X

بحث في التراث الأرثوذكسي

الموقف الكاثوليكي من قضية انبثاق الروح القدس من الآب والإبن

الأب جورج عطية

يعتبر الغربيون أن إرسال الروح القدس الى الخارج والذي تمّ ليس فقط من قبل الآب بل أيضاً من قبل الإبن هو بنوع من مواصلة الصدور الأزلي في الزمان. ولهذا فعبارة ((الذي من عند الآب ينبثق) لا تنفي في نظرهم الإنبثاق من الإبن بل نفترضه بسبب مساواة أو وحدة  الإبن مع الآب في الجوهر (يوحنا16: 25). ولهذا ولأن الآب يبثق الروح القدس فالإبن يبثقه كذلك لأن كل ما للآب هو للإبن (يوحنا16: 15). ولكن هذا الإفتراض خاطىء بالأساس. صحيح أن وحدة جوهر الآب والإبن تفترض وحدة الصفات الأزلية مثل الحضور في كل مكان، القدرة على كل شيء… لكنها تفترض أيضاً أنهما شخصان متميزان وهذا التميّز بحسب الآباء يقوم فقط بتميّز صفاتهما الأقنومية التي لا يجوز تعميمها كما رأينا لئلا يحصل التشوش ونصل الى الصاباليوسية. فيبطل أن يكون هناك ثالوث.

السؤال: هل انبثاق الروح القدس صفة جوهرية أم صفة أقنومية؟

فإن كان صفة جوهرية يمكن أن نعممها فعندئذ يجب قبول انبثاق الروح القدس من الآب والإبن. لكننا في هذه الحال نصل الى نتائج لا حدود لتجديفها وغرابتها. فمثلاً إن كان الروح القدس ينبثق من الآب لأن الإبن متحد مع الآب في الجوهر، وكل ما للآب هو للإبن، فلماذا لا ينبثق الروح القدس من ذاته؟ – لأنه هو أيضاً متحد معهما في الجوهر وكل ما لهما له. ولماذا لا ينبثق الآب والإبن من الروح أيضاً؟ – الإبن يولد من الآب، فلماذا لا تكون للآب والروح صفة الولادة أيضاً طالما هو متحد في الجوهر معهما وكل ما لهما هو له؟ ولماذا لا تكون للإبن والروح صفات عدم الصدور والايلاد التي للآب…؟

ولكي لا يصل الكاثوليك الى نتائج كهذه قالا أن الإبن بسبب ولادته الأزلية يملك كل ما يملكه الآب إلا الأبوة وعدم الصدور، إذ يمكنه أن يشارك غيره بالبثق ولكنه لا يستطيع أن يشارك غيره بالولادة. أليس هذا إستثناءً إعتباطياً غير مبني على أساس؟

عند بعض اللاهوتيين الكاثوليك جواب آخر هو أن ترتيب الأقانيم الإلهيين هو الآب، الإبن، الروح القدس. ولأن الروح القدس هو الثالث في الترتيب لذلك لا يستطيع أن يلد الإبن أو أن يبثق الذي هو قبله، وبالطبع فهذا يقود في حال قبوله الى نوع من المرتبية والأسبقية بين الأقانيم، على اعتبار أن الإبن يولد من الآب قبل أن ينبثق الروح القدس منه.

ولعل الإدّعاء الذي ورد الفقرة (د) بأن الروح القدس ينبثق من الآب والإبن، كمن مبدأ أوحد وبنفخ أوحد، هو محاولة للتهرب من الوصول الى هذه المرتبية والأسبقية الزمنية بين الأقانيم التي لا بد أن المغبوط أوغسطين قد لاحظها ولذا شدّد: “يجب أن لا نقبل (من مبدأين) لأن هذا بالكلية مختلق وأخرق. لا بل هرطقة وليس بحسب العقيدة الجامعة”. وفي الواقع فإن مجرد الدفاع عن انبثاق الروح القدس من الآب والإبن هو بحد ذاته القول بأن الروح القدس ينبثق من مبدأين أي مصدرين هما الآب والإبن، وبالتالي الى اعتبار الروح مركبّا وليس بسيطاً، لأنه مأخوذ من مصدرين ولا تنفع في هذه الحالة إضافة كلمات (كمن مبدأ واحد وبنفخ واحد) إذ لا يمكنها أن تغيّر واقع الإدعاء الأول، وفي هذا المجال يقول البطريرك فوتيوس مَنْ مٍنَ المسيحيين يستطيع أن يسمح أن يُدخل علتان في الثالوث الأقدس للإبن والروح القدس، فيجعل للروح أيضاً (الإبن)… ولماذ ينبثق الروح (ومن الإبن) فإن كان الإنبثاق من الآب هو تام (وهو تام لأن الروح إله تام من إله تام) فلماذا إذاً الإنبثاق من الإبن؟ ولماذا؟

