنة من الدولة.

خبرة الكنيسة الأرثوذكسية مع تدخل الدبلوماسية اليونانية بالتعاون مع الدبلوماسية الأميركية مؤلمة في كل محطاتها. للتذكير هنا نورد الانقلاب على البطريرك الأورشليمي إيريناوس الأول في 2005 لحجج مركّبة غير ثابتة، ومن ثم عقد اجتماع لرؤساء الكنائس لخلعه لأسباب غير لاهوتية، وذاك ارضاء للسياسة الأميركية التي كانت، وما زالت، تهدف إلى تسهيل استيلاء اليهود على المزيد من المساحات في القدس تمهيداً لمفاوضات الوضع النهائي النابعة في حينه من اتفاق أوسلو والتي إلى اليوم لم يسمح الرب ولا صمود الفسطينيين باستكمالها.

من جهتها، خبرة الكنيسة الأرثوذكسية مع تدخل الأميركيين أيضاً شديدة المرارة ولم تكن يوماً لمصلحة الإيمان. فالأميركيون تاريخياً يعتبرون أن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية جزء من الدولة. حتى في عزّ أيام الحكم السوفياتي، بدلاً من الوقوف إلى جانب هذه الكنيسة فقد حاربوها في خارج روسيا وعملوا الكثير على قطع الصلة بين الكنيسة في الخارج والكنيسة في الداخل. إلى هذا، حاربوا كل الذين عملوا على حفظ العلاقة مع الكنيسة الروسية المجاهِدة المعترِفة معتمدين على أدوات لهم في داخل الكنيسة. أسطع مثل على هذه الأدوات هو البطريرك القسطنطيني أثيناغوراس الذي ربطته بالرئيس الأميركي ترومن علاقة جعلته يبارك استعمال القنبلة الذرية ومن بعدها يدافع عن حرب فيتنام. اثيناغوراس لم يكن يحمل الجنسية التركية وهذا شرط ينبغي توفره في مَن يُرشّح للكرسي القسطنطيني. فالواقع هو أن انفتاح البطريرك المسكوني مكسيموس الخامس لم يرُق للدبلوماسية الأميركية فركّبوا له تهمة الجنون وقاموا بخلعه سنة 1948، وأُتي بأثيناغوراس من أميركا بطائرة ترومن الخاصة، واجتمعت الحكومة التركية ليلاً ومنحته الجنسية التركية، فيما نُقل البطريرك المخلوع إلى جنيف حيث عاش صحيح الجسم والعقل إلى سنة 1972. تذكر الأبرشية اليونانية في أميركا على صفحتها عن أثيناغوراس أنه تمّ اختياره للوقوف في وجه المد الروسي. منذ ذلك الوقت اختلفت بشكل نهائي توجهات القسطنطينية وصار الفاتيكان قبلتها والروس أعداءها، وتنكّرت القسطنطينية لكل ما عمله القياصرة لها معتبرة أن كل المال الذي أغدقوه عليها ودفاعهم عنها وحمايتهم لها من النير العثماني كان تدخلاً في شؤونها. وما زال هذا المنطق مسيطراً فيها.

القومية مدانة

في 1872، كردة فعل على ارتفاع الأصوات القومية في الكنيسة الأرثوذكسية كنتيجة لقيام الكنائس المحلية في البلقان، اجتمع المجمع القسطنطيني واعتبر أن القومية في الكنيسة (Phyletism) هرطقة. اللغة السائدة اليوم، خاصةً لدى المدافعين عن تبنّي كنيسة اليونان لقرار القسطنطينية إنشاء كنيسة أوكرانيا الأرثوذكسية، لغة مدانة بحسب مجمع 1872. إن انضمام الكنائس ذات اللون اليوناني إلى هذا الاعتراف أيضاً مدان بحسب المجمع نفسه. طبعاً، هناك بالمقابل مُغالون في الكلام عن الروسيا المقدسة حتى أن بعضهم يضفي على ستالين شيئاً من القداسة على أنه جزء من التدبير الإلهي. هؤلاء أيضاً مُدانون بحسب هذا المجمع وغيره.

ماذا في أوكرانيا؟

كنسياً، صار واضحاً أن المشكلة الأوكرانية، على مستوى الأرثوذكسية بشكل عام، تكمن في سؤالين: الأول إداري حول أحقية القسطنطينية في إعطاء الاستقلال بالشكل الذي جرت فيه الأمور وتدخلها في الكنائس الأخرى، والثاني هو قانونية كهنوت أبيفانيوس وكثيرين من أعضاء مجمعه وغالبية كهنته. السؤال الأول يبقى ثانوياً أمام الثاني. إن اجتماع رؤساء الكنائس الأرثوذكسية، لو جرى، لكان من الممكن كثيراً التوصل إلى حل لهذا الأمر حيث أن التدبير يمكن أن يتغلّب على الدقة حفاظاً على السلام في الكنيسة، على الرغم من التوظيف الذي يعمل عليه القسطنطينيون لإضفاء شيء من البابوية على البطريرك ليست له أصلاً ولا هي تنفع الكنيسة. أما السؤال الثاني فلا مكان للتدبير فيه. أمامنا مجموعة من مدّعي الكهنوت ورئاسته قد تمّت سيامتهم على يد أشخاص غير مسامين أو محرومين، وبالتالي هم نتاج تسلسل ليس من الكنيسة الأرثوذكسية. هذا سؤال لم يجِب عليه أي من اللاهوتيين الذين يتبنون موقف القسطنطينية لا في اليونان ولا في خارجها.

أما على مستوى أوكرانيا بحد ذاتها، فالأمور تنتقل من سيء إلى أسوأ، حيث أن المؤمنين يتعرضون للاضطهاد الجسدي ويتمّ طردهم من كنائسهم بتواطئ واضح من الحكومة. هذا وقد صرّح دومينكو أن الأزمة فعلياً هي سياسية. من جهة أخرى، هناك استغلال كاثوليكي لتشريع الانشقاق هذا حيث تتكرر الصلوات المشتركة بين المنشقين والكاثوليك. إلى هذا أعلن دومينكو عدم ممانعته الانتقال إلى تعييد الميلاد بحسب التقويم  الغربي معللاً ذلك بالابتعاد عن الروس، ما يعني فعلياً تباعد أكبر بين الأوكرانيين.

أين الوحدة الأرثوذكسية؟

لماذا لم يتمّ أي اجتماع لرؤساء الكنائس الأرثوكسية؟ لأن الرؤساء تعللوا بعلل الخطايا. كلهم دعوا إلى هذا اللقاء لكن أحداً منهم لم يبادر إلى دعوة عملية خاصةً وأن دعواتهم كانت تصطدم برفض القسطنطينية لهذا اللقاء وتشديدها على أنها الوحيدة المخوّلة الدعوة إليه. الرؤساء الباقون اختبؤوا وراء هذا الادعاء بالجملة، وها هم الآن ينحازون بالمفرّق. يقع شيء من مسؤولية عدم انعقاد هذا اللقاء على البطريرك الإسكندري كونه الثاني في الكرامة بعد القسطنطينية. الآن صارت المسؤولية على كنيسة أنطاكية كونها الوحيدة خارج الاصطفافات القومية اليونانية والسلافية وفلكها. في هذا الإطار قرأ البعض اللقاء الذي استقبله مطران الأنطاكيين في أميركا بين صقري القسطنطينية، مطران اليونان في أميركا الشمالية، ورئيس دائرة العلاقات الخارجية في الكنيسة الروسية، إلا إن ما رشح هو أن اللقاء بقي في الاجتماعيات.

لكن لوحدة الكنيسة الأرثوذكسية  تجليات أخرى منها الجبل المقدس أثوس، حركات الشبيبة الأرثوذكسية، وتجمعات اللاهوتيين الأرثوذكس. الجبل يعاني كثيراً. فالانشقاق يقف على بابه. وضغط بطريرك القسطنطينية يتزايد حيث لا يتورع البطريرك عن التهديد بالحَرم وقطع التمويل والطرد من الجبل، دون أن يعني أن كل الذين في الجبل متجردون عن النعرات القومية. آخر ابتداعات البطريرك المسكوني نيّته تعيين مطران للجبل، فيرتاح من كل أشكال الحكم الذاتي ومن تمثيل الأديار. الوضع رمادي ومقلق.

حركات الشبيبة الأرثوذكسية، في كل العالم الأرثوذكسي، تخلّت في الألفية الثالثة عن صوتها النبوي واكتفت بالتحوّل إلى جمعيات غير حكومية تستجدي الدعم المالي من هذه الجهة الدولية أو تلك أو من هذه الرئاسة أو تلك. لم تعد اهتماماتها تتخطى طباعة كتاب أو تنظيم مؤتمر أو ورشة عمل. هل أحد يذكر سندسموس في هذه الأيام؟ أما زال حياً؟

أمّا تجمعات اللاهوتيين الأرثوذكس فهمّها الأول هو تأمين الدعم المالي لأبحاثها ومؤتمراتها وتحسين تصنيف أعضائها الأكاديمي. الوحدة الأرثوذكسية ليست من أولوياتها، لا بل مجرد انعقاد مؤتمراتها وتبادل خبراتها هو بالنسبة إليها فائض من الوحدة.

خاتمة

الأرثوذكسية اليوم مكسورة. المؤتمنون عليها يكسرونها بخوفهم وترددهم وحساباتهم التي لو اعتمدها الآباء القديسون كل في زمانه لما وصلت الأرثوذكسية إلينا. أزمة أوكرانيا كرة ثلج تتدحرج. هي بالأصل أزمة سياسية لأن مَن افتعلها كان محركه سياسي، وهذا ما تشير إليه كل الوقائع. الكنيسة هي العنصر الضعيف أو الأضعف في السياسة، لذا تدفع ثمناً أكبر من غيرها. أحد المطارنة الأوكران يرى أن الكيان الجديد سوف يُصار إلى فرضه كما فُرِضَت قضايا أخرى كقبول المثلية وغيرها. المرعِب هو أن مقابل هذا الفرض هناك الانشقاق.

قد يحصد السياسيون ثمر أتعابهم هنا وفي هذا الزمان ولا يهمهم يوم الدينونة. أمّا الكنيسة فتتحمّل الانكسار هنا على رجاء النصر يوم الدينونة. ما يهدد انتصار الكنيسة ليس الاضطهاد ولا السياسيون. ما يكسر الكنيسة هي أن يصير رؤساؤها والعاملون فيها سياسيين.

