كيف نقرأ الكتاب المقدّس؟

كيف نقرأ الكتاب المقدّس؟

الأرشمندريت توما بيطار

باسم الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين.

 

       “كلّ مَن يسمع كلامي ويعمل به أشبّهه برجل حكيم بنى بيته على الصّخر”. الرّبّ يسوع، هنا، يستعمل لغةً رمزيّة، يقول ما هو في مستوى النّاس ليشير إلى ما هو أرقى من مستواهم. طبعًا، إذا كان الإنسان قادرًا على أن يفهم ما هو في مستواه؛ فلكي يفهم ما هو في المستوى الأرقى من مستواه، يحتاج إلى نعمة من فوق. لهذا، كلّ إنسان مفتوح القلب على الله يعطيه الرّبّ الإله نعمة خاصّة، لكي يفهم الإلهيّات. عبارة “مَن يسمع كلامي”، هنا، تشير، بطبيعة الحال، إلى نوعين من السّمع: السّمع الخارجيّ، أي سمع الأذن الخارجيّة، وسمع الأذن الدّاخليّة، الّتي هي أذن القلب. الّذي يسمع بأذنه الخارجيّة يسمع كلامًا برسم الفهم. والفهم، هنا، يكون فهمًا عقليًّا، دماغيًّا. وهذا ليس بالفهم الدّاخليّ الّذي نتوخّاه. ما دام الإنسان يسمع بأذنه الخارجيّة، ويفهم بعقله فقط؛ فإنّه يبقى خارج النّطاق الّذي شاءه الرّبّ الإله أن يدخل إليه.
      الحقيقة أنّ السّمع الدّاخليّ الّذي نقصد هو، طبعًا، سمع القلب، الّذي معناه الطّاعة. الّذي يسمع بعقله يفهم. الّذي يسمع بقلبه يُطيع. طبيعيّ أن يسمع الإنسان بأذنه الخارجيّة، وأن يفهم بعقله. ولكن، المطلوب أن يسمع بقلبه، أي أن تنزل الكلمة من مستوى العقل إلى مستوى القلب، الّذي يشير إلى الكيان، يشير إلى عمق الإنسان، يشير إلى الإنسان بكلّيّته، الإنسان الّذي يشاء أن يتبنّى الكلام الّذي يسمعه والّذي يفهمه. لذلك، ما لم يسمع الإنسان لكي يُطيع، فإنّه يسمع سيّئًا. لهذا السّبب، يقول الرّبّ يسوع إنّ الإنسان عليه أن يسمع وأن يعمل. الإنسان الّذي يسمع ويعمل، طبعًا، يعمل بما يسمع؛ هو يفعل ذلك، إذا كان قد فهم الكلام، قد تبنّى الكلام، قد التزم الكلام، قد جعل الكلام الإلهيّ سيرةً يسلك فيها في حياته. الإنسان الّذي يتعاطى الكلمة الإلهيّة على هذا النّحو، يعتبره الرّبّ يسوع إنسانًا حكيمًا. طبعًا، هذا يتضمّن القول إنّ مَن لا يفعل ذلك يكون إنسانًا غير حكيم. الإنسان غير الحكيم هو الإنسان الغبيّ. إذًا، الّذي يكتفي بمجرّد سماع الكلام،، وفهمه بعقله والاكتفاء بذلك، هو إنسان غبيّ، بحسب المقياس الإلهيّ! هنا، علينا أن ننتبه. لا يحسبنّ أحد منّا أنّنا إن سمعنا وفهمنا، فإنّ الكلام يتحوّل، بصورة تلقائيّة، إلى فعل! هذا غير صحيح. الكلام يتحوّل إلى فعل، إذا كان الإنسان يتعاطى الكلمة الإلهيّة باعتبارها فعلاً، باعتبارها طريقة حياة. إذا لم يفعل ذلك، فإنّه يتعاطى الكلام الإلهيّ بصورة مجرّدة، كفكر مجرّد، كنظريّة. والرّبّ الإله لا يشاؤنا أن نتعاطى كلامه كأنّه فكر مجرّد كسائر الأفكار المجرّدة. نحن، مثلاً، إذا قلنا “باب”، أو “كرسيّ”؛ فطبعًا، نحن نسمع الكلمة، ونفهم ما هو المقصود. ولكن، الكلام الّذي نقوله هو تجريد، يعبّر عن شيء محسوس. وما الكلام الإلهيّ كذلك. الكلام الإلهيّ حياة! لهذا السّبب، قال الرّبّ يسوع، أﮐثر من مرّة: “الكلام الّذي أﮐلّمكم به هو روح وحياة”. لا يليق بنا أن نتعاطى الكلام الإلهيّ، إلاّ باعتباره روحًا وحياة. لهذا السّبب، الكلام الإلهيّ هو كلام الله. ما دام الكلام الذي يتكلّم به الله هو روح وحياة، فهذا معناه أنّ الكلام الإلهيّ هو الله متكلِّمًا. من هنا أنّنا، حين نقرأ الكتاب المقدّس، نصلّي قبل ذلك. والإنجيل المقدّس نقبّله! وذلك لأنّه يتضمّن حضورًا إلهيًّا، بكلّ معنى الكلمة. الكلام الإلهيّ هو حضور إلهيّ بشكل كلام. الأيقونة، مثلاً، هي حضور إلهيّ بشكل صورة، والكلام هو حضور إلهيّ بشكل كلام. إذًا، لا يليق بنا أن نتعاطى الكلام الإلهيّ كما نتعاطى الكلام العاديّ الّذي نتبادله مع النّاس! عندما ندرس الجغرافيا، مثلاً، أو التّاريخ، أو الرّياضيّات؛ فنحن نتعاطى كلامًا ورموزًا مختلفة. ولكن، هذه كلّها هي معانٍ في المستوى البشريّ. أمّا الكلام الإلهيّ، فليس كلامًا بشريًّا! لا يمكننا أن نتعاطى الكلام الإلهيّ بالطّريقة نفسها الّتي نتعاطى بها الكلام البشريّ. الكلام الإلهيّ من طبيعة مختلفة. هو من طبيعة إلهيّة بشريّة، على صورة الرّبّ يسوع الإله والإنسان. الرّبّ يسوع لم ينطق بالإلهيّات فقط، ولم ينطق بالبشريّات فقط. هو نطق بالإلهيّات بلغة بشريّة. إذًا، الكلمة الإلهيّة هي حضور إلهيّ، كما قلت. لذلك، لا نتعاطى الكلام الإلهيّ كما نتعاطى أيّ شيء آخر في حياتنا، إنّما نتعاطاه صلاتيًّا، نتعاطاه باعتباره أيقونة لحضور الله. الله يعطينا نفسه من خلال هذا الكلام الإلهيّ. مثلاً، عندما نساهم القدسات، الرّبّ الإله يعطينا نفسه في الخبز والخمر. عندما نتعاطى الأيقونات، الرّبّ الإله يعطينا نفسه في الخطوط والألوان. وعندما نتعاطى الكلام الإلهيّ، نتعاطى الله في كلمات. لهذا السّبب، خطأٌ جسيم أن نعتبر أنّه بإمكاننا أن ندرس الكتاب المقدّس كما ندرس أيّ علم من العلوم. الكلام الإلهيّ لا يليق بنا أن نتعاطاه إلاّ بمخافة الله. صحيح أنّ الرّبّ يسوع قال لتلاميذه أن يذهبوا ويتلمذوا كلّ الأمم، وأن يكرزوا بالإنجيل للعالم كلّه. لكنّ هذا لم يكن يعني أبدًا أن يتعاطى التّلاميذ تجارة الكلام، ولا أن يكرزوا بالإنجيل باعتباره علمًا من العلوم. عندما قال الرّبّ لتلاميذه أن يذهبوا ويكرزوا بالإنجيل للعالم كلّه، طالبهم، في الحقيقة، بأن ينقلوا حضوره إلى العالم كلّه. طالبهم بأن يساهموا في ذلك. نحن نساهم في نقل الحضور الإلهيّ إلى العالم أجمع. طبعًا، هناك تعليم. وطبعًا، هناك معانٍ. ولكن، هذا لا يمكن أن يكون إلاّ في إطار القداسة، إذا ما أردنا أن نسلك باستقامة. لهذا السّبب، كلّ الّذين حملوا الكلام الإلهيّ، وكرزوا بالإنجيل، كان يُفترَض بهم، بحسب التّراث، أن يكونوا قدّيسين. كلّ الشّعوب القديمة، حتّى إلى زمن قريب جدًّا، بشّرها القدّيسون. طبعًا، كان هناك دخلاء على الكرازة. ولكن، تبقى القاعدة قاعدة. مَن بشّر اليابان، مثلاً؟! – القدّيس نيقولاّوس. كان قدّيسًا، وكان يتعاطى الإلهيّات بشكل حيّ، لا بشكل أفكار! لهذا السّبب، كان يصوم، ويصلّي، ويسلك في الفضيلة: صبرًا، واتّضاعًا، ومحبّةً، ورأفةً… هكذا، كان أيضًا القدّيس إينوكنديوس والّذين معه، الّذين بشّروا الألسكا. وأﮐثر هؤلاء الّذين بشّروا بالكلمة الإلهيّة عانوا معاناة قاسية جدًا، وكثيرون منهم دفعوا دمهم ثمنًا لكرازتهم. حتّى اليوم، الّذين يكرزون بالإنجيل في إفريقيا، مثلاً، هم بشر مميّزون جدًّا، وواضح من سيرة بعضهم أنّهم يسلكون في القداسة.
      إذًا، هذا هو إطار الكرازة بالكلمة الإلهيّة. إذا خرجنا من هذا الإطار، إطار القداسة، إطار الصّلاة، إطار التّعاطي مع الكلمة باعتبارها إعلانًا إلهيًّا، وكشفًا إلهيًّا، وحضورًا إلهيًّا، وفعلاً إلهيًّا؛ إذا خرجنا من هذا الإطار، فإنّنا، إذ ذاك، ندخل في إطار آخر، هو إطار يجرّد الكلمة الإلهيّة من الحضور الإلهيّ الّذي فيها. وهذا، بكلّ أسف، ما يفعله الكثيرون، اليوم، في الإطار الدّهريّ، في الإطار العالميّ الّذي يعلّمون فيه، في معاهد اللاّهوت، وفي الجامعات. بالنّسبة إليهم، هم يتعاطون كلامًا، ومفاهيمَ، وتجريدات، وتاريخًا! هم يتعاطون علم الكلام! هم يتعاطون علم الاشتقاق الكلاميّ! هم يتعاطون الجغرافيا، عندما يدرسون الكتاب المقدّس! هم يتعاطون كلامًا على الإلهيّات، ولا يتعاطون الإلهيّات نفسها! لهذا السّبب، هم يتعاطون الكتاب المقدّس باعتباره مجموعة لا نهاية لها من الأفكار، والنّظريّات. كلّ واحد منهم يخرج بنظريّة بشأن هذا الموضوع أو ذاك، ممّا ورد في الكتاب المقدّس. هذا يُنكر وجود فلان من القدّيسين، وهذا يؤكّد وجوده!… ولا يخطر في بالهم أنّ الإطار الّذي تُتعاطى فيه كلمة الله هو إطار إلهيّ، مقدّس، صلاتيّ! مَن، مثلاً، في معاهد اللاّهوت، وفي الجامعات، عندما يشاء أن يدرس نصًّا كتابيًّا، يبدأ بالصّلاة، ويطلب من الله أن يعطي الأستاذ والتّلاميذ روح الفهم؟! هذا لا يخطر في بال أحد! ومَن من الّذين يُدرّسون في معاهد اللاّهوت والجامعات اللاّهوتيّة يخطر في باله أن يقرأ النّصوص الكتابيّة باعتبارها إعلانات إلهيّة؟! التّصوّر هو أنّ هناك قومًا عاشوا في أزمنة مختلفة، وهؤلاء عبّروا بطريقتهم عن تصوّرات وأفكار لها علاقة بالإلهيّات، وأنّ هذه النّصوص جُمعت من هنا ومن هناك، حتّى وصلت في الشّكل الّذي هي فيه، وأنّ ليس هناك ما يؤكّد صحّة هذا النّصّ وذاك. كلّ هذا يشير إلى أنّنا في إطار مختلف تمامًا عن الإطار الّذي سبق أن ذكرنا في تعاطي الكلمة الإلهيّة. نحن، اليوم، بصورة عامّة، في إطار قراءة الكلمة الإلهيّة، في إطار دهريّ، في إطار بشريّ، في إطار علميّ! طبعًا، نحن لا نتنكّر للعلم، ولا نتنكّر أبدًا لكون الكتاب المقدّس ذا وجه بشريّ. ولكن، همّنا الأساسيّ هو أن نفهم لغة البشر الّتي شاء الرّبّ الإله أن يجعل حضوره فيها. نسعى لفهم هذه المعاني في أطرها التّاريخيّة والجغرافيّة، بقصد أن نهيّئ أنفسنا لاستيعاب الإعلانات الإلهيّة بالنّعمة الإلهيّة أوّلاً.
      إذًا، نحن نعمل على خطَّين، وإلاّ لا يمكننا أن نفهم شيئًا من الكتاب المقدّس. الخطّ الأوّل هو خطّ السّعي لفهم هذا الكلام الّذي قيل، في وقت من الأوقات، في إطار ربّما يكون مختلفًا بشريًّا عن الإطار الّذي نعيش فيه اليوم. والخطّ الثّاني هو خطّ النّعمة الإلهيّة. نحن في حاجة إلى العملَين معًا. نعمل على المستوى الأوّل، ونعمل، أيضًا، على المستوى الثّاني، ونعمل على المستويَين معًا، باعتبارهما متّحدَين. لهذا السّبب، يسمع الواحد منّا كلامًا يُقال، هنا وهناك، عن الكتاب المقدّس يُعثر الكثيرين، ويشكّك الكثيرين. وبدلاً من أن يأتي بنا الدّارسون والعلماء، اليوم، إلى اليقين – وطبعًا، هم غير قادرين إطلاقًا على أن يأتوا بنا إلى اليقين، لأنّ اليقين يأتي من فوق – يأتون بنا إلى الشّكّ في ما ورد، وفي ما نتعاطى. لهذا السّبب، قال مرّة إنسان مثقّف جدًّا، ومختبِر جدًّا للحياة الرّوحيّة – وهذا قليل أن يجمع الإنسان بين الأمرين – قال: عندنا علماء كثيرون، وعندنا قدّيسون كثيرون. ولكن، ليس عندنا علماء قدّيسون. طبعًا، هذا مؤلم جدًّا، لأنّه يشير إلى أنّ ما يُعلَّم في الجامعات والمعاهد اللاّهوتيّة لا يساعد كثيرًا على الإتيان بالنّاس إلى الإيمان، وإلى القداسة، وإلى حياة الصّلاة، وإلى حياة الفضيلة… بل على العكس، يساعد على التّشكيك، وعلى العبثيّة في تعاطي الكلام الإلهيّ. وهذا كلّه لا يمكن أن يكون من الله. لهذا، إذًا، علينا أن نعي أنّ هذا الإطار الّذي يُتعاطى فيه الكلام الإلهيّ ليس إطارًا سليمًا على الإطلاق، والإطار القويم هو أن نتعاطى الكلام الإلهيّ باعتباره حضورًا وعملاً لله، وأن نتعاطاه في إطار القداسة، في إطار الصّلاة، في إطار الفضيلة، في إطار التّقوى، في إطار مخافة الله، في إطار احترام التّراث في كنيسة المسيح، في إطار احترام مقولات الآباء القدّيسين. هذا وحده يحفظنا في الأمانة القويمة، وإلاّ نحن، اليوم، في نوع من بابل! الألسنة مبلبلَة، وكلٌّ يتحدّث لغة لا يفهمها الآخرون، وإذا فهموها، يفهمونها بعقولهم. ولكن، لا تؤدّي مقولاتهم إلى وحدة في مستوى القلب، ولا إلى تثبيت إيمان المؤمنين، وإلى الإتيان بالّذين لا يؤمنون إلى الإيمان. الإطار بات مختلفًا جدًّا، وبتنا، في أﮐثر الأحيان، اليوم، نتعاطى الكتاب المقدّس باعتباره كلامًا، ونكتفي، من تعاطيه، بفهمه عقليًّا، وقلّما يهمّنا السّماع والعمل، السّماع والطّاعة! قلّما يهمّنا أن نتعاطى الكلام الإلهيّ لكي نسلك في القداسة. وهذه مأساة هذا الزّمن، وعلينا أن نحذرها حتّى لا نقع في المحظور. آمين.

