القديس يوستينوس بوبوفيتش

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

في الكنيسة الأرثوذكسية، القيامة ليست مجرد “عيد الأعياد”، بل هي العيد الشامل، روح كل الأعياد الأخرى وهي موجودة دائماً فيها. في ذلك نجد كل قوى المخلص الإلهية والإلهية-البشرية، التي تسحق كل خطيئة، كل موت، كل شيطان. إن القيامة غير المنقطعة، أي القيامة المستمرة، هي بالضبط حياة جميع المسيحيين الأرثوذكسيين في كنيسة المخلّص: إنها حياتي وحياتك وحيوات كلّ واحد منا. ما هي الكنيسة الأرثوذكسية؟ إنها المسيح القائم الذي يعيش إلى الأبد. لذلك نحن الذين نعيش فيها نتغلّب على الخطيئة والموت والشيطان من خلال الرب القائم. وبهذه الطريقة، نرتفع من كل قبر، يقودنا ويوجهنا دائماً في هذه المهمة القديسون الذين نمدحهم كل يوم. هؤلاء هم المنتصرون الحقيقيون على الموت والخطيئة والشيطان من خلال الرب يسوع القائم وهم، في الوقت نفسه، أولئك الذين يقيموننا من قبورنا. إذ ما هو هدف حياتنا المسيحية؟ إنه هزيمة الخطيئة والموت والشيطان، وبالتالي ضمان الخلود والحياة الأبدية في ملكوت محبة المسيح السماوي. لأن الانتصار على أي من خطايانا هو انتصار على الموت، لأن كل خطيئة هي موتنا الروحي. من خلال التغلب على الخطيئة والموت، في الواقع نحن نهزم الشيطان، لأن الشيطان ككائن فيه الخطيئة والموت يتطابقان. ولكننا نحن البشر بشر فقط من خلال قيامة الله / الإنسان، ربنا يسوع المسيح، ومن خلال شكل الخلود الذي له.

مع قيامة المسيح، تصبح قيامة كل واحد، أنت وأنا، معقولة وطبيعية، لأن العنصر البشري هو جزء مكون من الكائن الإلهي-الإنساني. لهذا السبب، إن قوة وحقيقة قيامتنا من الأموات مشمولة في قيامة الإله-الإنسان من بين الأموات (راجع 1كورنثوس 12:15-16). في الواقع، جميعنا مشمولون في طبيعة السيّد الإنسانية-الإلهية، وكل واحد منا يحتاج إلى أن يقوم، لأن المسيح قام، وكلّنا، من آدم إلى آخر شخص على وجه الأرض، قائمون فيه، أي في المسيح، بطريقة سرّية. إن قيامة المسيح وقيامة الأموات هما سوية حقيقة إنسانية-إلهية. فالأموات يقومون لأن المسيح قام؛ المسيح قام، ولهذا السبب يقوم الموتى.

لا شك أنّ المسيح لم يقم لنفسه بل من أجلنا ومن أجل خلاصنا. وأيضاً لأن الطبيعة البشرية بأكملها تتبع طبيعة المسيح البشرية كجوهر مركزي لها. بصيرورته إنساناً، أوضح الكلمة الإلهية أننا قد خلقنا حتى في الفردوس، بحياة لائقة بالله، سيكون هناك تجسد لله، أي جسد لله. إن جسد الإله يكون إلهيًا حقًا فقط عندما يكون غير قابل للموت، عندما لا يسعى إلى هزيمة الموت. لكن، بسبب الخطيئة وبالخطيئة، أصبح جسد الإنسان مستعبدًا للموت وقابلاً للموت، ولهذا السبب أصبح كلمة الله جسداً بنفسه: حتى يتمكن من إنقاذه من الموت وحفظه من الخطيئة. هذا هو هدف تجسد المخلّص الذي حدث بسبب محبته لنا. ولهذا، بقيامته تمّ ضمان قيامة جميع الموتى. إن مجمل تاريخ الجنس البشري يثبِت ويسلط الضوء، بما يتخطى ظلال الشكّ، بأن السيد المسيح هو ضرورة دائمة لنا في كل العوالم. لماذا؟

لأنه يعطينا الحياة الأبدية، يبيد الموت وكلّ ما هو قابل للموت. إن العنصر القابل للموت فينا هو كلّ ما يأتي من الخطيئة، من الشر، من الشيطان.

لأنه هو وحده الذي يوفر لنا الحقيقة الأبدية والعدالة الأبدية والمحبة الأبدية والجمال الأبدي ويقضي على الأكاذيب والظلم والكراهية والقبح.

