X

بحث في التراث الأرثوذكسي

مدخل إلى اللاهوت العقائدي والمقارن للكنيسة الأرثوذكسية الجامعة

الأب جورج عطية


من أمالي مادة العقائد

لكي نأخذ فكرة واضحة عن موضوع وأهمية مادة اللاهوت العقائدي والمقارن يحسن بنا أولاً أن نلقي بعض الضوء على المعاني التي تحملها كل من الكلمات المؤلِّفة لعنوان هذه المادة.

اللاهوت

تشتق كلمة لاهوت من دمج كلمتين (الله) و (كلمة)، وتعني لغوياً كلاماً حول الله، عن الله. وقد ارتبط إستعمالها في لغة اليونان الأقدمين مع المفاهيم الوثنية عن الألوهة من أساطير وسحر، ولهذا تجنبها المسيحيون الأول نظراً لما يتركه استعمالها من إنطباع سيء بسبب هذا الإرتباط.

لكن اعتباراً من القرن الثالث أخذت هذه اللفظة تدريجياً وبفحوى جديد تحتل مكاناً بارزاً في عالم الإصطلاحات اللاهوتية، فمثلاً أوريجانيس يسمى “لاهوتيين الذين يتكلمون عن الله وهم ممتلؤون من الروح القدس… مثل موسى وبقية الأنبياء عموماً وبصورة خاصة يسوع المسيح. أفسافيوس القيصري يعتبر أن المسيحيين هم لاهوتيون لأنهم يرنمون تسابيح الله. لكنه، من بين هؤلاء، يميز بشكل خاص كلاهوتيين، المعلمين الكنسيين لأنهم يعلمون معرفة الحق الإلهي. القديس غريغوريوس النزينزي يؤكد أنه: “ليس للكل أن يتكلموا عن الله ولا الأمر سهلاً بالنسبة للذين أتوا من التراب (عامة البشر)… بل فقط للذين امتحنوا ووصلوا إلى الرؤية بعد أن طهّروا النفس والجسد، لأنه ليس لغير الطاهر أن يلمس الطاهر ويكون بأمان مثلما لا يستطيع النظر الضعيف أن يحدق في أشعة الشمس القوية”.
إنطلاقاً من هذا المفهوم إستعملت كلمة “لاهوت” والفعل المشتق منها ليدلان على الرؤية الإلهية وإتحاد النفس سرياً مع الله، لذلك عندما يقال مثلاً بأن الملائكة يتكلمون عن الله بل إنهم يرون الله. وبمعنى عام آبائي، فاللاهوتي هو الذي وصل بنور الروح القدس إلى رؤية المجد الإلهي، وهو ما يشمل جميع الملائكة والقديسين. لكن ليس كل من رأى مجد الله عبر بالضرورة عن هذه الرؤية أو سجلها كتابة، ولهذا فكلمة لاهوتي بمعناها الخاص تعني من جمع بين الرؤية الإلهية وبين إمكانية التعبير عنها بإلهام الروح القدس. وهو ما ينطبق عن الأنبياء والرسل والآباء القديسين. أما بالمعنى الأخص، فهي تشير إلى دخول متميز إلى عالم الرؤية الإلهية ومقدرة فريدة في الحديث عنها. من هنا نفهم لماذا عبر تاريخ الكنيسة الطويل، لقب ثلاثة قديسين فقط باللاهوتيين (يوحنا الإنجيلي، غريغوريوس النزنيزي، سمعان اللاهوتي الحديث) وبالطبع فهذا لا يعني بأن القديسين الآخرين لم يصلوا إلى الرؤية الإلهية، بل أن اللاهوتيين الثلاثة حلّقوا وتميّزوا في التعبير عنها بشكل خاص.
