حتى نبقى على الإيمان القويم

 

الأرشمندريت توما بيطار

نقاط على الحروف،  18 كانون الأول 2005

يوم خضع أو لَزِمَ الصمتَ أكثرُ الكنيسة في شأن بدعة المشيئة الواحدة، ضغطتْ سلطةُ الدولة وسلطةُ الأمر الواقع في الكنيسة القدّيسَ مكسيموس المعترف فكان جوابه: “خير لي أن أموت من أن أضلّ عن الإيمان في أقلّ بنوده”.

 لِمَ هذا التمسُّك بأدقّ العقيدة في كنيسة المسيح؟ لأنّ العقيدة هي إيقونة عمل روح الله في وجدان الكنيسة. صحيح أنّ ثمّة تعبيراً كلامياً عن حقيقة عمل روح الله هذا، لكن العقيدة ليست، بحال، مسألة كلام قابل، بتدابير الناس واستنسابهم، للتعديل. الصيغ العقدية التي انحدرت إلينا قابلة للتدقيق والتوضيح؟ بكل تأكيد! لا! هذه الصيغ ليست عندنا مُنزلة! لكنَّ التدقيق والتوضيح، متى دعت الحاجة إليهما، ليسا مسعىً بشرياً وحسب، بل عمل إلهي في آن معاً. ليس في وسع أحد، كائناً مَن كان، ولا في وسع جماعة، مهما علا شأنها وسَمَت رتبتها العلميّة أن تُدخل على ما سبق أن قيل، في العقيدة المسيحية، حرفاً واحداً أو نقطة واحدة. إذا ما قلنا عن أنفسنا إن كنيستنا هي كنيسة المجامع المسكونية السبعة المقدّسة فليس هذا لأنّنا نتوقّف عند حدود العدد بل لأنّ الكنيسة المقدّسة شهدت لكون النصوص التي عبّرت عنها المجامع المسكونية السبعة نصوصاً ملهمة من الله في لغة الذين اشتركوا فيها. لذا نحسبها مقدّسة ونحسب الآباء الذين اشتركوا فيها قدّيسين. هؤلاء تعاونوا مع روح الله في بسط أمور الإيمان بالله على غرار ما ورد في المجمع الأول الذي ضمّ الرسل والمشايخ في أورشليم. يومها كتبوا إلى الإخوة الذين من الأمم في أنطاكية وسورية وكيليكية، جواباً على المسائل المطروحة، بوعي كاملٍ لأمرَين: أولهما أن ما ارتأوه ارتأوه “وقد صرنا بنفس واحدة” وإثر ما “رأى الروح القدس ونحن” على حدّ تعبير النصّ (راجع أع 15: 25، 28). أن يكون هناك مجمع ثامن وتاسع وعاشر هذا بديهي، متى دعت الحاجة، شرط أن يبقى المتكلّم هو الروح القدس ونحن. طبعاً كثيرون ادّعوا في الماضي، الأمانة، زوراً، لهذا المنحى الإلهي الإنساني في تعاطي شؤون الكنيسة فلم تثبت مزاعمهم لأنّ روح الربّ هو الضامن لكنيسة المسيح، وأبواب الجحيم لا تقوى عليها. والروح القدس يحفظ استقامة الإيمان بالقلّة دون الكثرة، بالأفراد دون الجماعات، متى لزم الأمر. المقياس، في كل حال، باقٍ داخلياً لا خارجياً، روحياً لا مادياً. على هذا لا يمكن لتدابير المفترين، مهما اشتدّت، على الإيمان القويم، أن تثبت. ثمّة أزمنة للهرطقات لكن حقّ الله، في النهاية، هو الغلاّب. ليس ثمّة مؤسّسة على الأرض ولا ثمّة فرد ينحصر فيه قول كلمة الحقّ. لا هناك بابوية فردية ولا بابوية مجمعية في الكنيسة. الكل قابل للشطط. ولكن لأنّ الأمور، في الكنيسة، ينبغي أن تكون قائمة بلياقة وترتيب يُطيع المؤمنون مدبّريهم، مجامعَ وأساقفةً وكهنةً. إلاّ أنّ هذا لا يُعتبر حاصلاً إلاّ في إطار حقّ الإنجيل. الطاعة في حدود الشريعة لا بخلافها، وإلاّ لا تعود الكنيسة كنيسة. انتماؤنا ليس البتّة إلى مؤسّسة بشريّة ولا حتى إلى مؤسّسة إلهية. انتماؤنا هو إلى كيان إلهي إنساني. هنا بالذات يكمن سرّ الكنيسة. كل الهرطقات، في التاريخ، مردّها التغاضي عن هذه المسلَّمة: أنّ الكنيسة إلهية وإنسانية معاً.