لأنه يعطينا الجنة والنعيم والفرح والمعنى الإلهي-الإنساني الخالد للحياة وللعالم في السماء وعلى الأرض لنا البشر ولجميع المخلوقات.

لأنه وحده يعطينا ما “لن يؤخذ منّا”، سواء في هذا العالم أو في المستقبل.

لأن لا الخطيئة ولا الموت ولا الشيطان يمكن أن يأخذوا المسيح إلهنا بعيداً عنا ولا عدالته ولا الخلود ولا الأبدية، إذا كنا أنفسنا واعين بأننا لا نريد ذلك. أي إذا كنا نحافظ على المسيح إلهنا في داخلنا، بالإيمان والصلاة والمحبة والصوم والصبر والتواضع وفضائل الإنجيل الأخرى، “درع الله” الذي لا يُقهر (أف 11:6-18).

ما هي هذه الحرية التي يعطيها المسيح؟ إنها التحرر من الخطيئة، من الموت ومن الشيطان. هذه الحرية تتغذى بالحقيقة الأبدية والعدالة الأبدية والمحبة الأبدية وكل ما في المسيح، الإلهي والإلهي-الإنساني. هذا هو سبب أن حرية المسيح هي الحرية الحقيقية الوحيدة التي يمكن أن نحصل عليها في هذا العالم. كل ما يسمى حرية عداها اصطناعي، ما لم يكن تحرراً من الموت. لأن الخطيئة تستعبدنا، بشكل لا يمكن تلافيه، للموت وللشيطان. الحرية الوحيدة الأقوى من الموت هي حرية المسيح، وكل ما عداها هو خادم للموت لا قوة له. الحرية الوحيدة الأقوى من الشيطان هي حرية المسيح وكل ما عداها هو تابع لإبليس بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

إن الذين يؤمنون بالرب يسوع القائم، من كل قلبهم وبكل روحهم وبكل عقلهم، لا يخافون الموت ولا يخافون الخطيئة، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “هم خارج سيطرة الشيطان”. ليس هذا فقط، بل هم يزدرون الموت ويزدرون الشيطان لأنهم، في داخلهم، لديهم المسيح ربنا وإلهنا المنتصر الوحيد على الشيطان والوحيد الذي يرفعنا من كل موت.

إن الخطيئة في داخلنا فها نحن مشوهون كوحوش. إن شبيه الله في الخطيئة! أليس هذا هو الجحيم والرعب؟ منذ أن طُرد أجدادنا من الفردوس، أي من الحياة المقدسة والخالية من الخطيئة، أصبحنا مسالك الإثم الجاهزة. وما هو مسلك الإثم غير جحيم مصغّر؟ إن الجحيم الأبدي الواسع النطاق ليس سوى التقاء كل الجُحُم (جمع جحيم) الصغيرة التي تتدفق منا نحن وتحملنا معها. الخطيئة ليست سوى الحياة بمعزل عن الذي بلا خطيئة أي الله. وهذه هي بالضبط ماهية الموت: أولاً موت الروح ومن ثمّ موت الجسد. أو، للتعبير بشكل أفضل، الخطيئة هي الحياة مُعاشةَ بشكل مستمر في الموت. لأن الخطيئة والموت هما الشيء نفسه. حيث توجد الخطيئة هناك الموت. ومرة أخرى، حيث يوجد الموت هناك الخطيئة. لكن كلاهما يشتقّان من خالق الخطيئة والموت أي من الشيطان… إذاً، الخطيئة ليست وحيدة أبداً بل دائماً الموت والشيطان معها وحولها وخلفها. والشيطان ليس وحيدًا أبدًا. فالموت والخطيئة دائماً قدامه. إنه دائم الوجود في كل خطيئة وكل موت. هذا الثالوث لا ينفصل. هذا هو السبب في أن الحرية تتكون من التحرر من الثالوث المثلث اللعنة أي الخطيئة والموت والشيطان. لهذا السبب بالضبط صار ربنا يسوع المسيح المخلص الوحيد للجنس البشري. لأنه، بقيامته من بين الأموات أنقذنا من الخطيئة. إن القيامة هي الانتصار على الموت وبالتالي على الخطيئة وعلى الشيطان. لأن القيامة هي انتصار الذي بلا خطيئة على الخطيئة، الخالد على الموت، الله على الشيطان. مَن يقدر على هزيمة الموت غير مَن لا يموت، أو يقدر على هزيمة الشيطان غير الله؟