ماذا ينتظر الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة؟

الأب أنطوان ملكي

لم يكن مفاجئاً إعلان أن الكنيسة اليونانية قبلت استقلال “كنيسة أوكرانيا الأرثوذكسية”، خاصةً عندما يكون معروفاً حجم الضغط الذي تمارسه ثلاث جهات: القسطنطينية، الدولة اليونانية والدبلوماسية الأميركية بمختلف أدواتها المتوفرة. هذا يجعل كنيسة اليونان أول كنيسة تقبل هذا الكيان من بعد القسطنطينية التي أنشأته. المفاجئ في الإعلان هو أن المعترضين كانوا ستة أساقفة فقط لا يذكر البيان الرسمي أنهم اعترضوا بل أنهم طلبوا تأجيل التصويت. جدير بالذكر أن المجمع العام يضم 81 مطراناً لكن البيان لا يذكر عدد الحضور. أمّا الأخطر فهو التصريحات التي تبعت هذا الإعلان والتي تؤكّد أن أي قرار لم يُتّخَذ خاصةً وأنه لم يجرِ أي تصويت. هذه التصريحات الصادرة عن مطارنة كانوا في المجمع تنذر بأخطار على الكنيسة اليونانية وعلى الكنيسة الجامعة بشكل عام. وأخطر ما فيها أنها إشارات إلى 1) تعاظم تدخل السياسة في شؤون الكنيسة بشكل لا يحترم الحدّ الأدنى من مصلحتها أو حتى مظهرها كي لا يُحكى عن رسالتها، وهذا يتكرر في كل الكنائس، و2) أن عملية تدبيج القرارات وإعلانها بشكل ديماغوجي يظهرها وكأنها قرارات الكنيسة فيما هي بالحقيقة قرار رئاستها، وبالتالي يضع هذا الإعلان المعارضين، وعادة يكون التقليديون منهم، في خانة الخارجين على الإجماع ومثيري الشغب.

نظرياً، قد يكون مفهوماً أن تقبل كنيسة اليونان أو تدعم حق القسطنطينية في منح الاستقلال للكنائس المحلية نزولاً عند طلب هذه الكنائس أو طلب سلطاتها السياسية، علماً أن هذه التبعية تحوّل استقلالها الكامل (autocephaly) إلى مجرد استقلال إداري (autonomy) وحسب. لكن ما يبقى بلا تفسير، ولم يجب عليه لا منظرو هذا القبول ولا كلمة رئيس الأساقفة اليوناني التي وجهها إلى المجمع، هو كيف يتمّ قبول أبيفانيوس “ميتروبوليت” أوكرانيا وهو أصلاً مُسام على يد منشقّ مدان من كل الكنائس، وغيره من الإكليروس غير المُسام قانونياً.

من هنا أن لقرار كنيسة اليونان كلفة أعلى بكثير من أي خطأ ترتكبه القسطنطينية. فالكنيسة اليونانية تشكّل مرجعية علمية في الكنيسة الأرثوذكسية ليس لجهة أن غالبية مطارنة العالم الأرثوذكسي وبطاركته مرتبطون باليونان إما من جهة تخرجهم من مدارسها بل لأن لها علاقات دأبت كنيسة اليونان على توطيدها مع كل العالم. أستذكر هنا كلاماً لأحد الياروندات يقول: “أن تكون يونانياً أرثوذكسياً ليس امتيازاً ولا أفضلية بل هو رسالة (mission) وواجب”. وما يظهّر هذا الخطر في قرار الكنيسة اليونانية هو أن غالبية الإجابات التي أعطاها المطارنة للإعلاميين عند سؤالهم عن خلفية قرارهم تأتي في خانة الإثنية ودعم القسطنطينية في وجه الروس. حتّى الحجج التي كتبها الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس، على ما له من موقع في العالم، لم تكن على المستوى المعهود منه في الصياغات اللاهوتية.

من جهة أخرى، الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة على موعد مع قطع علاقات جديد. إن الفذلكة اللاهوتية التي أوردتها الكنيسة الروسية كسند لقطع شركتها مع القسطنطينية تنطبق على كنيسة اليونان، إن لم يكن اليوم ففي التاسع عشر حيث يُتوقّع أن يشترك رئيس أساقفة اليونان ييرونيموس مع أبيفانيوس أوكرانيا في القداس في تسالونيكي. عندها ما انطبق على القسطنطينية ينطبق على كنيسة اليونان، وسوف تكون كنيسة موسكو ملزمة بقطع شركتها مع كنيسة اليونان. هذا الأمر أشار إليه بوضوح المطران إيلاريون مسؤول العلاقات الخارجية في الكنيسة الروسية في مقابلة معه في التاسع من تشرين الأول أي قبل إعلان قرار كنيسة اليونان بيومين. هذا القطع سوف يكون مؤلماً بشكل أكبر ويسبب شللاً أكثر أثراً في جسد الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة. فعلى سبيل المثال، ما سوف يكون موقف رافضي التعامل مع إكليروس “كنيسة أوكرانيا الأرثوذكسية”، ككنيستي أورشليم وصربيا، من إكليروس اليونان حين يكونون قد شاركوا مع الأوكرانيين في الخدم؟ هل سوف يستطيع بطريرك جورجيا والذين معه في كنيسته من الصمود أكثر أمام حملات الأميركيين المركّزة عليهم ليعلنوا قبولهم “كنيسة أوكرانيا الأرثوذكسية”؟ هل يستطيع أحد التنبوء بعدد اليونانيين، من إكليروس وعلمانيين، الذين سوف ينتقلون إلى كنيسة المسيحيين الأرثوذكس الحقيقيين في اليونان (التقويم القديم)؟ ألن يكون قبول اليونان هذا عاملاً تشجيعياً لدعاة كنيسة مكدونيا المستقلة وكنيسة الجبل الأسود المستقلة على الإصرار على انفصاليتهم؟

إن الأسئلة كثيرة، على المستويين اللاهوتي والإداري، إذا صحّ الفصل بين المستويين. من هنا أن المسؤولية الملقاة على أكتاف رؤساء الكنائس، وبشكل خاص الإسكندرية وأنطاكيا، مسؤولية جسيمة، حيث أنهم مطالبون بالتحرك والفعل بدل الاكتفاء بردة الفعل. إن عدم انعقاد لقاء رؤساء الكنائس، بغض النظر عن موقف القسطنطينية، سوف يفتح الباب للقسطنطينية لخلق المزيد من المشكلات. إن هذا اللقاء ضروري جداً إذ إن تزايد عدد الكنائس القابلة للكيان الأوكراني المستحدث، يهدد الكنيسة بأن تتحوّل إلى كنيستين بشكل أو بآخر، وهو صدع عامودي لن يكون سهلاً رأبه.

الدهرية

الشيخ جورج كابسانيس، رئيس دير غريغوريو الأثوسي

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

تواجه الكنيسة اليوم صراعاً جديداً مماثلاً لحرب الايقونات، إنه الضغط الذي يُمارَس عليها من المجتمع الدهري لتتكيّف مع قيَمه ومُثُله، حتى تصير هي بدورها دهرية.

إن خطر الدهرية على الكنيسة جسيم. بدلاً من أن تكون الكنيسة معِينة للمجتمع ليصير أكثر كنسيّة، يحاول العالم أن يؤثّر على الكنيسة ويحوّلها إلى العالم. وهكذا، تحفظ الكنيسة أشكالها وعاداتها لكن تخسر إيمانها. سوف تعاني نفس مصير البابوية التي كتب عنها القديس نكتاريوس: “من خلال عقيدة العصمة، فقدت الكنيسة الغربية حريتها الروحية، وفقدت زينة هذه الحرية، واهتزّت حتى أساساتها، وحُرِمت من نعمة الروح القدس، ومن وجود المسيح. وانتقلت من كونها روحًا ونفساً، وصارت جسدًا أبكماً”.

إن جوهر الدهرية هو مبدأ محورية الإنسان. من ناحية أخرى، جوهر الكنيسة هو مبدأ محورية الله. إذا فقدت الكنيسة أو أنقصَت طبيعتها الإلهية / البشرية، فإنها تنحدر لتصبح مجرد مؤسسة دينية أو واحداً من الأديان المتعددة في العالم.الدهريون يقبلون الكنيسة كواحدة من أديان العالم، ولكن لا باعتبارها الحقيقة الوحيدة التي تخلّص الناس بالمسيح. مع أخذ ذلك بالاعتبار، إنهم يحاولون مساواة الكنيسة الأرثوذكسية بالأديان الأخرى. وهذا يؤدي إلى دين عالمي بتعاون جميع الأديان. الهدف ليس الحقيقة التي تخلّص بل السِلْم العالمي. وبطبيعة الحال، فإن هذا الطموح هو في صالح قادة العالم في هذا العصر، الذين يريدون أن تخضع الأمم لسلطتهم وتكون مسالمة (مُجبرين على الإذعان) من خلال تعاون الأديان.

من أجل التعايش السلمي، لا يعترف الأرثوذكس بالمسيح في التجمعات المتعددة الديانات. وهكذا يسمحون بأن تُدرَج الكنيسة بين الديانات التوحيدية، إلى جانب اليهودية والمحمدية. لكن من تعاليم العهد الجديد الأساسية والآباء القديسين أن الذين لا يؤمنون بأقانيم الثالوث الأقدس الثلاثة، وبكلمة الله المتجسد هم ملحدون. “مَنْ لاَ يُكْرِمُ الابْنَ لاَ يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ”، “الذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ”. وكما يقول القديس باسيليوس الكبير: “إن الذين لم يؤمنوا بالابن لا يؤمنون بالآب”.

من أميركا إلى العالم الأرثوذكسي

الأب أنطوان ملكي

في الحادي عشر من أيار 2019، تمّ انتخاب الميتروبوليت ألبيذوفوروس لامبيرينيذس مطران بُرصة التركية ميتروبوليتاً على الأبرشية اليونانية في أميركا. هذا الانتخاب أو الانتقال أشبه بالتعيين، شأن قضايا عديدة أخرى في كرسي القسطنطينية، وغيرها من الكنائس الأرثوذكسية. ألبيذوفوروس من مواليد 1967، تركي الجنسية، ومتميّز بالعلم والعلاقات القوية. عاش فترة في معهد القديس يوحنا الدمشقي ويجيد العربية التي اكتسبها من أمه الحلبية.

ألبيذوفوروس مدافع شرس عن سياسات البطريرك المسكوني برثلماوس وقد ظهر هذا الأمر بشكل خاص في دفاعه عن عقد لقاء كريت في 2016 كما خلال مجريات الأزمة الأوكرانية منذ نشوئها. يرى بعض المحللين أن حماسه للدفاع عن هذه المواقف يعود إلى أنه المرشح الأكثر حظاً لخلافة برثلماوس على الكرسي القسطنطيني.

