الإنسان العقلاني بحسب القديس أنطونيوس

الإنسان العقلاني بحسب القديس أنطونيوس

د. قسطنطين كافارنوس

القديس أنطونيوس (250-356) هو أحد أكبر معلمي الحياة الروحية في المسيحية الشرقية، وقد تمتّع بأعلى درجات الاحترام لدى مسيحيي الشرق منذ زمانه حتى الحاضر. أحد أبرز محبّيه كان القديس أثناسيوس الذي عرفه شخصياً وكتب سيرته التي هي أهمّ مصادر ما نعرف عنه. من محبيه البارزين أيضاً القديس مكاريوس مطران كورنثوس (1731-1805) والقديس نيقوديموس الأثوسي (1748-1809) اللذين أدرجا في مطلع الفيلوكاليا، التي جمعاها ونقحاها وطبعاها سنة 1782، عملاً يحتوي الكثير من الأقوال والملاحظات التي نُسبَت إلى القديس أنطونيوس.

بالرغم من أنه كان أميّاً، صار القديس أنطونيوس رجلاً ذا حكمة وفهم روحيين مميّزين، قادراً على تعليم الآخرين بكلمة الفم في ما يتعلّق بخليقة الله وتدبيره ونعمته، وفي ما يختصّ بالطبيعة والمصير البشريين، والسبل التي تؤدّي بالإنسان إلى الكمال الشخصي والخلاص. أجزاء من تعليمه، بما فيها تلك التي يحويها العمل المذكور أعلاه، سجّلها آخرون ممن استمعوا إليه وتأثروا بقيمته وذلك للتذكير بشخصية الناس والحياة الفاضلة. الكثير من الأفكار المميزة محتواة في مجموعة الأقوال هذه. إحدى هذه الأفكار هي الإنسان العقلاني“. قد قيل الكثير عن هذا الموضوع بشكل مبعثر وليس في جزء محدد منفصل. وإذ أتمنّى أن أقدّم تعليم القديس أنطونيوس حول هذا الموضوع بشكل دقيق ومعبّر قدر الإمكان، فقد ترجمتُ المقاطع المعنيّة عن النص اليوناني الموجود في الفيلوكاليا، وجمعتها بنفس التسلسل الذي يظهر في هذا العمل، وقدّمتها كما يلي مع بعض الملاحظات التفسيرية.

الإنسان العقلاني عند القديس أنطونيوس ليس المتعلّم ولا الباحث، ولا المفكّر المجادل أو المتأمل. إنه الإنسان المتمحور حول الله، الذي يوجّه كلّ فكره وطموحه نحو الله، الذي تحوّل بشكل قاطع عن الأرضي والمؤقّت نحو السماوي والأبدي؛ الذي يختار الصلاح ويعمله ويتلافى الشر، أو أقلّه يسعى بشكل واعٍ إلى ذلك. إنه الرجل الذي غيّر داخله بشكل جذري.

المَلَكة العقلانية بالنسبة للقديس أنطونيوس أي الصفة المميّزة للإنسان، هي ما يفرّقه عن البهائم ويجعله قريباً من الله ويوحده به. يفهم هذه المَلَكة على أنها قبل كل شيء قوة فهم القيَم، تمييز الخير عن الشر، تنظيم حياة الإنسان الداخلية والخارجية، مع الرغبة في اكتساب أو صنع ما هو صالح وتجنّب أو تخطي الشر، والتأمّل بالله. بتعبير آخر، إن مهمة العقل التي تُعتَبَر مهمّة ليست التحزرية بل الأخلاقية، ولا الخطابية بل البديهية و التأملية.

تحضر هذه المَلَكة بحسب قديسنا في أغلب الناس بحالة كامنة غير ناشطة، ميتة كأخلاقية وقوة تأملية. الناس، بدلاً من أن يحكمهم العقل، تسيطر عليهم الرغبات غير العقلانية، وبدلاً من أن يكون اتجاههم، كما ينبغي أن يكونوا، إلى الأبدي والإلهي، فهم غارقون في الوقتي والمادي. إن نفوسهم في حالة من الظلام مجردةً من النور الإلهي. هذا يتبعه أنهم ، بالمعنى الدقيق للكلمة، ليسوا بشراً. وحده الإنسان العقلاني، صاحب الملَكة العقلانية الناشطة العاملة هو إنسان بالمعنى الدقيق للكلمة.

واضح أن الإنسان العقلاني عند القديس أنطونيوس ليس إلا إنسان الرسول بولس الجديد (روما 2:12)، أي المتصوّف المسيحي، القديس، أو مَن هو على الطريق ليكون كذلك.

قد يبدو تعليم القديس أنطونيوس غريباً بالنسبة للكثيرين من المسيحيين غير الأرثوذكسيين لأن المسيحية الغربية مالت إلى نفي العقل من الحياة الروحية أو أقلّه إلى تقليص دوره. من جهة أخرى، الأرثوذكسيون المتآلفون مع تقليدهم الطويل، سوف يجدون أن هذا تعليمهم وموقفهم التقليدي معبَّراً عنه بطريقة مؤكّدة واضحة.

التّعليم النسكيّ واللَّاهوتيّ عند القدّيس غريغوريوس پالاماس

التّعليم النسكيّ واللَّاهوتيّ عند القدّيس غريغوريوس پالاماسi

للمتروبوليت باسيليوس كريڤوشاينii

ترجمة الراهبة إيوانّا كعدي

حتّى يومنا هذا، لا يزال قسم كبير من أعمال القدّيس غريغوريوس پالاماس غير منشور أو غير معروف. كما أنّ نشر أعماله الكاملة (وتلك الّتي كتبها تلاميذه أو خصومه) قد تكون مقدّمة لمتابعة دراسة تعاليمه، وحياته ونشاطاته. لا ندّعي إطلاقاً، في هذا العمل الذي بين أيدينا، تقديم بحث تامٍّ وشاملٍ ومستنفذا.عن القديس غريغوريوس پالاماس.

القاعِدة النسكيّة-المعرفيّة gnoséologiqueiii لتعليم القديس غريغوريوس پالاماس

يمكن وصف الحياة الدينيّة، سواءٌ أفهمناها كاتّحادِ الإنسان مع الله أم كإدراكٍ لله من قِبَل الإنسان. بأنّها علاقة متبادلة وتفاعليّة بين الله والإنسان، بين الخالق وخليقته. فلذلك، إذا أردنا أن نفهم تعليم كلّ معلّمٍ روحيّ، وهنا غريغوريوس پالاماس (1296-27 تشرين الثاني 1359)، يجب أن نكتشف أوّلا كيف يَفْهَم هذا المُعَلِّم إمكانيّة الاتّحاد بين الله والإنسان، وكيف يُفكِّر بوسائل مقاربة الله وقدرة الإنسان على مثل هذا التصوّر. وما يراه من الطرائق لفَهم اللهٌ وقدرة الإنسان على مثل هذا الإدراك. هذا ما سيُشكِّل، إن أمكن القول، الركيزة النسكيّة-المعرفيّة لمنهج اللاهوت الذي يهمّناiv. فلنتفحّص إذاً الخطوط الرئيسة لهذا القسم من تعليم القديس غريغوريوس پالاماس، قبل أن نعالج عقائده اللاهوتيّة البحتةv.

إنّ مسألة إمكانيّة ووسائل مقاربة الله تحتلّ مكانة هامّة نِسبيّاً في أعمال غريغوريوس پالاماس. ما يجدر ذكره في البداية، هو أنّ غريغوريوس يبدأ بتأكيد استحالة إدراك الله بواسطة العقل، والتعبير عنه بوساطة الكلمات. فكرة أنّ الله لا يمكن معرفته بطريقة عقليّة هي مرتبطة بتعليم القديس غريغوريوس پالاماس حول طبيعة الله، لكنّنا سنقتصر هنا على البعد المعرفيّ للمسألة. على كل حال، لا شيء جديداً في هذا التأكيد. فإنّ غريغوريوس يَتمَوْضَعُ- وهذا ما يميّز تماماً الأرثوذكسيّة الشرقيّة – على صعيد اللاّهوت التنزيهيّ Apophatique، في الخطِّ المستقيم لتقليد القديس غريغوريوس النيصصي وديونيسيوس الاريوپاجي. فهو مِثلَهم يؤكّد استحالة تحديد الله، والتعبير عنه بأيّ اسم. هكذا، فالقول إنّ الله “لجّة نِعَمvi” abîme de grâce، يستدعي مباشرة تصحيحاً. “لكن بدقّة أكبر، فإنّ هذا الذي يحتوي هذه اللّجة abîme، يتسامى على كلّ ما يمكن أن نفكّر فيه أو أن نسمّيه”vii. إنَّ معرفة الله الحقّة لا يمكن الحصول عليها، لا بوساطة دراسة العالم المخلوق والمنظور، ولا بالجهد العقلي للنفس البشريّة. وحتّى الخطاب الفلسفيّ اللّاهوتيّ الأكثر تجريداً وذكاءً لا يمنكه أن يوفِّر رؤية حقيقيّة عن الله أو عن الاتّحاد به. “وحتّى عندما نفكّر لاهوتيّاً أو فلسفيّاً بمسائل منفصلة كليّاً عن المادّة”، يكتب القديس غريغوريوس پالاماس،” فإنّنا نقترب من الحقيقة ولكنّنا نبقى مع ذلك بعيدين جدّاً عن رؤية الله، وأيضًا غرباءَ عن الاتّحاد به بما أنّ الامتلاك (الله) يتميّز عن المعرفة. التكلّم على الله، والشركة معه [συντυγχάνειν، ليسا الشيء نفسهviii. هذا ما يفسّر موقفه تجاه شتّى أشكال الأنظمة العلميّة، منطقيّة كانت أم تجريبيّة؛ إنّه يعترف بقيمتها النسبيّة فيما يتعلّق بدراسة العالم المخلوق. وفي هذا المجال، يبرّر أساليبه– القياس العقليّ، والبراهين المنطقيّة، والأمثلة المأخوذة من العالم المرئيّ. أمّا في ما يتعلّق بمعرفة الله، فهو يؤكّد عدم كفايتها، ويعتقد أنّه يجب حتى ألّا تستخدم أبداًix.

حقيقة أنّ الله لا يمكن أن يـُعرف عقليّاً، لا تقود مع ذلك القديس غريغوريوس پالاماس إلى الاستنتاج أنّ الله غير معروف كليّاً وليس بمتناول الإنسان. إنّه يؤسّس لإمكانيّة اتّحاد الإنسان بالله، على خصائص الطبيعة البشرية. وعلى مكانة الإنسان في الكون. فلنَتَفَحَّص قليلاً عن كثب تعليم القدّيس غريغوريوس عن الإنسان. فكرته الأساسيّة، التي غالباً ما نجدها في أعماله، هي أنّ الإنسان خُلِق على صورة الله ومِثاله، وأنّه يحتلّ مكانة مركزيّة في الكون. الإنسان، المخلوق على صورة الله والجامع في ذاته العالم الماديّ وغير الماديّ(بما أنه مكوّن من نفس وجسد)، يظهر للقديس كنوعٍ من عالَمٍ مُختزَل، وعالم صغير يعكس الكونَ ويوحِّده معه في كلٍّ واحدٍ. ويكتب “الإنسان، هذا العالم الأوسع والمضمون في عالم أصغر، يجمع كل ما هو موجود في كلٍّ كامل، ويتوّج خليقة الله. لذلك خُلِق بعد الخلائق كلّها، كأنّنا نضع خاتمة في نهاية الكلام. ويمكننا أن نُسمِّيَ هذا الكون عمل الكلمة الاقنوميّx.” هذا التعليم عن الإنسان (الذي توجد عناصره عند غريغوريوس النصَصي) موسَّعٌ لدى غريغوريوس پالاماس، ومرتبط بمسألة الصلة بين الطبائع الملائكيّة والبشريّة، ومسألة قيمة الجسد البشريّ. خلافاً للفكرة السائدة التي تقول إنّ الملاك، كونه روحاً مجرّدة، أسمى من الإنسان، فهو يعلّم أن الإنسان يمتلك المثال الإلهي بمقدار أسمى من الملاك. ويكتب أيضاً “على الرغم من أنّ الملائكة هم أسمى منّا من نواح عديدة… غير أنّهم أدنى منّا … ذلك يعني أنّنا قد خُلِقنا على مِثال الله بمقدار أكبرxi. كون الإنسان لديه تشابه أكبر مع الله، يظهر أولاً في ما يلي، بينما تنحصر خدمة الملائكة بتنفيذ أوامر الله، فإنّ الإنسان، بصفته تحديدا كائناً أرضيّاً ونفسيّاً- فيزيولوجيّاً (بسيكو- فيزيولوجي)، مُعَدٌّ لأن يكونَ سيد الخليقة كلّها وأن يملِكَ عليها. “بينما الملائكة معيّنون لخدمة الخالق، ورسالتهم الوحيدة أن يَخضَعوا للسلطة (لم يعطَ لهم أن يسودوا على كائنات أدنى، إلاّ عندما يُرسلون لهذا الأمر من قبل مُخَلِّص الكل)، أمّا الإنسان، فهو مُعدّ ليس فقط ليكون خاضِعاً، بل ليَحكُم كلّ ما هو على الارضxii. فكرة كون الإنسان موهوباً بشَبَهٍ إلهيّ بدرجة عالية، موسّعة في التّعليم المتعلّق بالجسد البشريّ وما يعنيه في حياة الإنسان الروحيّة. يجدر بنا أن نُـنـَوِّه إلى أن غريغوريوس پالاماس كان معادياً شديداً للنظرية القائلة إنّ الجسد هو بحدّ ذاته مبدأٌ سيّئ ومصدر للخطيئة. إن رأياً كهذا يبدو له إفتراءً على الله، خالق الجسد، ومتأّتياً عن تحقير مانويّ، ثنائيّ للمادة . وقد ألّف أيضا حواراً طريفاً مكتوباً بأسلوبٍ مُبهِرٍ ضدّ الروحانيّة المانويّة الأُحاديّة الجانب، والتي بموجبها تنقاد الروح إلى الخطيئة عن طريق الجسد، وأنّ صِلاتَها بالجسد قد تكون سبب الخطيئة. في هذا الحوارِ، يُـشدِّد بقوّةٍ على أنَّ الجسدَ ، كما النفس، قد خلقه الله، وأنّ الإنسان ليس نفساً فقط، ولكنّه اتّحاد الجسد والنفس. “ليس الإنسان نفسا فقط ولا جسدا فقط، إنّما هو الإثنان معاً، فهما مخلوقانِ على صورة اللهxiii.” غالباً ما نجد هذه الفكرة عند غريغوريوس پالاماس. الجسد يعكس الصورة الإلهيّة كما تعكسها النفس، هذا ما يثبت نظرته بأنّ الإنسان، وتحديدا لأنّ له جسداً، هو في الواقع ممهورٌ بخاتـَم الشَبَه الإلهي أكثر من الطبائع الملائكيّة الروحيّة البحتة. فالإنسان أقرب إلى الله (وذلك كونه مخلوقاً، أكثر ممّا هو فكرة إلهيّة)، على الرغم من أنّه قد فـَقـَد هذا الشـَبه بعد السقوط، بمعنى أنّه سقط أدنى من الملائكة. إنّ واقع امتلاك الإنسان جسداً، يسمح له بالتواصل مع الله بطريقة تستحيل على الملائكة. فالقديس غريغوريوس يتساءل “أيّ ملاك باستطاعته الاقتداء بآلام وموت المسيح كما فعل الإنسان”xiv. وهو يكتب أيضاً “أُنعِمَ على الطبيعة الملائكيّة بالذّكاء، كما بالنُطق الّذي ينشأ عن هذا الذكاء وندعوها روحا، لكن هذه الروح لا تعطي الحياة لأنّها غير مُقترَنة بجسد، فهي إذاً لم تتلقَّ القدرة على إعطاء الحياة والحفاظ عليها. لكنّ الروح، المخلوقة بجسد ماديّ، تلقى من الله القوة لتعطيَ الحياة، كونها الوحيدة الموهوبة بالذهن [νοῦν]، والكلمة [λόγον]، والقوة الواهبة للحياة. هي وحدَها، أكثر من الملائكة، مخلوقة على صورة اللهxv“. بالتأكيد، الصورة الإلهية لا تعتبر في الجسد بذاته، لكن في الروح المعطي الحياة الذي ينتمي إلى الإنسان. لكنّ الجسد، بعيداً عن أن يكون عقبة، يتيح الفرصة لهذه الروح في الظهور. في حين أنَّ الملائكة، ككائنات غير ملموسة، هم عادمو هذه الروح. في هذا المعنى، فإنّ الشّبَهَ الإلهي لم يُفقَد حتّى بعد السقوط. “بعد خطيئة أجدادنا، توقّفنا عن أن نكون مثل الله. لكنّنا لم نتوقّف عن أن نَعكِس صورة الله”xvi. وبصفة عامّة، يناسب الهراطقة، أن يرَوا مبدأ الشرِّ في الأجساد.” يقولون إنّ الجسد هو سيِّئٌ ومن خـَلق الشريرxvii. لكن بالنسبة للأرثوذكس هذا الجسد هو “هيكل الروح القدس” و”مسكن الله”xviii. وهكذا يمكن أن نفهم، وَفْقا لغريغوريوس پالاماس، كيف أنّ الجسد تحت تأثير الروح يمكن أن يكون “مستعدّاً روحيّاً” xix، وكيف أن عدم التأثّر ليس ببساطة قتل الأهواء الماديّة، لكنّه “أفضل طاقة مُبدِعة” للجسدxx. وبشكل عام، الجسد يشارك بالحياة الفائقة الطبيعة للروح، ليس فقط بعد القيامة، لكن منذ الآن. “إذا كان على الجسد أن يتقاسم غنى الروح اللّامتناهي، فممّا لا شكّ فيه أنّ باستطاعته المشاركة بها منذ الآن، وأنَ تكون لديه خبرة إلهيّة. ولكن أهواء الروح يجب أوَّلاً أن تتحوّلَ وتتطهّر من دونِ إزالتهاxxi.

بالإضافة إلى ذلك تجدر الإشارة، في سياق تعليم القدّيس غريغوريوس عن الإنسان، إلى الدور الذي يعطيه للقلب في الحياة الفكريّة والروحيّة. فهو يعتبر القلب مركز الحياة الروحيّة للإنسان، بوصفه العضو الذي تستخدمه الروح لمراقبة الجسد، وحتى كمصدر ودعم للنشاط الفكريّ البشريّxxii. “نحن نعرف على وجه اليقين أنّ القلب هو آلة الفكر. عَلِمْنا هذا ليس من الإنسان بل من خالق الإنسان، الذي يقول في الإنجيل. “الأفكار تأتي من القلب”. القلب إذاً هو “كنز الأفكار”xxiii ومركز الجسد في الوقت نفسه.

التعليم أنّ الإنسان هو على صورة الله، وأنّه يُظهر هذا التشابه الالهي في كيانه النفس-مادي، وأنّه نوع من عالم صغير، والذي يشرح كيف أنّ تواصلاً حقيقيّاً بينه وبين الله ممكن الحدوث، وإمكانيّة التوصّل إلى معرفة أعمق عن الله، من تلك التي تأتي من النشاط الفكري الوحيد أو دراسة العالم الخارجي. إنّ هذا التعليم نفسه ينطلق بالحقيقة، من مبدإ الشَّبَه الإلهيّ في الإنسان، يؤكد القديس غريغوريوس أنّ الإنسان يمكن أن يحقّق الشركة مع الله بحَفظِه وصاياه قبل كلّ شيء؛ فمن خلال ذلك، يجدّد الصورة الإلهيّة الموجودة فيه، والتي أظلَمت بالخطيئة، ويقترب من الاتّحاد بالله ومن معرفته على مقدار قدرته كخليقة. هذه الطريقة (لحفظ الوصايا) يجب أن تُتَّبع من الجميع، ويمكن باختصار وصفها بأنّها محبّة الله والقريب. فكرة أنّ الوصايا لها قيمة عالميّة وأنَّ كلَّ البشر لا بدّ لهم من حفظها، هي النقطة المركزيّة في التعليم النسكي عند غريغوريوس (حتّى أنّه كتب تعليقا عن الوصايا العشر )xxiv. فهو يؤكّدها بدرجة جَلِّية حتى أنه غالبا ما يكررها بكلام واضح في أجزاء من تعليمه حول سبل الحياة الداخلية. لكن في تفسيره للوصايا وكيف يجب على المرء عيشها، فإنّ القديس غريغوريوس، ككلّ المفكّرين الذين يؤلّفون المرجِعيّة{الأكثر عمقا} في الكنيسة الأرثوذكسية، يعلّق أهمية قصوى على التطهير الداخلي من الأهواء وليس على العمل الخارجي، أو اكتساب هذه الفضيلة أو تلك. لكن ولتحقيق طهارة القلب هذه، يجب أن ننخرط في طريق التوبة والتواضع، مُظهرين كراهيةً للخطيئة، ومحبّة للربّ الذي أحبّنا أوّلا. “لنلبس أعمال التوبة، وانسحاق الأفكار، التواضع والحزن الروحي، وقلباً وديعاً رحيماً، والمحبّة الحقيقيّة، ناشدين الطهارة […] لأنّ ملكوت الله – ليس مَلِكَ السماء – […] إنّه في داخلنا، وعلينا أن نرتبط به بأعمال التوبة، محبّين الله بكلِّ قدرتنا، هو الذي أحبّنا بهذا المقدارxxv.

لدى القديس غريغوريوس، وسيلةٌ أكثرُ فاعليّةً للتطهيرِ الداخليّ وتعبيرٌ أكثرُ وضوحاً عن محبّتنا لله والقريب، يوجد في الصلاة، (متصلة، هذا مفهوم تماما، ببقيّة النشاط الداخلي للإنسان، وعموما على كلّ حياته). الصلاة بالنسبة له، أسمى من ممارسة أي فضيلة على الإطلاق. مع علمه أنّ الاتّحاد بالله يمكن أن يتحقّق إمّا من خلال الفضيلة xxvi أو من خلال الصلاة xxvii، غريغوريوس يُعطي أهمّيةً كُبرى للصلاة ويؤكّد أنّه فقط بقوّتها تستطيع الخليقة أن تتّحِد بخالقها. “إن قوة الصلاة تُحقّق سِرِّياً هذا الاتّحاد، بما أنها الصلة بين الخليقة العاقلة واللهxxviii“. علاوة على ذلك، فإنّ القديس غريغوريوس، كما ديونيسيوس الآريوپاجي، يتحدّث عن عمل ثلاثيّ للنفس من خلاله ترتقي إلى الله. في نفس المقالة عن الصلاة، نقرأ “عندما أحد الأرواح يصبح ثلاثة ويبقى في نفس الوقت واحداً، حينها يدخل الروح في شركة مع الألوهة الثالوثية”xxix . هذا العمل الثالوثي يرتكز على ما يلي، النفس، التي عادة تتأمّل الأشياء الخارجيّة (العمل الأوّل)، تدخل إلى ذاتها (العمل الثاني) وترتقي إلى الله بالصلاة (العمل الثالث). “أحد الأرواح يصبح ثلاثة ويبقى في نفس الوقت واحداً عندما تعود الروح إلى ذاتها ومن هناك ترتفع نحو الله”xxx.

