الحياة الافتراضية والأفكار الداخلية

الحياة الافتراضية والأفكار الداخلية

مجموعة من الكهنة الروس

أصبحت الشبكات الاجتماعية جزءاً لا يتجزأ من حياتنا، لا بل صارت بالنسبة للبعض أهمَّ جزء في حياتهم اليومية. تقريباً، صارت القاعدة أن يتمّ تقاسم جميع أحداث الحياة مع العالم، بما في ذلك البسيطة منها والشخصية جداً. صار ممكناً الاعتقاد بأن كلّ ما نقوم به هو الظهور على الشبكات الاجتماعية، بدلاّ من مجرد عيش حياتنا. المسيحيون الأرثوذكس بغالبيتهم صاروا عالقين في هذه الشبكة أيضاً. ماذا ينبغي على المسيحيين القيام به لتلافي الغرقفي هذا البحر من الكلمات التي أصبحت بلا قيمة؟ ما الذي يساعدنا على التركيز على حياة الروح، على الأشياء الداخلية، على المسيحية الداخلية؟ ما يلي هو آراء اربعة من كهنة الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في هذه المواضيع.

قفوا أمام حقيقة الإنجيل كل يوم

المتقدّم في الكهنة مكسيم كوزلوف


في الحياة الروحية، لتحقيق هدف ما أنت تحتاج أولاً إلى الرغبة في تحقيق هذا الهدف. يعبّر القديس إغناطيوس (بريانشانينوف) عن هذه الحقيق بكلمات ممتازة: “مَن يريد إنجاز شيئ يستطيع ذلك“. وبعبارة أخرى، حيث توجد الإرادة تتأمّن الوسيلة.

إن أفكار الناس المعاصرين، بما في ذلك نحن المسيحيين الأرثوذكس في القرن الحادي والعشرين، غالباً ما تكون نتيجة عدم رغبتنا في العيش بجدية في المسيح. نحن نميل بسهولة نحو قبول معايير السلوك العصرية التي يفرضها علينا العالم الحديث. وكما نعلم، الْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ” (1 يوحنا 19:5) وأكثر من أي وقت مضى، هو يخدع الناس المجاهدين من أجل الحياة الصالحة ليضللهم. إحدى هذه الإغراءات التي أودّ أن أسمّيها هي الافتضاحية الافتراضية (virtual exhibitionism)“ وقوامها الدفع لكشف حياتك الخاصة كلّها، طوعاً من دون أيّ إكراه من قبل أنظمة سرية أو أي شخص آخر، لتقديم معلومات عن نفسك، وعن أقرب الناس وأعزّهم عندك، ونشر وجهات نظرك وانطباعاتك على شبكات التواصل الاجتماعية بدلاً من إخفاء هذه المخاوف في قلبك.

وفي الوقت نفسه، قال آباء الكنيسة أنه لا ينبغي أن نبدد نعمة الله التي نكتسبها خلال حياتنا بالكلمات. بقدر ما تحكي عن كيف لامس الرب قلبك أو عن المعجزة التي جرَت لك، يزداد انجرافك بعيدا عن كل هذا ويصبح مملاً. نعم، يمكنك مشاركة قصة من هنا أو من هناك مع شخص ما، شريطة أن تساعده روحيا بشكل أو بآخر، وتحفظه من الوقوع في اليأس وارتكاب الخطيئة، وتقوده على طريق البر. إن لم يكن في روايتك للأحداث أكثر من الإعلان الذاتي و التباهي، فقريباً سوف تُترَك وحيداً مع الكثير منالإعجابات (likes)” ومنشور إضافي على شبكة الانترنت. أنصح بالإقلاع عن شبكات التواصل الاجتماعي أو استخدامها فقط بالقدر الذي يتطلبه نشاطك المهني أو تبادل المعلومات.

طريقة أخرى لتجنب الأفكار المتجولةهو التخلّي عن التلفزيون! ليس في هذا الكلام أي صرامة لا مبرر لها، لذا أود أن أقول أنك إذا كنت تقضي في المساء ساعة أو ساعة ونصف أمام التلفزيون أو في التسكّع على الشبكة، فإن تركيز انتباهك على الصلاة سيكون صعباً للغاية. لكن هناك أساليب فنية بحتة ومحددة يمكنك من خلالها مساعدة نفسك.