من أهم الأفكار التي يبدي ألبيذيفوروس حماساً للمناداة بها هي أولية البطريرك القسطنطيني في الكنيسة الأرثوذكسية، حيث يسميه أولاً من غير مساوين “primus sine paribus”. ففي محاضرة له كأرشمندريت في معهد الصليب المقدس اللاهوتي سنة 2009، قال: “إن رفض الاعتراف بالأوليّة داخل الكنيسة الأرثوذكسية، أوليّة لا يمكن بالضرورة تجسيدها من قبل أول “primus” (أي من قبل أسقف يتمتع بامتياز أنّه الأول بين زملائه الأساقفة) لا يشكل شيئًا أقل من الهرطقة. لا يمكن أن نقبل، كما يقال في كثير من الأحيان، أن الوحدة بين الكنائس الأرثوذكسية يتم الحفاظ عليها إما من خلال قاعدة الإيمان والعبادة المشتركة أو بالمجمع المسكوني كمؤسسة. كلا هذان العاملان غير شخصيين، بينما في اللاهوت الأرثوذكسي، دائماً مبدأ الوحدة هو شخص. في الواقع، على مستوى الثالوث الأقدس، إن مبدأ الوحدة ليس الجوهر الإلهي، بل هو شخص الآب (“مَلَكية الآب”)، وعلى المستوى الإكليسيولوجي في الكنيسة المحلية، فإن مبدأ الوحدة ليس الكهنوت ولا عبادة المسيحيين المشتركة بل هو شخص الأسقف. لذلك على مستوى الأرثوذكسية بشكل عام، لا يمكن أن يكون مبدأ الوحدة فكرة ولا مؤسسة، لكن، إذا أردنا أن نكون على انسجام مع لاهوتنا، يجب أن يكون شخصاً… في الكنيسة الأرثوذكسية أول واحد هو بطريرك القسطنطينية.”[1]

ينبغي التوقف هنا عند ثلاث ملاحظات. الأولى هي وصم الذين يرفضون أولية بطريرك القسطنطينية بالهرطقة وهذا ينطبق على غالبية الأرثوذكس في العالم. والثانية هي أن الشخص الذي يحمل وظيفة وحدة الكنيسة في الكون ليس المسيح نفسه بل أحد الأساقفة أي بطريرك القسطنطينية. بتعبير آخر ما رفضه الأرثوذكس في بابا روما لأكثر من ألف عام يمنحه ألبيذيفوروس لبطريرك القسطنطينية. وهنا تأتي الملاحظة الثالثة بأن في تشبيه أوليّة بطريرك القسطنطينية بمَلَكية الآب تخطٍّ لكل اللاهوت الكاثوليكي الذي يرفضه الأرثوذكس عن خلافة بطرس ووكالة البابا عن المسيح، حيث يصير بطريرك القسطنطينية وكيلاً لله نفسه وممثلاً له.

هذا المنطق المستحكِم في القسطنطينية سبق وعبّر عنه البطريرك المسكوني بنفسه عند خلقه أزمة أوكرانيا حين اعتبر أن على الكنائس الأخرى أن “تطيع” كنيسة القسطنطينية وتوافق على الكيان الذي أنشأه من دون أساس كهنوتي ولا احترام لا للتاريخ ولا للقوانين الكنسية. هذا الفكر ساهم ببثه وتنميته لاهوتيون عدة من الذين يدورون في فلك القسطنطينية أو من دعاة الدمج بين الهلينية والأرثوذكسية، مع التشديد هنا على الفرق بين الهلينية والرومية كمفهوم للتاريخ الكنسي.

يقف هذا المنطق مباشرة وراء المغامرة غير المحسوبة التي قام بها برثلماوس في أوكرانيا. طبعاً، هذا الانحراف اللاهوتي ليس المحرّك الوحيد لهذه المغامرة، لأن اصطفاف كرسي القسطنطينية في الخط الأميركي في السياسة العالمية واضح وليس جديداً بل تعود جذوره إلى بعَيد الحرب العالمية الثانية حيث قام الأميركيون بخلع البطريرك القسطنطيني في حينها وتركيب رجلهم أثيناغوراس مكانه، لتبدأ رحلة خروج القسطنطينية عن الأرثوذكسية حتى الوصول إلى نقطة أن يعبّر القسطنطينيون، من رؤساء ولاهوتيين، عن هذا التعالي القسطنطيني على باقي الكراسي الأرثوذكسية، فيما هم منبطحون أمام الفاتيكان وغيره من الجهات التي يفترضون أنها تؤمّن الحماية للقسطنطينية. من أبرز الإشارات إلى هذا النهج هو ما قام به ألبيذيفوروس نفسه بعد تعيينه رئيساً لأساقفة الأبرشية في أميركا، حيث قبل تنصيبه وقبل أن يبادر إلى الاتصال بأي من الأساقفة الأرثوذكس في أميركا والذين يجمعهم به، إلى جانب الانتماء الكنسي مجلس للأساقفة القانونيين يرأس هو جلساته، قام بزيارة كنيست بارك إيست في نيويورك مع ما تحمل هذه الزيارة من دلالات.

***

في رد ربنا على إعلان بطرس لإيمانه، قال له أنه على صخرة هذا الإيمان سوف تُبنى الكنيسة وقد تمّ بناؤها. وأردف الرب بأن أبواب الجحيم لن تقوى عليها، ولن تقوى لأنه قال هذا. لم يقل ربّنا أن أبواب الجحيم لن تقوى فيها. والمخيف اليوم أننا نرى هذه الأبواب تزداد قوة حيث أن السؤال عن الوحدة الأرثوذكسية على مستوى الخليقة كما في كل كنيسة سؤال مشروع وله حيثياته.

قد يكون وجود انحراف فكري في القسطنطينية وراء عدد من الأزمات أكبرها أزمة أوكرانيا، لكن فعلياً ما يجعل هذه الأزمة على هذا المستوى ولا يساعد على حلّها هو أن البابوية تُمارَس في كل الكنائس الأرثوذكسية، بدرجات متفاوتة من الحدة، ما يفقد الأرثوذكسية مجمعيتها التي هي أساس قوتها وثباتها واستمراريتها.

[1] (https://www.aoiusa.org/ecumenical-patriarchate-american-diaspora-must-submit-to-mother-church/. )

نحو الزمان الأخير

الأرشمندريت سيرافيم روز

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

… الاعتقاد الذي يميّز هرطقة المسكونية هو التالي: أن الكنيسة الأرثوذكسية ليست كنيسة المسيح الحقيقية؛ أن نعمة الله موجودة أيضاً في الطوائف “المسيحية” الأخرى، وحتّى في الأديان غير المسيحية؛ وأن طريق الخلاص الضيقة بحسب تعليم آباء الكنيسة الأرثوذكسية القديسين هو مجرّد “طريق من طرق كثيرة” إلى الخلاص؛ وأنّ تفاصيل إيمان الإنسان بالمسيح غير ذات أهمية كبيرة، كما أن العضوية في أي كنيسة لا تهمّ. ليس كل الأرثوذكس المشاركين في الحركة المسكونية يؤمنون بكل هذه النقاط، مع أن البروتستانت والكاثوليك منهم يؤمنون؛ لكن بمجرد مشاركتهم في هذه الحركة، بما فيها الصلوات المشتركة المتكررة مع أصحاب الإيمان الخاطئ بالمسيح وكنيسته، فإنهم يقولون للهراطقة الذين يناظرونهم: “لربّما ما تقولونه صحيح”… ليس مطلوباً أكثر من هذا من المؤمن الأرثوذكسي ليخسر نعمة الله؛ وأي جهاد سوف يتكلّفه ليستعيدها!

إلى أي حد إذاً على الأرثوذكسيين أن يسلكوا بمخافة الله، مرتعدين لئلا يخسروا نعمته، غير الممنوحة لأي كان بأي شكل من الاشكال، بل فقط لأولئك الذين يحفظون الإيمان الصحيح، ويسلكون في حياة من الجهاد المسيحي، ويحفظون نعمة الله التي تقودهم باتجاه الملكوت. وبِكَم من الحذر يجب على المسيحيين الأرثوذكسيين أن يسلكوا اليوم فيما هم مُحاطون بمسيحية مزيّفة تقدّم خبراتها للنعمة والروح القدس وتقدر على الاستشهاد بإفراط بالكتاب المقدس وآباء الكنيسة لتثبت خبراتها! على الأكيد الزمان الأخير قد اقترب، حين سوف تأتي الخديعة الروحية وتكون مقنِعَة جداً حتى “يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضًا.” (متى 24:24).

أيها الأرثوذكسيون تمسّكوا بالنعمة التي لكم. لا تتركوها تتحوّل إلى عادة. لا تقيسوها بمعايير بشرية وحسب ولا تتوقعوا منها أن تكون منطقية أو مفهومة لدى الذين لا يفهمون شيئاً أعلى من البشري أو الذين يعتقدون باكتساب نعمة الروح القدس في طرق غير التي أسلمتها الكنيسة إلينا. يجب على الأرثوذكسية الحقيقية أن تبدو في غير محلها بالكلية في هذه الأوقات الشيطانية، أقلية متناقصة من المحتقرين والحمقى، في وسط “إحياء” ديني مستوحى من نوع روحي آخر. لكن فلنتعزّى بكلمات الرب يسوع المسيح: “لاَ تَخَفْ، أَيُّهَا الْقَطِيعُ الصَّغِيرُ، لأَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ سُرَّ أَنْ يُعْطِيَكُمُ الْمَلَكُوتَ” (لوقا 32:12).

فليتشدد كل الأرثوذكسيين الحقيقيين للمعركة الآتية، دون أن ينسوا أن النصر في المسيح هو لنا أصلاً. لقد وعد بأن أبواب الجحيم لن تقوى على كنيسته (متى 18:16)، ولأَجْلِ الْمُخْتَارِينَ تُقَصَّرُ تِلْكَ الأَيَّامُ (متى 22:24). وفي الحقيقة “إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا، فَمَنْ عَلَيْنَا؟” (رومية 31:8). حتى في وسط أفظع التجارب، لدينا وصية بأن نكون في سلام، “لقد غلبت العالم”. (أنظر يوحنا 33:16). فلنسلكْ كما عاش المسيحيون الحقيقيون في كافة الأزمنة متوقعين نهاية كل الأشياء ومجيء مخلصنا المحبوب “لأن يَقُولُ الشَّاهِدُ بِهذَا:«نَعَمْ! أَنَا آتِي سَرِيعًا». آمِينَ. تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ” (رؤيا 20:22).

