X

بحث في التراث الأرثوذكسي

مختارات روحية

إعداد الأب أنطوان ملكي

الفرق بين اقتلاع الهوى واقتلاع الخطيئة

معروف أنّه عندما يشعر المسيحي أنّه ارتكب خطيئة، يتخلّص منها عن طريق الاعتراف والحلّ الذي يعطيه إياه الأب الروحي، بقراءة الأفشين المناسب. إلا أنّه إذا كان هوى ما يكمن وراء هذه الخطيئة مسبباً إياها، فإن غفران الخطيئة لا يستأصل الهوى ويرميه بعيداً، وبالتالي لا يصير الإنسان بلا هوى وكاملاً. وعليه، من الممكن جداً أن هذا الشخص سوف يعود مجدداً إلى ارتكاب هذه الخطيئة نفسها بسبب ذلك الهوى الكامن وراءها. لا نقصد هنا تعداد السبل إلى استئصال الأهواء خاصةً أنها لا تفارق الإنسان على ما يرد في الأنتيفونة الأولى من اللحن الرابع: “منذ شبابي أهواء كثيرة تحيط بي، لكن أنتَ يا مخلّصي تعطّف علي وخلّصني”.

نذكر هنا ققط أنّ الهوى قد لا يفارق الإنسان مباشرةً كما يصير مع الخطيئة عند صلاة الأب الروحي، ولكن على الأكيد أنّه يضعف، وينتهي ببطء عندما يلجأ المسيحي المجاهد إلى الأسلحة الروحية المناسبة. في ما يلي سوف نورد مثلاً مبسّطاً عن كيف تضعف الأهواء تدريجياً.
في ما مضى من الزمان، انتهى أحد الرجال الحسني النية إلى أن يصير سارقاً للحيوانات، وتطور الأمر إلى هوى عنده. بعد أن تعرّف على أحد الآباء الروحيين، اعترف بخطاياه وبهذا الهوى، وساعده الشيخ على قطع هذه العادة تدريجياً، لأنّه ميّز استحالة قطعها مباشرة. وقبل أن يمضي قال له الشيخ: “إسدِ لي خدمة ولا تسرق أيّ حصان بعد الآن”. فأجاب: “معم، هذا سوف يكون سهلاً”. وبالفعل توقف عن سرقة الأحصنة.
عند محيئه في المرة التالية إلى الاعتراف عند الأب الروحي، سأله الشيخ قبل ذهابه: “أرجو أن تسدي لي خدمة ولا تسرق أي ماعز بعد الآن”. فأجاب: “سوف أفعل، مع أن الأمر يبدو عسيراً، إلا إني سوف أفعل كما تقول”. وتوقف عن سرقة الماعز.
ومرة بعد مرة، وبالطريقة عينها كان الشيخ الروحي يحذف نوعاً من أنواع الحيوانات التي اعتاد أن يسرقها هذا الإنسان. إلى أن أتى الرجل إليه يوماً مفعماً بالفرح وبادره قائلاً: “يا ابتِ لم يبقَ إلا الدجاج”.

تبرير الخطيئة أسوأ من فعلها

ذكر أحد شمامسة الكنيسة الصربية أنّ رجل الله المثلث الرحمات البطريرك بافل الصربي، قام بزيارة مدينة فريانسكابانيا في عام 2003. ولما مضى الشماس ليسلّم على البطريرك طلب الأخير من راهبات دير زيكا، حيث كان موجوداً، أن يقدّموا الضيافة للشماس. كانت الراهبات على علم أن مطران المحلّة، الأسقف استفانوس، قد أعطى البركة للشماس لشرب كأس براندي في كل مرة يزوره. فجلبت الراهبات القهوة وسألن البطريرك: “يا صاحب الغبطة، ما رأيكم بجرعة براندي للشماس؟”. فظلّ البطريرك صامتاً. فككرت الراهبة المضيفة السؤال: “يا صاحب الغبطة، أأجلب البراندي للشماس؟” وأيضاً لم يجب البطريرك. ولكي يكسر جدار الصمت غير المريح، بادر الشماس قائلاً: “يا صاحب الغبطة، يقولون في قريتي أن قهوة من دون براندي هي مثل إنسان ميت من دون شمعة”. فأجاب البطريرك: “هنا تكمن القصة يا أخي، ليست الخطيئة الكبرى هي التي تُرتَكَب بل السعي إلى تبريرها”.

