مختارات من سير مباركة – 5

مختارات من سير مباركة

إعداد راهبات دير مار يعقوب – دده

الرّسول يعقوب

يخبرنا التّقليد بأنّ الرّسول يعقوب، أخا الإنجيلي يوحنّا، في الوقت الذي كان يُقاد فيه إلى الاستشهاد التقى في الطّريق بذاك الذي أسلمه. فأوقفه القدّيس وقبّله قائلاً له: “السّلام لك يا أخي”. فلمّا رأى ذاك عدم شرّ الرّسول القدّيس تعجّب وصرخ بحماس: ” إنّي مسيحي منذ هذه اللحظة “. وبعد هذا الإقرار والاعتراف قُطع رأسه مع الرّسول.

 

الرّاهب واللصوص

تاه أحد الرّهبان في البريّة وأضاع طريق العودة، فراح يسير ساعات طوالاً دون هدف إلى أن التقى بأشخاص عابري الطّريق وكانوا لصوصاً أشراراً، فتوسّل إليهم أن يدلّوه على الطّريق الصّحيح ولكنّهم استهزأوا به ودلّوه خطأ. فهم الرّاهب قصدهم ولكنّه بقي صامتاً ورافقهم إلى أن وصلوا إلى نهر كان عليهم اجتيازه، وفجأة ظهر لهم تمساح مخيف هدّد حياتهم بالخطر لو لم يتداركهم الرّاهب وينجّيهم معرّضاً نفسه للخطر بدلاً عنهم. تأثّر أحد اللصوص من موقف الرّاهب فوقع عند قدميه يطلب منه الغفران معترفاً بأنّهم لو استطاعوا عبور النّهر لكانوا قتلوه بدون شفقة. ولكنّ طيبته وحسن معاملته لهم غيّرتهم وردعتهم عن فعل الشّر.

 

شكّ الرّاهب

راهب من أوبتينا يدعى دوروثاوس ذهب ذات يوم لمقابلة الأب أمبروسيوس (1812-1891) وانتظر ساعات طويلة خروج الشّيخ من قلايته. حلّ الليل، وبدأ ذهن الأب دوروثاوس يستضيف أفكاراً سيّئة: “الكلّ يعتبرون الشّيخ قدّيساً، ولكن ما هذه القداسة التي تُرغمك على الانتظار ساعات طوال؟ إنّ هذا الانتظار سيجعلك تخسر خدمة المساء وسوف تضطر بالتّالي إلى النّهوض متأخّراً فتخسر بذلك أيضاً صلاة السّحر. فليتحمّل إذن هو خطيئة كهذه “. وبينما كان يفكّر هكذا إذا بصوت الشّيخ يقول: “ها قد أتيت، ها قد أتيت”. وما إن خرج من قلايته حتى اتّجه فوراً ناحية الأب وباركه وأمسكه بلطف من لحيته، ثم ضربه ضرباً خفيفاً على وجهه مداعباً وقائلاً: “هناك راهبات ينتظرن شهراً بكامله كي يرونني، ويضطررن أحياناً إلى المبيت في المضافة. كما يوجد نساء يأتين من بعيد لمقابلتي ولكنهنّ يصبرن وينتظرن أيضاً. يجب أن أطلق أولاً هؤلاء لأنّه بسببهنّ لا أستقبل، مرّات كثيرة، العديد من الإخوة، إذ من غير الممكن أن أواجه الجميع في اليوم نفسه. فماذا تقول إذن فهل أنا أتحمّل خطيئة تذمّرهم جميعاً ؟”

بعد هذا الحدث لم يعد يشكّك الأب دوروثاوس بقداسة الأب أمبروسيوس ولم يعد يسمح لأفكاره أن تدين تأخّره مطلقاً. وهكذا أصبح كلّما خرج من قلاية الشّيخ يشعر بسلام وفرح كبيرين.

 

القدّيسان استفانوس وسرجيوس

كان القدّيس استفانوس أسقف مدينة بيرم الرّوسيّة يكنّ محبّة عظيمة للقدّيس سرجيوس رادونيج (1314-1392 مؤسّس لافرا الثّالوث الأقدس في زاغورسك). وذات يوم بينما كان الأسقف يقصد موسكو، عبر طريق قريبة من لافرا الثّالوث، ولكنّه، وبما إنه كان مسرعاً، أراد تجاوز الدّير وفي نيّته أن يزور القدّيس لدى عودته. غير أنّه وقبل أن يبتعد عن الدّير أوقف العربة التي كانت تقلّه وشرع يرتّل بواجب الاستئهال ثم انحنى نحو اللافرا قائلا: ” السّلام لك أيّها الأخ الرّوحي سرجيوس “. حصل هذا في الوقت الذي كان فيه القدّيس سرجيوس على مائدة الطّعام مع الإخوة. وبما كان له من البصيرة الرّوحيّة فلقد رأى الأسقفَ ساجداً نحوه. فقطع طعامه ووقف منتصباً مصليّاً ثم سجد بدوره للأسقف قائلاً: ” افرح أنت أيضاً يا راعي قطيع المسيح. فلترافقك بركة الرّبّ”.