عظة في السّبت 12 حزيران 2010، حول متّى7: 24- 29، 8: 1- 4.

التطويبات

2. التطويبات

القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

طوبى للمساكين بالروح. لأنّ لهم ملكوت السموات.

طوبى للحزانى. لأنّهم يتعزون.

طوبى للودعاء. لأنّهم يرثون الارض.

طوبى للجياع والعطاش الى البر. لأنّهم يشبعون.
طوبى للرحماء. لأنّهم يرحمون.
طوبى لأنقياء القلوب. لأنّهم يعاينون الله.
طوبى لصانعي السلام. لأنّهم ابناء الله يدعون.
طوبى للمضطَهَدين من أجل البر. لأنّ لهم ملكوت السموات.
طوبى لكم إذا عيّروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين.
افرحوا وتهللوا. لأنّ أجركم عظيم في السموات.


تفسير التطويبات التسع

* طوبى للمساكين بالروح .لأنّ لهم ملكوت السموات .


5. مَن هم الذين يطوّبهم المخلّص؟

إنّهم المسحوقون من قِبَل الذين يحسبون أنفسهم حكماء وفهماء، لأنّهم لا ثروة لهم ولا معرفة ولا حكمة، أي إنّهم مَن يُنظَر إليهم كمجانين وضعفاء.

6. لمَ فعل ذلك؟

لأنّه بحسب الكتاب المقدّس، عندما تكون قد تمّت النبوءات والوصايا الإلهية قد اكتملت، حكمة الحكماء سوف تُلغى. أيضاً لأنّ الله قال عبر إشعياء النبي “سأبيد حكمة الحكماء وارفض فهم الفهماء”. إذاً الربّ يطوّب مجانين العالم وحمقاه، والذين لا يملكون أيّ معرفة يسمّيهم أكثر المستحقين لتلقّي المعرفة والجكمة الإلهيتين. يحكم الرسول على هذه النتائج ويقول: “لأن جهالة الله أحكم من الناس. وضعف الله أقوى من الناس، فانظروا دعوتكم أيها الإخوة أن ليس كثيرون حكماء حسب الجسد ليس كثيرون أقوياء ليس كثيرون شرفاء، بل اختار الله جهّال العالم ليخزي الحكماء. واختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء. واختار الله أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود” (1كورنثوس 25:1-28).

إذاً هؤلاء هم المساكين بالروح والسبب الذي يؤهّلهم للتطويب. صحيح أنّ حكمة هذا العالم أبيدَت لأنّ الله، كما يقول الرسول بولس، جعلها حماقة، وكلّ المساكين بالروح الذين يؤمنون بالمسيح يظهرون حكماء وفهماء ويُسَمّون مبارَكين كوَرَثة للملكوت السماوي. في هذه التطويبة يأتي أيضاً الحكماء الذين وضعوا حكمتهم جانباً وقبلوا حماقة الإنجيل.

* طوبى للحزانى .لانهم يتعزون .

7. مَن هم الذين يدعوهم المخلّص مبارَكين؟

إنّه يبارك ويطوّب منكسري القلوب، ويعلن لهم الخبر الحسن عن شفاء القلب الذي جرّحته الأحزان، والتعزية التي تأتي إليهم من توقّع الخيرات الآتية.

* طوبى للودعاء .لانهم يرثون الارض .

8. مَن هم الذين يطوّبهم المخلّص؟

إنّه يطوّب أولئك الذين يعانون منذ زمان طويل والذين رجاؤهم على الرب ولا تقلقهم التجارب التي يلاقونها، بل يحيون حياتهم بصبر واحتمال، مظهرين المحبة والسلام للجميع.

9. أيّ أرض سوف يرث الودعاء؟

الأرض هنا هي أورشليم العلوية. للوعد ميزة الرافعة ويشير إلى أورشليم العلوية أي ملكوت الله. يقول الرسول بولس في كلامه عن الوعد ىالذي قطعه الله لإبراهيم حول أرض الميراث: “بِالإِيمَانِ تَغَرَّبَ فِي أَرْضِ الْمَوْعِدِ كَأَنَّهَا غَرِيبَةٌ، سَاكِنًا فِي خِيَامٍ… لأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ” (عبرانيين 9:11-10).

* طوبى للجياع والعطاش الى البر .لانهم يشبعون .

10. مَن هم المطوّبون هنا من المخلّص؟

إنّه يطوّب الذين لديهم رغبة متّقدة لترسيخ العدل والعمل على نحو بارّ، وأيضاً الذين يدعمون قضية الحق ولا يحتملون أيّ إثم، والذين يتفاعل ضميرهم ضد الذين يدوسون ما هو حق. إنّه يدعوهم مبارَكين لأنّهم يةف يُشبَعون في المستقبل، حين تنتصر العدالة الإلهية. يقول الرسول بطرس ما يلي: “لكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ” (2بطرس 13:3).

* طوبى للرحماء .لانهم يرحمون .

11. مَن هم المطوّبون في هذه التطويبة؟

إنه يبارك فاعلي الخير الذين يتألّمون من أجل الآخرين ويمنحون ما يملكون إلى المحتاجين، ليشفوا ويتعزّوا ويغطّوا حاجتهم ونقص الضروريات لديهم. يعلِن الربّ لهم البشارة الحسنة حول رحمة الله التي سوف تًمنَح كتعويض لهم في الحياة الآتية في ملكوت السماوات.

* طوبى لأنقياء القلوب .لأنّهم يعاينون الله .

12. مَن هم الذين يقصدهم المخلّص في هذه التطويبة؟

إنّه يدعو مبارَكين ويطوّب أصحاب الضمير السلامي، على أساس محبتهم الكاملة لله ولقريبهم، اي أولئك الذين يحفظون المشيئة الإلهية ولا يسمحون أي عمل شرير أو شهوة مُضِلّة. هؤلاء هم مبارَكون لأنّهم سوف يعاينون الله في ملكوت السماوات.

* طوبى للمطرودين من أجل البر .لأنّ لهم ملكوت السموات .

13. مَن هم المقصودون في هذه التطويبة؟

إن الرب يطوّب الممتلئين بمحبة الله والقريب ويحاربون لاستعادة السلام على الأرض، متعهّدين الصداقة مع كل البشر ومقدّمين ذواتهم بشوق لترسيخ السلام. إنّ المخلّص يدعوهم مبارَكين لكونهم عمّال صالحون في عمل مشيئة الله ويساهمون في عمله، لأنّ الله هو إله سلام والذين يعملون من أجل السلام هم متعاونون مع الله (أنظر رومية 33:15 و20:16). إنّه يمنحهم الوعد الأعظم بالحياة الآتية لأنّهم تمثّلوا به في مسعى عمل السلام على الأرض.

* طوبى للمضطَهَدين من أجل البر .لأنّ لهم ملكوت السموات .

14. مَن المقصودون هنا؟

إنّهم الأبرار بالكليّة الذين يقدّمون ذواتهم كضحية من أجل العدالة، أي الذين يحوّلون إلى عمل ما يعترفون به ويتمنونه في قلوبهم.

* طوبى لكم إذا عيّروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين. افرحوا وتهللوا. لأنّ أجركم عظيم في السموات.

15. مَن هم المقصودون في هذه التطويبة الأخيرة؟

إنّه يطوّب تلاميذه الذين سوف يبشّرون بالحقّ. إنّه يحذّرهم مسبَقاً من الاتّهامات والضطهادات والافتراءات التي سوف تُساق عليهم من عمّال افثمن الذين سوف يقاومون الحق. إنّه يحثّهم على الفرح والابتهاج لأنّ المكافأة التي سوف يحصلون عليها في الملكوت عظيمة جداً، لأنّهم تألّموا من أجل المخلّص، ابن الله وكلمته، وليس لحملهم لهذه الفضيلة أو تلك.

16. ما الذي اشار إليه المخلّص لتلاميذه بإضافته إيضاح أسباب هذا الألم أي أنّ “َإِنَّهُمْ هكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ”؟

لقد أشار إلى أنّ اضطهاداً عظيماً مخبأ لهم، لنّ معلمي الحق مُطارَدون. كمثال أشار إلى الأنبياء الذين علّموا قبل وجيئه ودعوا إلى التوبة وتحمّلوا الاضطهادات من الشعب الذي انتهك الحق. فكما أنّ الأنبياء يحصلون على مكافأة عظيمة، كذلك هم أيضاً مكافأتهم سوف تكون عظيمة. إنّ إظهار أسباب ذلك على مرتبط بحقيقة أنّ عمل الرسل شبيه بعمل الأنبياء.