طريقة أخرى، هي الأقدم وليست بعيدة عن الزمان الحاضر، هي قراءة الكتاب المقدس يومياً وبشكل منتظم. إذا كنت تقف أمام حقيقة الإنجيل كل يوم، هنا والآن، فإنك تكون أكثر أماناً من التأثر بتنازلات عصرنا.

دعونا لا ننسى كلمات الرسول بولس: “إِنَّ الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ (1 كور 33:15). هذا ينطبق أيضاً على المجتمعات الافتراضية السيئة. لا تشاهد ما لا ينبغي بالمسيحي مشاهدته، لا تقرأ ما لا يفترض بالمسيحي أن يقرأ، عندها يكون أكثر سهولة عليك إعداد إنسانك الداخلي للصلاة والحياة المسيحية الحقيقية.

الإنسان مخلوق للشركة مع الله

الكاهن فاليري دوخانين

لقد صارت شبكات التواصل الاجتماعي نوعاً من الإدمان. يجري الناس إلى عالم التواصل الافتراضي حيث يبقون دوماً على الانترنت (أونلاين)”, أو على اتصال in contactمع الآخرين، وهذا يخلق وهم التواصل ويساعدهم على إخفاء وحدتهم. ومن الواضح أن هذا خداع للذات لأن التسكّععلى شبكات التواصل الاجتماعي هو مجرّد محاكاة لملء الحياة، من خلال المتابعة المستمرة لأخبار الأصدقاء ومواصلة تبادل الأفكار والخبرات الخاصة. ولكن، في واقع الأمر، لا يمكن أن يكون هناك أصدقاء افتراضيون“. هذه مجرد عِشرة سطحية، في حين أنّ الرسائل النصية التي لا نهاية لها هي مضيعة للوقت وتقويض للروح.

لا يمكن للروح البشرية أن توجد من دون اتصال شخصي. هكذا نحن مخلوقون: منفتحين على التواصل. ولكن، قبل كل شيء، الإنسان مخلوق للشركة مع الله، وفقط بعد ذلك مع البشر الآخرين والعالم من حوله. يقول المغبوط أوغسطين الهيبوليتي، أيها الرب، أنت جعلتنا لنفسك، وقلوبنا لا يهدأ إلى أن تجد الراحة فيك“. ما من شيء يمكن أن يحلّ محلّ هذا. نحن نشعر بالفراغ في داخل نفوسنا بسبب خطايانا، ونريد أن نملأه بالشركة، ولكن سوف يبقى الشعور بالفراغ نفسه. على الإنترنت تُجرَّب النفس وتتشتت وتهدر ذاتها.

يمكننا ملاحظة هذه الظاهرة المحزنة لأن قضاء الكثير من الوقت على شبكات التواصل الاجتماعي لا يترك دقيقة واحدة حرّة للصلاة. يحتاج المؤمن إلى توخي الحذر لتجنب هذا الإغراء. عليه أن يتبنّى في هذه الأمور نظرة رصينة ويقول: “هذا يكفي! أنا لا أريد أن أكون تحت سيطرتها أكثر من ذلك. إن ألِج الانترنت فهو فقط لقراءة مقالات مفيدة على المواقع الأرثوذكسية، وليس للشائعات على الشبكات الاجتماعية “.

وهاكم نصيحة غير عادية. إذا كنتم ترغبون في التركيز على الحياة الروحية، ثابتين في عدم التشوش من المحادثات العلمانية الفارغة، فعليكم أن تتعلموا عدم إدانة أي شخص. تنطوي الإدانة على التعامل مع أشياء من عالم الخطيئة بحذر كبير. أغلب الناس مشغولون بالقيل والقال، مختلف أنواع الفضائح، خطايا الآخرين، والظلم. هكذا تتحول الحياة إلى تململ دائم. على كل مسيحي أن يرفض ويتخلى عن كلّ هذا مرة وإلى الأبد. مَن لا يحكم على الآخرين يكون في سلام وحرية، وسلام الروح وحريتها هما أكبر كنز. إذا كنا نستطيع مشاركة أي شيء على شبكات التواصل الاجتماعي، فليكن لطيفاً وللبنيان. أمّا في أعماقكم فسوف تشعرون حتماً بأن التسكع على الإنترنت لا يجلب أي ربح للنفس.

