X

بحث في التراث الأرثوذكسي

القوانين الكنسية كدواء

الخورية سميرة عوض ملكي

تكثر تساؤلات أبناء الكنيسة حول الاختلاف في التعاطي والخدمة بين أبرشية وأخرى، وبين رعية وأخرى، وبين كاهن وآخر: لماذا كذا مقبول هنا ومرفوض هناك، ولماذا فلان يقبل وآخر يرفض؟ وأكثر ما يثير هذه التساؤلات الاختلاف في ممارسة الأسرار، وتحديداً الزواج والمعمودية والإفخارستيا. يكمن سبب هذا الاختلاف في النظرة إلى الكنيسة وقوانينها وعلاقتهما بإنسان اليوم ومتطلباته وميوله.

الكنيسة هي المسيح، رأس الكنيسة وجسدها. وقد تسلّم الرسل الكنيسة من المسيح، وسلّموها إلى خلفائهم، لكي تكون الكنيسة واحدة مقدّسة جامعة ورسولية. ونحن نتثبّا من حضور المسيح في كنيسته من عمل الروح القدس في حياة الكنيسة الأسرارية، لكي يستمرّ دون انقطاع عمل سلطة المسيح الكهنوتية التي سلّمها إلى رسله، وهذا ما نسمّيه التسلسل الرسولي. من هنا، الكنيسة هي بامتياز سرّ الخلاص الذي منه تنبع كل الأسرار المقدّسة وإليه تعود. لذا، يقول القديس نيقولاوس كاباسيلاس: “الكنيسة تستعلن في الأسرار”. وعليه، حياة الكنيسة هي بامتياز القانون لحياة المؤمنين، الذي يُثَبَّت باستمرار في القوانين الشريفة التي تصدر عن المجامع المسكونية والمحلية بهدف تجنّب أو علاج اي انحراف عن قانون حياة الكنيسة. لذا كل القوانين الشريفة تشير إلى الاستمرار الأصيل لحياة الكنيسة السرارية، برفضها لكل انحراف في الأمور التي تختص بالإيمان، بالنظام القانوني وبحياة الجسم الكنسي.

يقول القديس باسيليوس الكبير: “لو شاء أولئك الذين يسمّون انفسهم مسيحيين أن يستمروا محافظين على الحقيقة الإنجيلية والتقليد الرسولي والإيمان البسيط، لما اضطررت أن أتكلّم، ولبقيت صامتاً، لكن عدو الحقيقة الشيطان الذي يضاعف الشر مع الزؤان الذي زرعه في كنيسة الله، والذين وُجِدوا أعضاء له، وأداة نكران للمسيح، جعلني أقف بينكم لا لأدحض فكرة الشيطان فقط، بل لأعيد إلى حقيقة المسيح مَن سخّره إبليس ليكون له أداة طيّعة”. هذه الكلمات يمكن أن تُقال في موضوع القوانين الكنسية. لولا الخطيئة لما كانت الشريعة. وُجدت القوانين للوقوف في وجه الخطيئة ومنعها من الانتشار، لا بل وُجِدَت لتكون مذكّرةً دائماً بالحقيقة، وموجّهة نحو الخير والصلاح وأبواباً تسدّ طرق الجحيم، وتنفتح على الملكوت السماوي.

لمضمون القوانين في الكنيسة الأرثوذكسية أساسان: الأول في الكتاب المقدّس والثاني في التقليد الرسولي، وهما يتكاملان ولا يمكن فصلهما أبداً، لأنّهما يغرفان في الكرازة الرسولية. لقد لوحظ من تاريخ الكنيسة أنه في الفترات التي أصبح المسيحيون دهريين، صيغت قوانين كثيرة حتى يستطيع الناس أن يدركوا عدم استقرارهم الروحي ويميّزوا الخير من الشر ويُقادوا على درب الشفاء. إذاً، القانون ليس اختراعاً بشرياً إنما وحي من الله للإنسان كي يشفى. ليست القوانين كلمات وحسب، بل هي كلمات تلبس روح المسيح لتكون حركة مستمرّة عبر التاريخ تستهدف ردع الإنسان ومنعه من الدخول في أحابيل الشرير. القوانين هي تعبير حي لكل وجودنا لذلك علينا أن نطبّقها كأنّها جزء منّا وكأننا نحن واضعوها وملتزمون بتطبيقها، إذا كنّا نؤمن بحقيقة الكنيسة التي وضعتها للمحافظة على النفوس من الضلال.

إذاً، الحق القانوني من خلال المفهوم الأرثوذكسي هو لسان حال التقليد. ولما كان المسلك الرسولي هو المسلك المثالي في الكنيسة وجَب على المؤمن العودة إليه بواسطة التقليد وليس التغرّب عنه بواسطة اعتبارات لا علاقة لها به. بكلمة أخرى، يجب على الكنيسة أن تغرف بصورة متواصلة من الكنز الرسولي الذي لا يفنى وألا تغرق في فلسفات هذا العالم المغرية التي يلوح للإنسان من خلالها انّها تفهّمته أكثر فأكثر. لأن الفلسفة الوحيدة التي فهمت الإنسان على حقيقته لم تكن من هذا العالم والدليل على ذلك أنّها تجلّت بشكل لم يفهمه العالم في جنون الصليب.