17. ما الذي يكشفه تسلسل التطويبات؟

إنّه يكشف ارتقاءً منطقياً ونمواً طبيعياً وسلسلة من المفاهيم.

18. ما معنى هذا الكلام؟

أولاً: إنّه يطوّب الذين استحقوا أن يتسلّموا الحقيقة المعلَنة. ثانياً: إنّه يطوّب الذين يشهدون بأعمالهم على محبتهم للحق. وثالثاً: إنّه يطوّب الذين كمّلوا ذواتهم في محبتهم للمخلّص.

19. في أيٍ من التطويبات يكشف هذا التسلسل؟

التطويبتان الأولان تشيران إلى الذين استحقّوا أن يتسلّموا الحق. التطويبات الستّ اللاحقة تشير إلى العاملين من أجل البِرّ. التاسعة تشير إلى الذين بلغوا الكمال.

20. ما الذي تحمله التطويبات عندما يُنظَر إليها ككلّ؟

إنها تحوي: أ) إنجيل النعمة المعلَن إلى كلّ الذين يقبلون الحقيقةَ المعلَنة بتواضع، ب) المواصفات الأخلاقية الضرورية لمَن يريد ان يرث ملكوت السماوات، وج) أهمية الكاملين الذين يساوون الأنبياء.

21. كيف يمكن تقسيم المواصفات المذكورة في التطويبات على أساس مفهومها الخاص وترتيبها؟

يمكن تقسيمها كما يلي: أ) الفطرية والتي تعزّز الإيمان، ب) تلك التي تقدّس وتقود إلى الكمال.

22. أيّ هي الصفات الفطرية والتي تعزّز الإيمان؟

أ) أنّ يكون الذي يستمع للكلمة الإلهية صاحب فكر متواضع وبدون اغترار بالحكمة العالمية ولا نقص بالمعرفة النظرية ولا بمعرفة الذات، ب) أن يكون الشخص نفسه في حالة من الحزن الوقور وانكسار القلب بسبب الأسى المتولّد عن إدراك حالته الأخلاقية الخاطئة، أو من تسلّط الشرّ في العالم، أو من الحرب المعلَنَة على الحق والعدل، أو حتّى من الظلم والحزن اللذين يحرّكهما العالم بسبب فضيلته.

23. هل هذه الصفات ضرورية لقبول الكلمة الإلهية وتعزيز الإيمان بالمسيح.

نعم، طبعاً.

24. ما هي الصفات التي تقود إلى التقديس والكمال؟

إنّها ستّ صفات مقسّمة إلى ثلاثٍ إيجابيّة وثلاثٍ سلبيّة. الثلاث الإيجابيّة هي: أ) أن يكون وديعاً ومتسامحاً، ب) أن يكون عادلاً أو بارّاً، وج) أن يكون رحوماً. الثلاث السلبيّة هي أن يكون شخصًا أ) يقاوم الشرّ لكي حفظ نقاوة القلب، ب) يتلافى الخلافات والمشاجرات ويحاول أن يحفظ السلام في المجتمع البشري، وج) يدافع عن العدل والحق إلى درجة إنكار الذات والتضحية بها.

25. كيف ينبغي النظر إلى هذه الصفات؟

ينبغي النظر إليها كضرورية وأحكام لا غنى عنها للكمال المسيحي والحياة الأخلاقية المسيحية. فقط مع هذه الأحكام يمكن للمسيحي أن يحقق هدف مصيره على الأرض ويبلغ إلى غاية خلقه على صورة الله ويتلقّى مكافأته الكاملة في ملكوت الله.

26. كيف ينبغي النظر إلى التطويبة التاسعة؟

ينبغي اعتبار أنّها التطويبة التي تشير إلى الذين بلغوا الكمال في افيمان والفضيلة، لأنّهم رُفِعوا إلى مرتبة ان يكونوا معلّمين للكلمة الإلهية، ومساويين للأنبياء الذين سبقوا فأخبروا عن المجيء الإلهي للمخلّص، وقد حصل هذا المجيء كما أعلنوا، وعلى مثالهم سوف يحتملون الاضطهاد من الذين انتهكوا الحقيقة الإلهية وحاربوها.

27. ماذا نلاحظ عندما نقارن الناموس القديم بناموس النعمة؟

نلاحظ ما يلي: القديم يمنع عمل الشر، بينما هذا يطوّب فاعلي البرّ. القديم يهدد مخالفي الناموس بينما هذا يعلن البشارة الحسنة (الإنجيل) والمكافأة الإلهية لفاعلي الخير. يطلب القديم رحيلَ الشرّ، بينما هذا يطلب القديم يثير الخوف، السعي التدريجي للفضيلة. يعد القديم يميراث على الأرض، أمّا هذا فيعلّم البشارة الحسنة عن ميراث في السماوات. القديم يثير الخوف بينما هذا يلهم المحبة. القديم يقود إسرائيل إلى المسيح كمعلّم، بينما هذا يقود البشريّة كلّها إلى المسيح. القديم كان ناموس الخضوع بينما هذا هو ناموس الحرية. القديم كان ناموس العبودية بينما هذا هو ناموس التبنّي.

ملاتيوس باكورة عربية

ملاتيوس باكورة عربية

سامر عوض

مقدمة:
تتطلخ الكنيسة بدماء أبنائها، وشجون خلافات رجالاتها من بداياتها وحتى اليوم، إذ أنشق الكلدان سنة 497، والموارنة 681، و….. ويعتبر شقاق طائفة الروم الملكيين الكاثوليك سنة1724 تقريبا آخر حدث تاريخي هام على مستوى الشقاق الأنطاكي الكنسي، فعندها انشطرت الكنيسة بين ملكيين مع البطريرك كيرلس طاناس (1724– 1759)، وأرثوذكس بتولي سلفستروس القبرصي (1724– 1765) السدة، ومن حينها ضغط الشعب، والإكليروس، وطلب من القسطنطينة بطريرك يوناني لئلا يمتد المذهب الكاثوليكي إلى الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية، مدعماً بالجهل السائد؛ بسبب الإحتلال العثماني. إلا أنه وبعد حوالي  175 سنة رجعت الحقبة العربية للكنيسة الأنطاكية الأرثوذكسية فأصبح ملاتيوس الثاني الدوماني أول بطريرك عربي حينها، فكانت بطريركية ثمرة جهود دؤوبة وسموحة شارك في ترسيخها  عدد كبير من مطارنة المجمع الأنطاكي المقدس، من عرب وغير عرب.، وبعد 103 سنوات وإلى اليوم، ونحن نعيش كإمتداد له فيتبوأ الكرسي الأنطاكي بطريرك عربي مما يبرهن على صدق نية الشعب والإكليروس حينها، وطيب مشاعرهم، واليوم نعيش ونشكر الله على توابع هذا الإنتصار.
سيرة حياته:

النشأة، والولادة:

ولد ميخائيل موسى الدوماني في دمشق 8 تشرين الثاني سنة 1837، ونشأ فيها والتحق بالمدرسة البطريركية فدرس مبادئ اللغة: العربية، والتركية، واليونانية، والإيطالية. شعر بالميل نحو الحياة الكهنوتية، فأنتقل إلى المدرسة الإكليركية البطريركية، التي كانت حينها بإدارة الخوري يوسف مهنا (القديس يوسف الدمشقي) فتلقى علومها. وقد قدّم نذوره سنة 1857، وكان من خواص حاشية البطريرك عند زيارته القسطنطينية 17 ايلول 1858، ونال من البطريرك إيروثيوس (1850 – 1885) التفاتاً وعناية، وكذلك الأمر من يطاركة:  (القسطنطينية، الإسكندرية، أورشليم) عند قيامهم بتنظيم الكنائس على ضوء الخط الهمايوني.
سام البطريرك الأورشليمي كيرلس ملاتيوس شماساً بإدارة إيروثيوس البطريرك الأنطاكي، وذلك في أحد العنصرة (22 أيار 1860)، ومن ثم عاد مع البطريرك إلى بيروت سنة 1861، وقد قدَّر إيروثيوس أتعاب ملاتيوس فرقاه في درجات الكهنوت إلى أن سيم مطراناً على اللاذقية في 19 تشرين الثاني 1965، خلفاً لأرتاميوس، ولكنه لم يدخلها حتى 5 كانون الثاني 1866.

أسقفيته:

بدأ بجمع الكنائس إلى قلم واحد، وأسس مدرسة للذكور سنة 1867، التي تعلم مبادىء اللغة: العربية، والفرنسية، والتركية، وأحياناً لغات آخرى وذلك من خلال الجمعية الإمبراطورية الروسية الأرثوذكسية التي أسستها الدوقة إليزابيت (أليصابات) أميرة روسيا الكبرى وزوجة القيصر، وخصص واردات الأوقاف للمدرسة، وجدد سبع كنائس في الأبرشية منها: كنيسة القديس نيقولاوس (الكاتدرائية حينها)، وقد بنى تربتين: واحد للكهنة، وآخرى لرؤساء الكهنة سنة 1878. وفي سنة 1869 منحتة السلطان الوسام المجيدي من الدرجة الرابعة، وملك اليونان جورج وسام المخلص الذهبي الخاص بالكافالرية الملوكية. كما وأرسل على نفقته الأرشمندريت جراسيموس مسرة (مطران بيروت لاحقاً)، والأستاذ باسيل جبارة (غريغوريوس مطران حماه لاحقا)، إلى مدرسة خالكي اللاهوتية التي نالا شهادتها.
في صيف 1873 ذهب بإذن غبطة البطريرك إيروثيوس كلاً من أثناسيوس عطاالله مطران حمص، وملاتيوس مطران اللاذقية إلى مرسين؛ لإقناع الأبرشية بقبول مطرانها الجديد جرمانوس، وبعدإصلاح ذات البين عادا كلاهما إلى اللاذقية التي مكث فيها فترة من الزمن، ثم ذهب إلى دمشق…
وفي عيد البشارة سنة 1872 سام ملاتيوس غريغوريوس جبارة شماساً، وفي عيد رفع الصليب 1884 سامه كاهناً، وفي مطلع نيسان 1885 رقاه إلى رتبة الإرشمندريتية؛ ونظراً لنشاطه ومعرفته العلمية الواسعة عينه رئيساً للجمعية الخيرية في اللاذقية. ومن الجدير بالذكر أن للمطران ملاتيوس دفترين يجمعان رسائله الرعائية الموجهة إلى أبناء الأبرشية. ولا بد من الإشارة إلى أن ملاتيوس قد رشح لسدة البطريركية سنة 1885 عقب وفاة البطريرك ايروثيوس (1850_1885)، وقد انتخب مجلساً لإدارة شؤون الطائفة دعي (جمعية المطرانية).

