X

بحث في التراث الأرثوذكسي

التوبة والاعتراف

عن مجلة ينبوع الحياة باليونانية، العدد 95، 3 تموز 2005.

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

من بين المواهب التي لا تقدّر التي منحنا إياها ربنا ومخلصنا هي سر التوبة المخلص النفس، أو كما نسمّيه سر الاعتراف. من خلال هذا السر تُفَر خطايانا وتُرمى بعيداً. من دون الاعتراف، لا يمكن لأي إنسان أن يخلص، بغض النظر عن فضائله، إذ يستحيل إيجاد ولو إنسان واحد بلا خطيئة. إن الإدراك المتواضع لخطايانا والاعتراف بها يسرّان ربنا. لو أن آدم، بعد عصيانه وسقوطه، اعترف تائباً بخطيئته لكان بالتأكيد حصل على الغفران من ربنا الفائق الكَرَم. حتّى قايين الذي ارتكب العمل الأثيم، أي قتل أخيه الطوعي البغيض، لكان ممكناً أن يُغفَر له من خلال التوبة والاعتراف. هذا ما فعله الملك داود؛ مع كونه مذنباً في خطيئتين مميتتين، القتل والزنى، فقد استحق الغفران والرحمة من الله بسبب توبته الحقيقية. “أَعْتَرِفُ لَكَ بِخَطِيَّتِي وَلاَ أَكْتُمُ إِثْمِي. قُلْتُ: «أَعْتَرِفُ لِلرَّبِّ بِذَنْبِي» وَأَنْتَ رَفَعْتَ أَثَامَ خَطِيَّتِي.” (مزمور 5:32).

لكي يكون اعترافنا صحيحاً ويطهّر كل الوسخ والقذارة من ضميرنا ويلمّع نفسنا ويجعلها “أبيض من الثلج”، علينا ألاّ نرتجل هذا السر وألاّ نقاربه من دون تهيئة لائقة. أمر مؤسف كيف يقارب أغلب إخوتنا الأرثوذكسيين هذا السر. إن سراً كسر الاعتراف يتطلّب الاستعداد المناسب ويجب مقاربته بالحالة القلبية التي تناسب.

أولاً، علينا أن نستعد ليومين أو ثلاثة قبل أن نتقدّم من الاعتراف. خلال فترة الاستعداد هذه، علينا أن نجعل احتكاكنا بالآخرين في الحد الأدنى الممكن عملياً، فيما في الوقت نفسه نجمّع أفكارنا ونوسنا. نتأمّل في فترة ما بعد اعترافنا الأخير، أيمكن أن نتذكّّر متى اعترفنا لآخر مرة أم هذا اعترافنا الأول؟ بهذه الطريقة، نحاول أن نتذكّر نوع وعدد الخطايا التي ارتكبناها منذ ذلك الحين، بالقول أو بالفعل أو بالفكر، وما إذا كنا نوينا أو تصرّفنا بهذه الطريقة عن إهمال أو قلة اهتمام.

ثانياً، عندما نذهب إلى عند الأب الروحي، نخبره بكل خطايانا وكيف تمت بالضبط. يجب ألا نخفي أي شيء إطلاقاً، أو نغيّر شيئاً أو نلقي اللوم والخطأ في أخطائنا على الآخرين. إلى هذا، يجب ألاّ نكتفي بتعداد ناشف بياني لخطايانا، بل بالأحرى يجب أن نصف بشكل عام حالة نفسنا وأهوائنا وميولنا ورغباتنا وعيوبنا وأخطاءنا وضعفاتنا. بهذه الطريقة، يُعطى الأب الروحي، كطبيب للنفوس، الفرصة لتشخيص مرضنا وتكوين صورة كاملة عنه وبالتالي لتحديد العلاج الصحيح بشكل قاطع وفعّال.

ثالثاً، يجب أن نختار الطريقة التي بها نصف خطايانا بتأنٍ كي تدمج الدقة واللياقة. بتعبير آخر، علينا من جهة أن نحدد بكلمات قليلة ظروف وعناصر كل خطيئة، ماهيتها وكيفية حصولها وزمانه إلخ، حتى يتمكّن الأب الروحي من تقدير “وزنها” الصحيح. من جهة أخرى، علينا أن نتلافى التوصيفات المفصّلة الكثيرة الكلام التي تتعِب وتكون أحياناً مخزية. فهذه الأخيرة لا تقدّم أيّ منفعة لنا ولا للأب الروحي. يجب أن نلاحظ بشكل خاص أنّه إذا ارتُكِبَت الخطيئة مع شخص أو أكثر (مثلاً اشتركنا بالسرقة مع بعض أصدقائنا أو صار زنى مع شخص محدد)، فالأفضل عدم كشف هويتهم. فلنتُبْ فعلياً عن خطيئتنا ونترك الآخرين لحكم ربنا ورحمته.