العملان الاخيران نسمّيهما أيضا ” إلتفافا enroulement” كما يُـلفُّ الرِّق، ونسمّيهما أيضاً “إمتداداً إلى العُلىxxxi “. نوضح أن حقيقة عودة الروح إلى ذاتها، هي التي تحفظها، في حين أنّ صعودها نحو الله يتحقّق بالصلاةxxxii. في هذه الحالة، الروح البشريّة “تبلغ ما لم يُسمَعْ به” و”تتذوّق العالم الآتي”xxxiii. لكن لا ينبغي أن نُعطي أهمّيةً كبيرة للاستنارة التي يَتِمُّ التوصّل إليها في البداية، لأنَّها من الممكن أن تكون مُضِلَّة، كونها غير مصحوبة بتنقية كاملة للروح. يجب أن نتوقَّف في بداية الحياة النسكيّة عند رؤية حالة الخطيئة في قلبنا بالذات، والموحى بها لنا بوساطة استنارة الروح هذه. لكنّ التنقية الكاملة للكائن البشريّ لا تتحقّق إلا عندما تحوز قوى الروح كلُّها على العلاج الروحيّ الملائم.

“فقط عندما يُطَهِّر الإنسان قدرته الفاعلة بالأعمال، وقدرته الإدراكيّة بالمعرفة، وقدرته التأمليّة بالصلاة”xxxiv يصبح حينئذٍ قادراً على الوصول إلى الطهارة الضرورية لمعرفة الله. “لا أحد يستطيع أن يَحصُلَ على الطهارة الكافية لمعرفة الله، لا أحد يستطيع الحصول عليها إلا بكمال الأعمال، وبالمثابرة في الطريق النسكي، وبالتأمل والصلاة التأمليةxxxv. وكذلك، يجب أن ندرك أنّه من الضروري والمُخصِب للروح ليس فقط إدراك هذا العمل الثلاثي، بل الثبات في هذا النشاط الذي يُنتج “حسّاً ذهنيّاً ” sens intellectuel [αἴσθησις νοερά] والمثابرة طويلاً عليهxxxvi. في الوقت نفسه، يصّر القديس غريغوريوس على ضرورة إبقاء الروح دائما في حدود الجسد. ودعما لهذه القاعدة النسكية، يستشهد بعبارة معروفة جدّاً للقديس يوحنا السُّلّميّ:” الإنسان الصامت هو من يطمح إلى حصر اللّاجسدي (الروح) في مسكن جسديxxxvii. “ومثله، فإنه يرى في سكنى الروح في الجسد سِمة أساسية من سِمات الهدوئي Hesychaste الحقيقي. من ناحية أخرى، فإنّ بقاء الروح خارج الجسد، يبدو له سبب كلّ الأوهام. ” إطلاق الروح خارج الجسد، للبحث بعيدا عن رؤى فكريّة، هو أكبر وَهْمْ من الأوهام الهلّينية، وأصل كل فكر كاذب ومصدرهxxxviii. “القديس غريغوريوس يتصوّر أن عقيدته في إبقاءِ الروح في الجسد، وحتى في”إرسالها” إلى هذا الجسد، قد تُـثير اعتراضات من جانب أولئك الذين يعتقدون أنَّ هذه المَهمَّة غير مفيدة، بل ومستحيلة، بما أنّ الروح، هي بطبيعتها، متّحدة بالنفس التي تقيم في الجسد، وتتواجد هناك بالفعل حتى دون تعاون إرادتنا. لكن غريغوريوس يقول إنّ هناك لُـبسا بين جوهر الروح ونشاطهاxxxix. جوهريّاً، إنَّ الروح، هذا مفهوم تماما، مقتَرنة بالجسد، ولكن مهمة الهدوئي hesychaste هي توجيه نشاطها في هذا الاتجاه .

هذه الطريقة في المحافظةِ على الروح بالصلاة، تتطلّب الكثير من الجهد والتركيز والعناء. كتب القديس غريغوريوس: “إن ممارسة أيّ فضيلة أخرى هي خفيفة وسهلة جدّاً مقارَنة بذلكxl. “نحن نرى مدى خطإ أولئك الذين يَرَون في الصلاة العقليّة لدى الهدوئيين، محاولة لإيجاد وسيلة سهلةٍ للخلاص، وتجنّب ممارسة الفضائل، وهكذا يمكن الوصول، إلى حالة من الحماس الصوفي، ” آلياً ودون عناء.” وبالحقيقة، ليس الامر متعلّقاً بطريقة سهلة، فغريغوريوس يُشير إلى أنّ الصلاة العقليّة هي الطريق الأصعب، والأضيق والأكثر إيلاما للخلاص، ولكنّها تلك التي تؤدّي إلى أعلى مستويات الكمال الروحي، شريطة أن تكون ممارسة الصلاة في انسجام مع بقيّة نشاطات الإنسان (هذا الشرط المطلق لنجاح الصلاة يبيّن جيدا أنّه لا يوجد فيها شيء من “الآلية”. لذلك، على الرغم من تقديم النصح لجميع الذين يرغبون في الخلاص بواسطة هذه الطريقة، والاعتقاد أنها متاحة للجميع، يؤكد غريغوريوس أن الحياة الرهبانية فقط، بعيداً عن العالم كما هو حالها، توفِّر الظروف المؤَاتية لها. ” إنه، بالطبع ، من الممكن لأولئك الذين يعيشون في حالة الزواج، العمل من أجل تحقيق هذه الطهارة، ولكن فقط بثمن كبير جدّاً من الصعوبات والمحن”xli.

لقد قدَّمنا عَمْداً حَيِّزاً كبيراً لأفكار غريغوريوس پالاماس عن مكانة القلب والجسد في الحياة الروحيّة للإنسان بشكل عام ( أفكارٌ نجدها بالفعل عند الكتّاب النسكيين السابقين، إلا أنَّ غريغوريوس توسَّع بها بكثير من الوضوح وبطريقة منهجيّة فلسفيّة مميّزة جَّداً) هكذا يمكننا الفهم بأكثرَ سهولة للمعنى الحقيقي للجانب الأكثرِ أصالةً من عقيدته النسكية، التي تتناول الصلاة العقليّة التي يُزعم أنَّها ” فَنّية” وأساليبهاxlii. ليس هناك عمليّاً أيّ دليل على أساليب الصلاة الفنية عند الآباء القدماء، على الرغم من أننا يمكن أن نجد مؤشّرات مُبكِرة عند يوحنا السلمي (القرن السادس-السابع)xliii. أو Hesychius إيسيخوس السينائي (القرن السابع _ الثامن)xliv. الوصف الأكثر اكتمالا يمكن العثور عليه في المقالة عن الطرق الثلاثة للصلاة عند سمعان اللاهوتيّ الجديد (أوائل القرن الحادي عشر)، عند نيكيفوروس الراهب {المتوحد في جبل آثوس} (حوالي القرن الثالث عشر)، وعند القدّيس غريغوريوس السينائي (القرن الثالث عشر)xlv. يمكننا أن نفسِّر صمت الآباء عن هذا الموضوع بطرق مختلفة (أن تكون هذه الطرق قد وُجدت أم لم توجد، أو كانت موضوع تعليم شخصيّ من الشيوخ للتلاميذ، وبالتالي لم تكن موضوعة كتابة حتى – مع الاختفاء التدريجي للشيوخ – ظهر خطر نسيانها عندئذ وُضعت كتابة من قِبَل أولئك الذين عاشوا هذه الخِبرات. ولكن هناك شيء واضح، هذه الطرائق كانت منتشرة على نطاق واسع جدّاً في الشرق الأرثوذكسي وكانت جزءاً من التقليد النسكي قبل فترة طويلة من غريغوريوس پالاماس والهدوئيين في جبل آثوس في القرن الرابع عشر. فمن المُحتمل جدّاً، سواء من الناحية التاريخية أو من وجهة نظر دينيّة- نفسيّة، أن هذه الطرائق كانت “اختراعا” شخصيّاً لبعض الأفراد، من المحتمل تقريبا أن يكونوا معاصرين للقدّيس غريغوريوس (كما يعتقد البعض). أمَّا في ما يتعلّق بسوء فَهم معناها، والأكثر شيوعا بين العلماء الأرثوذكس، فهو متأتٍّ أساسا من كون أنَّ ما هو في الحقيقة يؤلِّف عمليات ثانوية وملحقات اعتُمد كجزءٍ أساسيٍّ في هذا النوع من الصلاةxlvi. هنا أيضاً، علينا أن نتذكّر أنَّ هؤلاءِ الكتّاب النسكيين الذين تعاملوا مع الصلاة الفنّية لم يحاولوا أن يقدّموا دراسة شاملة عن عقيدة النسك الأرثوذكسي في مجملها، ولكنهم اقتصروا على تقديم أجزاء لم يتناولها الآخرون بشكل واضح بما فيه الكفاية من قِبَل الآخرين أو الذين لسبب ما أثارت تساؤلات. في أيّ حال، سيكون من الخطإ أن نتصوَّر أنَّ هذه القواعد المُحَدّدة ( في هذه الحالة الصلاة الفنية) قد يحمل في نظرهم بُعداً يَشمل مُجمَل التعاليم النسكية للكنيسة. في الواقع، إنّهم كانوا يجمعون عامة على ما هو مَعروف عن هذا التعليم الذي يُشكِّلُ كُلّاً مُتناسقا، ولم يفكّروا أبداً أنّه كان من الضروريّ الإشارة إلى ذلك باستمرار عند تناول قضيَّة معيَّنة تهمّهمxlvii. وأخيرا ، يجب أن نذكرَ أنَّ التناقضات الظاهرة بين هذه أو تلك المقالة النسكية غالبا ما يعود ذلك إلى حقيقة أنّها كانت مكتوبةً لأناسٍ كانوا على مستوياتٍ مختلفة من النمو الروحي .

فلننتقل الأن من هذه الملاحظات العامة، الى تعليم القديس غريغوريوس پالاماس نفسِهِ عن طرائق الصلاة الفنية. يجب أن نلاحظ، مع ذلك، أنه لا يُعطي في أي مكان عرضا مُفَصَّلاً كما نجد في أعمال مَن سبقوه (كالقديس سمعان اللّاهوتيّ الجديد ، نيكيفورس الراهب أو غريغوريوس السينائي). وهذا ما لم يبدُ له ضروريّا ربّما، حيث كان هذا التعليم في ذلك الوقت معروفاً على نطاق واسع في الأوساط الرهبانية. ومع ذلك، نجد عند القديس غريغوريوس، دفاعا نسكيا-فلسفيّاً رائعاً، من الأكثر إفادة، لبعض من هذه الطرائق الممارَسة في الصلاة. المناسبة الفوريّة لصياغة هذا الدفاع كانت الهجوم الذي شنّه برلعام ضدّ الهدوئيين الآثوسيين، والذي بسبب الاهتمام الذي يبديه هؤلاءِ الهدوئيون للصلاة العقلية، دعاهم omphalo-psychique xlviiiبمعنى أنهم أشخاص مُعتبرون أنهم يعلمون أنًّ الروح موجودة في الصِرّة.

ولكن على الرغم من أنه اصبح ضروريّاً بدافع احتياجات العصر، فإنَّ عمل غريغوريوس الدفاعي قد حصل على مكانة خاصّة بالنسبة لبقية مواقفه النسكية. ويستند هذا الدفاع على هذه الفكرة، التي سبق ذكرها، وهو أن الجسد ليس سيّئاً بحدّ ذاته ولكن الله خَلَقَه ليكون هيكلاً للروح الساكن فينا، فمن الطبيعي جدّاً أن نلجأ لعونه كمُكمِّل لتسهيلِ عمل الصلاة. من هذه الطرق الفرعية المتصلة بالطبيعة الفيزيائية للإنسان، غريغوريوس يدرس خصوصاً ناحيتين :

1) العَلاقة بين الصلاة والتنفس (ἀναπνοή) – على نحو أدقّ الشهيق الذي يساعد على إبقاء الروح في الداخل واتّحادها بالقلب.

2) وضعيّة الجسد في الصلاة (τὸ ἔξω σχῆμα)xlix، بصورة عامّة وضعيّة الجلوس، مع إحناء الرأس وتوجيه النظر نحو الصدر أو اسفل بقليل حتى الصِرّةl.

وفي ما يتعلق بالطريقة الأولى التي تقوم على الشهيقli، القدّيس غريغوريوس يُعلّم أنَّ دورها هو ثانويّ تماما. الغَرَض منه هو مساعدة الإنسان (وبخاصّةٍ المبتدئ ) للحفاظ على روحه في الداخل، من دون تَـشَتُّـت، في القلب الذي يحتلّ، ونحن نَعلَم، مكانة رئيسة في حياته الروحية بأكملها. يجوز الشك في جدوى إنشاء مثل هذه العلاقة بين التنفس والصلاة من أجل تحقيق التركيز. نلاحظ، مع ذلك، أنه يبدو من الناحية النظرية أن لا شيء مستحيل هنا. حتى أنه يبدو، واقعيّاً جدّاً نظراً للارتباط بين الظواهر الفيزيائية والظواهر النفسيةlii، التي نعرفها في حياة كلّ يوم والتي أكدّها علم النفس. أمّا من جهة ما يحدث في الواقع، فلا يمكن أن يُعرف ذلك إلَّا من خلال التجربة في الصلاة. وها القديس غريغوريوس يشير، ” متسائلا لماذا الاستمرار في الحديث حول هذا الموضوع، أولئك الذين لديهم الخبرة، ألا يضحكون من أولئك الذين يُعارِضون بدون خبرة ؟ لأنَّ المِعيار في ذلك ليس الكلام، ولكن العمَل والخِبرة المُكتَسبة مِن العملliii. “وهكذا، بناءً على هذه التجربة التي هي أيضا شخصيّة كما وأيضاً كنسيّة، يقول غريغوريوس أنه” ليس عبثا، وخصوصا عندما يتعلّق الأمر بالمبتدئين، تعليمهم أن يُصغوا ويبحثوا داخل أنفسهم ويركّزوا أذهانهم الى الداخل عن طريق التنفسliv. ” وبخلاف ذلك، فإن الروح عند المبتدئين ستَـشرُد باستمرار حُكماً وتكون مُشَتّـتة، وبالتالي نَنزَع عنها خصوبتها الروحية. ولذلك ينصح بربط الصلاة بالتنفس، وخاصة في البداية، طالما أنَّ الهدوئي hesychaste ليس مُتجذِّراً بعد بنعمة الله في جمع حواسّه وأفكاره والتأمّل الإلهي؛ وبعبارة أخرى، ” حتى، بعون الله، يُتقِن ما هو أفضل، ويحافظ على روحه ثابتة بلا تغير في نفسه ومُجَرّدة عن الكلّ، تصبح موحَّدة في ذاتها ومع الله”lv(ἑνοιδῆ συνέλεξιν – مصطلح لديونيسيوس الآريوباجي). بعد أن يصل إلى هذه الحالة من التأمل، فالهدوئي يحافظ عليها بسهولة بنعمة الله، ولكن الوصول الى ذلك يتطلب عملاً كبيراً والكثير من الصبر، كدليل ونتيجة لحبنا الله. لقد كتب غريغوريوس : “ما من مبتدإٍ novice يقدر أن يحقّق هذه الأمور من دون جَهد وكدّ”lvi. لكن بالنسبة للمتقدّمين و” الذين قد توحَدّت نفسهم تماما، يحدث كلّ هذا بالضرورة من دون جَهد ولا همّ”lvii. ما قيل ينبغي أن يكون كافياً لشرح موقف غريغوريوس تجاه “طريقة التنفّس” في الصلاة.

وأخيرا، نلاحظ في الختام :

1 – أن هذه الطريقة ليست مُلزِمة لجميع أولئك الذين يرغبون في الوصول الى الكمال في الصلاة، ولكن من المستحسن فقط وبخاصّة للمبتدئينlviii

2 – يؤكد غريغوريوس أنَّ هذا الأسلوب هو ثانويّ تماما، وهو مخصّص لتسهيل التأمّل . 3 – نجاح الصلاة يعتمد في نهاية المطاف على الله ( σὺν Θεῷ ἐπί τῷ χρεῖττον προϊόντες ) ، وليس فقط على جهودنا.

4 – جهودُنا تظهر محبّتنا لله.

5 – هذه الطريقة في الصلاة صعبة جدّاًlix

هناك طريقة أخرى للصلاة الفنّية، التي وصفت بأنها “omphaloscopie”، من قِبَل القدّيس غريغوريوس أسهب في شرحِها أكثر. وكما سبق أن قلنا، هذه الطريقة تعرَضّت للهجوم والسُخرية من برلعام وأتباعه بكثيرٍ من العدائية. هذه الهجمات لا تزال مستمرة اليوم ايضا. ويُتَهم الهدوئيون بأنهم يجعلون الصلاة العقلية فقط تأملٌا في الصِرّة (“omphaloscopie”)، وأنهم يعتقدون أنَّ روح الإنسان هي في الصِرّة (من هنا اسم السخرية “omphaloscopes” التي اخترعها برلعام واستُخدِمَت من قِبَل ليون ألّلاتيوس Allatiuslx Léo. ولكن إذا تركنا جانباً هذه الخلافات، ونظرنا اليها بموضوعيّة، نُدرِك أن “omphaloscopie” كان لها معنىً مختلفاً تماماً في ممارسة الحياة الرهبانية الشرقية. أولّاً، قد يكون من الصعب أن نرى فيها جزءاً أساسيّاً من الصلاة العقلية، وذلك بسبب أن هذه الممارسة نادراً ما تُذكر في الكتابات النسكية، إلا سهواً، لا تذكر omphaloscopie، بصرف النظر عن غريغوريوس پالاماس، إلا عند سمعان اللّاهوتيّ الجديد، في مقالته في الطرائق الثلاث للصلاةlxi. لا نيكيفور الراهب ولا القديس غريغوريوس السينائي، اللَّذين درسا بالتفصيل طريقة التنفس، لم يأتيا على ذكرِها. ومع ذلك، كان نساك ذلك الوقت يمارسون omphaloscopie بالتأكيد، كوسيلة ثانويّة للصلاة، وهذا هو السبب الذي من اجله رأى القديس غريغوريوس بالاماس أنه من الضروري الدفاع عنه ضد هجمات برلعام. واستَنَد هذا الدفاع على نفس المفاهيم الأساسية لتلك التي تكمن وراء دفاعه عن طريقة “التنفس” (على الرغم من أن الحجج تَمّ تطويرها بطريقة مختلفة تماما). الفكرة المركزيّة هي أيضاً العلاقة بين النفسي والمادي، وأهمية هذه العلاقة في التركيز والحفاظ على الانتباه. فهو يكتب، “نظراً لحقيقة أنَّه منذ السقوط، من الطبيعي أنَّ الإنسان الداخلي يتوافق من النواحي كافة مع الأشكال الخارجية، فإنّه يمكن أن يكون من المفيد جدّاً للذي يريد التأمّل، بدلاً من السماح لبصره أن يتَـشَتَّـت هنا وهناك. أن يُثَـبتَه كنوع من الدَعم على الصدر أو الصِرّة”lxii. هذا النص يُعَبِّر بجدارة عن المعنى الحقيقي لل omphaloscopie ، فإنّه يدلّ على أن الهدف من ذلك هو التركيز وأنّ الحفاظ على البصر ثابتاً على نقطة ما (بدلا من السماح له بالتشتت) هي وسيلة تخدم هذا الغرض. لاحظ عبارة “مفيدة”(συντελέσειε)، مما يدلّ بوضوح على الأهميّة الثانويّة – لا القصوى – التي تتعلّق بهذه الطريقة. وبالتالي فإنّ حقيقة حفظ أنظارنا ثابتة على المعدة يأتي بعد عبارة ” على صدره “، مما يدلّ بوضوح على أنّه بديل. نلاحظ أيضاً أنّه بالنسبة الى غريغوريوس پالاماس، خارجا عن اتّجاه النظر، وضْعيّة الجسد، المائل والمتواضع، لها دلالة كبرى؛ فبالصلاة على هذا الشكل، يُحاكي الانسان ظاهريّا على الأقل العشار الذي لم يجرؤ على رَفعِ بَصَره، أو مع النبي إيليا الذي كان يصلّي، واضعاً رأسه بين ركبتيه lxiii.

وبالمثل، هناك شيء من هذا الموقف الذي يتوافق مع الحركة الدورية للروح التي يتكلم عليها ديونيسيوس الآريوپاجيlxiv. في ضوء ذلك، فإن “الشكل الخارجي” (τὸ ἔξω σχῆμα)، أي الوضعية التي نتّخِذها في أثناء الصلاة، تبدو للقديس غريغوريوس، حسب خبرته، مفيدة ليس فقط للمبتدئين، ولكن أيضاً للذين هم أكثر تقدّماً. فهو يكتب. ” ناهيك بالمبتدئين، فان البعض حتى بين الأكثر تقدّما، وذلك باستخدامهم هذا النوع من الصلاة استجاب الله لهمlxv. “(لاحظ” بعض “[τῶν τελειωτέρων οἱ]، اذا ليس الجميع). مُفَسِّرا هكذا معنى الصلاة الفنية، غريغوريوس يدحض الخُرافة السخيفة التي نُشرت عن طريق برلعام، مُدَّعِياً أنّه وَفقا للهدوئيين hesychastes الصِرّة هي مقر للروح. داحضاً البرلعاميين barlaamites الذين يُلقبون الهدوئيين ب omphalo-psychiques. يقول “[هذه التسمية] من الواضح أنها افتراء لأنه مَن مِنَ [الهدوئيين] ادّعى قط أن الروح كان في الصِرّةlxvi؟ “

هذا، اختصار، لتعليم غريغوريوس پالاماس عن طرق الصلاة العقلية ” الفنية” . في بعض النصوص المكتوبة في الدفاع عن رهبان جبل آثوس، هذه الطرائق فـُصـِّلت باسهاب، بينما في حالات أخرى، ذات الطابع النسكي والمعنوي الأكثر عمومية (مثل الرسائل إلى الراهبة كسينيا Xénia، والعظات {الميامر} ، الخ ) ، لم يأت على ذكرهم على الإطلاق. ونحن نعتقد أنّه إذا أعطى غريغوريوس الكثير من الاهتمام للوصف والدفاع عن مثل هذا النوع من الصلاة، كان ردّاً على الهجمات التي قُدِّمَت في ذلك الوقت من قـِبَل خصوم الحياة التأملية. كان من الضروريّ الدفاع عن الحق و محاربة التشوهات المُغرِضة .

ولكن كتابات غريغوريوس پالاماس عن الصلاة النسكية لها قيمة خاصة بها بِغَض النظر عن الحاجات الآنيّة؛ نجد لأول مرة في الأدب النسكي وصفاً لاهوتيّاً ونفسيّاً مُنَظّماً عن هذه الطرائق التي بلا شك كانت تمارس قَـبلـَه بوقت طويل.