شجب المسكونية واجتماع كريت

الشيخ جبرائيل الأثوسي

نقلها إلى الأب أنطوان ملكي

الشيخ جبرائيل هو أحد تلاميذ القديس باييسيوس الأثوسي ويقيم في قلاية القديس خريستوذولوس في جبل أثوس. النص التالي هو مقتطفات من رسالة له بتاريخ الأول من تشرين الأول 2018.

… أصلي أن يخيّم السلام على عائلاتكم. أصلي أيضاً أن يسكب الروح القدس عليكم كل مواهبه الإلهية: المَحَبَّةُ والفَرَحُ والسَلاَمُ وطُولُ الأَنَاةٍ واللُطْفُ والصَلاَحُ والإِيمَانُ والوَدَاعَةُ والتَعَفُّفُ (غلاطية 22:5-23). أيضاً أصلّي أن يكتب الله أسماءكم في كتاب الحياة الخالد. وفوق هذا أصلّي أن يعرّفكم الله على الشخصية الأكثر بهاء والأكثر أخلاقاً التي تحدّث عنها في عظته على الجبل: طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. طُوبَى لِلْحَزَانَى، … طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ… طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ… طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ… طُوبَى لِأنقيَاءِ الْقَلْبِ… طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ (متى 3:5-9). وأصلّي لكيما في مجيئه الثاني يجعلكم جميعاً عن يمينه ويسمع كلٌّ منكم صوتَه الحلو الحنون: “تعالَ أيها العبد الصالح، ادخلْ إلى فرح ربك” (متى 21:25).

وبالأكثر من هذا أصلّي إلى الرب، الواحد والوحيد، الذي لا شبيه له، العظيم والأكثر سمواً، مصدر السلام وصانع السلام ومعطي السلام، أن يمنح السلام والاتفاق لكل البشرية. أن يحفظ الأرثوذكسية ويكسَب الهراطقة بأن ينيرهم ليتوبوا ويعودوا إلى الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية، الكنيسة الحقيقية، التي هي الكنيسة الشرقية. أخيراً، أصلّي حتى أن كل الشعوب الأحياء على الأرض، والجنس المتعدد اللغات من البشر، يؤمنون بالإله الحقيقي الواحد والوحيد، أي الآب والابن والروح القدس. أيها الإخوة من الروم والمسيحيين، لكي نخلص وننجو من نهايات الموت الروحية والمادية علينا أن نتوب. التوبة تنقذ كل البشرية. محبة الله وعطفه على الإنسان هما محيط… لكن من دون توبة نقود ذواتنا إلى الهلاك. الرب سوف ينسانا كشعب وسوف يبددنا في زوايا الأرض الأربعة. ذكرنا سوف يُمحى ونهلك كشعب ولا نبقى إلا في التاريخ.

الرب قلق علينا جداً، نحن الروم، خاصةً لأسباب ثلاثة: أولاً، لصداقتنا مع الهراطقة وتحديداً البابا؛ ثانياً بسبب الإجهاضات، وثالثاً بسبب الخطايا الجسدية. البابا والهراطقة المختلفون هم أعداء الله ووالدة الإله. هناك أعجوبة معروفة جداً حيث ظهرت والدة الإله لراهب أثوسي كان يسكن قرب دير زوغرافو وقالت له “أعدائي قادمون وأعداء ابني”. هنا أشارت إلى اللاتين (الذين كان يفاوضهم الإمبراطور على حساب الكنيسة للدفاع عنه ضد الأتراك، وقد خذلوه: المترجم)… كل مَن يصادق الهراطقة والبابا يصير عدواً لله ولوالدة الإله، ولن يخلص… البابا قائد كل الهرطقات ورأس معلمي الهرطقة، وبحسب آباء كنيستنا، إنه سابقُ ضد المسيح. إنه رأس الهرطقة الأعظم والأعلى (arch-heresiarch) ورأس الهرطقة الشاملة في كل الأجيال والأزمنة. إنه الأكثر مهارة بين خالقي الهرطقات الخاطئة ومؤلّفي إفساد الحقيقة والأكثر قدرة بينهم، إنه هاتِك العقيدة الصحيحة غير المسبوق، وممزِّق التعليم الصافي… وبالنسبة للبعض منّا نحن الأرثوذكس، أي المسكونيين الذين يحاولون الاتحاد مع الباباوين ويؤمنون بأن البابوية كنيسة وفي أسرارها نعمة، فإننا نعادي الله ووالدة الإله ولن نخلُص.

أريد أن أستشهد ببعض الآباء القديسين الذين يكشفون لنا أن إن خنّا إيماننا لن نخلص حتّى ولو اقتنينا أعظم التقوى:

– مَن سقط من الإيمان الحقيقي لا يمكن تسميته مسيحياً (القديس أثناسيوس الكبير).

– الهراطقة يطيعون الشياطين؛ إنهم يكرّمون الباطل وفي كل لحظة يثيرون غضب الله (القديس سمعان التسالونيكي).

– الروح القدس غير موجود في أي مكان بينهم لأن أسرارهم بلا نعمة (دوسيثاوس أورشليم)

– الادعاء بأن القوانين الكنسية غير ملائمة هو من صفات الهراطقة (الأب نيوفيطوس الكافسوكاليفي)

– إلى الذين يمقتون قوانين الآباء المقدسة، التي تدعم الكنيسة وتزيّن الجماعة المسيحية وتقود إلى التقوى الإلهية، فليكونوا أناثيما من المجامع المسكونية… إن الذين يقيمون علاقات التبعية مع الهراطقة يضيعون (القديس أثناسيوس الكبير – ضد الأريوسيين)

– كيف يمكن ألا يُحكَم بالجحيم على مَن يتصرّف وكأنه لا يرى أو يبقى صامتاً عندما تُزدرى القوانين والشرائع الإلهية… إن أعداء الله ليسوا الهراطقة فقط بل كلّ من يشترك معهم أيضاً (القديس يوحنا الذهبي الفم).

* إن الرب سحب بركته عنّا بسبب الإجهاض… خمس مائة مليون عملية إجهاض في العالم. الأطفال المقتولون بالإجهاض… لا يذهبون إلى الجحيم لأنهم بلا خطيئة. تستعمل النساء خلاياهم للتزيين ولاستعمالات أخرى… سكان سدوم وعمورة أكثر قبولاً عند الله منا…

* إن مجمع كوليمباري (كريت) هرطوقي. إنه مجمع زائف ومميت قد نهب التعليم الأرثوذكسي وعاكسه. إنه عدو لله ومتعهد دفن الأرثوذكسية ودافنها، ومرافق للشيطان.

إن حنانيا وقيافا المرثي لهما هما صاحبا أسوأ سمعة بين رؤساء الكهنة في تاريخ المسيحية وقبلها لأنهما قاتِلا المسيح وقاتِلا الله.

إن الذين يجهدون لتوحيد الأرثوذكسية أي الكنيسة الأرثوذكسية مع البابا، سواء كانوا من البطاركة أو رؤساء الأساقفة أو الأساقفة، يشبهون بدقّة كاملة حنانيا وقيافا، وهم مُكتَفون بذواتهم معاندون، موجّهون بذواتهم مستأثِرون… وهم سوف يغطّون الأجزاء الأكثر رعباً ومركزية في الجحيم

+جبرائيل، راهب أثوسي

الأرثوذكسية في عنق الزجاجة

الأب أنطوان ملكي

يعاني العالم الأرثوذكسي اليوم من تفكك عميق وعجز ينذران بأذى أكبر. هذا التفكك حذّر منه صاحب الغبطة بطريرك أنطاكية بقوله “لا يعقل أن ننهي إنشقاقاً على حساب وحدة الكنائس” في رسالته إلى البطريرك المسكوني مطلع هذا العام. تقتضي الدقّة قبل أن نخوض في تفاصيل موضوعنا أن نذكّر بأنّ أن الوضع في أوكرانيا لم يكن انشقاقاً بالمعنى الكنسي، لأن هناك كنيسة قانونية ومجموعتان الواحدة كانت منشقة إلى أن جُرِّد رئيسها وبالتالي فقدت كل الرباطات مع التسلسل الرسولي، أما الأخرى فليست حتّى من أصول كنسية. لهذا، فإن إصرار القسطنطينية على “توحيد” المجموعات الثلاث أمعن في شرذمة الكنيسة الحقيقية التي كانت تعاني أصلاً من ضغوطات سياسية وأمنية، تضاعفت بعد أن تمّ إعلان كنيسة أوكرانيا الجديدة من القسطنطينية.

يظهر التفكك الأرثوذكسي العمومي والذي ينذر بأخطار كبيرة من سلسلة أخبار من مختلف الكنائس. فلكي يكمّل البطريرك المسكوني ما بدأه، طلب من كافة الكنائس الاعتراف بالكنيسة التي أنشأها. هذا الطلب استدعى إما انعقاد مجامع هذه الكنائس أو إدراج هذه القضية على برامج المجامع للوصول إلى موقف واضح يتمّ التعبير عنه في رسالة إلى القسطنطينية.

الكنيسة الروسية هي الوحيدة التي رفضت الكنيسة المنشأة بشكل رسمي وبقرار من مجمعها. كنائس أنطاكية وصربيا وتشيكيا صدر كلام عن رؤسائها يقول بهذا الرفض ويبقى أن تصدر هذه القرارات عن مجامع هذه الكنائس. يبدو توجّه الكنيستين البلغارية والجورجية إلى رفض الاعتراف بالكنيسة المنشأة واضحاً، إلا إن جلسات مجمعيهما لن تكون هادئة، خاصة في جورجيا حيث التأثير الأميركي أقوى.

في اليونان انقسام واضح استدعى تأجيل مناقشة القضية إلى انعقاد المجمع العمومي الذي يضمّ أكثر من سبعين مطراناً. أيضاً جلسات هذا المجمع لن تكون هادئة، وسوف يظهر الانقسام بين مدرستي رئيس الأساقفة السابق خريستوذولوس (والكثيرون من أبنائه يسمّونه الشهيد) والمدرسة التي توالي القسطنطينية لأسباب قومية أو غيرها. ليس واضحاً إلامَ سوف تؤول الأمور، علماً بأن رئيس الأساقفة اليوناني ييرونيموس ميال بشخصه إلى عدم الاختلاف مع القسطنطينية، فيما الحكومة اليونانية الحالية “اليسارية” موالية لأميركا بشكل أعمى. مواقف الكنائس الأخرى الناطقة باليونانية ضبابية. ألبانيا واضح ميلها إلى السير مع القسطنطينية على الرغم من تحفظها على كل العملية. قبرص عبّرت بخفر عن توجهها نحو الرفض، دون أن يكون هذا موقفاً نهائياً وكررت الدعوة إلى انعقاد لقاء لرؤساء الكنائس. الاسكندرية زار بطريركها أوكرانيا معبراً عن تضامنه مع الكنيسة الأصلية في أيلول 2018، ولكن لم يصدر عنها أي موقف بعد إعلان الكنيسة الجديدة. أورشليم رفض بطريركها استقبال أي من إكليروس الكنيسة الجديدة مسمياً إياهم بالمنشقين، دون أن يصدر أي موقف نهائي عن المجمع.

