الأقمار الثلاثة والإلحاد المعاصر

الأقمار الثلاثة والإلحاد المعاصر

أفثيميوس أسقف أخيلوس

وقاحة الهرطقات انهزمت

نشأت ظاهرة الإلحاد في الغرب، وأصبحت حركة على مستوى العالم وكلّفت الحضارة الغربية غالياً في القرن العشرين. بدأ الإلحاد داخل الكنيسة الغربية كرد فعل من جانب الرجال المتعلّمين على طبيعة تلك الكنيسة التعسفية وقسوتها (محاكم التفتيش وما شابه). في الشرق، لم يكن هناك مشكلة من هذا القبيل خاصةً حول العلاقة بين العلماء والكنيسة، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى ثلاثة رؤساء كهنة عظماء نحتفل بهم اليوم.

ا. كانوا رجال تعلّم. لقد كانوا رؤساء كهنة باحثين مع سنوات من الدراسة وراءهم وكانوا أكاديميين لامعين. باسيليوس الكبير درس في جامعة أثينا في تلك الأيام. يقول غريغوريوس أن باسيليوس كان سيد جميع فروع المعرفة فيما كان الآخرون سادة واحد فقط. لقد كانوا في نفس الوقت علماء وقديسين. لقد حلّوا مسألة العلاقة بين العلم والإيمان بطريقة شخصية. من خلال حياتهم، أعلن الأقمار الثلاثة أن العلم والإيمان ليسا متناقضين.

ب. لقد خدموا الحقيقة. الكنيسة كما أسسها المسيح والرسل هي عالم نور وحقيقة وحياة. من جهة أخرى، يسعى العلماء إلى الحقيقة والنور بطريقتهم الخاصة. خدم الأقمار الثلاثة حقيقة المسيحية دون أي تزييف. لقد اختلف العلماء في الغرب وكان عندهم اعتراضات قوية على لاهوت الكنيسة الغربية السكولاستيكي. أمّا إذا قرأنا تعليم الأقمار الثلاثة، فلا شكّ ولا اعتراضات. لأنهم خدموا النور والحقيقة ولا أحد يعارض الحقيقة.

الإلحاد ليس ظاهرة روحية من الشرق. لقد تقدّم الإلحاد كمُنتَجٍ روحي من الغرب في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. في تلك السنوات، لسوء الحظ كان الناس يُلَقَّمون مع التغذية المادية والروحية التي تم استيرادها من الخارج.

نحن نعيش اليوم في عصر آخر. كانت هناك عودة إلى التقليد الروحي الأرثوذكسي وآباء الكنيسة. لقد اكتفينا من القشورالمستوردة من الغرب. حان الوقت للعودة إلى بيت آبائنا، للتمتّع بكنوزهم، للاغتذاء وتغذية الناس الذين يعانون من الجوع لكلمة ربنا.

عن بدعة قيد الإعداد في الكنيسة الأرثوذكسية

عن بدعة قيد الإعداد في الكنيسة الأرثوذكسية

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

كلمة بدعةمستمدة من الفعل اليوناني (αίρομαι)، أنا أختار، وهو يدلّ على اختيار وتفضيل جزء معين من التعليم، وتحويله إلى مطلَقٍ على حساب الحقيقة الكاملة كلها. من وجهة نظر الأرثوذكسية، الهرطقة انحراف عن تعليم الكنيسة المثبّت كما صاغه الرسل وآباء الكنيسة، وخاصة في المجامع المحلية والمسكونية. على سبيل المثال، تمّت صياغة التعليم عن اتحاد الطبيعتين في المسيح في المجمع المسكوني الرابع، وطبقاً لها يتمّ اتّحاد الطبيعة الإلهية والبشرية من دون امتزاج أو تشوّش ولا انقسام ولا انفصالفي أقنوم الكلمة. عندما يشدد شخص ما على الطبيعة الإلهية على حساب الطبيعة البشرية، فإنه يقع في بدعة الطبيعة الواحدة. عندما يقوم شخص آخر بالإفراط في التأكيد على الطبيعة الإلهية على حساب الطبيعة البشرية، ولا سيما على حساب اتحاد الطبيعتين، يقع في بدعة النسطورية.

هذا يدل على وجوب أن نقبل عقائد الكنيسة كما وردت في الكتاب المقدس والتقليد المقدس، أي في كتابات الأنبياء والرسل والآباء الذين صاغوها في المجامع المحلية والمسكونية. أما في خلاف ذلك فإن الحقيقة التي كشف عنها الإيمان تخضع للتغيير. ويأتي هذا التغيير في الغالب من خلال التكهنات والأفكار التقوية حول حقائق الكنيسة العقائدية.

1. نوعا الإكليسيولوجيا المزعومان في اللاهوت الأرثوذكسي

يتحدث علماء لاهوت مرحلة ما بعد الآباء عن نوعين من الإكليسيولوجيا، الإكليسيولوجيا الكتابية البدائية (primitive biblical ecclesiology) والإكليسيولوجيا الآبائية اللاحقة، ويقولون إن النوع الثاني من الإكليسيولوجيا والروحانية غيّر النوع البدائي، الذي تمّ التعبير عنه بالمجد الأخروي لملكوت الله“.

أيضاً يتحدث علماء لاهوت ما بعد الآباء، تحت تأثير البروتستانتية، عن اللاهوت الأفلاطوني الحديث الإفاغريوسي (نسبة إلى أفاغريوس البنطي)واللاهوت النسكي المكاريوسي (نسبة إلى مكاريوس المصري)“. وبهذه الطريقة ينقسم اللاهوت الأرثوذكسي.

ووفقاً لهذه النظرية، فإن التعبيرين عن الحياة الهدوئية، أي التصوّف التأمليعند إفاغريوس والمادية الروحيةعند مكاريوس المصري، عِبر القديس غريغوريوس اللاهوتي، القديس غريغوريوس النيصصي، القديس مكسيموس المعترف والقديس سمعان اللاهوتي الحديث في الكنيسة، ويبلغا الذروة عند القديس غريغوريوس بالاماس. إذاً، بحسب علماء اللاهوتي ما بعد الآبائيين، فإن الهدوئية والرهبنة المعاصرة قد تشكلتا من خلال هذين الاتجاهين.

هذه النظرية الجديدة، التي تحاول قلب حياة الكنيسة النسكية التقليدية، تؤكّد أن درجات الحياة الروحية، أي التطهّر والاستنارة والتمجيد، هي تأثير من أوريجنس. وبحسب هذا الرأي، فإن إفاغريوس تأثّر بأوريجنس، وكان لهذا التأثّر مفعول على الآباء اللاحقين (مكاريوس المصري، الكابادوكيين، مكسيموس المعترف، سمعان اللاهوتي الحديث، غريغوريوس بالاماس وغيرهم)، ووصل حتّى إلى القديس نيقوديموس الأثوسي، وبطبيعة الحال، آباء الفيلوكاليا.

تقوّض هذه النظرية التقليد الهدوئي والفيلوكالي وكل تعليم آباء الكنيسة عن تحرير النوس من الخيال والشكل، وتنقية القلب، واستنارة النوس ومعاينة الله، وصلاة النوس في القلب، وما إلى ذلك. وبعبارة أخرى، إنها تنتهك كل متطلبات اللاهوت الأرثوذكسي، والإكليسيولوجيا الأرثوذكسية والإفخاريستيالوجيا. كما سوف يتّضح أدناه، هذه في الواقع بدعة قيد الصنع في الكنيسة الأرثوذكسية.

2. دحض موجز

ينبغي التعامل لاهوتياً مع نظرة الإكليسيولوجيا المزدوجةالمزعومة، وإلا ينشأ ورم خبيث في جسد الكنيسة مع عواقب غير متوقعة. هنا سوف نفنّد هذه النظرية غير الأرثوذكسية بإيجاز، أمّا في القسم التالي فسوف نحلّل المسألة بمزيد من التفصيل.

أولاً وقبل كل شيء، ينبغي التأكيد على أن وجود إكليسيولوجيا مزدوجةو روحانية مزدوجةغير ممكن في الكنيسة. فالكنيسة هي جسد المسيح وما يصنّف بالروحانية هي الحياة في المسيح والروح القدس التي يعيشها المسيحيون من خلال الأسرار المقدسة والتقليد النسكي. ترتبط الإكليسيولوجيا الحقيقية ارتباطاً وثيقاً بتجسّد المسيح والعنصرة. في مطلَق الأحوال، لا تشكّل الهدوئية إكليسيولوجيا معينة. بل هي حياة الإنجيل وحفظ وصايا المسيح، وهي مطلب أساسي للمشاركة في قوة الله غير المخلوقة المطهِّرة المنيرة والمقدِّسة. إن العبادة في الكنيسة والأسرار تقدم هذا التقليد الهدوئي بالكامل. وهذا ما تمّ تثبيته مجمعياً في مجمع 1351، الذي يُعتَبَر المجمع المسكوني التاسع.

نعلم من مجمل تعليم الكنيسة أن تعاليم وخبرة الأنبياء والرسل والآباء متطابقة. لا يختلف الرسل عن الأنبياء، ولا الآباء يختلفون عن الرسل والأنبياء، فهم يشتركون في نفس التجربة والإيمان. الفرق هو أن أنبياء العهد القديم رأوا الكلمة غير المتجسّد، بينما في العهد الجديد وحياة الكنيسة يرون ويشاركون في الكلمة المتجسّد. كل شيء آخر لديهم مشترك. يقول القديس غريغوريوس بالاماس بشكل خاص: “… أي شيء آخر غير الكمال الخلاصي في المعرفة والعقائد يتكوّن من التفكير بنفس الطريقة كالأنبياء والرسل والآباء، ومع كل هؤلاء في الأساس، الذين من خلالهم يشهد الروح القدس عن الله ومخلوقاته“.

ونحن نعلم أيضا من لاهوت الكنيسة أن خبرة المعاينة الإلهية، التي تجري بكلمات لا تُسّر، ليست نفس تسجيل هذه الخبرة الذي يستخدم كلمات ومفاهيم وصوراً مخلوقة. إلى هذا، فإن الاختلاف في المصطلحات بين الأنبياء والرسل والآباء لا يشكل فرقاً في الخبرة. من المؤكد، أن الآباء والمعلمين في القرنين الثالث والرابع استخدموا مصطلحات معينة اعتمدوها من لغة عصرهم، لدحض الهراطقة. مع ذلك، هذا لا يعني أنهم غيّروا مضمون المصطلحات. قال الأب يوحنا رومانيدس: “التعامل مع المعتقدات الكاذبة جعل زيادة المصطلحات ضرورية. للتعامل مع الهراطقة نستخدم إعلانات الإيمان وهذه المفاهيم، كما نحاول أن نضرب قلب الاعتقاد الكاذب“.

لذلك من الغريب أن يًنظَر إلى التعليم عن التطهّر والاستنارة والتمجيد على أنه أوريجيني أو أفلاطوني حديث على اعتبار أن الآباء تبنّوا هذه المصطلحات ككلمات أو كوقائع. فيما هذه المصطلحات موجودة في الكتاب المقدس في مطلق الأحوال. لقد اتُّهِم القديس كيرللس الإسكندري باستخدام عبارات من نسطوريوس. ولذلك كتب في الرسالة التي أدرجت في وقائع المجمع المسكوني الثالث أنه لا ينبغي لنا تجنّب كلّ ما يقوله الهراطقة، إذ أن هناك أيضاً أشياء توافق تعليمنا. قوله الفعلي هو: “لا حاجة للفرار من كل ما يقوله الهراطقة ورفضه، لأنهم يعترفون بأشياء كثيرة نعترف بها أيضاً“. ويذهب إلى الإشارة إلى أمثلة ذات صلة. وهذا يعني أن المهم ليس ما إذا كان المصطلح قد قدّمه أوريجينوس أو إفاغريوس البنطي أو مكاريوس المصري. المهم هو أنه اعتُمِد من القديس باسيليوس الكبير، القديس غريغوريوس اللاهوتي، القديس غريغوريوس النيسسي والآباء اللاحقين، وتمّ تأكيده مجمعياً، على أنه من التقليد الأرثوذكسي. وبالتالي، طريقة التفكير بأنّ تعليم الكنيسة الثابت الذي اختبره آباء الكنيسة هو أوريجيني أو افاغريوسي أو ماكاريوسي أو غيره، ليست طريقة أرثوذكسية.

علاوة على ذلك، هناك فرق كبير بين اللاهوت والفلسفة، ويتجاوز هذا الفرق مجرد استخدام المصطلحات. اللاهوت هو نتيجة إعلان الله إلى الممجَّدين، في حين أن الفلسفة هي نتيجة التكهنات واكتشاف العقل البشري. إن وصف التقليد الهدوئي بأنه أوريجيني أو افاغريوسي أو ماكاريوسي أو حتى أفلاطوني حديث بسبب وجود تشابه خارجي في الكلمات هو تفسير سطحي، لا بلّ هو يعبّر أيضاً عن شيء أعمق، أي بعبارة أخرى هو محاولة لتقويض التقليد الأرثوذكسي الهدوئي.

مدى كون هذه الاستنتاجات سطحية واضح من حقيقة قدرة هؤلاء الناس وبالطريقة نفسها على إلقاء اللوم على آباء الكنيسة لاعتمادهم مصطلحات من الوثنيين والهراطقة (شخص، أقنوم، جوهر، الطاقة وهلم جرا) كما غيرها من العوامل الثقافية الخارجية، كما أن هؤلاء الناس يصفون بالوثنية لاهوت الآباء عن الإله الثالوثي وإكليسيولوجيتهم. لقد ذهب هرناك (Harnack) وغيره من البروتستانت إلى هذا الحد، وليس مستبعداً أن هؤلاء الأرثوذكس الذين يفكرون بشكل سطحي وخارج عن التقليد الأرثوذكسي، لأنها يجهلون محتوى التقليد السماوي والعميق، قد يصلون أيضاً إلى هذه النقطة (وقد وصل البعض بالفعل).

في نهاية المطاف، فإن الرأي القائل بأنه تسود في الكنيسة إكليسيولوجيا مزدوجة بدائية وأكثر حداثة هو ما يسمى لاهوت ما بعد الآباء“. إنها نظرة متأتية من البروتستانت وبعض الأرثوذكسيين الذين يحاولون بهذه الطريقة إنكار تعليم الآباء، وعبادة الكنيسة، والتقليد الهدوئي، وبطبيعة الحال، الرهبنة. ومن المدهش حقاً أن علماء اللاهوت والفلاسفة المذكورين أعلاه يسعون إلى جعل اللاهوت الأرثوذكسي بروتستانتياً عِبر الإشادة بالتفسير البروتستانتي وتقويض التقليد الهدوئي الكنسي الآبائي، من أجل إكليسيولوجيا بدائيةتشير إلى الإفخارستيا الإلهية ومملكة الله، وتعتمد ببساطة على نصوص العهد الجديد.

من الواضح تماماً مما يقوله هؤلاء اللاهوتيون والكتاب الجدد أن محاولة تُبذَل لتقويض كل التقليد النسكي وحياة الكنيسة، بالشكل الذي عبّر عنهما آباؤها العظماء، الكابادوكيون (القديس باسيليوس الكبير، القديس غريغوريوس اللاهوتي، القديس غريغوريوس النيسسي)، القديس ديونيسيوس الأريوباغي، القديس مكسيموس المعترف، القديس يوحنا الدمشقي، القديس سمعان اللاهوتي الحديث، القديس غريغوريوس السيناىي، القديس غريغوريوس بالاماس، وجميع آباء الكنيسة الصحويون والفيلوكاليون. وفي الوقت نفسه، يتم تقويض تعليم كل النساك القديسين الذين عرفناهم في السنوات الأخيرة (يوسف الكهف، أفرام الكاتوناكي، بايسيوس الأثوسي، بورفيريوس الكافسوكاليفي، إفرام الفيلوثي، وغيرهم) الذين يتحدثون عن الحياة النسك والتوبة والصلاة العقلية وعموماً عن طريق الإنسان إلى الله من خلال التطهّر والاستنارة والتمجيد.

وهذا يخلق أيضاً مشكلة خطيرة أخرى تقوّض كامل الإكليسيولوجيا. المقصود أن عقائد الكنيسة يتمّ تفسيرها خارج شروطها الأساسية، التي هي الخبرة التي تجد تعبيراً ملموساً في التطهّر والاستنارة والتمجيد. إلى هذا، إن حياة الكنيسة ألأسرارية أيضاً يتمّ تقويضها عندما تُقطَع المعمودية، والميرون، والمناولة المقدسة، وجميع الأسرار الأخرى عن حياة النسك، كما هي معبر عنها في التطهّر والاستنارة والتمجيد. فنحن نعلم أنه لا يمكن أن تكون الأسرار منفصلة عن التقليد الهدوئي، لأن هذا يشكّل طريقة حياة كالسحر، كما لا يمكن أن يعاش التقليد الهدوئي من دون أسرار الكنيسة، لأن هذا يؤدي إلى الفلسفة الشرقية والمصلينية (Messalianism).

3. تحليلات أوسع

إن الدحض الموجَز أعلاه لهذه البدعة قيد الصنع في الكنيسة الأرثوذكسية يمكننا من المضي قدماً في تقديم تعليقات أوسع نطاقاً وبشكل أساسي لتوسيع هذه الأفكار للتعامل مع هذه الحالة الخطيرة التي يمكن أن تضرّ أعضاء الكنيسة. ومن الواضح أنها خباثة بروتستانتية هرطوقية تسللت إلى بنية بعض أعضاء الكنيسة، ويجب ألا تصبح نمواً خبيثاُ من شأنها أن تهاجم بنية الكنيسة.