أزمة التعريب:
نشبت مشاكل عدة على الصعيد الإنطاكي ومما أدى إلى تفاقم هذه الأوضاع والمهاترات ازدياد التعسف من قبل آحر البطريرك اليوناني اسبيريدون (1891– 1898) وحاشيته من جهة، بما عرف بالفريق اليوناني، اسوة بالضفة الآخرى من إكليروس وعلمانيين وبما عرف بفريق الوطنيين، وقد ازدادت المشاحنات بين الفريقين؛ بسبب تدخل البطريرك في شؤون الشعب بطريقة غير شرعية، وما رافقه من تدخل للأحتلال العثماني لصالح اليونان؛ لأسباب سياسية، وقومية تتعلق في إمعان، وإزكاء الشرخ والاصطدام بين البطريرك اليوناني الغريب من جهة، والمؤمنين العرب من جهة آخرى، كما  وتدخل بطاركة: القسطنطينية، والإسكندرية، وأورشليم، والهيئات الثقافية والدينية اليونانية، والجالية اليونانية في سوريا. إلا أن الكنيسة الروسية قد تعاطفت مع الوطنيين إلا أنه لايوجد إثبات على تدخل رجال الدين الروس في القضية.
ورغم تكاتف هذه القوى إلا أنه إذا أراد المؤمنين شيئاً، فلابد أن يستجيب القيمون فكان ذلك.
أثناء وجود المطران رافاتئيل هواويني في الأمطوش الأنطاكي في موسكو نشر العديد من المقالات شارحاً وضع الأنطاكيين الأرثوذكس في وطنهم تحت ظل السيطرة اليونانية مبيناً أن الضغط اليوناني يخالف القانون الكنسي والتشريع الرسولي، وقد طالب بإعادة الكرسي الأنطاكي إلى الوطنيين من إكليروس، وعلمانيين. وقد لاقت دعوات هواويني صدى كبير عند عظماء الروس، وقد كان يسمي الوجود اليوناني في الكرسي الأنطاكي بنير الاستبداد. ففي 6 آذار 1898 التأم المجمع الأنطاكي، الذي نحىّ جرمانوس القائمقام البطريركي وجعل ملاتيوس قائمقاماً في تلك الجلسة، وقد أنتخب عندها انتخاباً قانونياً، وفي 13 نيسان 1899 انعقد المجمع برئاسة القائمقام البطريركي ملاتيوس كجلسة إنتخاب بطريرك جديد، وفي 16 نيسان اجتمع المطارنة مرة آخرى، وقدموا أسماء مرشحيهم لشغل السدة، وقد جرى ترشيحهم في 6 آيار 1898 بصرف النظر عن جنسياتهم، وقد قدمت بلادهم اللائحة للحكومة العثمانية التي طالبت أن تحوي اللائحة أسماء من كافة البطريركيات حسبما طلب البطاركة الثلاثة اليونان: (القسطنطينية، والإسكندرية، وأورشليم)، والذين لم يخفوا عدم اعترافهم بالمرشحين من تلك اللائحة، إلا أن المجمع قد اشتكى من هذه التدخل غير القانوني فطالب البطاركة بالحياد، وطلب من الحكومة معرفة ملاحظاتها على الإدعاءات فلم يُرَد الطلب، فأرسل المجمع برقية للحكومة؛ تبرر ضرورة الإسراع في الانتخابات، وانعقد بعد ذلك المجمع وبعد مشادات بين من يريد التأجيل أو الإسراع في الإنتخابات إلى أن حصل ملاتيوس على أكبر عدد من الأصوات (سبعة من أصل ثمانية)، وذلك في 5 نيسان. إلا أنه وبعد إنتهاء مراسم الأنتخاب عبرت الحكومة العثمانية عن عدم إعترافها بقانونيتها، إلا أن إصرار المطارنة على خيارهم، واعتراف روسيا بالانتخاب أدى إلى رجوع الحكومة، واعترافها بالبطريرك الجديد، فقد عانى الوطنيون من مخاض عسير؛ لإعادة النفس العربي إلى المجمع. ونحن إلى اليوم مازلنا نعيش تبعات هذه النهضة المباركة التي من خلالها أصبح إكليريكيينا من أتباع وأبناء جنسنا، فالعرب يرعون العرب، وهذه كلها تسمى (عملية تعريب الكرسي الأنطاكبي). فكان مطران اللاذقية الدمشقي العربي الأول بعد أثناسيوس (الرابع) دبّاس (1720–1724).

بطريركيته:

جرى حفل تنصيب البطريرك ملاتيوس في صباح الأحد 31 تشرين الأول سنة 1899، وصدَّق الباب العالي على انتخابه في 3 تشرين الثاني، ومن ثم حدثت أعمال شغب عدة من قبل المطارنة اليونان، إلا أنه استقر الوضع بعد ذلك وقد زار أبرشيات الكرسي الأنطاكي سنة 1900، عقب توليه السدة. وقد جرَّد نكتاريوس مطران حلب؛ لثورته عليه وتعكزه على القائمقام المفروز جرمانوس، وبنيامين متروبوليت ديار بكر.
في أوائل شباط سنة 1900 رفع الشعب الانطاكي عريضة الى المجمع الانطاكي، وأخرى للباب العالي التمس بموجبها نيل أذن للكرسي الانطاكي ليضع نظاماً على غرار النظام القسطنطيني، فاستجاب الباب العالي لهذا الطلب، وأمر والي سوريا أن يساعد على اتمامه، فقرر المجمع في 16 آذار، أن يصار للاهتمام بوضع النظام المرغوب، وشكلت لجنة مؤلفة من أربعة مطارنة: أثناسيوس(حمص)، وغريغوريوس (حماه)، وغريغوريوس (طرابلس)، وجراسيموس (سلفكياس)، برئاسة البطريرك ملاتيوس مع اشتراك بعض أصحاب الخبرة من الشعب، وقد عقدت اللجنة اجتماعات عدة ضمن جلسات متتالية وأنجزت عملها سنة 1901، وقد صدَّق المجمع على القرار دون أن يعرضه على الحكومة، وشكل هذا القانون نواة للقانون الذي صدر سنة 1906 بعد تصديق الحكومة حينئذ.
وانعقد المجمع برئاسة البطريرك ملاتيوس في 8 تشرين الثاني 1899، وقد ناقش أوضاع الأديار البطريركية، والأبرشيات الشاغرة، وشؤون البطريركية عامة، وعلى رأس تلك القرارات مشروع افتتاح المدرسة في البلمند، وفي 13 تشرين الثاني عقد المجمع خصيصاً لدراسة هذا المشروع، ونتج مايلي:
1- أنشاء مدرسة بدير البلمند البطريركي.
2- مصروفات التلامذه من طعام، وغسيل …. من الدير.
3- عدد التلاميذ في السنة الأولى من 12 – 15.
4- عدد سنوات الدراسة ست سنوات.
5- يقبل من كل أبرشية تلميذ واحد، وواحد من دمشق، ومن أنطاكية واحد، وكذلك من حوران.
6- مادة العلوم تكون بحسب لائحة مدرسة بيروت الإكليريكية متوزعة على ست سنوات على أن تستبدل اللغة الفرنسية بالروسية.
7- بدء افتتاح المدرسة سنة 1900.
وقد افتتحت بقيادة، وإشراف البطريرك ملاتيوس مدرسة البلمند في 3 كانون الثاني (تقدمة عيد القديس يوحنا الدمشقي) سنة 1900، وأٌوكل أمر الاشراف عليها إلى غريغوريوس مطران طرابلس، وعيُّن الأستاذ غطاس قندلفت الدمشقي مديراً لها، ورئيس الدير إيوانيكوس حايك، ووضع الأستاذ قندلفت نظام المدرسة مستوحى من نظام مدرسة خالكي، ويقع في 29 صفحة من كراسة غير مجلدة ويحوي سبع عشرة فصل، وخاتمة، وفصول تتناول مسؤوليات لجنة المدرسة، والمدير، و الأساتذة، والخدام، والدروس، والمكتبة، ووسائل الإيضاح، وناظر، وطبيب يأتي أسبوعياً من طرابلس أو غيرها؛ للإشراف على صحة الطلاب، ووجوب تعيين البطريرك ثلاثة كهنة؛ لتأدية الصلوات، والقداديس، وتقبل الأعترافات، وقد وافق البطريرك على هذا النظام وحدد الواجبات اللازمة لهذه العملية. كما وحدد واجبات وحقوق كل من المدرسة والدير أما المواد التي درست فيها فهي: العربية بفروعها، وآدابها، والرياضيات، والجغرافيا، والتاريخ. واللغات: التركية، واليونانية، والروسية. والموسيقى الكنسية، ومطالعة الكتاب المقدس، وتفسيره، والخطابة، والوعظ، والإرشاد، وقد تخرجت الدفعة الأولى من المدرسة سنة 1905، ومن الطلاب المتخرجين حينها: الشماس ثيوذوسيوس أبو رجيلي الذي أعتلى سدة البطريركية بين عامي (1958-1969). وفي حفلة التخرج قدَّم مدير المدرسة الأستاذ غطاس قندلفت تقريره عن أنجازات العام الدراسي، وعقبه خطابات عدة اثنى المتكلمين من خلالها على جهد المدرسة التي لاقت اعتناءاً كبيراً من البطريرك، وقد خَرَّجت كبار رجالات الكرسي الأنطاكي كما وضمت كبار الأساتذة، والمعلمين، ومن الجدير بالذكر أن مدرسة البلمند بنيت عام 1833 على عهد البطريرك مثوديوس (1832 – 1850 )، وأعيد بناؤها سنة 1872، ومن الأساتذة الذين درَّسوا فيها سنة 1903 المرتل الكبير متري المر كأستاذ للموسيقى.

وفي سنة 1902 أرسل المجمع كلا من اثناسيوس، وأرسانيوس مطران اللاذقية لحل الخلاف في بيروت جراء رغبة اللبنانيين (جبال لبنان) في الانفصال عن بيروت فأنتهى الأمر بسيامة الإرشمندريت بولس أبا عضل مطراناً للبنان، وبذلك حلَّ الخلاف.
كان ملاتيوس أول من وافق على الابرشية الروسية في أميركا، والتي كانت تضم تحت لوائها حينئذ كل العرب الموجودين هناك بعد أن ردَّ البطريرك ملاتيوس على إجباره بإستلام الأسقفية طالباً من الأخير الإهتمام بأحوال العرب في أميركا، سنة 1903-1904. رسم باسيليوس الدبس مطراناً لعكار سنة 1903، وقد أوفد غبطته أثناسيوس مطران حمص، وغريغوريوس مطران طرابلس لحل مشاكل جرت بعد التنصيب مثبتاً انتخاب الدبس وقد حلا المشاكل.
زار حمص  في 17 آيار سنة 1905، واُستقبل فيها بحشود كبيرة شعبية، ورسمية، وفي 27 منه زار حماه فخرج أهل المدينة كلها لاستقباله. وفي الثاني من حزيران ذهب إلى طرابلس فاُستقبل في العبدة من مطراني طرابلس، وعكار، وقيصر نحاس ممثل متصرف طرابلس، وجورج كانستيس قنصل روسيا، ووفد من كهنة الكنيسة المارونية، وعدد كبير من أرباب المناصب، ووجهاء القوم، وواكبه كوكبه من الفرسان، ثم دخل الكاتدرائية، وبارك ودعى للسلطان، وكانت الزيارة حافلة باللقاءات، والمواقف ثم توجه غبطته للبلمند ليتفقد مدرسته الاكليريكية، فأشرف بنفسه على الامتحانات فيها ووزع شهادات التقدير لمستحقيها، ثم توجه من دير البلمند إلى طرابلس فدير مارجنرجس (الحميراء) في تلكلخ، وترأس قداس عيد رفع الصليب صباح الأربعاء 14 أيلول، بحضور جمع غفير ثم نظر في شؤون الدير فأنشأ سوقاً تشمل على 150 دكاناً بما يعرف بالسوق الغربي (العرضي)، والذي انفق عليه أكثر من 1000 ليرة عثمانية، ثم عرَّج إلى دير مار الياس (ضهور شوير) وقد عيّن الأب نقولا خشة ملاحقاً لاعمال البطريركية في الدوائر الرسمية ووكيلاً عنه خلال زياراته التثقيفية لبعض النواحي، والابرشيات، والاديار في الكرسي الانطاكي كبيروت، وزحلة، وجبال لبنان، واللاذقية، وانطاكية، ولواء اسكندرون، كما وانتدبه لمعالجة اشكالات، وازمات رعوية مختلفة كانت تطرأ بين الحين والآخر في أرجاء الكرسي الإنطاكي (حاصبيا، وبيروت، ودير عطية).

