X

بحث في التراث الأرثوذكسي

* الأمراض النفسجسمية

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

لقد سبق أن حددنا الفرق بين علم اللاهوت الأرثوذكسي، والعلاج النفسي وعلم النفس والتحليل النفسي الإنسانيين أو المتمحورَين حول الإنسان. هنا، لكي نكمل هذا الجزء من الكتاب، سوف نناقش أربعة أنواع من الأمراض النفسجسمية

يجب علينا أن نلاحظ أن مصطلح “الأمراض النفسجسمية” لا يستعمل هنا بالمعنى الطبي المعتاد للإشارة إلى أمراض مثل الربو أو القرحة أو حالات القلق، ولكن بالمعنى اللاهوتي لكي نشير إلى الأمراض التي تؤثر على كل من النفس والجسد

الإنسان هو كيان نفسجسماني، فهو مصنوع من نفس وجسد مرتبطين ببعضهما البعض ارتباطاً وثيقاً ويؤثّران على بعضهما البعض. هذا يعني أن مرض النفس يؤثّر على الجسد أيضاً، ومرض الجسد أيضاً له تأثير على النفس. بالتالي توجد أمراض روحية للنفس، وأمراض نفسية عاطفية، وأمراض عصبية بيولوجية، وأمراض عضوية

قد يوجد أيضاً تفاعل متبادل بين هذه الأمراض ما يتطلب في بعض الأحيان تمييزاً كبيراً وحكمة لاكتشافه، إذ أن أمراض النفس الروحية تعمل على مستوى نفسي وبيولوجي، والأمراض النفسية تؤثر على المرء بطرق مختلفة كثيرة، والأمراض العضوية قد تسبّب مشاكل نفسية بل ومن الممكن أيضاً أن تسبّب مشاكل روحية. هذا ويبقى هناك حالات لا تتأثر فيها الأمراض ببعضها البعض

ما يلي هو تحليل مختصر لهذه الأنواع الأربعة من الأمراض:ـ

تغطي الفئة الأولى أمراض النفس الروحية. عندما استعملت عنوان “الطب النفسي الأرثوذكسي” لكتابي كنت أفكّر بصورة رئيسية بالأمراض التي تشوّه علاقة الإنسان الشخصية مع الله وتسبب الاضطراب في كل كيانه النفسجسماني

بحسب تعليم الآباء القديسين، عندما يظلم نوس الإنسان فإنه لا يستطيع أن يبني علاقة شخصية روحية مع الله ويصير مريضاً بشكل خطير. مَن لم يقتنِ الصلاة العقلية (ما يشير إلى عدم اقتنائه شركة شخصية مع الله) يمكن اعتباره مريضاً روحياً. يشير الأب يوحنا رومانيدس لأمراض النفس الروحية تلك: “كل إنسان هو مريض نفسي بالمعنى الآبائي. ليس بالضرورة أن يكون مصاباً بالفصام لكي يكون مريضاً نفسياً. من وجهة نظر الآباء، تعريف المريض النفسي، هو كل مَن لا تعمل قدرته النوسية بطريقة صحيحة، بمعنى أن نوسه مملوء بالأفكار، لا الأفكار الرديئة وحسب بل والحسنة أيضاً”ـ

يكون نوس الإنسان مريضاً لأنه بعيد عن الله، فيصير إما شيطانياً أو حيوانياً كما يقول القديسان مكسيموس المعترف وغريغوريوس بالاماس. قد لا تظهر هذه الحالة على الجسد ولكن هذا الإنسان يكون مريضاً بنظر الله. في الإنجيل وفي كتابات الآباء عدّة نصوص تصف هذه الحالة… ـ

يكمن جهاد الإنسان في كشف نوسه الغارق بقدرته المنطقية وأهوائه، واكتساب موهبة الصلاة العقلية، والصعود حتى إلى ما هو أعلى حيث الاتحاد بالله ومعاينة النور غير المخلوق. عندئذ يكون قد صار هيكلاً للروح القدس حيث يقيم الله، وقد بلغ الشركة الشخصية مع الله وهذا هو خلاصه

