معنى النسك المسيحيّ

الأستاذ قسطنطين سكوتيريس

ترجمة راهبات دير السيدةكفتون

على مدى وجودها التاريخيّ، استمرّت الكنيسة تدلي بشهادتها عبر تبشير لاهوتيّيها، الذي هو عبادتها العقليّة، كما عبر الحياة النسكية الشخصية التي عاشها قدّيسوها وشهادتهم. فالحياة النسكيّة لم تكن قطُّ خاصّيّة بعض أعضاء جسد المسيح. كانت بالأحرى دعوة كلّ مؤمن وطريقة حياته. في حياة الكنيسة القديمة، لم يشكّل اللاهوت والعبادة والممارسة النسكيّة قط ثلاثة مستويات منفصلة من الممارسة الكنسيّة، إنّما جاءت تعابير عن ضمير الكنيسة الواحد.

إنّ آباء الكنيسة لم يفهموا اللاهوت الكنسيّ كفرع من فروع الفلسفة، ولا كمذهب عقلانيّ أكاديميّ لإدراك المعاني المجرّدة. فهموه كخبرة الإيمان المُعاش، كما مارسها وعلّمها القدّيسون، وهم أفضلُ وأصدق حفَظَة للفكر اللاهوتيّ. يشدّد القديس باسيليوس الكبير على أنّ سرّ اللاهوت بحاجة إلى تصديق الإيمان غير المتزعزع: “عسى أن يأتي كلام اللاهوت مَقودًا من الإيمان. الإيمان لا البرهان. الإيمان الذي يجتذب الوسائل العقليّة من النفس إلى التسليم بالله. هذا الإيمان لا يتولّد عن الضرورة المنطقيّة لا يتولّد عن الضرورة المنطقيّة الهندسيّة، إنّما من فعل الروح القدس“. ويشير القديس غريغوريوس اللاهوتيّ إلى أنّ الإيمان هو كمال المنطق. فعلى العموم، الإيمان والحياة العمليّة متشابكتان باللاهوت. يقول:”هل تودّ أن تصير لاهوتيًّا؟ احفظ الوصايا واسترشد بها. فالأمورالعمليّة تستند على الأمور النظريّة“. بالتالي، إنّ لاهوت الكنيسة الحيّ أتى ثمرة الرحلة الروحية للمؤمن، ونتيجة دخوله في خبرة التقديس المتوفّرة له كلّما دخل في شركة مع الله.

إنّ رحلة المؤمن الروحيّة هذه محبوكة بشهادة العهد الجديد، وبشركة الكنيسة، كما تعبّر عنها جماعة المؤمنين يوميًّا في عبادتها العقليّة، لاسيّما في اجتماع الإفخارستيا. بفضل حياة العبادة، والإفخاريستيّا بشكل خاصّ، يرتقي المؤمن إلى مستوى جديد وفريد معًا من العلاقة بالله، وبقريبه، وحتى بنفسه. فدورة العبادة في الكنيسة تشهد لسرّ خلاص الإنسان وتاريخ العالم. في كلّ اجتماع إفخارستيّ للمؤمنين، يتحقّق سرّ الكنيسة، هذا الاتحاد الفريد بين الله والإنسان، بين الإنسان وأخيه، وبين الإنسان والعالم. في الإفخاريستيّا تصبح المجموعة واحدًا. ” فنحن على كثرتنا خبز واحد وجسد واحد، لأنّنا نحن كلّنا نشترك في هذا الخبز الواحد“(1كور10: 17). وليست الوحدة الإفخاريستيّة، أي وحدة الكنيسة، تآلفًا خُلُقيًّا، أعني اتحادًا شكليًّا مبنيًّا على العواطف، أو على الخبرة البشريّة والمصالح، أو على السلوك الخارجيّ، بل هي علاقة جوهريّة بسرّ المسيح. إنّها الخبز الذي يحفظ الحياة وتكامل الجسد. “ما أعطاكم موسى الخبز من السّماء، أبي وحده يعطيكم الخبز الحقيقيّ من السماء. لأنّ خبز الله هو الذي ينزل من السماء، ويعطي العالم الحياةأنا هو خبز الحياة من جاء إليّ لا يجوع، ومَن آمن بي، لا يعطش أبدًا“(يوحنا 6: 32-33، 35).

