حول حدود الكنيسة والمعمودية

اﻷب أنطوان ملكي

ليست مسألة حدود الكنيسة، أي مَن فيها ومَن خارجها وسبل تحدد ذلك، مسألة طارئة على اللاهوت الأرثوذكسي. فالكنيسة عرفت هذا النوع من النقاش منذ بداياتها، حتّى يمكننا أن نضع الخلافبين الرسولين بولس ويعقوب ضمن هذا الإطار. العديد من الدراسات اللاهوتية تتطرّق إلى مقارنة إكليسيولوجيا القديس كبريانوس القرطاجي والرسالة الأولى للقديس باسيليوس، مضافاً إليها قرارات المجامع المسكونية وتحديداً منها مجمع ترولو. والواقع أن كل هذا الأدب اللاهوتي حول ماهية الكنيسة وحدودها كان يجد تفسيره في كيفية قبول الناس في الكنيسة، وخاصةً الذين سقطوا في الهرطقة. فأوغسطين، استناداً إلى القديس كبريانوس، تكلّم عن قبول أسرار الهراطقة وبالتالي هم يُقبَلون في الكنيسة بعد التوبة والمسح بالميرون. أما القديس باسيليوس فحكى عن المعمودية خاصةً لمَن لم يكن أصلاً معمّداً في الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة. الموضوع عاد إلى التداول مع القديس نيقوديموس الأثوسي، حيث أن العادة في العالم اليوناني كانت بأن يُقبَل الغربيون تدبيرياً بالميرون، فيما في العالم السلافي كانت الدقّة تقتضي التعميد.

في القرن العشرين، ومع نشوء الحركة المسكونية، عاد هذا النقاش إلى اﻷوساط اﻷرثوذكسية. من أهم ما كُتِب في هذا اﻹطار مقالة اﻷب جورج فلوروفسكي حدود الكنيسةوفيها يتناول كل النقاش اللاهوتي السابق ذكره أعلاه، ويتبنّى إلى حد ما موقف أوغسطين بأن اﻷسرار عند غير الأرثوذكس غير فاعلة ولكنها صحيحة، كما يخالف خومياكوف الروسي الذي كان يتبنّى الموقف الصارم من غير اﻷرثوذكس والذي يظهر جلياً في مقاربته لقبولهم في الكنيسة عن طريق التعميد الكامل. ينهي فلوروفسكي مقالته بقول للقديس غريغوريوس النزينزي يدافع فيه عن التدبير: “ليس هدفنا الغلبة بل عودة إخوتنا الذين يمزقنا بعدهم عنّا“.

المغزى من كل العرض السابق إبانة أنّ المعمودية هي المدخل الفعلي للانتماء إلى الكنيسة وتجسيده. من دونها لا عبور إلى داخل الكنيسة، وهذا هو موقف الكنيسة عبر العصور. والمعمودية هي بالماء والروح، على ما ذكر السيد بنفسه. الحديث عن المعمودية الروحية حديث العهد ومتزامن مع نشوء الحركات المواهبية (الكاريزماتيك) وتناغمها مع تيار العصر الجديد (New Age).

فالكنيسة اﻷرثوذكسية كما يصفها الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس هي جسد المسيح والمسيح رأسها وأعضاء الكنيسة هم أعضاء في جسد المسيح. أعضاء الكنيسة موجودون في كل الأزمنة وسوف يكونون إلى منتهى الدهر. وعندما لا يعود أعضاء الكنيسة موجودين تأتي نهاية العالم. إذاً نحن نعيش مع شعوب كثيرة. شعب الله يظهر الشركة الحقيقية. كما قلنا في البداية، على ختم القربان في الليتورجيا أناس كثيرون: السيدة، الملائكة، الأنبياء، الآباء القديسون، الشهداء العظام، وبالإجمال شهود الإيمان، القديسون والنساك، الأحياء والأموات الذين عندهم حصة في قوة الله المطهرة، المنيرة، المؤلهة وغير المخلوقة. نحن لسنا وحيدين. نحن لسنا غرباء ونزلاء بل رعية مع القديسين وأهل البيت” (أفسس 19:2).” [الفكر الكنسي الأرثوذكسي] هذا معناه أن لا أعضاء للكنيسة خارجها. وكما يؤكّد القديس باسيليوس وسحابة القديسين من بعده: خارج الكنيسة لا يوجد إلا الهرطقات. وعلى المنوال نفسه، لا يوجد أسرار خارج الكنيسة كما أنه لا يوجد حواس خارج الجسد“.