توعكه الصحي، وموته:
في مساء الأربعاء 25 كانون الثاني 1906 شعر البطريرك ملاتيوس بتوعك صحي بسيط فأفاد حاشيته بذلك، وتناول بعض الادوية ثم استدعى أحد الأطباء فاسعفة ببعض العلاجات، وفي صباح الخميس بقى راقداً حتى الضحى فدخل عليه بعض من حاشيته فلاحظو تنفسه الشديد، فاستدعوا الأطباء، فقرروا أنه مصاب بسكته دماغية شديدة الوطأة، هائلة الخطر. فعُقِدَ المجمع البطريركي بصورة طارئة برئاسة مطران اداسيس أثناسيوس أبو شعر، فقرروا إعلام الوالي، والسادة المطارنة القريبين من دمشق، فأرسل الوالي طبيبين ثم حضر بنفسه وشاهد البطريرك بحاله الخطرة جداً. وبعد ساعات فاضت روحه من يدي الاطباء، فعقد قوميسيون الطائفة جلسة ثانية، وقرر إخبار اساقفة المجمع الأنطاكي النائب البطريركي في مدينة أنطاكية، ثم نُقِلَ نعشه مزيناً بالزهور والرياحين إلى صحن الكتدرائية المريمية، وفي العاشرة من قبل ظهر يوم السبت 28 كانون الثاني 1906، بدأت مراسم الدفن بحضور الوالي، والمشير، وقناصل الدول، والرؤساء الروحيين للكنائس الشقيقة، وممثلوا الجمعيات، والوجوه، والأعيان. وقد تولى التأبين جراسيموس يارد ميتروبوليت بيروت، ثم حُمِلَ البطريرك على أكتف المطارنة وسير به إلى دار الكنيسة، وأُودِعَ اللحد بصحن الدار، وفي أول آذار صدرت أيرادة سنية سلطانية؛ لتصديق قائم مقامية الذي انتخبه المجمع، وبلغت من نظارته العدلية إلى والي الولاية.
إلا أنه قد قرر بعض أعيان الطائفة في بعض الأبرشيات إرسال عرائض إلى المجمع الأنطاكي المقدس مطالبين بتأجيل انتخاب البطريرك الجديد إلى أن يعود السلام إلى احضان الكنيسة، وأرسلوا نسخاً عن عرائضهم إلى بطاركة: القسطنطينية، والأسكندرية، واورشليم وحينها كتب البطريرك الاسكندري الى البطريرك القسنطيني يعلن له عن أسفه؛ لخروج الكرسي الانطاكي عن جادة الصواب، وقد اقترح عليه إعادة النظر في المشكة الانطاكية، وتمهيد السبيل لاعادة المطارنة المنبوزين الى الكرسي الانطاكي في انتخاب البطريرك الجديد، إلا أن السينودس القسطنطيني آثر الحياد درءاً لتفاقم الشقاق واتساعه، إلا أنه وفي 20 نيسان ألتأم المجمع، وبعد أخذ ورد صدرت الأوامر السنية بالتصديق على انتخاب غريغوريوس (حداد) مطران طرابلس بطريركاً جديداً لأنطاكية وسائر المشرق في 6 آب، وقد نُصِب في 13 منه.
دوره، وأهميته:

للبطريرك ملاتيوس الفضل في تعزيز الآداب، وإنشاء مكتبة ضمت حوالي4000 كتاب، كما واعتنى بمطبعة الدار البطريركية، وقد عُنِيَ بتهذيب الشبيبة من أبناء الكنيسة، وأنشأ الجمعيات الخيرية في سنة 1900. ريجوز لنا القول بأنه على رأس سلم أولوياته، ومن أبرز ماجرى على عهده إعادة السلام إلى ما كان عليه بين الكرسي الأنطاكي من جهة، والكراسي البطريركية الآخرى: (القسطنطينية، والإسكندرية، والأوراشليمية) من جهة أخرى، بعد أن اكفهرت وانقطعت العلاقات بين الطرفين بعد أن تمكن الوطنيون من إيصال الدمشقي ملاتيوس الدوماني إلى سدة البطريركية سنة 1899، وبعد أن استمرت العلاقات طيبة من سنة 1724، واستلام اليونانيين سدة أنطاكية. وبهذا انطوت صفحة من الجهاد المرير لرجل الكنيسة التي عمَّدها المسيح بدمه ويكللها المؤمنون بتفانيهم.

المراجع:
1-الكتب:
1-اثناسيو، الأب الدكتور متري هاجي: موسوعة بطريركية انطاكية التاريخية والاثرية، الجزء 9/1، 2001.
2-رستم، الدكتور أسد: كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى، الجزء 3، 1966.
3-عثمان، هاشم: تاريخ اللاذقية، منشورات وزارة الثقافة، 1996.
4-قربان، المطران الياس: الازمة البطريركية الانطاكية الارثوذكسية .
5-ادارة مجلة النعمة، تقويم النعمة 1964، 1964.
7-خير الله، ابن الظاهر: الأرج الزاكي في تهاني غبطة البطريرك الانطاكي، 1899.
8-دبس، ماري مالك: غريغوريوس ( الرابع ) حداد، 2003 (أطروحة).
9-نصور، الشماس الكسي: بناء وترميم الكنائس في اللاذقية من القرن الخامس عشر وحتى بداية القرن العشرين، 2000 (اطروحة).
10-سمعان، نهاد منير: من يوميات مطران حمص للروم الارثوذكس أثناسيوس عطا الله 1888 ـ 1891، .
11- مرقص، ادوار: ديوان ادوار مرقص، 1935.
12-ديك، الاشمندريت الدكتور اغناطيوس: الحضور المسيحي في حلب خلال الألفين المنصرمين، الجزء الثاني من المجلد الثاني، 2004.
13-شيخو، الأب لويس: تاريخ الاداب العربية الجزء ثالث (1892-1900).
14-اثناسو، الأب الدكتور متري هاجي: موسوعية بطريركية أنطاكية التاريخية والآثرية الغرب والشرق يتلاقيان، الجزء 8 .
15-طراد البيروتي، عبد الله بن: مختصر تاريخ الاساقفة الذين رقو مرتبة رئاسة الكهنوت الجليلة في مدينة بيروت، دار النهار، 2002 .
16-أثناسيو، الأب الدكتور متري هاجي: موسوعة بطريركية انطاكية التاريخية والأثرية، الجزء 9/2، 2002.
17- كومين، جاد: التذكار الطيب لمطرانية السيد تريفن غريب
18- نحاس، الشماس أرسانيوس جرجي: البطريرك الطحان للعبرة والتاريخ، .1938 .
19- عيسى، الأب أندريه: سيرة رفائيل هواويني1860-1915ترجمة الأب ميشيل نجم .
20-عبود، رزق الله نعمة الله: تذكار اليوبيل لسيادة الميتروبوليت الجليل أثناسيوس عطا الله.

المخطوطـــات:
1- صالح، الياس: أثار الحقب في لاذقية العرب.
مواقع على الانترنيت :

-1 http://church-history.info (http://church-history.info1-/)
-2http://web.orthodoxonline.org/saints/Ain-2-%20Ghain/pt.GregoryIVHaddad.htm)
-3http://ar.orthodoxwiki.org

-4http://ar.orthodoxwiki.org/)
-5 http://www.orthodoxlegacy.org/NicolasKhasheh.htm)
-6 http://www.orthodoxlegacy.org/NicolasKhasheh.htm

-7http://www.ortmtlb.org.lb/raiati/2005/2805.htm (http://www.ortmtlb.org.lb/raiati/2005/2805.htm)
-8http://vb.orthodoxonline.org/showthread.php?t=2060 (http://vb.orthodoxonline.org/showthread.php?t=2060)
-9http://www.serafemsarof.org/st_life/st_yousef.htm (http://www.serafemsarof.org/st_life/st_yousef.htm) http://www.churchvoice.net/Orthodox%20Publication/Orthodox%20Legacy/2005/08/11-JebaraBishop2.htm

-10 http://www.churchvoice.net/Orthodox%20Publication/Orthodox%20Legacy/2005/08/11-JebaraBishop2.htm)

-11http://www.dai3tna.com/nuke/modules.php?name=News&file=print&sid=3618 (http://www.dai3tna.com/nuke/modules.php?name=News&file=print&sid=3618)
-12http://www.safitaclub.com/vb/safita8133.html (http://www.safitaclub.com/vb/safita8133.html)
-13http://www.qenshrin.com/church/church.php?id=24 (http://www.qenshrin.com/church/church.php?id=24)
-14http://www.voiceofarabic.net/index.php?option=com_docman&task=cat_view&gid=126&Itemid=290 (http://www.voiceofarabic.net/index.php?option=com_docman&task=cat_view&gid=126&Itemid=290)


vBulletin® v4.0.6, Copyright ©2000-2010, Jelsoft Enterprises

أيتها الأرثوذكسية

أيتها الأرثوذكسية، تعصف بكِ آلاف الأرياح، وتحاربك آلاف القوات المظلمة وتثور، تريد اقتلاعك من العالم وتكافح لانتزاعك من قلوب الناس. أرادوا أن يجعلوا منك أملاً مفقوداً، متحفاً وماضياً  مأساوياً وتاريخاً مرّ عليه الزمن وانتهى. إلا أن الله القدير، الثالوث القدوس المحسن الكليّ الوداعة والحكمة، هو الذي يسيطر على هذه الفوضى، ويرميك في زاوية أبعد ما يمكن عن التوقع ويغطّيك كوردة تحت صخرة. إنه يحافظ عليك في نفوس أبسط الناس، الذين ليس لهم أية سلطة أو معرفة دنيوية. وها أنتِ باقية حتى اليوم. ها أنت لا تزالين حيّة موجودة تغذّين الأجيال الناشئة، وتفلحين كل بقعة جيدة من الأرض، وتوزعين قوة وحياة وسماءً ونوراً وتفتحين للناس أبواب الأبدية.

القديس نكتاريوس

أسقف المدن الخمس

من نحن؟

بدأ العمل بموقع التراث الأرثوذكسي كمكتبة لعرض فكر الكنيسة الأرثوذكسية مساهمةً في تحفيز الحياة الروحية عن طريق نقل خبرات مُعاشة اكتسبها أصحابها بجهادهم. وابتداءً من تشرين الأول 2004 تحوّل إلى مجلة إلكترونية تصدر شهرياً.

تسعى هذه المجلة إلى نشر أقوال الآباء، بالإضافة إلى مقالات ودراسات آبائية من تراثنا أو معاصرة، تجمع الفكر النسكي والعلم ولغة العصر.يُشجَّع على سحب وتصوير كل المواد الموجودة على هذه الصفحات  وتوزيعها، مع احترام الأصول العلمية وذكر المرجع. فالهدف الأول والأخير من هذا العمل هو إعادة تسليط الضوء على الفكر الآبائي لـخير كل المؤمنين المتكلمين بالعربية.

كل ما سبق نشره على هذه الصفحات موجود في الفهرس المبوّب. كما تَضاف كل  محتويات الأعداد المقبلة إلى هذا الفهرس.

 

هيئة التحرير:

الأب نقولا مالك،

الأب أثناسيوس بركات،

الأب باسيليوس دبس،

الأب أنطوان ملكي (المدير)،

الأب جورج يوسف،

الأب موسى شاطرية

الأعمال التقنية:

الأب أنطوان ملكي،

د. أمين بيطار،

ساسين سركيس،

إلياس شاهين.

 

لأي مراجعة أو لتسجيل عنوانكم البريدي حتى تتسلموا إعلاماً عند كل إضافة على هذه الصفحات، يُرجى الاتصال

info@orthodoxlegacy.org

الطب النفس الرعائي

الطب النفس الرعائي

د. ديمتري أفديف

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

الطب النفسي هو الوحيد بين كل الاختصاصات الطبية الذي يمكن ربطه بالكهنوت. وليس من المبالغة القول أنّ كثيرين من الكهنة، خلال سنوات خدمتهم، يقابلون حالات يكشف فيها أبناؤهم الروحيون عن بعض الاضطرابات العاطفية أو الفكرية في تصرفاتهم، سواء خلال الاعتراف أو غيره من خدمات الاهتمام بالنفوس. إلى هذا، يمكن ملاحظة حالات عديدة من الاهتمام الرعائي بالمرضى عقلياً ممن هم في حلّ من الخطايا. وبالنهاية، يوجد مجموعة كبيرة من خطوط التماس (بين الصحة والمرض) في الثغرات العقلية العصبية، حيث اتّساعها على قدر كافٍ من الحجم.

يشير الأرشمندريت كبريانوس (Orthodox Pastoral Service, Paris, 1957) إلى وجود حالات للنفس يصعب تحديدها بحسب تصنيف اللاهوت الأخلاقي، إذ إنّها لا تدخل في مفهوم الخير والشر. هذه الحالات لا تنتمي للنظام النسكي، بل للمرض النفسي، وهي قد تنشأ من الجسد، أي من الطبيعة.

في الماضي، كان طلاب الأكاديميات اللاهوتية يدرسون الطب النفسي الرعائي. في الحاضر، لا يُدَّرَس هذا الموضوع لأسباب تنظيمية. لكنّه يبقى موضوع مناقشة حامية.

يسعى طب النفس الرعائي إلى الولوج إلى مجالات من الحياة الروحية، لا يجوز نعتها بالخطيئة لكنها شبيهة بها، إذ لا يجوز دفع المريض إلى الخطيئة. على سبيل المثال، القلق ليس خطيئة، لكنّه قد يقود إلى عقائب وخيمة لدى مَن يعاني منه. فنفس الإنسان، كنتيجة للمرض العقلي، تصير، بطريقة ما، مغطاةً بـِ “حجاب من الضباب”، ينبغي تبديده. هذه النفس، كما اشار أحد الكهنة، تفقد طريقها إلى الرب، تخبو فرادة الإنسان فيها. وهنا قد تكون التوصيات الرعائية سابقة لأوانها لأن المريض ليس مستعداً لقبولها. إن العمل لشفاء إنسان مثل هذا من خلال الوسائل النسكية فقط قد لا يكون عملاً مبرراً، وقد يكون من الملائم الاستعانة بطبيب نفسي. من المفيد وجود طبيب أرثوذكسي في الرعية يستعين به الكاهن في تلك الحالة.  أما من جهة الكاهن، فإن بعض المعرفة في العلاج النفسي قد تفيده.

