مشهد في التلفاز

مشهد في التلفاز

ربيع نصور

 

كثيراً ما نجلس نتحدّث عن هموم ومشاكل كنيستنا وعن أن فلاناً تسلّم هنا وهو غير مناسب، وأن آخراً فعل كذا هناك وهذا عيب، وأن الكاهن فلان تصرّف على ذاك المنوال وهو على خلاف مع فلان، وأنّ وأنّ… ولكن نادراً ما يخطر في ذهننا أننا على التفاهات واقفون، حتّى ولو كان لبعض المواضيع أهميتها ولا ضير في تناولها عند الحاجة إلا أننا نعطيها أكثر مما تستحق.
في إحدى الليالي، كنت منزعجاً من كثرة التفكّر في مثل هذه الأمور. هذا نتج عن خبر لفت انتباهي على شاشة التلفاز، فسارعت لرفع الصوت، إذ هزّني ما شاهدت وسمعت، وفي داخلي وقلب كياني، أحزنني من الأعماق. وهذا الخبر المرفق بالصورة كان تشرّد العديد من الناس في اليمن بسبب الحرب القائمة هناك الآن، وكيف أنّ لا مأوى لهم سوى خيم كادت تسقط فوق رؤوسهم من شدّة اهترائها، فلا حرّ الشمس تقي ولا برودة الليل تستر. رأيتهم ينتظرون دورهم ليشربوا ماءً من ذلك الخزان الحديدي الذي لا نعلم كم من الأمراض يحمل. رأيتهم يمسكون الرمال بأيديهم ويقلّبونها انتظاراً للفرج. رأيتهم يسترون عوراتهم بقطع مبعثرة من القماش. نعم! هزّني هذا المشهد. وقد يسألني الكثيرون: ألم ترَ قبلاً ما يجري في فلسطين والعراق وأفغانستان من قتلٍ، وفي الصومال وجنوب أفريقيا من مجاعات، وفي السودان ودارفور من حروب مثل هذه؟ سأقول نعم. وأما لمَ الآن، فهذا ليس عندي جواب عليه، لكن على الأقل، أدركت الآن، ولو متأخراً، أننا قد أخطأنا في استخدام اسم ربنا يسوع المسيح، أننا قد قرأنا الإنجيل بشكل خاطئ، أننا أغفلنا مفاتيح الملكوت، تفلسفنا باللاهوت وبالكلمات الرنانة، حفظنا الآيات ونسينا معناها، حفظنا ترتيب الخدم ونسينا معنى الخدمة، مع أنّ أهمّ ما مارسه المسيح كان الاهتمام بالآخر المتألّم، وهذا ما لم ندركه إلا نظرياً. لقد نسينا أنّ لاهوت الكنيسة الأرثوذكسية هو لاهوت شفاء وليس لاهوت عقائد رنانة، لاهوت شفاء الأمراض وليس لاهوت المناصب والكرسي، لاهوت شفاء الأوجاع لا لاهوت القدح والذم، لاهوت شفاء النفس لا لاهوت الخطب والكلمات. هل نسأل ذواتنا كل يوم ماذا فعلنا لأجل الآخر؟ هل تساءلنا يوماً كم دمعة مسحنا اليوم عن خدِ حزين؟ هل فكّرنا يوماً كم مشروع إنساني أنجزنا إلى الآن من دون “الأنا”؟ هل تسعى مؤسساتنا إلى الخير العام؟ أبين همومنا اليومية أن نبحث عن متألم يريد الشفاء؟ هل زرنا المرضى حباً بهم وذكرناهم في صلواتنا في منازلنا ليشفوا من ألمهم؟ هل رأيناً متسولاً وحاولنا مساعدته ليس عطفاً بل حباً به وبيسوع الذي فيه؟ هل فعلنا اليوم أي خدمة إنسانية بدون مقابل؟ …..
لن أدخل بسرد تعاليم ربنا وكلمات الإنجيل لأثبت أو لأقول ما يجب فعله، فالجميع يعرف ما فعله ملك الملوك قبل أن يعلّمنا إياه بالقول وإلى مَن كان يتجه، ومع مَن كان يقف، و لماذا كان يفعل ما فعل، لكن ما أود قوله هو أننا يجب أن نعيد ضبط بوصلتنا لكي ندرك الطريق الذي يجب أن نسلكه للوصول إلى فرح ربنا الذي لا يمكننا أن نتذوّقه بمفردنا.

Leave a comment