كلمة للعدد الأول من السنة السادسة عشرة

بنعمة الرب وصلنا إلى العدد المائة والثماني والخمسين مكللين الجهد الذي بدأناه منذ خمسة عشر سنة وقد تخطى اليوم الألف وسبعمائة مقال. هذا نضعه بين يدي المؤمن الأرثوذكسي الناطق بالعربية، راجين الرب أن نكون قد حفظنا الأمانة بالرغم من كل ضعفاتنا. أكثر من مرة تباحثنا في إيقاف هذ المشروع الذي أسميناه التراث الأرثوذكسي، لكننا كنا نجدد الالتزام ونعود. العديدون رافقونا وغيرهم تركونا، أما نحن فخيارنا في الاستمرار هو أن نكون رفاق الكلمة المحيية لا نتركها.

هذا العدد الأول من السنة السادسة عشرة، أردناه هادئاً هدوئياً، مع أن هناك الكثير مما يستدعي التوقف عنده والكلام عنه بصوت عالٍ في الكنيسة الأنطاكية كما في الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة. لكن كون استراتيجيتنا هي العمل على البنية التحتية للمؤمنين، أي السعي إلى تثبيت وعي التقليد وفكر الآباء، فقد ارتأينا أن نتلافى كلام “السياسة” الكنسية، كما اللاهوت الصرف، والتركيزَ على اللاهوت الاختباري المعاش. فجاء هذا العدد حاملاً سيَر القديسين، الأثوسيين منهم بشكل خاص.

إلى هذا، فقد اعتمدنا سياسة النشر “بالتقسيط” حيث أننا نشارك بعض المقالات، من العدد قبل نزوله، على صفحتنا على فايسبوك، والبعض الآخر يلحقه بعد نشر العدد. هدفنا أن تكون مجلة التراث الأرثوذكسي مرافِقة للمؤمن طوال الشهر من خلال مقالات قصيرة تسهل قراءتها على الشاشة مهما صغرَت.

نحن نعرف أن هناك الكثير من التقصير، سواء لجهة أن موعد النشر ليس ثابتاً، أو لجهة الشكل والإخراج والفهرسة والتبويب. كل هذا نحن نرجو إصلاحه وعلى الرب الاتكال.

إذ نطلب شفاعة كل المذكورين في هذا العدد للمؤمنين الذين يقرؤنا طالبين لهم البركة ولنا في عملنا هذا، نتمنى على الجميع إرسال اقتراحاتهم أو ملاحظاتهم، ونحن نكون من الشاكرين بفرح.

عن أسرة التراث الأرثوذكسي

الأب أنطوان ملكي

خدمة الملائكة للكهنة في الهيكل

خدمة الملائكة للكهنة في الهيكل

الأب استفانوس أناغنوستوبولوس

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

هذه الحادثة رواها للكاتب الشيخ غفرئيل حين كان رئيس دير ديونيسيو في جبل آثوس.

كان أحد الكهنة بالكاد يعرف القراءة والكتابة، لكنه كان شديد الورع، ذا إيمان قوي وفضيلة عظيمة وصاحب جهادات روحية. كان يقف لساعات خلال التقدمة بالرغم من أنه كان يعاني من نزيف في شرايين رجليه. في بعض المرات كان ممكناً رؤية الدم سائلاً على قدميه بسبب وقوفه الطويل ذاكراً أسماء أشخاص كثيرين. لقد كان رجلاً مضحياً حتى نَفَسه الأخير، وقد جرى أنه لفظ أنفاسه مباشرة بعد القداس الإلهي.

بسبب جهله للقراءة والكتابة، وعن سوء فهم، لم يكن يضع أجزاء التقدمة بشكل صحيح على الصينية. عندما نضع جزء والدة الإله نقول: “قامت الملكة عن يمينك…” وكان هذا الشيخ يظن أنه بقوله عن يمينالحمل، يعني اليمين الذي يراه في مواجهته للصينية. بتعبير آخر، كان يضع الأجزاء بالمقلوب.

في إحدى المرات، حضر أسقف إلى الدير لسيامة شماس. بعد دخوله إلى الهيكل ولبسه ثياب الخدمة، انتقل إلى التقدمة التي كانت مُعدّة جزئياً، ليكملها ويذكر مَن يشاء. لاحظ الأسقف أن الأجزاء موضوعة بالمقلوب على الصينية، فنادى الكاهن وقال له: “أنت لم تضع الأجزاء بشكل صحيح يا أبونا. تعالَ إلى هنا لدقيقة. والدة الإله الكليّة القداسة موضوعة هنا والطغمات مكانها. ألم يقل لك أحد أنك على خطأ، ألم يرَ أحد كيف تعدّ التقدمة؟

أجاب الكاهن: “بالطبع يا سيدنا. كل يوم (وقد كان يقيم القداس يومياً) عند التهيئة، يرى الملاك الذي يساعدني ما أعمل ولا يقول لي شيئاً. أنا أعتذر، فأنا جاهل وأمّي، على اقترافي هذا الخطأ. سوف أنتبه من الآن وصاعداً“.

سأل الأسقف: “مَن ذكرتَ؟ مَن قلت أنه يخدمك؟ أليس راهباً مَن يخدمك؟

أجاب الكاهن الشيخ: “لا. بل ملاك من عند الله

صمت الأسقف، ماذا يمكن أن يقول في كل الأحوال؟ لقد كان مذهولاً وقد اكتشف أن الواقف أمامه كاهن قديس. عند الظهيرة، بعد المائدة، ودّع الأب الرئيس والرهبان ومضى.