هذه الأعمال الدفاعية هي من بين المساهمات الأكثر أصالة لغريغوريوس پالاماس في الأدب النسكي الأرثوذكسي. ولكن سيكون من الخطإ الجسيم أن نعتقد أنّ هذه الطرائق للقدّيس غريغوريوس – الثانوية ، وعلى الرغم من انها مفيدة جدّاً – هي الجوهر والمضمون الرئيس للصلاة العقلية. فليس تلك او ذاك العمل النسكي بحد ذاته، ولكن “ارتفاع العقل نحو الله وعلاقته معه ” هو هدف ومضمون كل صلاة روحيّة حقيقيّة كما اعتبرها غريغوريوس والصوفيون الأرثوذكس الآخرون عبر التاريخ. فبالنسبة لغريغوريوس أنَّ اتّحاد الروح بالله هو الأساس وقِمة الحياة الروحية للإنسان كله، وانفصاله عنه يبدو السبب في كلّ سقطاطه. يكتب بحيويته {بهمته،} المميزة ” الروح التي تنفصل عن الله تصبح إمّا حيوانيّة، أما شيطانيّة”lxvii.

“في حالة الاتّحاد المباشَر هذه بالخالق، عندما تخرج روحنا من نطاق أنشطتنا العادية وتبقى، إذا جاز التعبير، خارجاً عن ذاتها، حينئذ يُدرِك الإنسان معرفة الله الحقيقيّة، ” هذه اللامعرفة التي تفوق كل معرفة. مقارنة بهذه اللامعرفة، كل فلسفتنا وكل معارفنا العادية، انطلاقا من مفهوم العالم المخلوق، تبدو غير كافية وجزئية. ” ويقول غريغوريوس أيضا : ” إنّه حقّاً لمستحيل أن نَتَّحِد بالله (Θεῷ συγγενέσθαι)، إلا إذا، بعد تـَطهيرنا، نجد أنفسنا، خارج – أو بالاحرى فوق – ذواتنا، بعد أن نكون قد تخلّينا عَمّا يتعلق بالعالم المحسوس وارتفعنا فوق الأفكار، وأسلوب التفكير وكل معرفة، وحتى فوق العقل نفسه. فنصبح حينئذ بكُلّيتنا تحت تأثير الذهن، بحيث قد نكون بلغنا حينئذ هذه اللامعرفة التي تفوق كل معرفة، وبذات الفعل، فوق كل انواع الفلسفةlxviii. “

هذه الحالة الروحية الفائقة، عندما ينفصل الإنسان عن كلّ ما هو مَخلوق ومُتحوِّل، غير ثابت، وبفعل اتّحاده بالألوهة، هو مستنير بنور الله، ويُسميه القدّيس غريغوريوس” الصمت “أو الهدوء hesychia. ويضيف قائلا، “الهدوء يعني توقف أنشطة الروح، والتجرد عن العالم، ونسيان ما هو دون ذلك، والمعرفة السريّة لِما هو أسمى، واستبدال الأفكار بما هو أفضل منها؛ هذا هو النشاط الحقيقي، والارتفاع إلى التأمّل الحقيقي وإلى رؤية الله […]. وهذا وحده هو علامة نفسٍ سليمةٍ، اجل فإنّ أيّة فضيلة أخرى ما هي إلا علاج لشفاء وَهْنِ النفس […]، في حين أن التأمّل هو ثمرة النفس السليمة […]، فبه يتأله الانسان، وليس بالارتفاع عن طريق العقل والعالم المنظور، أو بلعبة حدسيات {توقعات} التشابه، […] ولكن بالارتفاع بوساطة الهدوء […] أجل فبهذه الطريقة ندخل بمعنى ما في علاقة مع طبيعة الله المبارَكة والمتعذِّر بلوغها .

وهكذا، بعد ان نكون طهّرنا قلوبنا بالهدوء المقدس ومزجناها بشكل لا يوصف بالنور الذي يفوق كلّ إحساس وكلّ فكر، فنرى الله في ذواتنا كما في مرآةlxix. “

هذا التعليم على الهدوء المقدّس، إذ هو الحالة النفسية الأرفع، والوسيلة لبلوغ معرفة الله والاتحاد به، قد عرَضه بالشكل الأوضح القدّيس غريغوريوس في عظته الرائعة حول “تقدّمة والدة الله القديسة الى الهيكلlxx، والتي سبق فذكرناها مرّات عديدة، بحسب غريغوريوس، فالكليّة الطوبى العذراء مريم، التي مَكثَـت منذ الثالثة من عمرها في الهيكل وحدها مع الله، مكرِّسة نفسَها للصلاة الدائمة والتأمّل، منفصلة عن البشريّة والعالم، حقـّقـَت في ذاتها الهدوء المقدس والصلاة العقلية بالطريقة الأسمى والأكمل. ويضيف قائلاً، ” إنّ روح والدة الإله تتّحد بالله من خلال التأمل والانتباه والصلاة الإلهية {الدائمة}[التي لا تنقطع..]. مرتفعة فوق الأفكار المتنوّعة وفوق أيّ تصّور {صورة}. تشقُّ طريقا جديدا نحو السماء ، لم يُسمع به قط، […] الهدوء العقلي [νοητὴν σιγήν] […].انها ترى مجد الله وتتأمّل بالنعمة الإلهية من دون ان تخضَع إطلاقا لسلطان الأحاسيس، مع كونها هي بالذات إناءً مقدَّسا أهلاً لمحبّة الأرواح والنفوس غير الفاسدةlxxi. “وعلاوة على ذلك، فالقديس غريغوريوس يربط التجسد بالذات، بمجرد أن والدة الإله قد دخلت هكذا في طريق الصلاة الصامتة منذ طفولتها المُبّكِرة. “هي وحدها من البشريّة جمعاء كانت هكذا صامتة بشكل فائق الطبيعة منذ طفولتها الأولى؛ هي وحدها قد استحقت ان تَحْبَل بلا دنس ببشرية الكلمة الإلهيةlxxii “في شخص والدة الإله، اذا، فالصمت لم يجد تحقيقا وتبريرا مقدسَين فقط، لكنه يُظهر عظمة سلطانه في توحيد الإنسان باللهlxxiii.

في خلاصة عرضنا للتعليم النسكي المعرفيّ للقديس غريغوريوس پالاماس، نود ان نشير الى النقاط الآتية. أوّلاً، الأهميّة التي يُعلِّقها على دور الجسد في العمل الضروري لإيصال الإنسان إلى معرفة الله والاتحاد به. مفهوم الإنسان هذا ككلّ، مُعبـَّر عنه بطريقة صارخة في تعليم القديس غريغوريوس حول الشَّبَه الإلهي الذي يتمتّع به الإنسان، أكثر من الملائكة، والذي ينعكس في كلّ كيانه النفسي والجسدي.

في مجال النُسك، يُعبَّر عن هذه الفكرة في العقيدة عن تعاون الجسد في الحياة الروحية، وقدرته على أن يكون مُستنيراً بالألوهة ويكون مُتّحدا معها في عمليّة تأمليّة واحدة تضمّ الإنسان

من وجهة نظر معرفيّة، القدّيس غريغوريوس يعارض الإدراك الفكري الجزئي الذي لا طائل منه في معرفة الله، الى معرفة فائقة-العقل في متناول الانسان عندما يكون كيانه كله مُستنيرا وحقّق الاتحاد بالله بكلّيته. هذه الفكرة عن الإنسان ككلّ، يشارك في المعرفة الإلهية هو سِمَة تعليم غريغوريوس. سِمة نموذجية أخرى عنده هي الاتّحاد الذي يجعل بين فكرة الألوهية غير المفهومة والمتعَذّر الوصول إليها وإمكانيّة الاتّحاد بالله بالنعمة والرؤية المباشرة له. نجد هنا، لأول مرة في مجال النسك ونظرية المعرفة، التعارض antinomismelxxiv التي هي من سمات {فكر} غريغوريوس پالاماس. ويكفي أن نشير هنا إلى أن التعارض الواضح عند غريغوريوس بين فكرته عن الله، وكيفية معرفته ليست حالة معزولة في الأدب الآبائي الشرقي. والأقرب إليه في هذا الصدد هو القديس غريغوريوس النيصصي. نادرون همُ الآباءُ القديسون الذين أصّروا مثله، على الطبيعة غير المفهومة والتي لا توصف عند الله، وعدد قليل جدّاً منهم الذين درسوا لاهوتيا بهذا العمق، طبيعته غير المدركة…

i– نشر هذا المقال (باللغة الروسية) فيSeminarium Kondakovianum، مجموعة من الدراسات . علم الآثار وتاريخ الفن، الدراسات البيزنطية، المجلد VIII.((1936، براغ ، ص. 99-154 ، وأدرج في Messager البطريركي الروسي في أوروبا الغربية، رقم 115 (1987 )، ص. 109-174 – تُرجم الى الفرنسية في Messager البطريركي، المرجع نفسه، ص. 45-108

ii- عَرَفَت الأوساط العلميّة، الأخ الصغير باسيليوس من دير القديس بندلايمون في جبل آُوس، في عام 1936، من خلال نشر “التعليم النسكيّ واللّاهوتي للقدّيس غريغوريوس پالاماس”، الأول من ضمن سلسلة طويلة من المقالات والبحوث. بعدها انكبّ على دراسة غريغوريوس النيصصي، باسيليوس الكبير وغيرهم كثيرون، ونشر الأسقف Krivochéine تباعا ” تعاليم ” القدّيس سمعان اللّاهوتي الجديد، في مجموعة “Sources Chrétiennes” ثم كتبَ السيرة الأساسية للصوفي البيزنطي(سمعان اللّاهوتي). في مرحلةٍ ابتدأنا فيها نكتشف بجهدٍ كنوز تراث آباء الكنيسة، منتفعاً من الخزانة الاستثنائية التي أتاحتها له “الجمهورية الرهبانية “(آثوس). هذا المقال هو جزء بسيط من الدراسات الآبائية والروحية التي ألّفها ” الأسقف المثقف الأمثل” L’ évêque cultivé idéal ( التعبير هو لألكسندر شميمن )، والذي أُمكن أن يقال إن “الوطن الحقيقيّ هنا على الأرض، هو إيمان الآباء ” …

iii- لفظة يونانية مؤلفة من Gnosis معرفة وLogos علم أي علم المعرفة

iv-التعليم النسكي واللاهوتي عند القديس غريغوريوس بالاماس هو، بمعنى ما متصل بالتيار الروحي للرهبنة الشرقية المعروفة باسم ” الهدوئية ” hésychasme. ونعتقد أنه من الضروري قول بعض الكلمات حول هذا الموضوع. فالهدوئية، أو الصمت، تشير بصفة عامة إلى تيار الحياة الروحي بين الرهبان الأرثوذكس الشرقيين الموجه كليا إلى التأمل النقي والاتحاد بالله في الصلاة. هذا التيار بلغ أوج توسُّعِه خلال حياة القديس غريغوريوس بالاماس، كان متمركزاً لدى جبل آثوس المقدّس ورهبانه. لكن يجب ألَّا نعتقد أن الهدوئية في جبل آثوس في القرن الرابع عشر، كانت ظاهرة جديدة تماما في تاريخ الرهبنة الشرقية، لأنه منذ العصور القديمة ( منذ بدء الرهبنة في مصر في القرنين الثالث والرابع)، كانت موجودة جنباً إلى جنب مع الشركات الرهبانية التي كانت مزدهرة جدّاً (والتي تمَّ التعبير الأمثل عنها في قوانين القديس باسيليوس الكبير وأعمال القديس ثيودوروس الستوديتي Théodore Studite)، وهو ميل، تأمليّ في الصلاة النقية والصمت. ويتجلى هذا ليس فقط في حياة العديد من القديسين في تاريخ الكنيسة، ولكن أيضا في كتابات النسّاك ذوي الميل الهدوئي hesychaste التي وصلت لنا مثل القديسين أنطونيوس الكبير، إيڤاغريوس البنطي، مكاريوس المصري (القرن الرابع)، نيلوس السينائي، مرقص الناسك والمغبوط ذياذوخوس فوتيكيس (القرن الخامس)، اسحق السرياني (القرن السابع)، إيسيخيوس وفيلوثاوس وHesychius Philotheus السينائيين (القرن السابع- التاسع). بالإضافة إلى ذلك، من قِبَل القديس سمعان اللّاهوتي الجديد، وNicetas Stétathos نيكيتاس ستيتاتوس (القرن الحادي عشر) ونيكيفورس الراهب (القرن الثالث عشر)، هذا التقليد أدى إلى الهدوئية hesychastes في جبل آثوس (القرن الرابع عشر)، مع القديس غريغوريوس السينائي († 1346) والقديس غريغوريوس پالاماس.

ولكن سيكون من الخطإ الاعتقاد بأن التقليد الرهباني “الشركوي” cénobitiques والنسكي érémitiques يعارض بعضُها بعضا وتمثل طرقا مختلفة كليا في الحياة الروحية. هذا ما عبّر عنه الأب إيريناوس هاوسر اليسوعي Irénée HAUSHERR، في طريقة الصلاة الهدوئية (Orientaliachristiana، المجلد التاسع-2، 1927) وحياة الصوفي البيزنطي الكبير، سمعان اللاهوتي الجديد (Orient. Christ. t. XII, 1928). فالحياة المشتركة و”الهدوء” لا يناقض بعضها بعضا، وهذا ما يتضح من كتابات الناسك القديس يوحنا السلمي حيث نجد مزيجا متناغما لهذين النموذجين المثالين (VI-VII)؛ ونحن نعلم، أنه يصف في بعض فصول كتابه السلم الى الله حياة الشركة المرتكزة على أساس الطاعة والتخلي عن الإرادة الذاتية، بينما يتعاطى البعض الآخر طريق الهدوء والتأمل وهي الدرجات الأسمى(الدرجة 27). وحدة الكتاب لا تتأثر بذلك أبدا. نستطيع أن نقول الشيء نفسه عن عمل القديسَين بارسانوفيوس Barsanuphius ويوحنا الغزاوييَن (القرن السادس).

وبصفة عامة، الحياة المشتركة والهدوء يعتبران في الأدب النسكي (كما في كتابات حياة القديسين hagiographiques ) ليسا متباينين في ما بينهم، ولا يعزل أحدهما الآخر، ولكن كدرجات توافق التقدم الروحي للراهب. وقد اعتبر الهدوء دائما بصورة تقريبية كأسمى نمط في الحياة الروحية. وأخيرا، فالحياة النسكية فُهِمت عادة، كاعتزال داخلي وليس كمسكن “جغرافي ” خارج أراضي الدير في الصحراء. لنذكر أن أبرز ممثل للحياة المستيكيّة mystique في الكنيسة البيزنطية – سمعان اللاهوتي الجديد (949-1022) – قضى معظم حياته في أديرة رهبانية “شركوية”. يتوجه القسم الكبير من كتاباته النسكية الى رهبان يعيشون في الشركة، وعلى الرغم من ذلك تم صياغتها وفقا للروح الهدوئية “hesychaste”. مزيج متناغم من الاتجاهات الشركوية والهدوئية hesychastes هو نتيجة طبيعية للوحدة العضوية في الحياة الروحية الأرثوذكسية، حيث يرتبط التعليم النسكي، ارتباطا وثيقا جدا بالعقيدة ويمتلك{تحوز} وحدةً داخلية قوية جدا، على الرغم من تنوع التعبير الخارجي. ولكن في تاريخ الرهبنة الأرثوذكسية، كانت هناك أوقات يسود فيها الواحد على الآخر. يمكننا القول بصفة عامة أنه عندما تنمو روح الجماعة على حساب الهدوئية (ويرجع ذلك أساسا إلى نمو الأديرة الكبرى) كان يُؤَدّي إلى إضعاف الحياة الروحية الرهبانية حيث تمتصهم المصالح الخارجية التي غالبا ما تكون منزلية {تدبيرية}. ويظهر التجديد الروحي، بوضوح في العودة إلى الحياة الداخلية، وروح الصمت والتأمل، واستعادة “الهدوئية”. في جبل آثوس، الحياة التأملية ( التي اندثرت تقريبا في فترة معينة، عادت بفضل عمل غريغوريوس السينائي، الذي قامت قبله شخصيّات تأمليّة بارزة كنيكيفورس الراهب. حياة غريغوريوس السينائي تحتوي وصفا رائعا لأنشطته في جبل آثوس (I POMIALOVSKI Βίος καὶ πολιτεία τοῦ ἐν ἁγίοις πατρὸς ἡμῶν Γρηγορίου τοῦ Σιναίτου [حياة وأعمال أبينا في القديسين غريغوريوس السينائي]، Saint-Pétersbourg.، 1894).

v- . بطبيعة الحال، تَمَّ العثور على هذه العناصر المعرفية في معظم أعمال الآباء ( في هذه الحالة أعمال القديس غريغوريوس پالاماس). ويرجع ذلك إلى حقيقة أن الكتّاب الدينيين عادة ما كان لديهم هدف يعمل للبنيان، وحين يدخلون في مناقشات مجردة بحتة، كان ذلك فقط لدحض هجمات الهراطقة هذه. ونتيجة لذلك، فإنَّ أيّ محاولة لتنظيم ” نظرية المعرفة ” لديهم، تصبح بطريقة أو بأخرى ” تنميقا “. وأخيرا، يتمّ استخدام مصطلح ” نظرية المعرفة ” من قبلنا بأسلوب رخو جدّاً إلى حد ما (نقصد هنا كل ما يمتُّ إلى المعرفة، تحديداً معرفة الله و طرقه ) .

vi- « ἄβυσσος χρηστότητος », Περὶ προσευχῆς, PG 150, col. 1117 B

vii- المرجع نفسه

viii- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., 172

ix- المرجع نفسه

x- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., 172

xi- Κεφ., PG 150, col. 1152 BC (κεφ. 43

xii- Κεφ., PG 150, col. 1152 C (κεφ. 44

xiii- PG 150, col. 1361 C

xiv- المرجع نفسه، PG 150, col. 1370 B

xv- Κεφ., PG 150, col. 1145 D-1148 B (κεφ. 38-39

xvi- Κεφ., PG 150, col. 1148 B (κεφ. 39

xvii- Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων (PG 150, col. 1104 B

xviii- المرجع نفسه، PG 150 ، العمود . 1104 AB .

xix- Ἁγ. Τομ., PG 150, col. 1233 BD

xx- في نفس Tomos الجبل المقدس -المقصود بذلك توموس الجبل المقدس الذي أنشأه غالبا غريغوريوس بالاماس في العام 1341 ووقعه رؤساء أديرة جبل أثوس ومنهم رئيس دير السوريين-، نجد مناقشة حول رأي برلعام الذي يتضمن عدم الهوى في إماتة الأهواء. (في المفهوم الأرثوذكسي في التوموس نفسه نحن لا نميت الأهواء بل نحولها). « τὴν τοῦ παθητικού καθ ‘ ἕξιν νέκρωσιν ἀπάθειαν φησί ، ἀλλά μὴ τὴν ἐπί τὰ κρείττω καθ ‘ ἕξιν ἐνέργειαν » ( Ἁγ . Τομ ، PG 150 ، العمود . 1233 B ) .

xxi- Ἁγ. Τομ., PG 150, col. 1233 C

xxii- Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων (PG 150, col. 1105 C

xxiii- Ibid., PG 150, col. 1105 D

xxiv- « Δεκάλογος τῆς κατὰ Χριστὸν νομοθεσίας ἢτοι τῆς Νέας Διαθήκης », PG 150, col. 1089-1101. في هذا العمل يتحدث غريغوريوس عن وصايا العهد القديم في ضوء الوحي الإنجيلي .

xxv- Κεφ., PG 150, col. 1161 D (κεφ., 57

xxvi- « τῇ κοινωνία τῶν ὁμοίων ἀρετῶν », Περὶ προσευχῆς, PG 150, col. 1117 B

xxvii- « τῇ κοινωνίᾳ τῆς κατὰ τῆν εὐχὴν πρὸς τὸν Θεὸν δεήσεώς τε καὶ ἐνώσεώς », ibid

xxviii- المرجع نفسه.

xxix- Περὶ προσευχῆς, PG 150, col. 1117 C

xxx- Περὶ προσευχῆς, PG 150, col. 1120 A

xxxi- المرجع نفسه.

xxxii- المرجع نفسه.

xxxiii- المرجع نفسه.

xxxiv- Περὶ προσευχῆς, PG 150, col. 1121 A

xxxv- المرجع نفسه.

xxxvi- PG 150, col. 1120 A

xxxvii- « ἡσυχαστῆς ἐστιν ὁ τὸ ἀσώματον ἐν σώματι περιορίζειν σπέυδων », Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων، (PG 150, col. 1109 B).، هذا الاستشهاد، مأخوذ من الدرجة ال27 لكتاب يوحنا السلمي، ليس حرفيا ولكن أعطى المعنى الصحيح بدقة.، المرجع نفسه.صلاة 2 والروحيةء نسيط

xxxviii- Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων, PG 150, col. 1108 C

xxxix- « ἀγνοοῦσί … ὅτι ἄλλο μέν οὐσία νόος, ἄλλο δὲ ἐνέργεια », PG 150, col. 1108 CD

xl- PG 150, col. 1180 CB

xli- PG 150, col. 1056 A

xlii- Ἐπιστημονική”” ترجمها هاوسر ب”العلمي”. في الواقع، هذه الكلمة تعني جيدا علمي” في اليونانية الحديثة، ولكن يبدو أن المصطلح المتّفق عليه في ترجمة الكنيسة السلافية (وبالتالي الروسية) “الفنية يعبِّر بشكل أفضل مما استعمله الكتاب النسكيون. (تقنية téchnique)

xliii- « Λόγος, 27. Περὶ τῆς ἱερᾶς σώματος καὶ ψυχῆς ἡσυχίας », PG 88, col. 1096-1117; « Λόγος 28. Περὶ τῆς ἱερᾶς προσευχῆς », PG 88, col. 1129-1140

xliv- « Λόγος πρὸς Θεόδουλον… περὶ νήψεως καὶ ἀρετῆς », PG 93, col. 1480-1544

xlv- Περὶ τῆς ἀναπνοῆς, PG 150, col. 1316 C-1317 A ; Περὶ τοῦ πῶς δεῖ καθέζεσθαι, PG 150, col. 1329 A-1333 A

xlvi- هذا الخطأ، ارتكبه هاوسر Hausherr، في كتابه La Méthode، فهو يخلط طرائق الصلاة العقلية مع جوهرها. فهو يكتب عن موضوع الصلاة العقلية، “باختصار اذاً، موضوعان يؤلفان الطريقة. التفتيش عن مركز القلب، الذي أعطى للهدوئية hesychastes اسم “omphalo-psychiques” والتكرار المستمرّ ل”صلاة يسوع”. حيث نصل ​​إلى رؤية “ما لا نعرفه”، وهذا يعني، من الناحية اللاهوتية، وفقا لپالاماس “نور تابور” … “(المرجع المشار اليه، III). في أماكن أخرى من الكتاب نفسه، نتفّحص الطرق الخارجية في مزيد من التفاصيل – والomphaloscopie، وتيرة التنفس، الخ – ويصر على أنَّ الهدوئيين hesychastes “من خلال المثابرة على هذه الصلاة العقلية، سوف يجدون في نهاية المطاف ما كانوا يبحثون عنه، مكان القلب، ومعه وفيه كلّ أنواعٍ من العجائب والمعرفة” (المرجع نفسه. ص 102). باختصار، الوصول الى حالات روحية عالية يبدو له (في تفسيره “صلاة الهدوئيين) تكون النتيجة الحتمية، التي لا مفرّ منها (“نجد في نهاية المطاف”) من المثابرة في ممارسة الصلاة العقلية، وليس ثمرة الاتحاد الداخلي للإنسان بالله وعمل النعمة الإلهية الحرّ، وهذا ما علّمه في الواقع جميع أولئك الذين مارسوا هذه الصلاة.