لا يتعارض الطب النفسي مع الكهنوت، بل يسعى إلى إغنائه ببعض المعرفة. فدور الكاهن هو الصلاة من أجل الشخص المعاني وتوجيهه نحو الصبر والتواضع، بينما دور الطبيب، على أمل المساعدة من الله، هو معالجة الاضطرابات النفسية بطرق الطب الحديثة.

إن الطبيب أو المعالج النفسي، إذ يعمل على إرادة الشخص وعقله وعواطفه، يساعده على تخطي المرض أو نتائجه، إذ يحاول أن يزيل الأعراض المرضية ومتلازماتها من الجهاز العصبي المركزي. من هذه المتلازمات الاكتئاب، والجزع، والوهن، وغيرها، وهذه لا تنشأ من تجربة العدو، بل من البيولوجيا والوراثة وغيرها. بعد التعافي، في حال كان ممكناً، يعود الشخص إلى حالته العادية، ويصير قادراً على النظر بوعي إلى الحياة من حوله وإلى ذاته، فيذهب إلى الكنيسة ويصلّي ويعمل لخير العائلة والمجتمع. ومع تقدم المريض في الشفاء، تتناقص الحاجة إلى مساهمة الطبيب النفسي، بينما بالمقابل تنمو الحاجة إلى الأب الروحي.

بالتأكيد، ما سبق ذكره هو مجرد رسم يصوّر المنطقة المعقّدة في معرفة الطب النفسي الرعائي. للتوضيح، سوف أقدّم مثالاً من كتاب “الطب النفسي ومسألة الحياة الروحية”، للدكتور أ. ماليكوف وهو طبيب نفسي روسي شهير، وفي الوقت عينه ملتزم إيمانياً. يصف الكاتب في أحد الفصول مرض دوستويفسكي وخبرة نهجه الروحي: “مرض دوستويفسكي هو مثال عن الصرع الخلقي المتوارث وهو يقدم للكاهن مثالاً توضيحياً: لقد عانى هذا العبقري من الصرع منذ عمر الخامسة عشرة، لكنّه كان نموذجاً قابلاً للاحتمال نسبياً إذ كانت النوبات نادرة وبفضلها حفظ قدراته الخلاّقة إلى آخر حياته، من ثمّ مجدداً أثناء المحاكمة، وحكم الموت، وسنوات الاضطهاد والخدمة العسكرية”.

إن المحاولات الساذجة لشرح أو استدلال النظرات إلى العالم لدى الكتّاب أو الناشطين الاجتماعيين وإبداعهم، من خلال المرض لَهِي خطأ صريح. دوستويفسكي كان كاتباً عبقرياً “ليس بسبب المرض بل لمواجهته”. كونه كاتباً لسيرته الذاتية، أظهر جزئياً في إبداعه كِلا التنوّع العظيم والتعابير المتضادة والآلام لدى هذه الفئات غير المستقرّة من البشر. في الوقت عينه، كإنسان ذا إيمان “نشأ من النقد اللاذع للشكوك”، فهو صار في صفّه بين الأبطال إذ أظهر محاولات للاستفادة من مرضه ومن الخبرة التي اكتسبها في معركته مع المرض. الأمير ميشكين وروغوزين في “الأبله”، استنارة الشيخ زوسيما واتّضاعه وإيمانه وثورة إيفان كارامازوف، براءة أليشا كارامازوف وطهارته والانحراف الأخلاقي العميق لدى فيودور كارامازوف وسماردياكوف، قوة الرغبات التي يتعذّر ضبطها ونوبات العاطفة لدى ديمتري، تفتح الطريق نحو التوبة العميقة والعطش إلى الخلاص عبر طريق الألم. إنه يرى نفسه أسيراً لقَدَره ومرضه يصارعهما. لم تكن الازدواجية مصير أبطاله لإنهم قضوا في المعركة. لقد تعرّف على الازدواجية في ذاته وجمع كل خبرته في مصارعتها عند موته. لكن دوستويفسكي استمر إلى النهاية بقدرته الإبداعية ونظرته النقدية لمرضه، وشخصيته وإشفاقه العميق مع الناس. فهو بقي، كما كتب عنه ستراكوف، “مركزاً إيمانياً عميقاً، محدداً كل محتويات فكره وأعماله”، التي أشعت منها الطاقة، مفعمة بالحياة ومحوّلة كل نشاطه…

من هذا المثل، يستطيع المرء أن يلخّص علاقة المريض المؤمن بتعابير مرضه، وأن يصوّر بدقّة الطرق الرئيسية لتصرّف الكاهن كمسؤول عن النفوس. يمكن التشديد على مسؤوليتين رئيسيتين للكاهن نحو المريض: 1) يحثّ المريض على الأدوية، وإذا دعت الحاجة على العلاج المنهجي، و2) يساعد المريض في صراعه مع مرضه، وتعرّفه نقدياً على شواذات شخصيته وسلوكه وتخطيها.

يمكن للطبيب أو المعالج النفسي أن يعالج المريض في فترات الذهان الحاد، مساعداً على تخفيض عدد النوبات والاضطرابات، وإذا أمكن، تلافي تكرارها. إن الأب الروحي مهم جداً للمريض في فترات ما بين النوبات، عندما يختبر التناقضات الموجِعة الصادرة عن قطبية الصعود والسقوط، وعن البصيرة المفاجئة والغضب العظيم، حالات الاستنارة والظلام، قطبية حالات الرغبة المبارَكة لخير العالم والناس والعداوة المظلمة، والشك والتعاليم… إن سلوك الكاهن تحدده مهمته لمساعدة الشخص للبلوغ إلى التوبة العميقة واستعادة الإحساس الروحي الصحيح بالحياة في نفسه، والنظرة الصحيحة لخطيئته ودعوته الله الأبدية للبشرية، وهذه كلها تتعرض لمحن مأساوية لدى المريض، إذ إن المرض هو تعبير عن الثنائية بشكلها الأقصى.

السنة الثامنة – العدد الأول

 

السنة الثامنة – العدد الأول – تشرين الأول 2011

الأخلاق المسيحية – الموعظة على الجبلم

القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس

الأمّ رافاييلا

شهادة معاصرة عن الحياة المسيحيّة الرهبانيّة من قلب أميركا الشماليّة

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

حتى نبقى على الإيمان القويم

الأرشمندريت توما بيطار

الأبوة الروحية

عن موقع مطرانية بصرى حوران وجبل العرب

النبية الكاذبة فاسولا رايدن

ترجمة إدارة شبكة سيرافيم ساروفسكي

فاسولا رايدن: وجهة نظر أرثوذكسية

الأب أنطوان ملكي

الطب النفسي الرعائي

د. ديمتري أفديف

ملاتيوس باكورة عربية

سامر عوض

البحث عن الولد الصالح

إعداد الخورية سميرة عوض ملكي

البحث عن الولد الصالح

 

 

البحث عن الولد الصالح

إعداد الخورية سميرة عوض ملكي

الولد أيضاً يُعرف بافعاله هل عمله نقي ومستقيم (أمثال20: 11)

في قديم الزمان، عاش في مملكة بعيدة خمسة فرسان صالحون وحكماء. وكانت أسماؤهم تعبّر عن شخصية كل واحد منهم.

الفارس الأول كان يدعى السيد جوليان الشجاع لأنه قتل أسداً ضخماً كان يأتي من الغابة ليقتل النساء والأطفال، وذبح تيناً، وأنقذ أميرة من قلعة كانت تحترق. فهو لم يكن يخاف شيئاً تحت الشمس.

أمّا الفارس الثاني فكان اسمه جيرال السعيد، لأنه كان دائماً سعيداً، وكان يحمل لكل مَن حوله. فابتسامته العذبة وكلماته المرحة كانت سلوى وعزاء إذ لم يكن ممكناً لأحد أن يبقى حزيناً أو متضايقاً أو غاضباً عندما يكون بالقرب من جيرال.

السيد روبيرت اللطيف كان الفارس الثالث وقد نال اسمه لرقة قلبه. حتى حيوانات الغابة كانت تعرفه وتحبه لأنه لم يؤذِ قط أي مخلوق خلقه الله.

كان وجه الفارس الرابع جميلاً كاسمه، لهذا دُعي ريڤال الطاهر. كان يفكر أفكاراً جميلة، لأنه حفظ حياته كلها كحديقة مملؤة بالأزهار بدون أية عشبة ضارة.

توم الصادق كان الفارس الأخير وهو قائدهم كلهم.

كان ملك البلاد يثق بهؤلاء الفرسان الخمسة كثيراً. وذات صباح من أيام الربيع، دعاهم الملك إليه وقال لهم: “يا فرساني الأمناء، أنا قد شخت وأتوق كي أرى في مملكتي العديد من الفرسان مثلكم، لكي يرعوا يعتنوا بشعبي. لهذا سأرسلكم إلى كل أنحاء المملكة لتختاروا لي صبياً صغيراً يمكن له أن يعيش في قصري ويتعلم منكم كل الأشياء التي يجب أن يعرفها كل فارس ولا تختاروا لي إلا ولداً صالحاً. ولد صالح يستحق (يساوي) أكثر من مملكة. وعندما تجدوه أجلبوه معكم. إن أتى إليّ طوعياً فسأكون سعيداً في شيخوختي.

سُرّ الفرسان كثيراً بكلمات الملك، وعند بزوغ الفجر، كانوا جاهزين لرحلتهم. فامتطوا أحصنتهم وانطلقوا في الطريق المَلَكي العام بريشاتهم المتماوجة وتروسهم اللامعة.

حالما بدأ الفرسان رحلتهم، كانت الأخبار قد انتشرت في كل أنحاء البلاد، وكان العديد من الآباء والأمهات قد أرسلوا رسلاً للفرسان يدعونهم لزيارتهم علّهم ينالون استحسان الملك. وكانت رسائل الأهل كلها مملوءة بمديح أولادهم. لهذا احتار الفرسان إلى أين يذهبون. فبعض الأهل قال إنّ أولادهم جميلون جداً، والبعض الآخر قال إنّ أولادهم أنيقون. لكن الفرسان لم يكن يهمهم إلا الولد الصالح لهذا لم يسرعوا ليروا هؤلاء الأولاد.

في اليوم الثاني، بعد أن اجتازوا الكثير، التقوا بمجموعة من الرجال يرتدون الملابس الفاخرة، انحنوا أمامهم، وبينما كان الفرسان يسحبون سَيْر اللجام متعجبين أسرع رجلٌ صغير في السير أمام الآخرين ليتحدث إليهم.

كان رجلاً صغيراً وسميناً، صوته ضخماً. أخبر الفرسان أنه قد أتى ليدعوهم لزيارة قلعة البارون بوريس لأن ابنه الولد الأروع في العالم.

“أوه! لا يوجد شيء لا يستطيع فعله” صرخ الرجل الصغير السمين، وكان اسمه ﭙوف. “يجب أن تروه يمشي! يجب أن تسمعوه يتكلم!”

وهكذا تبعه الفرسان، وحين وصلوا الى القلعة، ركض ريموند للقائهم. كان ولداً مرحاً، شعره أشقراً طويلاً مجعداً، وخداه موردين، ولدى رؤيته الأحصنة الجميلة راح يصفّق بيديه بسرور. كان البارون والبارونة سعيدين أيضاً بزائريهم. وصنعوا احتفالاً على شرفهم. لكن، في الصباح التالي، فوجىء الفرسان بصوت مروّع آتياً من القاعة السفلية.

“بوو – هوو – هوو – هوو!” صوّت شيء يشبه عواء الكلب، لكن عندما أنصتوا، بدأ الصوت يعلو ويعلو حتى سُمِع وكأنه زئير أسد.

استلّ الفرسان سيوفهم واندفعوا الى أسفل ليروا ما يحدث. ماذا هناك؟ كان ريموند في وسط القاعة، يقف وخداه منفوختان وعيناه متورمتان ومن فمه المفتوح تصدر تلك الضجة الرهيبة جداً: “بو – هوو – هوو – هوو!”

كان أباه وأمه يتوسلان إليه لكي يهدأ. والطباخ أتى إليه بالحلوة، والممرضة بلعبة، لكن فلوريموند ظلّ فاتحاً فاه يصرخ أعلى وأعلى لأن المطر كان يهطل وهو يريد أن يلعب في الخارج.

بعد أن رأى الفرسان ما لا يريدونه، أسرعوا الى الطابق العلوي ليجهزوا لرحلتهم. البارون والبارونة والصغير السمين ﭙوف راحوا يتوسلون إليهم كي يبقوا، حتى ريموند راح يصرخ ثانية عندما تركوه. لكن الفرسان لم يهتمّوا بأن يبقوا مع ولد غير صالح.