لإسقاط كل هذه النظريات أستطيع أن أعود إلى الكتاب المكون من مجلدين الذي نشرته بعنوان العقائد التجريبية، والذي يعرض تعليم اللاهوتي العقائدي الأصيل الموثوق الأب يوحنا رومانيدس. فهو كان على دراية بكل هذه الآراء في أمريكا، من اللاهوت السكولاستيكي والبروتستانتي اللذين درسهما. وهو الذي أوضح لنا أصالة الفكر والحياة الآبائيين. كل هذه الآراء التي طرحها بعض اللاهوتيين المعاصرين يتعامل معها الأب يوحنا رومانيدس بشكل جيد جداً بنصوص محددة. هذا هو سبب تشويههم له كثيراً. ولكن الحقيقة سوف تلمع، لأن الله لن يدع اللعنة تسود داخل مدى الكنيسة الأرثوذكسية المقدسة والمباركة، كما هو واضح من تاريخ هذه الكنيسة. ما هو أصيل سوف يحتمل الوقت والضغوط، في حين أن ما هو كاذب سوف يختفي.

سوف أركّز الآن على بعض النقاط المميزة التي تكشف عن هذا الخباثة البروتستانتية الهرطوقية التي أثرت أيضا على بعض الأرثوذكسيين.

أ) متطلبات النطق باللاهوت بطريقة أرثوذكسية

قد علّمنا الآباء القدّيسون أنه للتعامل مع تعليم ما، يجب التأكيد على متطلبات اللاهوت الأرثوذكسي. السؤال هو: مَن، في نهاية المطاف، هو لاهوتي في الكنيسة، ومن يستطيع النطق باللاهوت؟ جابه القديس غريغوريوس اللاهوتي بخطبه اللاهوتية بدعة الأريوسيين الذين استخدموا الحجج الفلسفية، ولا سيما إفنوميي زمانه الذين شكّلوا المجموعة الهرطوقية السائدة بين بين الأريوسيين. ومن السمات أنه احتاج إلى أن يحدد في بداية خطبه اللاهوتية متطلبات النطق باللاهوت. لقد أشار إلى مَن يستطيع وينبغي أن ينطق باللاهوت. ويشير القديس غريغوريوس اللاهوتي إلى أن أولئك الذين يفخرون ببلاغتهم، الذين يفرحون بالثرثرات البذيئة والباطلةوتناقضات ما يسمى كذباً بالمعرفة“. إنهم أيضاً سفسطائيون، سخيفون ومتلاعبون بالكلمات غريبون“. وعلى ضوء تفكير الأفنوميين الفلسفي يقولإن سرنا الكبير معرّض لخطر أن يصير ابتذالاً“. فهو يسمّي الأفنوميين الذين يتكلّمون فلسفياً عن الله فيما يعيشون خارج تقليد الكنيسةجدليين مولعين بالكلمات.”

لهذا هو يفسّر ما هي المتطلبات الأساسية للاهوت الأرثوذكسي فيقول أن اللاهوت ليس مجرد أي اهتمام، وبالتأكيد لا يأتي من أصل وضيع. النطق باللاهوت ليس مهمة للجميع، بل هي لأولئك الذين اختٌبِروا وتقدّموا في الثايوريا [المعاينة]، وقد تطهّروا بالروح والجسد، أو على الأقل هم في مرحلة التطهّر“. هذا أمر أساسي، لأن من الخطِر أنّ النجس يلامس الطاهر، تماماً كما أن أشعة الشمس خطرة على العيون. لذلك، على مَن ينطق باللاهوت أن يكون أولا قد تطهّر، وإلا فسوف ينتهي هرطوقياً. ولتلبية متطلبات اللاهوت، يجب أن يعبر بالهدوئية. وبعبارة أخرى، يمكننا أن ننطق باللاهوت عندما نكون متحررين من كل حالات التلوّث أو الاضطراب الخارجي، وقدرتنا الآمرة لا تخالطها صور وهمية أو خاطئة، كخلط الكتابة اليدوية الجميلة مع بالخربشة القبيحة، أو عطر الميرون بالقذارة. على الإنسان أن يكون أولاً هادئاً لمعرفة الله. “لأنه من الضروري فعلاً أن يكون هادئاً ليعرف الله“.

يأتي تعليم القديس غريغوريوس اللاهوتي هذا في بداية خطبه اللاهوتية، مظهراً بوضوح أنّ أهمية كبيرة تُعزى إلى متطلبات اللاهوت الأرثوذكسي. إذا تم تغيير هذه الشروط المسبقة، فإن الناس حتماً يُقادون إلى الانحراف عن الحقيقة، ونتيجةً لذلك يقعون في المعتقدات الكاذبة والبدع. وبالتالي، فإن المتطلبات الأساسية للاهوت الأرثوذكسي هي الهدوئية المقدسة، السكون الإلهي، تطهّر القلب من الأهواء، واستنارة النوس. ما يتحدث عنه القديس غريغوريوس اللاهوتي ليس إكليسيولوجيا مختلفة وأكثر حداثة، بل الإكليسيولوجيا الكنسية الصحيحة التي نلتقيها عند الرسل وأنبياء العهد القديم. ليس من المؤكد على الإطلاق أن ما يتمّ التعبير عنه هو التعليم والإكليسيولوجيا الأرثوذكسيين إذا ما أُلغيَت هذه المتطلبات.

في عظته عن الظهور، يتحدّث القديس غريغوريوس اللاهوتي عن التطهّر والاستنارة والتمجيد باعتبارها الشروط المسبقة الأساسية للاهوت الأرثوذكسي لكي يحصّل إنسان ما موهبة الحقيقة الروحية ويخدم الله الحي والحقيقي“. فقط بهذه الطريقة يمكن للمرء أن يتفلسفأو ينطق باللاهوت عن الله. ويتابع إلى تحديد طريقة اللاهوت الأرثوذكسي: “حيث يكون الخوف يكون الحفاظ على الوصايا؛ وحيث يوجد حفظ الوصايا يكون تطهير الجسد من تلك السحابة التي تغطي النفس ولا تسمح لها أن ترى الأشعة الإلهية بوضوح. حيث يوجد التطهّر تكون الاستنارة. والاستنارة هي إشباع رغبة أولئك الذين يتوقون إلى أعظم الأشياء، أو أعظم شيء، أو ما هو أبعد من العظيم“. هذا لا غنى عنه لذلك علينا أن نطهّر أنفسنا أولاً، ومن ثم التكلّم مع من هو الطاهر“. ومن الواضح أن هذا إشارة إلى التطهّر والاستنارة والتمجيد، والتقدم نحو العظيم“: معاينة النور غير المخلوق، المعاينة الإلهية، حين تُكتَسَب معرفة الله الحقيقية.

الهدوئية المقدسة هي الطريقة الأرثوذكسية للحياة كما نلتقيها في الكتاب المقدس وتقليد الكنيسة، وكما عاشها الأنبياء والرسل والقديسون على مرّ القرون. إنها ليست إكليسيولوجيالاحقة أزاحت الإكليسيولوجيا البدائيةوحلّت محلها، ولا هي أن بعض الآباء أثّروا على آباء آخرين أتوا بعدهم. أسأل نفسي: هل أنّ الذين عبّروا عن وجهات النظر هذه يعتبرون آباء الكنيسة كما لو أنهم حمقى وغير ناضجين ليقبلوا ببساطة ومن دون تحقق النظريات التي ينتجها الآخرون نظريات غيّرت تقليد الكنيسة وبالتالي ليكونوا قد ساهموا بسذاجة في الانحراف بعيداً عن اللاهوت الأرثوذكسي؟ أسوأ من ذلك كله، الزعم أن الكنيسة أتت في وقت لاحق إلى المجالس المسكونية بآبائها وأكّدت هذا التغيير! أنا أندهش كيف يدعم هذه الثغرات من يدّعون الأرثوذكسية، الذين يجترّون النظريات التي صاغها البروتستانت. إن وجهة النظر المذكورة أعلاه تهمل تماماً وجود الروح القدس في الكنيسة والتعليم بأن القديسين متألّهون، كما كما يرد تكراراً في نصوص الآباء والمجامع المسكونية.

عندما نتكلم عن طريقة الحياة الهدوئية نعني كامل حياة الإنجيل، والتي تشير إلى الجهاد ضد الشيطان والموت والخطيئة. شفاء الأفكار، تنقية القلب؛ وتفعيل المَلَكة النوسية بحيث يصلي النوس بطهارة لله؛ اقتناء المحبة غير الأنانية؛ والعلاج أجزاء النفس الثلاثة، وهلم جرا. ترتبط هذه الحياة النسكية ارتباطاً وثيقاً بالحياة الأسرارية وتشكّل جوهر طريقة الحياة الإنجيلية والكنسية.

جدير بالذكر أن إفاغريوس البنطي الذي يرى اللاهوتيون الذين يفكرون يروتستانتياً أنه أدخل الانحراف عن الإكليسيولوجيا البدائيةوأنه أثّر بالقديس غريغوريوس بالاماس قد سامه القديس غريغوريوس اللاهوتي وخدم شماساً له أثناء كان بطريركاً على القسطنطينية. على الأكيد أن إفاغريوس تأثّر بأوريجنس في بعض آرائه وتعابيره، لكنه في الأمور اللاهوتية كان متأثّراً بلالآباء الكبادوكيين. في الواقع، إن تعليمه النسكي يحمل بصمات تقليد الصحراء الرهباني كما كان يُعاش في زمانه، بحسب ما يؤكّد الأب جورج فلوروفسكي. في مطلق الأحوال، إن تعليمه عن معرفة الله وصياغته لهذا التعليم قبلهما القديس مكسيموس المعترف والقديس يوحنا السينائي كاتب السلّم، وكل آباء الكنيسة اللاحقين.

بالتأكيد لا يمكن اعتبار لاهوت القديس غريغوريوس اللاهوتي متأثراً بإفاغريوس البنطي، على العكس، العكس صحيح. في الأمور الهدوئية القديس غريغوريوس أثّر بإفاغريوس الذي عبّر عن تقليده الهدوئي بكلماته الخاصة. يجب أن أشير هنا إلى أن اسم القديس غريغوريوس هو اللاهوتي وليس النزينزي كما كان يسمّيه أعداؤه الأريوسيون ويكرره في زماننا البروتستانت وبعض الأرثوذكس المتأثّرون بهم. نحن الأرثوذكسيون علينا أن نناديه بما نادته به الكنيسة: القديس غريغوريوس اللاهوتي بطريرك القسطنطينية.

ما يلي سوف يزيد من توضيح تعليم القديس غريغوريوس اللاهوتي.

ب) خبرة مجد الله وصياغتها بكلمات

الكنيسة هي جسد المسيح، وأعضاء الكنيسة أعضاء في جسده القائم وهم يسلكون أسراريا ونسكياً. لا يوجد نوعان أو أكثر من الإكليسيولوجيا، ولا أي نوع من الإكليسيولوجيا ينشأ من نوع آخر تحت الضغط. هناك إكليسيولوجيا واحدة، كما هو تحدده حياة الكنيسة الأرثوذكسية بكاملها. لم يغير آباء الكنيسة التقليد القديمالذي ورثوه، ولكنهم يعيشون موحدين عضوياً مع جميع القديسينوينتمون ضمن وحدة الأنبياء والرسل والآباء.

الكنيسة نفسها، من خلال الآباء المستنيرين بقوة الروح القدس، تختبر مجد الله وتصوغ خبرتها بكلمات بحسب تحديات كل عصر. وبالتالي فإن نفس الحقيقة التي كُشِفَت محفوظة، ولكن في بعض الأحيان تتغير المصطلحات والكلمات، دون فقدان معناها الروحي.

وهكذا فإن كلمة التألّه (theosis) لا توجد في الكتاب المقدس، ولكن من خلالها يتمّ التعبير عن المعاني التي تنقلها الكلمات الأخرى، مثل الكمال، التمجيد، وغيرها. لا يمكننا أن نجد كلمة هوموسيوس (المشارِك بالجوهر، المشارك بالطبيعة) أو غيرها من المصطلحات المماثلة في الكتاب المقدس. اعتمد الآباء هذه المصطلحات من الفلسفة، لأن الهراطقة في تلك الحقبة كانوا يستخدمونها. وقد أفرغها الآباء من المعنى الذي كان لها، وأعطاها معنى مختلفاً. هل يشكّل هذا، وفقاً لعلماء اللاهوت التحزريين، تغييراً في اللاهوت الأرثوذكسي والإكليسيولوجيا؟

ما فعله الآباء في ما يتعلق بالعقيدة طبّقوه أيضاً على ما يتعلق بمتطلبات العقيدة، وهو الهدوئية المقدسة، وتطهير القلب، والصلاة النوسية الداخلية، والمعاينة الإلهية، وغيرها. وكما أننا لا نستطيع أن نتّهم الآباء بتغيير اللاهوت القديمفي ما يتعلق بعقيدة الثالوث الأقدس لأنهم استخدموا المصطلحات الفلسفية في عصرهم، كذلك لا يمكننا إلقاء اللوم عليهم لاستخدامهم بعض مصطلحات الفلسفة الأفلاطونية الحديثة، أو مجرد قبول المصطلحات التي استخدمها إفاغريوس البنطي ومكاريوس المصري. هذه ليست إكليسيولوجيا مختلفة ومعارضة، بل نفس الإكليسيولوجيا التي صيغت بمصطلحات تنقل بشكل أفضل التجربة التي عاشوها بأنفسهم الآباء المتألِّهون. في الواقع، استخدم آباء الكنيسة مصطلحات مختلفة من اللغة الفلسفية في عصرهم بهدف قلب آراء الفلسفة وآراء الهراطقة، كما سوف نرى في جزء آخر. كلّ مَن لا يستطيع أن يفهم الفرق بين الكلمات غير المخلوقة والكلمات والمفاهيم التي تمّ إنشاؤها، على ما اعتاد الأب يوحنا رومانيدس قوله، لا يمكن أن يفهم الحد الأدنى من اللاهوت الأرثوذكسي. إن خبرة مجد الله ليست هي نفسها صياغتها بكلمات.

عاش الآباء في عصر هيمنت فيه الفلسفة اليونانية وكان من الضروري بالنسبة لهم استخدام المصطلحات عصرهم للتعامل مع المسيحيين الهيلينيين. لو كانوا أحياء اليوم، لكانوا استخدموا مصطلحات عصرنا البشرية، أي لكانوا استخدموا مصطلحات من علم الحياة (الأب جون رومانيدس)، شريطة، بالطبع، أن لا يٌقضى على مصطلحات المجامع المسكونية أو تُقوّض.

وبقدر ما يمكن، فإن المصطلحات التي استخدمها الآباء وثبتتها المجامع المسكونية هي الآن حقيقة مفروغ منها. إنها جزء لا يتجزأ من التقليد. لا أحد قادر، باسم كنسية قديمة مزعومة، أن يقلبها وأن يبطل الأسطورة التي فيها“. إن دراسات الأب يوحنا رومانيدس الأولى على آباء الكنيسة الرسوليين، وأيضاً على كتاب الصلاة في الكنيسة، تكشف أن التقليد الصحوي والنسكي هو الجزء الأكثر أهمية في التقليد الأرثوذكسي. إنه يظهِر الشروط المسبقة الحقيقية للعقائد الأرثوذكسية ومجمل حياة الكنيسة.

إن مفهوم التقليد الصحوي والهدوئي للتطهر والاستنارة والتمجيد موجود في الكتاب المقدس – بعهديه القديم والجديد عندما يفسران مع المسلّمات الأرثوذكسية وليس بطريقة اللاهوت البروتستانتي التفسيرية. لقد قدمت مادة وفيرة حول هذا الموضوع في الكتب التي نشرتها من وقت لآخر. وسأقدّم هنا بعض الأمثلة.

التطويبات هي أول تعليم للمسيح، وهي تظهِر بالضبط ما هي الحياة الروحية، وتحافظ على كل السمات المميزة لتقليد الكنيسة الصحوي الهدوئي. تتحدث التطويبات عن فقر الروح كشرط مسبق لملكوت الله. عن الحزن الإلهي الذي يؤدي إلى التعزية؛ عن الوداعة كشرط مسبق لوراثة الأرض؛ عن الجوع والعطش إلى بِرّ المسيح الذي يجلب الشبع؛ عن الرحمة التي تجتذب رحمة الله؛ عن نقاوة القلب التي بها يعاين الإنسان الله؛ عن صنع السلام، لأنه بهذا يصير الإنسان ابن الله؛ عن الاضطهاد وقبول اللعنة من أجل بر الله، لأن هذا هو السبيل للحصول على الفرح والسعادة، والمكافأة في السماء (متى 5: 1-13).

مَن يدرس هذه التطويبات بعناية، وهي التي تشكّل في الواقع الطريق الكنسية الحقيقية إلى الحياة، يرى أن المسيحيين مدعوون بشدة إلى الحفاظ على وصايا المسيح، ولكن قبل كل شيء يلاحظ أن كل البركات العظيمة، أي معاينة الله، والمشاركة في مملكته، واختبار التبنّي كابنٍ، كلها مشروطة بحياة النسك، الذي هو التواضع، الحزن، الوداعة، نقاوة القلب واحتمال الاضطهاد والاستشهاد لمجد المسيح.

للتقدم من هناك، إذا درس الإنسان حدث تجلي المسيح على جبل ثابور ومشاركة التلاميذ الثلاثة في مجد النور غير المخلوق (متى 16: 28-17: 1-8)، إلى جانب ظهور المسيح القائم وخبرة سر العنصرة، يفهم ما يشكّل الحياة الروحية.

يشير الرسول بطرس في رسالته العامة إلى مجمل هذه الحياة الهدوئية التي على المسيحيين أن يعيشوها: “كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى، بِمَعْرِفَةِ الَّذِي دَعَانَا بِالْمَجْدِ وَالْفَضِيلَةِ، اللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ، لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ.” (2 بطرس 3:1-4).