بالتالي، مصطلح المرض في كتابي “الطب النفسي الأرثوذكسي” هو بصورة رئيسية يعني مرض الإنسان الروحي. وغالبية ما كُتب في الكتاب هو، عملياً، طب وقائي. إنه وصف لما ينبغي فعله لتجنّب المرض. فمثلاً، في باب “علم الأمراض الأرثوذكسي” وفي فصل “الأفكار” إشارة إلى شفاء نفس الإنسان. توجد أيضاً مقاطع في الكتاب تصف شفاء النفس، والقلب، والقدرة المنطقية، والنوس، وما إلى ذلك. إنني أصر على موضوع الأفكار لأنني أعتبر أن الأفكار سبب رئيسي للمرض، في حين أن الأفكار الصحيحة تساعد على شفاء النفس

تلعب وصايا المسيح دوراً مهماً في وقاية الناس من المرض، وفي شفائه إن وقع في المرض. تنظّم هذه الوصايا الأجزاء الثلاثة للنفس وتجعلها سليمة. إن وصايا الصوم والسهر والصلاة مهمة، إلا أن مجال وصايا المسيح أوسع كونها تكمن في الاتضاع والتوبة والصبر وما إلى ذلك. يعطي الأطباء الروحيون المجرّبون التعليمات المناسبة. إنهم يعلِّمون ما يجب عمله في كل حالة لبلوغ الخلاص، حيث أن ما يعمل كدواء عند شخص ما قد يكون سماً عند آخر

بخلاف أمراض النفس الروحية توجد أمراض نفسية تؤثر على العالم النفسي للإنسان ما يؤثّر على سلوكه الاجتماعي. يهتمّ علم النفس بهذه الأمور علماً أن لكل مدرسة من مدارس علم النفس طريقة مختلفة بالتعامل مع المشاكل، وتختلف هذه الطرق عن التعليم الأرثوذكسي في عدة جوانب. سبب الأمراض النفسية هو إما أمراض في عالم الإنسان الداخلي، أي في أفكاره وضميره وشعوره بالذنب وانفعالاته، أو التعامل الخاطئ مع المشاكل الأسرية أو الاجتماعية. إلا أن أحد الأسباب قد يكون أيضاً العجز عن التعامل مع الأمراض الجسدية. تضمّ هذه الفئة حالات معاناة الإنسان من سوء المعاملة في طفولته أو مراهقته، ومن صعوبات واجهته في البيئة الاجتماعية والأسرية، كما من مشاكل سببها خبرات أليمة من الماضي، والعديد من الأسباب الأخرى. مهم أيضاً أن نشير إلى أنّ ما يسمّى “علم النفس الجزيئي” يتطور في أيامنا هذه

في السابق، عندما كانت الأسر والمجتمعات منظمة، أي عندما كانت مبادئ الحب والاهتمام بالآخرين ما تزال أكثر فعالية، والأهم من ذلك عندما كانت طريقة الحياة الكنسية أكثر انتشاراً وكانت خبرة التقليد الأرثوذكسي أساس حياة النفس، كانت تُعالَج كل هذه المشاكل النفسية. مع الأسف، نمط الحياة الفردي هو وراء العديد من هذه الحالات النفسية. فبمجرد أن فُقد منهج حياة الشركة الكنسية، صار الناس بدون معونة وصاروا يلجؤون إلى علماء النفس وينضمّ بعضهم إلى جماعات ومجتمعات علاجية مختلفة بهدف الحصول على التعزية والمعونة من مصدر علمي. بتعبير آخر، ما تم تحقيقه في الماضي من خلال التقليد ككل، يسعى الباحثون في هذه الأمور إلى تحقيقه الآن

عندما يرغب الشخص في أن يعيش كنسياً في مجتمع كنسي منظم (رعية أو دير) فهو يسلك بحسب المتطلبات الكنسية الصحيحة، وعندما يقبل الإرشاد من أب روحي، يمكن أن يحصل على المساعدة بصورة ملائمة لكي يواجه هذه الصراعات الداخلية ولكي يحوّل حالات القلق إلى اهتمام روحي، ما لم تكن قد أثرت على جسده حيث يصير بحاجة أيضاً إلى المساعدة الطبية. في كل الأحوال، تقليد الكنيسة اليقظ، الذي يعلّم عن التعامل مع الأفكار وشفاء الأهواء وتحقيق الاعتدال في عالم المشاعر الداخلي، هو يشفي الاضطراب النفسي والعاطفي. الإنسان الذي يعيش حقاً في الكنيسة مع الأسرار والحياة النسكية تحت إرشاد أب روحي، يُشفى من كل هذه الحالات النفسية

