X

بحث في التراث الأرثوذكسي

الكتاب المقدس والبدع

الأب جورج عطية

 

1- موقف العهد القديم من الأنبياء الكذبة:

لم تستعمل أسفار العهد القديم اصطلاح البدع، بخصوص التعليم الكاذب الذي لا يتفق مع مشيئة الله. وإنما أدانت بشدة ماسمتّه النبوءات الكاذبة، حيث كان هناك نوعان من الأنبياء الكذبة الذين ادعوا أنهم يتكلمون باسم الإله، وهما:

1- الأنبياء الوثنيون الكذبة مثل أنبياء البعل وأنبياء السواري أيام النبي إيليا الذين كانوا يأكلون على مائدة الملكة ايزابل الوثنية، امرأة الملك أخاب، ويضللون الشعب”.

2- الأنبياء العبرانيون الكذبة، مثل حننيا بن عزور الذي تنبأ بالكذب أيام أرميا النبي ليرضي الملك والشعب فقال له: “اسمع يا حننيا. إن الرب لم يرسلك وأنت قد جعلت هذا الشعب يتكل على الكذب. لذلك هكذا قال الرب. ها أنذا طاردك عن وجه الأرض. هذه السنة تموت لأنك تكلمت بعصيان على الرب. فمات حننيا النبي في تلك السنة في الشهر السابع”.

موقف الله الصارم تجاه كلا النوعين من الأنبياء الكذبة، يلخِصّه قوله الواضح في سفر تثنية، من بين أمور أخرى:

“وأما النبي الذي يطغي فيتكلم باسمي كلاماً لم أوصهِ أن يتكلم به، أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى، فيموت ذلك النبي …”.

2- موقف العهد الجديد من الأنبياء والمعلمين الكذبة:

جاء كلام الله أعلاه في العهد القديم، المكتوب في سفر التثنية (أي: “وأما النبي الذي يطغي…”) تكملة مباشرة لنبوءة يعلنها موسى عن نبي من نوع خاص يقيمه الله. الذي وإن كان إنساناً من وسط أخوته مثله، إلا أنه كان أيضاً حاملاً لصوت الرب الإله نفسه، مخفٍ لناره العظيمة التي تميت:

“يقيم لك الرب إلهك نبياً من وسطك من أخوتك مثلي. له تسمعون. حسب كل ما طلبتَ من الرب إلهك في حوريب يوم الاجتماع قائلاً لا أعود أسمع صوت الرب إلهي ولا أرى هذه النار العظيمة أيضاً لئلا أموت قال لي الرب قد أحسنوا فيما تكلّموا. أقيم لهم نبياً من وسط أخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمّهم بكل ما أوصيه به. ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه. وأما النبي الذي يطغي…”.

ولذلك فكما أنذر الله في العهد القديم الأنبياء الكذبة، يحذِّر أيضاً نبي العهد الجديد، الذي هو الرب يسوع نفسه، من الأنبياء الكذبة:

“احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة”.

“لأنه سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلّوا لو أمكن المختارين أيضاً”.

كما يعطي مثل الزوان المزروع في وسط الحقل. ليؤكد هذه الحقيقة، أن إبليس يزرع دائماً زواناً (الذين هم بنو الشرير) في وسط الزرع الجيّد الذي زرعه ابن الإنسان في الحقل الذي هو العالم.

لذلك عندما أرسل رسله كي يبشروا جميع الأمم ويعمدّوهم أوصاهم أن يعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصاهم به”.

من هنا كان هاجس الرسل دائماً أن يشدّدوا على المحافظة على الوديعة الشفهية والمكتوبة التي سلّموها ومنها قول الرسول بولس:

“فاثبتوا إذاً أيها الأخوة بالتسليمات (paradosis) التي تعلمتموها سواءً كان بالكلام أم برسالتنا”. أو “تمسّك بصورة الكلام “الصّحيح” الّذي سمعته منّي في الإيمان والمحبّة التّي في المسيح يسوع. إحفظ الوديعة الصّالحة بالرّوح القدس السّاكن فينا”.

