X

بحث في التراث الأرثوذكسي

تأمّل في إنجيل أحد توما

الأب أنطوان ملكي

غالباً ما توحي القراءة الإنجيلية في أحد الرسول توما بالكلام عن الشكّ وعن توما المشكّك. بالطبع، موضوع انتقال الرسول من الشك إلى الإيمان موضوع مهمّ. ولكن في هذا الشرح سوف نتوقّف عند الآيتين: “وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ.”

في شرح هاتين الآيتين نتوقّف عند الملاحظات التالية:
– في هاتين الآيتين هدف كتابة الإنجيل: لتؤمنوا فتكون لكم حياة في المسيح. الكلام ليس عن حياة مسيحية، بل عن حياة في المسيح. باستطاعة كل البشر أن يعيشوا حياة مسيحية، قوامها الأخلاق وعمل البِر والسلام، ولكن هل يستطيع كلّ السالكين في الحياة المسيحية أن يكون لهم حياة في المسيح؟
– أمر آخر نلحظه في هذه القراءة هو أن الإنجيل كرواية ليس كاملاً، أو بتعبير أكثر دقّة، ليس وصفاً كاملاً لكلّ الأعمال التي قام بها السيّد على الأرض أو التعاليم التي نطق بها. في الواقع، معروف أنّ الكنيسة عاشت فترة من دون أناجيل. لأمّا عدم اكتمال رواية حياة المسيح في الأناجيل معناه أنّ تعليم الكنيسة ليس موجوداً كلُّه في الإنجيل، بل هناك مصادر أخرى اختبرتها الكنيسة بشهادة الإنجيل نفسه. وفي هذا الكلام ردّ على المشككين بقدّيسي الكنيسة ونسكها وأصوامها وخِدَمِها، الذين لا ينفكّون يسألون أين يَرِد هذا في الإنجيل وأين يرد ذاك. فليرفضوا الصوم، مثلاً، يقولون أين قال الرب لا تأكلوا لحماً أو صوموا أربعين يوماً…
الأمر الأخير الذي نتعلّمه من هاتين الآيتين هو أنّ الكتاب المقدّس ليس الإعلان الإلهي بل هو حول هذا الإعلان. فالإعلان يتخطّى الكلمات والمفاهيم مع أنّه هو مَن يوحي بالكلمات والمفاهيم والصور للذين عبّروا عنه من خلالها، أي شرحوا ما لا يسهُل شرحه أو وصفوا ما يصعب وصفه. الإنجيل هو دليل للمسافر، والقراءة عن أرض ما في الدليل ليست كمثل زيارتها. الدليل يصف لنا الطريق ولكن علينا أن نسلك الطريق بأنفسنا. في الإنجيل لا نلتقي بالربّ وجهاً لوجه بل نقرأ عن ذاك اللقاء ونأخذ تعليمات عن كيفية البلوغ إليه. يقودنا الإنجيل إلى الإيمان ولكن الإيمان ليس نهاية الرحلة بل بدايتها لأنّه قد كُتِب “لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ”، فيما الجزء الأهمّ يضيفه الرسول يوحنا: “وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ.” الهدف هو الحياة باسمه، أي الحياة في المسيح.
شكّ توما نقله إلى الحياة في المسيح عندما رأى ونحن استحققنا الطوبى لأننا نؤمن ولم نرَ. صحيح أننا لم نرَ ولكن عندنا الإنجيل ومعه سحابة من الشهود الذين عاشوا ويعيشون في المسيح وينيرون حياتهم وحياتنا بنوره. يبقى أنّها مسؤولية كلّ منّا أن يسعى، يقرأ الإنجيل، يصومـ ويرتمي عند قدمي الربّ في كل مرة يحسّ بها في الشك صارخاً غليه “أنا أؤمن يا ربّ فأَعِن عدم إيماني”.

admin:
Related Post