في اليوم التالي، وكان الوقت ظلاماً، دخل الشيخ إلى الهيكل ليعدّ التقدمة. نزل الملاك ليساعده. عند تقطيع الحمل والأجزاء لاحظ الملاك أن الكاهن وضعها بالشكل الصحيح.

حسناً يا أبتي. الآن وضعت الأجزاء كما ينبغي، قال الملاك.

نعم. لقد كنتَ تعلم أني على خطأ كل هذه السنين. فلماذا لم تقل لي أي شيء، لماذا لم تصححنيسأله الشيخ.

أجابه الملاك: “لقد كنت أرى، لكن ليس لدي الحق بإخبارك أي شيء. أنا لا أستحق أن أصحح كاهناً. الله يأمرني بأن أخدم الكاهن. وحده الأسقف لديه الحق بتصحيحك“.

العلاقة بين القديس باييسيوس الأثوسي والشيخ يعقوب تساليكيس

العلاقة بين القديس باييسيوس الأثوسي

والشيخ يعقوب تساليكيس

شهادة الأب الراهب يعقوب

كنتُ علمانياً، تلميذاً في الثانوية الكنسية في لاميّا، سنة 1986، أحمل اسم يوحنا. كنت أنوي الذهاب إلى الجبل المقدس وزيارة الشيخ باييسيوس، ببركة شيخي يعقوب تساليكس، لكي أطلب النصح منه حول أن أكون راهباً أم لا.

لقد كان الشيخ يعقوب يوقّر الشيخ باييسيوس كثيراً، وعندما قصدته، أعطاني شيئاً لأوصله كبركة وقال لي: “قلْ للشيخ باييسيوس، عندما تصل إلى تسالونيكي، بأن عليه أن يأتي ليرانا. فمن جهتي يا يوحنا، صعب عليّ أن أذهب لرؤية الشيخ، لأن عليّ أن أعبر جبالاً وودياناً والبحر، فيما صحتي لا تسمح بذلك، هذا كي لا أذكر أن الشيخ باييسيوس قديس أمّا أنا فخاطئ وغير مستحق“. من ثمّ أعطاني خمسة آلاف دراخما لأضيء له شمعة في كنيسته.

في الجبل المقدس، التقيت الشيخ أمام بابه. ما أن رآني، وقد كنت برفقة أحد الآباء الرهبان، قال لي: “أهلاً، جيد أن نراك“.

بعد أخذ البركة، قال لي: “إذاً، ماذا تظن؟ أسنسيمك راهباً؟أجبته: “أبونا، عندي مشكلة مع أهلي“. فقال لي: “اسمع ما أقوله لك، اتركْ أهلك يبكون لشهر أو اثنين، حتى لا تبكي أنت إلى الأبد، وقبل أن تفقد الكنز.” كان يشير بالكنز إلى الشيخ يعقوب، وهذا كله من دون أن أكون قد فاتحتُه برغبتي في أن أكون راهباً.

وإذْ أردت أن أقول شيئاً، قاطعني: “معك بركة الأب يعقوب من دير القديس داود في آفيا. يا بنيّ، هؤلاء هم القديسون الذين يكافحون اليوم ويصلّون بتواضع ومحبة. أنا لا أستحق أن أرى عملاق الأرثوذكسية، ولقاؤه أيضاً بعيد جداً، وهذا يتطلّب جهاداً والكثير من الجهد. لأن الله منحنا المحبة ونحن نتواصل روحياً.”

فسألته: “أعندي بركة بأن أسجد في كنيسة قلايتكم؟فأجاب لا ليس ضرورياً.”

فأجبته أنها للتبرّك، فقال لي: “لا يا بنيّ، قد يكون الشيخ يعقوب أعطاك خمسة آلاف دراخما، لكن ماذا بعد، ماذا أعمل بها وأنا راهب؟

لم يتركني أسجد. أعطاني مسبحة صلاة وصليباً صغيراً لأوصلها إلى الشيخ.

عند عودتي إلى الدير استقبلني الشيخ يعقوب بفرح. أعطيته البركة من الشيخ باييسيوس فبادرني بالقول: “الخمسة آلاف دراخما التي لم يقبلها الشيخ باييسيوس، ولم يتركك تسجد وتضعها في كنيسة القلاية، خذها معك لمصاريفك في مدرسة لاميّا“.

أصبتُ بالذهول وسألته: “يا أبونا، كيف تعرف ذلك؟فأجابني هامساً في أذني: “يا بنيّ، نحن نتواصل روحياً.”

جبرائيل، طالب الفلسفة الملحد في الجبل

جبرائيل، طالب الفلسفة الملحد في الجبل

الميتروبوليت نيقولا مطران ميسوغيا

قبل عدة سنوات، تقرّب مني أحد الطلاب. أخبرني أنه كان ملحداً، على الرغم من كونه متردداً جداً كان عنده عزم الساعي الجدّي، كان يعرف أنه سوف يكون راضياً إن آمن لكنه لم يستطع. حاول لسنوات من دون نتيجة. لقد تحدّث إلى متعلّمين وأساتذة، من دون أن يشبع عطشه إلى شيء ما مهم. سمع عني وأراد أن يشاركني حاجته الوجودية. سألني عن برهان علمي لوجود الله.