وهنا نلفت الانتباه أنّ صفة الصّحيح (uJgiaivnousa) والتّي تلازم عادة “الكلام” أو “التعليم” عند الرّسول بولس هي مرادفة لصفة “القويم” أو “الصّحيح” (ojrqhv) والتّي تلازم عادة “الرأي” مشكلة معه صفة واحدة “القويم الرّأي” (ojrqovdoxoò). هذه الصّفة الأخيرة أي الأرثوذكسيّ سوف يستعملها آباء الكنيسة كثيراً ليصفوا بها من تمسّك بصورة “الكلام الصّحيح” الّذي تسلّمته الكنيسة عن الرّسل، على عكس المبتدعين الّذين تبنّوا بدعة أو هرطقة (aJivresiò) أي ابتدعوا رأياً غير قويم لم تتسلّمه الكنيسة عن الرّسل.

وعلى ذكر البدع والانحرافات عن التّسليم الرّسوليّ، فمن المعروف للجميع موقف الآباء الصّارم والثّابت ضدّها في جميع عصورهم، والّذي ينتقدهم عليه كثيرون من المسيحيّين في زمننا الحاضر لأسباب مختلفة، وحتّى يستهزئون به. وهنا لا بدّ من التّوضيح أوّلاً أنّ موقف الآباء هذا لم يكن موقفاً خاصّاً بهم ابتدعوه هم، بل كان موقف الرّسل ذاته الّذي تسلّموه عنهم. وقبل الكلّ كان موقف ربّ الجميع الإله المتجسّد يسوع.

هاهو الرّسول بولس يؤكّد لأعضاء الكنائس – وفقاً لما تسلَّمه من الرّبّ – أنّه لابدّ أن يكون بينهم بدع، وأنّه “سيدخل بينهم ذئاب خاطفة لا تشفق على الرّعيّة”، وحتّى من بين شيوخ الكنيسة نفسها “سيقوم رجال يتكلّمون بأمور ملتوية ليجتذبوا التّلاميذ وراءهم”. “لأنّه سيكون وقت لا يحتملون فيه التّعليم الصّحيح بل حسب شهواتهم الخاصّة يجمعون لهم معلّمين… فيصرفون مسامعهم عن الحقّ وينحرفون إلى الخرافات”.

وبالفعل ظهرت في أيّامه جماعات انحرفت عن “التّعليم الصّحيح” الّذي سلّمه الرّسل مثل الّذين تمسّكوا بالنّاموس اليهوديّ كشرط أساسيّ للخلاص، أو خضعوا لتأثيرات فلسفيّة أو وثنيّة مثل أصحاب المعرفة (gnw`siò الغنّوصّيين) وغيرهم. لهذا كان موقفه حازماً غير متساهل تجاه هؤلاء جميعاً، مع تشديده المستمرّ على التّمسّك بتعلّم الرّسل الصّحيح والمحافظة على الوديعة:

“وأطلب إليكم أيّها الإخوة أن تلاحظوا الّذين يصنعون الشّقاقات والعثرات خلافاً للتّعليم الّذي تعلّمتموه واعرضوا عنهم. لأنّ مثل هؤلاء لا يخدمون ربّنا يسوع المسيح بل بطونهم. وبالكلام الطّيّب والأقوال الحسنة يخدعون قلوب السّلماء”.

“إنّي أتعجّب أنّكم تنتقلون هكذا سريعاً عن الّذي دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل (بشارة) آخر ليس هو آخر غير أنّه يوجد قوم يزعجونكم ويريدون أن يحوّلوا إنجيل المسيح. ولكن إن بشّرناكم نحن أو ملاك من السّماء بغير ما بشّرناكم فليكن أناثيماً. كما سبق فقلنا. أقول الآن أيضاً إن كان أحد يبشّركم بغير ما قبلتم فليكن أناثيماً.

“يا تيموثاوس احفظ الوديعة معرضاً عن الكلام الدّنس ومخالفات “المعرفة” (gnw`siò) الكاذبة الاسم الّتي إذ تظاهر بها قوم زاغوا من جهّة الإيمان”.

