حول الهوية الأساسية للمسكونية والعرقية الوطنية

المتقدم في الكهنة بيتر هيرز

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

كتب الاب سيرافيم روز ذات مرة أن الفرق بين الأرثوذكسية وغير الأرثوذكسية يظهر بالشكل الأكثر وضوحاً في أن الكنيسة الأرثوذكسية (في قديسيها) قادرة على تمييز الأرواح. وعلاوة على ذلك، فإن التمييز بين أساليب الأرواح الساقطة مطلب أساسي لتكوين علمَي الخريستولوجيا والإكليسيولوجيا. كما كتب الإنجيلي يوحنا “لأَجْلِ هذَا أُظْهِرَ ابْنُ اللهِ لِكَيْ يَنْقُضَ أَعْمَالَ إِبْلِيسَ(1 يوحنا 3: 8).

لذلك، بقدر ما يتطهر الإنسان من الأهواء ويستنير بروح الله، تصير رؤيته الروحية مفتوحة ويكتسب التمييز. هبة التمييز هذه، وهي أعظم الفضائل، تفترض تلقّن الموت والقيامة والحياة في المسيح، كما تُعاش في جسده أي الكنيسة. واقع أن قلّة من المسيحيين الأرثوذكس فقط يتمتّعون بقدر جيد من هذه الهبة هو شهادة على انتهاكات روح ضد المسيح الذي هو، بتسمية أخرى، الدهرية. إن غاية الروح الدهرية هي إنكار طبيعة المسيح الإلهية وجسده، سَاعَةِ التَّجْرِبَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَأْتِيَ عَلَى الْعَالَمِ كُلِّهِ لِتُجَرِّبَ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِقبل صعود رجل الإثم، ضد المسيح. هذه االتجربة آتية على العالم في المقام الأول من خلال انتشار البدعة الإكليسيولوجية المعروفة باسم المسكونية.

المسكونية والدهرية

إن المسكونية كبدعة إكليسيولوجية وإنكار لحقيقة جسد المسيح، وتشويه منهجي لطريق المسيح، قد وُلدت وتربّت في المسيحيةالدهرية. وكما قلنا ، فإن الدهرية هي أولاً وقبل كل شيء روح ضد المسيح، الذي هو بالفعل في العالم، وَكُلُّ رُوحٍ لاَ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ، فَلَيْسَ مِنَ اللهِ“. هذا لا يشير فقط إلى تلك المسيحيةالتي تنكر بصراحة لاهوت ربنا، الآريوسية المعاصرة بأشكالها المختلفة، بل كل روح ينكر أن يسوع المسيح أتى أي أتى وسكنفي جسده الذي هو الكنيسة الواحدة.

الحركة المسكونية، كحركة توحيدية، تسعى بشكل يثير السخرية إلى التغلب على جرسة الانقسام من خلال إنكار فضيحة الخاصيّة“* أي التجسد. تتمثّل هذه الفضيحة بدخول المسيح واستمراره في التاريخ في وقت ومكان معينين، أي بكونه سرياً ومن خلال التجسد هناوليس هناك“. من هنا، بدلاً من صلب فكرهم على صليب هذه الفضيحة، يسعى أتباع يسوع غير المتعصبون والعقلانيونإلى إيجاد هيئة بشرية على صورتهم: “منقسمة في الزمن، بحثًا عن ملءٍ يفترضون ضمناً وجوده فقط في السماوات. إنهم يرون الكنيسة مقسّمة في التاريخ، مقيّدة بيد التاريخ الثقيلة. إنهم يرون أن معرفات الكنيسة (identifiers) ليست بالدرجة الأولى العلامات الحصرية للوحدانية والقداسة والجامعية والرسولية، بل بالأحرى الظواهر الخارجية هي التي توحّد بالفعل، كماء المعمودية (إن كان يُرَشّ أو يُصَبّ أو يُغَطس)، الطقوس، والاعتقاد بألوهية المسيح أو النص المشترك للكتاب المقدس. إنه لأمر قليل الأهمية أن هذه العناصر الخارجية، لا بل وغيرها الكثير، كانت موجودة عند الهراطقة القدماء كأصحاب الطبيعة الواحدة أو محاربي الأيقونات ولم تُعتبر كافية لإنتاج أي نوع من الشركة الجزئيةأو الوحدة الموجودة أصلاً“. لا يبدو أنه يزعجهم أن الشياطين تؤمن وتقشعرما قد يعني أن الوحدة في الإيمان بألوهية المسيحسوف تشمل بالضرورة الشياطين.

هذه الإكليسيولوجيا الجديدة، هذه الرؤية الجديدة للكنيسة، أو للمسيح نفسه كرأس وجسد، يمكن وصفها بأنها نسطورية إكليسيولوجية، حيث تنقسم الكنيسة إلى كنيستين منفصلتين: من جهة الكنيسة في السماء، خارج الزمن ، وهي وحدها صحيحة وكاملة، ومن ناحية أخرى، الكنيسة، أو بالأحرى الكنائسعلى الأرض، في الزمن، وهي ناقصة ونسبية، تائهة في ظلال التاريخ، تسعى إلى التقرب من بعضها البعض ومن ذلك الكمال المتعالي على قدر إمكان ضعف الإرادة البشرية الزائلة.

لكنهم على ما يبدو لا يدركون أن في إنكار وحدانية المسيح بشكل واضح في زمان ومكان معينين على وجه الأرض، في الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة والرسولية، ينكرون أيضًا أنه جاء في الجسد. إنهم يسعون لتشكيل كنيسة من عناصر متباينة أو الاعتراف بكنيسة قائمة بالفعل ولكنها مقسّمةبدلاً من الكنيسة الواحدة، وهي جسد بدلاً من جسد الإله القدوس الذي أتى، وفي هذا الكشف هم من روح ضد المسيح (تحديداً الذي يُوضَع في مكان المسيح).