بناءً على ما تقدم يمكن الإستنتاج بأن اصطلاح “لاهوت” قد تطور من مفهوم الكلام عن الله بالروح القدس، بعد رؤية مجده، إلى مجرد الكلام عنه. ومن الكلام عن الله الثلاثي الأقانيم إلى الحديث عن عمل الأقانيم أو ما يسمى بسر التدبير الإلهي أو سر الخلاص. وأخيراً صار في المدارس اللاهوتية العلم الذي يبحث في كل ما له علاقة بالإعلان الإلهي ومسيرة الكنيسة في التاريخ.
بعض اللاهوتيين الأرثوذكس يرفضون أن يسموا اللاهوت علماً والبعض الآخر يقبل، ومنهم من يتحفظ. ما يهمنا نحن بالدرجة الأولى ليس التسميات بل التذكير بالطابع الروحي والحياتي لدراستنا الااهوتية وعدم فصلها عن مفهوم الرؤية الإلهية. لأنه بصورة بديهية من لم يتعرف على الله شخصياً أي لم يصل إلى الشركة والإتحاد معه بنعمة الروح القدس فكيف بإمكانه أن يتكلم عنه وهو المجهول بالكلية والمختلف بصورة مطلقة عن كل ما نراه ونعرفه من المخلوقات؟ “فبمن تشبهون الله وأي شبه تعادلون به” (أشعياء40: 8). “لأنه كما علت السماوات عن الأرض هكذا علت طرقي عن طرقكم وأفكاري عن أفكاركم” (أشعياء54: 9). صحيح أن هناك كلام كثير عن الله، ومن بينه كلام الكتاب المقدس ذاته. ولكن معرفة كل ما كتب عن الله وحتى حفظه غيباً، والتأمل الفكري في هذه المعرفة والكتابة عنها لا يكفي لأن يجعل الإنسان عارفاً حقاً بالله أي لاهوتياً بل يجب أن تقترن معرفة كلام الله بالإيمان والإيمان بلقاء شخصيّ حي. لأن الحق ليس كلاماً بل شخصاً: “أنا ه الطريق الحق والحياة ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي” (يوحنا14: 6).
من هنا، لا يحق لمن ليس عنده معرفة مباشرة، أي شركة شخصية مع الله أن يتكلم عنه. وإن لم توجد هذه المعرفة فعلى الأقل أن يصير إعتماد تام على خبرة الأنبياء والرسل القديسين في معرفتهم لله، ومحاولة الحياة بحسب هذه الخبرة في كنيسة الله بمساعدة روح الله الساكن فيها. بكلمة أخرى الذي هو خارج جسد المسيح وخارج الجهاد ضد الشيطان والخطيئة من أجل الوصول إلى الكمال في المسيح لا يمكنه أن يكون لاهوتياً ولا أن يتكلم عن أسرار ملكوت الله، لأنه حتماً سيخلط بين أفكاره البشرية المسبقة والمظلمة بسبب الخطيئة، وبين حقيقة المسيح. ولن ينفعه أبداً إستعمال فكر أو منطق أو إعتماد على مؤهلات علمية. وأي مؤمن مسيحي بسيط يعيش إيمانه بصدق هو لاهوتي أكثر منه وتنطبق عليه كلمة القديس ذياذوخوس “ليس هناك أفقر من الفكر الذي يتكلم عن الله وهو يقف بعيداً عنه”.