بقي الإخوة منذهلين متسائلين ماذا حصل لرئيسهم. وظنّ البعض بأنّه أُهّل لرؤيا ما. وعندما إنتهوا من الطّعام اقتربوا منه طالبين توضيح ما حدث فقال: “عندما وقفت كان الأسقف مارّاً بالدّير قاصداً موسكو، فسجد للثّالوث القدّوس وباركنا أيضاً نحن الخطأة”.

تعجّب تلاميذ القدّيس الذين أكّدوا هذا الحادث من بصيرة الشّيخ الرّوحيّة ومجدّوا الله.

 

أفكار المتوحّد

من أخبار القدّيس سيرافيم ساروفسكي:

أخبر المتوحّد جرجس ماخورين قائلاً: “كنت أحارب منذ زمن أفكاراً توسوس لي بأن أترك ديري وأبحث عن آخر أكثر هدوءاً. لأنّ الزوّار كثر والكلّ يطلب مقابلتي، بالإضافة إلى الرّسائل التي لا تحصى التي أتلقّاها. فأنا أخجل من طرد الزوّار، ويجب أن أردّ على جميع الرّسائل وخاصة ما هو مهمّ منها. لقد استمرّت هذه الأفكار سنتين ولكنّي لم أستطع كشفها لأحد. وذات يوم أتاني أحد الرّهبان وأخبرني بأنّ هناك زائراً قادماً من بريّة ساروف من قِبَل الأب سيرافيم يطلب الانفراد بي. وعندما قابلته قال لي: “إنّ الأب سيرافيم يمنحك بركته ويقول لك إنّه من المخجل حقاً، بعد كلّ هذه السّنين التي قضيتها في الجهاد، أن تخضع لأفكار كهذه وتترك ديرك لتدخل آخر. ابق هنا ولا تذهب إلى أي مكان آخر فالمجاهد مجاهد في كلّ مكان”.

ما إن قال الزائر هذا حتى انحنى وخرج ذاهباً في سبيله. بقيت مسمَّراً في مكاني متسائلاً بانذهال واستغراب: كيف تأتّى لرجل أجهله كلّ الجهل، ولم أره أبداً في حياتي، ولم أراسله قط، أن يعرف أفكاري وخفيّاتي بهذه التّفاصيل والدّقة. وعندما عدت إلى نفسي رجوت الرّاهب أن يعود ويُدخل الزّائر من جديد علّي أستطيع أن أعرف منه أكثر حول هذا الموضوع. ولكنّه كان قد ذهب بعيداً ولم يستطع أحد أن يجده. لقد اختفى!”

 

نبل ضابط شاب

ربطت صداقة متينة بين ضابط من ضبّاط الجيش البيزنطي وأحد الأسياد الأغنياء. فراح هذا الأخير يستضيف في منزله، بين فينة وأخرى، صديقه الضّابط الذي كان على جانب كبير من الوقار والجمال. فعلقت به زوجة السّيّد الشّابة، ومن هواهه مرضت مرضاً ثقيلاً عجز الأطبّاء عن علاجه، إلى أن قالوا ذات يوم لزوجها: “اعرضها على أطبّاء نفسانيين إذ قد يكون مرضاً نفسيّاً”. فأمسك الثري زوجته وأرغمها على البوح والاعتراف بكلّ ما يخالجها ويعذّبها. فقالت: “أنت يا سيّدي، وبنيّة حسنة، تأتي برجال أصدقاء لك إلى المنزل، وأما إنا فكوني امرأة شابّة أقع في فخاخ العدوّ بسبب ضيوفك هؤلاء. وأمّا الآن فأنّي أتعذّب بسبب صديقك الضّابط هذا فإنّ هواه يقضّ مضجعي”.

