X

بحث في التراث الأرثوذكسي

الاستنارة والتألّه أمام شرور الإعلام الحديث

عبود برسيخ


نحن اليوم نعيش في عصرٍ غزا فيه الإنسان، بتقنيات فكره، فضاء الكون الواسع، واتّسعت علومه اتساعاً شديداً حتى غدا كل مجال من مجالاتها عالماً مستقلاً قائماً على أكتاف الباحثين فيه، وكل ذلك حسنٌ ولكن، هل نرضى بأن يرتقي الإنسان بعقله وعلمه ويترك روحه وقلبه على الأرض ليلهو بالمادة ويتمسك بها؟ هذا هو بالحقيقة مرض الحاضر والمشكلة الأكبر التي تهدد مسيحية العصر الحديث…
اليوم اتسعت وسائل الإعلام اتساعاً شديداً، وهي على مدار الساعة تبث معلوماتها وموادها التي تتراوح بين الصالح والطالح، فيتأرجح إنساننا بينهما ويتخبط بين هذا وذاك… التأثيرات السلبية للإعلام السلبي على الحياة الروحية هي ما أودّ أن أطرحه في هذه المقالة في شيء من السرعة والتركيز تاركاً لضمائركم التأمل ولأفئدتكم التصرف.
بحسب القديس غريغوريوس النيصصي، الحياة الروحية كما استشفّها في حياة موسى معاين الله وفي سفر نشيد الأنشاد، تتدرج في ثلاث مراحل:
– التطهير: موسى والعليقة الملتهبة، تظهر لنا محاسن الله فنحاول التجرد عن الأرضيات.
– الزهد: موسى في الغمام، تقوم على التدرج في ترك المحسوس والتعود على اللامرئيات.
– المعاينة: وهي حالة موسى على جبل سيناء.
تدرّج النفس في هذه المراحل إنما تعترضه عقبة أساسية هي الوتر الحساس الذي تلعب أصابع الشر عليه، وهو انحراف الأهواء نحو الشرور انحرافاً يضمن قيادة الغرائز للعقول ويؤكد مسيرة النفس نحو الموت الروحي.
الأهواء ما هي إلا كل ما يتعلق بالحياة الحيوانية عند الإنسان من ولادة وتغذية وتوالد ومرض وموت ومن المعرفة الحسية والرغبات. هذه الطبيعة الحيوانية هي ما يرمز له بالأقمصة الجلدية التي أُلبست للإنسان الساقط، هذه الأقمصة معرّضة بشكل شديد للانحراف نحو الخطأ بتأثير فعل التجربة التي تتكاثف كلما ارتقى الإنسان سلم الفضائل.
والتجربة باختلاف أنواعها التي تعتبر اللذة الحسية أهمها كونها تقود النفس نحو الشر بطريقة عفوية.. هذه التجارب تميل إلى حرف الإنسان عن الطريق الحق، وحرف النفس البشرية عن سعيها نحو الذات الإلهية.
نحن إذاً أمام احتمالين لا ثالث لهما:
– إما أن يسيطر العقل على الأهواء فتتحول الشهوة إلى شجاعة والشهوات الحسية إلى رغبات في الخيرات الإلهية، وذلك ممكن.
– أو أن تسيطر الأهواء على الإنسان فتستأثر الرذيلة بعقله والشرور بقلبه.
وإذا تساءلنا: كيف نعرف الله في هذا العالم؟؟؟
معرفتنا لله هنا لا تتم بمعرفة جوهره لأن ذلك غير ممكن، إنما نحن نعرفه معرفة “رمزية “، أي أن ما يلفت نظرنا في العالم الحسي (إن كانت نظرتنا سليمة) هو قدرة الله وحكمته ومحبته. معرفة الله إذاً، تستند إلى مخلوقاته، أما جوهر الله فلا أحد يستطيع إدراكه، كما أشرت سابقاً.
معرفتنا لله وفق هذا لا تعني أنها وهمية وخياليّة، كما يقول البعض، بل هي حقيقيّة، لأن كل عمل يدل على فنّ صانعه وصفاته، أي أن ما نستوحيه من العالم الحسيّ ما هي إلا صفات ونعوتٌ لخالقها وبارئها.
أما ما يفعله الشر في هذا العالم، فهو أنه ينشر الغمام والضباب حول الرؤية الحقّة التي تقودنا إلى المعرفة الحقة. الإعلام بسلبيّته يميل إلى إقناع الإنسان (وقد تم له ذلك مع الكثيرين) في أن المرئي هو الحقيقي واللامرئي هو الوهمي، في حين أن الحقيقة تعاكس ذلك بالتبادل..
كل الشرور التي تحيط بنا تسحر الحواس (وإني آسف لاستعمالي تعبير السحر ولكنه أكثر بلاغة من سواه). هي تسحرها عندما تجعل الإنسان يعتقد أو يؤمن أنّ كل ما يتعلق بالروحيات وكل ما سبق ذكره صفحاتٌ طوتها يد التاريخ لتفتح صفحة جديدة هي صفحة الشر والإعلام الإباحي وسخرية الإنسان بالإنسان…
إن مبدأ القداسة والاتحاد بالله لا يشيخ أبداً بعكس الرذيلة والشرور… عالمنا الحسي عالم متغير، متقلّب، سريع الزوال، رتيب…” لا جديد تحت الشمس “..أما الألوهة فتعاكس ذلك تماماً، طبيعة الإنسان الحقة هي “صورة الله”، أما الحياة الحسية فقد أضيفت إليها لكي بها يرتقي الإنسان من المحسوس إلى اللامحسوس ومن النسبي إلى المطلق.
شبابنا اليوم سُحروا بحسيّة هذا الدهر وتوقفوا مشلولين أمام ذلك، وفي هذا إجهاضٌ صريح للجنين الروحي بأولى مراحل الحبل به في النفس المعمّدة. فكيف إذاً سوف نرتقي لنبلغ الألوهة وكل ما يحيط بنا يرينا شيطان الشهوة وموت الروح … ولكن المشكلة لا تقف عند هذا الحد.
المشكلة هي أننا نستسلم لهذا المرض ونتراخى له، نسمع عبارات كثيرة: “هكذا عصرنا”، “طبيعة العصر تفرض ذلك”، “إنه من الطبيعي في هذا العصر”… ولكن مَن قال أن المسيح يتغيّر أو أن المسيحية تتنازل لأن العصر يسير نحو الأسوأ…
نحن اليوم نخلط بين القاعدة والاستثناء، فإذا ما استمررنا لا نميز الواحدة عن الأخرى، سيفقد أبناؤنا ذلك التمييز أيضاً..
إن من يقرؤون هذه المقالة مما لا شك فيه أنهم يدركون هذه الأمور وليسوا بحاجة لمن يفنّدها لهم ولكن كيف السعي مع أولئك البعيدين عن الروح الكنسية والمسيحية الحقّة؟
كما يقول القديس مكاريوس الكبير: “لقد أمسى أبناء هذا الدهر أقرب إلى حنطة أُفرغت في غربال هذه الأرض”
فأي حنطة نحن وأي أبناء؟؟…المسؤولية لنا فهل نتردد في حملها؟

admin:
Related Post