سألته: أتعرف التكاملات (integrals) أو المعادلات التفاضلية (differential equations)؟

أجاب: للأسف لا، أنا أدرس الفلسفة.

فقلت له ممازحاً: هذا معيب! لأن البرهان الذي عندي هو من خلالها.

لم يرتَح لجوابي وصمت لبرهة. فقلت له: انتبه، أنا آسف أني مازحتك، الله ليس برهاناً حسابياً ولا هو معادلة. لو كان أيّ شيء من هذا القبيل لكان كل المتعلمين يؤمنون به. هناك طرق أخرى للتقرب من الله. أنت تعرف. هل سبق لك أن زرت الجبل المقدس؟ أقابلت في حياتك أي راهب ناسك؟

أجابني: لا يا أبتي، لكني لأني سمعت الكثير، أنا أفكّر بالذهاب إلى هناك. حتّى أن باستطاعتي أن أذهب غداً، إذا طلبتَ مني ذلك. أتعرف أيّ شخص متعلّم أستطيع أن ألقاه؟

ماذا تختار؟ متعلّم بإمكانه أن يصيب عقلك بالدوار أو شخص يمكن أن يوقظك وهو قديس؟

أريد متعلّماً لأني أخاف القديسين.”

فأجبته: “علاقة الإيمان هي مع القلب، لمَ لا تجرّب قديساً؟ ما اسمك؟، فقال جبرائيل“.

أخبرته كيف يذهب إلى عند راهب ناسك. أعطيته الطريق لإيجاده وكل التوجيهات الضرورية، حتّى أني رسمت له خريطة. “عليك أن تذهب وتخبره بما أخبرتني. قلْ له أنا ملحد، لكني أريد الإيمان بالله، أريد برهاناً على وجوده“.

فقال لي: “أنا خائف وخجلان، فسألتُه: “لمَ أنت خائف وخجلان من الرجل المتقدّس وليس منّي؟

بعد أيام ذهب ووجد الناسك يتحدّث إلى شاب في فناء داره. على الجهة المقابلة كان أربعة آخرون ينتظرون على بعض جذوع الشجر. وجد جبرائيل بينهم مقعداً مؤقتاً. بعد أقل من عشر دقائق انتهى الشيخ من محادثته مع الشاب.

سأل: “كيف حالكم يا فتيان؟ هل أخذتم بعض الحلوى التركية؟ أشربتم ماء؟، فأجابوا شكراً أيها الشيخ، بدماثة مهذبة.

قال لجبرائيل: “تعالَ إلى هنا، مختاراً إياه من بين الآخرين. “سوف آخذ الماء وأنت تأخذ علبة ​الحلوى التركية، وتقترب مني حتى أوشوش إليك بسرّ: لا بأس أن يكون الإنسان ملحداً، لكن أن يكون لك اسم ملاك وملحد؟ إنها المرة الأولى التي أرى فيها شيئاً من هذا“.

كاد جبرائيل أن يُصاب بنوبة قلبية عند سماعه هذا الكلام. كيف استطاع أن يعرف اسمه؟ مَن أخبره بمشكلته؟ بالنهاية، أهذا ما كان الشيخ يريد إخباره؟

فسأل وهو بالكاد يستطيع أن يتمتم: “أبونا، أأستطيع التحدث إليك لبرهة؟

استمع، الوقت متأخر. خذ الحلوى التركية، اشرب بعض الماء، واذهب إلى اقرب دير لقضاء الليل“. “أبونا، أرغب بالتحدث إليك، أليس ذلك ممكناً؟

ما عسانا نقول، يا بنيّ؟ ما سبب مجيئك؟

أخبرني جبرائيل: “عند طرحه هذا السؤال عليّ، أحسست بتنفسي يتسارع مباشرة. فاض الإيمان في قلبي. راح عالمي الداخلي يزداد حرارة. من دون أي محاججة، كانت الشكوك تزول. من دون أي كلام، من دون وجود جواب قاطع. كل «إذا»، «لماذا» و«لكن» أبيدَت مباشرة، وكل ما تبقى كان «كيف؟» و« ماذا الآن؟»”

نكزة خفيّة من قديس أعطت أفكاره ما عجز عن إعطائه إنسان متعلّم. قديس لم يتخرّج إلا من الصف الرابع في المدرسة الابتدائية. لدى القديسين الكثير من الاستنارة. إنّهم يعملون عليك، لكنك لا تشعر بأي ألم خلال العملية. من دون أن يفتحوا أحشاءك يقومون بعملية الزرع. من دون أن يستعملوا سلماً، يرفعونك إلى قمم لم تطأها قدماك. من دون أن يتعِبوا دماغك يزرعون بذار الإيمان في قلبك.

آباؤنا الأثوسيون المباركون المتوشحون بالله

آباؤنا الأثوسيون المباركون المتوشحون بالله

الميتروبوليت نيقولاوس ختزينيكولاو

إن أكرام القديسين هو عنصر أساسي في التقليد والحياة الأرثوذكسيين. من خلال الكنائس المكرّسة لهم، من خلال الصلوات التي تعبّر عن أنهم في الأبدية، من خلال الخدم الشعرية، من خلال سِيَرهم المثيرة للاهتمام، من خلال استدعاء أسمائهم المتكرر، هم أشخاص أحياء بشدة من أجلنا ونعمتهم تتدخل في حياة المؤمنين مشددة داعمة ومقدِّسة.