رابعاً، من بين كل العوامل المتعددة، الأكثر أهمية هو أن نجد أباً روحياً مختَبراً، ذا تمييز، حكيماً، متعقلاً، حساساً، وقادراً على علاج قروح وجراح أنفسنا بتعاوننا ونعمة الله. كما نبحث فيها عن طبيب قادر على شفاء أمراضنا الجسدية، على المنوال عينه، لا بل بتصميم أشد، علينا أن نبحث ونجد أباً روحياً قادر على المساهمة في معونتنا الروحية. هذا لأنه “إِنْ كَانَ أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى يَسْقُطَانِ كِلاَهُمَا فِي حُفْرَةٍ” (متى 14:15). من جهة أخرى، عندما نجد أباً روحياً فلنبقَ معه مدى الحياة ولا نغيّره. أولئك الذين يتنقلون من أب روحي إلى آخر لا ينتفعون ولا يستفيدون مع أي منهم، سواء قاموا بذلك عن جهل أو عن أنانية. فقط عندما يتابعنا أب روحي بشكل منهجي ويتوصّل إلى معرفتنا جيداً يستطيع أن يساعدنا بشكل فعلي في جهاداتنا الروحية لتطهير نفوسنا والطريق التي تقود إلى خلاصنا.

يتميّز الاعتراف السليم بالصفات التالية:

1) إنه مختصر ولكن حقيقي. بتعبير آخر، إنه يتمّ بدون أي إغفالات، بدون كلام زائد فارغ، بدون تكرار غير نافع، بدون تقديمات ملتوية تعوزها الأمانة، وحتى بدون قصص ورايات.

2) إنه متواضع. أي أنه يتمّ بإدراك كامل لخطيئتنا وذنبنا، إدراكاً يظهر في كلماتنا كما في حالتنا النفسية كمسيحيين.

3) إنه صادق. وعليه لا يحوي أكثر أو أقل من الحقيقة النقية، ولا يوجد فيه أي ادّعاء أو تبرير. إلى هذا لا يعزو أي لوم إلى أي شخص آخر حتى إلى الأبالسة والشيطان نفسه!

4) إنّه فوري أي أنه يتمّ من دون أي تأجيل أو تأخير. لحظة يوبخنا ضميرنا ويقرّعنا، علينا أن نجري إلى أبينا الروحي للاعتراف لأننا لا نعرف متى يزورنا الموت من دون إنذار.

5) إنّه عاقل. أي أنه يتميّز بالتقييم الحسن والعقلانية والتدبير. كما أنّه مُصاغ بوضوح وجلاء وصراحة وتأنٍ وترتيب.

6) إنه كامل وبالتالي يتضمّن كل خطايانا ولا يهمل أياً منها بنيّة الاعتراف بها لأب روحي آخر.

7) إنه مثل العشّار؛ أي أنّه يتمّ بورع فائق وتقوى وندامة قلب. لا يختلف عمّا نقرأ في الإنجيل :”وَأَمَّا الْعَشَّارُ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ، لاَ يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ، بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلاً: اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ.” (لوقا 13:18).

8) إنه شخصي. وهكذا، لا ينبغي أن يعرف أحدٌ محتوى الاعتراف غير الأب الروحي والمؤمن المسيحي المعترِف. إذا اضطر أحد أن يسمع اعتراف الآخر، وهو أمر نادر الحصول، عليه ألا يكشف لأي كان ما سمع مهما كانت الظروف بل أن يحمل ما سمع معه إلى القبر. هذا ينطبق بالأحرى على الكاهن نفسه الذي لا يسمح له تحت أي ظرف كان أن يكشف خطيئة تمّ الاعتراف بها إليه، حتى ولو كانت حياته في خطر.

9) إنه بداية حياة جديدة. يترافق مع اعترافنا هذا قرارٌ ثابت نتّخذه بوعي كامل بالانخراط في صراعنا وحربنا الروحيين الشخصيين. وعليه نخن نقرر ليس فقط ألا نكرر الخطايا التي اعترفنا بها بل أيضاً أن نصنع خيراً من هذه الخطايا. وعليه نحن نعوّض لشخص قد أخطأنا إليه، نعيد ما سرقنا، نطلب المغفرة ممن أسأنا إليه، إلخ. إن لم نقم بهذا فتوبتنا ليست حقيقية.

10) إنه يترافق مع قبولنا بأي كفارة أو قانون يحدده أبونا الروحي (كالصوم وعمل الرحمة أو أي شيء آخر يراه مناسباً). علينا أن نفهم بشكل كامل ونقبل أن هذه الكفارات لا تشكّل حكماً أو عقاباً، بل هي عنصر علاجي وتربوي لشفائنا الروحي ووسيلة بها نزداد روحياً.

فليقدنا السيد جميعاً بالطريقة الأكثر ملاءمة لكل منا لنتقبّل سرّ الاعتراف.

admin:
Related Post