الحياة في الكنيسة، أعني الاشتراك في خبز الحياة، تفترض التسليم بحرّيّة الإنسان. لا يمكن قصر حرّيّة الإنسان في أيّ ظرف من الظروف. وإنّما يصبح المؤمنون سرّ الجماعةلأنّهم يقبلون بحرّية الحياة الجديدة في المسيح. يعني هذا أنّ كلّ مؤمن يحدّد مَسار وجوده في خطّ مستقيم هو خطّ الحياة في المسيح، وذلك بقدر ما يمكنه، وبحسب عطيّة الله له، لكلّ إنسان هبة خصَّها الله بها، فبعضهم هذه، وبعضهم تلك” (1كور7:7). في الكنيسة، ليس ما يتمّ بالسِّحر، من دون رضى المؤمن وجهاده الشخصيّ. فمشاركة سرّ المسيح عطيّة مجّانيّة ونتيجة جهد المؤمن الخاصّ في آن. وحياة الكنيسة، هذه العطيّة من الله الذي يحيي كلّ شيء” 1تيم6: 13)، هي دعوة دائمة إلى اجتهاد المؤمن الشّخصيّ. هذا يعني أنّ حياة المسيحيّ هي صراع ليس فإنّ مصارعتنا ليست ضدّ لحم ودم، بلضدّ الرّئاسات، ضدّ السلاطين، ضدّ ولاة العالم، عالم ظلمة هذا الدّهر” (أفس6: 12). ينصح القدّيس غريغوريوس النّيصصي الإنسان المستنير حديثًا بأن يأخذ الوزنة ويبذل جهده، مشيرًا إلى الموهبة المجّانيّة التي يتلقّاها المؤمن في المعموديّة. هكذا، تظهر حياة الكنيسة وهي فريدة من نوعها، إلهيّة وبشريّة معًا، تظهر في كلّ مؤمن، على قدر مساهمته الفرديّة. فبقدر ما يدلي المؤمن بشهادته الخاصّة وبرهانه العمليّ، بقدر ما يلقى نصيبًا في الشركة الإلهيةّ. بكلام آخر، الشركة في الكنيسة حقيقة مطروحة أمام كلّ مؤمن، وواقع يكتسبُه باستمرار. لا جمود هنا، بل اطّراد وتقدّم لا يتوقّفان، يحقّقهما المؤمن يوميًّا بجهده الشخصيّ اليوميّ. إنّ عنصر الديناميكيّة من مزايا الحياة المسيحيّة، لأنّ الاتحاد بالله ليس له انتهاءٌ ولا حدود. الله غاية المشتهى، والرحلة إليه مسيرة إلى نهاية الكمال الذي لا ينتهي.

يتوفّر الاتحاد بالله ضمن الكنيسة بحسب العمر الروحيّ لكلّ مؤمن. معنى ذلك أنّ الجهاد الشّخصيّ، والنسك المسيحيّ شرطان مسبقان يحدّدان وجوده كعضو في جسد المسيح. النسك طريقة حياة كلّ الذين نالوا بركة الانتماء إلى الأسرة الجديدة في الكنيسة. إنّه لمن الخطأ أن ننظر إلى النسك كنهج حياة يخصّ الرهبان، أو الذين وقفوا أنفسهم لخدمة الكنيسة، دون سواهم. طبعًا إنّ الرهبان والراهبات منوطين بتكريس ذواتهم لحياة النسك بكلّ ما في كيانهم من طاقة. إلاّ أنّ هذا لا يعني أنّ العلمانيّين الذين يعيشون ويعملون في العالم لا يمكنهم تذوّق ثمار النسك المبارك الطيّبة. فالحياة المسيحيّة تستند أوّلاً وأخيرًا على التعاطي اليومي لتعاليم الكنيسة. وعيش تعليم الإنجيل هذا هو واحد، مطروح من غير تمييز أمام أعضاء جسد الكنيسة كافّة. إذًا فالحياة النسكيّة هي نهج حياة يتّصل بكلّ مسيحيّ، وينفذ إلى كلّ تعبير في السلوك. الممارسة النسكيّة التي يتعهّدها كلّ مؤمن يدخل جسد الكنيسة تعبّر عن خبرته الشخصيّة الحيّة لوديعة الإيمان الواحد وللتصرّف المسيحيّ الفريد. في رئالته إلى أهل أفسس، يحدّد بولس الرسول الصراع الذي يتعهّد المؤمنون خوضه عندما يختارون الانضواء تحت لواء المسيح كجنود وخدّام له:

أخيرًا يا إخوة، تقوّوا في الرب وفي عزّة قدرته، إلبسوا سلاح الله الكامل لتستطيعوا أن تقفوا ضدّ مكايد إبليس، فإنّ مصارعتنا ليست ضدّ لحمٍ ودمٍ، بل ضدّ الرئاسات، ضدّ السلاطين، ضدّ ولاة العالم، عالم ظلمة هذا الدّهر، ضدّ أجناد الشرّ الروحيّة في السماويّات. فلذلك احملوا سلاح الله الكامل لتستطيعوا المقاومة في اليوم الشرّير، حتى إذا تمّمتم كلّ شيء تثبتون. فاثبتوا إذن، ممنطقين أحقاءكم بالحق، ولابسين درع البرّ، وأنعِلوا أقدامكم باستعداد إنجيل السلام، واحملوا علاوة على كلّ ذلك ترس الإيمان الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرّير الملتهبة، واتخذوا خوذة الخلاص وسيف الروح الذي هو كلمة الله” (أفسس6: 10-18).

لم تكن الحياة النسكيّة قط في الكنيسة غاية بحدّ ذاتها. ولا كانت يومًا استعبادًا للجسد يؤدّي إلى نوع من الأنانيّة المريضة. النسك الذي تنادي به الكنيسة هو حفظ وصايا الإنجيل، وهذا غايته أن يرفع الإنسان إلى مستوى دعوته الحقيقيّ. إنّه طريق تقود إلى الشركة مع الله والمشاهدة الإلهيّة (ثيوريا). النسك يستند على الإيمان، يعني على تراث الكنيسة العقيديّ، وهو يرمي إلى الكمال الروحيّ للإنسان. ويتراوح النسك المسيحيّ بين قطبين: “أحبّ الربّ إلهك من كلّ قلبك، ومن كلّ نفسك ومن كلّ عقلك، وأحبَّ قريبك كنفسك” (متى 22: 37-39). فتلعيم الكنيسة كلّه فيما يختصّ بالسلوك المسيحيّ يستند إلى هتين الوصيّتين. وكلّ مؤمن مدعوٌّ إلى بذل قصارى جهده في معركته الروحية الشخصيّة إجابةً إلى تلك الدعوة الإلهيّة. فالنسك إذًا هو أن يقف المرء نفسه كلّها لمحبّة الله ومحبّة إخوته البشر، أعني بكلّ ما يؤتاه الإنسان من قوّة.

إنّ النهج النسكيّ دعوة توجّهها الكنيسة إلى سائر أعضائها. فالنسك فلسفة وموقف من الحياة. عبر طريق النسك يُرفَع الإنسان إلى مستوى الحرّية الحقيقيّة. ينعتق من كلّ الواجبات التي يتطلّبها المجتمع المبنيّ على محوريّة الأنا، لا سيّما المجتمع المعاصر. في الواقع، إنّنا نعيش في عالم يعطي الأولوية لكلّ ما هو سهل المنال ومريح، ولكسب الخيرات المادّيّة وبحبوحة العيش الرغيد. مجتمعنا مجتمع جشع، يعلّق وسام النجاح لكلّ من يعيش في الرفاهيّة، وويتمتّع بوفرة الممتلكات والتسهيلات بأقلّ جهد ممكن. ولكنّ الذهنيّة الجشعة لها عواقب وخيمة على الإنسان، لأنّه، في آخر تحليل، يضيّع حياته جريًا خلف أحلام واهية. إنّما الجشع لا يعرف حدودًا، ولا يوفّر للإنسان السعادة والرضى الداخليّ إطلاقًا. وذلك لأنّ الإنسان الذي يعيش في هذا العالم يبقى يشتهي الأشياء المادّية، مهما يعطى له ، ومهما توفّرُه له فرص الحياة. اإنسان الجشع لا يرضى بما يملكه، ولو ملك كلّ ما يمكن أن تطاله يده في هذه الدنيا. والعكس صحيح، فالإنسان الروحانيّ، يتمتّع بغنى لا حدود له، لأنّه تعلّم أن يرضى بضروريّات المعيشة لا أكثر. “فما جئنا العالم ومعنا شيء، ولا نقدر أن نخرج منه ومعنا شيء. يكفينا القوت والكسوةفحبّ المال أصل كلّ شرّ، وبعض الناس استسلموا إليه، فضلّوا عن الإيمان وأصابوا أنفسهم بأوجاعٍ كثيرة“(1تيم6: 7-9).أمّا الذين أدركوا معنى النسك المسيحيّ وتقشّف الإنجيل، أعني القدّيسين في كنيسة الله، فهؤلاء فقراء ويغنون كثيرًا من الناس، لا شيء عندهم وهم يملكون كلّ شيء” (2كور6: 10).