ليس غريباً أن تتوجّه الكنيسة إلى القديسين كمجموعات لا كأفراد فقط. على هذا الأساس، نحن نكرّم الأطفال الذين قتلهم هيرودس، آباء المجامع المسكونية، وأولئك الذين استشهدوا جماعياً خلال الاضطهادات المختلفة. لذا، بالنسبة لنفس أبينا المبارَك القديس نيقوديموس الأثوسي، النفس الحساسة الشاعرية الرهبانية، كان من الصعب الامتناع عن إظهار مواهبه وإكرام كل جماعة الآباء المتوشحين بالله، من رهبان نساك، الذين لمعوا حقيقةً في الجبل المقدس. إنه حق وواجب أن تُقَدِّر الكنيسة في كل العالم حياتهم وأن تعطيهم الشرف، وأن يُقَدَّم نموذجهم الأرضي ونعمتهم الإلهية إلى كل المؤمنين للاستيحاء والتقديس. هكذا كُتبَت هذه الخدمة الرائعة والخليقة الروحية، خدمة آبائنا المباركين المتوشحين بالله الذين لمعوا في الجبل المقدس“.

الشيخ المعاصر، القديس باييسيوس، اعتاد أن يقول أنه لو لم يكتب القديس نيقوديموس الأثوسي أي شيء آخراً، أو لم يعرف أي شيء آخراً، مجرّد أنه ألّف هذه الخدمة الرائعة كان كافياً لإقناعنا بقداسته ونعمته المميزة. ففيما هذه الخدمة تمدح القديسين الأثوسيين، تثبت أيضاً قداسة كاتبها بطريقة مميزة.

إن حياة القديس الأثوسي مختلفة جداً وبطريقة مهيبة ويمكن التعرّف إليها من غيريةطبيعتها. ما من شيء يشبه الجبل المقدس في كل تاريخ العالم. إنه مختبر فريد للقداسة. إنه تنوّع من سبل التفاني الكامل، التي تقود كلها إلى قمة أعظم التحولات. في الوقت نفسه، إنها طريق باتجاه واحد تنتهي بمعاينة جلال الله ورؤية مجده.

كشعر تسبيحي، خدمة الآباء الاثوسيين هي تحفة بالفعل. المؤلفون الأثوسيون السابقون، كمتياس الفاتوبيذي ويواصاف الديونيسي والراهب الكاهن أثناسيوس والراهب دانييل وكلاهما من كاتوناكيا، قدّموا ألحانهم المتناغمة من خبرتهم الأثوسية، وقد مزجوا المواهب بالعطايا ووضعوا الكلمات لموسيقى نعمة نادرة

عندما يمكن صياغة سرّ حقيقة الله الذي لا يمكن تفسيره ولا التعبير عنه في الكلمات، عندها يمكننا أن نتحدث عن خبرة الاستنارة. ولكن عندما يُعَبّر عن هذه الحقيقة من خلال أداة الشعر الذي لا يُوازى، وتُضبَط على الموسيقى بإلهام نادر ومن ثمّ تُذاع بصوت استثنائي، فإنها تجلب إلى البهجة الروحية والسمو السري كل قلب متواضع مختَرَق بالشوق الإلهي ومتحوّل بالمحبة الإلهية

عن الكاهن الصالح

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

قصة: بكاء الكاهن

أثناء فترة الصوم الكبير المقدّس علم كاهن الرعيّة في إحدى القرى الصغيرة، والتي معظم شعبها من المسيحيّين، أنّ ثلاثة من أبناء الكنيسة عازمون على ترك المسيح، والالتزام مع جماعة من الشباب متفلّتة أخلاقيًّا، ولا تؤمن بوجود إله.

 لم تفلح محاولات الكاهن في إقناعهم رغم الإيضاحات الوافية التي قدّمها لهم، ورغم التوسّلات الكثيرة التي توسّلها مبيّنًا مدى خطورة هذه الخطوة على مستقبلهم الروحيّ، لا بل على مستقبلهم بشكل عامّ. ولكن، لمّا وجد الكاهن أنّ هذه الوسائل كلّها لم تجدِ نفعًا، لجأ إلى رفع الصلوات الحارّة إلى الله، مُتشفّعًا بالسيّدة العذراء والقدّيسين وتقديم القرابين من أجل هدايتهم وخلاصهم، كما طلب من أقرّب المقرّبين إليه أن ينضمّوا إليه في صلاته، مذكّرًا إيّاهم بقول الربّ: “إن اتّفق اثنان منكم على الأرض في أيّ شيء يطلبانه فإنّه يكون لهما من قِبَل أبي الذي في السموات” (متّى 18: 19) .

ويوم الأحد، وأثناء القدّاس الإلهيّ، بينما كان يعظ الشعب انفجر الكاهن ببكاء شديد على أولاده المُصرّين على ترك المسيح. ومن حرارة الصلوات وغزارة انسكاب دموع الكاهن، لاحظ الحاضرون في الكنيسة أنّ أعمدتها تسيل منها قطرات من الماء وكأنها دموع تشارك الكاهن بكاءه، فتأثّر الحاضرون، وارتفعت صلواتهم مصحوبة بالبكاء أمام الله، ولمّا علم هؤلاء الثلاثة بالأمر الحاصل، نُخست قلوبهم، وعادوا إلى الكنيسة مُعترفين بخطاياهم.