بدأ الفرسان يفكرون بأن مهمتهم صعبة، إلا أنهم استمروا في البحث سائلين في كل بيت: “هل يوجد ولدٌ صالحٌ هنا؟” لكنّهم لم يجدوا سوى الخيبة.

بحثوا شمالا، جنوباً، شرقاً وغرباً. وأخيراً توقفوا بعد الظهر تحت شجرة سنديان ليتحدثوا، فقرروا أن يتوزّعوا كلٌّ في اتجاه.

“ليأخذ كلّ واحد منا طريقه” قال توم الصادق، “وغداً سوف نلتقي تحت نفس الشجرة ونخبر ماذا رأينا، لأن وقت العودة الى الملك صار قريباً”.

وهكذا ودعوا بعضهم بعضاً وكل واحد أخذ طريقه، ما عدا السيد توم الذي بقّى في مكانه لوقت طويل تحت شجرة السنديان لأنه كان القائد ولديه الكثير من الأشياء يفكّر بها.

في اللحظة التي كانت فيها شمس المغيب حمراء في الغرب، رأى صبياً صغيراً آتياً نحوه مع حزمة من العيدان على ظهره. “تحياتي أيها الصبي الصغير” قال له السيد توم. “تحياتي، أيها السيّد الوسيم” أجاب الولد، رافعاً نظره، بعينين ملهوفتين، الى الفارس الراكب على حصانه الرائع، الذي وقف حالما أمره الفارس.

“ما اسمك؟” سأله الفارس.

“اسمي جون” أجاب الولد.

“هل يمكن أن تثبت أنك دليل جدير بالثقة، جون الصغير، وتقودني الى مكان لطيف حيث أمضي ليلتي؟ سأل الفارس.

“بالتأكيد أستطيع” أجاب جون بسرور، ووجهه مشرق بالسعادة، لكنه أضاف بسرعة: “أستطيع إن كنت ستنتظرني حتى أحمل هذه العيدان الى الجدّة كاتي وأجلب لها الماء من النبع لأني وعدت أن أكون هناك قبل غروب الشمس”. كان جون يريد أن يساعد الفارس الصالح كثيراً لهذا كان آسفاً أن يقول هذا، إلاّ أن السيد توم قال له أن يسرع ووعد أنه سينتظر حتى يعود. ولم تدم لحظات حتى عاد جون قافزاً كالغزال من طريق الغابة ليدلّ الفارس على الطريق المؤدي الى بيته.

عندما وصلا إلى هناك أسرع الكلب الصغير للقائه، وراحت الهرة تداعبه بجسمها، وصرخت الأم من المطبخ: “هل هذا شعاع شمسي الذي أتى الى البيت ليبيت؟” هذا الكلام جعل جون والفارس يضحكان معاً.

بعد ذلك خرجت الأم مسرعة لترحّب بالغريب. فاستضافته بكل إحترام، مانحة إياه المكان الأفضل على الطاولة وقدمت له الكعك الساخن.

كانت هي وابنها الصغير جون يعيشان وحدهما لأن الأب كان قد ذهب الى الحرب عندما كان جون صغيراً وقد مات قتلاً من أجل الملك.

كان لديها أبقار وأحصنة وخنازير ودجاجات وديوك وكلب وهرة، ولديها كنز واحد أعظم من مملكة، لأنها كانت تملك ولداً صالحاً في بيتها.

اكتشف السيد توم هذا حالاً. لأن جون أسرع فوراً الى أمه عندما نادته، وتذكر الهرة والكلب عندما كان يأكل طعام العشاء، وذهب الى السرير عندما طُلب منه بدون معاندة، مع أن الفارس كان يخبره عن الأسود والدببة والمعارك وكلّ ما يحب أن يسمع عنه الصبيان الصغار.

كان السيد توم سعيداً جداً بهذا، وراح ينتظر بفارغ الصبر الوقت الذي سيلتقي فيه رفاقه تحت شجرة السنديان. “لقد وجدت الصبي الذي يجب أن تروه” قال هذا حالما التقوا معاً.

“وأنا أيضاً”، صرخ جيرال السعيد. “وأنا”، قال جوليان الشجاع. “وأنا” قال ريڤال الطاهر.

“أنا لا أعرف اسم الصبي” تابع جيرال السعيد، “لكن عندما كنت ممتطياً حصاني في الغابة سمعت أحدهم يغني الأغنية الأكثر روعة! ونظرت من خلال الأشجار، فرأيت صبياً صغيراً منحنياً تحت حِملِه الثقيل، فهرعتُ لمساعدته لكنّه رحل قبل أن وصلت الى مكانه. أحبّ أن أسمعه  يغني ثانيةً”.

“كنت راكباً حصاني في الطريق العام” قال السيد جوليان الشجاع، “وفجأة التقيت بمجموعة من الأشخاص القساة، الذين كانوا يحاولون أن يعذبوا كلباً أسوداً صغيراً. وفي اللحظة التي رأيتهم فيها، أسرع صبي صغير، وبشجاعة الفارس، أخذ الكلب بين ذراعيه وخبأه بمعطفه. وعندما رآني الباقون  فرّوا هاربين أمّا الصبي فبقي في مكانه وأخبرني أنّ اسمه جون”.

“ماذا!” صرخ متعجباً روبير اللطيف. “إنه الصبي الذي يجلب الحطب والماء للعجوز الفقيرة كاتي. لقد مكثتُ الليل كله في كوخها، وأخبرتني عن لطفه”.

“أنا رأيت غلاماً عند نبع قريب”، قال ريفال الطاهر، “أسرع ليملأ دلوه. لكن بعض المهرجين الأفظاظ  وحّلوا الماء عندما وصل الصبي. لكنه لم يغضب ولم يتفوّه بأي كلام بذيء، وأنتظر بصبر حتى عادت الماء صافية ثانية. أحب أن أجد منزله وأراه هناك”.

انتظر السيد توم إلى أن انتهي الجميع من كلامهم، حتى نهض وصرخ: “تعالوا أنا سوف آخذكم الى الصبي!” فتبعه الفرسان، وقادهم الى المنزل حيث كان الصبي جون يعمل مع أمه سعيداً كالقُبّرة ورقيقاً كالحمامة.

كان الوقت منتصفَ النهار وكانت الشمس تشرق مشعّة على تروس الفرسان وريشاتهم تتماوج في النسيم. وعند وصولهم الى البوابة، أصدر السيد توم صفرة عالية من بوق فضي، فبدأت كلّ الدجاجات تقوقي، والكلب ينبح، والحصان يصهل، والخنازير تنخر، وكأنّهم كانوا يعلمون أنه يوم عظيم. خرج الصغير جون مع أمه ليريا ما الذي يحدث.

عندما رأى الفرسان جون نظروا الى بعضهم البعض، وصرخ كل واحد: “إنه الولد!”

“تحياتي!” قال السيد توم للأم. “أرسَلَنا الملك، قائدُنا الحكيم الى هنا لنرى ولدَك الصالح، لأنّ الولد الصالح أثمن من مملكة. ويعرض الملك عليه حبَّه وعطفَه، إذ كنتِ ستدعينه يأتي معنا ليعيش في قصر الملك ويتعلّم أن يكون فارساً”.

كان جون وأمّه منذهلين جداً. وبالجهد استطاعا أن يصدقا أنّ شيئاً من هذا قد يحصل. وقد بدا لهما أنه لأمرٌ رائع وجميل أن يرسل الملك رسلاً الى جون الصغير.

بعد أن ردّد الفرسان كلام رئيسهم، ركض جون الصغير الى أمه وأحاطها بذراعيه لأنه عرف أنّه إن هو ذهب معهم فسيكون مضطراً لأن يتركها. وأمه عرفت أنّها إذا تركته يذهب فسيكون عليها أن تعيش بدونه.

وقف ديك على السياج وصاح عالياً: “كوكاو- دودل – دو!” وصرخ صوص صغير أضاع أمه: پيپ! پيپ! وكأنّما ليجعلا كلّ واحد يعلم أنه ينتمي الى جون.

وعندما سمعت الأم هذا أجابت الفرسان وقالت لهم: “لا أستطيع أن أخلي منزلي من ابني. حبُّ الملك غالٍ، لكن أنا أحب ولدي أكثر من العالم كلّه. وهو أعزّ إليّ من ألف مملكة”.

كان جون سعيداً جداً بجواب أمّه فنظر الى الفرسان ثانية بوجه مبتسم، وراح يلوّح لهم بيده وهم ذاهبون. سافروا النهار والليل كله. وعند الفجر وصلوا الى الطريق العام. وقد أبطأوا بركوبهم لأنهم كانوا حزينين من الأخبار التي يحملونها. إلا أن الملك ابتهج إبتهاجاً عظيماً، وعندما سمع روايتهم قال: “هكذا ولد، مع هكذا أم، سوف ينشأ فارساً في بيته”.

كانت كلمات الملك صحيحة وصادقة، لأنه عندما شاخ، أتى جون الى القصر ورُفع الى رتبة فارس. أُعطي جون اسماً جميلاً خاصاً به: “جون الصالح”، وكان شجاعاً، سعيداً، لطيفاً، طاهراً، وصادقاً. وكان محبوباً من كل شعوب العالم. لكن حب أمه بقي أكبر من الكلّ.


حكمة المرأة تبني بيتها والحماقة تهدمه بيدها. (أمثال10: 1)

يا إبني إن كان قلبك حكيماً يفرح قلبي أنا أيضاً وتبتهج كليتاي إذا تكلمت شفتاك بالمستقيمات. (أمثال23: 15 – 16).

الأخلاق المسيحية – الموعظة على الجبل

الأخلاق المسيحية – الموعظة على الجبل

القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

4-كمال البر في ناموس النعمة

 

28. أين يظهر ارتفاع برّ ناموس النعمة؟

يظهر في موعظة المسيح مخلّصنا على الجبل.

 

29. بأيّ روح توحي كلمات مخلّصنا، وما هي الرغبة التي يعبّر عنها في العظة؟

إنّها روح المحبة للبشر والرغبة في هيمنة السلام على الأرض.

 

30. كيف ننظر إلى بر ناموس النعمة؟

على أنّه أكثر التعابير عن إرادة الله كمالاً.

 

31. ماذا يقول السيد لتلاميذه عن البِر؟

يقول لهم ما يلي: “إن لم يزد برُّكم عن بر العشارين والكتبة، لن تدخلوا ملكوت السماوات”

 

32. كيف باشر السيد إتمام الناموس وإكماله؟

إنه يبدأ كما يلي: “قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ”.

 

33. كيف يكمّل الوصية السادسة عند هذه النقطة؟

إنّه يكمّلها بمنعه كل إهانة للقريب، حتى يسود المحبة والسلام. يظهر هذا أيضاً في الوصية التالية، التي من خلالها يأمر المخلّص بأنّ كلّ مَن يحزن أخاه ينبغي ألاّ يقدّم قرابينه عند المذبح إلى أن يصالح أخاه. بهذه الطريقة يطلب أنّ تتوقّف كل النزاعات حتى لا يأتي مغيب الشمس بوجود الغضب نحو الأخ واستمرار النزاع.

 

34. كيف يتمم الوصية السابعة؟

إنّه يتممها بالكلمات التالية: “قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ”

 

35. ماذا يطلب المخلّص من أتباعه بهذه الوصية؟

إنّه يطالبهم بنقاوة القلب. لهذا السبب هو يمنع الإساءة إلى شرف عائلة القريب، ليس فقط بالعمل بل أيضاً بالفكر. بالواقع، إنّه يطلب نقاوة القلب بهذه الصرامة، ليأمرنا بنزع كل الأسباب التي تثير الشهوات، من داخل قلوبنا، ويقول: “فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ. وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ.” بكل هذه الأشياء أراد المخلّص أن ينصحنا بأن نبتعد حتّى عن أكثر الأشخاص قيمة ونفعاً، حتّى لا تتلوّث طهارة قلوبنا ببعض الشهوات الشريرة، فيما نحن أتباعه.

 

36. بأي كلمات أخرى يكمّل المخلّص الوصية السابعة؟

إنّه يكمّلها بإبعاده كل الوسائل التي من خلالها يتم انتهاك الناموس. هذه الوسائل كانت وثائق الطلاق التي من خلالها كان يحق، بحسب الناموس القديم، للرجل أن ينفصل عن امرأته معطياً إياها هكذا كتاب (التثنية 1:24).

ما كانت كلمات المخلّص؟

كانت كلماته ما يلي: “وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَق. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي، وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي.”