إنّ غياب الذهنيّة النسكيّة عن الإنسان، عدا عن أنّه يرميه في بحر من الشكوك والقلق الشخصيّ، له عواقب وخيمة على صعيد العالم كلّه. فالمشاكل المتعلّقة بتدمير البيئة وبالمواد الغذائية المغشوشة والمضرّة تُعزى لحدّ كبير إلى الطمع، حيث يتعدّى الإنسان على الطبيعة من أجل كسب مقدار أوفر من الثروة الماديّة. بالتالي، فإنّ الخليقة كلّها تئنّ حتّى اليوم من مثل أوجاع الولادة” (رو8:22). في نهاية المطاف، لقد أدخل الإنسان نفسه، بسبب جشعه، في دوّامة لا يستطيع الخروج منها، إلاّ إذا أدرك بكامل وعيه أنّ طريق النسك المرضيّة لله هي مخرجه من المأزق الذي وصل إليه اليوم. بحياة النسك يتمكّن الإنسان من إدراك قيمة الأمور، وتسبيح الله على هباته، والأهمّ أنّه يدرك حدوده، ويتسنّى له أن يقيس تقدّمه في حياته على ضوء الأبديّة.

لا بدّ من التشديد على أنّ الحياة النسكيّة ليست إطلاقاً انكفاءًا عن الحياة، ولا ازدراءً بالخيرات المادّية التي وهبنا الله إيّاها لنتمتّع بها. إنّما هي مجرّد تقييم للأمور، وجهاد المؤمن حتى يبقى على مسافة منها، فلا يمسي ما يقدّمه له هذا الدهر جوهرَ حياته وغاية وجوده. إنّ النسك يقظة مستمرّة، بها يعي الإنسان أنّ الحياة وأمور هذه الدنية كلّها زائلة، والآن يبقى الإيمان، والرجاء، والمحبّة، وأعظم هذه الثلاث هي المحبة” (1كور13:13). والمؤمن الذي يعيش بحسب شريعة الإنجيل ووعد الكنيسة لا يرفض العالم. فالنسك المسيحيّ يعترف بالجسد وبالخيرات المادّية التيي يهبها الله، شرط ألاّ تُعطى صفةً مطلقة، ولا تصير حاجزاً يحول دون الحفاظ على محّبتنا لله ولأخينا الإنسان، ودون تنمية هذه المحبة. لهذا فالنسك المسيحيّ ينظر نظرة إيجابية إلى الدنيا وإلى الخيرات المادّيّة، عندما لا تحيد بالإنسان عن التكريس لله وعن محبّة القريب.

إنّ تراث آباء الكنيسة يفهَم النسك كعلاج لشخص الإنسان. فالإنسان يحيا حالةَ مرَضٍ منافية لطبيعته بسبب الخطيئة. لقد ابتعد عن الله، وتغرّب عن أخيه الإنسان، وأمسى منقسماً في عمق كيانه. أجل، إنّ الإنسان الخاطىء لمريض، وهو شخصيّة منفصمة، بحاجة إلى تسوية وشفاء. ليس من باب الصدفة أن نجد في عصرنا ازدياداً للأمراض النفسيّة والاضطرابات العصبيّة في المجتمعات الميسورة. ونجد عند بولس الرسول وصفاً لحالة الإنسان الذي يمزّقه هذا الانقسام: “وأنا في أعماقي أبتهج بشريعة الله ولكنّي أشعر بشريعة ثانية في أعضائي تقاوم الشريعة التي يقرّها عقلي، وتجعلني أسيراً لشريعة الخطيئة التي في أعضائي. ما أتعسني أنا الإنسان! فمن ينجّيني من جسد الموت هذا؟!” (رو7: 22-24). ولكن، بالنسك وبالتطبيق الصادق للإنجيل، بلغ القديس بولس من سموّ القداسة ما حمَلَه على القول: “مع المسيح صُلبتُ فما أنا أحيا بعد، بل المسيح يحيا فيّ” (غلا2:20). إنّ النسك المسيحيّ يحرّر الإنسان حقيقةً من تلك القيود والعواقب التي تسمّره في نهج حياة مادّيّ النزعة.