على الإنسان أن ينأى بنفسه عن العقلية الدنيوية ويبلغ إلى الشركة مع الله. ويتابع الرسول بطرس إلى الإشارة إلى الإيمان المرتبط بالفضيلة والمعرفة وضبط النفس والصبر والقوة واللطف الأخوي والمحبة. من خلال هذه الأمور يصل الإنسان إلى معرفة المسيح. مَن يفتقر إلى هذه الأشياء هو أَعْمَى قَصِيرُ الْبَصَرِ، قَدْ نَسِيَ تَطْهِيرَ خَطَايَاهُ السَّالِفَةِ.” (2 بطرس 5:1-9)

إنه يحثّ المسيحيين على السعي لتحقيق هدفهم: “لِذلِكَ بِالأَكْثَرِ اجْتَهِدُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَاخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْنِ. لأَنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذلِكَ، لَنْ تَزِلُّوا أَبَدًا. لأَنَّهُ هكَذَا يُقَدَّمُ لَكُمْ بِسِعَةٍ دُخُولٌ إِلَى مَلَكُوتِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الأَبَدِيِّ.”(2 بطرس 10:1-11).

في تحديد ما هو ملكوت الله هذا، يشير الرسول بطرس إلى ظهور مجد الله على جبل ثابور. هذا متميز بشكل واضح جداً عن الفلسفة، التي هي خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً“: “لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً، إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ. لأَنَّهُ أَخَذَ مِنَ اللهِ الآبِ كَرَامَةً وَمَجْدًا، إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ صَوْتٌ كَهذَا مِنَ الْمَجْدِ الأَسْنَىهذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي أَنَا سُرِرْتُ بِهِ». وَنَحْنُ سَمِعْنَا هذَا الصَّوْتَ مُقْبِلاً مِنَ السَّمَاءِ، إِذْ كُنَّا مَعَهُ فِي الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ. وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا، كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ“(2 بطرس 16:1-19).

يبيّن هذا النص الرسولي بوضوح دعوة المسيحيين، ماهية ملكوت الله، وكيف يمكن اعتبار إنسان ما جديراً بهذه الثايوريا (المعاينة)، وبطبيعة الحال، أن هذه هي خبرة المجد غير المخلوق المتميّز عن أي نوع من الفلسفة، أفلاطونية أو أفلاطونية حديثة.

التقليد الهدوئي واضح في الإصحاح الأول من رسالة الرسول بطرس الأولى العامّة. كل المسيحيين مُحَضّون على توطيد أذهانهم، وأن يكونوا يقظين، وأن يضعوا رجاءهم بالكامل النِّعْمَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ“. وكأولاد للطاعة، لا ينبغي بهم أن يتكيّفوا مع الرغبات التي كان لهم حين كانوا في الجهل، أي قبل المعمودية، بل أن يسلكوا بحسب دعوة الله القدوس، حتى أنهم أيضاً يتقدّسون في كل سيرتهم (1 بطرس 13:1-17).

وهنا أيضاً اختبار البركات العظيمة مشروط بتركيز العقل واليقظة الروحية والرجاء بالتمتع بالله، أي بعبارة أخرى، المعاينة الإلهية. بهذه الطريقة يصيرون قديسين. القداسة ليست أمراً مفروغاً منه يُعطى ميكانيكيا وسِحرياً، بل هي تفترض مسبقاً عمل الله وتعاون الإنسان.

هذه أمثلة قليلة من العهد الجديد، ولكن هناك وفرة من هذه المقاطع التي تظهِر المنظور الكامل لتطهير القلب، واستنارة النوس والمعاينة الإلهية. وبالتالي لم يكن الآباء بحاجة لتبني هذا التعليم من الأفلاطونية والأفلاطونية الحديثة. يمكن للإنسان أن يجد مادة وفيرة في رسائل بولس الرسول، على شاكلة واحد من النصوص التي كتبتها وعنوانه الهدوئية والمعاينة الإلهية في رسائل بولس الرسول“.

ج) التقليد الصحويالهدوئي والآباء القديسون

نلتقي التقليد الهدوئي في جميع النصوص الآبائية. ليس هناك في الكنيسة أي أبٍ مختَبَر في الحياة الروحية ولا يشير إلى التطهّر والاستنارة والتمجيد. هذه ليست مسألة تأثر بالفلسفة الأفلاطونية والأفلاطونية الحديثة، بل بالتعبير عن خبرتهم الشخصية بعبارات عصرهم. في أي حال، كما ذكرنا أعلاه، في هذا الموضوع سجّل إفاجريوس البنطي التقليد الذي وجده بين رهبان فلسطين، وذلك باستخدام المصطلحات المعاصرة له. لذلك من التجديف النظر إلى الآباء على أنهم غير ناضجين روحياً بحيث أنهم تأثّروا بالفلسفة الأفلاطونية الحديثة. حتى لو كانوا قد تأثروا خارجياً بالعبارات، فإنهم في الواقع صاغوا كامل تقليد الكنيسة الصحوي الهدوئي بالكلمات التي تبنوها.

يشير القديس غريغوريوس اللاهوتي مرات عديدة إلى التطهر والاستنارة والتمجيد. لقد استشهدت سابقاً بعبارات قليلة له تبيِّن أن التطهر والاستنارة والتمجيد هي الطريقة التي لا غنى عنها للاهوت الأرثوذكسي، وبدون هذه الشروط المسبقة، هناك خطر البدعة. وهنا يجب أن أذكر عظته عن الكهنوت، التي فيها يبرر لماذا، عندما طُرِح عليه موضوع الكهنوت، تهرّب منه وانسحب إلى البنطس. فيقول من بين جملة أمور أخرى: “لقد تملّكني شوق شديد إلى بركة الهدوئية والاعتزال، وهي ما كنت أعشق منذ البداية“. ثم يذكر أنه كان يسعى إلى التطهر والاستنارة، لأن مهمة الكهنوت عظيمة، لأن فقط مَن كان طاهراً وسلوكه كالمسيح يمكنه أن يستوعب ذاك الطاهر“. عليه أن يجعل خطابه مشرقاً بنور المعرفة، وكذلك نوسه وسمعته. ومن الخطورة على شخص ما أن يكون لاهوتياً ما لم تتطهّر هذه المَلَكات الثلاث إذا لم يكن نوسه مستنيراً، أو خطابه ضعيفاً، أو سمعته غير نقية فهو غير مقبول“.

الأكثر إثارة للدهشة من كل ذلك هو حقيقة أن خطبة القديس غريغوريوس اللاهوتي هذه، وبصرف النظر عن الإشارة إلى التطهر والاستنارة والمعاينة الإلهية التي هي الخصائص الأساسية ليس فقط للاهوت الأرثوذكسي بل أيضاً للخدمة الكهنوتية، فهو يتحدث مطوّلا عن علاج الإنسان. فهو يصف التطهر والاستنارة ومعرفة الله على أنها شفاء البشر. يريد أن يكونَ الكاهنُ معالِجاً. يتمّ العلاج في الكنيسة من خلال الأسرار والنسك، وكل عمل التجسد الإلهي يهدف إلى شفاء البشرية. وعندما يتحدث عن العلاج، فإنه يحدده في عالم الإنسان الداخلي، أي قلبه. “إن كل العلاج والجهد اللذين نقوم بهما يتعلقّان بالإنسان الخفي للقلب، وحربنا موجهة ضد الخصم والعدو الذي في داخلنا، الذي يستخدمنا كأسلحته ضد أنفسنا، والأكثر إثارة للخوف من كل هذا، أنّه يسلمنا لموت الخطيئة “.

لتعريف الفضيلة، يقدّم القديس غريغوريوس النيسسي النبي موسى كنموذج الإنسان المثالي. في كتابه حياة موسىيتحدث عن التقليد الهدوئي الذي لا غنى عنه لمعرفة الله. انه يكيّف مع حالة البشرية الروحية كلّ ما حدث في العهد القديم أثناء ظهور الله على جبل سيناء. أمر الله موسى بوجوب أن يكون الشعب متطهراً من كل أشكال النجاسة. حتى الحيوانات غير العقلانية يجب أن تُبعد عن الجبل، ووحده موسى يجب أن يصعد. هذا هو تطهير النفس والجسد، وأيضاً هو إزالة الملابس الجلدية، التي هي قابلية الموت والفساد.

بالإشارة إلى ارتقاء الإنسان إلى معاينة الله، كتب القديس غريغوريوس النيسسي: “إن طريقه إلى هذه المعرفة هي الطهارة، ليس فقط طهارة جسده عبر طقوس الرش، ولكن أيضاً ملابسه، التي يتم غسلها من كل الأوساخ بالماء“. التطهير يشير إلى النفس والجسد معاً. “وهذا يعني أن مَن يقارب ثايوريا الأشياء الجليّة يجب أن يكون طاهراً من كل الأوجه، حتى يكون طاهراً وغير ملوّث في النفس والجسد، مغسولاً نظيفاً من النجاسة في كليهما، حتى نظهر أطهاراً أمام الذي يرى ما هو مخفي…” إنه يوضح أن مَن يريد أن يرتقي إلى الثايوريا عليه أولاً تطهير سلوكه من كل ميل حسّي وغير عقلاني وتطهير نوسه من كل رأي تشكّل داخله بأي تحامل، ويجب أن يفصل نفسه عن حس الإدراك الذي يرافقه باستمرار. متى تطهّر من هذا، يستطيع التجرؤ على ارتقاء جبل المعاينة الإلهية، كما فعل موسى.

متابعاً هذا التفسير، يقول: “إنّ مَن تطهّر نوسه واكتسب قلبه سمعاً حاداًيسمع صوت القوة الإلهية التي تأتي من معاينة الكائنات، يدخل إلى خيمة غير مصنوعة بيدين ويكتسب المعرفة الإلهية، الذي يظهره فيما بعد لأولئك الذين دونه عن طريق تشابه المادة، من خلال الخيمة المصنوعة باليد. هذا إشارة واضحة إلى المعاينة الإلهية بكلمات لا توصَف، بعد التطهّر والاستنارة، والتعبير بهذه الكلمات التي يُنطَق بها باستخدام كلمات ومفاهيم وصور مخلوقة.

للقديس مكسيموس المعترف، أبي الكنيسة العظيم الذي لعب دوراً حاسماً في حياة الكنيسة، كلام مهمّ: “المعرفة بدون تجربة هي بالتأكيد لاهوت الشياطين“. هذا يعني أن اللاهوت هو نتيجة استنارة النوس ومعاينة الله، عندما يكشف الله نفسه للمتألّهين، لأولئك الذين عبروا بتطهّر القلب. ونتيجة لذلك، اللاهوت الذي ليس نتيجةً وانعكاساً لخبرة النوس واستنارته وللحياة العملية التي هي التطهر من الأهواء، هو لاهوت الخيال، الذي هو شيطاني بالتأكيد.

من هذا المنظور يفسّر القديس مكسيموس المعترف كتابات القديس ديونيسيوس الأريوباغي ويتحدث عن تدرجات المؤمنين الثلاثة، وفئات المخلَّصين الثلاثة. هذا هو التعليم النسكي عند القديس مكسيموس المعترف الذي نجده في كل كتاباته. إنه يشير إلى الاستيعاب الشخصي للخلاص ويقسمه إلى ثلاثة أجزاء، أي الفلسفة العمليةأو الخبرة؛ الثايوريا الطبيعيةأو الثايوريا؛ واللاهوت الصوفيأو اللاهوت. الفلسفة العملية، التي لها جانب سلبي وآخر إيجابي، تطهّر الإنسان من الأهواء وتزيّنه بالفضائل. الثايوريا الطبيعية تنير النوس بالمعرفة الحقيقية. واللاهوت الصوفي يتوّجه بأعلى تجربة، التي يسمّيها القديس ماكسيموس المعترف الابتهاج الغامر (ecstasy). وهكذا يشير تعليم القديس مكسيموس إلى درجات حياة النسك المسيحي الثلاث: المرحلة العملية، مرحلة الثايوريا، ومرحلة اللاهوت الصوفي. كما أنه يتحدث عن التقسميات الثلاث بين المسيحيين الذين يخلصون. في بعض الأحيان يشير إليهم بالمؤمنين، الفاضلين وأصحاب المعرفة الروحية، وأحياناً بالخدّام، الأجراء والأبناء.

القديس سمعان اللاهوتي الحديث، أب النور غير المخلوق، الذي استنار بخبرة الملكوت السماوي ومعاينة النور غير المخلوق، غالباً ما يشير في أعماله إلى تقدم الإنسان من التطهّر إلى الاستنارة والتمجيد. أحد أعماله الذي يلخّص لاهوته بأكمله عنوانه الفصول العملية واللاهوتية، لأن الخبرة هي تطهير القلب من الأهواء، أما اللاهوت فيشير إلى استنارة النوس ومعاينة النور غير المخلوق.

يقول في مقطع مميز أن الإيمان، ومخافة الله وحفظ الوصايا تجلب المكافآت بما يتناسب مع الطهارة“. “وبقدر ما نحن متطهرون، نرتفع من مخافة الله محبته“. نحن نتحرّك من مخافة الله تدريجياًإلى محبته. من ثم يحبنا المسيح والآب ويتقدمنا الروح القدس ليعدّ مكان سكن“. وهكذا بالوحدة الساكنة في الأقانيم نصبح مسكن الآب والابن والروح القدس“.

في حديث توجّه به القديس سمعان اللاهوتي الحديث لرهبانه عبّر عن فرحته في رؤية التقدم في حياتهم فيما تتقدمون في الإيمان والطهارة وخوف الله والتقوى والتوبة والدموع، التي بها يتطهّر الإنسان الداخلي ويمتلئ بالنور الإلهي، ويصبح بالكامل مقتنى من الروح القدس في نفس تائبة وفكر بسيط. ويصير فرحي بركةً لكم وازدياداً في الحياة المباركة التي لا تفنى في المسيح يسوع ربنا.”

نجم الكنيسة العظيم، القديس غريغوريوس بالاماس أثبت بلاهوته أن التقليد الهدوئي بتمامه هو شرط مسبق للتجربة الروحية لله ومعرفته. وهذا واضح من مقالته في الدفاع عن الهدوئية المقدسة، التي بها دمّر كل حجج السكولاستيكية الغربية، التي كان يرلعام يمثّلها، وأيضاً حجج كل البرلعاميين عبر العصور، الذين يريدون الإطاحة بإكليسيولوجيا آباء الكنيسة وبلاهوت وإكليسيولوجيا المجامع المحلية والمسكونية. ومن المثير للدهش أنه عندما أصبح مطراناً على تسالونيكي، وضع كلّ هذا التقليد الهدوئي المقدس في العظات التي ألقاها على قطيعه. هناك وفرة من المواد حول هذا الموضوع [وهي موجودة في نصوص أخرى ولا حاجة إلى تكرارها هنا]. والشيء الأكثر أهمية هو أن تعليم القديس غريغوريوس بالاماس الهدوئي عن المعاينة الإلهية ثبتته المجامع التي عُقِدَت في وقته، ولا سيّما مجمع 1351، الذي يُعتَبَر المجمع المسكوني التاسع.

من الواضح أن كلّ آباء الكنيسة المذكورين أعلاه، وكثيرين آخرين، يتحدثون عن التطهر والاستنارة والتمجيد، وعن الهدوئية المقدسة كشرط مسبق لا غنى عنه للنطق باللاهوت بطريقة أرثوذكسية. ولذلك فإن آراء لاهوتيي التخمين المتأثرين بالبروتستانتية الذين يزعمون أن الآباء تأثّروا بالنظريات الأفلاطونية الحديثة وغيّروا التقليد الذي سبقهم هو إهانة لهم. لقد كان كل هؤلاء الآباء على بيّنة من كونهم خلفاء الآباء القديسين في طريقتهم بالتفكير كما بطريقة حياتهم.

بالتأكيد، يبدو أن هناك تشابه خارجي في المصطلحات بين الآباء و الأفلاطونيين الحديثين، ولكن هناك فرق أساسي بينهما. إن تعليم الأفلاطونيين والأفلاطونيين الحديثين يشير إلى إله لا يحبّ الإنسان، لأن الحب عنده هو رغبة النفس الخالدة بطبيعتها بالعودة إلى عالم المُثُل غير المتجدد الذي سقطت منه. على النقيض من ذلك، يتحدث الآباء عن محبّة الله للإنسان.

إن نظرية الأفلاطونيين والأفلاطونيين الحديثين تقيم تمايزاً بين النفس الخالدة بطبيعتها والجسد المائت بطبيعته، وهو ما يعني أن النفس كانت تنتمي في السابق إلى عالم المُثُل غير المتجدد، وانحرفت عنه، لذلك تم إرفاقها في الجسد كعقاب. إذ تجد النفس نفسها في الجسد تسعى إلى التحرر والعودة إلى عالم المُثُل. وبالتالي، وفقاً للأفلاطونيين و الأفلاطونيين الحديثين، فإن تطهّر النفس هو في نفيها من الجسد؛ واستنارة النفس هي معرفة نماذج الكائنات أي الأفكار؛ وخلاص النفس هو الابتهاج الغامر وتحررها من الجسد.

لا تحمل هذه النظرة الأفلاطونية الحديثة أي علاقة بتعليم آباء الكنيسة، الذي بحسبه النفس هي خليقة الله وقد خُلِقَت من العدم مباشرة عند خلق الجسد. الجسد ليس سجناً للنفس، بل الله خلقه بطريقة إيجابية. إن الاستنارة هي الصلاة القلب النوسية، بعمل الروح القدس، وهي تتمّ داخل القلب، أي في الجسد. ليس الابتهاج الغامر رحيل النفس من الجسد بل تحررها من العقلية الجسدانية. أمّا التمجيد فليس عودة النفس إلى عالم المُثُل غير المتجدد، بل بالشركة مع الله والمعاينة الإلهية.

في خبرة الأفلاطونيين الحديثين لا يشارك الجسد البشري في رحلة النفس إلى الله. وهناك أيضاً يُشار إلى خبرة النور، لكنه نور يبقى منفصلاً وخارج الإنسان. إن له مكان ولون، وفي نهاية المطاف هو ضوء شيطاني. ومع ذلك، بحسب آباء الكنيسة، الاستنارة والمعاينة الإلهية هما اختبار للنور غير المخلوق. يشترك الإنسان في النور الإلهي ويختلط معه. لا تتحوّل النفس لوحدها بل ومعها الجسد أيضاً.