أحبّاءنا، إذا رأيتم إنسانًا يبتعد من طريق الله، فقدّموا صلوات من أعماق قلوبكم حتّى تتحرّك مشاعره ويرجع بالتوبة، وإن تمادى في أخطائه ورفضه لله لا تنزعجوا، بل ثابروا على صلواتكم مُستعينين بشفاعة والدة الإله الكلّيّة القداسة وشفاعة القدّيسين القادرة أن تهزّ أركان الشرّ كلّه، وأن تليّن القلوب مهما كانت قاسية.

قدّموا محبّتكم للبعيدين، واستمرّوا فيها مهما بدت الظروف صعبة، واسندوها بالصلاة والصوم، واعلموا أنّ دموعكم المُنسكبة أمام الله غالية جدًّا، وإيمانكم الظاهر في لجاجتكم يفيض عليكم مراحم الله فتنمو علاقتكم معه وتختبرونه في حياتكم، بل وتستطيع صلاتكم المُنسحقة أن تهزّ حتّى الجبال.

إن أقوى الصلوات هي التي تُقدّم في ساعة الضيق، وثقوا أنّ الله لا يسمح بضيق فوق الطاقة، ولا بدّ أن يتدّخل ولو في آخر لحظة ليُخلّص أولاده، فلا تضيّعوا صلواتكم هباء.

لا تنسوا في صلواتكم اليوميّة أن تذكروا البعيدين عن الكنيسة، وكلّ من يمرّ في ضيق أيًّا كان نوعه، وكذلك الذين طلبوا منكم الصلاة لأجلهم، فيرحمكم الله ويرحمهم ويُبارككم ويُباركهم.

متذكرين أنّي ثلاث سنين  ليلاً ونهاراً، لم أفتر عن أن أنذر بدموع كلّ واحد” (أع20:31).

مختارات: خواطر كاهن

إن كانت قمّة جبال إفرست أعلى قمّة في العالم، فإنّ قمّة الجلجلة هي أعلى قمّة في الفضائل: المحبّة.

يوجد في القدس حائط المبكى، ويوجد في قدس أقداسك (في داخلك) حائط مبكى على هيكلك المهدوم يحث يسكن روح الله.

قطع يهوذا حبل أناة الله الطويل الذي كان يجذبه إلى الأعلى، وتعلّق بحبل اليأس القصير الذي هوى به إلى الأسفل.

مقصلة الاضطهاد تقطع رأس الجسد ولا تمسّ شريان الروح.

الرهبنة موت والخطيئة موت. الأولى تلد حياة، وأمّا الثانية، فتلد موتًا فموتًا.

كثيرون امتطوا جواد الأحقاد عازمين على تعذيب المسيحيّين فرجعوا حفاة الأقدام حاملين صليب إله المسيحيّين.

كنيسة أنطاكية والوحدة الأرثوذكسية

كنيسة أنطاكية والوحدة الأرثوذكسية*

الأرشمندريت إيرينيوس ياكوماكيس**

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

ما أظهره قرار بطريرك أنطاكية بقطع الشركة مع بطريركية أورشليم هو ببساطة الجرح القائم في حضن الكنيسة الواحدة، المقدسة، الجامعة، الرسولية. مَن يجادل بأنّ الشؤون التي تنشأ عن علاقات الكنائس هي ثنائية أو ثلاثية وليست شاملة لكل الأرثوذكس هو للأسف مخطئ، أو أنه ينأى بنفسه عن المشكلة بطريقة معاكسة للكنيسة، أو للأرثوذكسية وللمسيحية، إذ لا يمكن أن يتألّم عضو من جسد الكنيسة من دون أن يتألّم الأعضاء الباقون أو من دون أن يتعاونوا لمحاربة الجرثومة التي دخلت إلى بنيتها. لقد قدّم الرسول بولس الحلّ لكل هذه الأمور.

لم يكن باستطاعة كنيسة أنطاكية أن تغمض عينيها أو أن تسمح للسرطان، أي سرطان انتهاك القوانين الكنسية المتعلّقة بنطاق السلطة الكنسية، بأن يصيب علاقات البطريركيتين القديمتين، ولا أن يخلق نظاماً جديداً غير قانوني ضمن الكنيسة. فهذا يخالف قوانين المجامع المسكونية التي يلتزم بها الجميع والتي تحدد حدود وسلطة كل كنيسة. ونورد هنا كسابقةٍ ما جرى حين تدخّلت كنيسة أورشليم في أوستراليا التي لا تتبعها كنسياً (وعملياً لا تتبع غيرها – المترجم). فقد حكمَت بطريركية القسطنطينية على أساقفة كنيسة أورشليم بالتجريد من رتبهم الكنسية واعتبارهم مجرد رهبان (أيضاً هنا لا سلطة كنسية لكنيسة القسطنطينية في إصدار هكذا حكم – المترجم).