بناء على ما تقدم، بثق الروح القدس ليس هو صفة جوهرية يمكن تعميمها على الأقانيم بل هو صفة أقنومية شخصية تخص الآب وحده، وبها يتميز عن الإبن والروح القدس. وهي مختلفة جذرياً عن إرسال الروح القدس في الزمن، والمعني به افاضة مواهبه وقواه على الخليقة التي افتداها الإبن بتجسده وقيامته. ولعل هذا هو ما قصده السيد عندما جمع في عبارة واحدة بين الإرسال والإنبثاق (يوحنا 15: 26) لكي يميز بوضوح بينهما وليس لكي يدل على أن الإرسال الى الخارج يفترض بالضرورة مواصلة الصدور الأزلي في الزمان كما تدّعي كتب اللاهوت الكاثوليكية. وللبرهنة على خطأ هذا الإدعاء يكفي أن نقول بأنه في حال تسليمنا به يجب أن نقبل بأن الإبن يولد من الأزل من الروح القدس، لأن الكتاب المقدّس يعلّمنا بأن الإبن يُرسل في العالم من الروح القدس “روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشر المساكين….. أرسلني لأشفي المنكسري القلوب” (أشعياء 61: 1 ولوقا 4: 18).

جواب الكاثوليك على هذا البرهان هو قولهم بأن الروح القدس يرسل هنا الإبن كإنسان وليس بحسب طبيعته الإلهية التي هي حاضرة في كل مكان وليست قابلة للإرسال. وردّنا نحن على جوابهم بأن الروح القدس هو أيضاً بحسب أقنومه الإلهي حاضر في كل مكان وليس قابلاً للإرسال، وإنما أرسل بهيئة منظورة في الزمن، أي بشكل ألسنة نارية في العنصرة لكي يبقى مع الكنيسة، بحسب قواه المعزية والمرشدة المقدسة.

الآباء القديسون: يفسرون إرسال الروح القدس في العالم بواسطة الإبن، وإرسال الإبن بواسطة الروح القدس من خلال وحدة الجوهر الإلهي التي يعبّر عنها بوحدة عملهما الخارجي. ولذلك حيث يعمل أحد الأقانيم يكون حاضراً وفاعلاً بشكل تلقائي الأقنومان الآخران. ولهذا يقول الآباء أن الإبن أرسل في العالم من الآب ومن الروح القدس لكي يظهر من خلال هذا أن الآب والروح ليسا غريبين عن العمل الخلاصي للإبن بل يشاركان في هذا العمل، وكذلك الحال بالنسبة لإرسال الروح القدس في العالم من الآب والإبن.

تستشهد كتب العقائد الكاثليكية ببعض أقوال المجامع مثل موافقة المجمع المسكوني الثالث على الحروم الإثني عشر للقديس كيرللس الإسكندري ومنها الحرم التاسع الذي يسمّى فيه الروح القدس خاصّة الإبن. وفي الحقيقة إذا تمعنّا في نص هذا الحرم لوجدنا أن التشديد ضد نسطريوس هو أن يسوع صنع العجائب بواسطة الروح القدس، ليس كأنه قوة غريبة عنه بل بواسطته كقوة خاصة به لأن الروح القدس متحد معه في الجوهر. القديس كيرلس أوضح فيما بعد هذه الحقيقة في جوابه على بعض النقاط التي أثارها ثيودوريتس القورشي، ومن بينها هذه النقطة بالذات، فيقول بأنه سمّى الروح القدس خاصة الإبن لأنه بالرغم من انبثاقه من الآب إلا أنه ليس غريباً عن الإبن.