العقائدي

استعملت كلمة “عقيدة” عند الإغريق القدماء لتدل على معان متقاربة منها: “رأى”، تعليم فلسفي”، “وصية”، “أمر”، “قانون عام”. وقد وردت هذه اللفظة بمعانيها المتعددة بضع مرات في الترجمة السبعينية اليونانية للعهد القديم، وخمس مرات في العهد الجديد. إنما بالعنى الخاص الذي ستستعمله الكنيسة فيما بعد كقرار ملزم صادر عن مجمع ذي سلطة كنسية عليا، فلم يرد إلا مرة واحدة في أعمال الرسل كنتيجة لجمع الرسل الذي التأم في أورشليم: وإذ كانوا يجتازون المدن كانوا يسلمونهم “العقائد” التي حكم بها الرسل والمشايخ الذين في أورشليم ليحفظوها (أعمال 16: 4).

مجمع أورشليم كمثال للمجامع المسكونية المحددة للعقائد

ولنتوقف قليلاً عند هذا المجمع ذي الأهمية الفائقة، لأنه على مثاله ستنعقد فيما بعد المجامع المسكونية والتي سيصدر عنها تحديدات عقائدية فنلاحظ الأمور التالية:

1. إن إنعقاد المجمع الرسولي لم يتم بهدف صياة عقائد أو قضايا جديدة لم تكن معروفة من قبل، وإنما سبب الدعوة إليه كان النزاع الطارىء الذي حدث بين الرسولين بولس وبرنابا من جهة وبين بعض المسيحيين من أصل يهودي من جهة أخرى حول السؤال: إن كان يجب أن يحفظ الأخوة من أصل أممي الناموس أم لا؟ (أعمال 15: 9 – 2).
2. أعضاء المجمع النافذون هم الرسل والمشايخ أي الرعاة الكبار الممثلون للكنيسة كلها “فاجتمع الرسل والمشايخ لينظروا في هذا الأمر” (أعمال:15: 6).
3. قرارات المجمع صدرت بعد مباحثات كثيرة، وبرز بين المتكلمين الرسل أي الشهود الرسميون ليسوع ولكن المهم في الموضوع أن القرار صدر بإسم الروح القدس وبإسم الكنيسة: “لأنه قد رأى الروح القدس ونحن” (أعمال15: 28) وهذه العبارة ليست شكلية، ولا تعني كما يظن البعض أنه مجرد أن اجتمع ممثلون رسميون عن الكنيسة فقراراتهم بالضرورة هي قرارات الروح القدس. إنما لكي ذلك يجب أن يكون الإجتماع بإسم يسوع ولأجل مجده “متى اجتمع إثنان أو ثلاثة بإسمي فأنا أكون بينهم”. وأن يكون بين الحاضرين من عندهم الروح القدس فعلاً، وصاروا قادرين أن يعرفوا مشيئته ويرشدوا الآخرين إليها.
4. إن الذي صاغ ونطق بالقرار الرسمي الذي قبل به الحاضرون بعد ذلك لم يكن الرسول بطرس، بل يعقوب أخو الرب أسقف أورشليم، والمترأس على ما يبدو للمجمع: “لذلك أنا أرى أن لا يُثقل…” (1ع 15: 19) نقول هذا لا للنقص، لا سمح الله، من قيمة الرسول بطرس الذي كان لكلامه تأثير بالغ على الحاضرين، إنما لنؤكد الحقيقة الموضوعية وهي أن القرارات العامة الملزمة لأعضاء الكنيسة الجامعة، أو عصمتها، لم تكن محصورة برسول ما أو بشخص مهما سمت مرتبته، إنما بالكنيسة التي يعمل من خلالها الروح القدس: “حينئذ رأى الرسل والمشايخ مع كل الكنيسة” (أعمال 15: 22).

تطور استعمالات إصطلاح عقائد

إن نص القرار الصادر عن المجمع الرسولي كان التالي: “لأنه رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلاً أكثر غير هذه الأشياء الواجبة أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام وعن الدم المخنوق والزنى” (أعما 15: 28). فهل هذه الوصايا أو مثيلاتها هي ما يسمى الآن بحسب الإصطلاح الكنسي عقائد؟ من البديهي أن الوصايا مع أهميتها ليست سوى جانب واحد من الحقائق التي يتعلق بها أمر خلاصنا “إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا” (متى 16: 18). أما الجانب الآخر فهو الحقائق الإيمانية، والتي هي موضوع البشارة المسيحية وجوهرها. “يا سيدي ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلص، فقال آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك” (أعمال 16: 30). والواقع أن الإيمان الحي بيسوع المسيح كرب ومخلص هو مدخل وأساس للإيمان بجميع الحقائق الأخرى الضرورية للخلاص كأسرار الثالوث الأقدس والتجسد الفداء والقيامة والمجيء الثاني… وفي نفس الوقت لإمكانية إتمام الوصايا لأن المسيح هو “الطريق والحق والحياة” (يوحنا 14: 16).

ولهذا كان إصطلاح “عقائد” عند آباء الكنيسة الرسوليين يستعمل للدلالة على المبادىء الأخلاقية التي يجب أن تتكيف بموجبها حياة المسيحيين وكذلك على حقائق الإيمان التي وردت في الإعلان الإلهي. لكن تدريجياً إعتباراً من كليمنضوس الإسكندري وبصورة رئيسية في القرن الرابع إقتصرا استعمال إصطلاح “عقائد” على حقائق الإيمان تمييزاً لها عن الوصايا.
أما بالنسبة لدور المجامع المسكونية السبع في صياغة العقائد، فنلاحظ أن هذا الدور قد إقتصر تقريباً على تأكيد إيمان الكنيسة في ألوهية الإبن والروح القدس والتشديد على وحدة شخص الرب يسوع وتمام طبيعتيه الإلهية والإنسانية. معنى هذا أن هذه المجامع لم تحدد سوى قسم من العقائد التي تؤمن بها الكنيسة، في حين بقي قسم كبير آخر في تراث الكنيسة ووجدانها العام، يتسلمه آباء الكنيسة ورعاتها، ويعلموه كلاماً وحياة جيلاً بعد جيل، كالتعليم عن الكنيسة نفسها والأسرار والنعمة الإلهية والتدبير والمجيء الثاني الخ….