في الحالة الحاضرة، قبل الوصول إلى قطع الشركة، وبالرغم من العبء الثقيل الذي تحمله بطريركية أنطاكية جرّاء المواجهات الدموية في سوريا، فقد توجّهت برسائل إلى كافّة الكنائس الأرثوذكسية قبل الاجتماع الأرثوذكسي العام الذي انعقد مؤخّراً، طالبةً مناقشة القضية، دون أن يلقى الطلب آذاناً صاغية.

هنا يجوز التساؤل حول الغاية من الإنشاء غير المتوقّع لأبرشية جديدة في قطر تابعة لبطريركية أورشليم. ما الذي حرّك مجلس المتقدمين في أخوية القبر المقدس، وبطريركية أورشليم، صهيون المقدسة أم الكنائس التي أوكِلَ إليها الحفاظ على الأماكن المقدسة ومواقع الحج؟ هل يُعقَل أنهم اختاروا قطر مُحَرَّكين بأهداف سياسية، لكي ينتهكوا سلطة بطريركية أخرى هي أنطاكية، في وقت تسطّر أنطاكية بدماء مؤمنيها لوائح جديدة من الشهداء تضيفها إلى كتب كنيستنا الليتورجية.

إن شرّاً واحداً يتبعه ما لا يُحصى من الشرور. هذه الحالات هي نتائج متجذرة في الوضع المتفجر القائم في بطريركية أورشليم. حيث أنه سابقاً، من خلال إجراءات تفتقد الشفافية وتناقض القوانين، ومن دون دليل أو إثبات، جرى خلع بطريرك أورشليم الشرعي إيرينيوس الأول، واعتلى مكانه شخص آخر (ثيوفيلوس البطريرك الحالي – المترجم) بإجماع غير مسبوق في تاريخ هذه البطريركية، نتيجةً لتدخّل العملاء السياسيين والماليين في إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية واليونان والأردن. لقد تمّ تنفيذ هذه الإرادة على يد أساقفة من الكرسي الأورشليمي كانوا يتصرّفون كأبواق لهؤلاء العملاء، وبمشاركة ممثلي الخارجية اليونانية في ذلك الحين. وكان على البطريركية المسكونية أن تشرّع هذا العمل، وبالواقع من خلال تثبيتٍ “أرثوذكسي جامع”.

لكن هذا التثبيت بأغلبية سبعة أصوات موافقة وسبعة ضد (أربعة اعترضوا وثلاثة تغيّبوا اعتراضاً)، أثارَ أعظم كارثة على الوحدة الأرثوذكسية منذ مجمع فراري الزائف في فلورنسا. فالكنيسة، بدل أن تعبّر عن شهادتها المشتركة، بفضّها للوقائع وكشفها، مفصّلةً الحق عن الباطل، وحتى من دون محاكمة كنسية، ضحّت بإرادة الله من أجل إرادة البشر وأغمضت عينيها عن القوانين الكنسية، واتّبعت من جهةٍ إرادةَ غالبيةٍ نسبية، ومن جهة أخرى التوجيهات السياسية، حتى انتهينا اليوم إلى المشاكل التي تتخبّط بها بطريركية أورشليم، والتي كشفتها بطريركية أنطاكية بسحبها الستار عن ما يجري. إن المسائل الأكثر عمقاً لم يتمّ الكشف عنها علناً، لكن سوف يأتي وقت حين كل شيء سوف يظهر إذ ما من شيء يبقى مخفياً تحت الشمس.

جدير بالذكر أن في رصيد بطريركية أنطاكية قيامها بالعمل نفسه في العام 2005 حين، ومعها كنائس جورجيا وبولندا ورومانيا، رفضت التصويت لصالح اتّهام البطريرك إيرينيوس لعدم وجود الدليل. يُذكر أن كنائس صربيا وبلغاريا وتشيكيا كانت تغيبت عن الاجتماع. فتهمة البطريرك إيرينيوس كانت بيعَ عقارات مهمة في القدس القديمة إلى اليهود. ولو أن هذا الأمر كان صحيحاً لكان يُتوَقّع من كنيسة أنطاكية للروم الأرثوذكس، وأساقفتها وأعضاؤها عرب، أن تنفث غضباً على البطريرك إيرينيوس. ومع ذلك، فإن بطريركية أنطاكية التزمت بالرصانة واحترام قوانين الكنيسة عبر ممثلها الميتروبوليت إلياس (مطران بيروت) ووقفت ضد كسر وحدة الكنائس. إذاً، التاريخ يُظهِر أن أعمال بطريركية أنطاكية لطالما حكمها الاحترام للقوانين لا للأشخاص الذين غالباً ما يخطئون.

إذا بقيت هذه الأخطاء بلا تصحيح فلن يكون هناك كنيسة محلية واحدة في خطر بل سوف يطال الخطرُ وحدة الكنيسة الأرثوذكسية كلها، وسوف يبقى سيف الانقسام مسلَطاً على رؤوسنا نحن الروم مثل سيف ديموقليس. ونتيجة لذلك، لا نستطيع أن نتكلّم عن مجمع أرثوذكسي عام أو نفكّر به طالما أن على رأس إحدى الكنائس الأرثوذكسية رئيس غير شرعي، كون هذا يشكّل قطعاً للتسلسل الرسولي. حتّى لو غضضنا النظر عن هذا، فإن الحجارة سوف تصرخ، كما يحدث اليوم في قضية قطر، وحياة الكنيسة سوف تجلب القضايا إلى النور، فالحق لا تعبّر عنه الأغلبية دائماً، بل ذاك الذي يحمل الروح القدس ويعلن الروح بغض النظر عن ما يكلّفه ذلك شخصياً. عندما تتبع الأغلبية ذلك الشخص تحفظ حقيقة الإيمان.