xlvii- في رأينا، إن بعض الكتّاب ك Jugie، Hausherr، لأنهم لم ينجحوا في رؤية الصلاة الفنية بوصفها جزءا عضويا من التعليم النسكي الكنسي العام، يعتقدون أن الهدوئيين استبدالوا الطريق الصعب أي حفظ الوصايا، بالوسيلة السهلة، و”الميكانيكية” للصلاة. في الواقع، الصلاة لم تكن أبدا منفصلة عن الصلاة، وضعها في تعارض مع الوصايا، هو في حدّ ذاته، خطأ لأنها ليس شيئا آخر غير كمال الشريعة الأساسية لمحبة الله والناس.

xlviii- كان الرهبان الآتوسيون يجلسون على كرسي صغيرة ويحنون رؤوسهم وينظرون الى الصرة ويرددون صلاة يسوع وذلك كوسيلة لجمع قوى النفس وتركيزها حول اسم ربنا يسوع المسيح وبذلك تجتمع الروح والجسد في كتلة واحدة (المعرّب)

xlix- Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων, PG 150, col. 1112 B

l- Ibid., PG 150, col. 1112 C.

li- يتحدث القديس غريغوريوس عن طرائق الشهيق، في traité نفسها Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων. هذه المسألة بالذات دقّقها المجمع المنعقد سنة 1341.

lii-هذه الطريقة المسمّاة نفسا-جسدانيّة technique psycho-somatique

liii- Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων, PG 150, col. 1112 B

liv- PG 150, col. 1109 B

lv- PG 150, col. 1109 D

lvi- PG 150, col. 1112 A

lvii- المرجع نفسه.

lviii .(حاشية : القديس ثيوفان الحبيس اطلق العنان لمن يصلّي صلاة يسوع ليصليها كيف ما كان حاله واقفا، او نائما او ماشيا…)

lix- نظرة پالاماس تعتمد على رؤية نفسية جسدية psycho- somatique مهمّة جدّاً الجسد يؤثر بالروح كما أنّ الروح تؤثر في الجسد . بسبب الخطيئة نصاب بشرود الذهن. نستعمل دقة وظائف الجسد لحصر الشرود. فالتنفس وحركة الدم وكل وظائف خلايا الجسد تتمتع بدقة كبيرة إن لم يشوشها (فلتان) الإنسان. پالاماس يقيد شرود الذهن بهذه السلاسل الدقيقة.(المعرّب)

lx- L’appellation ὀμφαλοψύχοι ou umbilicanimi est utilisée à l’égard des hésychastes

par Léo ALLATIUS dans son De Ecclesia Occidentatis et Orientalis perpetuaconcensione (PG 150, col. 898 D).

lxi- HAUSHERR, La Méthode, p. 164; voir aussi PG 150, col. 899 AB (chez ALLATIUS)

lxii- PG 150, col. 1112 B

lxiii- PG 150, col. 1113 CD

lxiv- PG 150, col. 1109 A

lxv- PG 150, col. 1113 C

lxvi- PG 150, col. 1116 A

lxvii- Ὁμιλ. Σοφ., p. 114

lxviii- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., p. 169-170عظة القديس غريغوريوس پالاماس، دخول والدة الإله القديسة الى الهيكل.

lxix- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., p. 170-171

lxx- Ὁμιλ. Σοφ., p. 131-180

lxxi- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., p. 176

lxxii- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., p. 171

lxxiii- هناك موضوع مماثل في عظة للقديس غريغوريوس بالاماس عن حياة القديس بطرس الآثوسي الرائعة. هذا النص هو دفاعٌ حيٌ ولامعٌ عن الطريقة الهدوئية للخلاص. والدليل إن هذا الطريق هو مقبول من الله هو المعجزات التي تمّمها القديس بطرس في جبل آثوس – فهو هدوئي بامتياز. بحسب هذا البحث (traité)، كل إدانةٍ للهدوئية لمصلحة حياةٍ أكثر نشاطا، هي مستوحاة من عدو خلاصنا(الشيطان). ونحن نعلم أن غريغوريوس پالاماس ليس هو مَن ألـَّف حياة القديس بطرس الآثوسي، الذي عاش قبله في الزمن. ما فعله ما كان إلّا أعطاءه شكلا أدبيا بالأكثر، وأعطاه أيضا “إنشاء” هدوئيا hesychaste (دون إجراء تغييرات كبيرة). النص الأصلي من حياته (من المحتمل مؤلفة في القرن التاسع.)،

lxxiv- Kirsopp LAKE, The Early Days of Monasticism of Mount Athos, Oxford, 1909, p. 18-39.

القديسون اﻷرثوذكسيون والحركة المسكونية

القديسون اﻷرثوذكسيون والحركة المسكونية

بالنسبة للمسيحيين، معيار الحقيقة هو اﻷمانة للمسيح والإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ” (يهوذا 3). الآباء القديسون باتحادهم الكامل بالمسيح بالروح في الكنيسة المقدسة، يصيرون بدورهم المرجع التجريبي الذي به تقاس الحقيقة. لهذا السبب، بالنسبة للأرثوذكسيين، تعاليم الآباء القديسين هي سلطة ينبغي اتباعها وتصديقها، أبعد وفوق أي رأي قد يمتلكه شخص أو مجموعة.

إن هذا الاعتقاد التأسيسي هو بمثابة مقدمة لمناقشة مسألة العلاقات بين الكنيسة الأرثوذكسية وروما، والتي ما زالت مكان نقاش في الأوساط الكنسية.

منذ المجمع الفاتيكاني الثاني، طوّرَت روما فكرة أن الانقسام هو مسألة كنائس شقيقةمنفصلة، وبأن الكنيسة الأرثوذكسية ينقصها القليل لتحقيق الملء الذي من شأنه أن يسمح احتفال مشترك من القربان المقدس الرب“. [1] . هل تقبل الكنيسة الأرثوذكسية بهذا الفهم للانشقاق وبوضع الكثلكة؟ للإجابة على هذا السؤال، يجب أن نعود إلى القديسين والقرارات المجمعية، وعندها، فإن الجواب هو لالا لبس فيها.

عندما ندرس الخلافات مع روما في حياة القديس فوتيوس الكبير (القرن التاسع) و القديس مرقس اﻷفسسي (القرن الخامس عشر)، نجد رفضاً واضحاً لروما بسبب ابتداعاتها، طالما أنها تتمسّك بهاوبالتالي رفض إمكانية الوحدة معها لهذا السبب بالذات. الكنيسة الأرثوذكسية، مع أنها لم تعلن قداسة هذين الرجلين، بل اعتبرتهما أيضاً أعمدة اﻷرثوذكسية، وتبنّت تعليمهما عن روما ضد البابوية و الفيليوكفيه (انبثاق الروح القدس) والحركة المسكونية. تعليم القديس فوتيوس ضد الفيليوكفيه وأولوية البابا تبنّته الكنيسة اﻷرثوذكسية رسمياً في المجمع المسكوني في القسطنطينية (879-880 م)، كما أن تعليم القديس مرقس قد ثبّتته الكنيسة وأكّدته في رفضها للاتحاد الزائف في بازلفيرارا فلورنسا.

في هذه المرحلة، قد يفترض البعض أن الكثير تغيّر منذ القرن الخامس عشر، وأنّ الهيئات غير اﻷرثوذكسية قد تكون اقتربت أكثر إلى التماشي مع العقيدة الأرثوذكسية خلال القرون، وبالتالي، هذه المجموعات صارت أقرب إلى الشركة الإفخارستية الكاملة. لكي يتحقق هذا اﻷمر، ينبغي وجود شيء من الحركة الجديرة بالاعتبار ليس في اﻹيحاء أو المواقف، بل في العقيدة والحياة من ناحية الكثلكة نحو الأرثوذكسية، أقله منذ عهد القديس مرقس الأفسسي. ولكن فكرة أن روما قد تحركت في هذا الاتجاه لا يمكن الدفاع عنها. إذا كان هناك من حركة، فهي ابتعدت أكثر في عدد من الجوانب الهامة.

أوضح فيلاريت رئيس أساقفة نيويورك، تعليقاً على الحج الرسولي في عام 1965 (لقاء البابا والبطريرك المسكوني في القدس): الكثلكة اليوم ليست حتى الكنيسة نفسها التي رفضت الكنيسة الأرثوذكسية بقيادة القديس مرقس الأفسسي الدخول في اتحاد معها. الكثلكة الآن أبعد عن الأرثوذكسية، بعد أن أدخلَت المزيد من العقائد الجديدة وتبنّت المزيد والمزيد من مبادئ الإصلاح والمسكونية، والحداثة.

حتى الكثير من الكاثوليك التقليديين يتّفقون مع هذا التقييم الصادق. ومنذ القرن الخامس عشر، تطرّق إلى قضية روما عدد غير قليل من القديسين الأرثوذكسيين، تعاليمها ومكانتها بالنسبة للأرثوذكسية. ما يلفت النظر في هذه التعاليم هو غياب كل أشكال العواطف المسكونية.

القديس نيقوديموس اﻵثوسي (القرن الثامن عشر)

تسمّى معمودية اللاتين معموديةً زوراً. . . لأنهم هراطقة. . . لقد قال عنهم ما فيه الكفاية المتعلقة القديس مرقس الأفسسي في فلورنسا (في الاجتماع الخامس والعشرين)، حيث تحدث بصراحة على النحو التالي: “لقد انفصلنا عن اللاتين لا لسبب سوى حقيقة أنهم ليسوا منشقين وحسب، بل أيضاً هراطقة ولهذا السبب يجب علينا أن لا نفكّر في الوحدة معهم.

القديس ثيوفانس الحبيس (القرن التاسع عشر)

حقيقة الله، وهي الحقيقة الكاملة النقية والخلاصية، لا يمكن العثور عليها لا عند الكاثوليك ولا عند البروتستانت، ولا في الانجليكانيين. يمكن العثور عليها فقط في الكنيسة الواحدة الحقيقية أي الكنيسة الأرثوذكسيةالكاثوليك هم أول من انشقّ عن الكنيسة“.

القديس يوستينوس بوبوفيتش (القرن العشرون)

أول اعتراض جذري باسم الإنسانية ضد المسيح اﻹلهاﻹنسان، والكائن اﻹلهيالبشري أي الكنيسة، ينبغي البحث عنه في البابوية وليس في اللوثرية. البابوية هو في الواقع أول وأقدم بروتستانتية.

الشيخ صوفروني آسكس (القرن العشرون)

ولكن اتحاد الكنائسصعب، إن لم يكن مستحيلاً. أولئك الذين يتحدثون عن اتحاد الكنائسلا يعرفون عقلية غير اﻷرثوذكس ولا سموّ الأرثوذكسيةأنا لا أريد اتحاد الكنائس، على الأقل الآن، لأن الكاثوليك لن يتغيروا و الأرثوذكس لن ينحرفوا.

القديس نيقوﻻ فيليميروفيتش (القرن العشرون) وهو كان قد عبّر عن ميول مسكونيةفي شبابه لكنه ﻻحقاً عاد ليوافق غيره من القديسين

إذا كانت كل طائفة ﻻ تحتوي إﻻ جزءً من العقيدة المسيحية فقط، فإن الكنيسة الأرثوذكسية تحوي مجمل الإيمان الحقيقي بوفرة، وهو الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ” (يهوذا 3). . . لا يمكن أن تتحقق وحدة جميع الكنائس من خلال التنازلات المتبادلة، بل فقط عن طريق التزام الجميع بالإيمان الواحد الصحيح في مجمله، كما وُرِث من الرسل ووُضع في المجامع المسكونية. بعبارة أخرى، من خلال عودة جميع المسيحيين في الكنيسة الواحدة غير القابلة للتجزئة التي انتمى اليها أسلاف جميع المسيحيين في العالم كله في القرون العشرة اﻷولى بعد المسيح. إنها الكنيسة الأرثوذكسية المقدسة.”

هذا التوافق بين القديسين الجدد نسبياً في معارضة الاتحاد مع روما طالما أنها لا تزال ملتزمة أخطاءها، هو بطبيعة الحال، ما كان ليبدو بارزاً لو كان هناك أيضا قديسون يحبّذون المسكونية أو التعددية الدينية. ولكن في الواقع، هؤﻻء ببساطة لا وجود لهم.

قد يبدو حوار روما اللاهوتي مع الكنيسة الأرثوذكسية حول الفيليوكفيه في العقود الأخيرة أمراً معاكساً لهذا الكلام. ولكن من الصعب أن نرى في هذا أكثر مراوغة، خاصةً مع تبنّي روما لتطوّر العقيدة، الذي هو بحد ذاته إشكالية أساسية بالنسبة للكنيسة الأرثوذكسيةفي التزامها التعليم الرسولي: “وَتَحْفَظُونَ التَّعَالِيمَ كَمَا سَلَّمْتُهَا إِلَيْكُمْ.” (1 كو 11: 2).

هذا الكلام، وبدون أي اعتذار، ليس دعوة للعنف أو سوء المعاملة للكاثوليك. على العكس من ذلك، إنه دعوة إنجيلية أساسية إلى الانخراط في الحوار تقوم على قول الحقيقة في المحبة. هذا يشمل الاستماع بإخلاص إلى المخاوف بوِدّية كما يقول القديس بولس: “صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا” (1 كو 9: 19-23).

هذا بالتأكيد (وبشكل اضح) لا يشمل المساس برسالة الانجيل حيث الثالوث والكنيسة مركزيان في العقيدة الأرثوذكسية. ما من محبة في أن تترك أخاك يتمادى في الخطأ المدمر، إذا كان يرغب بالحقيقة بجدية. لا بل إن مزاوجة الحقيقة مع الزيف هي قلّة محبة، وبالتالي تجديف ضد الثالوث الأقدس.

يضع القديس باييسيوس اﻷثوسي اﻷمر على هذا الشكل:

لسنا بحاجة لأن نقول بأن المسيحيين غير الأرثوذكسيين ذاهبون إلى الجحيم أو أنهم ضد المسيح. ولكن أيضاً لا ينبغي أن نقول لهم انهم سوف يخلُصون، لأن هذا يمنحهم تطمينات كاذبة، ونحن سوف نُحاسَب على ذلك. علينا أن نعطيهم قدْراً جيداً من عدم الارتياح، وأن نقول لهم أنهم مخطئون.

حكمة القدّيسين: التعامل مع الغضب والحقد والمرارة

حكمة القدّيسين: التعامل مع الغضب والحقد والمرارة

الأب ثيودور ستيليانوبولوس

نقلتها إلى العربية جولي عطية

لا تأتي السعادة الحقيقية من كثرة الممتلكات بل من نوعية العلاقات الإنسانية. تتميّز العلاقات الصحيّة باحترام الآخر، والتواضع، والصراحة، والوفاء، والإعراب عن استعدادٍ للتكلّم بهدوء، لتوضيح سوء التفاهم وحلّ الخلافات بعدل، والقدرة على التسوية والتجاوز بنيّةٍ حسنةٍ ومسامحة. حين تكون هذه الصفات موجودة ضمن الزواج والعائلة والجماعة أو المجتمع بعامة، نجد الانسجام والاطمئنان والسلام والفرح الحقيقي.

أمّا أعداء العلاقات الإنسانية الصحيّة فهم اللامبالاة، وعدم الاكتراث، والأنانية، والرغبات الشرّيرة، والغرور، والكبرياء الأعمى. فهذه النزعات تؤدي إلى تراجع الحياة الإنسانية، وتسبّب معاناةً وألمًا لا حدّ لهما، وتُنتج كافة أنواع سوء التفاهم والنزاعات والعداوات والمرارة بين الناس. وكون الإنسان ضعيف يميل إلى إساءة الفهم، فأيّ تعبير قاسٍ يُقال، أو أيّ فعل بسيط يُقترف من دون تفكير، من شأنه أن يؤثّر بشدّة على العلاقات الشخصية. لذلك فإنّ اليقظة مطلوبةٌ للحفاظ على الوفاق بين الناس. وحين تُنتهك الثقة، تلزم عناية شديدة لإعادة الأمور إلى طبيعتها.

في مقالة حول الحقد، يعرض القديس دوروثاوس أسقف غزة (القرن السادس) تعليمًا مفيدًا عن الخلافات ونتائجها وكيفية مواجهتها. وأوّل نصيحة للقدّيس دوروثاوس تتعلّق بالمعرفة. فالمعرفة الواضحة تساعد الإنسان على التعامل مع الخصامات بشكل أفضل. ويفصل القدّيس بين مراحل النزاع: الاستياء، اضطراب الذهن، الغضب، الهيجان، والعداوة أو الحقد. ويوضح تعليمه بالمثل التالي:

عندما يوقد أحدهم نارًا، يبدأ بإشعال شرارة، مثلاً بواسطة عود ثقاب. وتمثّل هذه الشرارة كلمةً مهينةً نطق بها أحد الأخوة أو عملاً اقترفه. إذا احتملتَ كلامَ أخيك، فإنك تطفئ الشرارة، أمّا إذا سمحتَ لها بأن تلفتَ انتباهك، فإنّك تشعلها كمَن يرمي حطبًا أو وقودًا في الموقد، فيشتعل الدخان الذي هو اضطراب الذهن“. وكلّما فكرتَ فيها، استحالتْ مشاعرُك غضبًا وتحوّلَ الغضب إلى هيجانٍ داخلي. يشبه ذلك تجميع الحطب فوق النار فتشتعل بشكل خارجٍ عن السيطرة. إنّك تعذّب نفسَك وتهاجم مَن أهانك، والآخرين أيضًا، بسبب اضطرابك الداخلي. وإذا لم تتبدّد مشاعر الغضب هذه، يحوّلها الوقتُ إلى عداوةٍ أو حقدٍ دائمين. تسمّى هذه الحالة mnesikakia باليونانية، وتعني حرفيًّا تذكّر الشرور أو الإساءات، وتتميّز بإرادةٍ مريضةٍ راسخة، وعداوة ناقمة، ومرارة تجاه الآخر.

لكن كيف يجب أن يتصرّف الإنسان بحكمةٍ إزاء الإهانات؟ ينصح القدّيس دوروثاوس الإنسانَ بأن يميّز الفرق بين الاضطراب والهيجان والغضب والسقوط في الحقد. حصِّنْ نفسَك بهذا التمييز، واعتمدِ الخطة الروحية القائمة على قطع الخلاف منذ بدايته. تراجعْ وخذْ نفسًا عميقًا، وفكِّر قبل أن تتكلّم أو تتصرف، واملكْ وسائلَ بديلة للردّ حين توشك الشرارة على الاشتعال. لا تسمحْ للإزعاج بأن يتحوّل إلى غضبٍ ثم إلى حقد. “اقتلعوا أهواءكم ما دامت صغيرة، وذلك قبل أن تركن فيكم وتتعبكم. فاقتلاع نبتة صغيرة شيء واقتلاع شجرة شيء آخر بالكلّية“.

يستطيع كلّ واحد منّا أن يجد وسائل إيجابية للردّ على الإهانات. من الأفضل أحيانًا التزام الصمت وإعادة فتح الموضوع في وقت أنسب. وبإمكان الإنسان أن يتكلّم بهدوء ويستوضح سائلاً: “ما الذي يجعلك تشعر هكذا؟ مِن فضلك اشرحْ لي ماذا تعني“. أو يستطيع أن يعتذر بتواضعٍ قائلاً: “أنا آسف لأنك تشعر هكذا. لم أعنِ أن أسبّب لك الإهانة. لنهدأ ونتكلّم في المسألة“. ويمكننا أن نتغاضى عن الإساءة، وأن نتحاور بصبرٍ في وقتٍ آخر مع الشخص الذي أهاننا: “يوحنا (أو مريم)، ما قلتَه (قلتِه) ذاك اليوم سبّب لي الأذية، هل بإمكاننا التحدّث بالأمر؟ أقدّر علاقتنا، هيّا نحاول توضيح سوء التفاهم“. يجب إيجاد التعابير المناسبة والتكلّم بالنبرة المناسبة لئلاّ تشتعل النار وتلتهم المتخاصمين.

يلفت القدّيس دوروثاوس الانتباه إلى أنّ الإنسان يميل بطبعه إلى التصرّف بعدلٍ ومقابلة الشرّ بالشرّ. يتذكّر المزمور 7: 5 حيث نصلّي إلى الله: “إن كنتُ قابلتُ الشرّ بالشرّ فلأهلك بالكلية ولأسقط أمام أعدائي خاويًا“. عندما يقابل أحدُهم الشرّ بالشرّ، فهو يؤذي نفسه. يشرح القدّيس: “السقوط يفترض فقدان القدرة على النهوض من جديد. أما أن نسقط خاوينيعني أن نفقد كلّ فضيلة تسمح لنا بالنهوض من جديد“. إذًا برغبتنا في العدل، نكون في خطر خسارة قدرتنا على التصرف بفضيلة أو عمل الصلاح“.

هناك وسائل عدّة لمقابلة الشرّ بالشرّ، ليس فقط بالكلمات أو الأفعال بل بالمواقف والحركات والنظرات، وهي وسائل يجب تمييزها وتجنّبها. فالتجاهل يعبّر عن وجود حقدٍ في القلب، ونظرة الازدراء تجرح مثل سهمٍ مسنّنٍ بالخبث. وقد لا يكنّ أحدُهم البغض لأخيه، لكنّه يفرح إن سمعَ أحدًا يشتمه. وآخر لا يضمر في قلبه سوءًا لأخيه، لكنّه لا يطلب له السعادة ويحزن إن رآه مكرَّمًا. تمثّل هذه الحالات، بحسب القديس دوروثاوس، أشكالاً ماكرة لمقابلة الشرّ بالشرّ، وتعبّر عن حقدٍ مخفي. لذلك يجب تمييز هذه الأشكال بعناية، ومكافحتها والاعتراف بها إلى الله. لقد طلبَ المسيحُ منّا أن نحبَّ أعداءنا وأن نصلّي من أجلهم. وعلّم بولس الرسول: “لا يَغلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغلِبِ الشَّرَّ بالخَيرِ“(رو 12: 21).