“الرّجل المبتدع بعد الإنذار مرّة ومرّتين أعرض عنه عالماً أنّ مثل هذا قد انحرف وهو يخطئ محكوماً عليه من نفسه”.

وهاهو بطرس الرّسول يؤكد تحقيق أقوال المسيح الرّبّ عن ظهور الأنبياء الكذبة في العهد الجديد. ومن يكون هؤلاء سوى المعلّمين الكذبة الّذين يقولون للنّاس كذباً باسم الرّبّ ما يودّون سماعه؟ أي ما يتّفق مع أهواء سامعيهم وشهواتهم، لا ما يتّفق مع مشيئة الرّبّ؛ تماماً كما كان يفعل الأنبياء الكذبة في العهد القديم. لذلك يجلبون على أنفسهم وعلى الكثيرين الّذين يتبعوهم هلاكاً سريعاً:

“ولكن كان أيضاً في الشّعب أنبياء كذبة كما سيكون فيكم أيضاً معلّمون كذبة الّذين يدسّون بدع هلاك وإذ هم ينكرون الرّبّ الّذي اشتراهم يجلبون على أنفسهم هلاكاً سريعاً وسيتبع كثيرون تهلكاتهم الّذين بسببهم يُجدف على طريق الحقّ”.

ولماذا يكذب الهراطقة باسم الرب؟ الدافع الحقيقي هو أيضاً أهواؤهم وشهواتهم ولذلك “يرتدون عن الوصية المقدسة المسلمة لهم” التي تؤدي إلى الحياة، فيواجهون الدينونة الحتمية والهلاك الأبدي:

“وهم في الطمع يتجرون بكم بأقوال مصنعة الذين دينونتهم منذ القديم لا تتوانى وهلاكهم لا ينعس”.

وهاهو يهوذا يخصّص رسالته الوحيدة كلها تقريباً للموضوع ذاته الذي خصّص له بطرس الرسول الجزء الأكبر من رسالته الثانية، أي لمهاجمة الأنبياء الكذبة الذين قد يكونون المبتدعين أنفسهم الذين عناهم الرسول بطرس. وعلى ما يبدو فإن أولئك المعلمين الكذبة كانوا يجمعون بين الهرطقة الإيمانية وبين الدعوة لإباحة الفجور دون الخوف من عقاب الله، ولهذا ينذرهم مذكّراً بأمثلة مختلفة معروفة عند اليهود، بدينونة أبدية لا مفرّ منها:

“لأنه دخل خلسة أناس قد كتبوا منذ القديم لهذه الدينونة فجّار يحولون نعمة إلهنا إلى الدعارة و ينكرون سيدنا الوحيد وربنا يسوع المسيح…”.

أما الهدف من الكتابة فهو حرصه على خلاص المؤمنين محذراً من الهرطقات ومذكّراً إياهم بأن “يبنوا أنفسهم على إيمانهم الأقدس”، “المسلم مرة للقديسين”.

وهاهو الرسول الحبيب يوحنا بدوره يذكر أعضاء الكنائس في رسالته الأولى، بما سبق أن سمعوه من الرسل عن نبوّات المسيح المتعلقة بالأنبياء الكذبة وضد المسيح. فيؤكد لهم أن ساعة تحقيق هذه النبوات قد بدأت، لأنه “قد صار الآن أضداد المسيح كثيرون”. كما شدد على الحاجة إلى امتحان الأرواح وعدم تصديق كل روح “لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم”. وبالتأكيد فهؤلاء هم هراطقة مسيحيون تحديداً، لأنه:

“منا خرجوا لكنهم لم يكونوا منا لأنهم لو كانوا منا لبقوا معنا لكن ليظهروا أنهم ليسوا جميعاً منّا” و هرطقتهم الأساسية هي أنّهم “لا يعترفون بيسوع المسيح أنّه قد جاء في الجسد”، ولذلك ليسوا هم من الله.