إن وقت الصلاة وقراءة قانون الصلاة والإنجيل وأعمال الآباء القديسين يجب أن يكون أسعد أوقات كلِّ مسيحي لأنه النبع الأكثر نقاوة وهو ما يغذي نفوسنا ويعطينا الحياة والفرح الحقيقي.

حدْ عن الشر واصنعْ الخير (مزمور 34: 14)

الكاهن ديمتري شيشكين

يعلمنا المخلص نفسه كيف نركز عليه، من خلال كلمته (الأناجيل المقدسة) وبروحه، الذي به يبقى معنا، بشرط طاعتنا له. إن خبرة حياة الكنيسة التي عمرها قرون والتي نسميها التقليد المقدس، تعلّمنا نفس الشيء: أن نتعلّم ونتّقن علم العلوم هذا. لذا، لهذا فإن أهم شيء هو رغبتنا الصادقة في أن نكون مع المسيح وأن نسلك وفقا لخبرة الكنيسة.

عندما يتعلق الأمر بالعالم القاطن في الشر والذي يغرينا بأن نقوم بأشياء خاطئة، فإن المقاومة الواعية له والقيام بالأعمال الحسنة هما جوهر حياتنا المسيحية على الأرض.

يقول الملك داود في المزامير: حدْ عن الشر واصنعْ الخير (مزمور 34: 14). العديد من مجالات حياتنا، بما في ذلك التواصل على شبكة الإنترنت، تتيح لنا فرصة للقيام بهذا النشاط. وبينما يعلمنا العالم عدم إخفاء أي شيء والكشف عن كل شيء على وسائل التواصل الاجتماعي، ما الذي يمنعنا، بمعونة الله، من حراسة قلوبنا ومشاركة ما هو بنّاء في نشر بشرى المسيح السارّة؟ إذا تعثّر عليك إيجاد ما تطلب حسناً، وأغراك هوى الكلام البطّال والجدل والتسلية من خلال شبكات التواصل الاجتماعية، فمن الأفضل لك التوقف عن استعمالها، تماما كما انه ينفع للإنسان الذي يتعرّض لإغراء ما أن يتجنّب مصدره. هاكم مثال بسيط يجعل الأمر أوضح. يمرّ رجل على محل بقالة في عودته من العمل، ويشتري الخبز والنقانق والجبن لأسرته ويعود إلى منزله مكتفياً جداً، دون أن يهتمّ لجناح المشروبات الكحولية في المخزن. وفي الوقت نفسه، يشكّل هذا الجناح إغراءاً رهيباً لرجل آخر ووهو يعرف ذلك من خلال تجربته المريرة. وبالتالي، من الأفضل للشخص الثاني أن ينسحب من هذا المخزن. الأمر نفسه ينطبق مع وسائل التواصل الاجتماعية. إذا كان ممكناً إيجاد ما له معنى حسن، فهذا أمر جيد؛ أمّا إذا كانت هذه الشبكات حجر عثرة فمن الحكمة التخلي عنها.

الأب بولس كونكوف

إذا أردنا أن نعطي الله قيمة عندنا، فعلينا أن نأخذ آراءه بعين الاعتبار. لا ينبغي أن نتعامل مع الله كمجرد مبادئ توجيهية، بل على أنه الشخص الأكثر محبوبية وأهمية في حياتنا. نحن بحاجة إلى حمله في أذهاننا، وتذكر حياته وحفظ اليقظة للسهر على قلوبنا. يجب على أي زوج أن يفكر في هذه المسألة قبل القيام بأي شيء أو تأجيله: “ماذا سيفكر أو يقول نصفي الآخر عن ذلك؟عندها فقط يمكن للزوج أن يتّخذ القرار. وبالمثل، يجب على كل مسيحي أن يتذكر المسيح دائماً ويأخذ بعين الاعتبار آراءه كما تم التعبير عنها في الأناجيل والوصايا بشكل واضح.

عندما يتعلق الأمر بوسائل التواصل الإجتماعي والاتصال بشكل عام، يجب ألا نكشف أفكارنا الداخلية على الإطلاق، وإذا كانت لدينا رغبة بمشاركة جمال الأرثوذكسية مع الآخرين، فعلينا أن نفعل ذلك بطريقة غير مزعجة ومن دون ضغط أو تعصب.