لكنّ المعرفة ووسائل الدفاع لا تكفي وحدها للتعامل بفعالية مع الاستفزازات والإساءات. نعمة الله أساسيّة للغاية لحدّ الخلاف وجلب المصالحة والشفاء. وعند اشتعال شرارة الخلاف الأولى، تكون الصلاة الردَّ الأكثر إيجابية وفعالية، كونها تُلهِمُ الخطوات المفيدة التالية. الصلاة ملجأٌ داخلي آمنٌ يعمّه السلام والتفكّر، فيه يجدُ الإنسان المساعدة على مواجهة الخلافات والأذية بشكلٍ عميق.

في التقليد الأرثوذكسي، يُنصح بتلاوة صلاة يسوع (ربي يسوع المسيح ارحمني)، بصفتها فأسًا في وجه التجارب والأهواء. ويمكننا اختصارها، وفقًا للحالة، إلى صيغة يا رب ارحم!” أو يا رب امنحني القوة، أو أعطني الصبر، أو امنحني النور للتعامل مع هذه المشكلة“. عند اشتعال الشرارة، تساعد تلاوة صلاة يسوع النفسَ على الالتجاء إلى منزلها الروحي، فنُسيطر على الغضب، ونضبط الكلمات والأفعال التي قد نندم عليها لاحقًا.

يقترح القدّيس دوروثاوس تلاوة صلاة قلبيّة صامتة ومتّضعة، وهذه الصلاة ترفع من شأن الذي أهاننا. “يا رب أعِنْ أخي وأعِنّي بصلواته!”. حين يتوسّل الإنسان، بهذه الكلمات، من أجل أحد الإخوة، فهذا يدلّ على رأفة ومحبة، وإنّه لتواضع مِن قِبله أن يسأل الله العونَ بصلوات مَن أساء إليه. يقول القدّيس دوروثاوس: “حيث تكون الرأفة والمحبة والتواضع، كيف يمكن للغضب ولأيّ هوى آخر أن يسود؟“. ويستشهد بقولٍ لإفاغريوس الناسك: “مَن يصلّي من أجل أعدائه، لا يعرف الحقدَ البتّة“. الصلاة من أجل خير أعدائنا وخلاصهم هي الطريق الأضمن لشفائنا من السخط، ولتهيئة الأرضيّة للشفاء والسلام. ينهي القدّيس دوروثاوس رسالته بهذا الإرشاد الصلاتيّ: “ليعطِنا الله أن نتذكّر هذه الكلمات التي نحن سامعوها، وأن نحفظها ليوم المحاكمة، حتى لا تكون دينونة لنا“. يا قدّيس الله صلِّ من أجلنا.

القديس نكتاريوس كمعلّم للشباب

القديس نكتاريوس كمعلّم للشباب

نقلها عن اليونانية بتصرّف الأب أنطوان ملكي

القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس والعجائبي، لا يزال حتى اليوم منارة مشرقة ينير لنا بفضائله الكثيرة وكتاباته الهامة ومعجزاته التي لا تعد ولا تحصى.

من بين أمور أخرى، لقد كان مربياً ممتازاً ومعلماً للشباب، الذين اعتبرهم الأمل الذهبي للكنيسة والأمة، قاعدة الغد“. وفي خطاب له يحمل عنوان دعوة المراهقين في المجتمعالتي ألقاها لطلاب الثانوية في لاميّا، يصف المراهقة بأنها مهمة وسريعة. “بالواقع إنها هامّة المهمة العظيمة التي خصصت لها، وسريعة في مدتها القصيرة، حيث خلالها ينبغي إنجاز أشياء كثيرة وكبيرة“.

يسمّي قديسنا المراهقين الجيل الجديدوالجيل الوارثالذي تسلّمه الأمة والدولة ودائع الأجداد وكلّ كنوز الأجيال السابقة.” هذا هو سبب حماسه لتشجيع الشباب في نضالهم الروحي وتشديدهم، من خلال حثّهم على ممارسة الفضيلة. كان يعلّمهم مع الكثير من المحبة بأن عليهم الحفاظ على إيمانهم في المسيح، الإله الحقيقي، كوديعة مقدسة. كان عليهم أن يسلكوا في الحياة في المسيح والارتباط به من خلال أسرار الكنيسة الخلاصية.

كان يعرف الصعوبات الكبيرة التي تواجههم في نضالهم الروحي في كثير من الأحيان. وقد أوصاهم باليقظة والاستقرار في حياتهم المسيحية لأنها سلاح الانتصار. في عظته لطلاب المدرسة الثانوية في لاميّا، قال ما يلي: “أولادي الأحباء، إن كفاحكم يتطلب قراراً شجاعاً وروحاً معنوية ثابتة لاكتساب الفضيلة. لأن المترددين، أولئك الذين يبدؤون نضالهم من أجل الفضيلة بالإهمال والكسل، تثبط عزيمتهم بسرعة ويُهزَمون، ويتحوّلون بسهولة إلى جبناء ويفرّون“.

أوصى القديس بالكتاب المقدس كدليل لا غنى عنه لمعرفة الحقيقة والاستنارة والاستعداد للخلاص. كما شدّد بكل قوة روحه على أن عليهم أن يجمعوا بين التقوى والعلم، إذ بهذه الطريقة يتقدمون وينمون في جميع مراحل حياتهم. الفكرة المركزية في توجهه للشباب كانت هذه الحقيقة: “من دون حياة فاضلة، لا يمكن بلوغ الوجهة النهائية للإنسان“.

علّم القديس الشباب دائماً من كلمات الكتاب المقدس وآباء الكنيسة، وغالباً ما استخدم كلمات الكتّاب القدماء. قبل كل شيء، كان همّه أن يعلّم بالقدوة. وقد نجح بالنضال ونعمة الرب. في الواقع، كتب أحد طلابه وأبنائه الروحيين، في رسالة إلى صديقه عام 1897: “من حسن الحظ أنّ هناك في أيامنا روح مديرنا المبجّل الجميلةتراه يعيش في هذا العالم، ومع هذا تشعر بأنه رجل ليس من هذا العالمبدون مبالغة إنه يصلّي ليل نهارحليم، محبٌّ للجميع لا يُقاوَم بنظرته البريئةينسجم مع مختلف الناس الذين يسكّنهم ويوجّههم نحو المخلص المتجسد بلطف غير مسبوق و وداعة لا مثيل لهاإنّه رجل لكنّه يعيش كملاك“.

معنى النسك المسيحيّ

معنى النسك المسيحيّ

الأستاذ قسطنطين سكوتيريس

ترجمة راهبات دير السيدةكفتون

على مدى وجودها التاريخيّ، استمرّت الكنيسة تدلي بشهادتها عبر تبشير لاهوتيّيها، الذي هو عبادتها العقليّة، كما عبر الحياة النسكية الشخصية التي عاشها قدّيسوها وشهادتهم. فالحياة النسكيّة لم تكن قطُّ خاصّيّة بعض أعضاء جسد المسيح. كانت بالأحرى دعوة كلّ مؤمن وطريقة حياته. في حياة الكنيسة القديمة، لم يشكّل اللاهوت والعبادة والممارسة النسكيّة قط ثلاثة مستويات منفصلة من الممارسة الكنسيّة، إنّما جاءت تعابير عن ضمير الكنيسة الواحد.

إنّ آباء الكنيسة لم يفهموا اللاهوت الكنسيّ كفرع من فروع الفلسفة، ولا كمذهب عقلانيّ أكاديميّ لإدراك المعاني المجرّدة. فهموه كخبرة الإيمان المُعاش، كما مارسها وعلّمها القدّيسون، وهم أفضلُ وأصدق حفَظَة للفكر اللاهوتيّ. يشدّد القديس باسيليوس الكبير على أنّ سرّ اللاهوت بحاجة إلى تصديق الإيمان غير المتزعزع: “عسى أن يأتي كلام اللاهوت مَقودًا من الإيمان. الإيمان لا البرهان. الإيمان الذي يجتذب الوسائل العقليّة من النفس إلى التسليم بالله. هذا الإيمان لا يتولّد عن الضرورة المنطقيّة لا يتولّد عن الضرورة المنطقيّة الهندسيّة، إنّما من فعل الروح القدس“. ويشير القديس غريغوريوس اللاهوتيّ إلى أنّ الإيمان هو كمال المنطق. فعلى العموم، الإيمان والحياة العمليّة متشابكتان باللاهوت. يقول:”هل تودّ أن تصير لاهوتيًّا؟ احفظ الوصايا واسترشد بها. فالأمورالعمليّة تستند على الأمور النظريّة“. بالتالي، إنّ لاهوت الكنيسة الحيّ أتى ثمرة الرحلة الروحية للمؤمن، ونتيجة دخوله في خبرة التقديس المتوفّرة له كلّما دخل في شركة مع الله.

إنّ رحلة المؤمن الروحيّة هذه محبوكة بشهادة العهد الجديد، وبشركة الكنيسة، كما تعبّر عنها جماعة المؤمنين يوميًّا في عبادتها العقليّة، لاسيّما في اجتماع الإفخارستيا. بفضل حياة العبادة، والإفخاريستيّا بشكل خاصّ، يرتقي المؤمن إلى مستوى جديد وفريد معًا من العلاقة بالله، وبقريبه، وحتى بنفسه. فدورة العبادة في الكنيسة تشهد لسرّ خلاص الإنسان وتاريخ العالم. في كلّ اجتماع إفخارستيّ للمؤمنين، يتحقّق سرّ الكنيسة، هذا الاتحاد الفريد بين الله والإنسان، بين الإنسان وأخيه، وبين الإنسان والعالم. في الإفخاريستيّا تصبح المجموعة واحدًا. ” فنحن على كثرتنا خبز واحد وجسد واحد، لأنّنا نحن كلّنا نشترك في هذا الخبز الواحد“(1كور10: 17). وليست الوحدة الإفخاريستيّة، أي وحدة الكنيسة، تآلفًا خُلُقيًّا، أعني اتحادًا شكليًّا مبنيًّا على العواطف، أو على الخبرة البشريّة والمصالح، أو على السلوك الخارجيّ، بل هي علاقة جوهريّة بسرّ المسيح. إنّها الخبز الذي يحفظ الحياة وتكامل الجسد. “ما أعطاكم موسى الخبز من السّماء، أبي وحده يعطيكم الخبز الحقيقيّ من السماء. لأنّ خبز الله هو الذي ينزل من السماء، ويعطي العالم الحياةأنا هو خبز الحياة من جاء إليّ لا يجوع، ومَن آمن بي، لا يعطش أبدًا“(يوحنا 6: 32-33، 35).

الحياة في الكنيسة، أعني الاشتراك في خبز الحياة، تفترض التسليم بحرّيّة الإنسان. لا يمكن قصر حرّيّة الإنسان في أيّ ظرف من الظروف. وإنّما يصبح المؤمنون سرّ الجماعةلأنّهم يقبلون بحرّية الحياة الجديدة في المسيح. يعني هذا أنّ كلّ مؤمن يحدّد مَسار وجوده في خطّ مستقيم هو خطّ الحياة في المسيح، وذلك بقدر ما يمكنه، وبحسب عطيّة الله له، لكلّ إنسان هبة خصَّها الله بها، فبعضهم هذه، وبعضهم تلك” (1كور7:7). في الكنيسة، ليس ما يتمّ بالسِّحر، من دون رضى المؤمن وجهاده الشخصيّ. فمشاركة سرّ المسيح عطيّة مجّانيّة ونتيجة جهد المؤمن الخاصّ في آن. وحياة الكنيسة، هذه العطيّة من الله الذي يحيي كلّ شيء” 1تيم6: 13)، هي دعوة دائمة إلى اجتهاد المؤمن الشّخصيّ. هذا يعني أنّ حياة المسيحيّ هي صراع ليس فإنّ مصارعتنا ليست ضدّ لحم ودم، بلضدّ الرّئاسات، ضدّ السلاطين، ضدّ ولاة العالم، عالم ظلمة هذا الدّهر” (أفس6: 12). ينصح القدّيس غريغوريوس النّيصصي الإنسان المستنير حديثًا بأن يأخذ الوزنة ويبذل جهده، مشيرًا إلى الموهبة المجّانيّة التي يتلقّاها المؤمن في المعموديّة. هكذا، تظهر حياة الكنيسة وهي فريدة من نوعها، إلهيّة وبشريّة معًا، تظهر في كلّ مؤمن، على قدر مساهمته الفرديّة. فبقدر ما يدلي المؤمن بشهادته الخاصّة وبرهانه العمليّ، بقدر ما يلقى نصيبًا في الشركة الإلهيةّ. بكلام آخر، الشركة في الكنيسة حقيقة مطروحة أمام كلّ مؤمن، وواقع يكتسبُه باستمرار. لا جمود هنا، بل اطّراد وتقدّم لا يتوقّفان، يحقّقهما المؤمن يوميًّا بجهده الشخصيّ اليوميّ. إنّ عنصر الديناميكيّة من مزايا الحياة المسيحيّة، لأنّ الاتحاد بالله ليس له انتهاءٌ ولا حدود. الله غاية المشتهى، والرحلة إليه مسيرة إلى نهاية الكمال الذي لا ينتهي.

يتوفّر الاتحاد بالله ضمن الكنيسة بحسب العمر الروحيّ لكلّ مؤمن. معنى ذلك أنّ الجهاد الشّخصيّ، والنسك المسيحيّ شرطان مسبقان يحدّدان وجوده كعضو في جسد المسيح. النسك طريقة حياة كلّ الذين نالوا بركة الانتماء إلى الأسرة الجديدة في الكنيسة. إنّه لمن الخطأ أن ننظر إلى النسك كنهج حياة يخصّ الرهبان، أو الذين وقفوا أنفسهم لخدمة الكنيسة، دون سواهم. طبعًا إنّ الرهبان والراهبات منوطين بتكريس ذواتهم لحياة النسك بكلّ ما في كيانهم من طاقة. إلاّ أنّ هذا لا يعني أنّ العلمانيّين الذين يعيشون ويعملون في العالم لا يمكنهم تذوّق ثمار النسك المبارك الطيّبة. فالحياة المسيحيّة تستند أوّلاً وأخيرًا على التعاطي اليومي لتعاليم الكنيسة. وعيش تعليم الإنجيل هذا هو واحد، مطروح من غير تمييز أمام أعضاء جسد الكنيسة كافّة. إذًا فالحياة النسكيّة هي نهج حياة يتّصل بكلّ مسيحيّ، وينفذ إلى كلّ تعبير في السلوك. الممارسة النسكيّة التي يتعهّدها كلّ مؤمن يدخل جسد الكنيسة تعبّر عن خبرته الشخصيّة الحيّة لوديعة الإيمان الواحد وللتصرّف المسيحيّ الفريد. في رئالته إلى أهل أفسس، يحدّد بولس الرسول الصراع الذي يتعهّد المؤمنون خوضه عندما يختارون الانضواء تحت لواء المسيح كجنود وخدّام له:

أخيرًا يا إخوة، تقوّوا في الرب وفي عزّة قدرته، إلبسوا سلاح الله الكامل لتستطيعوا أن تقفوا ضدّ مكايد إبليس، فإنّ مصارعتنا ليست ضدّ لحمٍ ودمٍ، بل ضدّ الرئاسات، ضدّ السلاطين، ضدّ ولاة العالم، عالم ظلمة هذا الدّهر، ضدّ أجناد الشرّ الروحيّة في السماويّات. فلذلك احملوا سلاح الله الكامل لتستطيعوا المقاومة في اليوم الشرّير، حتى إذا تمّمتم كلّ شيء تثبتون. فاثبتوا إذن، ممنطقين أحقاءكم بالحق، ولابسين درع البرّ، وأنعِلوا أقدامكم باستعداد إنجيل السلام، واحملوا علاوة على كلّ ذلك ترس الإيمان الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرّير الملتهبة، واتخذوا خوذة الخلاص وسيف الروح الذي هو كلمة الله” (أفسس6: 10-18).

لم تكن الحياة النسكيّة قط في الكنيسة غاية بحدّ ذاتها. ولا كانت يومًا استعبادًا للجسد يؤدّي إلى نوع من الأنانيّة المريضة. النسك الذي تنادي به الكنيسة هو حفظ وصايا الإنجيل، وهذا غايته أن يرفع الإنسان إلى مستوى دعوته الحقيقيّ. إنّه طريق تقود إلى الشركة مع الله والمشاهدة الإلهيّة (ثيوريا). النسك يستند على الإيمان، يعني على تراث الكنيسة العقيديّ، وهو يرمي إلى الكمال الروحيّ للإنسان. ويتراوح النسك المسيحيّ بين قطبين: “أحبّ الربّ إلهك من كلّ قلبك، ومن كلّ نفسك ومن كلّ عقلك، وأحبَّ قريبك كنفسك” (متى 22: 37-39). فتلعيم الكنيسة كلّه فيما يختصّ بالسلوك المسيحيّ يستند إلى هتين الوصيّتين. وكلّ مؤمن مدعوٌّ إلى بذل قصارى جهده في معركته الروحية الشخصيّة إجابةً إلى تلك الدعوة الإلهيّة. فالنسك إذًا هو أن يقف المرء نفسه كلّها لمحبّة الله ومحبّة إخوته البشر، أعني بكلّ ما يؤتاه الإنسان من قوّة.

إنّ النهج النسكيّ دعوة توجّهها الكنيسة إلى سائر أعضائها. فالنسك فلسفة وموقف من الحياة. عبر طريق النسك يُرفَع الإنسان إلى مستوى الحرّية الحقيقيّة. ينعتق من كلّ الواجبات التي يتطلّبها المجتمع المبنيّ على محوريّة الأنا، لا سيّما المجتمع المعاصر. في الواقع، إنّنا نعيش في عالم يعطي الأولوية لكلّ ما هو سهل المنال ومريح، ولكسب الخيرات المادّيّة وبحبوحة العيش الرغيد. مجتمعنا مجتمع جشع، يعلّق وسام النجاح لكلّ من يعيش في الرفاهيّة، وويتمتّع بوفرة الممتلكات والتسهيلات بأقلّ جهد ممكن. ولكنّ الذهنيّة الجشعة لها عواقب وخيمة على الإنسان، لأنّه، في آخر تحليل، يضيّع حياته جريًا خلف أحلام واهية. إنّما الجشع لا يعرف حدودًا، ولا يوفّر للإنسان السعادة والرضى الداخليّ إطلاقًا. وذلك لأنّ الإنسان الذي يعيش في هذا العالم يبقى يشتهي الأشياء المادّية، مهما يعطى له ، ومهما توفّرُه له فرص الحياة. اإنسان الجشع لا يرضى بما يملكه، ولو ملك كلّ ما يمكن أن تطاله يده في هذه الدنيا. والعكس صحيح، فالإنسان الروحانيّ، يتمتّع بغنى لا حدود له، لأنّه تعلّم أن يرضى بضروريّات المعيشة لا أكثر. “فما جئنا العالم ومعنا شيء، ولا نقدر أن نخرج منه ومعنا شيء. يكفينا القوت والكسوةفحبّ المال أصل كلّ شرّ، وبعض الناس استسلموا إليه، فضلّوا عن الإيمان وأصابوا أنفسهم بأوجاعٍ كثيرة“(1تيم6: 7-9).أمّا الذين أدركوا معنى النسك المسيحيّ وتقشّف الإنجيل، أعني القدّيسين في كنيسة الله، فهؤلاء فقراء ويغنون كثيرًا من الناس، لا شيء عندهم وهم يملكون كلّ شيء” (2كور6: 10).

إنّ غياب الذهنيّة النسكيّة عن الإنسان، عدا عن أنّه يرميه في بحر من الشكوك والقلق الشخصيّ، له عواقب وخيمة على صعيد العالم كلّه. فالمشاكل المتعلّقة بتدمير البيئة وبالمواد الغذائية المغشوشة والمضرّة تُعزى لحدّ كبير إلى الطمع، حيث يتعدّى الإنسان على الطبيعة من أجل كسب مقدار أوفر من الثروة الماديّة. بالتالي، فإنّ الخليقة كلّها تئنّ حتّى اليوم من مثل أوجاع الولادة” (رو8:22). في نهاية المطاف، لقد أدخل الإنسان نفسه، بسبب جشعه، في دوّامة لا يستطيع الخروج منها، إلاّ إذا أدرك بكامل وعيه أنّ طريق النسك المرضيّة لله هي مخرجه من المأزق الذي وصل إليه اليوم. بحياة النسك يتمكّن الإنسان من إدراك قيمة الأمور، وتسبيح الله على هباته، والأهمّ أنّه يدرك حدوده، ويتسنّى له أن يقيس تقدّمه في حياته على ضوء الأبديّة.

لا بدّ من التشديد على أنّ الحياة النسكيّة ليست إطلاقاً انكفاءًا عن الحياة، ولا ازدراءً بالخيرات المادّية التي وهبنا الله إيّاها لنتمتّع بها. إنّما هي مجرّد تقييم للأمور، وجهاد المؤمن حتى يبقى على مسافة منها، فلا يمسي ما يقدّمه له هذا الدهر جوهرَ حياته وغاية وجوده. إنّ النسك يقظة مستمرّة، بها يعي الإنسان أنّ الحياة وأمور هذه الدنية كلّها زائلة، والآن يبقى الإيمان، والرجاء، والمحبّة، وأعظم هذه الثلاث هي المحبة” (1كور13:13). والمؤمن الذي يعيش بحسب شريعة الإنجيل ووعد الكنيسة لا يرفض العالم. فالنسك المسيحيّ يعترف بالجسد وبالخيرات المادّية التيي يهبها الله، شرط ألاّ تُعطى صفةً مطلقة، ولا تصير حاجزاً يحول دون الحفاظ على محّبتنا لله ولأخينا الإنسان، ودون تنمية هذه المحبة. لهذا فالنسك المسيحيّ ينظر نظرة إيجابية إلى الدنيا وإلى الخيرات المادّيّة، عندما لا تحيد بالإنسان عن التكريس لله وعن محبّة القريب.

إنّ تراث آباء الكنيسة يفهَم النسك كعلاج لشخص الإنسان. فالإنسان يحيا حالةَ مرَضٍ منافية لطبيعته بسبب الخطيئة. لقد ابتعد عن الله، وتغرّب عن أخيه الإنسان، وأمسى منقسماً في عمق كيانه. أجل، إنّ الإنسان الخاطىء لمريض، وهو شخصيّة منفصمة، بحاجة إلى تسوية وشفاء. ليس من باب الصدفة أن نجد في عصرنا ازدياداً للأمراض النفسيّة والاضطرابات العصبيّة في المجتمعات الميسورة. ونجد عند بولس الرسول وصفاً لحالة الإنسان الذي يمزّقه هذا الانقسام: “وأنا في أعماقي أبتهج بشريعة الله ولكنّي أشعر بشريعة ثانية في أعضائي تقاوم الشريعة التي يقرّها عقلي، وتجعلني أسيراً لشريعة الخطيئة التي في أعضائي. ما أتعسني أنا الإنسان! فمن ينجّيني من جسد الموت هذا؟!” (رو7: 22-24). ولكن، بالنسك وبالتطبيق الصادق للإنجيل، بلغ القديس بولس من سموّ القداسة ما حمَلَه على القول: “مع المسيح صُلبتُ فما أنا أحيا بعد، بل المسيح يحيا فيّ” (غلا2:20). إنّ النسك المسيحيّ يحرّر الإنسان حقيقةً من تلك القيود والعواقب التي تسمّره في نهج حياة مادّيّ النزعة.

