كوكب الصبح

الخورية سميرة عوض ملكي

بدأت الكنيسة مسيرة الصوم الميلادية، لكي يتهيأ المؤمنون لتقبّل الأحداث والمفاهيم اللاهوتية التي تتحدّث عن أسرار التجسّد الإلهي وأعماله الخلاصية. من هنا فإن هذه المسيرة لا تحتاج إلى الصوم فقط وإنما إلى المشاركة أيضاً في الصلوات التي تُقام والتمعّن بمعانيها من أجل فهم أفضل وعيشٍ أعمق لكل أسرارها. فالله نفسه تكلّم مع كل إنسان باللغة التي يفهمها، فللرعاة أرسل ملائكة وللمجوس نجماً ولنا نحن كوكب الصبح.

يقول سفر الرؤيا في الإصحاح الثاني الآية 28 “وأعطيه كوكب الصبح“. كوكب الصبح المذكور هنا هو نجم داود الذي يشير إلى المسيح، كما قيل بوحي الله الآب للعرّاف بلعام بن بعور: “ويبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل” (عدد 17:24). وهذه الآية تُتلى في قراءات صلاة غروب عيد الميلاد تأكيداً على أن المسيح هو نجم إسرائيل وهذا ما يؤكّده هو بدوره عن نفسه في رؤيا 16:22: “أنا أصل وذريّة داود كوكب الصبح المنير“.

وهنا تظهر محبة الربّ إذ هو مستعدّ أن يعطي كوكب الصبح أي أن يعطي نفسه، لكن لمَن من الناس؟ على هذا السؤال يجيب الربّ بقوله: “ومَن يغلب ويحفظ أعمالي إلى النهاية فسأعطيه سلطاناً على الأمم فيرعاهم بقضيب من حديدوأعطيه كوكب الصبح” (رؤيا 26:2-28). ثمّ يتابع في الإصحاح الثالث من السفر عينه مخاطباً ملاك الكنيسة التي في ساردس: “أنا عارف أعمالك إن لك اسماً أنك حي وأنت ميّت“. وهنا يشير الربّ إلى أنه يعرف ويراقب كل أعمال جماعة هذه الكنيسة غير المرضية له. لذا هم يبدون أمام الناس كنيسة حية بينما هم أمام الله أموات، لأن مقياس الحكم هو الناس وليس الله، وهذا حال جماعات كثيرة ومنها في كنيستنا. فقوله هذا يشير أيضاً إلى أنّ هذه الجماعة وإن تكُن مهتمّة بأمور كثيرة إلا أنها بعيدة كل البعد عن رسالة الكنيسة التي هي مؤتَمَنة عليها ألا وهي فرح أبنائها بالربّ يسوع.

ويغوص المسيح أكثر فأكثر في الآية التالية (رؤيا 2:3) رابطاً كلامه بحديثه عن السهر: “كًنْ ساهراً وشَدِّد ما بقي الذي هو عتيد أن يموت لأني لم أجد أعمالك كاملة أمام الله“. يقصد الربّ بالسهر حفظَ الإيمان الذي يجعل الأعمال مقبولة أمام الله. وهو بهذا يطلب منهم أن يفيقوا ولا يكونوا نياماً، لأنّ النوم هو أصل خطيئتهم التي هي اهتمامهم بحكم الناس عليهم أكثر من حكم الله. فعدم الاهتمام بما يرضي الله جعلهم يهملون بقية شعب الكنيسة وينسوا القلّة التي بينهم. لأن مَن لا يكون ساهراً على نفسه، كيف له أن يشدد مَن في الكنيسة من المؤمنين الذين يحفظون أمانتهم للمسيح ولا يحتجّ عن إهماله لهم بحجّة قلة عددهم. فهذه البقية المقدّسة يمكن أن تخلّص الكنيسة كلّها مع أنها هي في الخطر بحسب وصف المسيح لحالِها بقوله: “الذي هو عتيد أن يموت“. وهذا الموت قد يكون معنوياً نتيجة الإهمال أو موتاً روحياً بالانسياق وراء الذين يشكّلون الأكثرية غير الأمينة بأفعالها، ويحسبوا مثلهم أحياءً وهم أموات.

أخيراً، هناك ارتباط بين الأعمال التي ترضي الله وتُقاس بحكم الله عليها لا البشر من جهة، والحصول من المسيح على كوكب الصبح أي عليه بذاته من جهة أخرى. إن الإفشين الذي يُقرأ في نهاية الساعة الأولى من خدمة السواعي الكبير لميلاد المسيح يجسّد هذا الارتباط: “أيها المسيح الضوء الحقيقي، الذي ينير كلّ إنسان وارِدٍ إلى العالم، ليرتسم علينا نور وجهك، لكي ننظر به النور الذي لا يُدنى منه، وسهّل خطواتنا إلى العمل بوصاياك“. أمّا اختبار هذا الارتباط فيعود لكل واحد منّا، إكليريكيين وعلمانيين، مؤمنين وغير مؤمنين.

فلنَدَع هذا الكوكب يسطع نورُه وليكن بهاؤه فينا فنهيء له مسكناً في مغارة قلوبنا، فنستحقّه بثباتنا على الكلمة بحسب قول الرسول بطرس: “وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا، كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ” (2بطرس 19:1).