في 21 أيار 2016، خالف المطران جورج خضر كل كلام التقليد في مقالته اﻷسبوعية في جريدة النهار، كما تخطّى اللاهوت التعميدي أيضاً. فقد أورد:لا شيء من حق أو جمال خارج المسيح ولو اختلفت التسميات. إذاً ليس المسيح محصوراً بحدود ما يسمى الكنيسة وليس هو ملكًا للمسيحيين. الناس جمعيًا له بمعمودية أو بلا معمودية. روحه يعمِّد مَن يشاء وينصّر (الصاد مشدودة) من يشاء ومن هذا المنظار ليس للكنيسة حدود. ليست محصورة بالمعمدين. هي حيث كان الحب وحيث كان العطاء. والكنيسة المنظورة صورة عن كنيسة أوسع هي في العالم وفوق العالم.”

هذا كلام العصر الجديد وليس كلام الكنيسة. هذا الاندفاع إلى الاندماج مع اﻵخرلا يكون إلا في المسيح عندما يكون اﻵخر في المسيح أو له. قبل ذلك نسعى إلى أن نبشّره بالمسيح وإن رفض نعرض عنه“. الوحدة اﻹنسانية تختلف عن الوحدة اﻹيمانية، بالرغم من أن العصر الجديد يحاول الدمج بينهما. ليست الكنيسة بلا حدود ومشاكل المجتمع لا تفرض عليها تغيير حدودها. أيضاً كما يعبّر الميتروبوليت فلاخوس في الكنيسة تُحل كل المشاكل. نحن لا نتكلم هنا عن مسيحية مجردة نربطها بأيديولوجبا، ولكن عن كنيسة هي شركة بين الله والإنسان، الملائكة والإنسان، الأرضي والسماوي، الإنسان والعالم. الكنيسة هي لقاء السماء بالأرض. السلام، العدالة وغيرها ليست مجرد مصطلحات اجتماعية، بل هي مواهب تُعطى في الكنيسة. السلام كما العدالة وكل الفضائل الأخرى كالمحبة وغيرها، هي خبرات للكنيسة. في الكنيسة نختبر السلام الحقيقي، والعدالة والمحبة التي هي قوى أساسية لله.” [الفكر الكنسي الأرثوذكسي]

يختم المطران خضر مقالته بالعبارة التالية: “الذين أطاعوا المسيح وليسوا على دينه يكونون معمَّدين بالروح. لا تكرهوا أحداً من غير المسيحيين إذ قد يكون معمدًا بالروح.” جملة أسئلة يطرحها هذا الكلام: ما معنى أطاعوا المسيح؟ كيف نفهم قول السيد في مرقس 16:16: “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ”؟ وقد قال السيد هذا الكلام مباشرة بعد وصيته اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا”. الاستنتاج الثاني من كلام المطران هو أن خارج الكنيسة (وحتّى خارج كل الجماعات المسيحية) يوجد سر المعمودية وهو يكون بالروح. لم يقل الرب أن التبشير كراهية بل محبة ولم يقل اتركوا الناس في ما هم عليه، ولم يقل أن المعمودية أمر يتمّ خارج الكنيسة. لم يحكِ السيد عن معمودية بالروح فقط، ولا اﻵباء من بعده. تعليم الكنيسة هو أن معمودية الماء بالتزامن مع معمودية الروح، تعمل في الكنيسة وتجعل المعتمد عضواً في جسد المسيح.

المعمودية بالروح فقط حكى عنها الكاريزماتيك، والعصر الجديد حكى، والمطران جورج خضر أيضاً حكى. هل كلام المطران جورج كلام كاريزماتيك؟ هل كلامه كلام العصر الجديد؟ مَن يحكم؟ مَن يصحح؟ مَن يفسّر؟ المجمع؟ الرهبان؟ اللاهوتيون؟ أين هم جميعاً؟ يَا رَبُّ، لِمَاذَا تَقِفُ بَعِيدًا؟ لِمَاذَا تَخْتَفِي فِي زَمانِ الضِّيقِ؟” (مزمور 1:10).