X

بحث في التراث الأرثوذكسي

هل يحيا المسيح داخلك؟

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

لن نتطرّق إلى السؤال إن كنت تذهب إلى الكنيسة في الأعياد، أو إن لم تهمل تعميد أطفالك، أو إن كنت تصلّي في المنزل… قد يمارس المرء هذه الأشياء كلّها، ولكنّنا، رغم ذلك، نتوجّه إليه بهذه الأسئلة التي لا بدّ منها لكلّ مؤمن ليفحص نفسه على ضوئها: هل يعيش المسيح معك في المنزل مع عائلتك أو مع أهلك؟ هل الإيمان المستقيم هو حيّ في أفراد عائلتك في عصرنا الحاضر؟ هل تسود محبّة الربّ داخلكم؟ هل تعيش الرحمة الحقيقيّة؟ هل للتواضع مكان في قلوبكم؟ هل لنعمته وللعلاقة الحميمة معه وجود في بيتكم؟
أظنّ أنّ الجواب على هذه الأسئلة هي المشكلة الكبرى التي نعاني منها جميعاً.
لو يتساءل كلّ واحد منّا، أو يسأل أفراد عائلته إن كان المسيح يحيا فيه، ترى ماذا سيكون الجواب؟
أنت، يا أخي ويا صديقي، هل تحسّ بالمسيح في داخلك، وكيف تحسّ به؟ هل هو قريب منك أو بعيد عنك؟ هل أوقاتك مفعمة بالروح الإلهي، روح المسيح الحيّ؟ وهل تشعر بروحه حيّاً، قويّاً داخلك، وهل يغمرك هذا الروح مرّة أو مرّتين أو ثلاث مرّات على الأقلّ في العام؟ هل تشعر بحلاوة الخدم الكنسيّة التي تواظب على حضورها، هذا إن كنت فعلاً مواظباً، كخدم الفصح، مثلاً، أو الميلاد، أوهل تتبخّر هذه الحلاوة بمجرّد خروجك من الكنيسة؟
بالحقيقة، يا أخي، لا يوجد نصف حضور للمسيح. فإمّا أنّ يحلّ فيك بملئه، ويحيا داخلك، ويعيش معك في كلّ لحظات يومك وحياتك، أو إنّه لا يحيا، وبالتالي، فأنت لا تتنفّس الحياة الحقيقيّة، بل، ولا تحسّ بملء الحياة الحقيقيّة.
إن كان المسيح يحيا فيك، ستكون محبّتك حقيقيّة وفعليّة لا بالكلام فقط.
إن كان المسيح يحيا فيك، سوف تحسّ بالفرح، وسيكون فرحك حقيقيّاً حتّى إنّك لا تستطيع أن تطرده خارجاً عنك مهما طرقت بابك المصاعب.
إن كان المسيح يحا فيك، ستكون لحظات حياتك وساعاتها وأيّامك مملوءة بالمغزى، وتعرف من أين أتيت، وإلى أين سينتهي المطاف بك، ولا تعود تفتّش عن صدف نجاح في الحياة، لأنّ لك هدف واضح أمامك تسير نحوه.
إن كان المسيح يحيا فيك، فلن تُطغِكَ الأحزان والمشاكل، وحتّى المصائب، بل تخرج منها كما يخرج الذهب من كور النار نقيّاً لامعاً، وثميناً.
إن كان المسيح يحيا فيك، سيهيمن السلام داخلك، ملء السلام. ولا تعود مهمّات الحياة تقلقك، أو تأمين ضروريّاتها يربكك، وحتّى الخوف من المستقبل والمجهول لا يخيفك، لأنّك وضعت كلّ ثقتك في محبّته، محبّة الآب السماويّ.
إن كان المسيح يحيا فيك، ستغدو مسامحة الآخرين ضرورة حياتيّة معاشة، لأنّ ذاك الذي يستريح داخلك، في قلبك، في نفسك، ويتردّد اسمه على شفتيك هو الذي سيكرّر لك قوله: “يا أبتاه اغفر لهم لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون”.
إن كان المسيح يحيا فيك، سوف ترى عجائبه في كلّ مجريات حياتك اليوميّة، هذه العجائب التي لا يستطيع الآخرون رؤيتها، وإن رأوها، لا يفهموها مدّعين بأنّها “من صدف الحياة”.