تشير كل الأخبار إلى أن كنيسة رومانيا سائرة نحو قبول الكنيسة المنشأة. كنيسة فنلندا عبّرت عن أن الأمر شأن خارجي وبالتالي الموقف تأخذه القسطنطينية.

أما الأزمة الحقيقية فهي في ظهور التفكك جلياً في جبل اثوس الذي كان قبل ذلك صورة الوحدة الأرثوذكسية الفعلية في أعمق أشكالها. شرعياً يقع الجبل تحت سلطة البطريرك المسكوني الذي طلب من الجبل إرسال وفد إلى تنصيب رئيس الكنيسة المنشأة. اجتمع مجلس الجبل واتخذ قراراً بعدم المشاركة بوفد. هذا القرار لم يُتّخذ بالإجماع حيث أن 13 ديراً صوّتوا للمقاطعة فيما خمسة صوّتوا للمشاركة بغياب ديرين. من ثمّ قرر ديرا فاتوبيذي وكسينوفونتو المشاركة فذهب رئيساهما، حيث أصيب رئيس دير فاتوبيذي بنوبة منعته من المشاركة. الأخبار الواردة من الجبل تقول أن أفرام رئيس الفاتوبيذي شارك تحت وطأة التهديد بالتجريد إن لم يفعل. لم يتأخر امتحان الجبل حيث أن أحد “أساقفة” الكنيسة المنشأة جاء لزيارة الجبل ومعه طَلَب من بطريرك القسطنطينية للأديار باستقباله وإكرامه. زار الوفد الأوكراني أديار إيفيرون، ستافرونيكيتا، كوتلوموسيو، البانتوكراتور، فاتوبيذي، واسفيغمانو الجديد، وأقاموا الذبيحة الإلهية في اللافرا الكبير، فيما دير القديس بندلايمون، أي الدير الروسي، أغلق أبوابه في وجههم وكان ديرا فيلوثايو وكراكاللو قد أعلنا مسبقاً أنهما لن يفتحا الأبواب لأي من المنشقين الأوكران. ذكر خبر أن سبعة من رهبان دير الفاتوبيذي تركوا الدير على إثر استقبال الوفد الأوكراني وانتقلوا إلى دير القديس بندلايمون.

شكل آخر من التشرذم الناتج عن القضية الأوكرانية هو أن عدداً متزايداً من الرعايا في أوروبا وأميركا، ومثلهم عدد متزايد من الكهنة، يتركون كنيسة القسطنطينية وينتقلون إما إلى الكنيسة الروسية أو إلى الكنيسة الروسية خارج روسيا.

غالبية رؤساء الكناس الأرثوذكسية يرون ضرورة اجتماع رؤساء الكنائس الأرثوذكسية لحلّ الخلاف بين القسطنطينية وموسكو. القسطنطينية لا ترى ذلك لأنها تعتبر أن كل ما جرى داخلي بالنسبة لها. قمة الخلل القسطنطيني عبّر عنه بطريركها في كلامه عن تمنّيه أن تحترم الكنائس الأرثوذكسية الأخرى القسطنطينية. منظِّرو أولية القسطنطينية ناشطون والأدب الذي يتحدّث عن أن بطريركها لا مساوٍ له يزداد انتشاراً. الكل، ما عدا القسطنطينية، يرى ضرورة الاجتماع، وما من أحد يدعو إليه. طبعاً، هذا كلام عن ظاهر الأمور، والمرجو هو أن يكون بين الرؤساء حركة في الكواليس، لكن لا إشارات إلى ذلك.

إن الكلام عن اجتماع رؤساء الكنائس الأرثوذكسية يظهِر العجز الأرثوذكسي. نظرياً، يجب على الاسكندرية أن تدعو إلى هذا الاجتماع كون القسطنطينية طرفاً في النزاع وهي ترفض الاجتماع، وكون الاسكندرية تليها بالكرامة، لكنها لا تبدو في هذا الوارد. أن يتفق كل رؤساء الكنائس على أهمية الاجتماع دون أن يبادر أي واحد منهم إلى الدعوة إليه دليل العجز. عبّر أحد الشيوخ عن هذا الواقع، بطريقة لا تخلو من السخرية والمرارة، قائلاً: “لو أن بابا روما يبادر إلى الدعوة هاتفياً كنت لتراهم مجتمعين. ماذا يحتاجون أكثر من انشقاق جبل أثوس حتى يجتمعوا؟ وهل إذا اجتعوا سوف يضعون الأمور في نصابها ويصارحون البطريرك القسطنطيني بأن قوة الأرثوذكسية هي في مجمعيتها وأنها لا تحتاج إلى بابوية لتتقوى؟ وهل يستطيعون مواجهة تفرّد البطريرك المسكوني وهم في غالبيتهم متفردون في كراسيهم؟ هل يقدرون أن يدينوا تناغم القسطنطينية مع السياسة الأميركية وهم في كراسيهم يتناغمون مع أنظمتهم؟ ربّما لهذا هم لا يجتمعون. إنها اجتماعات الزمان الأخير”.

رد البطريرك الروسي كيريل على البطريرك المسكوني حول أوكرانيا

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي


أرسل البطريرك المسكوني برثلماوس رسالة إلى البطاركة الأرثوذكس ومنهم البطريرك الروسي في منتصف كانون الأول الماضي. وهو يعلمهم في هذه الرسالة عن إعادة المنشقين الأوكرانيين إلى رتبهم السابقة، وإلغاء الوثيقة التي فيها أعطيَت أوكرانيا إلى بطريركية موسكو على يد البطريرك القسطنطيني ديونيسيوس الخامس ومجمعه سنة 1686، كما عزمه على عقْد مجمع محلي في كييف للمجموعات التابعة للقسطنطينية، ونيّته تسليم طرس الاستقلال قريباً. ما يلي هو نص الرسالة التي ردّ بها بطريرك روسيا كيريل على رسالة بطريرك القسطنطينية، وقد رأينا في ترجمتها سرداً واقعياً للأحداث ينبغي حفظه للتاريخ في مكتبتنا العربية (المترجم)

صاحب القداسة برثلماوس بطريرك القسطنطينية

لقد قرأتُ، بكثير من الألم والدهشة والسخط، رسالتك التي تعلِمني بها بالأعمال الأخيرة لكنيسة القسطنطينية: قبول المجموعات غير القانونية في أوكرانيا بالشركة؛ “إلغاء” رسالة بطريرك القسطنطينية ديونيسيوس الرابع التي نقلت متروبولية كييف إلى سلطة بطريركية موسكو؛ تنظيم “مجمع محلي” في كييف للمجموعات غير القانونية التي صارت في شركة معكم؛ والعزم على منح صفة الكنيسة الأرثوذكسية المستقلة إلى المؤسسة التي أنشأتَها، في غضون الأيام القليلة المقبلة.

كان من شأن إعادة توحيد المنشقّين مع الكنيسة أن يكون فرحًا عظيمًا للمسيحيين الأرثوذكس في أوكرانيا كما للعالم الأرثوذكسي كله، لو أنه حدث بطريقة تتوافق مع قواعد القانون الكنسي، بروح السلام ومحبة المسيح. ولكن العملية المسيَّسة الحالية للوحدة القسرية بعيدة عن قواعد وروح القوانين المقدسة. لقد تمّ تكديس عدد كبير من الأكاذيب، والآن يُمارَس العنف على الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية الصحيحة. هذه هي نفس كنيسة ملايين المؤمنين الأوكرانيين التي لطالما اعترفتَ بقانونيتها طوال سنوات خدمتك، وحتى وقت قريب جداً. والآن أنت تتظاهر بأنها غير موجودة، وأن هناك فقط بعض الأبرشيات المنفصلة التي عادت تحت أمفوريونك.

لقد أكّد لك مستشاروك أن أسقفية الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية كانت على استعداد لتأييد مشروع سلطات كييف السياسي، وأن عددا كبيراً من الأساقفة القانونيين، بالدزينات، كانوا ينتظرون فقط بركتك للانفصال عن كنيستهم. لقد حذّرتُك مرارًا وتكرارًا من أنك تتعرض للتضليل. الآن يمكنك أن ترى ذلك بنفسك.

اثنان فقط من أصل التسعين أسقفًا من الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية كانا حاضرَين في ما سميّ “المجمع المحلي” الذي عقدتَه أنت وترأسَّه مجموعة من ثلاثة أشخاص – ممثلك، و”البطريرك” الذي سمّى نفسه بهذا الاسم (والذي أصبح له لقب “الفخري” الآن)، والرئيس العلماني للدولة الأوكرانية. إن ما تسمّيه “المجمع المحلي” كان عبارة عن تجمع للمنشقين الذين استخدموا اسم كنيسة القسطنطينية المقدسة كَسِتار. إذا لم يكن هذا تشريعاً للإنشقاق الأوكراني الذي وعدتَ علانيةً بمنعه، فما هو إذن؟

أنت تشير في قراراتك إلى إرادة الشعب الأرثوذكسي في أوكرانيا الذي تزعم أنه يطلب من كنيسة القسطنطينية التدخل. ومع ذلك، فإن إرادة الغالبية الساحقة من الإكليروس والعلمانيين، شعب الكنيسة الحقيقية في أوكرانيا، هي التي ألزمَت رئاسة أساقفة الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية على عدم الاستجابة لدعواتك ورفض المشاركة في ما يسمى “مجمع التوحيد” للانشقاق الأوكراني.

من بين الأسقفين الاثنين من الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية اللذين استقبلتهما في سلطتك بانتهاك للقوانين، واحد فقط كان رئيساً لأبرشية. ومع ذلك، فإن كهنة وشعب أبرشيته لم يقبلوا أفعاله. بعد أن تمّ توقيف المتروبوليت سمعان عن الخدمة، على نحو قانوني، على يد مجمع الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية، بقيت جميع الأديرة في أبرشية فينيتسا والغالبية العظمى من الرعايا مع كهنتها تابعين للرئيس الجديد، رئيس أساقفة فينيتسا وبار بارسانوفيوس. تمارس السلطات المحلية الآن ضغوطاً على كهنة الأبرشية مهددة بمعاقبتهم، لكن الكهنة والرهبان والعلمانيين لا يريدون أن يكونوا في شركة مع أسقف خانهم والكنيسة (صدر في 5 شباط قرار عن المحكمة العليا الأوكرانية بعدم السماح للأسقف الذي انشق بممارسة أي سلطة على الأبرشية- المترجم).