عندما نتكلّم على النسك كوسيلة تمنح الإنسان التوازن والشفاء، طبعاً لا نعني به جَهداً فرديًّا أو تمرينات روحية قائمة على أساس قدرات الناسك الذي يمارسها وطاقته وحدها. إنّما النسك المسيحيّ هبة من الله، عطيّة يخصّ الله بها، ضمن الكنيسة، جميع الذين ينظرون إلى تعاليم الإنجيل بعين الجدّيّة. النسك المسيحيّ يتداخل ونعمة الله، وهو نمط حياة كنسيّ. هذا معناه أنّ النسك لا يتمّ فعلاً ولا يثمر إلى مئة ضعف إلاّ ضمن الكنيسة. هذا لا يتحقّق إلاّ بالوسائل المختبرة الممحّصة التي لا تنفكّ الكنيسة تعلّمها وتطبّقها. في شركة الكنيسة، وبمؤازرة الله، تتوفّر للمؤمن الشروط المسبقة الوافية لكي يفلح في جهاداته. والمؤمن يستمد قوّة من الجهادات التي يبذلها في النسك إخوته وأخواته، ضمن الكنيسة. وله في قدّيسي الكنيسة مثالاً لحياته. إنّ القدّيسين الذين عاشوا في مختلف العصور خبِروا في العمق التجارب نفسها. هؤلاء، بالنسك ومزاولة الكلمة الإلهية بحرارة، ونجحوا في أن يصبحوا لله أصدقاء مختارين. القديسون أمثلةٌ حيّةٌ تضعها الكنيسة إزاء المؤمنين لتؤكّد لهم أنّ طريق النسك والقداسة ليست سراباً بل مكسباً في متناول اليد يجعل من الإنسان صورة حيّةً لله.

إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ النسك المسيحيّ يعمل ضمن إطار شركة الكنيسة. فليس النسك هنا معركة يخوضها فرد منعزل لكي يبلغ إلى درجة معيّنة من كمال الأخلاق. إنّما النسك نمط حياة يتحقّق في إطار العيش مع عدد من الإخوة والأخوات، هم رفاق النسك. ويؤكّد الطابع الكنسيّ الذي يتّصف به النسك المسيحيّ أنّ المؤمن لا يسير في رحلة النسك تلك على مقاييسه الخاصّة، بل يفحص أبوه الروحيّ جهاده، على ضوء ما أوتي هذا الأخير من حكمة وخبرة. من دون أبٍ روحيٍّ ينصح ويعزّي ويوجِّه، مصير النسك فشل محتَّم، وقد يؤدّي إلى التطرّف المتشدّد fanatism أو إلى التركيز المفرط على الأنا. وقد يُستنفَد كلّه في محاولة اكتساب فضائل معيّنة. أمّا النسك ضمنَ الكنيسة فيخضع لحكم الأب الروحيّ، الذي يستطيع أن يحمي الإبن الروحي، ويوجّهه إلى الطريق الصحيحة بفضل خبرته النسكية الخاصّة ونعمة الكهنوت. هذا النسك الذي يمرّ بعلاقة الأبوّة والبنوّة الروحيّتين مبنيّ على تراث الكنيسة العريق وخبرتها الطويلة.

النسك ضمنَ الكنيسة هو مسيرة توبة لا تنتهي، واستعداد مستمرّ للتغيّر والعودة إلى الله. هذا ينطبق على كلّ مسيحييّ من دون اشتثناء، سواءٌ يعيش في العالم او يسلك في التكريس الرّهبانيّ. في الكنيسة، ليس المقياس الذي على أساسه يُدان الإنسان ما عنده من فضائل أو رذائل، بل عزمه الواعي على تغيير حياته بوساطة توبة صادقة، وعلى التوجّه بكامل وجوده نحو حياة الله. بالتوبة يلبّي المرء دعوة المسيح، وهو الذي استهلّ كرازته باستدعاء الناس كافّة إلى التوبة. “وبدأ يسوع من ذلك الوقت يبشّر فيقول: “توبوا لأنّ ملكوت السموات اقترب” (متى4:17). إنّ التوبة، وهي رذل الخطيئة والعودة إلى الله، تشتمل على موقف المسيحيّ بعامّة. التوبة تعني موقفاً من الحياة، وليست وصيّة خلُقيّة يجدر بالمرء اتباعها. إنّها تغيير جذريٌّ للذهن، وخيار وجوديّ حرّ يعود بموجبه المرء إلى أبيه، كالابن الشاطر في المثل الإنجيليّ، الذي كان ميتاً فعاش، وكان ضالاًّ فوُجِد“(لو15:11-32).

إنّ الحياة الرّهبانية، بشكل خاصّ، هي حياة توبة مستمرّة مكثّفة، حياة موجّهة صوب العودة إلى الله. بالعفّة والفقر والصوم والأسهار، وسواها من أعمال النسك، يحاول الرّاهب أن يتخلّص من التفكير الدّنيويّ، وأن يغيّر طريقة تفكيره ويحيا حياة مختلفة من حيث قيمتُها الروحيّة. يرمي الراهب أو الراهبة إلى عيش سرّ التوبة التي بحسب المسيح عيشًا مطلقًا أصيلاً. من هنا أنّ الرهبانيّة هي شكل من أشكال الحياة المسيحيّة يهدف إلى الاشتراك في حياة الله وإلى الصلاة المتواصلة. في الحياة الرّهبانيّة، يتآلف النسك والمحبّة، والعشق الإلهي، كما يقول الآباء الهدوئيّون. ومثل أيّ نسك آخر، ليس النسك الرّهبانيّ أمرًا كرهيًّا، ولا هو رفض لحرّيّة المرء، بل يأتي نتيجة الخيار الحرّ والمحبّة عند الراهب أو الراهبة.

ولا يقتطع النسك والعشق الإلهيّ الراهبَ عن جسد الكنيسة. ليس الرّاهب فقط مَن زهد بالعالم وبأمور الدّنيا. فالراهب لا يترك جماعة الكنيسة، بل يحيا ضمنها، وحياته كلّها انعكاس للحياة الكنسيّة. الراهب مشغوف بالله ويحاول نيل رضى الله بذبائحه النسكيّة، وبهذا يحاول أن يوطّد قداسة جسد الكنيسة بأسره. فقداسة الراهب تنتقل سرّيًّا إلى جسد الكنيسة بكامله، لسَدِّ حاجات الإخوة القدّيسين” (2كور9: 12). بحياة القداسة التي يعيشها، يشفي الراهبُ الإنسانَ ويقدّس الخليقة. إنّ موهبة الراهب الخاصّة ضمن الكنيسة توضحها جليًّا أقوال إفاغريوس البنطيّ الأربعة في الحياة الرّهبانيّة:

  1. طوبى للراهب الذي يرى بفرح وابتهاج خلاص الآخرين كلّهم وتقدّمهم كأنّهما لنفسه

  2. طوبى للراهب الذي ينظر إلى كلِّ إنسان، بعد الله، كأنّه الله نفسه

  3. الراهب دائماً منفصلٌ عن الناس، ومتّحدٌ بهم جميعاً

  4. الراهب هو من يرى نفسه في كلّ إنسان من دون استثناء

إنّ النسك يشفي إرادة الإنسان، أيًّا يكن الشكل الذي يتّخذه ضمن جسد الكنيسة. بالنسك يتّجه الإنسان نحو الله فيأتي عمله للخير طبيعيًّا، لا كمن يطبّق وصيّة خلُقيّة، لأنّ إرادته تحرّرت من سائر العناصر التي تخلّ بكيانه. بالنسك المبارك، الذي يتمّ ضمن الكنيسة ووفقًا لمناهج الكنيسة المجرّبة المختبرة، يُزال الانقسام الناجم عن الخطيئة في مختلف مستوياته، وتُستعاد شركة الإنسان بالله وبأخيه الإنسان، وهكذا يتمّ بناء الإنسان الجديد الذي خلقه الله على صورته” (أفس4:24).

والدة الإله الفائقة القداسةعند القديس نيقوديموس الآثوسي- الجزء الأول والدة الإله معنا

والدة الإله الفائقة القداسةعند القديس نيقوديموس الآثوسي

قسطنطين زلالاس

نقلتها إلى العربية رولا الحاج

الجزء الأول والدة الإله معنا

سيادة المطران كيرلّس،

أيّها الآباء القدّيسون، والشمامسة، والرّهبان، وحفظة أيقونة العذراء نكتاريالمفيضة الطّيب، والإخوة والأخوات، إنّ المسيح ووالدته في وسطنا.

إنّ والدتنا الفائقة القداسة ستظلّ دومًا معنا لأنّنا، وعلى الرّغم من عدم استحقاقنا الكامل، ننتمي إلى أجيال المسيحيين الّذين يدعونها مباركة. إنّ وجودنا هنا في كاتدرائيّة سيّدة فرح كلّ المحزونينمع القدّيس يوحنا (مكسيموفيتش) رئيس أساقفة شنغهاي وسان فرانسيسكو، هو استمرار لإتمام الكلمات النّبويّة الّتي تلتها مريم العذراء في نشيدها الرائع بعد البشارة: “ها منذ الآن تطوِّبني جميع الأجيال!رغم انتمائنا إلى أجيال المسيحيين الأكثر  توغّلاً في الخطيئة، فوجود هذه الإيقونة العجائبيّ والعطر أبدًا في ما بيننا يؤكّد ما جاء في النشيد القديم لكنيستنا المقدّسةفي ميلادك حفظت البتوليّةوفي رقادك ما أهملت العالم يا والدة الإله“.

هل من برهان أعظم لهذه الحقيقة؟! فخلال السّنوات الخمس الماضية، باركتنا بطيب ابنها الفردوسيّ. مَسَحتنا بالعطر السماويّ للثالوث القدّوس، أي بزيت الإبتهاج، كما جاء في المزمور المسيحانيّ 45 للملك داوود. نعم، يُمكننا أن نفتخر بالرّب، وبوالدته، وبكنيستنا الأمّ، عمود الحقيقة وأساسها! لا نستطيع تذوّق الملكوت في هذه الحياة إلاّ في الأرثوذكسيّة! إنّنا نرى عظائم الله، ونشِّمُّها، ونتذوّقها، ونلمسها، ونعيشها بأجسادنا ونفوسنا! عمّانوئيل، الله معنا! وفي الوقت عينه، نحزن لتيتمّ ملايين المسيحيين غير الأرثوذكسيّين من حولنا، لأنّهم لم يختبروا في الحقيقة الحضن الدافئ لأمٍّ بهذه العظمة وهو القبلة العذبة لأمّنا السّماويّة. إنّ الطّيب  الفائض من هذه الأيقونة الّتي تلامسها شفاهنا غير الطاهرة، هو أعذب قبلة من – أيقونة القبلة العذبة لأمنا العذراء.

 لقد نجح داوود النبيّ والملك، جدّ العذراء القدّيسة، ، بنقل وبشكلٍ جميلٍ ما اختبرناه مع طيبها العجائبي، هذا الطّيب الّذي ما انفكّ يفيض ليس في هذا الأسبوع فحسب، بل خلال السنوات الخمس الماضية. فقد كتب منذ حوالى 3060 سنة عن عظائم المسيح، وعروسه الكنيسة، ووالدة الإله – العذراء مريم – لأنّ أمّنا العذراء هي مرادف للكنيسة – وأستشهد هنا بما يلي:

لذلك مَسحك الله إلهك بزيت الإبتهاج (elaion aggaliaseos)، أفضل من رفاقِكَ.”

يا لها من نبوءةٍ مُدهشةٍ حول السرٍّ الخفيّ – الخفيّ قبل كلّ الدهور! إنّ الزيت مادّيّ، ولا يُمكن المسح بالزيت إلّا في العالم الماديّ! فالرّوح لا يمكن أن تُمسح بالزيت! أيّ إله يمكن أن يُمسح بالزيت؟ إنّه الله الّذي يمكن ان يَخطُبَ لنَفسِه خليقته الماديّة، في الزمن. تشير إذًا عبارة مسحك الله إلهك…” إلى طبيعة المسيح البشريّة.

لقد أخفى الشيطان هذه الآية عن آريوس ومعاصريه، الّذين حاربوا ألوهيّة المسيح. تذكّروا  كيف خاطب الله الثالوث يسوع المسيح كإله منذ 3060 سنة تقريبًا! إنّ الآية التّالية لا تقلّ روعة عن هذه: “المُرّ والمَيْعَة والسَّليخة تفوح من ثيابِكَثيابك كلّها معطّرة بالمرّ…” إنّها نبوءة مدهشة عن الأشخاص المقرَّبين من المسيح: أوّلاً مريم العذراء، ثمّ العذارى القدِّيسات كلّهنّ اللواتي ستقودهنّ إلى هيكل المَلك، بحَسب ما جاء في المزمور نَفسهلقد تقدّسنا كلّنا وسَتَرنا عُريَنا الرّوحيّ بالرّداء المسمّى المسيحلأنكم تعَمَّدتُم جميعًا في المسيح فلَبِستُم المسيح،  كما يقول القدّيس بولس.

إنّ آدم وحواء أُلبِسا رداءً من نسج الله، رداءً غير ماديّ، رداء النّور غير المخلوقولكن بعد عصيانهم المأساويّ، خَسرا ذلك الرّداء العطر، وأُلبسا جلود الحيوانات الميتة. خَسرا رائحة الفردوس، واختارا رائحة الموتِ والفسادإنّ سوء استخدام أسلافِنا لعطيّة الإرادة الحرّة أزال الله من قلب حياتهم، إذا جاز التّعبيرومع هذا، تعيَّن على محبّة الحكمة الأقنوميّة وشوقها أن تعيش بين النّاسفأحد ألقاب المسيح في العهد القديم هو حكمة الله. نقرأ في الفصل الثّامن من سفر الأمثال كنتُ (الحكمةعنده صانعًا مبدعاً، ومسرّاتي مع بني البشر…”

لن أقرأ عليكم آياتٍ بعد الآنإنّها طريقة جيّدة لجعل بعضكم  يقرأ الفصل كلّه.

منذ عدّة أسابيع، كنت ألقي حديثًا في إحدى رعاياكم، في كنيسة الرّسل القديسين، في بيلتسفيلمريلاند، وكانت لنا مفاجأة سارّة مفرّحةزارنا الميتروبوليت هيلاريون Ilarion وبقي لسماع الحديث. عارضتُه، وحَاولتُ أن أُقنِعَه بأن  يُعلّم، ولكنّني لم أنجَح. ذهلتني بساطَته وتواضعهلا عجب أن يُباركُكَ الله بأيقوناتٍ عجائبيّة عندما تتوفّر مثل هذه القيادةحَاولتُ أن أقنِعَهُ مُجدّدًا بإلقاء كلمة بَعد حَديثي، فقال بِضعَ كلِمات. مع هذا، لقد كان المعلّم الحقيقي في تلك الأمسيّة. عَلَّمنا جميعًا بتواضعِهِ وبساطتِهِ. نسأل الله أن يمنحه وكَهَنَته كلّهم العمر المديد! وبين المُلاحظات الّتي ذكرها في تلك الأمسيّة أنّه لفَتَ إلى كسلِنا، نحن الأرثوذكسييّن، في قراءة الكتاب المقدّسلذلك، رأيتُ أنّه من الجيّد، من الآن فصاعدًا، أن أذكر الفصل (فحسب)، وأولئك الّذين يُحبّون كلمة الله  فعلاً سَيقرأون الفصل لإيجاد الآية.

فمسرّة الحكمة إذًا – في الفصل الثّامن من سفر الأمثال – كانت في لبس الأردية والعيش مع بني البشر. كانت هذه مسرّة الله (kat’evdokian)إرادة الله السابقة أو الأوليّة. خَلقَ الله الكون كلّه مِن خِلال صانعه المبدع، الحكمة – كَلِمتَه، وجمّله ليشاركنا محبته.

ولكن بعصيان آدم وحواء إرادة الله، أصبحت الحكمة بلا مأوى. الخطيئة، والموت، والفساد كلّها عزلَت الطّبيعة عن الله. اضطُرّ الله أن يستعير أرديته الماديّة الأولى من هذا العالم الماديّ، ولكنّه لم يجد ما يتلاءم وطهارته الفائقة. وِفقًا للقدّيس غريغوريوس (بالاماس)، رئيس أساقفة تسّالونيكي، لا يستطيع الله أن يَلمس ما كان دنسًا، والسّقوط جَعَل العالم دنسًا. وأمسَت أردية الإنسان ملوّثة بالدمّ والخيانة والشَّر.

يقول آباء الكنيسة والقدّيس نيقوديموس الآثوسي، إنّ تجسّد الله مُستقِّلٌّ عن السّقوط. فالحمكة كان سيتجسّد بغضّ النّظر عن السّقوط. إنّ الهدف الأساسي للإنسان هو أن يبلغ التألّه، ولا يُمكن أن يَتحقّق ذلك من دون الإتحاد الأقنوميّ لطبيعَتَي المسيح. فرغبة الله السّابقة أو الأوليّة إذاً، كانت أن يتجسّد ويعيش مع خليقته. كانت مسرّة الحكمة أن يعيش مع بني البشر.

 بفضل معرفته المُسبقة بالسقوط قام الله، قبل الدهور، ببعض التعديلات الطفيفة. هذا ما يُسمّيه شيخي ومُعلّمي أثناسيوس ميتيلناوس ارادة اللهالامتيازيّة أو الثانويّة. إنّه أمرٌ مهمٌ للغاية وخاصّةً بالنسبة إلى أولئك المُهتَدين الّذين قد يقعون في صراع مع عقيدة التحديد المسبَق الغربيّة. فمعرفة الله المُسبقة لا تتعارض ومفهوم إرادة الإنسان الحرّة. الله يسبق فيحدّد، بإرادته الأوّليّة، ولكنّه يصحّح الخيارات السيّئة لإرادة الإنسان الحرّة بإرادته الثانويّة. مثلاً، كانت إرادة الله الأوليّة أن يبقى آدم وحوّاء في الفردوس من دون خطيئة، ويتكاثر الجنس البشريّ، ويتضاعف بعد ذلك بطريقةٍ ملائكيّةٍ.

   ولكن نظرًا إلى السقوط، تلك الخطيئة الجديّة المأساويّة، عيَّنَ الله بفضل معرفته المُسبقَة شبكة أمان تُعرف بالجنس أو الزواج. إنّ الزّواج بين الرّجل والمرأة هو إذاً شبكة الأمان الّتي تحمي الإنسان من نتائج السّقوط الأوّل الموروثة. كانت البتوليّة والطهارة ارادة الله الأوليّة، أي حالة ملكوته. بارك الله بالتأكيد الزّواج، إلّا أنّ الزّواج يشكّل ارادة الله الثانوية، وبالتّالي، لن يكون موجودًا في ملكوت الله، حيث لا  يسود إلاّ رغبته الأوليّة.

فيما كنت أكتب هذه السطور، ألقيت نظرة سريعة  إلى الفصول الأولى لسفر التّكوين. في نهاية كلّ يوم من أيام الخلق، استخدم الله العبارة التالية:” ورأى الله أنه حسنٌ“. كرَّر ذلك مع مخلوقاتِه الطبيعيّة كلّها ولكن ليس مع مخلوقاته البشريّة.

وهنا نقرأ: “خَلَق الله الإنسان على صورَتِهِ، على صورة الله خلق البشر، ذكرًا  وأنثى خَلقَهُم“. هنا لا نجد عبارة ورأى الله أنه حسنٌ.

غير أنّنا نقرأ في نهاية الفصل نَفسه: ” ونَظَر الله إلى كُلِّ ما صَنَعَهُ، فرأى أنَّهُ حَسَنٌ جِدًا. فوِفقًا للقديس نيقوديموس، الّذي غالبًا ما يَستشهد بأقوال القدّيسَين غريغوريوس بالاماس ومكسيموس المعترف، تتضمَّن عبارة أنَّهُ حَسَنٌ جدًّا مُساهمة العذراء الكليّة القداسة. إنّ عفّتها وطهارتها المذهلتين تؤازران الله في معاكسة سقوط آدم. فهي قد أصلَحَت بكلماتها ” ليكن لي بحسب مشيئتكإرادة آدم السّقيمة. وقع اختيار الله عليها ليجدّد الإنسان من خلالها عندما قال أنَّ كل شيء، كان حقًّا حسنٌ جدًا.

إنّ الخطيئة، الّتي  استمرّت في آدم ونسله، جعلت الحكمة بلا مأوى وعاجزةً عن امتلاك أردية (أي طبيعته البشريّة). كان يحتاج إلى بيت بحسب ما جاء في الفصل التاسع من سفر الأمثال: “الحكمَة بَنَت بيتها. نَحَتت أعمِدتها السَّبعة“… إنّ بيت الحكمة وهيكلها الحقيقيّ هما مريم الناصريّة. كانت الحكمة تحتاج إلى عذراء طاهرة لتجعل منها رداءً لها، وتتمكّن بالتالي من أن تلِد عروسها الكنيسة، وتؤسسها على الأعمدة السبعة – أي أسرار الكنيسة المُقدَّسة – وتهتف: تعالوا، كُلوا مِن طعامي واشربوا الخمر الّتي مزجتها  بالماء!… ذاك الماء هو  إناء الماء الحارّ، يَحمله خدّام المذبح إلى الكاهن الّذي يُقيم الذبيحة.

ما كان أيّ من هذه الأسرار ليتمّ لولا عبارة عذرائنا المفيضة الطّيب: ” ليكن لي بحسب قولك“.

الجزء الثاني فرادة والدة الإله

والدة الإله الفائقة القداسةعند القديس نيقوديموس الآثوسي – الجزء الثاني فرادة والدة الإله

والدة الإله الفائقة القداسةعند القديس نيقوديموس الآثوسي

قسطنطين زلالاس

نقلتها إلى العربية رولا الحاج

الجزء الثاني فرادة والدة الإله

سامحوني من فضلكم إذا أرهقت بعضكم  بهذه المقدّمة الطويلة، الّتي تبدو لاهوتيّة جدًّا، ولكنّ هذه المعرفة ستساعدنا بعض الشيء على فهم انشغال قدّيسنا في تقدير، وتمجيد شخص والدة الله الكليّة القداسة…  فالقدّيس العظيم غريغوريوس، اللاّهوتيّ الثاني في كنيستنا، حذَّر بوضوح كليودونيوس وأتباعه السّابقيِن والمعاصرين كلّهم: “كلّ من لا يدعو مريم Theotokos – والدة الله –  ينفصل عن الإله – ويكون كافرًا…” إنّها كلمات ذات وقع قويّ جدًا من هذا اللاهوتيّ ذي الإحساس المرهف والوداعة الشّديدة.