إذاً، إن خبرة الرواقيين والأفلاطونيين الحديثين ترتبط بالابتهاج الغامر بمعنى رحيل النوس من الزمن والمسافات وتعاقبات الفكر المرتبة“. ومع ذلك، بحسب الآباء، إن هذه الخبرة شيطانية، كما يقول الأب يوحنا رومانيدس. وبعبارة أخرى، يسعى الأفلاطونيون الحديثون إلى التحرر من أوجه قصور الفكر الإنساني، من الأشياء المخلوقة والمتغيّرة، في حين أنه في لاهوت الآباء، يشارك الإنسان بكليّته في خبرة التمجيد.

عندما يتحدث إفاغريوس البنطي عن نوس متحرر من الخيال والصور خلال الصلاة، هذا لا يعني لاهوت الأفلاطونيين والأفلاطونيين الحديثين السلبي. بل هو بشكل أساسي وسيلة لدحض نظرية الأفلاطونيين والأفلاطونيين الحديثين حول ما يسمى عالم المُثُل وعودة النفس إليه، ومعرفة نماذج الكائنات. الروح البشرية ليست نسخة من الأفكار. وعندما يتحدث القديس مكاريوس المصري عن عودة النوس إلى قلب الإنسان من تشتته في عالم الحواس وهذا ما طوّره القديس غريغوريوس بالاماس لاهوتياًإنما يقول ذلك لدحض نظريات الأفلاطونيين والأفلاطونيين الحديثين حول أن الجسد الميت بطبيعته هو سجن للنفس الخالدة بطبيعتها. یرید القديس مكاريوس أن یظھر أن الجسد هو خليقة إیجابية من االله وهو يتألّه مع النفس وسوف يُقام في المجيء الثاني للمسيح.

وعليه، من غير العادل وغير العلمي وغير التقليدي أن يساوى التعليم عن النوس المتحرر من الصور والخيال وعودة النوس إلى القلب بنظريات الأفلاطونيين والأفلاطونيين الحديثين، لأن تعليم الآباء يضحد هذه الآراء. من الواضح أن الآباء ومعلمي الكنيسة استخدموا هذا النوع من المصطلحات بهدف التعامل بفعالية مع آراء الهراطقة.

يقول القديس غريغوريوس بالاماس، في شرح تقليد الكنيسة الصحوي الهدوئي ومواجهة عقلية برلعام السكولاستيكية، أن الحكمة والفلسفة البشريتين هما عكس المعرفة الروحية. في الواقع، إنه يعلن أنّ كل البدع نشأت من الحكمة والمعرفة البشريتين، أي الحكمة الدهرية. “إذا تفحّصت المشكلة، فسوف ترى أنّ كلّ البدع المؤذية أو أكثرها تستمد مبادئها من هذا المصدر“. لقد استخدم الهراطقة مبادئ الفلسفة، في حين أن الآباء نطقوا باللاهوت من اختبارهم لله. وقد مكّنتهم نعمة الله غير المخلوقة وعاينوا الله، لا الأشياء المخلوقة والأوهام الشيطانية.

من المؤكد أن الآباء استخدموا مصطلحات عصرهم للتعبير عن خبراتهم، ولكنهم أعطوا معنى وأهمية مختلفين. لهذا السبب يكتب القديس غريغوريوس بالاماس: “إذا نطق أحد الآباء بشيء مطابق لما يقوله مَن هم خارجاً، فالمسألة مجرّد كلمات؛ في ما يتعلق بالمعاني هناك فرق كبير، لأن للآباء فكر المسيح، في حين أن الذين في الخارج، يتكلمون من الفكر البشري“. ويذكر كلمات النبي إشعياء (55: 9) “لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ، هكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ“.

هذا المقطع يبيّن أنه عندما نرى الآباء يستخدمون نفس المصطلحات كالفلاسفة، لا ينبغي أن نفترض أنهم يقولون نفس الأشياء. فقط الكلمات المنطوقة مشتركة في ما بينهم، في حين أن المعنى مختلف جداً. هذا أمر طبيعي، لأن للآباء فكر المسيح، في حين أن الآخرين يتكلّمون، في أحسن الأحوال، من فكرهم البشري، وفي أسوأ الأحوال (“ما لم يكن هناك أسوأ“)، من الطاقة الإبليسية الشيطانية.

كلام القديس غريغوريوس بالاماس هذا يوجّه ضربة لأولئك الذين يؤكدون أن الآباء قد غيّروا الإكليسيولوجيا البدائيةوأنهم يعبّرون عن التقليد الأفلاطوني الحديث. كل من ينشر مثل هذه النظريات يدلّ على أنه لا يعرف تعليم الآباء، بل معرفته سطحية خارجية، أو أنه يسيء فهمهم عن إدراك بطريقة بروتستانتية. في هذه الحالة إنه لا يشوّه الآباء وحسب بل أيضاً كل الكنيسة التي تبنّت تعليمهم مجمعياً في عبادتها.

هنا ينبغي إضافة كلام هام آخر للقديس غريغوريوس بالاماس. بالإشارة إلى أنواع الإلحاد الثلاثة، يضمّن القديس في إحدى هذه الفئات اللاهوتيين الذين ينكرون تعليم آباء الكنيسة القديسين أو يقللون من تقديره، فيكتب: “إن عدم الشك في الآباء المتوشحين بالله هو تقوى صحيحة“. ويشير إلى تعليم القديس ديونيسيوس الأريوباغي، الذي يدعوه عظيماً، كما تعاليم القديس أثناسيوس الكبير، القديس باسيليوس الكبير والقديس غريغوريوس اللاهوتي ويقول معلّقاً: “إن التعاليم اللاهوتية للقديسين المذكورين آنفاً هي تعريف وقانون لتقوى الله الحقيقية، وكل واحد منهم يكمّل، كما هو، السور والجدار اللذين يحميان التقوى ملتفّين حولها. لأنه إذا أزال أحد ما واحدة من هذه التعاليم اللاهوتية، فإن حشداً كبيراً من الضلال الهرطوقي سوف يفيض من هناك.”

يتحدث هذا المقطع عن التقوى الحقيقية وتوقير الله، وهو ما يتفق تمامًا مع تعاليم الآباء القديسين، الذين تعليمهم اللاهوتي هو تعريف للإخلاص الحقيقي، وقاعدة وحاجز للحماية. إلى هذا، يقول أنه عندما يرمي أحدهم تعليماً آبائياً واحداً، يحلّ حشد الضلال الهرطوقي“… وبالتالي، فإن التشكيك في تعليم القديس ديونيسيوس الأريوباغي والقديسين الأكثر حداثة يشكّل قلة احترام وانحرافاً عن التقليد الأرثوذكسي، وينتهي بالإلحاد، لأنه إنكار لإله آبائنا.

ه) التقليد الصحوي – الهدوئي والمجامع المسكونية

لقد اعتُمِد التقليد االهدوئي بقرارات المجامع المحلية والمسكونية وهو لاهوت كنسي موهوب. العقائد هي سجل اختبار الوحي، وترتبط القوانين بتعزيز وحدة الكنيسة، كما أنها تظهِر أيضاً متطلبات اختبار الوحي، ولا سيما تلك القوانين التي تعالج تنظيم توبة المسيحيين. يظهر كامل لاهوت المجامع المحلية والمسكونية في المجمع المسكوني الخامس السادس، وخاصة في كلمة الافتتاحوالقانونين 1 و 102.

كان للقديس غريغوريوس بالاماس دور قيادي في مجامع الهدوئية في القرن الرابع عشر (1341، 1347، 1351، 1368)، حيث حمل لاهوته الهدوئي كجوهر لاهوت جميع الآباء القديسين الأرثوذكسيين. هذه المجامع ثبّتت الهدوئية كشرط مسبق للقداسة والتألّه، كما صاغت عقائد عن لاهوت المشاركة في قوة الله المؤلِّهة غير المخلوقة. عندما يدرس المرء هذه المجامع، وخاصة مجمع 1351 الذي قبل قرارات المجمعين السابقين (1341، 1347) وهو يستوفي جميع متطلبات وصفه بالمجمع المسكوني التاسع، يدرك أن تقليد الكنيسة الصحوي الهدوئي العظيمة هو الحياة الإنجيلية والكنسية الأصيلة.

مَن يقرأ بعناية محاضر وقرارات مجمع 1351 يميّز بوضوح أن له كل صفات المجمع المسكوني، بما فيها واقع اعتنائه بمعالجة قضية عقائدية خطيرة، كتكملة لمجمعين المسكونيين الرابع والسادس؛ وأن الأباطرة وقعوا المحاضر وأن آباء المجمع أنفسهم يطلقون عليه اسم مجمع مقدّس إلهي“. لهذه الأسباب تمّ وصفه بالفعل على أنه المجمع المسكوني التاسع. إن محاضر هذا المجمع تجعل النقاط التالية واضحة بشكل خاص:

أولاً، تم تضمين محاضر مجمعي 1341 و 1347 وبهذا اكتسبا السلطة المسكونية. يرد في محاضر مجمع 1351: “… وبعد النظر في ما سبق ذكره ودراسته بطريقة دقيقة ومناسبة، وبعد تأكيد محاضر المجامع السابقة على أنه غاية في التقوى، أو بالأحرى على ضوء هذه المحاضر…” وبالتالي، فإن تُعتَبَر جميع هذه المجامع مجمعاً واحداً، وبطبيعة الحال، أدانت هذه المجالس وجهات نظر برلعام ومن بعده أكيندينوس وغريغوراس البرلعاميين.

ثانياً، يعتبر المجمع نفسه استمراراً للمجامع المسكونية السابقة، ولا سيما المجمع المسكوني السادس، الذي أعلن أن للمسيح إرادتين: إرادة إلهية وإرادة إنسانية. وهكذا، فقد ذكر المحضر المجمعي: “وقد ثبت هذا أيضاً إذ قد أعلنه القديسون بوضوح، برئاسة المجمع المسكوني المقدس، كما تمّ بالفعل إثباته بشكل كافٍ من خلال الإعلانات الخاصة التي تمّ إيرادها“. في الواقع، برلعام وومَن يشاركه عقليته، الذين يتحدثون عن قوة الله المخلوقة، يُوصَفون بأنهم أسوأ من أصحاب الإرادة الواحدة: “وهنا يظهر بوضوح أن هؤلاء أسوأ بكثير من أولئك [أي أتباع المشيئة الواحدة]”،أسوأ وأكثر فظاعة، لأن أصحاب المشيئة الواحدة أكدوا أن هناك في المسيح إرادة واحدة وقوة واحدة ولكنهم اعتبروا أن هذه القوة غير مخلوقة، في حين أن البرلعاميين يعتبرون أن في المسيح إرادة واحدة وقوة واحدة، ولكن من الواضح أنهم يقبلون أن هذه القوة مخلوقة“.

ثالثاً، تسجل المحاضر آراء برلعام وأكيندينوس وغريغوراس الهرطوقية والتي تتعلّق بالقوة غير المخلوقة ومشاركة القديسين المتألّهين في القوة غير المخلوقة. والشيء المهم هو أن مجمع 1351 أكّد أيضاً قرارات المجامع السابقة التي تشير أيضاً إلى الهدوئية المقدسة، وهي شرط مسبق لا غنى عنه لرؤية قوة الله غير المخلوقة. وهذا يعني أن هذه القرارات لا تشير إلى طبيعة النور غير المخلوق وحسب، ولكن أيضاً إلى الهدوئية المقدسة، الشرط الأساسي لرؤية النور غير المخلوق.

في المحاضر أن بارلام هاجم بشدة الآباء القديسين، الذين تطهرت قلوبهم بوصايا اللهوالذين يتلقّون إضاءات إلهية سرياً وبشكل لا يوصَف. كما هاجم بعنف الرهبان الذين يعيشون في الهدوئية“. لقد شوّه برلعام وأدان كتابةً العديد من عادات الهدوئيةوحتى انه هاجم صلاة الهدوئيين المعتادة، وصلاة جميع المسيحيين، وصلاة أيها الرب يسوع المسيح، ابن الله، ارحمني“.

يشير المجمع إلى العلاقة بين الهدوئية والصلاة ومعاينة النور غير المخلوق، الذي هو ملكوت الله نفسه. هناك مقطع مميز: “الهدوئية هي أمّ الصلاة. الصلاة هي ظهور المجد الإلهي. عندما نغلق حواسنا ونبدأ بالحوار مع أنفسنا ومع الله، ونحرر أنفسنا من تشوش العالم الخارجي، ندخل في أنفسنا، فسوف نرى بوضوح في أنفسنا ملكوت الله. «لأن ملكوت السماوات، الذي هو ملكوت الله، في داخلنا»، كما أعلن يسوع إلهنا“. ومن الواضح إذن أن معاينة ملكوت الله والخبرة الأخروية التي تبدأ في هذه الحياة ترتبط ارتباطاً لا انفصال له بالهدوئية. فالهدوئية ليست شيئاً دخيلاً على حياة الكنيسة في وقت لاحق، تحت تأثير الأفلاطونية الحديثة، وتخطى كما يُزعَم إكليسيولوجيا الكنيسة الأولى، التي كانت تقوم على الإفخارستيا الإلهية والشعور بملكوت الله. فالهدوئية على عكس ذلك هي الشرط المسبق لمعاينة النور غير المخلوق، كما أكّد مجمع 1351 الإلهي المقدس“.

لقد اعتمد برلعام على الفلسفة بشكل كبير بدلاً من اتباع تعليم الأنبياء والرسل والآباء. فاعتبر أن نور الألوهية الذي أضاء على جبل ثابور لم يكن غير مقتَرَب منه ولا هو حقاً نور الألوهية، ولا كان أكثر قداسة من نور الملائكة، بل هو دون فهمنا الخاص وأدنى منه“. وبعبارة أخرى، اعتبر برلعام أنّ كل المفاهيم والحقائق العقلية تفوق هذا النور نبلاً“.

رابعاً، توثّق المحاضر كل هذا اللاهوت في نصوص الكتاب المقدس العهدين القديم والجديد وفي تعليم آباء الكنيسة القديسين، كالقديس أثناسيوس الكبير، القديس باسيليوس الكبير، القديس غريغوريوس اللاهوتي، القديس غريغوريوس النيسسي، القديس يوحنا الذهبي الفم، القديس ذياذوخوس فوتيكي، القديس ديونيسيوس الأريوباغي، القديس مكسيموس المعترف، القديس يوحنا الدمشقي، القديس أندراوس الكريتي وآخرين غيرهم. تشير الاقتباسات من الرسل والآباء القديسين إلى الهدوئية المقدسة، والصلاة النوسية في القلب، واليقظة النوس الروحية، طهارة القلب، والصلة بين الهدوئية المقدسة وأسرار الكنيسة، معاينة النور غير المخلوق، والمشاركة في ملكوت الله. وبهذه الطريقة يثبت بشكل لا جدال فيه أن الاختبار الأخروي الوحيد لملكوت الله هو المشاركة من خلال الهدوئية المقدسة في مجد الله غير المخلوق، الذي هو معاينة النور غير المخلوق.

خامساً، أكد مجمع 1351 أحكام القطع العادلة التي أعلنتها المجامع السابقة ضد برلعام وأكينذينوس، لأنهما لم يتوبا. أولئك الذين يشابهانهما بالفكر وبكل بساطة كل الذين انتموا إلى فصيلهمعوقبوا كمروزين ومرفوضين من كنيسة المسيح الجامعة الرسولية، إلا إذا غيّروا اعتقاداتهم. كما فرضت حكم الفصل وجرّدت الكهنة من كل الوظائف الكهنوتية، إذا تشاركوا عن علم مع هؤلاء الهراطقة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن كلّ مَن يشالهدوئيين والقديس غريغوريوس بالاماس في المستقبل هو مدان. وفيما يتعلق بالموضوع الذي يهمنا، فإن قرارات مجمع 1351 تثبّت الإدانة السابقة.

ولكن إذا وجد في أي وقت شخص آخر يفكّر أو يقول أو يكتب نفس الأشياء ضد أسقف ثيسالونيكي الأكثر المقدسة [يرد في قرارات مجمع 1347:” الكاهن الراهب الأكثر جدارة غريغوريوس بالاماس والرهبان معه“] أو بالأحرى، ضد اللاهوتيين القدّيسين وهذه الكنيسة، فنحن نصوّت بنفس الأشياء ضده ونضعه تحت نفس الإدانة [التجريد من الكهنوت والحرم]، سواء كان كاهناً أو علمانيا ًعادياً“.

واضح من هذا المقطع أنّ الكنيسة اعتمدت مجمعياً كامل تعليم القديس غريغوريوس بالاماس والهدوئيين عن قوة الله غير المخلوقة والنور على ثابور، ولكن أيضا حول الهدوئية المقدسة. إذن، هذا ليس تعليم القديس غريغوريوس بالاماس بل تعليم الأنبياء والرسل والآباء، والكنيسة نفسها. ليس فقط في ذلك الحين بل أيضاً في المستقبل (“في أي وقت“) أي شخص يفكر أو يتكلم أو يكتب ضد هذه الأشياء، أي شخص ينكر الهدوئية المقدسة، المعاينة الإلهية وقوة الله غير المخلوقة، سواء كان واحداً من الكهنة أو العلمانيين، هو عرضة لنفس الطرد والحرم تماماً كما جرى لمعادي الهدوئية المعاصرين للقديس غريغوريوس بالاماس.