إن الميتروبوليت ألكسندر الذي ذكرتَه والذي أُوقفه المجمع في كييف أيضاً عن الخدمة، كان يرأس كنيسة واحدة فقط. لقد حدث صراع في جماعته، وامتنع غالبية كهنة الكنيسة عن الاشتراك في الصلاة مع الرئيس الذي سقط.

لم يكن القرار المبدئي لرؤساء الكهنة في الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية برفض المشاركة في المجمع الزائف الذي عقدتَه بسبب “ضغط من موسكو”، هذا وهم ومستحيل على أي حال في هذا الوضع السياسي، ولكن تمّ بوحدة رؤساء الرعاة مع كهنتهم ومؤمنيهم. لا يمكن تعريض هذه الوحدة للخطر إما بالتدخلات الفظيعة للسلطات الأوكرانية في حياة الكنيسة الداخلية أو بالضغط على الكنيسة الذي تمارسه الدولة وقد ازداد بشكل كبير في الأشهر الأخيرة. هذه الوحدة لا يمكن إبطالها بجرّة قلم.

أنت تحاول في رسالتك إعادة تفسير معنى مجموعة الوثائق الموقعة عام 1686 من قبل سلفِك البطريرك ديونيسيوس الرابع ومجمع كنيسة القسطنطينية المقدس. لم تثِر مسألة هذه الوثائق التاريخية أي خلافات بين الكنيستين لمئات السنين. والآن أنت تقول إنك “تلغي” الرسالة البطريركية والمجمعية، لأن “الظروف الخارجية تغيّرت”.

لقد اقترحتُ عقد محادثات حول هذه المسألة بمشاركة مؤرّخين رسميين ولاهوتيين وخبراء في القانون الكنسي. لقد رفضتَ، متذرّعاً بضيق الوقت. لا يسعني إلا أن أعرب عن أسفي لأن قراراتك، المدمرة لوحدة الكنيسة، تعتمد كثيراً على “الخارج”، أي على الظروف السياسية التي لست تتردد عن إخباري بها بكل صراحة.

في رسالتك، تكرر مرة أخرى التأكيدات المتنازع عليها التي مفادها أن لكنيسة القسطنطينية “مسؤولية استثنائية لمنح الاستقلال” والنظر في الطعون المقدمة من الكنائس المحلية الأخرى وفقًا لـ”المعنى الروحي” للقوانين 9 و 17 من مجمع خلقيدونية. ومع ذلك، فإن تفسيرك لحقوقك المزعومة لم يكن مقبولاً على مستوى الكنيسة ككل. هناك عدد كبير من الاعتراضات التي ذكرها مفسّرو القانون الكنسي، والتي تتعارض مع فهمك لحقوق كرسي القسطنطينية للنظر في الطعون. فالقانوني البيزنطي البارز يوحنا زوناراس يكتب: “يُعترف ببطريرك القسطنطينية كقاضٍ ليس على جميع الميتروبوليات بل فقط تلك التي تتبعه. لا يمكن استدعاء ميتروبولية سوريا أو فلسطين أو فينيقيا أو مصر إلى المحاكمة ضد إرادتهم، ولكن يتمّ الحكم على هؤلاء في سوريا من قِبَل بطريرك أنطاكية، وفي فلسطين من بطريرك القدس، بينما المصريون يحكم عليهم بطريرك الاسكندرية الذي يقوم بسيامتهم وهم يتبعون له”. ولا حتّى الكنائس الأرثوذكسية المحلية الحالية تعترف بأنك تتمتع بهذا الامتياز.

ولكن، أنت تفترض هذا الحق بشكل غير قانوني، وفي هذه الحالة لم تهتم حتّى بأن تكون متطابقاً مع القوانين الكنسية القائمة التي تحدد أعمال الطرف الذي يتلقى الاستئناف.

من المعروف على نطاق واسع أن ميخائيل دينيسينكو استمر في الخدمة بعد أن أُنزلَت عليه العقوبة الكنسية وتمّ تجريده. وهكذا حرم نفسه من حق الاستئناف، وبحسب الأعراف الأساسية للقانون الكنسي أدان نفسه. لقد عبّرتَ عن موافقتك على تجريد دينيسينكو، على الرغم من أنك تلقيت في ذلك الوقت أول استئناف له. في رسالتك إلى ألكسي الثاني بطريرك موسكو وكل الروسيا، في 31 آب 1992، كتبتَ: “إن كنيسة المسيح العظيمة المقدسة، التي تعترف بملء الاختصاص الحصري للكنيسة الأرثوذكسية الروسية في هذه القضية، تقبل بشكلٍ متساوق القرارات المتعلقة بهذه القضية، ولا ترغب في خلق أي مشكلة لكنيستكم”.

لم يأخذ مجمع كنيسة القسطنطينية المقدس في الاعتبار المشاكل العديدة في التسلسل القانوني والطابع الأخلاقي لـ “الرؤساء” الذين قبلهم في الشركة، على الرغم من حقيقة أن كنيسة القسطنطينية قد أدركت في وقت سابق أهمية حل هذه الأمور لعلاج الانقسام الأوكراني كما تلقّت كل المعلومات اللازمة خلال المفاوضات بين وفود كنائسنا.

حقيقة أنه بموجب القرار الصادر عن مجمعكم تمّت “إعادة” ماكاري ماليتيتش إلى الرتبة الأسقفية تظهر بأي تسرع وتهوّر تمّ النظر في احتكامات المنشقين الأوكرانيين. في رسائلك البطريركية الرسمية، أنت تدعوه “متروبوليت لفوف السابق” وبهذه الصفة شارك بما سمي بـ “مجمع التوحيد”.

في غضون ذلك، دخل ماكاري ماليتيتش في الانشقاق حين كان كاهنًا في الكنيسة الشرعية، ولم يخضع مطلقًا لسيامة أسقفية قانونية. إن “تكريسه” بالإضافة إلى “تكريس”غالبية “أساقفة” ما يسمّى “الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية المستقلّة” التي قُبِلَت في الشركة مع كنيسة القسطنطينية، يعود عِبر أسلافه إلى أسقف مجرّد قد ارتكب هذه الأفعال جنباً إلى جنب مع الدجال فيكتور تشيكالين وهو شماس سابق في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لم يرسم كاهنًا يوماً.

إن قبول هؤلاء الأشخاص في شركة مع الكنيسة دون النظر إلى الظروف المذكورة يقوّض التسلسل القانوني للسيامات وسيكون له عواقب مدمرة على مجمل الأرثوذكسية العالمية.

لقرون عديدة كانت الكنيسة الروسية شاكرة لكنيسة القسطنطينية المقدسة لمساهمتها في تشكيل الأرثوذكسية العالمية، لدورها في التنوير المسيحي للروس الوثنيين، ومساعدتها في تطوير تقاليد الرهبنة والتعليم الديني. في الوقت الحاضر يختبر مؤمنونا في أوكرانيا وفي البلدان الأخرى خيبة أمل مريرة لأن الكنيسة الأم التاريخية لا تسمع أصواتهم.

لقد وصل إلى مقرّك مئات الآلاف من رسائل المؤمنين في أوكرانيا لدعم الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية وطلب عدم تقويض وحدتها. حاولتْ السلطات الأوكرانية إعاقة التسليم في حين تجاهلتَ هذه الرسائل. والآن أنت لا تريد أن تسمع صوت الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية التي تقف على حافة محنٍ جديدة.

فالآن يتم استدعاء الأساقفة والكهنة في أوكرانيا لاستجوابهم بذرائع بعيدة المنال ولابتزازهم، كما يجري تهديد أقربائهم وأحبابهم، ويتمّ تفتيش الكنائس والمنازل، ويمارَس الضغط على الأسر، بما في ذلك الأطفال. وقد صدر في الآونة الأخيرة قانون بهدف حرمان الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية من اسمها من أجل تنفيذ الاستيلاء العنيف على مبانيها تحت ستار “النقل الطوعي للمجتمعات”. هل هذا هو نوع توحيد المسيحيين الأرثوذكس في أوكرانيا الذي تتصوّر؟

لقد تحدثتُ إليك عن خطط كنيسة القسطنطينية على انفراد كما بحضور بعض الشهود. الآن، بعدما تحققت هذه الخطط إلى حد كبير أنا أناشدك أمام الكنيسة الأرثوذكسية بأكملها ربّما للمرة الأخيرة. بهذا العمل أسترشد بوصية ربنا يسوع المسيح: “وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَاذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. إِنْ سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، فَخُذْ مَعَكَ أَيْضًا وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ، لِكَيْ تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ فَقُلْ لِلْكَنِيسَةِ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْكَنِيسَةِ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالْوَثَنِيِّ وَالْعَشَّارِ” (متى 15:18-17).

إن ذبتيخا قداسة بطاركة القسطنطينية تضمّ عشرات الأسماء للاهوتيين كبار غَيورين ومعلمين للتقوى. القديسون غريغوريوس اللاهوتي، بروكلّس، فلافيانوس المعترف، يوحنا الرابع الصوّام، تاراسيوس، ميثوذيوس، فوتيوس، وغيرهم الكثيرين من الذين جلبوا المجد لكنيسة القسطنطينية بخدمتهم. وإليهم كان هناك أولئك الذين جلبوا لها الخزي. لا تدخِلْ اسمك، المحترم حتى الآن، في نفس اللائحة لأساقفة القسطنطينية هؤلاء كنسطوريوس، أناستاسيوس محارب الأيقونات، يوحنا السابع وثيوذوتوس، والاتحاديين يوسف الثاني، ميتروفانيس الثاني ميترفونوس، وغريغوريوس الثالث ماماس.

تراجعْ الآن عن الشركة مع المنشقّين وامتنعْ عن المشاركة في المقامرة السياسية لإضفاء الشرعية عليهم. عندها الكنيسة الأرثوذكسية الأصيلة في أوكرانيا بقيادة صاحب الغبطة أونوفري ميتروبوليت كييف وكل أوكرانيا سوف تباركك، وسيحتفظ التاريخ بذكرك بين رؤساء عرش القسطنطينية الذين تمكنوا في ظل الظروف السياسية الأكثر صعوبة من عدم تحقير الكنيسة بل الحفاظ على وحدتها.