أيضاً هناك فئة من الأمراض العصبية البيولوجية والمرتبطة بالبنيان البيولوجي للإنسان والمتعلقة باضطرابات الجهاز العصبي المركزي والطرفي. العديد من الأمراض التي يهتم بها الطب النفسي، كالذُهان والفصام، بات معروفاً أن لها أساس بيولوجي. من أسباب هذه الأمراض الوراثة والعوامل البيئية. هذه الأمراض قد كثُرَت في أيامنا لعدة أسباب ويساهم طب الأعصاب المتطور في علاجها

على المرضى الذين يعانون من هذه الأمراض أن يتبعوا التعليمات الملائمة التي يعطيها لهم أطباء الأعصاب والأطباء النفسيين، إذ يحتاجون لتناول عقاقير محددة لإعادة التوازن لعمليات الكيمياء الحيوية في المخ وسائر الجهاز العصبي. جدير بالذكر هنا أنه كان في الماضي اختصاص يسمى الطب النفس-عصبي إلا أنه تم فصلهما الآن. بالتالي يهتم أطباء الأعصاب بالاضطرابات العصبية كجلطات المخ، التيبس المتعدد، والأمراض الأخرى المرتبطة بالمخ، ويقومون بتحويل المرضى الذين يعانون من الاكتئاب والاضطرابات الأخرى ذات الأساس البيولوجي إلى الأطباء النفسيين أو علماء النفس. في نفس الوقت، ينبغي على هؤلاء المرضى أن يقبلوا أيضاً بتمييز علاج الكنيسة الشافي المتكون من الأسرار والنسك، طالما أن الأمراض العصبية البيولوجية تؤثر أيضاً على المجال الروحي للشخص

أظهرت الخبرة أن بعض هؤلاء المرضى يكفيهم أن يتناولوا العقاقير فيصيروا قادرين على العيش بطريقة متزنة في المجتمع. فهم يحصلون أيضاً على المساعدة لكي لا يصيروا عدوانيين أو مدمرين لذواتهم، وبالتالي يبقون متكاملين داخل المجتمع. إلا أن الاستعمال الخاطئ للأدوية النفسية يغيّر شخصية الإنسان. لذا هو يحتاج للمساعدة الروحية في نفس الوقت لإعطاء معنى لحياته. لا تعمل الأدوية النفسية على كل جوانب الإنسان لأنه ليس آلة بيولوجية بل له نفس أيضاً. مع ذلك، عندما يعيش المرضى بهذه الحالات داخل الكنيسة، بالتوازي مع علاج علم الطب، ويتبعون أيضاً طرق العلاج الكنسية، فإنهم يحصلون على فائدة كبيرة

أغلب الأمراض تكون بدنية إذ تمرض الأجزاء والأعضاء المختلفة للجسم البشري. من الممكن أن تؤثر هذه الأمراض على الإنسان على المستوى النفسي والروحي، وكنتيجة لذلك قد يفقد إيمانه في الله، ويحبَط، ويدمر علاقته مع الآخرين. يواجه الآخرون الذين يؤمنون بالله هذه الأمراض البدنية بطريقة إيجابية

بحسب آباء الكنيسة، عندما يكون الشخص مريضاً بدنياً ويسبح الله تكون هذه علامة على صحته الروحية. يؤكد الآباء النساك على جوانب عديدة من هذا الموضوع. بحسب القديس ذياذوخوس الذي من فوتيكي، يكون الصبر في التجارب والشكر على البلايا شكلاً ثانياً للاستشهاد. عندئذ يحسب الله المرض كاستشهاد ويتلقى الشخص المريض إكليل الشهادة بحسب كلمات المسيح: “من يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص” (متى 22:10)

عادة يسمح الله بالمرض البدني من أجل تطهيرنا الروحي. يذكر القديس يوحنا السلمي أنه توجد أمراض تطهرنا من خطايانا، وأمراض تعطي الاتضاع لأذهاننا. أصحاب التمييز هم فقط الذين يستطيعون إعطاء التشخيص الصحيح. من أجل هذا يوصينا القديس يوحنا السلمي ألا نحاول تمييز السبب في مرض شخص ما لأننا قد نخطئ وننتقده ونعطي حكماً خاطئاً. إننا نقبل المرض بصبر وتمجيد لله