تظهِر هذه المحاضر بوضوح مطلَق أن الذين يدّعون أن آباء الكنيسة من القرن الثالث فصاعدا تأثروا بإكليسيولوجياأفلاطونية حديثةويزعمون أنّ إفاغريوس البنطي ومكاريوس المصري اكتشفاها وقدّماها، وكلاهما أثّر في وقت لاحق في الآباء اللاحقين، بشكل أدّى إلى رفض إكليسيولوجيا الإفخارستيا وملكوت الله البدائية والتغاضي عنها، هم في الواقع يعبّرون عن البدعة المُدانة من عند برلعام وأكيندينوس وغريغوراس. هم بالتأكيد برلعاميون، وهذا له عواقب وخيمة.

و) تقليد الفيلوكاليا

بعد المجامع الهدوئية في القرن الرابع عشر، فإن التقليد الهدوئي كله، والذي كانت الكنيسة قد تبنّته مجمعياً وأكّدت على أنه كطريقة حياة إنجيلي حقيقي، كنسي وآبائي، بحاجة إلى تدوين. وهكذا بدأ تجميع النصوص المختلفة وأخيرا تم تصنيف فيلوكاليا للقديسين الصحويين. هذا لم يغفل الأسرار، ولكنه سجّل المتطلّبات الكنسية الحقيقية للاشتراك بالنعمة من خلالها.

لقد جمع افيلوكاليا ونشرها القديس مكاريوس نوتاراس أسقف كورنثوس والقديس نيقوديموس الأثوسي. وتظهِر المقدمة التي كتبها القديس نيقوديموس الأثوسي، قيمة الفيلوكاليا الكبيرة إذ تحتوي على نصوص تبيّن للناس الوسيلة لاكتشاف نعمة المعمودية المقدسة والميرون. هذه النعمة موجودة في قلب المسيحيين المعمّدين، ولكن الأهواء تخفيها في الكثيرين منهم.

من الواضح أن فيلوكاليا القديسين الصحويين تحوي طريقة الإيمان الأرثوذكسي، وهي الهدوئية المقدسة. وترتبط هذه الطريقة ارتباطاً وثيقاً بأسرار الكنيسة المعمودية، الميرون، المناولة الإلهية المقدسةوتظهِر للناس طريق الوصول إلى التألّه. ويترتب على ذلك أن الأسرار والهدوئية ترتبطان ارتباطاً وثيقاً معاً. لذلك فإن مَن يقلّل من قيمة الفيلوكاليا، ويتحدث عنها بشكل مهين هو في الواقع يقوض كامل تعليم الكنيسة عن النسك، والذي تم تأكيده مجمعياً.

ز) اللاهوت الصحوي، أسرار الكنيسة وعبادتها

دخل التقليد الهدوئي كله إلى صلوات أسرار الكنيسة، خدمها المقدسة وعبادتها. ومن المعروف أن الكنيسة وضعت كل لاهوتها حول الأسرار في الصلوات التي تُتلى فيها. هذه الصلوات تظهر بوضوح هدف الأسرار وما هي الشروط المسبقة هي لاختبار هذا الهدف. والهدف من ذلك هو التقديس، والتألّه ومعاينة النور، والشروط المسبقة هي التوبة والتقليد الكنيسة الهدوئي بمجمله.

مَن يقرأ خدمة الصلاة على الموعوظيفهم الهدف من تعليم الموعوظين: “أبعِدْ منه كل روح شرير نجس مخفي ومعشش في قلبه“. “انزعْ عنه العتاقة، وجدده للحياة الأبدية، واملأه من قوة روحك القدوس للاتحاد بمسيحك“.

هذا يشير إلى خروج الشيطان بنعمة الله من أعماق قلب الإنسان المُقبِل على المعمودية، ومن كيانه المملوء بقوة الروح القدس، حتى يتّحد بالمسيح ويصير عضواً في جسده القائم.

تشير صلاة المعمودية إلى نداء المسيح العظيم وتذكّر بتعليم الرسول بولس: “امنح المعتمد فيه [الماء] أن يستحيل بخلعه الإنسان العتيق المنفسد بشهوات الخديعة وبلبسه الإنسان الجديد المتجدّد على صورة خالقه“. إن صلاة مباركة الماء الذي فيه سيعتمد الموعوظ لكي يصير مسيحياً تحتوي الكلمات الهامة التالية للمتقدم إلى المعمودية: “وإذا حفظ موهبة روحك القدوس وأنمى وديعة النعمة نال جائزة الدعوة العلوية وانضمّ إلى عدد الأبكار المكتوبين في السماء“. في صلاة تغسيل المعمود يقول: “أيها الرب… سرَّ مرتضياً أن تظلّ استنارة وجهك مشرقة في قلبه على الدوام“. هذه وغيرها من الطلبات إلى الله تتطلّب الجهاد مدى الحياة في التقليد الهدوئي الصحوي. من خلال المعمودية المقدسة، الله الثالوث يعطينا التنقية المباركة، ومن خلال المسح بالميرون المحيي يمنحنا ختم موهبة الروح القدس المسجود له والقادر على كل شىء“.

يوجد مقطع مميز جداً من خدمة اقتبال الأرثوذكسي الجاحد المرتدّ إلى الإيمان الأرثوذكسي: “فأَنِر ذهنه بقوة وفعل الروح القدس، حتى أن شرارة المعمودية الخلاصية الباقية في نفسه تلتهب عقلياَ بنسمات النعمة، والختم المرسوم فيه يتّضح بالأكثر في قلبه وفي أفكاره، بعلامة صليب مسيحك، للرجاء بك ولمعرفة الحق، لكي يعرفك ويسجد لك أنت وحدك الله الآب وابنك الوحيد، ربنا يسوع المسيح وروحك القدوس“.

يقرأ البطريرك المسكوني صلاة تعبيرية جداً لتقديس الميرون المقدس الذي به يتم سر المسحة: “أرسل روحك القدوس وقدّس هذا الميرون. اجعله زيتاً للابتهاج بالروح القدس، ميرون التجديد، ميرون التقديس، والمسحة الملكية، ترس البر، لضحد كل القوى الشيطانية، ختماً سلامياً ، سعادةً للقلب وفرحاً أبدياً. أمّا الممسوحون فاجعلهم لامعين كمثل كوكب السماء، من دون بقعة أو عيب، وليُستَقبَلوا في أماكن الراحة الأبدية، ويحصلوا على مكافأة الدعوة العلوية“.

إن سر المسحة، الذي يقام بالميرون المقدس، مرتبط بتجدد البشر. إنه رداء ملكي، منع لكل القوى الشيطانية، وختم لا يمكن تعويضه وسعادة للقلب. إنه ينير نفس الإنسان ويعطيه مكافأة من الدعوة العلوية. إن صلاة تكريس الهيكل المقدس هي أيضا مهمّة. عندما يصلي الأسقف إلى الله لتدشين مبنى الكنيسة، في الوقت نفسه يلتمس الله تجديد البشر في مكان قلبهم: “وأن ترسل روحك الكلي قدسه علينا وعلى ميراثك وحسبما يقول داود النبي روحاً مستقيماً جدد في قلوبنا وبروح رئاسي اعضدنا.”

وفي صلاة تجديد بناء كنيسة حتّى يصير فيها المؤمنون مشاركين بالروح القدس وحتى تقدّم التقدمات النوسية في أعماق قلوبهم من خلال تطهير نوسهم: “… احفظها (الكنيسة) إلى آخر الزمان وجددها بروحك القدوس، حتّآ أننا فيها نقدّم لك القرابين غير الدموية ونصير مشاركين بالروح القدس ونتجدد في دواخلنا ونتقوّى في ملكة عقولنا، وامنحنا أن نقدّم لك سرياً أيها الإله الرب، القرابين العقلية من خلال تطهير النوس“. هذه إشارة واضحة إلى الكهنوت الروحي، إلى طقس حلول النوس في القلب عن طريق تطهير القلب الذي هو جوهر اللاهوت الصحوي.

عند قراءة صلوات الاشتراك في جسد المسيح ودمه، الموجودة ضمن صلوات القداس الإلهي، كما في صلاة الاستعداد للمناولة، يجد كل الممارسة الهدوئية كشرط مسبَق للمناولة. إحدى الصلوات النموذجية: “أيها السيد المحب البشر، إيّاك نودع حياتنا كلّها ورجاءنا، ونطلب ونتضرّع ونسأل أن تؤهّلنا لأن نتناول بضمائر نقيّة أسرارك السماوية المرهوبة، أسرار هذه المائدة المقدّسة الروحيّة، لصفح الخطايا، وغفران الزلاّت، وشركة الروح القدس، وميراث ملكوت السماوات، والدالة لديك، لا لمحاكمة ولا لإدانة.” نقاوة الضمير ليست أمراً يتمّ في تلك اللحظة. إنه يفترض مسبقاً الجهاد للتطهّر وهذا أساسي للمناولة المقدسة، حتى لا يكون لمحاكمة أو لإدانة” بل لشركة الروح القدس، وميراث ملكوت السماوات“.

صلاة القديس سمعان اللاهوتي الحديث قبل المناولة هي صلاة نموذجية. التواضع والجهد النسكي يأتيان أولاً ومن ثم يُسعى إلى غفران الخطايا، حتّى يجلب جسد المسيح ودمه التألّه والتقديس: “انظر إلى ذلّي. أنظر إلى تعبي، ما أكثره. واغفر لي خطاياي جميعها، يا إله الكلّ. لكي أتناول بقلب طاهر وذهن مرتعد ونفس منسحقة أسرارك الكليّة النقاوة، التي بها يحيا ويتألّه كلّ مَن يأكلك ويشربك بقلب نقي“.

إن هذه الصلاة بأكملها تعبّر عن التوبة والدموع والنفس المنسحقة، لكن في الوقت نفسه يتطلّه المصلّي نحو محبة الله للبشر. إنه يطلب رحمة الله لأنه يعرف أن المناولة المقدسة تعمل بحسب حالة المتلقّي الروحية، أي بتعبير آخر، إنّها تطهّر وتنير وتقدّس. “لكنّك تطهّر وتضيء بزيت شفقتك التائبين بحرارة، وتجعلهم شركاء النور، وتقيمهم شركاء ألوهيتك بسخاء. والأمر المستغرَب عند الملائكة وأذهان البشر أنك تخاطبهم مرّات كثيرة كأحبّاء لك أخصّاء“.

نحن نرى كل هذا التعليم النسكي في عبادة الكنيسة. في قراءة الطروبريات التي ترتّل يومياً في الخدم في الكنيسة، نجد وفرة من المواد عن تطهّر القلب واستنارة النوس والتألّه. سوف أورد مثالاً مميزاً من قانون العنصرة الذي هم من عمل القديس يوحنا الدمشقي، لاهوتي القرن الثامن العظيم: “إن الألكن اللسان لما انحجب في الغمام الإلهي كرز الشريعة المدوّنة من الله لأنّه نفض الحمأة عن حدقة العقل، فعاين الموجود وحاز معرفة الروح ناشداً تسابيح إلهية“.

يظهر في هذه الطروبارية كل لاهوت كنيستنا الممتاز. موسى، وكل معايني الله من آباء الكنيسة، اعتُبر مستحقاً لأن تغطيه العتمة الإلهية وأن يعاين ذاك الذي هو، ملاك الرأي العظيم، الكلمة المتجسّد، الذي هو اللاهوتي الحقيقي، متى طرح عن عيني نوسه كلّ نجاسة من الأهواء وكل فكر أرضي“. متّبعاً هذه الخبرة والثايوريا، يتأسس في معرفة الروح التي هي سر مكتوم عن غالبية الناس. من ثم يعلن بفصاحة الناموس الذي وضعه الله، مع أنه بطبيعته بطيء اللسان، ويمجّد الله بترانيم موحى بها. هذا يصير لكل قديس يحمل الله. اللاهوت الأرثوذكسي، الصلوات والخدمة الرعائية تأتي جميعاً ضمن هذا المنظور.

كل المادة التي في السنكسار، أي سيَر القديسين والنساك والشهداء وكل القديسين بشكل عام، تظهِر أن القديسين اتّبعوا طريقة الحياة النسكية والهدوئية من خلال التوبة والإيمان ونقاوة القلب واستنارة النوس ومحبة الله وقبِلوا الشهادة كنتيجة للثايوريا.

إن صلوات الكنيسة اليومية تخطّ هذا الطريق من التطهّر إلى الاستنارة فالتمجيد، الذي هو العلاج الوحيد للكائنات البشرية. من المذهل أن الكنيسة تريد أن يحيا المؤمنون بالسهر الروحي ليس أثناء يقظتهم وحسب بل أيضاً اثناء نومهم. في صلاة النوم الصغرى يسأل المؤمنون الله أن يرسل نعمته ليوقف جماح الأهواء ويمنحهم عقلاً ساهراً وفكراً طاهراً وقلباً مستيقظاً ونوماً خفيفاً معتقاً من كل تخيّل شيطاني“. هذا يعني أن الكنيسة تريد أن يكون المؤمنون ساهرين، أن يكون لهم قلباً طاهراً وساهراً، حتى خلال النوم. على المسيحيين أن يعيشوا التقليد الهدوئي حتى أثناء راحة أجسادهم. فكم بالحري ينبغي أن يكون ذلك خلال النهار.

ز) تفسير الأب يوحنا رومانيدس

إن نظرة اللاهوتيين والفلاسفة الجدد، التي أُشير إليها في بداية هذه المقالة، حول الإكليسيولوجيا المزدوجة المزعومة، التقليد الأولو اللاحق، يقوض كلّ تقليد الكنيسة كما هو مُعبَّر عنه في الكتاب المقدس، وتعليم الآباء، وعبادة الكنيسة وقرارات المجامع المسكونية. أساساً، يشير هذا التقليد إلى التطهر والاستنارة والتألّه واختبارقوة الله المطهّرة والمنيرة والممجدة. إن النظرة المغرورة هذه هي خطر يريد تدمير هيئة الكنيسة الروحية وتغيير كامل اللاهوت الأرثوذكسي.

إن السؤال الذي يُطرح هو كيف وصلت هذه الجرثومة والتلوّث الروحيين إلى الكنيسة الأرثوذكسية.

الجواب هو أن العديد من اللاهوتيين أو المفكّرين الذين كانوا طلاباً في الكليات البروتستانتية وكان معلموهم بروتستانتيين، وكانوا يجلّونهم، أو الذين درسوا التحليلات البروتستانتية، من دون معرفة كافية لتقليد الكنيسة الأرثوذكسية الصحوي، جلبوا من دون تمييز هذه الآراء بشكل عشوائي إلى بيئة اللاهوت الأرثوذكسي والكنيسة الأرثوذكسية. ونتيجة لذلك، تأثر أفراد كائن الكنيسة الحي. الأب يوحنا رومانيدس، الذي التقى هذه العقلية في الكليات البروتستانتية في أمريكا، قدّم الملاحظة التالية: “ويرى البعض أن التعليم عن الكمال بحسب آباء الكنيسة المقدسة هو من أصل وثني، وأن آباء الكنيسة تأثروا بهذه الفوارق بين التطهر والاستنارة واللتمجيد، لأن هناك أوجه تشابه في الأفلاطونية الحديثة أيضاً، حيث يوجد هذا التقسيم بين مراحل الكمال بوضوح. وبسبب التشابه، تبنّى شعبنا هذه النظرة التي تأتي أساساً من دراسات قام بها بروتستانتيون.

بعد رفض الرهبنة واعتماد قدرية كالفن أو تعليم لوثر عن خلاص الإنسان بالإيمان وحده، واجه البروتستانت شكلاً من أشكال الرهبنة في التقليد الذي واجهوه (الفرانكو لاتيني)، الذي كان قائماً على الاستحقاقات. بعد اكتشافهم أن التعليم عن الاستحقاقات خاطئ، أدانوه ومعه البتولية والرهبنة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن لوثر بشكل أساسي، وكالفن أيضاً، أثارا ردة فعل ضد مراحل الكمال. لاحقاً، درس المؤرخون البروتستانتيون هذه المسألة، وكانوا سعداء جداً لإيجاد التشابه المدهش بين التعليم الآبائي وتعليم المشركين فأكّدوا أن أصل التعليم عن مراحل الكمال وثني.”

لأن شعبنا متشوقون للذهاب والدراسة في الجامعات الأجنبية أنا لا أقول أنه لا ينبغي أن يذهبوا ويدرسوا، ولكن أقلّه فليمارسوا تقييمهم، لأنهم يذهبون إلى الجامعات الأجنبية من دون تمحيصفأنتم ترون الآن كتابات اللاهوتيين الأرثوذكسيين ممتلئة بهذه الفكرة، أنتم ترونها في كل مكان، بأن الكنيسة قد تأثرت بالوثنيين، ولا سيما فيما يتعلق بمراحل الكمال“.

هذا التفسير محفّز ومعبّر وغير قابل للإصلاح.

4. الخلاصة

أشرنا إليها في بداية هذه المقالة إلى الطريقة الهرطوقية بالتفكير، عن النوعين المزعومين للإكليسيولوجيا حيث النسخة الأخيرة تنقلب على البدائية، أو على الأقل أنهما تتواجدان متوازيتين جنباً إلى جنب. بتقديري، هذه الطريقة الهرطوقية بالتفكير تتطوّر بشكل بغيض ولكن علمياًداخل كنيستنا. للأسف عدد قليل من الناس يتنبذهون لهذا المرض الروحي. الغالبية مشغولة بمسائل سطحية، مثل الحريات الإنسانية الفردية وحقوق الإنسان الفردية، أو العقلية بعض رجال الدين والعلمانيين المسكونية، وهي أمور بالطبع خطيرة أيضاً في طريقهم. ومع ذلك، إنهم يتجاهلون هذا التخريب للاهوت الأرثوذكسي، الذي سببه التفسيرات الخاطئة، المهينة والافترائية بحق آباء الكنيسة.

ومن الواضح تماماً أن هذه الهرطقة التي يجري تصنيعها تخفي الإنسانوية البروتستانتية الغريبة عن التقليد الأرثوذكسي. يوجد محاولة لتفكيك التقليد الأرثوذكسي كله كما تمّت صياغته في الكتاب المقدس، وعبّر عنه آباء الكنيسة العظام، وتبّتته المجامع المسكونية، وودوِّن في كتب الصلوات وفي عبادة الكنيسة. إن الذين يؤيدون هذه النظريات لم يفهموا شيئاً عن جوهر اللاهوت الأرثوذكسي.