المفهوم الأرثوذكسي للعقائد

بناء على ما تقدم نستطيع القول أن للكنيسة طريقتان للصياغة إما عبر تقليدها وتعليمها العام، وأما في المجامع المسكونية بشكل رسمي ومحدد. وليس من الضروري لكن نؤمن بعقيدة ما أن تكون مصاغة بالطريقة الأخيرة. وكما لاحظنا فانعقاد المجامع لم يكن غرضه صياغة العقائد بحد ذاتها بل هو مجابهة تدبيرية لظروف طارئة كالمنازعات والهرطقات الخ…. أكبر دليل على هذا القول، هو أن جميع ما نؤمن به من عقائد كان معروفاً ومعاشاً في فترة القرون الثلاثة الأولى، أي قبل أن ينعقد أي مجمع مسكوني، وقد نقل إلينا بالتسليم (التقليد). لهذا فالعقائد بالمعنى الواسع للكلمة هي كل الحقائق الإيمانية التي علمها التسليم (الكتاب والتسليم الشفهي)، وبالمعنى الضيق للكلمة هي العقائد المثبتة في المجامع المسكونية وفي المجامع المكانية التي قبلتها المجامع المسكونية.

ما يهمنا في الأمر هو أن الكنيسة الأرثوذكسية ترفض أن تعلن عقيدة أي تعليم ليس له أساس في الكتاب والتقليد، مهما بدا هذا التعليم مقنعاً ومنطقياً، لأن العقيدة ليست نتاجاً لفكر بشري بل هي حقائق إيمانية تتجاوز حكمة هذا العالم ومنطقه، كونها حقيقة الألوهة ذاتها التي أعلنت للبشر بحسب إمكانية قبولهم من أجل خلاصهم. ولذلك فلا مجال على الإطلاق لإضافة أية عقيدة جديدة إلى ما أعلن سابقاً أو حتى قبول أية فكرة توحي بإمكانية وجود تطور في حقيقة العقائد. فهل حقيقة الثالوث الأقدس مثلاً يمكن أن تتطور؟ وهل شخص يسوع يمكن أن يتغير؟ أكثر من ذلك هل أن ما أعلن لنا عن هاتين العقيدتين يمكن أن يزداد ويتسع مع الأيام؟
وهنا يجب أن نميز بين العقيدة كجوهر وكفحوى، أي كسر فائق الإدراك والذي هو موضوع إيمان، وبين الصياغة الخارجية التي تعتمد على الكلمات والصور اللغوية من أجل تقريب الحقائق المعلنة إلى أذهان وقلوب الناس. وبدون أدنى شك فإن هذه الصياغة المؤلفة من مصطلحات لغوية بشرية بحتة، والمكتوبة بأسلوب مشابه لطريقة تعبير العصر الذي كتبت فيه، لا تستطيع بطبيعتها المخلوقة النسبية أن تعبر عن حقائق إلهية غير قابلة للإدراك ومع ذلك، ولأن هذه الحقائق الإلهية موجهة إلى البشر، كان لا بد أن تكتب بلغتهم، إنما بمساعدة الروح القدس الماكث في الكنيسة (يو14: 17) والمرشد إلى جميع الحق (يو16: 13). من هنا فلهذه التحديدات العقائدية المجمعية أهمية كبرى لأنها تضع الإنسان في القنوات السليمة التي تساعده على الإيمان بهذه العقائد بطريقة أقرب ما يمكن إلى الصواب، وبدون أن تلزمه، في تعليمه لها، أن يستعمل العبارات ذاتها التي اختارها آباء المجامع. لا بل من المفضل أن ننقل دائماً الحقائق الإلهية بأساليب متجددة حية، لكن دون أي تغيير في فحواها وجوهرها. لأن تحديد المجامع المسكونية لبعض العقائد لم يكن لتجميدها وحصرها ضمن قوالب معينة. وإنما لقطع الطريق أمام الهراطقة في تحريفهم للإعلان الإلهي ونشر تعاليمهم المغلوطة. بإختصار ما هو قابل للتطور في العقائد هو فقط وسائل التعبير وليس البتة جوهر الإيمان.

