روح التمييز

الخورية سميرة عوض ملكي

يكثر الكلام عن المشاكل الناجمة عن وسائل التواصل الاجتماعي، مما صار يشكّل مادة واسعة يتداول فيها المهتمّون، فيما تغيب عن بال كثيرين. ليس هدفنا معالجة هذا الموضوع وقد سبق وأُشير إليه في أكثر من مرة، لذا سوف نتوقّف عند ظاهرتين منتشرتين وينبغي الإضاءة عليهما تحصيناً للمؤمنين ولثباتهم في استقامة الإيمان. الظاهرة الأولى هي ما يرِد إلينا جميعاً من رسائل وقصص تجذب الانتباه وتحاكي عواطف المؤمنين خاصة العاطفيين منهم، نذكر على سبيل المثال ممكن طلب صغير أن ترسل لكل واحد عندك ’المجد لك يا ربي يسوع’من فضلك اليوم سنهدي أم الله هديةأمانة لا توقفهااليوم هو نعمة الربلن يباركك الرب إن لم ترسلها… يجب أن تصل إلى عدد كذا…” يمكن وصف هذه الرسائل بالخديعة، لأنها تخدع الشخص بأن ترهبه أولاً ومن ثم تعطيه شعوراً بأنه قد أتمّ واجباتهلأنه أرسلها كما هو مطلوب. وهذه الرسالة ذات الشكل الإيماني قد تصلك من اشخاص تتفاجأ بأنهم قد يؤمنوا بهذا الضلال. فهل يمكن أن يصل الإنسان إلى أن يستعيض عن الجهاد الروحي بإرسال الرسائل النصية ظانّاً أنه يتمّم أعمال البِرّ؟ وأسوأ هذه الرسائل تلك التي تحكي عن أحلام هنا وهناك وتشجّع كل مَن يعتقد بها على الثبات في ما يعتقد أنه رؤيا إلهية، وبأن الله يكلمه في الأحلام، على خلاف ما يعلّمنا الآباء القديسون بأن الله لا يرسل إلينا إلا ما يقود إلى معرفة الحق، وبأن الأحلام ليست نبوءات وأن النبي هو بالدرجة الأولى إنسان مجاهد متطهر، وحول هذا يرِد في كتاب بستان الرهبان: “المصدِّق المنامات يشبه مَن يريد أن يلحق ظلّه ليمسكه… فإنّ الشيطان يخدع الخفيفي العقول وقد يتشكّل مرّات كثيرة بشكل ملاك نور… ويرينا ذلك في الحلم“. الظاهرة الثانية هي تلك الفيديوات المنتشرة والتي يتبادلها المؤمنون عن حسن نية وفيها مواضيع بظاهرها إيمانية لكن محتواها لا يتوافق مع تعليم الكنيسة وإيمانها. فقد يقع أحد الأشخاص على فيديو يتحدّث فيه أحد كهنة الهراطقة عن والدة الإله وعمل الروح القدس أو عن أمور لاهوتية، فيسارع إلى مشاركته مع الآخرين، معتقداً بأنه يساهم في نشر البشارة وتوزيع المعرفة اللاهوتية. لكن مَن حَكَم بأن المحتوى متوافق مع إيمان كنيستنا؟ وبالرغم من الكنوز التي تختزنها كنيستنا الأرثوذكسية، فإن ما يؤلِم حقاً أن بين أبناء الكنيسة مَن صاروا مدمنين على عظات وأقوال رجال دين معينين يجاهرون بمخالفتهم تعليم الكنيسة الأرثوذكسية (كالأنبا شنودة مثلاً)، لكنهم يفسّرون الكتاب المقدس ويتكلّمون عن القديسين بعواطف جياشة وأسلوب يدغدغ دواخل الناس، فيسارعون إلى نشرها ومشاركتها. لكن كم يمرّ في هذه المحاضرات من العبارات والأفكار المخالفة لتعليم الكنيسة أو التي تزرع الشكّ بهذا التعليم, كما يصف الرسول بطرس في رسالته الثانية مُعَلِّمُونَ كَذَبَةٌ يَدُسُّونَ بِدَعَ هَلاَكٍ.. وَسَيَتْبَعُ كَثِيرُونَ تَهْلُكَاتِهِمْ؟ يحكي تقليدنا عن أن الأريوسيين ألّفوا أغانٍ شعبية لتحمل أفكارهم إلى الناس، واليوم الأمر نفسه حيث أن المبتدعين يضعون تسجيلات، لكن الفرق أن أبناء الكنيسة يساهمون بنشرها. البعض يدافع عن هذا النشر بالقول بأن الخلاف مع المبتدعين لفظي، وبهذا يغرس في ذهن الناس أن الآباء القديسين لم يُحسِنوا استعمال الألفاظ اللاهوتية وبذلك ينصّب ذاته معلّماً على معلّمي العقيدة التي ثبّتوها في المجامع المسكونية. وآخرون يتمسّكون بنشر هذه المواد معتبرين عملهم عمل محبة ونبذاً للتعصب. ألا يعني هذا الكلام اتهاماً للآباء بقلّة المحبة؟ أليس هذا ضرباً لتاريخ الكنيسة والتقليد الذي دافع عنه الآباء حتى بذل الدم لحفظه سالماً من البدع؟ وفوق كل هذا، إن الإصرار على نشر ما لا يتوافق مع تعليم الكنيسة يعكس كبرياءً خطيراً يستدعي التوبة، بينما الرسول يعلّمنا بأن مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ، يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا” (يعقوب 20:5) وليس العكس.

ختاماً استشهاد بقديسنا الشيخ باييسيوس الأثوسي حول هذا الموضوع على لسان الأب اسحق (عطالله) الآثوسي، وفيه يصيب النقطة التي نناقشها: بالنسبة للاّخلقيدونيين (المونوفيزيت) قال (أي القديس باييسيوس): ‘هؤلاء لا يقولون إنهم لم يفهموا الآباء القديسين، بل إن الآباء القديسين لم يفهموهم. أي وكأنّ عندهم حق والآباء أساؤوا فهمه‘.

وأوضح أن الإقتراح القائل بأن نمحو من الكتب الليتورجية صفة الهرطقة عن ديوسقوروس وسفيروس هو إهانة بحق الآباء القديسين. قال: ‘كمّ من الآباء القديسين المستنيرين بالله كانوا معاصرين لهم، لم يفهموهم ورفضوهم. أفنأتي نحن بعد قرون كثيرة لنصلح الآباء القديسين؟ وعجيبة القديسة أوفيميا أفَما يحسبون لها حساب؟ فهي أيضاً قد رفضت كتاب الهراطقة‘” [1]

[1] “حياة الشيخ باييسيوس الآثوسي، للأب اسحق (عطالله) الآثوسي، منشورات الجبل المقدس – آثوس، ص. 506-507