إننا نعلم أن الأمراض الجسدية لها خاصية مطهرة. يؤكد القديس إسحق السرياني على أن الصبر في تجارب الحياة يولد الصحة الروحية، والصحة الروحية تجلب معرفة الله، ومعرفة الله تخلق محبته، وتكون محبة الله تلك أقوى من الحياة. للصبر قيمة كبيرة، ولكن هكذا تكون الطاعة أيضاً لتدبير الله

متى كانت حياة الشخص ذات معنى وروحه سليمة، فإنه لا ينهار نفسياً حتى لو مرض جسده لأسباب عديدة. عندما تكون إرادة الله أن نعاني من مرض لوقت طويل، فإننا نصبح من خلال صبرنا وشكرنا لله شهداء ونتلقى أكاليل الشهادة. في الواقع من الممكن أن نتلقى حتى أكاليل أعظم من أكاليل الشهداء لأنهم عانوا من العديد من العذابات لوقت قصير في حين نعاني نحن على مدار حياتنا كلها. على كل حال من الضروري أن نقتني الصبر وشكر الله

لقد تناولنا باختصار الأنواع الأربعة للأمراض: الأمراض الروحية للنفس، والأمراض النفسية، والأمراض العصبية بيولوجية، والأمراض البدنية. كما قلنا من قبل، يوجد تفاعل متبادل واضح بينها، لكن من الممكن أيضاً أن تعمل تلك الأمراض بطريقة منفصلة عن بعضها البعض. يعتمد ذلك على النضج الروحي للشخص. قد يكون الشخص مريضاً روحياً حيث يكون النوس مصاباً ومظلماً، ومع ذلك يكون سليماً بدنياً. إنه من الممكن حتى أن يكون شخص ما مريضاً على المستوى البدني والنفسي والعصبي بيولوجي بينما يعمل النوس الخاص به بشكل سليم، وفي هذه الحالة يكون سليماً من الوجهة الروحية. يعتمد الأمر على الطريقة التي يعيش بها، وعلى علاقته بالله والآخرين، وعلى درجة حياته الكنسية

الأمر الأكثر أهمية هو الصحة الروحية. لا ينبغي على الأمراض البدنية والنفسية والعصبية بيولوجية أن تزعجنا مثل أمراض الروح، لأنه من الممكن، كما قلنا من قبل، أن يمرض الجسد بينما تبقى الروح سليمة. لقد قال لي أحد المرضى في إحدى المرات: “إنني غير مهتم بألم جسدي. ما يزعجني ويحزنني هو نقص صحتي الروحية فأنا لا أتعامل مع الأمور بطريقة سليمة. أنا قلق من الداخل وليس لي شركة مع الله”. أخبرني أيضاً شخص آخر: “أشعر بمحبة نحو الله ولا يزعجني المرض الجسدي”. يكون لدى الشخص صاحب الصحة الروحية السليمة أفكاراً جيدة، ويتعامل مع كل المشاكل بطريقة صحيحة، ويطيع الله وآباءه الروحيين ولا يغلبه اليأس على الرغم من شعوره أنه خاطئ

ينبغي أن يحصل المرضى بأمراض نفسية وعصبية بيولوجية على معونة روحية من أب روحي جيد معتاد على المنهج الهدوئي الذي للكنيسة الأرثوذكسية، وعلى مساعدة طبية من طبيب جيد، سواء طبيب أمراض نفسية أو طبيب أمراض عصبية بحسب الظروف، يقدم المساعدة بالأدوية النفسية أو يقوم أيضاً بتحويلهم إلى الأخصائي النفسي عند الضرورة. ينبغي في حالة كل من الأب الروحي والمتخصص الطبي، قبل كل شيء وقبل كل خبرة شخصية واستنتاجات علمية، طلب معونة الله من أجل تشخيص سليم للمرض وتعامل سليم مع المريض. بهذه الطريقة يكون التعاون الجيد بين الآباء الروحيين والأطباء أكثر فاعلية

(Psychsomatic)

الأمراض النفسجسمية هي المتعلقة بتفاعل العقل والجسد، وهي غالباً أمراض جسدية سببها أو سبب تفاقمها يكون عاملاً نفسياً، أو العكس أي حالات نفسية سببها جسدي

“من كتاب “علم الطب الروحي”**

admin:
Related Post