X

بحث في التراث الأرثوذكسي

*لا تفعل بنفسك سؤاً

الأب أنطوان ملكي

نقرأ في كتاب أعمال الرسل أن الرسل غالباً ما يتعرّضون في بشارتهم إلى ثورة وهياج مجامع اليهود عليهم. في قراءة اليوم، نجد أن مصدر التعرّض هو امرأة بها روح شرير تشوّش على الوعظ والخدمة بصراخها أياماً كثيرة. ونقرأ أن الرسول بولس ضجر من محاولاتها، لا بمعنى الضجر أي عدم الاحتمال من التكرار، بل هو خاف من أن يظن الناس أن المسيحية التي يبشر بها على علاقة بالعرافة الشيطانية أو هي نوع منها ويختلط الأمر في أذهانهم لأن عقليتهم هي أقرب إلى عا النوع من الأشياء منها إلى الأمور السامية التي تحملها المسيحية. فالشيطان الذي حرّك الجارية التي كانت مستعبَدَة له، شأن كل العرّافين في كل الأزمان، لم يحرّكها إلى مهاجمة الرسل والبشارة بل إلى الشهادة لها، لذا هي تصرخ بأقوال توافق الإيمان وتشهد للرسل ولبشارتهم

قد تكون الجارية تبعت الرسل ظنّاً بأنها قد تنال منهم أجرة أو مديحًا علنيًا إذا أعلنت عنهم. لكن الآباء الذين فسّروا هذه المقطع من الكتاب المقدس يرون أنها أرادت الشهادة حتى متى قبِل الناس شهادتها علانية تعود فتضلّهم. فهي تنطق بالحق لا حبّاً بالحق بل كفخٍ لإسقاط سامعيها في الضلال على غرار ما كانت تقوم به الشياطين حين تتبع السيد صارخة: “هذا هو قدوس الله”. لهذا منعها الرسول بولس من الكلام، لأنها تكلمت بخبثٍ لتجعل من نفسها موضع ثقة. إن عملها يجمع الرياء إلى قلة المعرفة، فالرب يسوع لا يقبل شهادة إنسان (يو 5: 34)، فكم بالأولى لا يقبل شهادة شيطان أو ممن يتعاملون معه على ما يرد في حكمة ابن سيراخ “التسبيح لا يليق بفم الخاطئ” (9:15)

الحدث الذي نتحدث عنه ليس مشهداً من الماضي بل هو مشهد يتكرر كل يوم في زماننا الحالي. كثيرة هي مصادر التشويش على الإيمان التي في البداية تشهد، شكلياً أو بشكل مجتزئ للإيمان، حتّى يطمئن إليها السامعون ويثقون بها، فتنتقل إلى المرحلة التالية حيث يرتفع منسوب الثقة وتتحرر من شك السامعين فتضللهم. إن خبث عدو الله يتخفّى في زماننا تحت أشكال مختلفة، وهو غالباً ما يأخذ ستار الدين، فيبدو في الفترة الأولى شاهداً للمسيحية، حتى متى وثق الناس به يبدأ بتضليلهم والهجوم على تفاصيل الإيمان المسيحي، فتبدأ العثرة بالتشويش ومن ثمّ يأتي التشكيك حتى ينتهي الإنسان في العثرة. هذا التوصيف ينطبق على محطات التلفزة والراديو المتعددة التي لا تنتمي إلى الكنيسة كما ينطبق على البدع والشيع التي قد تطرق أبوابنا، أو قد نلتقي بأفرادها أو بالمتأثّرين بهم في أي مكان في حياتنا اليومية. ولا ينطبق هذا الحال فقط على مَن هم خارج الكنيسة بل أحياناً على مَن فيها، من رعاة أو من مؤمنين. فكل راعٍ لا يتّبع الدقة في عمله الرعائي والأسراري بل يبتدع يكون بمثابة هذه الجارية. فهو يشهد بلسانه مستفيداً من ثقة المؤمنين لكن نتيجة عمله الفعلية هي التشويش والتضليل. وكل مؤمن من الذين لا يألون جهداً في استجرار الممارسات والأفكار من خارج الكنيسة إليها، وفي انتقاد تعليمها والتركيز على ضعفات رعاتها، يكون بمثابة هذه الجارية التي انتهرها الرسول بولس

لا يأتي تفسير هذه القراءة للفت النظر إلى وجود مشكلة وحسب بل للإضاءة على حلها. فالتخبّط الروحي لإنسان القرن الحادي والعشرين واضح، أما دور الكنيسة اليوم، برعاتها وشعبها، فهو أن تحمل الصرخة التي نادى بها الرسول بولس السجّانَ لكل الناس في كل العالم: “لا تفعل بنفسك سؤاً”، إذ إنه لا يقدر أحد أن يؤذي الإنسان ما لم يؤذِ هو نفسه. إن دور الإيمان هو فتح عيني الإنسان حتى يكون موقفه كمثل ذلك السجّان أيضاً: “ماذا ينبغي أن أصنع لكي أخلص؟” هنا لا بدّ للكنيسة بمؤمنيها أن تكون واقفة إلى جانب هذا الإنسان لتقول له: “آمِنْ بالربّ يسوع المسيح فتخلّص” فترشده إلى الإيمان وتدعوه إليها قائلة: “تعالَ وانظرْ”

 تأمّل في أعمال الرسل 16:16-34، القراءة في أحد الأعمى*

admin:
Related Post