الهدف من دراسة العقائد

العقائد هي حقائق الإيمان المعلنة، أما سبب إعلانها فهو الخلاص أو الحياة في المسيح، وقد أعطيت للإنسان لا لكي يستخدمها في أبحاث جدلية، أو ليجعلها مجرد مادة نظرية للدراسة، وإنما لكي تقوده نحو الشركة مع الله: “الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا، وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع إبنه يسوع المسيح” (1يو1: 3). غاية هذه الشركة التي تتم في كنيسة المسيح هي تأله أعضائها المجاهدين واتحادهم الأسمى مع الله. لهذا رفضت الكنيسة وترفض ان تتساهل أو تساوم على قبول أي انحراف عن العقيدة الحقيقية مهما بدا ذلك في نظر الناس تافهاً، لأن أية عقيدة معلنة هي مرتبطة إرتباطاً صميمياً مع قضية خلاصنا وتألهنا “تعرفون الحق والحق يحرركم” (يو8: 32). هذا الأمر يوضح سبب صراع الآباء المستميت ضد الهراطقة، وتعرضهم للعذاب والإستشهاد، لا عن تحجر وتعصب، وإنما لكي يحافظوا على الوديعة سالمة من أجل حياة وخلاص المؤمنين. لهذا سيكون هدفنا من دراستنا للعقائد محاولة التعرف على إيماننا المسيحي القويم كما بشرت به كنيسة المسيح وعاشه رسلها وآباؤها كي يتعمق فينا حافز التعرف على الإله الحي موضوع هذا الإيمان وبالتالي تسليم نفوسنا إليه واتباعه في حمل صليبه والصعود وراءه في طريق الكمال الذي أراده لنا، كي تكون لنا الحياة وتكون لنا أوفر (يو10: 1).

المقارَن

نضيف عادة صفة “المقارن” على مادة ما، لكي ندل أنها تختص بمقارنة إتجاهات مختلفة تتعلق بهذه المادة. كأن نقول مثلاً علم الأديان المقارن فنعني به مقارنة بين الخصائص التي تميّز الأديان، أو علم الليتورجيا المقارن ونعني به المقارنة بين الليتورجيات المختلفة للكنائس…الخ.

من هنا فاللاهوت العقائدي المقارن هو المادة التي تقارن بين الفروقات العقائدية للكنائس أو الفرق المسيحية، وغالباً إنطلاقاً من وجهة نظر معينة.
ومما يجدر ذكره أن الألفاظ التي تستعملها كليات اللاهوت المسيحي مكان كلمة “مقارن” تتشابه جميعها تقريباً، رغم اختلاف لغاتها، لأنها تشتق من كلمة ؟؟ الأغريقية والتي لا تعني “مقارن” بل الرمز أو العلامة التي يعبّر بها عن شيء أو يتعرف بها عليه، كالشعارات أو الإشارات أو كلمات التعارف التي عند الجيوش مثلاً.
في المسيحية يمكن أن تعني كلمة “؟؟” ليس فقط رموزاً كالسفينة أوو السمكة أو إشارة الصليب بل وحتى أسرار الكنيسة (أنظر مثلاً كتابات القديس ديونيسيوس الأريوباغي) لأنها علامات منظورة للنعمة غير المنظورة، وكذلك دساتير الإيمان والتي يرجع إليها هذا الإشتقاق. لأن ؟؟ بحسب معناها الحديث هي الدساتير أو إعترافات الإيمان أو الكتب الخاصة التي تميّز الطوائف أو الفرق الكنسية المختلفة، إذ صيغت فيها التعاليم المسيحية وشدد فيها على النقاط الخاصة التي تميز الطائفة أو الفرقة المعينة. من هنا نفهم سبب تسمية بعض الكتب القديمة المترجمة في اللغة العربية للاهوت المقارن باللاهوت الدستوري.
بالنسبة إلينا لقد فضّلنا تسمية اللاهوت المقارن على اللاهوت الدستوري أو الرمزي وعلى تسميات أخرى مثل: الدفاعي، الجدلي، الخ… لأنها تنطبق أكثر على فحوى هذا اللاهوت وتتحاشى قدر الإمكان الألفاظ التي يمكن أن تسيء إلى جو الحوار الذي تعيشه الكنائس المسيحية في عصرنا الحاضر. كما اخترنا أن ندمج مادة اللاهوت العقائدي الأرثوذكسي مع مادة اللاهوت المقارن في مادة واحدة نظراً للعلاقة الوثيقة التي تربط بين الإثنين ولكي نتجنب التكرار، وأن نكتفي بمقارنة بعض النقاط المهمة المميزة لتعليم الكنيستين الكبيرتين الكاثوليكية والبروتستانتية مع تعليم الكنيسة الأرثوذكسية. هكذا بالنتيجة يصبح اللاهوت العقائدي المقارن للكنيسة الأرثوذكسية هو المادة التي تشرح تعليم الكنيسة الأرثوذكسية أو تعليم الإيمان الرسولي الآبائي العقائدي بطريقة منهجية، مقارنة إياه مع تعليم الكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية.

