لافرا بوكاييف تطلب من الكنيسة الروسية الانسحاب من مجلس الكنائس العالمي

لافرا (الدير الكبير) رقاد والدة الإله في بوكاييف في أوكرانيا هي أحد أهم المراكز الروحية والفكرية في الكنيسة الروسية. تعيد المصادر بداية الدير إلى 1527 فيما التقاليد المحلية تحكي عن وجوده قبل هذا التاريخ بقرون كنقطة تلاقٍ بين رهبان دير المغاور في كييف ورهبان جبل أثوس. تحكي قصة نشوء الدير عن ظهورٍ لوالدة الإله حيث تظهر آثار قدميها على صخرة ينبع منها ماء حصلت به أشفية كثيرة. في الدير أيقونة لوالدة الإله وهي عجائبية وذائعة الصيت. من أهم رؤساء هذا الدير هو القديس أيوب بوكاييف الذي عاش أواخر القرن السادس عشر إلى منتصف السابع عشر. تعرّض الدير لأزمات كثيرة حيث حاصره الأتراك لفترة طويلة أواخر القرن السابع عشر إلى أن ظهرت والدة الإله ومعها القديس أيوب ما أدى إلى تحوّل العديد من الأتراك إلى المسيحية. أعطي الدير إلى الرهبان الإتحاديين (الروم الكاثوليك) على أيام بطرس الأكبر، وبعد انتصار روسيا على بولندا أواخر القرن الثامن عشر عاد إلى الأرثوذكسية. أواخر القرن التاسع عشر كانت لافرا بوكاييف بمثابة مكان الحجّ بالنسبة للروس. كان للافرا دور كبير في استرجاع الكثيرين من الأرثوذكس الذين انضمّوا إلى الكثلكة إلى أن تعرّضت للنهب على يد النمساويين عام 1915. في 2002 أعلنت الكنيسة الروسية قداسة رئيس آخر للدير هو القديس أمفيلوخيوس الذي رقد عام 1971.

ليس رهبان دير بوكاييف أوّل الداعين في الكنيسة الروسية إلى الخروج من مجلس الكنائس العالمي، فقبلهم الميتروبوليت بنيامين (بوشكار) مطران فلاديفوستوك أرسل رسالة إلى المجمع بيّن فيها الخطأ اللاهوتي في عضوية المجلس المذكور، وحثّ المجمع على الانسحاب منه. هذا وأنّ لدى الكنيسة الروسية الكثير من الملاحظات على عمل المجلس.

من جهتها الكنيسة الأرثوذكسية الجورجية كانت قد انسحبت من هذا المجلس في 1997، والكنيسة البلغارية في 1998. الكنيسة الصربية منذ 1995 اتخذت قراراً ورد فيه: ” لا نعرف أيّ مثال، ولا واحد فقط، من آباء الكنيسة القديسين يمكن أن يكون بتعاليمه أو حياته أو أفعاله، بمثابة تبرير لعضويتنا في منظمة مجلس الكنائس العالمي غير الكنسية أو ما شابه ذلك “.

إن العلاقة مع مجلس الكنائس العالمي وما شاببه من المنظمات عادت إلى الواجهة بعد مؤتمر كريت في 2016، خاصةً الجدل الذي دار حول وثيقة علاقات الكنيسة الأرثوذكسية بباقي العالم المسيحي، التي تشيد بمشاركة الكنيسة الأرثوذكسية في مجلس الكنائس العالمي. أما بالنسبة للكنيسة الروسية فمسودة التعليم التي يُعاد النظر بها اليوم تشيد ايضاً بهذه المشاركة، لكنها تلقى اعتراضاً من فئات كثيرة من المعنيين، الذين يفضّلون حذف هذه الإشادة وتسمية الأمور بأسمائها.

في ما يلي نصّ رسالة رهبان بوكاييف إلى المجمع الروسي

صاحب الغبطة بطريرك موسكو وكل الروسيا كيرللس

15 تشرين الثاني، 2017 الرقم 37/K

إن الإخوة في لافرا رقاد السيدة المقدسة في بوكاييف، يتوسّلون بجدية رئاسة ومجلس الأساقفة لأن يلبّوا الالتماس والنداءات المتكررة من أبناء كنيستنا المؤمنين في ما يتعلق بالانسحاب من مجلس الكنائس العالمي ووقف مشاركة كنيستنا في الحركة المسكونية.

كل أعضاء مجلس الكنائس العالمي، بانضمامهم إليه، يقبلون ميثاق هذا المجلس الذي يؤكد أن أياً من الطوائف لا تملك كامل الحقيقة. وأنّ كمال الحقيقة، بحسب هذا الميثاق، سوف يأتي فقط عندما تلتئم جميع الطوائف ككل واحد.