بالحقيقة، هذا كل ما قام به الإسبيريدونات والباسيليوسات والغريغوريوسات والنيقلاوسات والمرقسات (جمع أسماء القديسين إسبيريدون وباسيليوس وغريغوريوس ونيقولاوس ومرقس الأفسي ومَن تمثّل بهم من بعدهم – المترجم) وغيرهم، خلال رحلة كنيستنا الممرغة بالدماء، ولهذا ما بقيت الأرثوذكسية إلى اليوم. لقد تبعهم الأساقفة لأنهم رؤوا روح الله يتكلّم بأفواههم واضعين اختلافاتهم الشخصية جانباً، لأن في الكنيسة الأرثوذكسية ما من آراء أو أفكار، إلاّ تلك التي من الله أو الأخرى التي من الشيطان.

هذا ما تقوم به بطريركية أنطاكية، ومن خلف أعمالها يمكن تمييز أسفها للتمزّق الحاصل وبشكل أساسي فهمَها لأزمة بطريركية أورشليم التاريخية وتفهّمها للمشاكل التي تمّ خلقها وطرق مجابهة للمرض. إن أعمال كنيسة أنطاكية تظهر لهفتها ومبضعَها واجتثاثها للسرطانات التي تراكمت في حضن الكنيسة.

لقد تجرّأ رؤساء الكنائس الأرثوذكسية في أوستراليا بعد تسع سنوات ولامسوا فتات الأزمة ولو بخجل وبتوصيفات غير ناجحة. مع هذا، مَن يسمع ويطبّق ما يقوله الروح القدس للكنائس؟ ليست الرؤيا بعيدة عنّا وذلك لأن كنيستنا عندها الحقيقة المعلّنة، بشرط أن يرى رؤساء الكنائس ذلك ويعلنوه، وِفقاً لمعيار حاملات الطيب.

* عن Romfea, May 10, 2014

** لاهوتي ومحامي، طالب دكتوراه في الحق العام في جامعة أثينا

بولس …لا نريدك ذكرى

بولس …لا نريدك ذكرى !!!

ماريا قبارة

 

في اليوم السادس .. على مشارف أحد الشعانين
—————————————————-

المعلّم كان رجل أوجاع وحامل الألم.

وأنت أيّها الراعي بولس على مثال معلمك… ثابتٌ في المحبّة وسط أوجاع لا تطاق.

قوتك في إيمانك.
وها الختن عريسك يسمع صوتك الحسن… ويراك بحلّتك البهيّة مرتلاً في الكنيسة:

“ها هو الختن يأتي في نصف الليل”…
حبيبنا بولس…. ننتظرك.
العيد فرحٌ… ولكنه ناقصٌ من دونك ووجودك معنا وفي وسطنا…
تعالَ بسرعة بيننا… فنحن نحبّك … والمحبّ لا يتوانى عن لقاء أحبائه…

في اليوم 21…الأحد الجديد

—————————-

إليك… يا من أحّبته العقول…
إليك… يا من أحّبته القلوب…
إليك .. يا من صورته في كلّ مكان.. وفي قلوب الأحبّة الدامعة..
أين أنت يا معلمنا؟؟..
أين أنت يا سيدنا؟؟..
أمسافر أنتَ؟؟ … أخبرن.
أمشتاق إلينا؟ … اتصل بنا
حنين الأحبّة إليكَ يُوجع القلوب… وبأمطارِ عيونهم يصلّون…
قمْ حالاً….. هيّا تعالَ…
يكفيك تعليماً حيثما أنت…
أخوك البطريرك …وأمك الحنونة الحبيبة… وأحباؤك… وخاصّتك… وأهلك… ينتظرونك
قمْ تعالَ ….. اشتقنا إليك…

في اليوم 46….تراكمت الأيام..

——————————–


عُد أيّها الغائب كما وعدتنا… فما عهدناك يوماً توعد وتخلف..
سئمنا قلة الأعذار… وسئمت عيوننا الانتظار…

عُد أيّها الغائب… فأجراس الخطر دُقت… ونعتْ المشاعر أحاسيسها..
أصوات وصور تردد… مخالفة… مستنكرة…

عُد أيّها الغائب… قبل أن تشمّع الذكرى أبوابها… وتتلاشى …

أيّها الغائب… لك في القلب كل الاحترام والمحبة…

عُد أيّها الغائب … بأدواتِ إبداعك … ومحبتك … وعطائك…
عُد!! …عُد أيّها الغائب… ولا تجعلنا نكتفي ببقايا الكلمات … والألحان…

يا أخي الغائب… أما آن أن تعود!!!؟

في اليوم 78… هل من خبر؟؟!!