العرقية (Phyletism) والدهرية

من الغريب أن ما يُنظر إليه في الغالب على أنه معارض للمسكونية، أو حتى للهرطقة التي يُسعى إلى إصلاحها بالمسكونيّة، أي القبلية العرقية، هي روح عشيرة مع المسكونيّة ولدت وترعرعت في الوسط الروحي نفسه أي الدهرية.

كما هو الحال مع بدعة المسكونية ، يرى القبلي العرقي أن الكنيسة محدودة في التاريخ وضمنه، لا كما هي محددة بالمقام الأول بصفات الوحدة والقداسة والجامعية والرسولية، بل محددة بهويته العرقية وماضيها. هدف الكنيسة عنده ليس خلاص جميع البشر من الخطيئة والموت، إنما خلاص هويتهم العرقية وأمتهم. مع العرقية، الحال هو كما مع المسكونية، تضيع الهرمية، ويكون التمييز في غير مكانه أو يختفي حول ما يتعلق بما يأتي أولاً وما يتبع من ناحية هويتنا، مع إعطاء الأوليّة لما يأتي ثانياً وثالثاً.

إن العرقية هي سليفة لازمة للمسكونية، يأتي الرقّاص إلى اليمين ليتجّمع الزخم من أجل التأرجح الكبير إلى اليسار والارتداد الذي يتلوه. كان من الضروري أيضاً إيجاد إنسان يحلّ مكان الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية الآبائية حتى يصير ممكناً تهميش المعارضة الشرعية للإكليسيولوجيا الجديدة وشقّها جنباً إلى جنب مع مختلف العوالمعلى اليمين. من المفترض أن تأتي المسكونية كتصحيح للعرقية، ولكن من المفارقات أنها يمكن أن تكون، في كثير من الأحيان، مصالَحة سلميةمع العرقية.

على سبيل المثال ، عندما ينظر المرء إلى كنيسته على أنها محددة بشكل أساسي بقبيلته، فإنه يقبل بسهولة أن قبيلة جاره يجب أن يكون لها أيضًا كنيسة وطنية (بالنسبة للعقل الدنيوي، لا يهم ما إذا كان أرثوذكسيًاتمامًا أو جزئيًا“). فقط في هذا السياق يمكن فهم هذه الظاهرة في الغرب حيث لا يرى المهاجر مشكلة في أن يذهب أطفاله إلى الجماعة المحلية غير الأرثوذكسية لأنهم أصبحوا أمريكيينويذهبون إلى الكنيسة الأمريكية“.فقط عندما يفهم الإنسان أن العرقيين يماثلون جسد المسيح الإلهيالإنساني بلغتهم وثقافتهم يبدأ باستيعاب سبب تفضيلهم لفقدان أولادهم وترك رعيتهم تموت معهم، على تغيير نقطة واحدة من هذه الجوانب العابرة.

المسكونية والعرقية: وجهان لعملة واحدة من الدهرية

بعيدا عن أن تكونا عدوتَين أو مصححتَين إحداهما للأخرى، فإن المسكونية والعرقية هما وجهان لعملة الدهرية الواحدة. كلاهما تنكر جامعية الكنيسة الواحدة وتسعى كلاهما للاعتراف بكنيسة منقسمةمكانها، سواء كان الانقسام على أسس عرقية أو طائفية. كلاهما يخفض الكنيسة إلى المستوى الاجتماعي والتاريخي، واضعاً إياها في خدمة العالم الساقط بمقابل خدمة خلاص الإنسان من العالم والتغلب عليه، حسب قول الرب: “ثقوا لقد غلبت العالم“(يو 16: 33).

إن أكبر دليل على أن المسكونيّة والعرقية ممتَلَكتان من روح ضد المسيحتكمن في ثمارهما. إنهما تعملان ضد خلاص العالم لأنهما تجعلان الكنيسة في العالم، لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ، إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجًا وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ(متى 13:5). فمن ناحية تنكران طبيعة الكنيسة الواحدة الإنسانيةالإلهية، سواء بالمسكونيّة أو بالعرقية، كما ينكرون انتماءها إلى العالم الآخر، وقوة الصليب التي فيها (أي النسك) والتي إذا ارتفعت بها تجذب جميع الناس نحو المسيح (يوحنا 32:12).

ومن ناحية أخرى ، من دون مغناطيس القداسة والفضائل الإلهيةالبشرية، فإن ابنتي الدهرية هاتين تحرمان غير الأرثوذكسيين من الوخز الخلاصي الذي يصيب النفس، والذي يسمّيه الشيخ القدّيس بايسيوس اﻷثوسي الاضطراب الصالح“. بكثرة الحديث عن المحبة، كلٌ على طريقتها الخاصة (الأمة أو المسكونة)، تتكشفان كلاهما مجردتين من محبة خلاص الأخ، لأنهما تتركانه في الوهم والخطأ، الواحدة عن طريق إقامة حاجز عرقي، والأخرى بحرمانه الطريق الضيق.

* فضيحة الخاصية (scandal of particularity) عبارة وضعها رئيس أساقفة كانتربري الأسبق، وليم تامبل، وهي إشارة إلى صعوبة النظر إلى إنسان واحد، أي يسوع، كمخلّص لكل البشر (المترجم).

المقال الأصلي بعنوان “On the Essential Identity of Ecumenism and Phyletism” عن

http://anothercity.org/on-the-essential-identity-of-ecumenism-and-phyletism/