كذلك يستشهد الكتّاب الكاثوليك بأقوال بعض الآباء فيفسرون بعض العبارات تفسيراً يتفق مع دعمهم للفيليوكفي، مثل: “الروح القدس يستقر في الإبن”، “يرتاح في الإبن”، هو “أيقونة الإبن”، “عنده المنبع في الإبن”… ولكن إذا نظرنا أيضاً الى هذه العبارات في مجمل النص الذي جدت فيه وبعلاقته مع العقيدة العامة للآباء القديسين الذين استعملوها لوجدناها تتحدث عن الإرسال الزمني للروح أو على وحدة الجوهر مع الإبن، وليس البتة عن انبثاق الروح من الإبن. فمثلاً الفديس أثناسيوس الكبير يسمّي الإبن: “نبع الروح القدس” لأن الإبن هو من يرسل الروح القدس في العالم لكي يساعد البشر على اقتبال الخلاص.

والقديس يوحنا الدمشقي يستعمل عبارة: “الروح القدس يرتاح في الإبن” لأنه واحد مع الآب في الجوهر، وهكذا….

ويضيف الكاثوليك أنه الى جانب هذه العبارات الآبائية غير المباشرة، هناك من الآباء والكتّاب الكنسيين من يعلّم الإنبثاق من الإبن بصورة مباشرة. ويستنتجون من هذا قدم وعمومية هذه العقيدة في الكنيسة المسيحية. إلا أنه كما يلاحظ (B- Bartman) الكاثوليكي، تظهر الفيليوكفي لأول مرة عند أوغسطين الذي أعلن “لا نستطيع أن نقول بأن الروح القدس لا ينبثق من الإبن لأنه ليس بدون هدف أن يقال عن الروح نفسه بأنه روح الآب أو روح الإبن”. وتبعه في ذلك كتّاب غربين كنسيون آخرون مثل البابا لاون الكبير وجناديوس المارسيلي وفيليكس دى نولا وفولجنتسيو دى روسبي Fulgentiu de Ruspe  ومع ذلك فلم يكن رأى أوغسطين نفسه ثابتاً دائماً في هذه النقطة كما وان رأى هؤلاء الكتّاب الكنسيين لا يشكل البرهان بأن هذا هو اعتقاد الكنيسة الأولى بل هو مجرد رأي شخصي انحرف عن تعليم الكنيسة.

يوجد بعض الآباء الذين استعملوا عبارة “الروح القدس ينبثق من الآب بالإبن وقد استعملها بشكل خاص بعض الآباء الشرقيين. وبالطبع فاللاهوتيون الغربيون يعتبرون أن عبارة بالابن تعبّر عن فكرة من الإبن ولا يوجد أي فرق بينهما.

أما بالنسبة للآباء فالبعض منهم استعمل عبارة بالابن للتعبير عن إظهار الروح القدس في العالم وليس انبثاقه. بينما البعض الآخر استعملها بالعلاقة مع أصله.

فمثلاً فيما يختص بالإستعمال الأول، نقرأ عن القديس غريغوريوس العجائبي: “أن الروح القدس عنده الكيان من الله وأظهر للناس بواسطة الإبن” وكذلك عند القديس كيرللس الإسكندري “يأتي الحي من الآب بالإبن”. يأتي منه بحسب بحسب الجوهر ويمنح للخليقة بواسطة الإبن أي أن هؤلاء الآباء يريدون القول أن الإبن هو السبب الذي من أجله أرسل الآب الروح القدس. ولو لم يأتِ الإبن في العالم لما كان أرسل الروح القدس.

فيما يتعلق بالإستعمال الثاني لعبارة بالابن، هناك بعض الآباء استخدموها عندما كانوا يتكلمون عن أصل الروح القدس، لكنهم مع ذلك لم يكونوا يقصدون انبثاق الروح القدس من الإبن، أي لم يستعملوها بمعنى الصدور منه بل كانوا يقررون معنى آخر مختلفاً جذرياً عنها، فمثلاً القديس غريغوريوس النيصصي يكتب بأن “الإبن يصدر من الآب بدون واسطة، لكن الروح القدس هو أيضاً من الآب إنما بالإبن أي بالذي هو بلا واسطة”.

بهذه الكلمات لا يريد أن يقول بأن الروح القدس ينبثق (ومن الإبن) بل وبحسب تعبيره هو: :اننا نحن البشر نفتكر بأن الآب قبل الإبن إنما بواسطة الإبن ومعه الإبن. يعرف الروح متحداً، وهذا بدون أن يكون الروح القدس كوجود بعد الإبن”.

ولهذا يستعمل بعض اللاهوتيين عبارة (بالإبن) بمعنى: “والإبن”، “مع الإبن”، أي “في نفس الوقت مع الإبن”. إذاً يريدون أن يقولوا بأن الروح القدس عنده الوجود أو ينبثق من الأزل من الآب مع الإبن (في نفس الوقت مع الإبن).

