X

بحث في التراث الأرثوذكسي

بدء العام الجديد

للقديس يوحنا الذهبي الفم

كثيراً ما يرافق لقاء العام الجديد عند المسيحيين كفر وإلحاد وإفراط وعدم اعتدال. أما الكفر والإلحاد فلأن الكثيرين من المسيحيين يتفاءلون ظانين أنه إذا مضى عليهم اليوم الأول من السنة وهم مسرورون، فالعام كله سيمضي كذلك. وأما الإفراط وعدم الاعتدال، فلأن الجميع رجالاً ونساءً يحتسون الخمر حتى الصباح.

فهذا السلوك لا يتفق مع حكمة الروح المسيحي اذا اتبعناه، أو سمحنا للآخرين أن يتبعوه. ألم نسمع قول القديس بولس الرسول: “فإنكم تحفظون أياماً وشهوراً وأوقاتاً وسنين فأنا أخاف عليكم أن أكون قد تعبت فيكم عبثاً” (غلاطية 10:4-11). ومن جهة أخرى، ليس من المعقول أن يُبنى على يوم واحد صُرف بسرور، الشيء نفسه طوال العام كله.

إذن لا يجوز لنا مراقبة الأيام وأن نحب بعضاً منها وننفر من غيرها. بل علينا أن نعلم جيداً أنه لا شر إلا من الخطيئة ولا خير إلا من أعمال البر. السرور لا يكون بالسكر بل بالصلوات الروحية، وليس بالخمر والملاهي بل بالوعظ والإرشاد. فالسكر يحدث الهياج، والإرشاد يهدئ الاضطراب. الأول يظلم العقل والثاني ينير الظلام. الأول يسبب أحزاناً لم تكن في البال والثاني يبددها مهما كانت.

على المسيحي ألاّ يحتفل بشهور محددة، ولا يأول يوم من الشهر، ولا بأيام الآحاد فقط، بل عليه أن يصرف أيام حياته كافةً في احتفال دائم. ما هي الحفلات التي تناسب المسيحي؟ لنسمع ما علمه رسول المسيح: “فلنعيّد إذاً لا بالخمير العتيق ولا بخمير السوء والخبث بل بفطير الخلوص والحق”(كورنثوس الأولى 8:5). إذاً إن كان ضميرك نقياً فاحتفالك يدوم لأنك تتعزى بالنعم الآتية. وإن كنت مثقلاً بالخطايا الكثيرة، فالحفلات لا تكون لك أحسن من المآتم، ولا نفع لك من يومك السعيد، إن كانت نفسك معذبة بتأنيب ضميرك. فإن كنت تريد النفع لنفسك من اليوم الأول من الشهر فاعمل هكذا. وإذا بلغت اليوم الأخير من السنة فاشكر الإله السماوي الذي أوصلك إلى نهاية العام. اتضع بقلبك، واعدد أيام حياتك، وقل لنفسك: الأيام تمر وتذهب، والأعوام سوف تنتهي، وقد مضى القسم الأكبر من حياتي فما الذي فعلته من أعمال البر؟ كيف أترك هذه الحياة دون أن أتزود شيئاً من أعمال الحق؟

ينبغي لنا أن نفكر بحكمة في أول الشهر. يجب أن نذكر الكلمات السابقة عن تداول الأعوام. لنفكر في اليوم الآتي حتى لا يقال عنا كما قال نبي الله عن اليهود: “فأفني أيامهم كنفس وسنيهم كالفجاءة” (مزمور 33:77). إن مراقبة الأيام عمل مغاير لروح الحكمة المسيحية وتضليل وثني. إنك قُبلت مع الأجناد السماوية وأصبحت مع جماعة الملائكة حيث لا يبدل نور النهار بظلام اليل بل هناك نهار دائم لا يزول، ليس لك هناك ما يتفق مع هذه الدنيا، كشروق الشمس وغروبها، وتبدل الأيام لكن إذا صرفت حياتك بالبر والصلاح فاللل يكون عندك نهاراً، وعكس ذلك يكون الذين يصرفون حيتهم بالكفر وعدم الاعتدال، فيتحةل نهارهم إل ليل داجٍ لأن نفوسهم أظلمت. فلنتجنب الأعمال التي لا تأتي بنفع، لأن الرسول المملوء حكمة يأمرنا أن نعمل حسب قول الرب: “إن أكلتم أو شربتم أو عملتم شيئاً فاعملوا كل شيء لمجد الله” (كورنثوس الأولى 31:10). لنهتم بالأعمال لا بالأقوال. ولنمجد بلا فتور المسيح الرب الذي يليق به مع الآب الأزلي والروح الكلي قدسه كل مجد وإكرام وسجود، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين.آمين.

admin:
Related Post