X

بحث في التراث الأرثوذكسي

الوحدة في الحق

توماس أودن

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

توماس أودن هو دكتور في اللاهوت، أميركي من جماعة الميثوديين المتحدين، وهو مدير تحرير “المسيحية اليوم Christianity Today “، وكاتب ومحرر لعدد من الكتب من أهمها سلسلة “التفسير المسيحي القديم للكتاب المقدس” الذي نُقل عدد من أجزائه إلى العربية، من منشورات جامعة البلمند وتوزيع تعاونية النور.

الحوار عندما يتجنّب الحقيقة

لا يسعى المؤمنون التقليديون إلى تكوين مجتمع للمناقشات، من شأنه الطموح إلى أن يكون نسخة دينية عن الأمم المتّحدة. انهم لا يرون الاتحاد العضوي هدفاً نهائياً، خاصةً إذا خُفِّض هذا الهدف إلى مجرّد مراوغة خطابية وترقيع تنظيمي. ما يريدون رؤيته هو الاعتراف الحيّ بيسوع المسيح محوّلاً الخبرة البشرية الشخصية والاجتماعية. حيثما يرون ذلك، يعرفون إلفتهم العميقة معه مباشرة من قلوبهم. حيثما لا يسمعون ذلك، يعرفون داخلياً مدى غربة هذه التجارب وبُعدها.

إن إغراءات الحوار غالباً ما تشدّ المؤمن نحو المشاعر غير الموضوعية وتبادل المجاملات، والمساومات المؤسساتية. إن نماذج التفاعل التي تجعل هذه الإغراءات تزدهر هي التحكيم أو التفاوض وهي تبعدنا عن الحقيقة المعلَنَة بيسوع المسيح، وهي الحقيقة التي كلّ المؤمنين مدعوون إلى الاشتراك بها بالإيمان. لذا، ينبغي ألا يكون مفاجئاً أنّ كل المسيحيين التقليديين يميلون نحو اعتبار الحوار غير المنضبط كتجربة.

للمسيحيين الملتزمين تاريخ طويل من الخبرة مع الإحباط وعدم جدوى الحوار غير المنضبط وغير الوارد في الكلمة المكتوبة. غالباً ما يقودنا هذا إلى السؤال عن الحقيقة أكثر منه إلى مسألة كيف “نشعر”، وكيف يمكننا استيعاب مصالحنا المتنافسة أو التفاوض عليها. هذا يختلف عن مسألة الحقيقة المُعلَنَة في الإنجيل الذي يولّد وحده وحدة المؤمنين.

إذا كانت حقيقة الإنجيل هي المسألة المحورية في الوحدة المسيحية بالنسبة للمسيحيين التقليديين، فإن الشهادة الرسولية التي تُعرَف بيسوع المسيح هي الخطوة الأولى نحو الوحدة. كل حوار آخر، مهما بدا متجرّداً، هو بالحقيقة انحراف، ادّعاء بالبحث عن الحقيقة، وخدعة تستبدل النزاهة بالكلام النرجسي.

ما يبدو دعوة بريئة وكريمة إلى الحوار، قد يصل فعلياً إلى حدّ التخلّص من التحديد المسبق وإحلال ما نحسّ به في خبرتنا مكان مسألة الحقيقة. بهذه الطريقة، يصير الحوار أداة للتلاعب متشكلة بالفعل في الأماكن الخطأ. الملتزمون في كل العالم يسعون إلى وحدة في الحق، لا وحدة منفصلة عن الحق، ولا وحدة تحلّ محل الحق، بل وحدة في حقيقة الكلمة المعلَن.

الجدال المسكوني المحافظ والتخطيط المسكوني عرضة للاختلال عبر سوء الفهم الأساسي للعلاقة بين الوحدة والحق: إنهما لا يسعيان إلى الوحدة على أساس الحق. بشكل خاص، هناك أربع مواقف مسكونية معاصرة هي المختلّة، لا بل هي تزيد من فرص الشقاق المسيحي. لقد سادت هذه المواقف الأربعة في المسكونية الليبرالية، مستنبطة الشقاق من غير تعمّد، فيما كل منها هو غلطة في الترابط السببي:

1. اذا استطعنا التلاقي فقط على بعض المعايير الأخلاقية المشتركة، فسنحقق بذلك وحدة المؤمنين.

2. ذا استطعنا أن يكون لها نفس المشاعر أو الخبرات المسكونية المنفتحة، فسوف نحس بوحدتنا.

3. إذا استطعنا أن ننفتح على الحوار وحسب، فسوف ننمو نحو الوحدة.

4. إذا دمجنا المؤسسات المنفصلة استناداً إلى ذكريات مختلفة يخلقها الروح، فسوف نختبر وحدتنا من خلال مؤسسة، وبالتالي علينا الآن أن نجدد التزامنا ببقايا المسكونية المؤسساتية.

تتشابه كل هذه المحاولات بطريقة واحدة: إنها تضع الوحدة قبل الحقيقة. انهم يهدرون الحقيقة من أجل تحقيق وحدة سطحية. كلهم مخطئون. مع الجهود الرامية إلى الوحدة المسيحية، تفرّخ كل أشكال خيبة الأمل ما أدّى إلى الاضطراب المسكوني الذي يضربنا. كل هذه الاختلالات سببها واحد: أنها تقيم الوحدة على شيء غير الحق، بتلافيها الأساس الوحيد الذي منه تنبثق الوحدة المسيحية، ألا وهو الكلمة المعلَنة التي تُسمع بالروح القدس وتُقتَبَل بالإيمان.

admin:
Related Post