عندما نتكلّم على النسك كوسيلة تمنح الإنسان التوازن والشفاء، طبعاً لا نعني به جَهداً فرديًّا أو تمرينات روحية قائمة على أساس قدرات الناسك الذي يمارسها وطاقته وحدها. إنّما النسك المسيحيّ هبة من الله، عطيّة يخصّ الله بها، ضمن الكنيسة، جميع الذين ينظرون إلى تعاليم الإنجيل بعين الجدّيّة. النسك المسيحيّ يتداخل ونعمة الله، وهو نمط حياة كنسيّ. هذا معناه أنّ النسك لا يتمّ فعلاً ولا يثمر إلى مئة ضعف إلاّ ضمن الكنيسة. هذا لا يتحقّق إلاّ بالوسائل المختبرة الممحّصة التي لا تنفكّ الكنيسة تعلّمها وتطبّقها. في شركة الكنيسة، وبمؤازرة الله، تتوفّر للمؤمن الشروط المسبقة الوافية لكي يفلح في جهاداته. والمؤمن يستمد قوّة من الجهادات التي يبذلها في النسك إخوته وأخواته، ضمن الكنيسة. وله في قدّيسي الكنيسة مثالاً لحياته. إنّ القدّيسين الذين عاشوا في مختلف العصور خبِروا في العمق التجارب نفسها. هؤلاء، بالنسك ومزاولة الكلمة الإلهية بحرارة، ونجحوا في أن يصبحوا لله أصدقاء مختارين. القديسون أمثلةٌ حيّةٌ تضعها الكنيسة إزاء المؤمنين لتؤكّد لهم أنّ طريق النسك والقداسة ليست سراباً بل مكسباً في متناول اليد يجعل من الإنسان صورة حيّةً لله.

إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ النسك المسيحيّ يعمل ضمن إطار شركة الكنيسة. فليس النسك هنا معركة يخوضها فرد منعزل لكي يبلغ إلى درجة معيّنة من كمال الأخلاق. إنّما النسك نمط حياة يتحقّق في إطار العيش مع عدد من الإخوة والأخوات، هم رفاق النسك. ويؤكّد الطابع الكنسيّ الذي يتّصف به النسك المسيحيّ أنّ المؤمن لا يسير في رحلة النسك تلك على مقاييسه الخاصّة، بل يفحص أبوه الروحيّ جهاده، على ضوء ما أوتي هذا الأخير من حكمة وخبرة. من دون أبٍ روحيٍّ ينصح ويعزّي ويوجِّه، مصير النسك فشل محتَّم، وقد يؤدّي إلى التطرّف المتشدّد fanatism أو إلى التركيز المفرط على الأنا. وقد يُستنفَد كلّه في محاولة اكتساب فضائل معيّنة. أمّا النسك ضمنَ الكنيسة فيخضع لحكم الأب الروحيّ، الذي يستطيع أن يحمي الإبن الروحي، ويوجّهه إلى الطريق الصحيحة بفضل خبرته النسكية الخاصّة ونعمة الكهنوت. هذا النسك الذي يمرّ بعلاقة الأبوّة والبنوّة الروحيّتين مبنيّ على تراث الكنيسة العريق وخبرتها الطويلة.