 

ركنُ العقائد عندنا هو عقيدة التجسّد. كل العقائد الأخرى تنبثق منها أو تصبّ فيها. هذا، في الحقيقة، لأنّ الكنيسة، بطبيعتها، تجسّدية. ملء اللاهوت فيها وملء الناسوت. كل ما فيها إلهي وإنساني معاً، كل المنتمين إليها، طريقة تفكيرهم، مقاربتهم للأمور. عقيدة التجسّد، عندنا، هي إيقونة لحياة الكنيسة، وفي الكنيسة الواحدة لوجدان المؤمنين الواحد. لا إمكان تغيير في العقيدة، أي في الإيقونة، لأنّها صورة الحياة عينها. التغيير تنكّر للحياة الجديدة، طعن فيها. لذا تقطع الهرطقة عن الله لأنّها تشوِّه صورة حياة الله في الكنيسة. مَن سلك قويماً في الكنيسة شهد قويماً ومَن سلك ملتوياً شهد ملتوياً. دونك عيِّنة من السلوك القويم ومن خلافه وكيف يفضي إلى شهادة فاسدة.

 

تقول مثلاً أنا لا أُقبِّل يمين الكاهن لأنّه إنسان أو تقول أنا لا أَقْبَل أن أُساهم القدسات بالملعقة لأنّ الملعقة أداة لنقل الميكروبات. تقول مثلاً إنّ الإيقونة قطعة فنّية ذات موضوع كنسي وتعرضها بجانب سواها من اللوحات الفنّية. تقول مثلاً إنّ الترتيل البيزنطي نمط موسيقي وتُقيم له حفلات على المسرح كغيره من الأنماط الموسيقية وتجعله مادة تعليمية لدُرّاس الموسيقى في الكونسرفتوار. تتعاطى الكتاب المقدّس كنصّ أو كأدب أو كثقافة. تدرّس اللاهوت كجملة مواد تعليمية في المعاهد والجامعات، لمَن يرغب. تتعاطى البناء الكنسي كبناء والفكر الكنسي كفكر والعبادة كطقوس والكنيسة عينها كواحدة من الديانات أو الطوائف. كل هذا وغيره الكثير تتحرّك على أساسه كل يوم ولا ترى فيه غضاضة. ولكنْ كلُّ هذا مؤشّر على وجدان كنسي غير قويم لأنّه ليس مشبعاً بالمنحى الإلهي الإنساني المفترض أن يكون. وفقاً لطبيعة الكنيسة الإلهية الإنسانية أنتَ تقبِّل يد الكاهن لأنّك ترى فيه إيقونة مرئية للمسيح غير المنظور. ولا تتعاطى القدسات، متى ساهمتها، من حيث هي ملعقة وخمر وماء وخبز بل من حيث هي المسيح يسوع عينه آتياً إليك في إيقونة الخبز جسداً والخمر دماً. في إطار الرؤية الكنسيّة تتعاطى الإيقونة لا باعتبارها لوحة كاللوحات ولا لقيمتها الفنّية بل لأنّها علامة حضور إلهي ومطرحُ تجلٍّ وموضع لقاء السماء بالأرض. الترتيل البيزنطي لا تقف فيه عند حدود النغم بل تتعاطاه كأداة عبادة تساعد الناس فيه ليرتفعوا إلى فوق وتستنزل فيه رحمات الله إلى مستوى عِشرة الناس. وماذا يُقال عن الكتاب المقدّس؟ بارَكَنا الربّ الإله بمَن كان لا يقرأ الإنجيل والرسائل إلاّ أمام الإيقونات وواقفاً أبداً في وضع الصلاة (راجع سيرة القدّيس سيرافيم ساروفسكي). والشيء نفسه يُقال عن كل أمر آخر في الكنيسة وما يختصّ بالمؤمنين. الكنيسة كيان فريد لا مثيل له في العالم. خطأ كبير أن نعتبرها واحدة من الديانات أو الطوائف أو مؤسّسات هذا الدهر.

 

الموضوع، أولاً وأخيراً، إذاً، هو موضوع وجدان كنسي ذي طابع إلهي إنساني فذّ. هذا ينبغي أن يكون لدينا واحداً ووجدان الكنيسة التاريخي التراثي وإلاّ لا نكون منها ولا ننتمي إليها. بغير هذا الوجدان نسقط في الضلال، نُسبى إلى بابل فكر هذا العالم، نمسي أرضاً خصبة لكل هرطقة!

Leave a Reply