إلى هذا، إنّ الذين يعلّمون نظريات ما يسمى ب الإكليسيولوجيا والروحانية المزدوجتينعاجزون عن فهم التعليم الآبائي الأساسي بأنّ خبرة التألّه التي لا تصفها الكلمات، بحسب الرسول بولس، ليست هي نفسها كالتعبير عن هذه الخبرة الموحى بها بكلمات ومفاهيم مخلوقة، بحسب ما اعتاد الأب يوحنا رومانيدس قوله، لأن الآباء القديسين يعتمدون، عند الضرورة، مصطلحات العصر للتعبير عن خبرة التألّه المعلَنة. هذا ما ذكره القديس مكسيموس المعترف: “إن نوساً نقياً يرى الأشياء بشكل صحيح. الكلام الذي يمارسه يظهِر ما يعاينه“.

إن تقليد الكنيسة، كما هو مبين في سينودكون الأرثوذكسية، يعلن بوضوح: “كما رأى الأنبياء، كما كان يدرس الرسل، كما تلقت الكنيسة، كما المعلمين المنصوص عليها في العقائد، كما أن العالم كله كما اتضح من الحقيقة، لأن الخطأ قد نفي، لأن الحكمة تجعل جريئة أن تعلن، كما قرر المسيح، لذلك نعتقد، لذلك نحن نتكلم، لذلك نحن نبشر المسيح إلهنا الحقيقي وهذا هو إيمان الرسل، وهذا هو إيمان الآباء، وهذا هو إيمان الأرثوذكسي، وهذا الإيمان قد أقامت العالم كله “.

The tradition of the Church, as it was set out in the Synodikon of Orthodoxy, clearly proclaims: “As the Prophets saw, as the Apostles taught, as the Church has received, as the teachers set out in dogmas, as the whole world has agreed, as grace has shone forth, as the truth has demonstrated, as error has been banished, as wisdom makes bold to declare, as Christ has decided, so we think, so we speak, so we preach Christ our true God… This is the faith of the Apostles, this is the faith of the Fathers, this is the faith of the Orthodox, this faith has established the whole world.”

ويوضح هذا النص أن خبرة وتعليم الأنبياء والرسل والآباء متطابقة، لذا لا يوجد مجال لـِإكليسيولوجيا مزدوجة، أو نوعين من الإكليسيولوجيا المزعوم أنها تتعارض مع بعضها البعض، وإلا فإن الواحدة تحطّ من قدر الأخرى، أو حتى أن الاثنتين تتحرّكان بموازاة بعضهما. هذه النظريات يعبر عنها البروتستانت أو الدوائر البروتستانتية، وهي تقوّض الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية نفسها.

في الواقع يوجد إكليسيولوجيا واحدة، هي تلك التي عاشها الأنبياء والرسل وآباء الكنيسة. الكنيسة هي جسد المسيح القائم والصاعد. المسيح الممجّد هو مركز الكنيسة، كما عاينه التلاميذ على جبل ثابور، واكتسبوا الشركة معه في العنصرة بقوة الروح القدس. هذا هو مفتاح الحياة الكنسية. لكن المشاركة في هذ الجسد والبقاء فيها تتحقق من خلال الأسرار والنسك. الشرط المسبق لاختبار نعمة الله من خلال الأسرار هو الهدوئية المقدسة، وبعبارة أخرى، التطهر والاستنارة والتمجيد.

من دون هذه الدمج بين أسرار والنسك تنشأ مشكلة كنسية كبيرة. وهذا يعني أن المشاركة في الكنيسة دون قيد أو شرط بمجرّد المشاركة بالقداس الإلهي والزعم بوعي ملكوت الله من دون مراحل المشاركة في جسد المسيحهو وثنية إفخارستية وإكليسيولوجية” (الأب يوحنا رومانيدس)، إذ يُنظَر إلى الاشتراك في الأسرار على أنه أمر عقائدي، وقبل كل شيء ممارسة سحرية. نظرة كهذه تحبّذ الفاتيكان والبروتستانتية، ويتم الترويج لها بعقلية مسكونية. لذلك هي بدعة كبيرة يتمّ صنعها في الكنيسة، وهي تهدف إلى تجاهل التعليم النبوي، الرسولي والآبائي الحقيقي، وبعبارة أخرى، اللاهوت الكنسي. وهذه البدعة تُسمّى ما بعد الآبائية (post-patristic) “.

يتّضح مما سبق أن الذين لم يفهموا حتى الآن ما هو اللاهوت ما بعد الآبائيوما يمثله حتى الآن يمكنهم أن يدركوا الآن على ضوء المكتوب هنا جوهر لاهوت ما بعد الآباءالمستورَد. إنّ الذين ينتجون هذه النظريات في الواقع يعتبرون أن آباء الكنيسة المتوشحين بالله منذ القرن الثالث وصاعدا كانوا مضللين بالتقاليد الأفلاطونية الحديثة، والآن ظهر هؤلاء اللاهوتيون الأكثر حداثة، الذين فهموا خطأ هؤلاء الآباء العظماء ويريدون بطريقة بروتستانتية، أن يعيدوا الكنيسة إلى فترة ما قبل القرن الثالث.

إن أولئك المهجوسين بمثل هذه الآراء يظهرون أنهم في الواقع منزعجون من الهدوئية، ومن كل شيء له علاقة بها، بالتطهر والاستنارة والتمجيد، وأنهم يريدون أن ترفض هذه الإكليسيولوجيا، حتى يتحزّروا عن الله والأمور الإلهية. ولكن، إذا رفض أحد شروط اللاهوت الأرثوذكسي المسبقة، أي الهدوئية المقدسة، فإن الطريق تصير مفتوحة وواسعة أما لاهوت الكاثوليك والبروتستانت المدرسي والأخلاقي للوصول إلى الكنيسة الأرثوذكسية.. في الواقع هذا هو العلمانية في الكنيسة واللاهوت، أو بالأحرى، علمنة اللاهوتيين الأرثوذكس.

نيسان 2011

القديس يوحنا كرونشتادت وتربية الأولاد

القديس يوحنا كرونشتادت وتربية الأولاد

المتقدم في الكهنة ألكسندر زالانانكو

نفس الولد هي جمال إلهي

اعتبر القديس يوحنا كرونشتادت أن محبة الأولاد أساس عمل المعلّمين، وهذا ما تهمله غالبية تقنيات العلوم والنشاطات التربوية الحديثة. كان يقول لتلاميذ الثانوية حيث كان يعلّم: “أنتم أبنائي، لأنني ولدتكم ولا أزال ألدُكم إلى بشرى يسوع المسيح الحسنة. إن دمي الروحي، أي تعليمي، يجري في عروقكم. أنتم أبنائي، لأني أحفظكم دائماً في قلبي وأنا أصلي من أجلكم. أنتم أبنائي، لأنكم نَسْلي الروحي. أنتم أبنائي، إذ بحق، ككاهن أنا أب وأنتم تدعوني باتيوشكا” (“الأب الصغير، وهو اسم مناداة رقيق لكاهن).

عاش في الاب يوحنا نوع من المحبة الملائكية للأطفال، وهذا ألهمه ونشّط عمليته التعليمية برمتها. كانت هذه المحبة هدية خاصة من نعمة الله، وقد اشتعلت في داخله بقوة بحيث أنه في السنوات اللاحقة، عندما توقّف عن التعليم، غالباً ما كان يشفي الأطفال المرضى بقوة المحبة والصلاة، مباركاً إياهم دائماً وموجّهاً إياهم في الإيمان. لطالما كان يبكي على الأطفال المرضى، وخاصة إذا كانوا مرضى روحياً! فمرّة يداعب رأس طفل مهتزّ عاطفياً، ومرة أخرى يقبّل فتاة واقعة تحت مرض خطير في المستشفى، راكعاً أمام سريرها: “يا عزيزتي، أتتألمين؟ صغيرتي المتألّمة! ” كان الأب يوحنا يرثي لهم.

صرامة الأب يوحنا

ومع ذلك، الأب يوحنا قد يكون مفاجئاً. في يوم من الأيام، قام صبيٌّ يبلغ من العمر ستة عشر عاماً، وقد كان كسولاً للغاية وفاسد الأخلاق، وعبّر عن عدم إيمانه بألوهية الروح القدس أمام الصف بأكمله. ومع أن الأب يوحنا وصفه بأنه كافر وبغيض، إلا إنه أجاب على سؤاله. في وقت لاحق استدعاه وأجرى معه محادثة على انفراد، من بعدها أحسّ الصبي بالتجدد والقوة بالروح.

يتذكر البعض أنّ سيدة نبيلة اشتكت إلى الأب يوحنا عن تدهور مستوى تربية أطفالها الدينية والأخلاقية. فقد قالت إن معلميهم يدرسّونهم كل ما يحتاجونه لاجتياز الامتحانات ويكونوا أذكياء“. صحّح لها الأب يوحنا قائلاً: “يجب أن تقولي إنهم يقصفونهم وليس يدرسّونهم“. “عندما يُقصَفون بالمعرفة الروحية يتملّكهم نفس الشعور الذي يتملّكهم عندما يتعلمون الحساب وما شابه. ولكن ماذا عنك؟ هل تهتمّين بنفوسهم؟ هل وجهتِهم حتى يسعوا إلى استحسان الله كما يسعون إلى استحسان البشر؟ أقترح عليهم ذلك قدر استطاعتي، أجابته السيدة. “في نهاية الأمر، لا يمكن للمرء أن يجد الباب إلى قلب طفله“. “أنتِ لم تجدي الباب إلى القلب، لذلك سوف تحصلين على وحوش بدلاً من البشر، أجاب الأب يوحنا. “لقد نسيت أن الرب قد أظهر البشرية مثلاً في أنواع الطيور. يضع الطائر أولاً بيضة، وطالما هذه البيضة محفوظة إلى الوقت المناسب، فهي تبقى كائناً جامداً. هذا الأمر نفسه ينطبق على الناس. الطفل المولود هو البيضة مع بدايات الحياة الدنيوية، ولكنه فاقد الحيوية من جهة نموه في المسيح. إن الطفل الذي لم يدفئه والداه وعائلته حتى جذور روحه، حتى جذور كل مشاعره، سيظل ميتاً بالروح عن الله والأعمال الصالحة. وبالتحديد من هؤلاء الأطفال الذين لم يدفأوا من المحبة والرعاية الروحية تأتي هذه الأجيال إلى العالم، ومنها سوف يجنّد أمير هذا العالم جيوشه ضد الله وكنيسته المقدسة“.

عظمة الثقة والمسؤولية في تعليم أطفال الله

يحذّر الأب يوحنا من أن الله والآباء قد أوكلوا أطفالهم إلى المعلم، وهذا يتطلب مسؤولية وعلاقة دقيقة معهم. وكثيراً ما لاحظ أن كل شيء جميل، شخصي، وفريد من نوعه قد تمّ وضعه بالفعل في قلب الطفل كما في بذرة. من جهة أخرى، يوفر الله كل ما يلزم لنموهم وتنميتهم. ولكن من أجل عملنا الذي هو التربية وهو عمل متواضع لكنه صعب مضني، فيجب أن نقتني محبة الأطفال والاهتمام بهم. ولكن المكافأة على هذا العمل الذي يُنجز وفقاً لما يمليه الضمير كبيرة على قدر المسؤولية التي فيه، إذ قد عهد الله به إلينا لأن الأطفال هم ميراثه. فيهم ليس مستقبلنا وحسب، بل أيضاً حاضرنا، وبشكل خاصّ المستقبل الأبدي. یذكّر الأب یوحنا المعلمین: “«انظروا ألاّ تحتقروا أحد هؤلاء الصغار» (مت 10:18)عندما لا تستلطفونهم لسبب ما. إنكم تستهجنون ملاك الله المُكلّف بالسهر عليه. أنتم تستهينون بطفل الله، وقبل الكلّ انتم تزدرون الرب نفسه أبا جميع الأطفال”. وهكذا، فإن كل من يخالف أصغر هذه الوصايا بسبب الإهمال، معتبرا إياها بلا شأن، ويعلم الآخرين أن يسلكوا على المنوال نفسه، فسوف يُدعى الأصغر في ملكوت السماء (بحسب تفسير القديس يوحنا الذهبي الفم إن مخالف الناموس سيكون الأصغر، أي الأخير، المطرود من ملكوت السماء وغير المستحق له“)، ومن يحفظ ويعلم الوصايا فسوف يُدعى كبيراً في ملكوت السماء (راجع متى 19:5).

وصايا القديس يوحنا للمعلمين

ماذا يوصي الأب يوحنا معلمي الأطفال من أجل التمييز والانتباه من الخطيئة؟ ماذا يوصي الأطفال أنفسهم حتى يعرفوا عن الخطر ونتائج الخطيئة؟ كان يقول حذّروا الأولاد من الخطيئة ونتائجها!” وكان يعلّم: “لا تتركوا الأولاد من دون ملاحظة في ما يتعلّق باقتلاع من قلوبهم هشيم الخطيئة والفساد والشر وأفكار التجديف، وأهواء الخطيئة، والميول والعادات التي تتكوّن منها حياتنا ايضاً. إن عدو الخلاص والجسد الخاطئ لا يوفّران الأولاد أيضاً، فعندهم كل بذور الخطايا. أظهِروا للأولاد صورة عن الخطر كله ونتائج خطاياهم المؤلمة، حتّى لا يكون جهلهم وعدم معقوليتهم سبباً لتنشئتهم على يد كبارهم على طريق الحياة بالأهواء والعادات الخاطئة التي تتضاعف مع التقدّم بالعمر.

إن التنشئة المسيحية هي خط الدفاع الأول في الصراع من أجل خلاص نفس الولد. الأب يوحنا الذي كان عانى من صعوبة التعلّم حين كان طفلاً، كان بحسب ذكريات معاصريه مربياً مميّزاً. لم يلجأ يوماً إلى طرق التعليم التي كانت منتشرة في المدارس: لا للصرامة المفرِطة ولا للإذلال المعنوي لبطيئي التعلّم. علاقته الدافئة الحنونة مع التلاميذ كانت معروفة، وكانت نفسها تنطبق على عمل التعليم. لم يكن عنده متعلّمون بطيئون. الكلّ، من دون استثناء، كانوا يغرقون بشراهة في كل كلمة. لم يكونوا يصبرون إلى أن يبدأ الصف، فدروسه كانت بالغالب متعة للتلاميذ أكثر منها حملاً وواجباً، لقد كانت محادثة حيّة وحديثاً جذّاباً وقصصاً مثيرة وآسرة للانتباه.

كان هناك حالات يدافع فيها الأب يوحنا عن تلميذ كسول صدرت بحقه إدانةبالطرد، وكان يتحمّل مسؤولية إصلاح الولد. وما أن تمرّ سنوات قليلة حتّى يستقيم الولد شخصاً محترماً وهو الذي كان حالة ميئوساً منها.

قبل كل شيء، على المسيحيين أن يحرصوا على أن ينمو الأولاد ثابتين في الإيمان المسيحي، أبناء حقيقيين لله، أعضاء أحياء للكنيسة، لكي يَتَصَوَّرَ المسيح في قلوبهم (أنظر غلاطية 19:4)، فيحبّوا الله ويفضّلوه على كل شيء في الحياة الأرضية، ومن ثمّ قريبهم كنفسهم (متى 37:22-40). وكما يقول القديس سارافيم ساروفسكي يكون هدف حياتهم اكتساب الروح القدسمن أجل خلاص نفوسهم.

عن الرجاء واليأس

عن الرجاء واليأس

من محادثة مع راهب أثوسي معاصر

اشتكى بعض الضيوف العاديين إلى أحد الرهبان في واحد من الأساقيط الأثوسية، من أن الاضطرابات والصعوبات والمشاكل الدنيوية تحرمهم من وقتهم وقوتهم، مما يسبب لهم اليأس، ولا يعرفون كيف ينقذون نفوسهم في مثل هذه الظروف. بعد أن استمعوا إلى إجابة الراهب، طلبوا الإذن بنشر كلماته، لكونها تثير اهتمام دائرة أوسع من المسيحيين وتفيدهم. وافق الراهب طالباً فقط عدم ذكر اسمه على أنه المؤلف، لأن، كما أوضح، كل ما قاله هو تعليم الكنيسة والتقاليد الروحية الأرثوذكسية، وليست أفكاره الشخصية. تلبية لهذا الطلب السهل، نورد كلمات هذا الراهب الأثوسي النافعة للروح.

لكي نكون أقوى، فلنتذكر خيبة الأمل الكامنة وغير المتوقعة، والمشاكل التي تفاجئنا، والعقبات التي لا نستطيع التنبؤ بها، والفرح غير المتوقع الذي يرفعنا إلى السماء وكأننا على أجنحة، والمعاناة التي تغزو روحنا، مثل عاصفة يزيد الألم من انحناء رؤوسنا أكثر وأكثر، ولكن فقط بمعونته نصير قادرين على معرفة السلام الحقيقي ونصير أقوياء.

نحن أُعطينا أسلحة إلهية لخلاص أرواحنا: الصلاة، وخاصة الصلاة العقلية، الصوم، الاعتراف المستمر، والمناولة الإلهية، وقراءة كلمة الله وكتب الآباء القديسين النسكية، للتخلي عن كل ما يمزّق علاقتنا مع الله ويبعد عقولنا وقلوبنا عنه وعن إرادته المقدسة. والشيء الأكثر أهمية هو ذكر الموت. في الأديرة، وخاصة في الجبل المقدس، يُعيّن راهب خصيصاً لزيارة قلالي الإخوة في الصباح والمناداة: “صباح الخير يا أخ، تذكر كلّنا سوف نموت … “.