أما إذا كنت ستتصرف تماشياً مع النوايا المنصوص عليها في رسالتك، فسوف تفقد إلى الأبد الفرصة لخدمة وحدة كنائس الله المقدسة، وسوف تخسر كونك الأول في العالم الأرثوذكسي الذي يضم مئات الملايين من المؤمنين، والمعاناة التي فرضتَها على الأوكرانيين الأرثوذكس ستتبعك إلى دينونة ربّنا الأخيرة، وهو الذي يحكم جميع الناس بإنصاف، وسوف تشهد ضدك أمامه.

أصلّي من كلّ قلبي ألاّ يحدث ذلك. لم يفت الأوان للتوقف.

+كيرللس

بطريرك موسكو وكل الروسيا

تصريح الرئيس الأسد ووحدة أنطاكية

الأب أنطوان ملكي

جاء في خبر من وكالة سبوتنيك الكلام التالي: “أعلن مدير مجموعة الصداقة بين البرلمانيين الروس والسوريين، دميتري سابلين، أن الرئيس السوري، بشار الأسد، تحدث عن محاولات لفصل كنيسة أنطاكية في لبنان وسوريا من خلال مطرانية لبنانية مستقلة، مؤكدا ضرورة منع ذلك.” [1] أثار هذا الكلام المنقول عن لسان الرئيس السوري سلسلة من ردود الفعل، غير الرسمية، والتساؤلات خاصة لدى الأرثوذكس اللبنانيين حول معنى هذا الكلام ودواعيه ومندرجاته.

هذه الدراسة هي محاولة لوضع هذا الكلام في مكانه الدقيق على ضوء قراءة المتغيّرات الجيوسياسية التي سمحت في نشوء “الكنيسة الأرثوذكسية المستقلة في أوكرانيا”، وما لهذا الأمر من تأثير على أوضاع الأرثوذكس في العالم، وخاصةً في المناطق التي تشهد تجاذباً بين الروس والأميركيين، كما في الشرق الأوسط تحديداً.

نشاط الدبلوماسية الأوكرانية

بدايةً، لا بدّ من الإشارة، من دون الخوض بالتفاصيل، إلى دور الدولة الأوكرانية في نشوء هذه الكنيسة، حيث أن الرئيس الأوكراني زار بنفسه القسطنطينية طالباً هذا الاستقلال مستنداً إلى تصويت قام به مجلس النواب الأوكراني. ولا بدّ من الإشارة إلى الدور الذي لعبته الدبلوماسية الأميركية على أعلى المستويات دعماً للأوكرانيين بالتصريحات والموفدين.

من جهة موضوع هذا البحث، تلعب الدبلوماسية الأوكرانية دوراً رئيسياً لتأمين اعتراف الكنائس الأرثوذكسية المحلية بالكنيسة المستقلّة في أوكرانيا، من دون أن توفّق بالضرورة إلى ذلك. فحتى الآن لا يعترف بهذه الكنيسة أي من الكنائس المحلية، ما عدا القسطنطينية التي أعطت الاستقلال مدّعية الحق الحصري بإعطائه.

ذكرت وكالة أخبار ريا نوفوستي في الثامن من تشرين الثاني 2018 أن الكنيسة الأرثوذكسية الفنلندية أصدرت بياناً تنكِر فيه ما جاء على لسان الرئيس الأوكراني حول دعم كنيسة فنلندا للكيان الكنسي الناشئ جديداً في أوكرانيا. وما جرى هو أن الرئيس الأوكراني أثناء زيارته لفنلندا قام أيضاً بزيارة رئيس الأساقفة، فأصدر مكتبه الإعلامي بياناً قال فيه أن الكنيسة الفنلندية تدعم إنشاء كنيسة في أوكرانيا مستقلّة عن الكنيسة الروسية. وقد استدعى هذا البيان ردّ رئيس الأساقفة [2].

في التاسع من كانون الثاني 2019، وبحسب وكالة رومفيا اليونانية التي تهتمّ بأخبار الكنيسة الأرثوذكسية، أصدر مكتب رئيس الأساقفة القبرصي بياناً رفض فيه ما ورد على صفحة سفير أوكرانيا في قبرص بأن كنيسة قبرص مستعدة للاعتراف باستقلال كنيسة أوكرانيا واستقبال رئيس أساقفتها الجديد أبيفاني. فقد زار السفير الأوكراني رئيس الأساقفة خريسوستوموس الثاني، ومن ثمّ أصدر بياناً حول الزيارة ذكر فيه هذه المعلومات التي نفاها مكتب رئيس الأساقفة وأكّد أن كنيسة قبرص لن تعترف بما جرى في أوكرانيا. [3]

وفي لبنان أيضاً، كتب سفير أوكرانيا مقالة نشرها في جريدة النهار في 9 كانون الثاني، ونفسها بالإنكليزية نشرتها الدايلي ستار في العاشر من الشهر نفسه، عنوانها “أوكرانيا تعود إلى حضن الكنيسة الأم الأرثوذكسية”. [4] تورِد المقالة سلسلة من المغالطات التاريخية والكنسية التي لا تعني هذه المقالة. أما قمة المغالطة في رسالة السفير الأوكراني فهي في المقطعين الأخيرين حيث يتحدّث السفير عن الكنيسة اللبنانية، ويتوجّه مكلّماً الأرثوذكس اللبنانيين طالباً اعترافهم بالكنيسة الأوكرانية، وكأنّ اللبنانيين هم غير الأنطاكيين الذين صدر عن مجمعهم وعن بطريركهم كلام واضح، في أكثر من مناسبة، يستبعد الاعتراف بالجماعة الناشئة. من جهة أخرى، الأكيد أنّ كلام السفير عن الكنيسة اللبنانية لا ينطبق على الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية، وهي الأقدم في لبنان، كما أن الكلام السياسي عن الجيران الكبار لا يعكس موقف الأرثوذكس اللبنانيين تاريخياً وهم الذين عايشوا كل القوى التي مرّت على لبنان من يوم عرف لبنان الأرثوذكسية.

خلفية كلام الأسد

يقسّم هانتنغتون العالم في “صراع الحضارات” إلى عدة معسكرات ومن بينها المعسكر السلافي-الأرثوذكسي الذي يضمّ بشكل عام أوروبا الشرقية، ويحكي عن صراع الأرثوذكس مع المعسكرات الأخرى. بالاستناد إلى هذا التقسيم، يكون تدخّل الأميركيين في أوكرانيا، سياسياً وكنسياً، تأجيجاً لهذا الصراع. في حديث مع المغبوط الذكر الأب يوحنا رومانيدس أواخر تسعينيات القرن الماضي، حول صراع الحضارات، أكّد أن هذا الصراع قائم لكن جغرافيته تختلف قليلاً عمّا رسمه هانتغنتون. واعتبر الأب رومانيدس أن صراع الأرثوذكس مع الغرب حتمي، لأن الغرب بكل أجنحته وفروعه لم يخرج من العقلية الصليبية. وأبدى الأب تخوّفه من عدم صمود القسطنطينية أمام الضغوط والإغراءات الأميركية، كما ذكر بالأسماء والتواريخ والأماكن أشكال تغلغل الأميركيين في صفوف جماعات التقويم القديم، متخوّفاً من تحوّلهم في وقت ما إلى قوة تعمل على فرط الكنيسة الأرثوذكسية من الداخل مستغلّة تسميتها بالأرثوذكسية ومستفيدة من الدعم الأميركي.

من جهة أخرى، يتّفق الدارسون على أن ما كتبه هانتغنتون لم يكن اجتهاده الخاص، بل قراءته للرؤية الغربية لما سوف يكون العالم عليه [7]. ولتوضيح الرابط بين الأمور، ينبغي الانتباه إلى أن التعاطي مع الأرثوذكس في العالم ككيان جيوسياسي يؤدي حتماً إلى إعطاء الأولية للروس وليس للقسطنطينية صاحبة أولية الشرف، من حيث أن الكنيسة الروسية تشكل حوالي سبعين بالمئة من أرثوذكس العالم. من هنا، أن النظرة الغربية التي لا تفهم المجمعية فعلياً، تعتبر أن كسر الكنيسة الروسية هو كسر للمعسكر الأرثوذكسي، غير الغربي، خاصةً في ظل هذا التناغم الكبير بين الكنيسة والدولة. ومن هنا يُفهَم كلام ميتروبوليت بيريا سيرافيم، وهو لاهوتي وصاحب اختصاص في القانون والاقتصاد والعلوم السياسية، عن أن الأوكرانيين يزجّون بلادهم في ألعاب جيوسياسية بين روسيا والناتو. [5]

إن كلام رومانيدس النبوي في أواخر التسعينيات يظهر واضحاً اليوم في مجريات الأمور في أوكرانيا حيث عبّر الأميركيون على لسان وزير خارجيتهم [6] عن دعمهم لقيام الكنيسة المستقلّة بما تضمّ من جماعات منشقّة واتحاديين اجتمعوا تحت مظلة القسطنطينية، وتجري الآن محاولات فرضهم على العالم الأرثوذكسي، حتّى إذا ما مرّ هذا النموذج يُصار إلى تعميمه بشكل أو بآخر.

كلام الرئيس السوري

يتّضح مما أوردنا أنه فيما تسعى القسطنطينية وأوكرانيا اليوم إلى تأمين اعتراف الكنيسة الأرثوذكسية في العالم بالكنيسة التي أنشؤوها في أوكرانيا، يواكبهم الدعم الأميركي بهدف كسر علاقة الكنائس المحلية بالكنيسة الروسية حتّى ولو استدعى الأمر إنشاء كيانات مشابهة للكنيسة المستقلّة في أوكرانيا، بغضّ النظر عن القوانين الكنسية والوثائق التي تنظّم علاقات الكنائس فيما بينها. فأمام هذا الامتزاج غير الصحي بين السياسة والإدارة الكنسية ينبغي قراءة كلام الرئيس السوري على أنه سياسي استراتيجي صادر عن أعلى سلطة مقاومة للمشاريع الأميركية في الشرق الأوسط.

مندرجات هذا التصريح

إن أهمية هذا التصريح لا تأتي من مصدره وحسب بل من رمزية كنيسة أنطاكية كأقدم وأوسع وحدة في هذه المنطقة التي عانت التقسيم خاصةً منذ الحرب العالمية الأولى. لهذا، المعنى الأول لكلام الأسد هو وجوب التعاطي مع أي انقسام جديد على أنه تطوراستراتيجي، وضروري أن يُجابَه على هذا المستوى.

