X

بحث في التراث الأرثوذكسي

التقمّص

الخورية سميرة عوض ملكي

يلحظ المرء اليومَ تضاعفاً في عدد العروض التلفزيونية والسينمائية والكتب والقصص التي تتناول موضوع التقمّص بشكل أو بآخر. يظهر وكأنّ وراء هذا الكمّ من الكلام عن التقمّص نيةً للترويج له ونشر الاعتقاد به بين الناس، بالرغم من رفض الأديان السماوية له. وأخطر ما في الأمر أنّ عدداً لا يُستهان به من برامج الأطفال، خاصةً التي تتحدّث عن أبطال من الشرق الأقصى، لا تخلو من حمل هذا الفكر بقوة. وقد بتنا نلحَظ أنّ عدد أبنائنا الذين يعتقدون بالتقمّص، عن جهل أو عن معرفة، في تزايد.

تذهب عقيدة التقمّص أو تناسخ الأرواح إلى أنّ الروح التي تفارق الجسد لا تبقى في مكان، كالسماء أو الجحيم مثلاً، بل تنتقل من حالٍ إلى حال ومن جسد إلى جسد في ولادات لا نهاية لها. ويمكن أن تحلّ روح الإنسان في حيوان أو نبات، في وضع أرفع أو أدنى مما كانت عليه، ذلك بحسب أفعال الإنسان التي تشمل أفكاره وكلامه وتصرّفه.

إن انتظار المسيح كديّان للأحياء والأموات هو جزء لا يتجزأ من قانون الإيمان المسيحي. وكثيراً ما تشير كرازة المسيح إلى دينونة اليوم الأخير، فكلّ البشر لا بدّ وأن يؤدّوا الحساب (متى 14:25-30). فإذا كان التقمّص ممكناً، على أساس أعمال أيِ من الحيوات سوف يُحاسَبون؟ والكتاب المقدّس يرى الإنسان كائناً متشعّب النواحي، فهو جسد ونفس وروح معاً (1تسالونيكي 23:5)، ويرى في الروح قوّة لا تنفصل عن النفس (النسمة) وعن الحياة. ففي كل حيّ نسمة من الحياة (تكوين 22:7) بدونها يهلك. يعيره الله هذه النسمة طوال حياته الفانية لتعود إليه عند الموت (أيوب 14:34-15). لكنْ نجد في حالات كثيرة، وبخاصة عند الرسول بولس، أنّه يستحيل التمييز بطريقة قطعية ما إذا كانت كلمة “روح” تعني روح الإنسان أو روح الله. وهذا الالتباس هو نور للإيمان: فهو الدليل على أنّ روح الله، حتّى عندما يستولي على روح الإنسان ويحوّله، يحافظ على شخصيته كاملةً. فروح الله يسكن روح الإنسان وجددها ويقترن بها ويصير وإياها روحاً واحدة (1كورنثوس 17:6). فهل يُعقَل أم تنتقل هذه الروح إلى حيوان أو نبات؟ كما أن الكتاب المقدس لا يظهر الإنسان وكأنّه مركّب من عنصرين متميزين: المادة “الجسد” والصورة “الروح” التي تحيي الجسد. بل ينظر الكتاب إلى الإنسان في وحدة كيانه الشخصي. فالجسد ليس سجناً للروح ينبغي التخلّص منه، كما في بعض المعتقدات. أجسادنا، نحن المسيحيين، طُعِّمَت في المسيح فأصبحت أعضاءه وهياكل الروح القدس، وصارت مدعوةً لدخول هذا العالم الجديد: إنها سوف تقوم مع المسيح الذي يبدّل أجسادنا الحقيرة فيجعلها على صورة جسده المجيد (فيليبي 20:3-21). بهذا يكتمل دور جسد المسيح في عمل فدائنا. فيسوع قد اتّخذ فعلاً جسماً بشرياً. ولذلك فكلّ مؤمن متّحد بالمسيح يستطيع من الآن أن ينتصر على القوى التي كان يخضع لها من قبل، وهي الشريعة والخطيئة والموت، من خلال جسم المسيح. فإن كرامة الجسد لا تصل إلى ذروتها في هذه الدنيا: إن جسم الحقارة الأرضية سيحوَّل إلى جسم مجد. فالإنسان بكامله سوف يصبح مرةً أخرى نفساً حيّة، كما يقول الرسول بولس “جسماً روحانياً” أي أنّه سوف يُبعَث بكليّته إذ أنّ الله سوف ينفخ بروحه على هذه العظام فتحيا (1كورنثوس 45:15) لأنّه لا يرتضي بموت مَن يموت (حزقيال 32:18) فهو لم يخلق الإنسان لا للموت ولا لحياة في ولادات متكررة قد تكون أحياناً في أجساد بشرية واحياناً في أجساد حيوانية أو نباتية. الله خلقنا لنشترك معه في حياته. فروح المؤمن تتّحد بروح الله بواسطة المسيح، ونحن على هذا الرجاء نحيا، ورجاء الكنيسة هو رجاءٌ محقَّق لأن هبة الروح قد أنجزَت إتمام الوعود. إنّ كل قوةِ رجائها تتركّز على انتظار عودة المسيح. فما معنى هذا الرجاء إذا كان التقمّص ممكناً؟

في ختام كتاب الرؤيا يَعِد العريس بقوله “إنّ عودتي قريبة” وتردّ عليه العروس (الكنيسة) “تعالَ أيّها الرب يسوع” (رؤيا 20:22). لن يجد الرجاء المسيحي أبداً تعبيراً أفضل من ذلك، لأنّه تعبير عن رغبة حادّة منشؤها محبة متلهفة إلى حضور الرب.

*    عن نشرة الكرمة

admin:
Related Post