X

بحث في التراث الأرثوذكسي

الإنسان ويوم السّبت*

الأرشمندريت توما بيطار

 

يا إخوة، التّمسّك بيوم السّبت، عند اليهود، جاء إثر السّبي إلى بابل. هناك، وجد اليهود أنفسهم محرومين من الهيكل. والهيكل هو المؤسّسة الّتي حولها كانت تدور حياة اليهود العباديّة. فلمّا بات الهيكل خلفهم، أرادوا مؤسّسة أخرى يتمسّكون بها، تكون تعبيرًا عن إخلاصهم لله؛ فكان السّبت. وقد تفنّن اليهود، لاسيّما الفرّيسيّين، في الأحكام الخاصّة بيوم السّبت. ظنّوا أنّهم، بهذه الطّريقة، يحافظون على هويّتهم كشعب لله؛ فقالوا بأحكام عديدة جدًّا، في شأن الأصول المرتبطة بيوم السّبت. لا يجوز، مثلاً، أن يُشعل اليهوديّ نارًا، يوم السّبت؛ ولا أن يعمل. القطاف ممنوع، يوم السّبت؛ وكذلك السّير إلى مكان بعيد كان. لقد أجاز اليهود للمؤمن أن يسير بعيدًا عن بيته مسافة سبت، فقط؛ أي ما يعادل ستّمئة خطوة.

إذًا، اليهود جعلوا يوم السّبت سلسلة من القيود الّتي فرضوها على أنفسهم. وكانوا، طبعًا، يقرأون الكتاب العزيز. والفرّيسيّون، الّذين يحبّون تحويل الشـّريعة إلى أحكام شكليّة، قالوا بأكثر من ذلك. الفرّيسيّون اعتبروا أنفسهم قيّمين على الشـّريعة، وعلى أحكامها، وعلى كلّ ما يرتبط بها. وكانوا هم، في الحقيقة، الأكثر تأثيرًا بين اليهود. وهم الّذين احتجّوا، هنا، في هذا الإنجيل، على يسوع، لمّا “اجتاز في السّبت بين الزّروع، وجعل تلاميذُه وهم سائرون يقلعون السّنابل”. إذًا، يسوع وتلاميذه كانوا يتحرّكون بحرّيّة، وكانوا يقلعون السّنابل ليأكلوا. هذا اعتبره الفرّيسيّون منافيًا لأحكام يوم السّبت، لأنّه ضَرْبٌ من العمل. يسوع ردّ عليهم بعنف، قال: “السّبت جُعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السّبت”. ما معنى هذا الكلام؟! السّبت جُعل لأجل الإنسان، لأنّ الرّبّ الإله خلق الخليقة في ستّة أيّام، وفي اليوم السّابع استراح. الرّاحة، هنا، كانت تعبيرًا عن الفرح، لأنّ كلّ شيء قد تمّ. والسّبت، أيضًا، هو اليوم الّذي أُعطي للإنسان لكي يشكر، ويفرح، ويتعاطى الكلام الإلهيّ، ويتعاطى، أيضًا، كلّ عمل خير. إذًا، السّبت كان نوعًا من تفرّغ لله، تفرّغٍ للرّكون إلى الله، لشكر الله؛ لأنّ الإنسان، في نهاية المطاف، ليس آلة تعمل، بصورة دائمة. العمل الأساسيّ، الّذي يُفترض بالإنسان أن يقوم به، هو أن يجلس إلى ربّه بعمل الخير، بالكلمة الإلهيّة، بالشـّكر، بالتّسبيح… لذا، السّبت كان، بمعنًى من المعاني، تخطّيًا لِما هو من هذا الدّهر إلى ما هو من الدّهر الآتي. المهمّ أن يعمل الإنسان عمل الله، في كلّ حين. وفي السّبت، بخاصّة، يتروّض الإنسان على عمل الله، وعلى أن يكون في عشرة مع الله، أن يذكر الله، أن يسبّح الله، أن يمجّد الله… والإنسان يمجّد الله بكلّ عمل صالح، وبالشـّكر والتّسبيح. الإنسان، في الحقيقة، ليس إنسانًا عاملاً، في هذا الدّهر، أي إنّه ليس إنسانًا يعمل، بصورة دائمة، في أمور هذا الدّهر. الإنسان، في الحقيقة، هو إنسان عابد، هو إنسان مُسبِّح، هو إنسان ليتورجيّ، هو إنسان يشكر… إذًا، هذا الإقبال على ما هو لله كان هو جوهر يوم السّبت، وكان يحمل في طيّاته نَفَسًا من ملكوت السّموات، من عشرة الإنسان الكاملة والأبديّة مع الله. من هنا، الإنسان يفرح بالملكوت، منذ الآن؛ ويتروّض على عشرة الله، منذ الآن، في كلّ عمل، وقول، وفكر… لكن، أيضًا، الأمور تأتي في زمن، تتمّ في زمن. لذلك، إذ يتفرّغ الإنسان، بالكامل، لوجه ربّه؛ يعبّر، في الحقيقة، عن توقه إلى أن يكون مع الله، أوّلاً وأخيرًا. المهمّ أن يملأ ذِكرُ الرّبّ الإله ذهنَ الإنسان، وفكرَه، وقلبَه. السّبت، إذًا، هو هذه النّفحة الإلهيّة، الّتي أُعطيت لنا، حتّى نكون مع الله، بصورة متواترة. لكنّ الفرّيسيّين جعلوا السّبت فروضًا وحملاً ثقيلاً؛ بدلاً من أن يخفّف عن الإنسان، يثقّل عليه؛ وبدلاً من أن يفرّح قلب الإنسان، يجعله في الغمّ والضّيق: افعل هذا، ولا تفعل ذاك؛ تحرّك إلى هنا، ولا تتحرّك إلى هناك… وهذه أمور شكليّة، لا قيمة لها؛ لأنّها لا تعطي الإنسان فرصة لأن يفتح قلبه وكيانه للرّبّ الإله، وأن يستمدّ منه نعمة، وأن يشتاق إليه، وأن يسعى لعبادته وشكره، في كلّ آن.