———————————-

شمعّت الذكرى أبوابها… وتلاشت…

 

اليوم….وفي أيّ يوم …

————————-

ننتظرك…

السلطة والقدوة

السلطة والقدوة: الأبوة الروحية مثالاً

ربيع نصور

 

مما لا شك فيه أن الإشكال الكبير القائم في فهم دور السلطة الحقيقية، الزمنية منها والروحية، يكمن في معرفة الإنسان لحجمه الحقيقي وإمكانياته من جهة  ، والدور المنوط به من جهة أخرى. وهذا ما لا نجده في كثيرين ممن أوكلت إليهم مهام مختلفة. فهناك أشخاص مِن مَن يتبوؤون المناصب على اختلافها، يلبسون لبوس الحكمة الظاهرية ويسارعون لتشكيل فصيل عبودية خاص متمحور حول شخصه وليس حول أفكاره وفي أحسن الحالات حول طروحات خاصة لا يقبل الجدال فيها. متناسيا أن يعمل على بناء كيانات مستقلة واعية قادرة على تحمل المسؤولية وحفظ الأمانة الموكلة إليهم، وبتعبير آخر يسعى لبناء مجسمات تقليدية لشخصه أو روبوتات آلية تنفيذية لما يراه وفقط، وهذا ما يجبر الكثيرين على الخروج من جلباب أبيهم ولو بعد حين، والمشكلة تكمن في هذا الخروج غير المنضبط الذي يأخذ صاحبه إلى مكان مختلف عما أراد الدخول إليه أو حتى مناقضٍ له.

وبنظرة أكثر عمقا في روحانية الكنيسة نجد أن هذا الأمر يتضح جليا في مفهوم الأبوة الروحية الذي كتبت عنه مجلدات كثيرة لشرحه وتفسيره التفسير الصحيح ولكن ما من جدوى فالممارسة في وادٍ والكتب في وادٍ آخر، حالها حال الكتاب المقدس وحياة الكثير من المسيحيين.

وقد اجتهد الآباء القديسون على تبيان أن مهمة الأب الروحي هي النصح والإرشاد وأن عليه أن يكون القدوة الحسنة قبل أن يبدأ بمواعظ وتقييمات تعريه أمام طالب المشورة منه. وهذا ما نراه جلياً في قصص بستان الرهبان حيث تظهر حكمة الأب الروحي  في حياته وليس بما يعظ  به فقط.

المسيح لم يعمل يوما على إنشاء مجموعة عبيد، فيها كامل صفات التابعية المطلقة بل كان يقبل الجميع كما هم ويعمل على رقي شخصياتهم بحسب مواهبها الخاصة وليس بحسب ارتباطها بشخصه البشري، فأكد أنهم ليسوا بعد عبيداً بل أبناء وورثة حقيقيون فالعبد لا يرث بل الابن، واجتهد مفسرا لهم الكتب سائرا معهم في مسيرتهم كتلميذي عمواس، لم يأمرهم بقبول كلامه دون فهم، دخل معهم مرارا وتكرارا بحوارات حول شخصه ومجتمعه وأعماله ( وانتم ماذا تقولون إنني أنا؟) متقبلاً آراءهم دون أن ينهرهم إلا عما هو خطيئة. لم يرذل المسيح قائد المائة ذا الأفكار الأخرى، بل وقف إلى جانبه.

هذا هو معلمنا الرب يسوع وهذا ما أراده آباؤنا القديسون وهذا ما يجب أن يكون عليه الآباء الروحيون، فالأبوة الروحية ليست سلطة للفخر بل هي خدمة وهذه الخدمة تتطلب جهدا مضاعفاً من قبل الأب الروحي لكي يساهم في  بنيان شخصية الابن الروحي ليكون يوما ما مسيحا، عاملا صالحا في حقل الرب وليس إنساناً مترددا مهزوز القرار، لا يرى إلا من خلال الثقب الموجود في جلباب معلمه، في هذه الحالة نكون خذلنا الكنيسة ولم نقدم لها جيلاً جديرا بحمل راية المسيح بشكل صحيح.

إن ما قد ذكرته عن الأبوة الروحية ينطبق على كافة الرتب المدنية منها والكنسية، التي يجب أن تجتهد لتعزيز ثقة الإنسان بنفسه وتنمية قدراته لتنشئة جيل واعٍ لما يقوم به، يميز أهدافه الحقيقية، متقنٍ لعمله محبٍّ له متفانٍ من أجله، هكذا نستطيع أن نصرخ “مما لك نقدمها لك “.

مستحق

مستحق

ماريا قبارة

المجد لله في الأعالي؛

الذي ارتضى بمشيئته الخاصّة أن يعتلي السّدة البطريركية التي شغرت بوفاة العظيم؛ بطريرك العرب إغناطيوس الرابع هزيم، مجيء البطريرك يوحنا العاشر اليازجي.

وعلى الأرض السلام؛

وكأنّ الله يُعلن بمواكبة بدء مهام البطريرك لعيد الميلاد أنّ المهمّة الأولى التي يدعوه إليها هي إحلال السلام. إنّ الشرق موجوع بسبب الضغائن التي أوصلتنا إلى رفضِ الآخر وإزالته من الوجود. إنّ القلوب مسودة إمّا بالحزن أو بالحقد، ولا يوجد غير السّلام يُعيد لخليقة الله طمأنينتها ويُرضي قلب الله الآب الذي لا يقلّ وجعاً علينا إذا جاز لنا القول.

وفي الناس المسّرة؛

وكأنّ تتمة البشارة الملائكية تأخذنا إلى الرجاء بأنّ غبطته سينجح فيما يدعوه الله إليه، وبهذا سيكون كأسلافه رسولاً ثالث عشر يُعلن السرور على الأرض.