 

38. كيف يكمّل وصية العهد القديم حول القَسَم؟

إنّه يكمّلها بهذه الكلمات: “أَيْضًا سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ:لاَ تَحْنَثْ، بَلْ أَوْفِ لِلرَّبِّ أَقْسَامَكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ، لاَ بِالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ اللهِ، وَلاَ بِالأَرْضِ لأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ، وَلاَ بِأُورُشَلِيمَ لأَنَّهَا مَدِينَةُ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ. وَلاَ تَحْلِفْ بِرَأْسِكَ، لأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَجْعَلَ شَعْرَةً وَاحِدَةً بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ. بَلْ لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ، لاَ لاَ. وَمَا زَادَ عَلَى ذلِكَ فَهُوَ مِنَ الشِّرِّيرِ.”

 

39. ما الذي يطلبه بهذه الكلمات؟

إنّه يطلب الكمال الأخلاقي من جهة أتباعه. فالقَسَم الذي يقوم به المرء ليؤكّد أقواله، يفترض مسبقاً عيباً أخلاقياً هو أقرب للكذب ويتعارض مع المسيحية. لهذا السبب، إنّه يأمرهم بأن يكونوا جديرين بالثقة حتى لا يستدعي تثبيت أقوالهم أي قَسَم، بل تكون نعم نعم أو لا لا كافية للوثوق بكلامهم وتأكيده. بعبارة أخرى، ينبغي أن تعني “نعم” ما تعنيه فعليا و”لا” أيضاً ما تعنيه فعلياً. هذا هو الكمال المسيحي. المسيحي مجبَر على أن يكون جديراً بالثقة، حتى يصدّقه الجميع عندما يقول “نعم” أو “لا”، دون أن يتطلّب الأمر أي تأكيد إضافي لتعزيز حقيقة قوله.

 

40. مع هذا، ما الذي يحدث عندما يشكك طالبو الحقيقة بكلام الإنسان؟

إن انتهاك الوصية ليس مبرراً في هذه الحالة، لأنّ المسيحي ملزَم بالبقاء غير متزعزع في تأكيد الحقيقة من خلال النعم واللا.

 

41. هل يمنع المخلّص القَسَم الذي تطلبه السلطات المدنية؟

لا يمكن تأكيد منعاً من هذا النوع من كلام السيد. الهدف الذي قاده إلى قول كلامه يظهِر بالأغلب أنّ السيد منع القَسَم الذي يتبادله الناس مع بعضهم وليس ذاك الذي يقوم أمام السلطات المدنية بحسب متطلبات القانون بهدف تأكيد الحقيقة وتأمين السلطات. إلى ذلك، المخلّص نفسه ارتضى أن يقسِم مام رئيس الكهنة الذي سأله إن كان هو المسيح ليعترف به (متى 63:26). أيضاً، الرسول بولس، في رسالته إلى أهل روما، استدعى الله كشاهد له لكي يثبّت كلامه بأنّه دائماً تذكرهم في صلواته (روما 9:1). وعلى المنوال نفسه، كاتباً إلى الكورنثيين، استدعى الله كشاهد له لكي يشهد بأنه لم يكن يرغب بتسبب أي حزن لهم (2كورنثوس 23:1).إلى هذا، ملاك الإعلان أقسَم باسم “الذي يحيا إلى دهر الدهور”، الذي خلق السموات التي توجد فيها، والأرض وكل ما عليها والبحر وكل ما فيه (رؤيا 6:10)

 

42. هل من مكان آخر يمكّن الاستنتاج منه أنّ المخلّص لم يحرّم القَسَم بطريقة مطلقة؟

مما يلي: أ) حقيقة أنّه لم يأخذ الوصية مباشرة من الوصايا العشر، بل من التثنية (12:19)، حيث يرد أنّ قَسَماً باسم الله لتغطية الظلم هو قَسَم مرفوض وعلى القدر نفسه انتهاك الاسم لأنّ القَسَم المُعطى للقريب أياً كانت الحالة قد انتهِك. هذا ما يسميه السيد شهادة زور. هذا يدل على أن القضية قيد النظر تشير إلى اليمين المتبادلة بين شخصين في شهادة وصدق متبادلين. ب) استناداً إلى أنه لا يوجد دليل واضح على ان المخلص حرّم بصورة مطلقة استدعاء اسم الله لغرض تأكيد الحقيقة في وقت مناسب. على العكس من ذلك، يبدو انه سمح بهذا من خلال مثاله الشخصي، وهذا ما تبعه أيضا تلاميذه. لو كانت نية المخلص حظر اليمين بطريقة مطلقة، أي سواء عبثا أو بصورة عادلة، لكان أكمل وصيته بحظر آخر واضح، وهذا ما لم يفعله. وينبغي أن يُذكَر هنا أيضا، أنّ في الحالة الحاضرة، ينطلق المخلص من المبادئ الأخلاقية لا العقائدية. هكذا إذن، حلف اليمين أمام السلطات المدنية بغرض تأكيد ما هو صحيح هو أمر مسموح.

 

43. كيف يكمّل المخلّص ما يرد في ناموس موسى حول “الألم المساوي” أي العقاب على قدر الذنب؟

على الشكل التالي: “سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ. مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ.”

 

44. ما الذي يعلّمنا إياه المخلّص في هذه الكلمات؟

أ) إنه يحثّنا على أن نكون متسامحين نحو ما يفعله الآخرون لنا، ويمنعنا من الانتقام ومبادلة الشر بقدر يوازيه من الأذى؛ ب) انه يظهر المدى الذي ينبغي أن يصله تسامحنا من أجل المحبة والسلام اللذين يشكلان مهمة أتباع المسيح ورسالتهم. ج) إنّه يشير إلينا أيضاً حول السُبُل التي علينا اتّباعها لتفادي المشّادات فيسود السلام، وكيف يمكننا أن نغلب الشرير بالأعمال الصالحة والتضحيات، وختاماً د) إنّه يظهِر لنا شكل السلوك الذي علينا تبنّيه نحو الأشرار الذين يخضِعون الآخرين بالعنف، حتّى لا يختلّ السلام وتُجذَب محبة الإخوة.

 

45. ماذا نستنتج مما سبق قوله؟

نستنتج أنّ المسيحي ملزَم بتقديم نفسه كنموذج لإنكار الذات، وأنّ عليه ألا يعتبر الخبث، أو الاستيلاء، أو الظلم ، أو العنف سبباً عادلاً للانتقام. لا بل بالأحرى إنّه ملزَم على أن يقدّم لأخيه مثالاً ثابتاً بالتراجع عن كل ما لا يؤذيه أخلاقياً، وبإظهار، بالأعمال المناسبة، أنّ ما هو محفوظ في داخله هو محبة الأخ ورغبته في أن يراه يتغيّر، وليس الثأر أو الانتقام، إذ فقط بهذه الطريقة يمكن استعادة السلام ومجيء الملكوت على الأرض.

 

46. كيف يكمّل المخلّص وصية الناموس الموسوي حول المحبة والكراهية؟

بقوله: “سَمِعتُم أنَّهُ قِيلَ: أحِبَّ قريبَكَ وأبغِضْ عَدُوَّكَ. أمّا أنا فأقولُ لكُم: أحِبّوا أَعداءَكُم، وصَلّوا لأجلِ الَّذينَ يضْطَهِدونكُم، فتكونوا أبناءَ أبيكُمُ الَّذي في السَّماواتِ. فهوَ يُطلِـعُ شَمْسَهُ على الأشرارِ والصّالحينَ، ويُمطِرُ على الأبرارِ والظّالمينَ”.

 

47. ما الذي يأمر به المخلّص في هذه الوصية؟

إنّه يأمر بالتالي: أ) المحبة الكاملة لكل البشر من غير تمييز، حتّى لمَن شرّهم فائق، ب) التعبير عن هذه المحبة بمقابلة أعمالهم الشريرة بالأعمال الحسنة، إذ عندما يعمل المؤمنون بهذه الطريقة يصيرون أبناء لأبيهم السماوي، بقدر ما يقوم بأعمال صالحة نحوه، وهو مَن لا يرد الشر بشر بل يغلب الشر بواسطة الصلاح.

 

48. ما هي الكلمات التي يستعملها المخلّص ليظهر ضرورة المحبة؟

يستعمل ما يلي: ” لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ ذلِكَ؟  وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ هكَذَا؟ فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ”.

 

49. ما هي الوصايا التي يعطينا المخلّص في هذه الكلمات؟

إنّه يعطينا وصيتين: “أ) أننا ملزَمون بمحبة أعدائنا، لكي نكسب المكافأة بجوار الله ولا نخزى كالوثنيين، وب) أننا ملزَمون بالتحرّك نحو الكمال وبأن نصير كاملين، بحسب الله نفسه الذي هو النموذج الأول، الذي ندعوه أباً عندما نكتمل بالمحبة. فكلّ مَن يحبّ أعداءه ويعاملهم بصلاح هو كامل في المحبة. إذاً، بهذه الوصية الأخيرة، يكمّل مخلّصنا تشريعَ الناموس الموسوي المتعلّق بالمحبة.

 

50. هل من تعليم آخر يعطيه مخلّصنا فوق إتمام الوصايا والتوجيهات المتعلّقة بالمحبة في الناموس الموسوي؟

إنّه يقودنا إلى التعليم عن وضع رجائنا في الله ويأمرنا بأن نقوم بكلّ ما يرضي الله فقط. فمنه وحده نرجو أن نأخذ المكافأة التي تناسب أعمالنا الصالحة وعليه وحده يمكن أن نضع رجاء خلاصنا.

 

51. كيف يبدا المخلّص تعليمه عن وضع رجائنا على الله؟

يبدأ كما يلي: ” اِحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَتَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَنْظُرُوكُمْ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَكُمْ أَجْرٌ عِنْدَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُصَوِّتْ قُدَّامَكَ بِالْبُوقِ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُرَاؤُونَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي الأَزِقَّةِ، لِكَيْ يُمَجَّدُوا مِنَ النَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ! وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ، لِكَيْ تَكُونَ صَدَقَتُكَ فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً.”

 

52. ما الوصية التي يعطينا المخلّص من خلال هذه الكلمات؟

إنّه يوصينا بأن نرجو مكافأتنا من الله لأنّه يرى كل الأمور ويكافئ كلّ إنسان بحسب أعماله. إنّه يشير علينا أيضاً بأن نعمل أعمالاً صالحة من أجل الصلاح وليس لكي يرانا إخوتنا البشر. لأنّ الذين يذيعون أعمالهم الصالحة أمام مَن حولهم إنّما يقومون بذلك لكي يمجدهم البشر وليس الله. لهذا السبب، لن يحصلوا على اي مكافأة على أعمالهم الصالحة لكونهم لم يعملوها مكن أجل الصلاح ولم يضعوا رجاءهم على المكافأة الإلهية.

 

53. هل من وصايا أخرى يعطيها الفادي حول الرجاء بالله؟

نعم، إنها التالية: “وَمَتَى صَلَّيْتَ فَلاَ تَكُنْ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا قَائِمِينَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي زَوَايَا الشَّوَارِعِ، لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ! وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً”.

54. ما الذي يعلّمنا بهذه الكلمات؟

إنّه يعلّمنا أنّ الصلاة هي نتاج الرجاء بالله والتعبير عن القلب الذي يعبده، وأنّها يجب ان تكون صادقة وبسيطة، إذ فقط الصلاة والعبادة اللتين على هذا المنوال ترتفعان غلى الله الذي يرى المصلّي سرياً ويكافؤه علانية في الحاضر والمستقبل. الصلاة المبهرجة لا تليق بالله وهو يرفضها، بينما الذين يقدّمونها يتطلعون إلى البشر ليكافئوهم من دون أن يكون رجاؤهم عند الله، بل بالحرى يعملون كلّ شيء ليتباهوا بين نظرائهم البشر.

 

55. ماذا يحدد الربّ بخصوص طريقة الصلاة؟

يحدد ما يلي: ” وَحِينَمَا تُصَلُّونَ لاَ تُكَرِّرُوا الْكَلاَمَ بَاطِلاً كَالأُمَمِ، فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ بِكَثْرَةِ كَلاَمِهِمْ يُسْتَجَابُ لَهُمْ. فَلاَ تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ. لأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ.”

 

56. ما الوصية التي نتلقّاها من هذا القول؟

أنّ علينا ألاّ نتكلّم هراءً، بل باتّضاع وما ينبغي قوله بالطريقة المناسبة التي تليق بمؤمن وضع رجاءه على الله ويتطلّع إليه. والله الآب سوف يمنحنا كلّ ما نحتاج إليه، لأنّه يرى حاجاتنا قبل أن نطرحها عليه.