هل يختلف مؤمن القرون الأولى عن مؤمن القرن الحادي والعشرين؟ نعم يختلف ولكن ليس من جهة الإيمان، لأنّ الإيمان هو نفسه، ثابت لا يتغيّر. هل تبع مؤمن القرون الأولى قوانين تختلف عن تلك التي يُفتَرَض أن يتبعها مؤمن القرن الحادي والعشرين؟ تسقط بعض القوانين على مر العصور عندما تزول الأسباب التي كانت علة ظهورها أو عندما تظهر أعراف مناقضة تتخذ قوة القانون عبر العصور. أوضح مثال على هذا هو منع زواج الأساقفة الذي لم يكن في البداية قانوناً بل القانون أتى لاحقاً. ففي الأصل، أوصى الرسول بولس بأن يكون الأسقف بعلاً لامرأة واحدة. لاحقاً، أتى القانون بأن لا يتزوّج الأساقفة.

إنّ سقوط بعض القوانين مع الزمن أمرٌ طبيعي لا بل ظاهرة تدل على أن المؤمنين يعيشون عقيدتهم في المجتمع الذي لا تستطيع الكنيسة أن تحسّنه إلا إذا ارتدته كاملاً، ما يستدعي وعياً قانونياً يسير على خط مستقيم موازٍ لخط التعليم العقائدي. ويمكن تحديد هذا الوعي بالشعور المستمر في الكنيسة بوجوب اتفاق تصرف العضو مع التعليم الكنسي العقائدي.

من هنا، ليس التمسّك بالقوانين تطرفاً ولا خرقها عمل محبة، كما يظن البعض مخدوعين. فالخير هو حقيقة لا تتقيّد بالزمان، إنّه وليد صورتنا الإلهية، وإذا ما التزمنا القوانين فإننا نلتزم حياتنا في حريتها وانعتاقها. ومن أجل هذه الحياة سنّ الرسل والمجامع والآباء هذه القوانين وسط تيارات فكرية مختلفة واتّجاهات عقلية غريبة واستشفّوا المدى الأبعد والنهاية كلّها لتكون القوانين فوق الأهواء الشخصية، تتوخّى فقط فتح الطريق أمام البشر إلى الفردوس الذي فقدوه بخطيئة الكبرياء ولتستمرّ رابطة المؤمنين عبر التاريخ، الماضي والحاضر والمستقبل، في وحدة إيمانية ملتزمة.

أخيراً، هل القوانين ملزِمة؟ نعم، الالتزام مفروض علينا، فرضاً يأتي من الداخل، من داخلنا، لأن القوانين وإن تكن قد سُنَّت في عصور متقدّمة، فهي تمثّل كل وثباتنا وتطلعاتنا إلى العالم الأفضل. ما من أحد يفرضها علينا، إن لم نكن نحن نرغب في شفاء نفوسنا وخلاصها.

لم تعرف الكنيسة، طوال القرون الثلاثة الأولى، السلطةَ بالمعنى الذي فرضه التطور والذي اعترفت به الإدارة فيما بعد للأسقف على أسقفيته. فالكنيسة لم تكن تعرف سلطة إلا واحدة هي سلطة حل الخطايا وربطها، وارتباط المؤمنين بأسقفهم كان يظهر في سر الشكر. كلّ القوانين التي كانت أعرافاً في تلك الفترة تخلو من كلمة سلطة أو أي كلمة أخرى تحمل المعنى نفسه. فعندما كان يتكلّم الآباء عن سر الشركة كانوا يفهمون بذلك سر المحبة الذي يربط المؤمنين ببعضهم برباط روحي. إلى هذا، أتى لاحقاً مبدأ قانوني أساسي يقول بأنّ الذي يشرطن له أيضاً السلطان لأن يدين. فهو يحدد الحكم على الإكليريكيين والرهبان والعلمانيين في أي وجه إداري. لذا، استقامة العمل الكنسي اليوم تقوم أولاً على الأساقفة، مجتمعين كمجمع للكنيسة، وأفراداً كلٍ في أبرشيته حيث هو القاطع باستقامة كلمة الحق. من بعدهم يأتي دور الكهنة الذين ائتمنهم الرب على جسده وتعهّدوا بأن يكونوا أمناء عليه إذ سوف يُطلَب منهم يوم الدينونة. وأخيراً، يظهر التزام كل فرد من المؤمنين بكنيسته في التزامه قوانينها من دون استنساب ولا تلاعب ولا أهوائية.

المراجع

الياس الرابع، البطريرك الأنطاكي. توطئة لمجموعة الشرع الكنسي. منشورات النور. بيروت. 1985.

غلام، الأب سمير. المفهوم الأرثوذكسي للحق القانوني. منشورات النور. سلسلة “تعرّف إلى كنيستك”، 19. بيروت. 1986.

فلاخوس، الميتروبوليت إيروثيوس. الفكر الكنسي الأرثوذكسي. نقله إلى العربية الأب أنطوان ملكي. تعاونية النور للنشر والتوزيع. بيروت. 2002.

فيداس، د. فلاسيوس. من أمالي مادة القانون الكنسي. ترجمها عن اليونانية د. جاك خليل. 2003/2004.

admin:
Related Post