لذلك، لا أعتقد أن هناك أي إنسان لا يعرف قدراته وضعفاته.

حدث أن أحد الرهبان الشباب عديمي الخبرة سقط في خطيئة خطيرة بالجسد. غادرته النعمة واستولى عليه الحزن، فقد الأمل في الله وقال انه يأس من خلاصه، ومن الحياة بشكل عام ترك قانون صلاته حائراً في ما يعمل، وبالكاد كان يئن: “أيها المسيح، أنرني!” قرر أن يذهب إلى الاعتراف عند شيخه وكشف حزنه. وصل، اعترف، وحكى عن فقدانه الأمل بالخلاص، وعن أن اليأس خنق قلبه كرذيلة

قال الشيخ: “إنك تجني من الثمار على قدر الاهتمام الذي تقدمه“. ثم أخبر الراهب الساقط هذه القصة: كان لفلاح حقل بعيد عن منزله، وبالتالي فإن المزارع أهمله تماماً. صارت الأرض مغمورة بالأعشاب الضارة. فدعا ابنه البكر وقال له: “اذهب ونظّف حقلنا البعيد، إذ لم يعد ممكناً حتى رؤيته“. وافق الابن وفي اليوم التالي سرج حماره، وجمع أدواته، وتوجّه إلى الحقل. ولكن ماذا وجد؟ يا أم الله! بدلاً من حقل وجد غابة لا يمكن عبورها من الأعشاب الضارة النامية. صفق الشاب بيديه وقرر لا، لن يتم تنظيف هذا الحقل“. استلقى في ظل شجرة وغطّ نائماً من الحزن. أسكره اليأس كما المخدرات. بعد أن نام طوال اليوم، وأضاع الوقت عبثاً، عاد إلى المنزل.

حسناً؟استقبله والده، هل نظّفت الحقل؟” “لا، يا أبي، أجاب الابن، لم أفعل أي شيء.” لماذا لا؟ “” إنه من المستحيل. هناك الكثير من الأعشاب الضارة والحشيشلم أعرف حتى من أين أبدأ.” “فماذا فعلت كل اليوم؟“” نمت “” آه، أليس مخزياً لك كرجل بالغ أن تنام؟! اعتقدت أنك أكثر ذكاء من ذلكغداً، سوف تذهب مرة أخرى، وتنظّف حتّى ولو مجرّد قسم صغير، على حجم طولك. وما أن تنظفه يمكنك أن تنام.”

في اليوم التالي، حتّى قبل ارتفاع الشمس، كان الشاب بالفعل يحمل معوله. خلال عشر دقائق، كان قد نظّف جزءاً صغيراً من الحقل، على حجم طوله. هذا الأمر ألهمه كما يقول المثل القديم: “البداية الجيدة هي نصف المعركة“. سار العمل بشكل جيد، وكان الشاب يعمل بحماس، عن طيب خاطر. يأسه واكتئابه مضيا!

في المساء، عاد إلى البيت راضياً.

ماذا جرى؟“.سأل الأب ابنه. “أنا نظفت ثلاثين قدماً! سأنتهي خلال بضعة أيام، قال الأب: “إذا فقدنا الأمل، فإن اليأس والحزن يأكلاننا من الداخل مثل الديدان لن يسمحا لك برفع إصبع أو هز ساق“.

وبالفعل، تمّ تنظيف الحقل تماماً من الأعشاب الضارة في غضون أيام قليلة.

هل تفهم ما أحاول أن أقول؟سأل الشيخ الراهبَ اليائس.

أنا أفهم، أيها الأب، أجاب. “لا بدّ لي من تنقية نفسي. ولكن كيف أبدأ؟

أنت بدأت بالفعل، أيها الأخ. الاعتراف هو البداية الجيدة. لقد غفر لك الرب خطاياك. ولكن هذه عطيته، وأنت يجب أن تقدم شيئاً من نفسك “.

إذاً ايها الأب، سأل الراهب الشاب، أنت تقول أنه يمكن أن أصبح مسيحياً وصالحاً

بالطبع، يا أخي. أنا واثق على قدر ثقتي بأننا نرى بعضنا البعض ونتحادث“.

إذاً، يا أبتي!” هتف الراهب الشاب بحماس. “ماذا ينبغي أن أفعل الان؟

قال الشيخ باشر قانونك الرهباني مجدداً وببطء. كرر بلا توقف: يا رب ارحم! “واستعد للمناولة المقدسة. نعم، أيها الأخ، قريباً. في الوقت الحالي، مهمتك الرئيسية هي قتل شيطان عدم الرجاء واليأس! “

أنا لا أعرف كيف أشكرك يا أبيقال الراهب الشاب ثم انحنى إلى الأرض مقبّلاً أقدام الشيخ. “لقد أعطيتني السماء. أرجو أن أعود، وروحي ملأى بالفرح والنور. اليأس قد اختفى، والجنّة في قلبي! “

أنهى الأب الآثوسي قصته مع اقتباس من الكتاب المقدس: “وَأَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ. يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ.”(أشعياء 31:40).

الإنسان العقلاني بحسب القديس أنطونيوس

الإنسان العقلاني بحسب القديس أنطونيوس

د. قسطنطين كافارنوس

القديس أنطونيوس (250-356) هو أحد أكبر معلمي الحياة الروحية في المسيحية الشرقية، وقد تمتّع بأعلى درجات الاحترام لدى مسيحيي الشرق منذ زمانه حتى الحاضر. أحد أبرز محبّيه كان القديس أثناسيوس الذي عرفه شخصياً وكتب سيرته التي هي أهمّ مصادر ما نعرف عنه. من محبيه البارزين أيضاً القديس مكاريوس مطران كورنثوس (1731-1805) والقديس نيقوديموس الأثوسي (1748-1809) اللذين أدرجا في مطلع الفيلوكاليا، التي جمعاها ونقحاها وطبعاها سنة 1782، عملاً يحتوي الكثير من الأقوال والملاحظات التي نُسبَت إلى القديس أنطونيوس.

بالرغم من أنه كان أميّاً، صار القديس أنطونيوس رجلاً ذا حكمة وفهم روحيين مميّزين، قادراً على تعليم الآخرين بكلمة الفم في ما يتعلّق بخليقة الله وتدبيره ونعمته، وفي ما يختصّ بالطبيعة والمصير البشريين، والسبل التي تؤدّي بالإنسان إلى الكمال الشخصي والخلاص. أجزاء من تعليمه، بما فيها تلك التي يحويها العمل المذكور أعلاه، سجّلها آخرون ممن استمعوا إليه وتأثروا بقيمته وذلك للتذكير بشخصية الناس والحياة الفاضلة. الكثير من الأفكار المميزة محتواة في مجموعة الأقوال هذه. إحدى هذه الأفكار هي الإنسان العقلاني“. قد قيل الكثير عن هذا الموضوع بشكل مبعثر وليس في جزء محدد منفصل. وإذ أتمنّى أن أقدّم تعليم القديس أنطونيوس حول هذا الموضوع بشكل دقيق ومعبّر قدر الإمكان، فقد ترجمتُ المقاطع المعنيّة عن النص اليوناني الموجود في الفيلوكاليا، وجمعتها بنفس التسلسل الذي يظهر في هذا العمل، وقدّمتها كما يلي مع بعض الملاحظات التفسيرية.

الإنسان العقلاني عند القديس أنطونيوس ليس المتعلّم ولا الباحث، ولا المفكّر المجادل أو المتأمل. إنه الإنسان المتمحور حول الله، الذي يوجّه كلّ فكره وطموحه نحو الله، الذي تحوّل بشكل قاطع عن الأرضي والمؤقّت نحو السماوي والأبدي؛ الذي يختار الصلاح ويعمله ويتلافى الشر، أو أقلّه يسعى بشكل واعٍ إلى ذلك. إنه الرجل الذي غيّر داخله بشكل جذري.

المَلَكة العقلانية بالنسبة للقديس أنطونيوس أي الصفة المميّزة للإنسان، هي ما يفرّقه عن البهائم ويجعله قريباً من الله ويوحده به. يفهم هذه المَلَكة على أنها قبل كل شيء قوة فهم القيَم، تمييز الخير عن الشر، تنظيم حياة الإنسان الداخلية والخارجية، مع الرغبة في اكتساب أو صنع ما هو صالح وتجنّب أو تخطي الشر، والتأمّل بالله. بتعبير آخر، إن مهمة العقل التي تُعتَبَر مهمّة ليست التحزرية بل الأخلاقية، ولا الخطابية بل البديهية و التأملية.

تحضر هذه المَلَكة بحسب قديسنا في أغلب الناس بحالة كامنة غير ناشطة، ميتة كأخلاقية وقوة تأملية. الناس، بدلاً من أن يحكمهم العقل، تسيطر عليهم الرغبات غير العقلانية، وبدلاً من أن يكون اتجاههم، كما ينبغي أن يكونوا، إلى الأبدي والإلهي، فهم غارقون في الوقتي والمادي. إن نفوسهم في حالة من الظلام مجردةً من النور الإلهي. هذا يتبعه أنهم ، بالمعنى الدقيق للكلمة، ليسوا بشراً. وحده الإنسان العقلاني، صاحب الملَكة العقلانية الناشطة العاملة هو إنسان بالمعنى الدقيق للكلمة.

واضح أن الإنسان العقلاني عند القديس أنطونيوس ليس إلا إنسان الرسول بولس الجديد (روما 2:12)، أي المتصوّف المسيحي، القديس، أو مَن هو على الطريق ليكون كذلك.

قد يبدو تعليم القديس أنطونيوس غريباً بالنسبة للكثيرين من المسيحيين غير الأرثوذكسيين لأن المسيحية الغربية مالت إلى نفي العقل من الحياة الروحية أو أقلّه إلى تقليص دوره. من جهة أخرى، الأرثوذكسيون المتآلفون مع تقليدهم الطويل، سوف يجدون أن هذا تعليمهم وموقفهم التقليدي معبَّراً عنه بطريقة مؤكّدة واضحة.

التّعليم النسكيّ واللَّاهوتيّ عند القدّيس غريغوريوس پالاماس

التّعليم النسكيّ واللَّاهوتيّ عند القدّيس غريغوريوس پالاماسi

للمتروبوليت باسيليوس كريڤوشاينii

ترجمة الراهبة إيوانّا كعدي

حتّى يومنا هذا، لا يزال قسم كبير من أعمال القدّيس غريغوريوس پالاماس غير منشور أو غير معروف. كما أنّ نشر أعماله الكاملة (وتلك الّتي كتبها تلاميذه أو خصومه) قد تكون مقدّمة لمتابعة دراسة تعاليمه، وحياته ونشاطاته. لا ندّعي إطلاقاً، في هذا العمل الذي بين أيدينا، تقديم بحث تامٍّ وشاملٍ ومستنفذا.عن القديس غريغوريوس پالاماس.

القاعِدة النسكيّة-المعرفيّة gnoséologiqueiii لتعليم القديس غريغوريوس پالاماس

يمكن وصف الحياة الدينيّة، سواءٌ أفهمناها كاتّحادِ الإنسان مع الله أم كإدراكٍ لله من قِبَل الإنسان. بأنّها علاقة متبادلة وتفاعليّة بين الله والإنسان، بين الخالق وخليقته. فلذلك، إذا أردنا أن نفهم تعليم كلّ معلّمٍ روحيّ، وهنا غريغوريوس پالاماس (1296-27 تشرين الثاني 1359)، يجب أن نكتشف أوّلا كيف يَفْهَم هذا المُعَلِّم إمكانيّة الاتّحاد بين الله والإنسان، وكيف يُفكِّر بوسائل مقاربة الله وقدرة الإنسان على مثل هذا التصوّر. وما يراه من الطرائق لفَهم اللهٌ وقدرة الإنسان على مثل هذا الإدراك. هذا ما سيُشكِّل، إن أمكن القول، الركيزة النسكيّة-المعرفيّة لمنهج اللاهوت الذي يهمّناiv. فلنتفحّص إذاً الخطوط الرئيسة لهذا القسم من تعليم القديس غريغوريوس پالاماس، قبل أن نعالج عقائده اللاهوتيّة البحتةv.

إنّ مسألة إمكانيّة ووسائل مقاربة الله تحتلّ مكانة هامّة نِسبيّاً في أعمال غريغوريوس پالاماس. ما يجدر ذكره في البداية، هو أنّ غريغوريوس يبدأ بتأكيد استحالة إدراك الله بواسطة العقل، والتعبير عنه بوساطة الكلمات. فكرة أنّ الله لا يمكن معرفته بطريقة عقليّة هي مرتبطة بتعليم القديس غريغوريوس پالاماس حول طبيعة الله، لكنّنا سنقتصر هنا على البعد المعرفيّ للمسألة. على كل حال، لا شيء جديداً في هذا التأكيد. فإنّ غريغوريوس يَتمَوْضَعُ- وهذا ما يميّز تماماً الأرثوذكسيّة الشرقيّة – على صعيد اللاّهوت التنزيهيّ Apophatique، في الخطِّ المستقيم لتقليد القديس غريغوريوس النيصصي وديونيسيوس الاريوپاجي. فهو مِثلَهم يؤكّد استحالة تحديد الله، والتعبير عنه بأيّ اسم. هكذا، فالقول إنّ الله “لجّة نِعَمvi” abîme de grâce، يستدعي مباشرة تصحيحاً. “لكن بدقّة أكبر، فإنّ هذا الذي يحتوي هذه اللّجة abîme، يتسامى على كلّ ما يمكن أن نفكّر فيه أو أن نسمّيه”vii. إنَّ معرفة الله الحقّة لا يمكن الحصول عليها، لا بوساطة دراسة العالم المخلوق والمنظور، ولا بالجهد العقلي للنفس البشريّة. وحتّى الخطاب الفلسفيّ اللّاهوتيّ الأكثر تجريداً وذكاءً لا يمنكه أن يوفِّر رؤية حقيقيّة عن الله أو عن الاتّحاد به. “وحتّى عندما نفكّر لاهوتيّاً أو فلسفيّاً بمسائل منفصلة كليّاً عن المادّة”، يكتب القديس غريغوريوس پالاماس،” فإنّنا نقترب من الحقيقة ولكنّنا نبقى مع ذلك بعيدين جدّاً عن رؤية الله، وأيضًا غرباءَ عن الاتّحاد به بما أنّ الامتلاك (الله) يتميّز عن المعرفة. التكلّم على الله، والشركة معه [συντυγχάνειν، ليسا الشيء نفسهviii. هذا ما يفسّر موقفه تجاه شتّى أشكال الأنظمة العلميّة، منطقيّة كانت أم تجريبيّة؛ إنّه يعترف بقيمتها النسبيّة فيما يتعلّق بدراسة العالم المخلوق. وفي هذا المجال، يبرّر أساليبه– القياس العقليّ، والبراهين المنطقيّة، والأمثلة المأخوذة من العالم المرئيّ. أمّا في ما يتعلّق بمعرفة الله، فهو يؤكّد عدم كفايتها، ويعتقد أنّه يجب حتى ألّا تستخدم أبداًix.