النسك ضمنَ الكنيسة هو مسيرة توبة لا تنتهي، واستعداد مستمرّ للتغيّر والعودة إلى الله. هذا ينطبق على كلّ مسيحييّ من دون اشتثناء، سواءٌ يعيش في العالم او يسلك في التكريس الرّهبانيّ. في الكنيسة، ليس المقياس الذي على أساسه يُدان الإنسان ما عنده من فضائل أو رذائل، بل عزمه الواعي على تغيير حياته بوساطة توبة صادقة، وعلى التوجّه بكامل وجوده نحو حياة الله. بالتوبة يلبّي المرء دعوة المسيح، وهو الذي استهلّ كرازته باستدعاء الناس كافّة إلى التوبة. “وبدأ يسوع من ذلك الوقت يبشّر فيقول: “توبوا لأنّ ملكوت السموات اقترب” (متى4:17). إنّ التوبة، وهي رذل الخطيئة والعودة إلى الله، تشتمل على موقف المسيحيّ بعامّة. التوبة تعني موقفاً من الحياة، وليست وصيّة خلُقيّة يجدر بالمرء اتباعها. إنّها تغيير جذريٌّ للذهن، وخيار وجوديّ حرّ يعود بموجبه المرء إلى أبيه، كالابن الشاطر في المثل الإنجيليّ، الذي كان ميتاً فعاش، وكان ضالاًّ فوُجِد“(لو15:11-32).

إنّ الحياة الرّهبانية، بشكل خاصّ، هي حياة توبة مستمرّة مكثّفة، حياة موجّهة صوب العودة إلى الله. بالعفّة والفقر والصوم والأسهار، وسواها من أعمال النسك، يحاول الرّاهب أن يتخلّص من التفكير الدّنيويّ، وأن يغيّر طريقة تفكيره ويحيا حياة مختلفة من حيث قيمتُها الروحيّة. يرمي الراهب أو الراهبة إلى عيش سرّ التوبة التي بحسب المسيح عيشًا مطلقًا أصيلاً. من هنا أنّ الرهبانيّة هي شكل من أشكال الحياة المسيحيّة يهدف إلى الاشتراك في حياة الله وإلى الصلاة المتواصلة. في الحياة الرّهبانيّة، يتآلف النسك والمحبّة، والعشق الإلهي، كما يقول الآباء الهدوئيّون. ومثل أيّ نسك آخر، ليس النسك الرّهبانيّ أمرًا كرهيًّا، ولا هو رفض لحرّيّة المرء، بل يأتي نتيجة الخيار الحرّ والمحبّة عند الراهب أو الراهبة.

ولا يقتطع النسك والعشق الإلهيّ الراهبَ عن جسد الكنيسة. ليس الرّاهب فقط مَن زهد بالعالم وبأمور الدّنيا. فالراهب لا يترك جماعة الكنيسة، بل يحيا ضمنها، وحياته كلّها انعكاس للحياة الكنسيّة. الراهب مشغوف بالله ويحاول نيل رضى الله بذبائحه النسكيّة، وبهذا يحاول أن يوطّد قداسة جسد الكنيسة بأسره. فقداسة الراهب تنتقل سرّيًّا إلى جسد الكنيسة بكامله، لسَدِّ حاجات الإخوة القدّيسين” (2كور9: 12). بحياة القداسة التي يعيشها، يشفي الراهبُ الإنسانَ ويقدّس الخليقة. إنّ موهبة الراهب الخاصّة ضمن الكنيسة توضحها جليًّا أقوال إفاغريوس البنطيّ الأربعة في الحياة الرّهبانيّة:

  1. طوبى للراهب الذي يرى بفرح وابتهاج خلاص الآخرين كلّهم وتقدّمهم كأنّهما لنفسه

  2. طوبى للراهب الذي ينظر إلى كلِّ إنسان، بعد الله، كأنّه الله نفسه

  3. الراهب دائماً منفصلٌ عن الناس، ومتّحدٌ بهم جميعاً

  4. الراهب هو من يرى نفسه في كلّ إنسان من دون استثناء

إنّ النسك يشفي إرادة الإنسان، أيًّا يكن الشكل الذي يتّخذه ضمن جسد الكنيسة. بالنسك يتّجه الإنسان نحو الله فيأتي عمله للخير طبيعيًّا، لا كمن يطبّق وصيّة خلُقيّة، لأنّ إرادته تحرّرت من سائر العناصر التي تخلّ بكيانه. بالنسك المبارك، الذي يتمّ ضمن الكنيسة ووفقًا لمناهج الكنيسة المجرّبة المختبرة، يُزال الانقسام الناجم عن الخطيئة في مختلف مستوياته، وتُستعاد شركة الإنسان بالله وبأخيه الإنسان، وهكذا يتمّ بناء الإنسان الجديد الذي خلقه الله على صورته” (أفس4:24).