إن كان المسيح يحيا فيك، في فكرك، في قلبك، يحيا أيضاً في كلّ ما تجابهه في يومك مهما كانت الظروف أو الأحوال أو الطوارئ.
إن كان المسيح يحيا فيك، سوف تجده معك عندما تكون في المنزل، في المكتب، أو في أيّ مكان عمل لك. ويرافقك أيضاً حتّى عندما تكون في عطلة من أعمالك.
إن كان المسيح يحيا فيك، تغدو حياتك كلّها صلاة واحدة. تعيش حياة روحيّة قويّة وحارّة ومنتصرة على ذاتك وأناك، حياة نعمة، لأنّه بصلاتك تتّحد مع الله الآب، وتتلقّف من لدنه ملء المحبّة الإلهيّة، المحبّة التي تُفرغ الذات من ملئها لتمتلئ من ملئه هو.
إن كان المسيح يحا فيك، سوف تتذكّر على الدوام إكليل الظفر الذي سيكلّل يوماً هام المجاهدين الأمناء محبّة بالمسيح.
أرأيت، إذاً، يا أخي ويا صديقي، أنّ كلّ شيء ، الآن وفي المستقبل، أيّ في الحياة الحاضرة وفي الأبديّة، سيكون على أحسن ما يرام إن كان المسيح يحيا داخلك.
قد تقول لي: إنّي أتردّد على الكنيسة بانتظام، وأنا إنسان صالح لا أؤذي أحداً، ولا أرتكب أيّة جرائم، ولا أقوم بما يسيء إلى القريب، ولا أتفوّه بالأكاذيب، ولكنّي، مع ذلك، لا أحسّ بأنّ المسيح يحيا فيّ، فأنا لا أراه، ولا أجده إلاّ في الكنيسة، فأيقونته هناك تجعلني أعي وجوده، وأحسّ بحضوره، وأمّا في الخارج، فأين أجده؟!! إنّي أقدّم إحساناً للفقراء، وبخاصّة في الأعياد الكبرى، وأحس بذلك بالفرح… ولكنّه فرح لا يدوم طويلاً… وبالإجمال، فأنا أفضل من كثيرين أعرفهم وأعيش معهم، فأنا لست، مثلاً، مثل…
توقّف، يا صديقي، توقّف، لأنّك سوف تقع في سقطة الفرّيسيّ الذي كان يصلّي مع العشّار ويقول: “أنا لست مثل هذا العشار”. ألعلّك تريد أن أن تعرف كيف، أو إلى ماذا تحتاج كي يحيا المسيح داخلك؟ ها أنا أقول لك، فاسمعني:
الخطوة الأولى هي أن تتوب توبة صادقة وحقيقيّة، وأن تعرف خطاياك لا بيأس بل بتواضع العشّار، وأن تعترف بها أمام الله، لأنّك باعترافك هذا تربح رحمة الله. واعلم أنّك بصلاتك وتضرّعك إلى الله تجعله السيّد الوحيد لحياتك، وهكذا ترتمي في أحضانه، واضعاً حياتك بين يديه من دون شروط. وأخيراً إن استسلمت لإرادته قائلاً له في كلّ أمر “نعم” سوف يهتمّ هو بكلّ حياتك، حتّى بصغائر الأمور وتفاصيلها، لا بل، وبكلّ شيء.
أرأيت، يا صديقي، كلّ هذا يتوقّف على مدى صحّة علاقتك مع المسيح، وتسليمه المستمرّ لحياتك، وإيمانك المطلق بمحبّته، واستمراريّة تواصلك معه بالصلاة والمطالعة، وتطبيق الوصايا والاشتراك بأسرار الكنيسة وبخاصّة سرّ الشكر الإلهيّ.
أتمنّى، يا أخي ويا صديقي، أن نتمكّن، أنا وأنت، من أن نجيب بصدق وثقة على السؤال: هل يحيا المسيح داخلك؟ بكلمة (نعم) يحيا المسيح فيّ ومعي، وهيّا لتراه حيّاً فعّالاً من خلال حياتي وأفعالي وإيماني…
أسأل الربّ أن يعضدك، يا أخي ويا صديقي، وليكن هو حياتك. آمين

admin:
Related Post