ولدى سماع الزوج هذا الكلام هدأت نفسه، ولكي تبقى علاقته بصديقه مصانة، كاشفه بالأمر راجياً إيّاه أن يبقى الأمر سرّاً بينهما. وأمّا الشّاب النّبيل النّفس فتأسّف لحال المرأة من كلّ قلبه وقال لصديقه: “لا تغتمّ للأمر يا صاحبي. فبما إنني أنا السّبب في هذا فإنّي أرجو أن أقوم أنا أيضاً بإصلاحه سريعاً “.

وفي اليوم التّالي قصد الضّابط الحلاق وطلب منه أن يقصّ له شعر رأسه، وأن يحلق له لحيته وحواجبه أيضاً. وهكذا وبمنظره القبيح هذا قصد بيت صديقه وطلب أن يرى زوجته المريضة. ولمّا دخل حجرتها برفقة زوجها، كشف عن رأسه وقال لها: “انظري يا سيّدتي كيف سمح الرّبّ أن يصبح منظري”. فحالما رأته المريضة نفرت من قباحته، وتخلّصت للحال من الهوى الذي كان يعذّبها. وهكذا لم يعد هذا الضّابط التّقي الشّريف يزور بيت صديقه أبداً.

 

 

الصّداقة الحقّة

أمسك يوماً جماعة من المحاربين الأتراك شمّاساً مسيحيّاً وراحوا يتفنّنوا في تعذيبه. فسمع بذلك أحد معارفه المسيحيّين المدعو سانكتولوس، وكان يجلّ الشّماس كثيراً ويعتبره قدّيساً نظراً لورعه وعظم فضيلته، فأخذ يتوسّط لدى العديد من وجهاء المدينة ليخلّصه ولكنّه لم يصل إلى نتيجة ترجى، بل حظي فقط بإذن حراسة الشّماس في الليلة السّابقة لاستشهاده، على أن يعذَّب هو بدلاً عنه إن فرّ. قبِل سانكتولوس هذا العرض بكلّ فرح. وعند انتصاف الليل، وعندما أخلد الجميع إلى النوم، أيقظ الشّماس وطلب منه أن يهرب بأكبر سرعة ممكنة وخاصة أنّه جهّز له حصاناً سريع العدو.

– مستحيل يا صديقي، قال شهيد المستقبل، إن فررت أنا فمن المتعذّر أن تنجو أنت من أيديهم، فكيف أعرّضك لموت قاس كهذا.

– لا تهتم بي سوف يحميني الرّبّ.

وهكذا ضغط عليه وأرغمه على الهرب. وفي اليوم التّالي طلب القائد السّجين فأجابه حارسه أي سانكتولوس بشيء من اللامبالاة والاستخفاف:

– لقد هرب .

– ومن المؤكّد أنّك علمت بطريقة فراره.

– نعم.

– وبما إنك رجل صالح (بسخرية) لا أريد أن أعذّبك، ولكني أعرض عليك أن تختار بنفسك الميتة التي ترغب بها.

– أنا بين يدي الله. وطريقة الموت التي يختارها لي هي التي أقبلها بشكر.

قرّر القائد أن يقطع رأسه، وأوكل هذه المهمة إلى جندي ضخم الجثّة قوي السّاعد مفتول العضلات.

ركع سانكتولوس وصلّى ثم أحنى رأسه ليتقبّل الضّربة. كانت نفسه مبتهجة لأنّه بعد قليل سينعم بحضرة المسيح. وما إن رفع الجندي فأسه ليقطع هامة الشّهيد، حتى يبست تلك اليد في الحال وبقيت مرتفعة في الهواء وكأنّ قوّة سريّة قد جمّدتها، وأخذ يصرخ من الألم الذي اعتراه، فاضطرب كلّ من كان حوله قائلين: “ماذا سنفعل الآن بهذا الرّجل؟ يبدو أنّه قدّيس وأنّ الله معه”.

وهكذا راحوا يتوسّلون إلى الشّهيد أن يشفي يد الجندي الذي كان يصرخ باستمرار من الألم ويداه الاثنتان ما زالتا مرفوعتين. فقال الشّهيد:

– أنا لا أستطيع أن أطلب منّة كهذه من الله إن لم يَعِدْ هذا الجندي أولاً بأنّه لا يعود يؤذي بعد الآن أحداً من المسيحيين.

– إني أعد بذلك. قال الجندي وهو يرتعد خوفاً.

– أنزل يديك إذن.

وبكلمته هذه تحرّكت اليدان. فرمى الجندي فأسه بعيداً، تلك الفأس التي كان سيستعملها لقتل الشّهيد.

وهكذا عفّ القائد عن قطع هامة سانكتولوس الذي أصبح فيما بعد رسولاً بين هذه الجماعة من المحاربين.

Leave a comment