الأب انطوان ملكي

تُظهر رواية شفاء المخلّع في كفرناحوم كيف أن يسوع هو محرّر الناس من الخطيئة ومن المرض الذي هو نتيجة لها. النقطة الرئيسية في الحادثة هي كرازة يسوع للكتبة بأن “لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا” وهي تسمح لنا أن نستنتج مساهمة الرواية في إرساء سلطة الكنيسة في غفران الخطايا، هذا السلطان الذي أخذته عن مؤسسها. وهذا المعنى مطلوب إيصاله مع الأحد الثاني من الصوم حيث يكون بعض المؤمنين قد بدأ يتعب ويتساءل عن جدوى ما يقوم به. كما أنه يكمّل القصد الذي تمت مباشرته في الأحد الأول، أحد الأرثوذكسية.

لا تعكس هذه المعجزة تعاطف يسوع مع ألم المريض وحسب بل هي تعبير عن سلطانه الذي به يبدأ زمن جديد في الإنسانية، زمن تضعف فيه قوّة الشيطان وتنهزم، ويتحرّر الإنسان من طغيانه وتُؤسَس الكنيسة حيث يذوق المؤمن مسبقاً عن طريق الأسرار خيرات ملكوت الله.

كل كلمة ينطق بها يسوع في هذا المثل لها معناها العميق. يمدح يسوع إيمان الرجال الأربعة الذين حملوا المفلوج. يرى بعض المفسرين أن المسيح أيضاً امتدح إيمان المفلوج نفسه لأنه رضي أن يحملوه بهذه الطريقة. إن إيمان مرافقي المريض الأربعة وقف خلف ابتكارهم. هنا نفهم أن الإنسان المؤمن حقاً لا ينثني أمام حواجز تعترض طريقه بل يوجِد طرق عمل لكي يحقق هدفه لا من أجل فائدته الروحية الشخصية فحسب بل أيضاً من أجل فائدة الآخرين، خصوصاً عندما يكون هؤلاء الآخرون في حاجة. هنا نفهم درساً مهماً لحياتنا الشخصية وهو أن الإيمان شرط ضروري من أجل الخلاص لكن للإيمان امتدادات اجتماعية لأن الإنسان المؤمن هو وسيلة لخلاص الآخرين. هذا يظهر من أن يسوع مدح إيمان مرافقي المخلّع قبل أن يشفيه. من جهة أخرى، في توجّه يسوع إلى المخلّع ومناداته “يا بنيّ” تظهر الصلة العائلية الوثيقة التي تتكون داخل الإنسانية الجديدة التي هي الكنيسة.

في قول الرب للمفلوج “مغفورة لك خطاياك” يطرح موضوع علاقة الخطيئة بالمرض. حسب يسوع وتعليم العهد الجديد يمكننا القول أن الخطيئة دخلت في العالم عن طريق آدم وكانت النتيجة المرض والفساد والموت. وجود المرض إذاً في العالم يشكّل مظهراً لحالة الخطيئة، لا بمعنى أن كل مرض عند الإنسان هو نتيجة خطيئة شخصية محددة، لكن بمعنى أن المرض بصورة عامة يدلّ على ضعف الإنسانية وخضوعها لقوّة الشرّ.

صحيح أن يسوع لا يفسّر مشكلة الخطيئة، ولا يحكي عن جوهرها أو مصدرها أو نتائجها المؤلمة. لكنه يلتقي بالإنسان الواقع فيها ويحرّره منها. هذا تعليمٌ عن أن زمن المسيّا المنتظر هو زمنٌ تُمحى فيه الخطيئة مع كل ذيولها. لذلك نحن نسمّي المسيح رافع خطيئة العالم، كما نرتّل في المجدلة الكبرى. ولهذا نحن نقرأ عجائب يسوع الواردة في الأناجيل كتعبير عن غلبة الله على القوات الشيطانية التي تقبض على الناس وتأسرهم ودلالة على بداية زمن النعمة والخلاص.

إن الكتبة الحاضرين اعتبروا كلام المسيح عن غفران خطاياه تجديفاً لأنهم لا يعترفون بسلطانه بل يعتقدون أنه ينسب لنفسه خصائص وسلطة إلهية تجديفاً. لكن يسوع يظهِر لهم أنهم إذا كانوا يعتبرون شفاء الجسد أصعب من غفران الخطايا لأنهم لا يستطيعون رؤية الخطيئة والتحقق منها، إلا أنه ينظر إلى السبب والنتيجة في آن واحد. بهذا يظهِر أن ابن الإنسان ليس فقط ذاك الذي سوف يتألم ويعود بمجد ليدين العالم، بل هو أيضاً العامل في الوقت الحاضر فيما بين الناس ومؤسس الكنيسة.

لقد غلب يسوع المسيح تسلّط الخطيئة على الناس مع كل ذيولها حتى ولو كانت الخطيئة لا تزال تؤثر على البشر، وهذا يعود إلى أن الدهر القديم مع كل قواته الفاسدة ما زال قائماً إلى جانب الدهر الجديد الذي بدأ مع المسيح وتحقق في الكنيسة ويكتمل في مجيء المسيح الثاني. عدم قبول الخطيئة في الكنيسة لا يعني أنه غير ممكن حصولها بل يعني أنه يمكن للمؤمن أن يتجنّبها. وحتى في حال سقوطه فيها فإن الكنيسة تملك سلطاناً “لغفران الخطايا”.

* عن نشرة الكرمة