من جهة الأرثوذكس، من الممكن إهمال هذا التصريح على افتراض أنه لا يعنيهم بل قد يعني أي جماعة أخرى لأن في المنطقة أكثر من خمس جماعات تتخذ اسم كنيسة أنطاكية، على الرغم من حقّ كنيسة أنطاكية الأرثوذكسية بهذا الاسم لكون كل الجماعات الأخرى قد انشقّت عنها. لكن البعض ىقد يرى أن هذا الكلام يعني الكنيسة الأرثوذكسية دون سواها لأنه صدر أمام الوفد الروسي الذي كان يضم رجال دين روس أرثوذكسيين. يبقى السؤال حول الكلام عن الأبرشية اللبنانية بينما في لبنان ستّ أبرشيات أرثوذكسية. وعليه يكون الكلام عن أن المعني هو أبرشية لبنانية محددة اجتهاداً غير دقيق، والقول بأن المقصود هو أبرشية بيروت كلاماً قاصراً، مع كل ما تبعه من تحليل يصنّف مطران بيروت في خانة السياسيين ويوصّف علاقته بهذا النظام أو ذاك.

في الوقت نفسه، لا بدّ من التوقّف عند بعض الأصوات التي وجدت في تصريح الأسد فرصةً للعودة إلى تكرار مقولة فصل الأرثوذكس في لبنان عن سوريا، وهي أصوات تعود إلى الظهور بين الحين والآخر لأسباب مختلفة. ففي السياسة، ينتمي بعض الأرثوذكس إلى خطوط سياسية موالية لأميركا فينادون بفصل لبنان عن سوريا في كل الأمور ومن بينها الكنسية. والبعض الآخر يؤمن بالقومية اللبنانية ويرى أن من حق اللبنانيين أن يكون لهم كنيسة لبنانية على غرار الكنائس القومية الأخرى. وأخيراً هناك مَن يقصّر في استيعاب أن للكنيسة وجهاً بشرياً فيسارع إلى تصنيف أحداث الكنيسة الداخلية ومؤسساتها على ضوء السوري-لبناني والكلام عن “البطرك السوري”، ما يولّد ردّات فعل يسهل استغلالها دعوات إلى الانقسام.

هل من خطر على أنطاكية؟

إذاً، ليس وارداً انقسام بطريركية أنطاكية الأرثوذكسية. هذا أمر واضح جداً في أذهان آبائها وأبنائها. كيف يقبل فصل لبنان عن سوريا مَن يعمل جاهداً على ربط أبرشيات أميركا وأوستراليا وأوروبا بالكنيسة المقيمة؟ لكن، هل يعني هذا أن قيام كنيسة مستقلة، تسمّى أرثوذكسية، غير وارد؟ هنا تكمن خطورة أن يقبل العالم بما جرى في أوكرانيا. فما سُمي كنيسة مستقلة في أوكرانيا هو ثمرة جهد سياسي محض، كما يظهر من كافّة الوقائع، ويؤكّد طبيعته ما تبعه من جهود تقوم بها الدولة الأوكرانية، وتصل حدّ اضطهاد الكنيسة الأصلية أحياناً. إن القبول بما جرى في أوكرانيا يعني أن إقامة كيانات دينية على أسس سياسية وبتدخل مباشر من السياسيين أمر مقبول، وهذا يهدد لا الكنيسة الأرثوذكسية وحسب بل كل المجموعات الدينية في العالم، خاصةً بوجود أنظمة كالبطريركية المسكونية مستعدة لخرق القوانين بمقابل شيء من السلطة أو المال. من هنا أن رفض الكنيسة الأنطاكية الاعتراف بالكنيسة الأوكرانية ليس تبعية ولا مراضاة للروس، بل هو، كما عبّر عنه المجمع الأنطاكي المقدّس في بيانه، وعياً لخطورة “التلاعب بالحدود التاريخية للكنائس” وما قد ينتج عنه ويتبعه من تفسّخ في العالم الأرثوذكسي، خدمة لمصالح سياسيين قصيرة المدى تخاطر بجسد الكنيسة الأبدي.

[1] https://arabic.sputniknews.com/arab_world/201901171038327106

[2] https://ria.ru/20181108/1532325575.html

[3]https://www.romfea.gr/epikairotita-xronika/26319-arxiepiskopos-kuprou-auti-tin-stigmi-den-proexei-i-autokefalia-alla-na-min-dixastei-i-orthodojia

[4] https://www.annahar.com/article/923419

[5] http://www.romfea.gr/epikairotita-xronika/23908-peiraios-serafeim-i-ekklisia-den-prepei-na-ergaleiopoieitai-meso-geopolitikon-sxedion

[6] https://www.state.gov/secretary/remarks/2018/10/286795.htm

[7] Major Alex Osborn British Army (2005) The ‘Clash of Civilisations’ Thesis as a Tool for Explaining Conflicts in the Contemporary World, Defence Studies, 5:3, 394-400, DOI: 10.1080/14702430500492849


تعليق حول مقالة عن الوحدة الأرثوذكسية

تعليق حول مقالة عن الوحدة الأرثوذكسية

الأب أنطوان ملكي

طلب مني أحد الإخوة التعليق على مقالة في مجلة النور، العدد 6 السنة 74، بعنوان من أجل صيانة الوحدة الأرثوذكسية“. قبل أن أباشر بقراءتها لاحظت أنها لكاتب، اسمه ج.غ.، هو نفسه كاتب مقالة أخرى موجودة على صفحة حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة وعنوانها واقع العالم الأرثوذكسي اليوم” (http://mjoa.org/archives/3176).

بدايةً استغربتُ أن مجلة النور تنشر مقالاً من دون اسم. أذكر يوم لم يكن هناك لدينا مصدر آخر غير مجلة النور ننتظره، كان مكتوباً على أولى صفحاتها الكاتب مسؤول عن مقاله الموقّع، ما يعني استحالة نشر ما ليس موقّعاً. إلى هذا، نشر مقال من دون اسم كاتب يعني أن الناشر يتحمّل مسؤولية ما نُشِر.

في هذه المقالة يقدّم الكاتب قراءة للعلاقات الأرثوذكسية منذ 1948 إلى اليوم بهدف الدعوة إلى الانتباه على الوحدة الأرثوذكسية وصيانتها، ولا يأتي على ذكر القطيعة القائمة بين كنيستي أنطاكية واورشليم. كثافة المعلومات الواردة، ولو من دون ذكر المصادر والمراجع، تدلّ على متابعة، فهل يُعقَل أن الذي يعرف كل هذه الأمور لا يتوقف عند قطيعة أنطاكية وأورشليم؟ هذا الإغفال يتماشى في الحقيقة مع موقف القسطنطينية، لا بل يعكسه. وموقف القسطنطينية يقوم على عدم إعارة الأهمية لما يهمّ غيرها. ولهذا لم تعِر القسطنطينية أهمية لموقف أنطاكية ولم تأخذه بعين الاعتبار ما أدى إلى مقاطعة أنطاكية للقاء كريت. من جهة أخرى، يوجد اليوم ميل إلى إسقاط الوجه اللاهوتي عن كل الخلافات والتركيز على الوجه السياسي فيها، ويمكن قراءة هذه المقالة على أنها نموذج لهذا الخط، دون أن أعني أن الكاتب يقصد ذلك. فالتركيز فيها هو فقط على تأثير السياسة، من الحرب الباردة إلى تدخل الأميركيين المباشر السافر بخلع البطريرك مكسيموس وتنصيب أثيناغوراس مكانه، فيما لا يأتي المقال على ذكر المسكونية وتأثيرها في خلخلة الوحدة الأرثوذكسية ولا حتى على العقدة الحقيقية اليوم التي هي ضمّ المنشقين إلى كنيسة القسطنطينية.

ملاحظة مهمة أخرى على هذه المقالة هي أن التأريخ يبدأ فيها من 1948، بينما الاهتزاز الفعلي للوحدة الأرثوذكسية بدأ منذ 1918 وتحديداً مع ظهور ميتاكساكيس على المسرح الكنسي، حيث لم يألُ جهداً لزرع الشقاقات. إن الدراسة المتأنية للفترة الممتدة بين منتصف القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين تظهِر ببساطة أن أهمّ ما هدد الوحدة الأرثوذكسية هو الحركة المسكونية والتي أحد نتائجها تغذية جموح القسطنطينية نحو المنطق الباباوي في الشرق.

بالعودة إلى مقالة واقع العالم الأرثوذكسي اليومعلى صفحة حركة الشبيبة الأرثوذكسية، ففي جزئها الأول عرض وتحليل لآخر المستجدات في قضية أوكرانيا خاصةً لجهة امتداداتها على مستوى كل العالم الأرثوذكسي. الجزء الثاني يعرض موقف كنيسة أنطاكية. هنا الملاحظة هي في الشكل حيث أن الكاتب يورد هذا الموقف من دون تاريخ فيبدو وكأن كنيسة أنطاكية أصدرت هذا الموقف كردة فعل على ما سبق، بينما موقف كنيسة أنطاكية استبق ما جرى وما يُتوقع، وذلك بالتحديد لأن الكنيسة الأنطاكية قرأت قضية أوكرانيا بنفس قراءتها لقضية قطر. فأنطاكية ترى في أوكرانيا كما في قطر تغييراً لجغرافيا الكنائس الأرثوذكسيّة وإقامة لكنائس موازية ضمن الحدود القانونيّة للبطريركيّات وتفرداً لا يتفق مع الإكليزيولوجيا الأرثوذكسيّةوخروجاً على الاجماع وزجّاً للأرثوذكس في الصراعات السياسيّة العالميّة.

نعم! الأرثوذكسية اليوم في خطر. الوحدة الأرثوذكسية اليوم وحدة شكل. على مستوى الرؤساء يباس وفتور. كلهم يعترفون بالحاجة إلى اجتماع ولا يبادرون. كلٌ غارق بهموم كنيسته المحلية وكأن الدنيا تنتهي عندها. من هنا أن المسؤولية المترتبة على مَن يكتب وينشر في هذا الموضوع كبيرة لأن عليه أن يحاكي وعي الشعب المؤمن أو أن يوعيه. ولكي يكون التوعية صحيحة يجب أن تكون النظرة شاملة ودقيقة. المعلومة وحدها لا تبني وعياً خاصةً إذا كانت غير كاملة. الوعي الفعلي هو حين يدرك المؤمنون أن محاربتنا ليست مع لحم ودم بل مع رئاسات هذا الدهر، وبالتالي السلاح الأكثر فعالية هو الصلاة.

ليقمْ الله ويتبدد جميع أعدائه ويهرب مبغضوه من أمام وجهه.