إذًا، السّبت جُعل لأجل الإنسان. والإنسان، في الحقيقة، جُعل لأجل الملكوت! لكن، هنا، الكلام أنّ الإنسان صار لأجل السّبت – وهذا ما نفاه، طبعًا، الرّبّ يسوع – يشير إلى تحويل السّبت إلى قيد للنّاس، بدلاً من أن يكون إطلاقًا لهم في ضروب الحرّيّةِ: حرّيّةِ الرّوح، وحرّيّةِ القلب؛ الحرّيّةِ، في الحقيقة، من الدّهريّات، والانطلاق في الإلهيّات؛ لأنّ الإنسان، فقط، إن عرف الله، صار حرًّا: “تعرفون الحقّ، والحقّ يحرّركم”. إذًا، اليهود، لا سيّما الفرّيسيّين، قتلوا السّبت، وقتلوا الإنسان من خلال السّبت؛ جعلوا عليه قيدًا؛ فقيّدوه، وخنقوه، وظنّوا أنّ لهم في ذلك حياة، وكانوا أغبياء! السّبت يعبّر عن نفسه، بخاصّة، بين النّاس، بعمل الخير. لذا، دخل يسوع المجمعَ، في السّبت، أيضًا، وكان هناك إنسان يده يابسة، وكانوا يراقبونه هل يشفيه في السّبت، لكي يشكوه. انتبهوا لهذا الأمر! لم يكن هَمُّ الفرّيسيّين ما إذا كان يسوع من الله أم لا، ولا كان همّهم أن يُشفى إنسان يده يابسة. تمسّكهم بشكليّات الأمور خنق فيهم الرّوح! خنق فيهم الحسّ! كانوا يعرفون، نظريًّا، أنّ الإنسان لا بدّ من أن يكون من الله، إن شفى أحدًا يدُه يابسة. لكنّ الحفاظ على شكليّات السّبت ارتبط فيهم بالقلق، والخوف، والاضطراب؛ حتّى إنّهم فقدوا الإحساس بالإلهيّات! الإنسان، أحيانًا، يتمسّك بشكليّات الأمور، إلى حدّ أنّه يقتل الرّوح، فلا يحسّ بعمل الرّوح، من بعد، بأيّ شكل من الأشكال. هذا، بالضّبط، ما حدث للفرّيسيّين ولليهود: “كانوا يراقبونه هل يشفيه في السّبت لكي يشكوه”! بدلاً من أن يمجّدوا الله، صار همّهم أن يسجّلوا عليه وقوعه في ما اعتبروه محظورًا، أن يأخذوا عليه مخالفته لأحكام يوم السّبت! وأحكام يوم السّبت هذه اختراع من النّاس، لا من الله. إذًا، مات في اليهود الإحساسُ بالخير: الإحساس بالله، ومن ثمّ الإحساس بالإنسان. كلّ مفهوم الصّلاح والخير تغيّر، نتيجة ذلك. الإنسان، إذا ما تحوّلت حياته إلى مجموعة من الأحكام الشـّكليّة يسلك فيها؛ لا يبقى، إذ ذاك، إنسانًا! يفقد حتّى إنسانيّته، يفقد شعوره الإنسانيّ! لا يفقد، فقط، شعوره من جهة الله؛ إنّما يفقد، أيضًا، شعوره من جهة الإنسان!