السلام في العمل

القصّة التالية هي مثال عملي حول اتّباع أسلوب المحبة، النافع لأغلبنا في هذه الأيام، مأخوذ من كتاب سيرة الشيخ تداوس (1914-2003) من دير فيتوفنيتشا (صربيا). يخبر الشيخ قائلاً:

غالباً ما أتذكّر إحدى الأخوات التي أتت مرة إلى الدير بصحبة مجموعة من الحجاج (الزوّار)، وكانت تتأفف قائلة: “لا أستطيع أن أحتمل أكثر من هذا… الناس لم تعد تحتمل بعضها… سوف أبحث عن عمل آخر”. نصحتُها بألا تفعل، لأن الوظائف قليلة جداً ومستوى البطالة عالٍ. قلتُ لها بأن توقف الحرب ضد زملائها، فردّت “أنا لست أقاتل أحداً!”. شرحتُ لها أنّها وإن لم تكن تقاتل جسدياً، إلا أن الحرب على الزملاء مستعرة في أفكارها، لكونها غير سعيدة بمركزها.
احتجّت بأنّ وضعها المهني لا يحتمله أحد، فأكدتُ لها ذلك موضحاً أنّها لا تستطيع احتماله لوحدها، وبأنّها بحاجة إلى المعونة الإلهية. لا أحد يعرف إذا كنتِ تصلّين أثناء العمل أم لا. لذا، عندما يؤذونكِ لا ترجعي إلى أذاهم، لا بالكلام ولا بالأفكار السلبية. حاولي ألاّ تؤذيهم ولا حتّى بأفكارك، اضرعي إلى الله ليرسل غليهم ملاكاً سلامياً. واطلبي أيضاً ألاّ ينساكِ. لن تقدري على هذا مباشرة. لهذا، إذا صليّتِ دوماً على هذا المنوال، سوف ترين كيف تتغيّر الأمور مع الوقت، وكيف يتغيّر الناس أيضاً. في الحقيقة أنت أيضاً سوف تتغيّرين.
فذ لك الحين، لم أعرف ما إذا كانت سوف تأخذ بنصيحتي أم لا. هذا الأمر حدث في دير تومان سنة 1980. في 1981، أُرسِلتُ إلى دير فيتوفنيتشا. زفيما كنت مرة أجلس تحت شجرة سفرجل، لاحظتُ مجموعة من الزوار يصلون، وكانت هي من بينهم، فأتت إليّ طالبةً البَرَكة. ما أن وصلت حتى بادرتني قائلة: “آه يا أبانا! لم يكن لديّ أي فكرة عن مدى خيرية الآخرين”. فسألتها ما إذا كانت تقصد زملاءها في العمل، وأجابت بالإيجاب، وتابَعَت: “لقد تغيّروا كثيراً، بشكل لا يُصَدَّق! لا أحد يزعجني كما في السابق، وأستطيع ان ألاحظ التغيير حتّى في ذاتي أيضاً”.
لو كان في كل شركة أو مصنع أو مكتب شخص واحد من هذا النوع، لكان رسم الطريق إلى السلام. الحاجة هي إلى شخص واحد مرتبط بالله من خلال الصلاة. وإذا توفّر يسود السلام في كل مكان… في العائلة، في العمل، في الدولة، وفي كل الأمكنة. هذا لأننا بوجود هذا الإنسان نتحرر من الأفكار المظلمة والثقيلة.

admin:
Related Post