أمّا موقفه الصّارم منهم فهو يظهر بوضوح أكبر في رسالته الثّانية:

“لأنّه قد دخل إلى العالم مضلّون كثيرون لا يعترفون بيسوع المسيح آتياً في الجسد. هذا هو المضلُّ والضّدُّ للمسيح… كلّ من تعدّى ولم يثبت في تعليم المسيح فليس له لله. ومن يثبت في تعليم المسيح فهذا له الآب والابن جميعاً. إن كان أحد يأتيكم ولا يجيء بهذا التّعليم فلا تقبلوه في البيت ولا تقولوا له سلام. لأنّ من يسلّم عليه يشترك في أعماله الشّريرة”.

هكذا يتّضح لنا بجلاء أنّ موقف أباء الكنيسة الحازم على مدى الأزمان من البدع هو بالذّات موقف جميع الرّسل دون استثناء، والّذي بلا شكّ تسلّموه بدورهم عن ربّهم ومعلّمهم الّذي كان أول من حذّر من خطورة ضلال مَن وصفهم بالأنبياء الكذبة والذّئاب الخاطفة:

“احترزوا من الأنبياء الكذبة الّذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنّهم من الداخل ذئاب خاطفة. من ثمارهم تعرفونهم. هل يجتنون من الشّوك عنباً أو من الحسك تيناً… كلّ شجرة لا تصنع ثمراً جيّداّ تقطع وتلقى في النّار”.

“ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ويضلّون كثيرين…”.

وبالطبّع فموقف الّذي “السماء والأرض تزولان ولكن كلامه لا يزول” لا يمكن أن يتغيّر بتغيّر الأزمان، لأنّه “هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد”. أوضح دليل لعدم تغيّر موقفه تجاه البدع هو الرّسائل النّاريّة الّتي وجّهها بعد صعوده إلى ملائكة الكنائس السّبع من خلال رؤيا يوحنّا اللاّهوتيّ. في هذه الرّسائل والّتي يطلب من الّذين أرسلت إليهم أن يتمسّكوا بالتّعليم الّذي عندهم إلى أن يجيء ، يظهر مقاومته وبغضه الواضحين للهرطقات الّتي تحاول تغيير هذا التّعليم، وخاصّة ذات الصفّة الإباحيّة مثل النِّقولاّويّين. من هذه الرّسائل رسالته إلى ملاك كنيسة أفسس وفيها يؤنّبه على ترك محبّته الأولى طالباً منه بإنذار أن يتوب، إنّما يستدرك مظهراً ما يشفع له:

“ولكن عندك هذا أنّك تبغض أعمال النِّقولاّويّين الّتي أبغضها أنا أيضاً”.

وعلى العكس من ملاك أفسس، فهو يأخذ على ملاك كنيسة برغامس أنّه يتساهل مع النِّقولاّويّين، على الرّغم من مديحه له في أمور أخرى، طالباً منه التّوبة:

“هكذا عندك أنت أيضاً قوم متمسّكون بتعاليم النِّقولاّويّين الّذي أبغضه. فتب و إلاّ فإنّي آتيك سريعاً وأحاربهم بسيف فمي”.

على مثال كنيسة برغامس، هناك ثناء على ملاك الكنيسة الّتي في ثياتيرا. لكن هناك توبيخ بشأن التّساهل مع المرأة ايزابل الّتي تعلّم مدّعية كذباً بالنبوّة:

“لكن عندي عليك أنّك تسيب المرأة ايزابل الّتي تقول إنّها نبيّة حتّى تعلّم وتغوي عبيدي أن يزنوا ويأكلوا ما ذبح للأوثان… ها أنا ألقيها في فراش والّذين يزنون معها في ضيقة عظيمة إن كانوا لا يتوبون عن أعمالهم. وأولادها أقتلهم بالموت…”.

وفي الحقيقة هل كان ممكناً أن تتحقّق تلك الأعجوبة الكبرى فلا يتغيّر جوهريّاً إيمان كنيسة المسيح وحياتها من خلال ألفين من السنين، لولا موقف آبائها الّذين جاهدوا بمعونة الثّالوث بثبات ومرارة حتّى الدّم، فحافظوا بأمانة على ما تسلّموه من الرّسل والرّبّ يسوع. ولذلك بقي موقفهم هو هو نفسه ضدّ كلّ بدعة وانحراف “أمساً واليوم وغداً”.

admin:
Related Post