طبعًا، إذا ما شاءت الكنيسة أن تجعل هذا الإنجيل في هذا اليوم بالذّات، أي في السّبت الأوّل من الصّوم؛ فالقصد أن نحذر لكي لا نقع، ونحن سائرون في الصّوم، في ما وقع فيه اليهود! نحن، إن أكلنا، فلا نزيد؛ وإن لم نأكل، فلا ننقص! الموضوع ليس، أبدًا، موضوع الامتناع عن الطّعام. الموضوع ليس، أبدًا، موضوع إتمام مجموعة من الفروض: أن نأتي، مثلا، كلّ يوم، إلى الكنيسة لنشترك في صلاة النّوم الكبرى، أو في القدّاس السّابق تقديسه… الموضوع ليس موضوع واجبات! لا يمكننا أن نحوّل ما رتّبته الكنيسة إلى أحكام شكليّة! حتّى لو أتممنا الصّيام والانقطاع عن الزّفر كما يليق، إذا لم يتغيّر في قلوبنا الإحساس من جهة وقفتنا قدّام الله، وقدّام النّاس، وقدّام أنفسنا؛ وإذا لم يَنْمُ، نتيجة الصّوم، إحساسُنا بأنّنا بشر خطأة، وبأنّنا لا نحبّ كفاية، وبأنّنا لا نطيع الله كما يليق؛ وإذا لم يكن لدينا سعي لفتح صفحة جديدة في علاقتنا بالله، في محبّتنا لله؛ وإذا لم نفتح صفحة جديدة في سلوكنا في رحمة النّاس، في الصّدقة الّتي نتعاطاها مع النّاس؛ وإذا لم نفتح صفحة جديدة في نظرتنا إلى أنفسنا؛ فإنّنا، بلا أدنى شكّ، نتمّم فروض الصّوم الشـّكليّة، لكنّ النّتيجة تكون أنّنا نشعر بالبِرّ الذّاتيّ، وبأنّنا أتممنا فروضنا كما يليق؛ ومن ثمّ، قد صرنا على قاب قوسين وأدنى من ملكوت السّموات. وهذا كذب! المهمّ أن يتغيّر القلب. المهمّ، إذا كنّا لا نحبّ الآخرين كفاية، أن نمتدّ صوبهم، أن ننعطف عليهم. المهمّ، إذا كنّا، في السّابق، قد فترنا من جهة علاقتنا بالله، أن نستعيد حرارة الوقوف قدّام الله، أن نستردّ الإحساس بأنّنا لا نستحقّ أن نكون عبيدًا لله. إذا لم نحقّق شيئًا من هذا كلّه، فإنّ فروض الصّوم لا تنفعنا شيئًا.

إذًا، علينا أن نحذر لئلاّ يصير الصّوم سبيلاً إلى الغطرسة، والبرّ الذّاتيّ، وإدانة الآخرين، والشـّكليّات. لذلك، نحن نخفي كلّ ما نصنعه في الصّوم، سواء امتناعًا عن الطّعام كان، أم إحسانًا إلى النّاس، أم عبادة لله… كلّ تفصيل من تفاصيل حياتنا في الصّوم ينبغي أن يكون لدينا مجالاً للتّملّؤ من حضرة الله، للتّملّؤ من الوعي بأنّنا بشر في حاجة إلى تنقية، وأنّ الرّبّ الإله هو مُنقّينا! وللتّملّؤ، أيضًا، من الإحساس بوجود الآخرين، من الإحساس بمحبّة الآخرين، برحمة الآخرين… هذا كلّه هو المُرتجى، وهو ما علينا أن نسعى إليه، لكي يكون صومنا لأجل الإنسان، ولا نكون نحن لأجل الصّوم. نحن لسنا لأجل الصّوم! هناك، ربّما، مَن يظنّ، في الكنيسة أو في خارجها، أنّه، إن تمّم فروضًا معيّنة؛ فإنّه يقتني الملكوت. وهذا كذب. المهمّ أن تتغيّر قلوبنا، أوّلاًَ وأخيرًا، وأن نصير جُدُدًا، وأن نمتلئ من روح الله. إذ ذاك، يتسلّل الفصح إلينا، لكي يقيم فينا؛ فنفهم، حينئذٍ، معنى الحياة الجديدة، ومعنى القيامة في الرّوح!

فمن له أذنان للسّمع، فليسمع.

*  عظة حول مرقس 2: 23- 28، 3: 1- 2 في السّبت 7 آذار  2009

 

 

admin:
Related Post