لكنيسة الروم الأرثوذكسية

وغنى عن التعبير كلمة “أرثوذكسية” والتي تشتق من الفعل ؟؟ وتشير إلى الإيمان المستقيم أو الحق، ليست بالنسبة إلينا شعاراً لطائفة معينة يميزها عن بقية الطوائف، بل هي طابع الكنيسة الأولى الجامعة التي حافظت على إستقامة التعليم الرسولي، واستمرارية الحياة بالروح القدس، كونها الكنيسة ذاتها التي أسسها الرب يسوع المسيح على صخرة الإيمان الحق بإبن الله الحي المتجسد والباقي معها إلى الأبد.

أما بخصوص كلمة “رومان” أو “روم” فقد أطلقت غالباً على رعايا الكنائس القديمة الخمس (روما، القسطنطينية، الإسكندرية، إنطاكية، أورشليم) لأن هذه المدن كانت المراكز الكبرى الإدارية والروحية للأمبراطورية الرومانية وهي لا تعني بالضرورة أن أبناء هذه الكنائس هم رومان أو يونان بل تدل على أنهم، بالرغم من انتمائهم إلى قوميات مختلفة، قد تبعوا إيمان الكنيسة الجامعة التي كانت حينها ضمن إطار الأمبراطورية الرومانية. وقد ازدادت الحاجة إلى استعمال هذه الصفة (رومان، روم) بعد استقلال الكنائس الشرقية القديمة والتي أخذت إلى حدّ ما طابعاً قومياً كالكنائس الأشورية، السريانية، القبطية، الأرمنية والحبشية الخ… فكل من لم ينتسب إلى هذه الكنائس وبقي على إيمانه بكنيسة الأمبراطورية الرومانية أي كنيسة المجامع المسكونية السبعة، التي عقدت بمبادرة أباطرتها وعلى نفقتهم، سمّي “رومانيا” أو “روميا” تمييزاً له عن أبناء الكنيسة المذكورة.
ومن المعلوم أن المراجع القديمة بما فيها العربية كانت تسمى رومان القسم الشرقي من الأمبراطرية الرومانية روم تمييزاً لهم عن الرومان القسم الغربي من الأمبراطورية، في حين سماهم الغربيون منذ القرن التاسع “Greek”، وفيما بعد بيزنطيين لكي يبعدوا عنهم الإنتماء الى الرومانية ويحتفظوا بها لأنفسهم. والواقع أن الغربيين هم الذين تغربوا عن هذه الصفة بعد إحتلال القبائل الجرمانية (الغوط، الإفرنج، اللومبارديين، الأنكلوساكسون الخ…) للغرب واندثار الحضارة الرومانية فيه، وفصله عن القسم الشرقي وبالتالي إبعاده عن منابع التقليد اللاهوتي الرسولي.
ما يهمنا نحن هو التشديد على أن كلمة “روم” لا تعني انتماءً قومياً، بل هي بالنسبة إلينا الآن انتماء حضاري وختم أصالة، كون “الرومانية” أو “الرومية” بشكل خاص هي البيئة التي أخذت فيها الكنيسة طابعها الثقافي والحضاري الأول إذ استعمل الرسل والآباء والشعراء الملهمون والمصورون المبدعون التعابير اللغوية والإصطلاحات الفلسفية والأصول الشعرية والموسيقية والتصويرية التي كانت شائعة في تلك البيئة. والتي جمعت تأثيرات من مختلف الحضارات المنطوية تحت لواء الأمبراطورية الرومانية كاليونانية والرومانية والآرامية والمصرية الخ… وهكذا مع الزمن صار للكنيسة أدبها المميز بإصطلاحاته المسيحية الخاصة، وأيقوناتها بأسلوبها الفني الروحاني، وطقوسها بأصولها الشعرية وموسيقاها الموحية، والتي تشكل جميعها تقليدها الرسولي الكنسي وتعبر عن حياتها المتجددة، أو عمل الروح القدس فيها عبر التاريخ من خلال هذه الأطر الحضارية. الأهم في صفة “روم”، إذن، ليس مجرد غنى ورعة التراث الحضاري الرومي الذي إليه ننتمي، بل الحياة الإلهية التي تحملها تعابيره، فتساعد المؤمنين على التخشع، وتضعهم في تيار روح الله الذي عاشه مؤلفوها القديسون الملهمون.

admin:
Related Post