القديس مكسيموس المعترف (+662) أيضاً عنده تعبير بالابن ولكنه يستبعد هو نفسه إمكانية تفسير هذه العبارة بحسب المفهوم الغربي ففي رسالة وجهها الى الكاهن مارين من قبرص يقول فيها مدافعاً عن غربيي ذلك الزمان: “عندما يقبل اللاتين بأن الروح القدس ينبثق من الآب لا يجعلون من الإبن علة (مصدرا) للروح، لأنهم يعرفون مصدراً واحداً فقط للإبن وللروح هو الآب، الأول بالولادة والثاني بالإنبثاق، وإنما يقولون هذا لكي يظهروا بأن الروح القدس يصدر بواسطة الإبن ولكي يشيروا بهذا الى وحدة وتماثل الجوهر”.

القديس يوحنا الدمشقي استعمل عدة مرات عبارة بان الروح القدس ينبثق من الآب بالإبن، وبكلا المعنيين المذكورين أعلاه بالنسبة للمعنى الأول يقول “لا نقول الروح من الإبن لكن نعترف أنه بالإبن ظهر وأعلن لنا… روح قدس لله الآب منه منبثق، ولكن إذا قيل روح الإبن فهذا يعني أنه بواسطته ظهر وأعلن للخليقة، وبدون أن يكون حاصلاً على وجوده منه”.

أما بالنسبة للمعنى الثاني فيقول: “الروح القدس ليس إبن الآب بل روح الآب لأنه ينبثق من الآب…. وروح الإبن ليس بمعنى أنه منه بل بمعنى أنه منبثق من الآب به، لأن الآب فقط هو المسبب”.

بالنتيجة نحن الأرثوذكس نشدد مع الآباء على كون الآب وحده هو سبب انبثاق الروح القدس، ولهذا لا يمكننا أن نقبل بتعبير “ومن الإبن” الذي يجعل الإبن كمصدر ثانٍ للروح القدس. كل ما يمكننا أن نقبل به هو تعبير “بواسطة الإبن” والذي ورد كرأي لاهوتي عند بعض الآباء. إذ لا يتعارض، كما فسروا، مع كون الآب هو المصدر الأوحد.

3 – وختاماً ما نلفت النظر الى خطورة النقطة الثالثة من التعليم الكاثوليكي الخاص عن الثالوث الأقدس، والتي تشكل بمجملها نموذجاً عن المقايسة والتفكير العقلاني المحض في اللاهوت الغربي. نكتفي هنا بالتوقف عند القول ب، الروح القدس يصدر عن إرادة الآب والإبن أو عن محبتهما المتبادلة، فنلاحظ أن هذا تأكيد واضح على أن اللاهوتيين السكولاستيكيين لم يميزوا بين الأقنوم الإلهي وبين ما يصدر عنه من قوى وأفعال. ولهذا فهم يحدرون أقنوم الروح القدس ليس فقط الى مستوى القوى الإلهية غير المخلوقة التي تصدر عن الثالوث الأقدس وبل وحتى الى مستوى ما ينتج عن هذه القوى من أفعال مخلوقة، إذ يقررون أنه يصدر عن إرادة الآب أو الإبن أو عن محبتهما المتبادلة أو يقولون أنه يصدر عن فعل محبة. لأن المخلوقات بحسب الآباء تصدر عن إرادة الأقانيم وبسبب محبتها، وهي بالضبط فعل محبتها. معنى هذا الإدعاء إذن، أنه يؤدي، من حيث لا يدرون، الى درج أقنوم الروح القدس بين المخلوقات وبالتالي الى إلغاء مفهوم الثالوث القدوس أو على الأقل جعله مقتصراً على أقنومين فقط هما الآب والإبن. لأن انبثاق الروح عند آباء الكنيسة، هو كولادة الإبن، لا يصدر عن إرادة الآب أو عن محبته بل عن طبيعته الخاصة، لكنه بالطبع ليس ضد هذه الإرادة.

كما أن هذا التقسيم الغريب والمنصاع الى تأملات المفكرين الأغريق في الألوهة الفلسفية المجردة، بين ما يحبه الله بالضرورة وما يحبه مختاراً، هو في نظرنا اتهام واضح للثالوث القدوس اله المحبة بالأنانية المجبرة، لأنه بحسب مفهومهم يحب ذاته بالضرورة!!!.

admin:
Related Post