ويخلص القديس نيقوديموس الآثوسي إلى القول إنّ شخصًا واحدًا في تاريخ البشريّة تمكّن من تخطّي السموّ الروحيّ حتّى للعالم الملائكي. وِفقًا لهذا الأب القدّيس، اشتركت المخلوقات كلّها بقوى الله وحدها، في حين استقبلت سيدتنا في أحشائها، أقنوميًّا، الشخص الثاني من الثالوث القدوس لينتهي بها الأمر بشكل رئيسيّ إلى أنها حقًا والدة الإلهلتثبت حسب إرادة ومعرفة الله المُسبَقَة، بأنّ والدة الإله كانت الغاية النهائيّة والهدف الأقصى للمخلوقات كلّها[1].

يذكّر تعليم القديس نيقوديموس الآثوسي طبعًا بتعليم الآباء القديسيّن حول والدة الإله الفائقة القداسة، أي تعليم الكنيسةإن الحبّ الرّوحي المتّقد، الّذي يكنّه هذا القدّيس لوالدة الإله الفائقة القداسة، يوازي الحبّ العميق والتقوى الشديدة الّتي شعر بها الآباء القدّيسون كلّهم تجاه شخص أمّ الله الفائقة الجلال[2]. كذلك، يعتبر ذلك بديهيًّا في سِيَر حياة القدّيسين الأرثوذكسيّين: لا يُمكن لأحد أن يكون قدّيسًا إن لم يحبّ أوّلاً والدة الإله حبًّا عميقًا. لاهوت القدّيس نيقوديمس في والدة الإله أتى نتيجة تقوى هذا القدّيس نحوها وحبّه العميق لها، وخبرته الشخصيّة، حيث عاش حياته ممجِّدًا اسمها بدون انقطاع. ووفقًا لروايات شفهيّة من رهبان عاصروه، غالبًا ما كانت والدة الإله تظهر له وتقول: “أباركك، يا بني نيقوديموس، وأقوّيك لتكتب[3].

 طبعًا، بفضل البصيرة الرّوحيّة القويّة الّتي تحلّى بها القدّيسون جميعهم (وتحديدًا لأنّهم كانوا قدّيسين)، فهموا أنّ والدة الإله حظيت بمحبة الله، فأصبحت محبوبة جدًا عند المحبوب الوحيد بفضل قداستها المطلقة. ولكن، حتّى القدّيسين يعترفون بعجزهم الكامل عن مقاربة  المحيط اللاّمحدود لسرّ بتوليّتها الدّائمة ولو جزئيًّا. لقد كتَبَ القدّيس باسيليوس أسقف سلوقية في هذا الإطار: “من أين لي الجرأة أن أفتّش في محيط  سرّ البتوليّة العظيم وعمقه، إن لم تعلّميني انت يا والدة الإله، أنا السبّاح المفتقر إلى الخبرة، كيفيّة تحرير الإنسان القديم الفاسد بضلال الشهوة“. 

إن الحبّ الكبير الّذي يُكنّه القديس نيقوديموس لشخص والدة الإله الكليّة القداسة دفعه إلى تمجيد اسمها بدون انقطاع، ووصف مدى غبطتها، وتمجيد العظائم الّتي صنعها الله القدير بها (لوقا 1: 49).

في الثيوطوكاريون،  – وهو كتاب يحتوي على 2450 ترنيمة للعذراء تزخر بالتوبة وتُقرأ في أديارنا يوميًّا، كَتب القدّيس  نيقوديموس ما يلي: ” [من بين يالمخلوقات جميعها]، وحدها تحلّت منذ الولادة بثبات كامل لا يتزعزع في وجه الشرّ. كانت قد أماتت إلى الأبد النزعات الأهوائيّة لقوى النفس الثلاثة (العقليّة، والشهوانيّة، والانفعاليّة). لأنّها وَلَدَتْ من هو خالق كلّ شيء وإنسان صُلِبَ بالجسد[4]. في تفسير الترنيمة التاسعة، يوسّع القدّيس نيقوديموس نظريّته اللاهوتيّة في أنّ والدة الإله تسمو على سائر مخلوقات العالم من ناس وملائكة، فيقول: “بنقاوتها الفائقة الطبيعة في حياتها كلّها، ولا سيّما خلال إقامتها لمدة اثني عشرة عامًا في قدس الأقداس، استحقّت العذراء مريم بجدارة أن تُصبح أمًّا لابن الله وكلمته نفسه[5].

ويُتابع القدّيس قائلاً: “من تُراهُ أنقى من والدة الإله وأوفر قدرةً على استعراض أسرار السماء؛ ليس بين مراتب الملائكة أو الناس مَن يفهم عظائم الله أفضل منها[6].

مع هذا، في لاهوتنا الحديث، لا سيّما في المجال الأكاديميّ حيث كان تأثير البروتستانت شديدًا، قد نسمع عبارة الأول بعد الواحد” الّتي  تميّز العمق الفكري واللاهوتيّ لـفمّ المسيح، الرّسول بولس. كان رسول الامم بالتأكيد إناء للنعمة، إناءً مُختارًا، خادمًا دؤوبًا للكلمة.

إلاّ أنّ التقليد المقدّس الحيّ، الّذي حَفِظَ الكنيسة من مثل هؤلاء اللاهوتيّين العقلانيّين على مرّ العصور، يميّز لاهوتيًّا واحدًا لا منازع له يُعتبر أسمى من السماوات وأنقى من أشعة الشّمس، بحسب القدّيس نيقوديموس، الّذي لخّص الضمير الشامل لآباء الكنيسة، من خلال محاولته تقيّيم شخص والدة الإله غير المُتكرّر والدائم الفرادة. يُفسّر القديس نيقوديمس في اعترافه الإيمانيّ[7]، أنّ الأول بعد الواحدفي العقيدة الأرثوذكسيّة هي أمّنا العذراء، والنظرة الأُرثوذكسيّة لحركة الكوليفاديس Kollivades (القدّيس نيقوديمس، والقدّيس مكاريوس الّذي من كورينثوس، والقدّيس أثناسيوس باريوس)، الّتي شدّدت على الحاجة الدائمة للمناولة المقدسة المتواترة وتلك المتعلّقة بإقامة قداديس تذكاريّة يوم السبت المحدّد وليس الأحد، الأمر الّذي أشعل ثورة في نفوس رهبان الجبل المقدّس المتعصبين وغير المثّقفينفي القرن الثامن عشر، ما أنتج جوًّا من الإفتراءات والغضب ضدّه لإثني وعشرين عامًا[8].

طبعًا، برَّأ المجلس المقدّس لجبل آثوس القدّيس من هذه الحرب غير المبرَّرة الّتي سبّبتها حاشية جريئة  في كتابه الصادر حديثًا، تحت عنوانالحرب اللامنظورة[9]، وجاء فيها: “بكل حقّ، الله الثالوث القدّوس، سُرّ وابتهج كثيرًا قبل الدهور عالمًا، بحسب سابق معرفته، بمريم الدائمة البتولية. وذلك لأنّه بحسب رأي بعض اللاهوتيّين، لو صار الناس كلّهم منذ الدهور أشرارًا وذهبوا جميعاً إلى الجحيم وسقطت رتب الملائكة التسع من السماء وأصبحوا شياطينمع  هذا كلّه، هذه الشرور كلّها مقارنة بملء قداسة والدة الإله، لن تكون قادرة على إحزان الله، لأنّ السيّدة والدة الإله وحدها قادرة أن تفرّحه بالكامل في كلّ الأحوالهي الوحيدة الّتي أحبّته قبل  كلّ شيء، لأنّها وحدها أطاعت إرادته، قبل كلّ شيء، ولأنّها وحدها كانت قادرة أن تتلقّى هذه المواهب الطبيعيّة، والإختياريّة، والفائقة الطبيعة الّتي وزّعها الله على خليقته كلّها…”[10]

ويتضمّن تفسيره للترنيمة التاسعة تعدادًا لمواهب والدة الإله الفائقة القداسة هذه كلّها، حيث يُعبّر القدّيس صراحةً عن شوقه الّذي يُصعب إشباعه، ما أعذب شخصكِ واسمكِ يا مريم، ما هذا الحبّ الّذي أشعر به في داخلي؟ لا أستطيع أن أكفّ عن الإشادة بعظائمكِفكلمّا أشَدْتُ بها كلّها، تُقتُ إليها أكثر، شوقي لن ينطفئ أبدًا، وتوقي لن ينتهي…”[11]

       يُشدّد القدّيس نيقوديموس، في المقطع لأنّه نظر إلى تواضع أمته، على عمق تواضع سيّدتنا العذراء، كما في الحواشي، لم يكن عمق التواضع متجذّرًا في قلب والدة الإله فحسب، بل فاض كالنّبع المتدفّق ليغمر أعضاء جسدها الطاهر الخارجيّة كلّها… أشرق تواضعها مثل الشمس، في سلوكها كلّه، وفي حركاتها، وفي كلماتها، وفي طبيعتها الداخليّة كلّها ومظهرها الداخليّفبشكلٍ عام، شعّ حضور والدة الإله نعمةً إلهيّةً واحترامًا كبيرين، فولّدا كثيرًا من الإجلال والانسحاق في نفس الناظر إليها للمرّة الأولىحتّى من تلك النظرة الأولى كان يعرف المرء –  من طبيعتها الخارجيّة فحسب –  أنّها حقًا والدة الإله

كالقدّيسين جميعهم، أحبّ القدّيس ديونيسيوس الآريوباغي المسيح ربّه حبًّا عظيمًا. عندما عَلِم أنّ والدة المسيح الكليّة الطهارة كانت لا تزال على قيد الحياة، سافر من أثينا للقائها. دُهِشَ عندما وقع نظره للمرّة الأولى على وجهها الإلهيّ وجمالها الرائع والملوكيّ، وقد أحاط بها الملائكة كملكةولدى سماعه الكلمات الإلهيّة من فمها الكليّ النقاوة، دُهش وملكته الرّهبة، معترفًا أنّ طبيعة جسدها ومظهرها الخارجيّ كافيان وحدهما بإظهار أنّها والدة الإله[12].

امتلكت السيّدة العذراء بشكلٍ كامل رداء التواضع من نسج الله. فعلى الرّغم من أنّها اختيرت لتكون حقًا والدة الإله وملكة المخلوقات المنظورة وغير المنظورة كلّها، عند بشارة الملاك جبرائيل لها، عرّفت بنفسها  لهجة هادئة عفويّة ليس فيها تصنّع أنّها أمّة الربّ[13]. كلّما أصبحت الروح أكثر طهارة وكمالًا، شعرت بضعفها وعدم جدارتها. هذه كانت قوّة تواضع الدائمة البتوليّة، الّتي حسبَت نفسها غير مستحقّة لتكون خادمة العذراء الّتي تكلّم عنها أشعياء، وكانت ستلد المسيح بحسب مُضيفِنا القديس يوحنا رئيس أساقفة شنغهاي وسان فرانسيسكو (أشعياء، 7: 14)[14]إلى ذلك، يرى بعض المعلّمين أيضًا أنّ العذراء، نظرًا إلى تواضعها الكبير والفريد، لم تكشف لخطيبها يوسف عن بشارة الملاك جبرائيل، كي لا تبدو متباهية ومغرورة، بل تركت لله أمر إبلاغه  من الأعالي[15].

من عظائم والدة الإله الشخصيّة تَنَزُّهُها عن الخطيئة بالنّسبة لسائر البشر[16]، وجهادها الشخصيّ. وفقًا للقدّيس غريغوريوس بالاماس، أسقف تسالونيكي، عندما كانت والدة الإله طفلة صغيرة في قدس الأقداس العمل العقليّوهي رائدة الصلاة العقليّة والقلبيّة، لأنّه من خلال عودة  العقل إلى القلب والصلاة الدائمة، سَمَت عن كلّ ما له هيئة وشكل، فَبَنت بالتّالي دربًا جديدًا إلى السماء – الصمت العقليّ – وارتفعت من خلاله فوق المخلوقات كلّها، وعاينت مجد الله بطريقة أكثر كمالاً من موسى، ورأت النعمة الإلهيّة الّتي لا يُمكن الحواس إدراكها، بل هي مشاهدة بديعة للملائكة، والرهبان، والنفوس النقيّة[17].

يتابع القدّيس نيقوديموس، في كتابه بستان النعم، الحديث عن العظائم الّتي صنعها الإله القدير بها“:

1. إنّ الله سَبق فعرفها واختارها قبل الخليقة كلّها لتخدم السرّ الّذي كان مكتومًا قبل الدهور.

وفقًا للقديس باسيليوس الكبير، هي خُلاصة التطهير الّذي خضعت له الأجيال البارّة السبعة والسبعين، قبل الناموس وبعده، منذ آدم وصولاً إلى يواكيم البار.

2.   إنّها قصيدة كلّ نبيّ وبداية النبؤات كلّها منذ سفر التكوين.

3.   إنّها أمّ النعمة قبل زمن النعمة.

4.   جعلها أوسع من السماوات كونها حملت في أحشائها الإله الّذي لا يسعه مكان.

5.    أعظم العظائم هو حبلها بشكل يفوق الطبيعة بالله الكلمة، الّذي لم ينمُ في أحشائها بحسب قواعد علم الأحياء التطوّري الشائعة. يعلّم القديس باسيليوس في عظته الميلاديّة أنّه كوَّن الطفل نفسه في لحظة وليس من خلال انقسامات  صغيرة (للخلايا والقسيمات الجرثوميّة)…” يُشير القدّيس إلى أنّه في غياب الأمشاج والبويضات، جرى نموّ من نوع آخر، لا يختلف كثيرًا عن نموّ آدم القديم. إنّ حكمة الله، وهو الخالق المبدع، جبلَ آدم القديم من الطين. كذلك، منذ ألفي سنة، جبلَ حكمةُ الله نفسُه، الخالق المبدع، رداءً لنفسه، أيّ طبيعته البشريّة من دم العذراء الكليّ النقاوة. ورأى رئيس الملائكة جبرائيل ملكَ الملوك للمرّة الأولى في البشارة، بحسب ما جاء في الترنيمة الخاصّة بوالدة الإله (الثيوطوكيون) باللحن الأوّل، إنّ جبرائيل لمّا تفوّه نحوكِ أيّتها العذراء إفرحي، حينئذٍ تجسّد سيد الكلّ فيكِ عند سماعه الصوت“… حملَتِ العذراءُ الطفلَ الصغير، الّذي استمّر ينمو بشكلٍ طبيعيّ لمدة تسعة أشهر، ولم تشعر بآلام الولادة ولا بأيّ ثقل أو إرهاق.

6.   أخيرًا، ولدت ذاك الّذي من خلاله تمّ كلّ شيء، بدون أيّ تغيير أو فساد. حافظت على عذريّتها وبقيت عذراء خلال هذه الولادة الفائقة الطبيعة ولبقيّة حياتها، بما أنّها كرّست نفسها بالكامل لمشيئة الله الأوليّة، الّتي تحدّدت بالعذريّة. في غياب هذه النظريّة اللاهوتيّة الأرثوذكسية الخاصّة بآباء الكنيسة الواضحة تمامًا، يتصارع جيراننا المسيحيون غير الأرثوذكسيّون منذ قرون مع الفكرة القائلة إنّ للمسيح أخوة وأخطأوا مؤخرًا لدرجة مُحزنة حيث نسبوا لابن الله أفكارًا شهوانيّة وتكلموا حتّى عن زواجه، ومن الواضح أنّهم لم يعودوا يقبلون به كأحد أقانيم الثالوث. ليس هذا سوى روح المسيح الدّجال بحسب القدّيس يوحنّا اللاهوتيّ. ويشير موقف الأرثوذكسيّة إلى أنّ الإتّحاد الأقنوميّ للطّبيعتين جعل المسيح محصّنًا بالكامل من أيّ أهواء وتجارب دنيويّة. كان يسوع الإنسان الحقيقيّ الوحيد الّذي لم يخرج عن إرادة الله الكاملة كما أعلن الآب في خلال معمودية المسيح والتجلي المقدّس: “هذا هو ابني الحبيب الّذي به سُررت“.

ووفقًا للقدّيس نيقوديموس، استمّرت سيّدتنا والدة الإله بجهادها الشخصيّ بعد قيامة ابنها وصعوده، سَعَت السيّدة والدة الإله بطريقة مميّزة إلى الجهاد، أيضًا بعد صعود ابنها، بالصوم، والصلوات، والسجدات، وأنواع التقشّف كلّها[18].

يُلخّص القدّيس تعاليم الكنيسة حول تنزيه والدة الإله نسبيًّا من الخطيئة في مقطع النشيد تبتهج روحي بالله مخلّصي“. إنّ الّذي خلّص العالم من الخطيئة  خلّص أيضًا والدة الإله من الخطيئة الجديّة، لأنه وعلى الرّغم من سمو والدة الإله عن كل خطيئة طوعية، مُميتة، وقابلة للمغفرةكانت عرضة للخطيئة الجدّيّة حتّى البشارة. عندئذٍ، طُهرّت من ذلك بحلول الروح القدس[19]. ويُصنّف القديس نيقوديموس بتوليّتها الدائمة، وقيامتها، وانتقالها، وصعودها إلى ملكوت السماوات ضمن العظائم الفائقة الطبيعة لوالدة الإله[20].

يذكر القديس نيقوديمس في كتابه بستان النِّعَمشهادة القدّيس أغسطينوس حول  عظمة والدة الإله الفائقة التصوّر: “كان الله الخالق العظيم، الّذي أخرج كلّ شيء من العدم إلى الوجود، قادرًا على الإتيان بمخلوقات أكثر كمالاً، لأنّه قادر على كلّ شيء، طبعًا؛ ومع ذلك ثمّة ثلاثة أشياء لم يستطع الله نفسه أن يجعلها أكثر كمالًا: طبيعة المسيح البشريّة، عظمة مريم الدائمة البتوليّة في ولادتها، والمجد الأبديّ للقدّيسين[21].

الجزء الثالث موقع والدة الإله وشفاعتها

والدة الإله الفائقة القداسةعند القديس نيقوديموس الآثوسي – الجزء الثالث موقع والدة الإله وشفاعتها

والدة الإله الفائقة القداسةعند القديس نيقوديموس الآثوسي

قسطنطين زلالاس

نقلتها إلى العربية رولا الحاج

الجزء الثالث موقع والدة الإله وشفاعتها

على ضوء ما ذُكِرَ أعلاه، لا يمكننا أن نسلّم برأي بعض اللاهوتيّين في الوسط الأرثوذكسيّ، الّذين يدّعون أنّ وساطة العذراء أو شفاعتها، كما يسارعون إلى تسميّتها، لا تختلف بشكل جوهريّ عن شفاعة القدّيسين الآخرين. من المعروف أنّه تمّ التشكيك منذ بضعة عقود بتقليد كنيسة المسيح الّتي تصلّي أيتها الفائق قدسها والدة الإله خلصينا“. يقولون إنّ الله وحده يُخلّص. لا يمكن العذراء مريم الكليّة القداسة سوى التشفّع مثل أيّ قدّيس[22]. تصلّي الكنيسة بالتأكيد، بشفاعة والدة الإله، يا مخلّص خلّصنا، لكنها تُرنّم  أيضًا أنتِ لنا شفيعة عند الله المحبّ البشر”  لأنّ سيّدتنا أكرم من الشيروبيم وأرفع مجدًا بغير قياس من السيرافيم” – “القدّيسة الأعظم من القدّيسين” – “الله بعد الله، هذا كلّه يعني أنّ شفاعتها – وساطتها – أرفع بلا قياس من شفاعة القدّيسين والملائكة.

يبدو أنّ خطر التيارات العقلانيّة والإنسانوية لا يزال كامنًا في العالم الأرثوذكسيّ اليوم. كان هذا الخطر أكبر بكثير في زمن القدّيس نيقوديموس لأنّ الأراضي الأرثوذكسيّة أفقرها الاستعباد الّذي فرضه الأتراك العثمانيّون. تنامى المبشِّرون البروتستانت المخلَّصونبشكل كبير في سهول البلقان الأرثوذكسيّة المهمَلة، محاولين على طريقتهم، تبشير الأرثوذكسيّين بالخلاص[23]. لعلّ هذا هو السبب الّذي جعل القدّيس نيقوديمس يقترح مناقشة ممتازة للوساطة السّمية – شفاعة – الّتي تتمتّع بها الأمّ العذراء لدى ابنها وإلهها. يستهلّ القدّيس تبريره  من ترانيم العنصرة المُلهمة من الله قائلاً: “… لم يُذكر في الترنيمة أنّ العذراء أعطت أو مَنَحَت، أو أي كلمة أخرى من هذا القبيل، بل أقرضت خالق الكلّ جسدًا، أي أنّها أعطت قرضًا لـكلمة الآبهذا يعني أنّ والدة الإله، من خلال هذا القرض، جعلت ابن الله مَدينًا لها[24]. ويتوسّع  القدّيس في شرحه أنّه قرضٌ من نوع آخر، لا صلة له بالقروض الماليّة والأشياء الماديّة الخارجيّة، الّتي يتّم إرجاعها عادةً في العالم التجاري مع فائدة ماليّة. كان قرض حكمة الله الصانع الكلّداخليًّا أبديًّا ولا يمكن تسديده. إنّ الإتّحاد الأقنوميّ للمسيح أمر نهائيّ، لأنّ الله الكلمة سيتّحد إلى الأبد بالطبيعة البشريّة (اقتراضًا من مريم العذراء الكليّة القداسة). إنّ الطبيعة البشريّة هذه هي الّتي جعلته الوسيط الجوهريّ بين الخالق والمخلوق، أي الله والإنسان. فبدون  الطبيعة البشريّة، نستطيع أن نقول تعذّر على موسى رؤية الله في العهد القديمحتّى يومنا هذا. وبالتالي، فإنّ هؤلاء الهراطقة المتعدّدين، الّذين عرقلوا عمل خلاص المسيح على الجلجثة  وهم يزعمون أنّ جسد المسيح تبّدد في صعوده إلى السماء، لَمصابون بالهذيان! إنّهم آخِر من يمكنه التعليق على الموضوع! ويُضيف القدّيس نيقوديموس في تأمّلاته اللاّهوتية ما يلي:

 ماذا يُمكن أن نستنتج من هذا؟ بما أنّ ابن الله مدين دائمًا لوالدته، عليه أوّلاً أنّ يعظّمها بكامل المجد والإكرام اللّذين يليقان بإله ولا يعرفهما أي مخلوق آخر؛ وبما أنّ القرض الّذي تلقّاه منها أبديّ، عليه أيضًا أن يحقّق طلبات والدته الآن وإلى الأبد ….”

ويتابع نيقوديموس المحبّ لوالدة الإله، هل رأيتم مجدًا مماثلًا يا أحبّائي؟ هل رأيتم عظائم العذراء؟ أسرعوا إليها بتقوى وإيمان وسوف تٌستَجاب طلبات صلواتكم المتعلّقة بالمسائل الخلاصية كلّها.”