إن الخطة الشيطانية لإنشاء مجلس الكنائس العالمي هو بناء كنيسة عالمية واحدة كاذبة في مملكة ضد المسيح القادمة، متحدة بطبيعة الحال، لا في روح الحقيقة ومحبة لله، ولكن على العكس من ذلك، في اللامبالاة بالحقيقة وقبول روح أبي الكذب بمحبته الكاذبة الوهمية. إنّ الوثائق والمواد التوثيقية لمجريات الاجتماعات والصلوات المسكونية لا تترك أيّ شك في طبيعتها الشيطانية المناهضة للمسيحية، ولا في انحراف الكنيسة الأرثوذكسية عن الحقيقة والعقائد والقوانين التي وضعتها المجامع المسكونية. إن كنيستنا، بمشاركتها في مجلس الكنائس العالمي، توافق على هذه الأعمال وعلى أنها ليست الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية.

إلى هذا، إن خروج الكنيسة الأرثوذكسية الروسية من مجلس الكنائس العالمي لن يشكّل عزلة تفرضها على نفسها، كما يحاول البعض أن يقول، بل هو التزام بتعليم العهد الجديد الحقيقي الطاهر. يجب أن لا نقع في الخديعة الروحية متخيلين أن لدينا محبة أكبر من محبة الرسل. القديس يوحنا اللاهوتي، رسول المحبة، يعلّم إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِيكُمْ، وَلاَ يَجِيءُ بِهذَا التَّعْلِيمِ، فَلاَ تَقْبَلُوهُ فِي الْبَيْتِ، وَلاَ تَقُولُوا لَهُ سَلاَمٌ” (2يوحنا 10:1). الرسول بولس، وقد عمل أكثر من الجميع في التبشير بالإنجيل إلى العالم بأسره، يوصي أيضاً اَلرَّجُلُ الْمُبْتَدِعُ بَعْدَ الإِنْذَارِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ، أَعْرِضْ عَنْهُ” (تيطس 10:3). يدّعي ممثلو الكنائس الأرثوذكسية أنّهم أنذروا الهراطقة في مجلس الكنائس العالمي لا مرتين بل لعقود. هل اهتدى الكثيرون إلى الإيمان؟ بعد كل هذا، لا يعتقد أعضاء مجلس الكنائس العالمي الآخرون، على أساس ميثاق هذه المنظمة، بأن الكنيسة الأرثوذكسية تحفظ ملء الحقيقة. ولذلك، إن هذا الإنذاربلا فائدة. وما يثير الرثاء بالأكثر، هو أن الكنيسة الأرثوذكسية، بانخراطها في هذه الحركة، تقع في إثم كبير أمام الله إذ توقع أبناءها المؤمنين في التجربة والابتعاد عنها.

أحقاً ليس هناك وسيلة أخرى للتبشير بأن ملكوت الله يأتي بقوة (مرقس 1:9)، وبالعنصرة الحقيقية؟ بالطبع هناك.

فالكنيسة الأرثوذكسية، التي هي كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ” (1 تيموثايوس 15:3)، قد شهدت ولألفي سنة لكل مَن له أذنان للسمع (مت 9:13)، للبشارة السارّة التي حملها إلينا يسوع المسيح، من دون أن ترتّب في أي يوم منظمات مشتركة مع الهراطقة للبشارة بالإنجيل، بل على العكس من ذلك، فقد حفظت خراف المسيح من تعاليمهم الكاذبة السامة. إن الحزن والبكاء على فساد الهراطقة بمحبة الأم، والصلاة من أجل اهتدائهم، هو في الوقت نفسه تحقيق لوصية المسيح بأن أحب الله من كل قلبك وروحك، من ثم أخاك! (متى 37:2-39). يسوع المسيح، وهو المحبة المتجسدة، شهد بنفسه أنه جلب إلى الأرض لا سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا” (متى 34:10)، فاصلاً الذين يحبون الحقيقة عن الذين يقبلون الكذب. كثيرون من الذين سمعوا تعليمه لم يقدروا أن يستوعبوا تعاليم العهد الجديد وغادروا، أمّا المدعوين من الآب السماوي فقد ثبتوا في الحقيقة (يوحنا 66:6-69).

لَيْسَ التِّلْمِيذُ أَفْضَلَ مِنَ الْمُعَلِّمِ” (متى 24:10). إنه ضعيف، وعليه أن يحفظ نفسه من عناصر هذا العالم، حتى لا يصير الملح الذي فقد طعمَه (مت 13:5)، وفقط بعد ذلك، بحسب كلمة المخلّص، يستمع لنا الكلّ كما استمعوا إليه، كما أنّ البعض سوف يضطهدوننا كما اضطهدوه (يوحنا 15:20).

في هذا الإطار، الإخوة في لافرا الرقاد المقدس في بوكايف يناشدون رؤساء الكنيسة الأرثوذكسية الروسية ويحثونهم على الانسحاب من مجلس الكنائس العالمي، ووقف كل أشكال المشاركة في الحركة المسكونية الخبيثة.

فلاديمير، ميتروبوليت بوكاييف

وكيل أبرشية كييف

نائب رئيس لافرا الرقاد المقدس

مع الإخوة