صاحب السيادة، بحسب قصة القدّيس قوزما الإيتولي الرائعة الّتي سأرويها، إنّ حبّ ملكة السموات ورأفتها لا يعرفان حدودًا.

وفقًا للقدّيس قوزما، استسلم أحد المسيحييّن المدعو يوحنا لطريق السّرقة الرديئة. أصبح قائد عصابة مؤلَّفة من مئة لصّ، إلّا أنّه كان لديه احترام كبير لوالدة الإله، ولعلّه قد ورثه من أهل بيته المتديّنين. لم يغفل قطّ، لا مساءً ولا صباحًا، عن صلاة المديح لأمّنا الكليّة القداسة.

ومن خلال شفاعة العذراء الكليّة القداسة (Panagia) أنارت نعمة الله ناسكًا تقيًّا ليزور عصابة اللصوص هذه ويبشّرهم بكلمة الخلاص. أقنع الناسك الرائي القائد يوحنا بأن يستدعي أتباعه كلّهم ورأى أنّ أحدهم كان غائبًا. فسأل من الغائب؟ وبالفعل، كان الطبّاخ غائبًا. طالب الناسك بحضوره، ولكنّ هذا الطبّاخ، عند قدومه، رفض أن ينظر إلى وجه رجل الله. أمر الناسك التقيّ هذا الطبّاخ الغريب الأطوار: “بإسم يسوع المسيح، آمرك بأن تقول لنا اسمك ومن أين أتيت…” فأجابه، أنا أبو الكذبلكنّك الآن بعدما قيّدتني باسم المسيح أنا مُجبرٌ على قول الحقيقةأنا شيطان و أرسلني سيدي لأخدم القائد يوحنا، منتظرًا بفارغ الصبر اليوم الأوّل الّذي يهمل فيه صلاته لوالدة الإله، كي أتمكّن من أخذ روحه مباشرة إلى الجحيم. أنا هنا منذ أربعة عشر عامًا ولم يُهمل قطّ صلاته: “إفرحي يا عروسًا لا عروس لها“!

أبعد الناسك الشيطان إلى الجانب الآخر من العالم، ثمّ بشّر اللصوص الّذين أظهروا توبة مثاليّة. أصبح بعضهم رهبانًا وتزوّج بعضهم الآخر وعاشوا حياة مليئة بالتقوى.

صاحب السيادة، إخوتي وأخواتي في المسيح، تُجسّد هذه القصة بشكلٍ رائع حبّ إلهنا ووالدته لكلّ خاطىء. بالنسبة إلى الرّبّ ما من شيء على هذه الأرض أثمن من بضع قطرات دمع من قلب تائب. حتّى إنّ دمعة واحدة لتوبة حقيقيّة تفوق طنًّا من الأعمال الصالحة المفتقرة إلى التوبة.

الخاتمة

صاحب السيادة، إنّ اللقب اللاهوتيّ بامتياز، الّذي يعبّر عن مكانة مريم العذراء الكليّة القداسة في اللاهوت الأرثوذكسيّ، هو والدة الإله Theotokos“. إنّ عبارة والدة الإله تقود مباشرة إلى قلب العقيدة الخريستولوجيّة، ونتيجة لهذا، كان من الطبيعيّ أن تواجه معارضة عدد من الهراطقة، الّذين حرّفوا الجوانب المختلفة للعقيدة الخريستولوجيّة والإتحاد الأقنومي لله الكلمة. في ضمير الكنيسة، إنّ تعبير والدة الإله يُصنّف كـحصن للإيمان، واصطلاح لا يتزعزع، فهي تشكّل قلعة رائعة في وجه البدع الخريستولوجيّة[25]. بحسب تعليم الآباء الجامع، يرتبط اسم والدة الإله بشكل وثيق بنتيجة العمل الخلاصيّ لاسم الإله الإنسان (Theanthropos)، إنّ والدة الإله كتعبير وكشخصٍ، كانت وتبقى عبر القرون مرساة الخلاص للّذين يقبّلون أيقونتها المهيبة“. إلى جانب لقب والدة الإله، ثبّت الآباء ومعلمو الكنيسة لقب مريم الدائمة البتوليّة في المجمع المسكوني الخامس من القانون التاسع، مُحدّدين الإيمان الصحيح حول المسيح، الّذي تجسّد من والدة الإله المجيدة المقدّسة، مريم الدائمة البتوليّة، كما حافظت عليها حتّى اليوم ليتورجيّة القدّيس يوحنا الذهبيّ الفمّ.

تُظهِر النّبؤات، والرّسومات، والعلامات، والرّموز الكثيرة المتعلّقة بوالدة الإله الكليّة القداسة في العهد القديم أنّ مريم العذراء الكليّة القداسة شخص لن يتكرّر، ما يجعلها فعلًا  السلّم، والجسر، وبوابةالخلاص للجنس البشريّ. يورد القدّيس نيقوديموس في عمله Eortodromionشروحات شاملة لمرنّمين وملحّنين مرّوا عبر القرون واستعاروامن الكلمات النبوئيّة من أجل نَظم ترانيمهم الخاصّة بوالدة الإله. ويوسّع القدّيس نيقوديموس لاهوت الآباء، فيعلن أنّ قلب الناموس كلّه وخاتمته وهدفه، وأقوال الأنبياء ورموزهم كلّها، هو والدة الإله نفسها، ومن قَبلِها، الله الكلمة الّذي تجسّد منها[26]. وكالقدّيسين المحبّين لولدة الإله الآخرين، خصّص نيقوديموس جزءًا كبيرًا من كتاباته ليُعبّر عن شوقه الّذي يُصعب إشباعه للمعجزة الّتي لا يسبر غورهالوالدة الله.

في تفسيره للترنيمة التاسعة، يُعالج القدّيس نيقوديموس استحقاق والدة الإله الكليّة القداسة الأسمى مقارنةً بالمخلوقات الأخرى. تفوق والدة الإله المخلوقات كلّها في النقاوة، والتألّق، والبساطة، والشّوق المتعذّر تفسيره، والطاعة الكاملة لمشيئة الله. وبالتّالي، فإنّ مواهب والدة الإله جعلتها ممتلئة نعمةقبل البشارة وأمّ النعمة قبل زمن النعمة أي العنصرة. بقولها ها أنا أمة الربّ، تطهّرت مريم البتول الكليّة القداسة من وصمة آدم وأصبحت طاهرة وغير مُدنّسةلتخدم سرّ الولادة الجديدةمانحةً دمّها الكليّ النقاوة لآدم الجديد.

إنّ مكوث المسيح في رحم والدة الإله العذريّ قدّسها بالنعمة وألّهها إلى درجة لا تقارن مع أيّ مخلوق آخر. ووفقًا للأب أثناسيوس ميتيلناوس، جعلها وسيطًا جوهريًّا بين الجنس البشريّ، وآدم الجديد، أي ابنها، على الرغم من أن هذا قد يبدو للبعض كلامًا يتجاوز المعقول.

يمكن لوالدة الإله الفائقة القداسة أن تخلّص بالتأكيد لأنّه بحسب ما جاء في المزمور الداووديّ، إنّها الملكة الّتي تقف عن يمين الملك، ابنها، الّذي يجلس عن يمين الآبفي ملكوت السموات.

إحفظينا يا والدة الإله الكليّة القداسة واحمينا، وخلّصينا من سهام الشرير الحارقة بصلوات آبائنا القدّيسين. آمين.

 * محاضرة ألقاها قسطنطين زلالاس في سان فرانسيكو، بتاريخ 6 تشرين الأوّل 2012

[1] Theoklitos Dionysiatis, Saint Nicodemos the Hagiorite, 2nd Edition, pp. 250.

[2] المرجع نفسه، 245

[3]  المرجع نفسه، 248

[4] Theoklitos Dionysiatis, Saint Nicodemos the Haghiorite, pp. 187.

[5] St. Nicodemos, Garden of Graces, pp. 196.

[6]  المرجع نفسه، 195

[7] Saint Nicodemos, Handbook of Counsel, Athens 1987, pp. 314.

[8] Krikonis Chris., Saint Nicodemos the Haghiorite, Life and Written Work, Athens 2001 pp. 125.

 [9]  أنظر، Theoklitos Dionysiatis, Saint Nicodemos the Haghiorite, pp. 246

[10]  المرجع نفسه

[11] Saint Nicodemos, Garden of Graces, pp. 214

[12]  المرجع نفسه، 204

[13]  المرجع نفسه

[14] Saint John of Shanghai and San Francisco, The Orthodox Veneration of MARY the birthgiver of God, California, 1996, pp. 65.

[15] Saint Nicodemos, Garden of Graces, pp. 205

[16]  الله وحده معصوم عن الخطيئة تمامًا، ولكنّ والدة الإله بريئة من كلّ عيب. يشرح القدّيس يوحنّا الذّهبيّ هذا الأمر قائلاً إنّ الخطيئة كانت بالنسبة إلى والدة الإله مثل كلاب تعوي من بعيد (المترجم).

[17] Saint Nicodemos, Garden of Graces, 195.  

[18]  المرجع نفسه، 217

[19]  المرجع نفسه، 200

[20]  المرجع نفسه، 213

[21]  المرجع نفسه، 214، يُلاحظ القديس نيقوديموس في عظة المغبوط أغسطينوس هذه أنّ ذلك الأخير يصنّف المجد الأبديّفي المخلوقات ويضيف تعليقًا: لعلّ المغبوط أوغسطينوس كان يُسّمي المجد الأبديّ مخلوقًا، على الرّغم من أنّه، بحدّ ذاته، بعيد عن ذلك! لأنه غير مخلوق، باعتباره قوى الجوهر الإلهيّ الطبيعي وغير المنفصل عنه.

[22] Mavromatis George, She is Truly Theotokos, pp 190

[23]  أنظر،  Theoklitos Dionysiatis, Saint Nicodemos the Haghiorite, pp. 25

[24]  المرجع نفسه، 250

[25] Theodoropoulos Epiphanios Arch, The Akathist with Interpretation, Athens 1988, pp. 174

[26] Saint Nicodemos Haghiorite, Eortodromion, pp. 233

العلاج النفسي الأرثوذكسي

العلاج النفسي الأرثوذكسي

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

عند تحليلنا للتعليم الأرثوذكسي عن شفاء الإنسان نستطيع استخدام عبارة العلاج النفسي الأرثوذكسيلكي نعني شيئاً مختلفاً تماماً عما يحدث في العلاج النفسي الإنساني.

بحسب التعليم الأرثوذكسي، العلاج النفسيهو بالضبط ما تقتضيه الكلمة: شفاء نفس الشخص، وبمعنى أشمل، شفاء كل الكيان الإنساني. لا تتكون نفس الشخص من مجرد ردود أفعاله النفسية لبيئته الاجتماعية؛ إنها العنصر الروحاني في وجوده. للإنسان، المخلوق من قِبَل الله على صورته ومثاله، نفس وجسد، وهما يصنعان معاً شخص واحد وحيد. للنفس ثلاثة جوانب أو قوى: الجانب العاقل، والجانب المريد، والجانب الحسي. توجد نتائج للطريقة الإيجابية أو السلبية التي تعمل بها هذه القوى تؤثر على الجسد وعلى الخليقة. أيضاً، وبحسب طريقة أخرى لتصنيف أجزاء النفس، هي لها نوس وإرادة حرة.

إننا نربط كلمة العلاج النفسيبصفة أرثوذكسي، ونتكلم عن العلاج النفسي الأرثوذكسي، لأن الطوائف المسيحية المختلفة تتعامل مع هذه المسائل بطريقة مختلفة عن الكنيسة الأرثوذكسية بعلم اللاهوت الخاص بها وبكل تقليدها. تظهر حقيقة أن العلاج النفسي العلماني ظهر في الغرب وانتقل من هناك للشرق أن التقليد وعلم اللاهوت الغربي كانا جاهلين بهذا العنصر الروحاني في الوجود الإنساني.

تعطي السكولاستية، كما ظهرت في العديد من المدارس وتبلورت بواسطة توما الأكويني في كتابه Summa Theologica ، وهو كتاب يشرح التعليم الكاثوليكي السائد، الأولوية للعقل والمنطق البشري. لقد تعامل الكتاب مع موضوع الله بطريقة عقلية منطقية، وتكلم عن الدلائل الوجودية على وجود الله. كنتيجة لذلك، أنكر التنوير الغربي وجود الله والغيبيات بصفة عامة، في إنجلترا من خلال التجريبية الفلسفية كما في فرنسا وألمانيا من خلال المادية والمثالية، وجاء هذا الإنكار كرد فعل مضاد للسكولاستية.

اعتمد المدخل الأخلاقي، الذي أسسه البروتستانت، على التشديد على السلوك الخارجي. يتكلم البروتستانت على الولادة الثانية للشخص بطريقة معجزية وفورية، دون أن تلعب إرادته الحرة دوراً، مما يدخل في الواقع عنصراً من القدرية (determinism). بالتالي، يترك العالم الداخلي للمرء غير مشفي.

إلا أنه في علم اللاهوت الأرثوذكسي، يرتبط العلاج النفسي ارتباطاً وثيقاً بالولادة الثانية للإنسان وتحول كل طاقات نفسه وجسده، الذي يتحقق من خلال نعمة الله، والأسرار، والنسك داخل الكنيسة. توحد الأسرار المسيحي بالمسيح. من خلال المعمودية المقدسة يصبح المرء عضواً في جسد المسيح؛ ومن خلال الميرون يتلقى عطية الروح القدس؛ ومن خلال المناولة المقدسة يتحد مع المسيح. يظهر أيضاً التعليم الأرثوذكسي النسكي، الذي يوصف أيضاً على أنه هدوئي وصحوي، الطريقة التي يستطيع بها الكيان الإنساني الاشتراك في نعمة الله غير المخلوقة. تشكل الأسرار بدون نسك إدراكاً آلياً وسحرياً للحياة المسيحية، على حين يقدم النسك بدون أسرار نوعاً من الأخلاقية والتقوى.

من الممكن أن يكون تعبير العلاج النفسيمقبولاً لاهوتياً عندما يُرى من منظور أرثوذكسي ويُستعمل للإشارة لشفاء النفس البشرية، وذلك على الرغم من كونه مستخدماً من قِبَل المعالجين النفسيين المعاصرين في الغرب. على الرغم من أن الآباء لم يستعملوا هذا التعبير، إلا أن هذا لا يعني أننا لا نستطيع استعماله، بشرط ألا نتوه بعيداً عن التعليم الأرثوذكسي. لم يتردد الآباء القديسون في استعمال تعبيرات كان لها معنى مختلف في عصرهم، لكنهم حملوها بمعنى جديد.

مثلاً، في عصر الآباء الكبادوك، كانت الكلمة اليونانية شخص” (prosopon) تعني قناعاً، وكان من السهل أن تخدم أغراض التعليم الهرطوقي الخاص بسابيليوس. إلا أن الآباء القديسين أعطوا جوهراً لكلمة شخص، واستعملوها لوصف الآب والابن والروح القدس، داحضين في نفس الوقت تعليم سابيليوس الهرطوقي. لا تكمن المشكلة في المصطلحات بحد ذاتها ولكن في معانيها.

علم اللاهوت الأرثوذكسي تقليدي ولكنه غير محافظ (conservative). إننا نعي جيداً أن التقليد، الذي انتقل إلى يومنا هذا بطريقة ديناميكية، يختلف عن المحافظة، الذي يلتزم بالتكرار الميكانيكي الخارجي لكلمات من الماضي. بالتالي، من الممكن تفسير تعبير العلاج النفسي الأرثوذكسيعلى أنه الطريقة العلاجية للآباء“.

بالإضافة إلى ذلك، لا يقتصر مصطلح العلاج النفسيعلى النفس، ولكنه يشمل أيضاً الجسد لأنه توجد رابطة قوية بين النفس والجسد. إنه يتعدى تطهير القلب من الأهواء فمجاله أوسع. نحن نعلم أن لاهوت الآباء يتكلم عن الاستنارة، والتنوير، ورؤية الله الدائمة. لا ينتهي الكمال، بالتالي يتلقى الإنسان الشفاء باستمرار. يتعين على الشخص لكي يُشفى أن يُستعلَن النوس الخاص به، وينبغي عليه أن يقتنى تذكر غير منقطع لله وأن يصبح سماءً في قلبه. ينبغي على النوس أن يُضبط بطريقة مناسبة. لذا لا أنظر للشفاء على أنه التخلص من بعض الأفعال الخارجية والأهواء العظمى. لقد أظهرت خبرة الكنيسة أنه كلما رأى المرء الله بنوس نقي، كلما شعر بعدم طهارته.

بالإضافة إلى ذلك، طالما أن رؤية أن علم اللاهوت الأرثوذكسي هو علم علاجيقد يساء تفسيرها حيث يحتجون مستندين على حقيقة أن الأرثوذكسية هي إيمان مُعلَن، لابد من تقديم بعض التفسيرات.

المسيحية هي إعلان الله للجنس البشري، فهي إيمان معلَن. لقد أكدت على هذه الحقيقة عدة مرات في كتابي الطب النفسي الأرثوذكسي، بالإضافة إلى حقيقة أن عقائد الكنيسة (التي هي في أساسها تعريفات تحدد الحدود بين الحياة والموت) ترتبط بالخلاص والشفاء الحقيقي. لو تأثرت العقائد، تختل على الفور إمكانية الخلاص أي الشفاء. على كل حال، ليس الإيمان شيئاً تجريدياً، ولا هو مجرد نظام من الحقائق ينبغي قبوله خارجياً وبطريقة ميكانيكية. مثل هذا القبول ضروري، لكنه ليس كافياً بذاته. يُقدَم الإعلان للشخص الذي شُفي.

لقد استعد الرسل القديسون على مدار ثلاث سنوات لتلقي كل الحقيقةيوم الخمسين. يرتبط الإيمان ارتباطاً وثيقاً بالشفاء، لأنه بدون شفاء يكون لدى حتى الشياطين إيماناً خارجياً بالله، بما في ذلك الإيمان بالثالوث القدوس. يرتبط الإيمان بالحياة ارتباطاً غير منفصل، وإن كان أحد يؤمن بالله فإنه ينبغي عليه أن يتجدد ويولد ثانية. لو آمن الشخص بالطبيب، فإنه يتبع تعليماته لكي يُشفى. بالتالي يؤكد الآباء القديسون على أنه ينبغي علينا أن نجاهد لكي نتقدم من الإيمان الآتي من سماع (الإيمان البسيط) إلى الإيمان المبني على رؤية الله، وبتعبير آخر، إلى الشركة مع الله. تعتمد هذه الرحلة من الإيمان البسيط إلى الإيمان الكامل على شفائنا.

لا تخلق رؤية أن المسيحية هي علم علاجي مشكلة خاصة لأنها لا تستعمل كلمة علمبالمعنى الحديث للكلمة، كفرع للتعليم أو النشاط الذهني، أو كتلة من الحقائق المنظمة، ولكن بمعناها الأصلي.

الكلمة اليونانية لكلمة علمهي episteme تأتي من فعل يعرفولها معانٍ متنوعة في الكتابات الكلاسيكية والآبائية. يعطي قاموس ليدل وسكوتعدة معانٍ للكلمة منها المعرفة، التعرف على مسألة، الخبرة، المهارة، والمعرفة العلمية“. كل هذه المعاني تشترك فيها الكلمة الإنجليزية science . بالتالي أنا أستعمل الكلمة لأشير إلى المعرفة العملية للشفاء، وأعني أن الكنيسة الأرثوذكسية تجاهد من خلال علم اللاهوت الخاص بها وكل تقليدها لكي تشفي الناس روحياً، مما يعني بصورة رئيسية شفاء النوس المريض الخاص بهم وأهوائهم. الأرثوذكسية هي حقيقة معلنة. إنها ليست اكتشافاً لقدرة الإنسان العقلية، ولكنها استعلان الله نفسه للقلب البشري النقي. بالتالي تمتلك الأرثوذكسية معرفة عملية للطريقة التي ينبغي على الشخص اتباعها لكي يُشفى. هنا في هذا المعنى، أؤكد على أن الأرثوذكسية، أو علم اللاهوت، هو علم وتعافي علاجي.

لكي أتجنب أن أعطي انطباعاً أنني أبتكر في هذا الموضوع وأستعمل مصطلحات خاصة بي، ينبغي عليّ أن أشرح أن مصطلح علمكمنهج علاجي حقيقي مذكور في كتابات القديس ديونيسيوس الأريوباغي وآباء آخرين استعملوا الكلمة لتحديد كيف ينبغي علينا أن نستعد للشركة والاتحاد بالله وللمعرفة الدقيقة عن الله.

عندما يحلل القديس ديونيسيوس الأريوباغي في كتاباته درجات الكمال الروحي التي هي التطهير، والاستنارة، والاتحاد بالله، فإنه يستعمل كلمة علمبصورة متكررة. إنه إذ يتكلم عن كيفية تحقيق الكمال يقول: “يقدم سرا المناولة والميرون معرفة كاملة وعلم معرفة الأعمال الإلهية“. وفي موضع آخر يناقش مسألة البطاركة الذين لهم خبرة الاتحاد بالله والذين يساعدون أيضاً الآخرين على تحقيق الاتحاد بالله ويكتب قائلاً: “إن درجة البطريرك هي التي تمتلك ملء قوة التكميل. قبل كل شيء هي تمارس طقوس الرئاسة المكملة وتحفز الآخرين بشرح علوم الأشياء المقدسة“. بتعبير آخر، يشير القديس ديونيسيوس إلى خبرة الاتحاد بالله وكل حياته، بل وحتى المسيرة المؤدية إليها على أنها علم. في نص آخر، إذ يتكلم عن عمل البطاركة والكهنة، يؤكد على أن درجة البطريرك قادرة ليس فقط على جلب الكمال ولكن أيضاً على الإنارة والتطهير بمهارة، ودرجة الكهنة هي مدعمة بعلم الإنارة والتطهير“.

يشير أيضاً القديس غريغوريوس النيصي مراراً إلى هذا الموضوع. فهو يتكلم عن الرعاية العلاجية، والمنهج العلاجي، وعلم التمييز بين الخير والشر“.

أيضاً القديس أندرواس الكريتي يستعمل هذه المصطلحات. إنه يكتب في أحد عظاته قائلاً: “لقد قيل لأحد اللاهوتيين الذي تكلم عن أمور مقدسة وكان مدرباً على أمور الله بحكمة وعلم…..”. ليس كافياً للمرء أن يعرف الله فقط، ولكن ينبغي عليه أن يعرفه بطريقة علميةمستعملاً المنهج المقتنى من قِبَل الكنيسة الأرثوذكسية. من الجائز أن يقتني المرء معرفة عن الله فيها ضلالة فلا تكون حقيقية وعلميةلو أنه لم يستعمل المنهج العلمي والعلاجي المناسب.

ترد عبارة علم الطب الروحيفي القانون 102 للمجمع المسكوني الخامسالسادس وهي تُستعمَل لتحديد طريقة شفاء الإنسان. من هنا أن أستعمال تعبير اﻷرثوذكسية كعلم علاجيهو بمعنى مختلف عن المعنى الذي يستعمله المعاصرون.