حقيقة أنّ الله لا يمكن أن يـُعرف عقليّاً، لا تقود مع ذلك القديس غريغوريوس پالاماس إلى الاستنتاج أنّ الله غير معروف كليّاً وليس بمتناول الإنسان. إنّه يؤسّس لإمكانيّة اتّحاد الإنسان بالله، على خصائص الطبيعة البشرية. وعلى مكانة الإنسان في الكون. فلنَتَفَحَّص قليلاً عن كثب تعليم القدّيس غريغوريوس عن الإنسان. فكرته الأساسيّة، التي غالباً ما نجدها في أعماله، هي أنّ الإنسان خُلِق على صورة الله ومِثاله، وأنّه يحتلّ مكانة مركزيّة في الكون. الإنسان، المخلوق على صورة الله والجامع في ذاته العالم الماديّ وغير الماديّ(بما أنه مكوّن من نفس وجسد)، يظهر للقديس كنوعٍ من عالَمٍ مُختزَل، وعالم صغير يعكس الكونَ ويوحِّده معه في كلٍّ واحدٍ. ويكتب “الإنسان، هذا العالم الأوسع والمضمون في عالم أصغر، يجمع كل ما هو موجود في كلٍّ كامل، ويتوّج خليقة الله. لذلك خُلِق بعد الخلائق كلّها، كأنّنا نضع خاتمة في نهاية الكلام. ويمكننا أن نُسمِّيَ هذا الكون عمل الكلمة الاقنوميّx.” هذا التعليم عن الإنسان (الذي توجد عناصره عند غريغوريوس النصَصي) موسَّعٌ لدى غريغوريوس پالاماس، ومرتبط بمسألة الصلة بين الطبائع الملائكيّة والبشريّة، ومسألة قيمة الجسد البشريّ. خلافاً للفكرة السائدة التي تقول إنّ الملاك، كونه روحاً مجرّدة، أسمى من الإنسان، فهو يعلّم أن الإنسان يمتلك المثال الإلهي بمقدار أسمى من الملاك. ويكتب أيضاً “على الرغم من أنّ الملائكة هم أسمى منّا من نواح عديدة… غير أنّهم أدنى منّا … ذلك يعني أنّنا قد خُلِقنا على مِثال الله بمقدار أكبرxi. كون الإنسان لديه تشابه أكبر مع الله، يظهر أولاً في ما يلي، بينما تنحصر خدمة الملائكة بتنفيذ أوامر الله، فإنّ الإنسان، بصفته تحديدا كائناً أرضيّاً ونفسيّاً- فيزيولوجيّاً (بسيكو- فيزيولوجي)، مُعَدٌّ لأن يكونَ سيد الخليقة كلّها وأن يملِكَ عليها. “بينما الملائكة معيّنون لخدمة الخالق، ورسالتهم الوحيدة أن يَخضَعوا للسلطة (لم يعطَ لهم أن يسودوا على كائنات أدنى، إلاّ عندما يُرسلون لهذا الأمر من قبل مُخَلِّص الكل)، أمّا الإنسان، فهو مُعدّ ليس فقط ليكون خاضِعاً، بل ليَحكُم كلّ ما هو على الارضxii. فكرة كون الإنسان موهوباً بشَبَهٍ إلهيّ بدرجة عالية، موسّعة في التّعليم المتعلّق بالجسد البشريّ وما يعنيه في حياة الإنسان الروحيّة. يجدر بنا أن نُـنـَوِّه إلى أن غريغوريوس پالاماس كان معادياً شديداً للنظرية القائلة إنّ الجسد هو بحدّ ذاته مبدأٌ سيّئ ومصدر للخطيئة. إن رأياً كهذا يبدو له إفتراءً على الله، خالق الجسد، ومتأّتياً عن تحقير مانويّ، ثنائيّ للمادة . وقد ألّف أيضا حواراً طريفاً مكتوباً بأسلوبٍ مُبهِرٍ ضدّ الروحانيّة المانويّة الأُحاديّة الجانب، والتي بموجبها تنقاد الروح إلى الخطيئة عن طريق الجسد، وأنّ صِلاتَها بالجسد قد تكون سبب الخطيئة. في هذا الحوارِ، يُـشدِّد بقوّةٍ على أنَّ الجسدَ ، كما النفس، قد خلقه الله، وأنّ الإنسان ليس نفساً فقط، ولكنّه اتّحاد الجسد والنفس. “ليس الإنسان نفسا فقط ولا جسدا فقط، إنّما هو الإثنان معاً، فهما مخلوقانِ على صورة اللهxiii.” غالباً ما نجد هذه الفكرة عند غريغوريوس پالاماس. الجسد يعكس الصورة الإلهيّة كما تعكسها النفس، هذا ما يثبت نظرته بأنّ الإنسان، وتحديدا لأنّ له جسداً، هو في الواقع ممهورٌ بخاتـَم الشَبَه الإلهي أكثر من الطبائع الملائكيّة الروحيّة البحتة. فالإنسان أقرب إلى الله (وذلك كونه مخلوقاً، أكثر ممّا هو فكرة إلهيّة)، على الرغم من أنّه قد فـَقـَد هذا الشـَبه بعد السقوط، بمعنى أنّه سقط أدنى من الملائكة. إنّ واقع امتلاك الإنسان جسداً، يسمح له بالتواصل مع الله بطريقة تستحيل على الملائكة. فالقديس غريغوريوس يتساءل “أيّ ملاك باستطاعته الاقتداء بآلام وموت المسيح كما فعل الإنسان”xiv. وهو يكتب أيضاً “أُنعِمَ على الطبيعة الملائكيّة بالذّكاء، كما بالنُطق الّذي ينشأ عن هذا الذكاء وندعوها روحا، لكن هذه الروح لا تعطي الحياة لأنّها غير مُقترَنة بجسد، فهي إذاً لم تتلقَّ القدرة على إعطاء الحياة والحفاظ عليها. لكنّ الروح، المخلوقة بجسد ماديّ، تلقى من الله القوة لتعطيَ الحياة، كونها الوحيدة الموهوبة بالذهن [νοῦν]، والكلمة [λόγον]، والقوة الواهبة للحياة. هي وحدَها، أكثر من الملائكة، مخلوقة على صورة اللهxv“. بالتأكيد، الصورة الإلهية لا تعتبر في الجسد بذاته، لكن في الروح المعطي الحياة الذي ينتمي إلى الإنسان. لكنّ الجسد، بعيداً عن أن يكون عقبة، يتيح الفرصة لهذه الروح في الظهور. في حين أنَّ الملائكة، ككائنات غير ملموسة، هم عادمو هذه الروح. في هذا المعنى، فإنّ الشّبَهَ الإلهي لم يُفقَد حتّى بعد السقوط. “بعد خطيئة أجدادنا، توقّفنا عن أن نكون مثل الله. لكنّنا لم نتوقّف عن أن نَعكِس صورة الله”xvi. وبصفة عامّة، يناسب الهراطقة، أن يرَوا مبدأ الشرِّ في الأجساد.” يقولون إنّ الجسد هو سيِّئٌ ومن خـَلق الشريرxvii. لكن بالنسبة للأرثوذكس هذا الجسد هو “هيكل الروح القدس” و”مسكن الله”xviii. وهكذا يمكن أن نفهم، وَفْقا لغريغوريوس پالاماس، كيف أنّ الجسد تحت تأثير الروح يمكن أن يكون “مستعدّاً روحيّاً” xix، وكيف أن عدم التأثّر ليس ببساطة قتل الأهواء الماديّة، لكنّه “أفضل طاقة مُبدِعة” للجسدxx. وبشكل عام، الجسد يشارك بالحياة الفائقة الطبيعة للروح، ليس فقط بعد القيامة، لكن منذ الآن. “إذا كان على الجسد أن يتقاسم غنى الروح اللّامتناهي، فممّا لا شكّ فيه أنّ باستطاعته المشاركة بها منذ الآن، وأنَ تكون لديه خبرة إلهيّة. ولكن أهواء الروح يجب أوَّلاً أن تتحوّلَ وتتطهّر من دونِ إزالتهاxxi.

بالإضافة إلى ذلك تجدر الإشارة، في سياق تعليم القدّيس غريغوريوس عن الإنسان، إلى الدور الذي يعطيه للقلب في الحياة الفكريّة والروحيّة. فهو يعتبر القلب مركز الحياة الروحيّة للإنسان، بوصفه العضو الذي تستخدمه الروح لمراقبة الجسد، وحتى كمصدر ودعم للنشاط الفكريّ البشريّxxii. “نحن نعرف على وجه اليقين أنّ القلب هو آلة الفكر. عَلِمْنا هذا ليس من الإنسان بل من خالق الإنسان، الذي يقول في الإنجيل. “الأفكار تأتي من القلب”. القلب إذاً هو “كنز الأفكار”xxiii ومركز الجسد في الوقت نفسه.

التعليم أنّ الإنسان هو على صورة الله، وأنّه يُظهر هذا التشابه الالهي في كيانه النفس-مادي، وأنّه نوع من عالم صغير، والذي يشرح كيف أنّ تواصلاً حقيقيّاً بينه وبين الله ممكن الحدوث، وإمكانيّة التوصّل إلى معرفة أعمق عن الله، من تلك التي تأتي من النشاط الفكري الوحيد أو دراسة العالم الخارجي. إنّ هذا التعليم نفسه ينطلق بالحقيقة، من مبدإ الشَّبَه الإلهيّ في الإنسان، يؤكد القديس غريغوريوس أنّ الإنسان يمكن أن يحقّق الشركة مع الله بحَفظِه وصاياه قبل كلّ شيء؛ فمن خلال ذلك، يجدّد الصورة الإلهيّة الموجودة فيه، والتي أظلَمت بالخطيئة، ويقترب من الاتّحاد بالله ومن معرفته على مقدار قدرته كخليقة. هذه الطريقة (لحفظ الوصايا) يجب أن تُتَّبع من الجميع، ويمكن باختصار وصفها بأنّها محبّة الله والقريب. فكرة أنّ الوصايا لها قيمة عالميّة وأنَّ كلَّ البشر لا بدّ لهم من حفظها، هي النقطة المركزيّة في التعليم النسكي عند غريغوريوس (حتّى أنّه كتب تعليقا عن الوصايا العشر )xxiv. فهو يؤكّدها بدرجة جَلِّية حتى أنه غالبا ما يكررها بكلام واضح في أجزاء من تعليمه حول سبل الحياة الداخلية. لكن في تفسيره للوصايا وكيف يجب على المرء عيشها، فإنّ القديس غريغوريوس، ككلّ المفكّرين الذين يؤلّفون المرجِعيّة{الأكثر عمقا} في الكنيسة الأرثوذكسية، يعلّق أهمية قصوى على التطهير الداخلي من الأهواء وليس على العمل الخارجي، أو اكتساب هذه الفضيلة أو تلك. لكن ولتحقيق طهارة القلب هذه، يجب أن ننخرط في طريق التوبة والتواضع، مُظهرين كراهيةً للخطيئة، ومحبّة للربّ الذي أحبّنا أوّلا. “لنلبس أعمال التوبة، وانسحاق الأفكار، التواضع والحزن الروحي، وقلباً وديعاً رحيماً، والمحبّة الحقيقيّة، ناشدين الطهارة […] لأنّ ملكوت الله – ليس مَلِكَ السماء – […] إنّه في داخلنا، وعلينا أن نرتبط به بأعمال التوبة، محبّين الله بكلِّ قدرتنا، هو الذي أحبّنا بهذا المقدارxxv.

لدى القديس غريغوريوس، وسيلةٌ أكثرُ فاعليّةً للتطهيرِ الداخليّ وتعبيرٌ أكثرُ وضوحاً عن محبّتنا لله والقريب، يوجد في الصلاة، (متصلة، هذا مفهوم تماما، ببقيّة النشاط الداخلي للإنسان، وعموما على كلّ حياته). الصلاة بالنسبة له، أسمى من ممارسة أي فضيلة على الإطلاق. مع علمه أنّ الاتّحاد بالله يمكن أن يتحقّق إمّا من خلال الفضيلة xxvi أو من خلال الصلاة xxvii، غريغوريوس يُعطي أهمّيةً كُبرى للصلاة ويؤكّد أنّه فقط بقوّتها تستطيع الخليقة أن تتّحِد بخالقها. “إن قوة الصلاة تُحقّق سِرِّياً هذا الاتّحاد، بما أنها الصلة بين الخليقة العاقلة واللهxxviii“. علاوة على ذلك، فإنّ القديس غريغوريوس، كما ديونيسيوس الآريوپاجي، يتحدّث عن عمل ثلاثيّ للنفس من خلاله ترتقي إلى الله. في نفس المقالة عن الصلاة، نقرأ “عندما أحد الأرواح يصبح ثلاثة ويبقى في نفس الوقت واحداً، حينها يدخل الروح في شركة مع الألوهة الثالوثية”xxix . هذا العمل الثالوثي يرتكز على ما يلي، النفس، التي عادة تتأمّل الأشياء الخارجيّة (العمل الأوّل)، تدخل إلى ذاتها (العمل الثاني) وترتقي إلى الله بالصلاة (العمل الثالث). “أحد الأرواح يصبح ثلاثة ويبقى في نفس الوقت واحداً عندما تعود الروح إلى ذاتها ومن هناك ترتفع نحو الله”xxx.

العملان الاخيران نسمّيهما أيضا ” إلتفافا enroulement” كما يُـلفُّ الرِّق، ونسمّيهما أيضاً “إمتداداً إلى العُلىxxxi “. نوضح أن حقيقة عودة الروح إلى ذاتها، هي التي تحفظها، في حين أنّ صعودها نحو الله يتحقّق بالصلاةxxxii. في هذه الحالة، الروح البشريّة “تبلغ ما لم يُسمَعْ به” و”تتذوّق العالم الآتي”xxxiii. لكن لا ينبغي أن نُعطي أهمّيةً كبيرة للاستنارة التي يَتِمُّ التوصّل إليها في البداية، لأنَّها من الممكن أن تكون مُضِلَّة، كونها غير مصحوبة بتنقية كاملة للروح. يجب أن نتوقَّف في بداية الحياة النسكيّة عند رؤية حالة الخطيئة في قلبنا بالذات، والموحى بها لنا بوساطة استنارة الروح هذه. لكنّ التنقية الكاملة للكائن البشريّ لا تتحقّق إلا عندما تحوز قوى الروح كلُّها على العلاج الروحيّ الملائم.

“فقط عندما يُطَهِّر الإنسان قدرته الفاعلة بالأعمال، وقدرته الإدراكيّة بالمعرفة، وقدرته التأمليّة بالصلاة”xxxiv يصبح حينئذٍ قادراً على الوصول إلى الطهارة الضرورية لمعرفة الله. “لا أحد يستطيع أن يَحصُلَ على الطهارة الكافية لمعرفة الله، لا أحد يستطيع الحصول عليها إلا بكمال الأعمال، وبالمثابرة في الطريق النسكي، وبالتأمل والصلاة التأمليةxxxv. وكذلك، يجب أن ندرك أنّه من الضروري والمُخصِب للروح ليس فقط إدراك هذا العمل الثلاثي، بل الثبات في هذا النشاط الذي يُنتج “حسّاً ذهنيّاً ” sens intellectuel [αἴσθησις νοερά] والمثابرة طويلاً عليهxxxvi. في الوقت نفسه، يصّر القديس غريغوريوس على ضرورة إبقاء الروح دائما في حدود الجسد. ودعما لهذه القاعدة النسكية، يستشهد بعبارة معروفة جدّاً للقديس يوحنا السُّلّميّ:” الإنسان الصامت هو من يطمح إلى حصر اللّاجسدي (الروح) في مسكن جسديxxxvii. “ومثله، فإنه يرى في سكنى الروح في الجسد سِمة أساسية من سِمات الهدوئي Hesychaste الحقيقي. من ناحية أخرى، فإنّ بقاء الروح خارج الجسد، يبدو له سبب كلّ الأوهام. ” إطلاق الروح خارج الجسد، للبحث بعيدا عن رؤى فكريّة، هو أكبر وَهْمْ من الأوهام الهلّينية، وأصل كل فكر كاذب ومصدرهxxxviii. “القديس غريغوريوس يتصوّر أن عقيدته في إبقاءِ الروح في الجسد، وحتى في”إرسالها” إلى هذا الجسد، قد تُـثير اعتراضات من جانب أولئك الذين يعتقدون أنَّ هذه المَهمَّة غير مفيدة، بل ومستحيلة، بما أنّ الروح، هي بطبيعتها، متّحدة بالنفس التي تقيم في الجسد، وتتواجد هناك بالفعل حتى دون تعاون إرادتنا. لكن غريغوريوس يقول إنّ هناك لُـبسا بين جوهر الروح ونشاطهاxxxix. جوهريّاً، إنَّ الروح، هذا مفهوم تماما، مقتَرنة بالجسد، ولكن مهمة الهدوئي hesychaste هي توجيه نشاطها في هذا الاتجاه .

هذه الطريقة في المحافظةِ على الروح بالصلاة، تتطلّب الكثير من الجهد والتركيز والعناء. كتب القديس غريغوريوس: “إن ممارسة أيّ فضيلة أخرى هي خفيفة وسهلة جدّاً مقارَنة بذلكxl. “نحن نرى مدى خطإ أولئك الذين يَرَون في الصلاة العقليّة لدى الهدوئيين، محاولة لإيجاد وسيلة سهلةٍ للخلاص، وتجنّب ممارسة الفضائل، وهكذا يمكن الوصول، إلى حالة من الحماس الصوفي، ” آلياً ودون عناء.” وبالحقيقة، ليس الامر متعلّقاً بطريقة سهلة، فغريغوريوس يُشير إلى أنّ الصلاة العقليّة هي الطريق الأصعب، والأضيق والأكثر إيلاما للخلاص، ولكنّها تلك التي تؤدّي إلى أعلى مستويات الكمال الروحي، شريطة أن تكون ممارسة الصلاة في انسجام مع بقيّة نشاطات الإنسان (هذا الشرط المطلق لنجاح الصلاة يبيّن جيدا أنّه لا يوجد فيها شيء من “الآلية”. لذلك، على الرغم من تقديم النصح لجميع الذين يرغبون في الخلاص بواسطة هذه الطريقة، والاعتقاد أنها متاحة للجميع، يؤكد غريغوريوس أن الحياة الرهبانية فقط، بعيداً عن العالم كما هو حالها، توفِّر الظروف المؤَاتية لها. ” إنه، بالطبع ، من الممكن لأولئك الذين يعيشون في حالة الزواج، العمل من أجل تحقيق هذه الطهارة، ولكن فقط بثمن كبير جدّاً من الصعوبات والمحن”xli.

لقد قدَّمنا عَمْداً حَيِّزاً كبيراً لأفكار غريغوريوس پالاماس عن مكانة القلب والجسد في الحياة الروحيّة للإنسان بشكل عام ( أفكارٌ نجدها بالفعل عند الكتّاب النسكيين السابقين، إلا أنَّ غريغوريوس توسَّع بها بكثير من الوضوح وبطريقة منهجيّة فلسفيّة مميّزة جَّداً) هكذا يمكننا الفهم بأكثرَ سهولة للمعنى الحقيقي للجانب الأكثرِ أصالةً من عقيدته النسكية، التي تتناول الصلاة العقليّة التي يُزعم أنَّها ” فَنّية” وأساليبهاxlii. ليس هناك عمليّاً أيّ دليل على أساليب الصلاة الفنية عند الآباء القدماء، على الرغم من أننا يمكن أن نجد مؤشّرات مُبكِرة عند يوحنا السلمي (القرن السادس-السابع)xliii. أو Hesychius إيسيخوس السينائي (القرن السابع _ الثامن)xliv. الوصف الأكثر اكتمالا يمكن العثور عليه في المقالة عن الطرق الثلاثة للصلاة عند سمعان اللاهوتيّ الجديد (أوائل القرن الحادي عشر)، عند نيكيفوروس الراهب {المتوحد في جبل آثوس} (حوالي القرن الثالث عشر)، وعند القدّيس غريغوريوس السينائي (القرن الثالث عشر)xlv. يمكننا أن نفسِّر صمت الآباء عن هذا الموضوع بطرق مختلفة (أن تكون هذه الطرق قد وُجدت أم لم توجد، أو كانت موضوع تعليم شخصيّ من الشيوخ للتلاميذ، وبالتالي لم تكن موضوعة كتابة حتى – مع الاختفاء التدريجي للشيوخ – ظهر خطر نسيانها عندئذ وُضعت كتابة من قِبَل أولئك الذين عاشوا هذه الخِبرات. ولكن هناك شيء واضح، هذه الطرائق كانت منتشرة على نطاق واسع جدّاً في الشرق الأرثوذكسي وكانت جزءاً من التقليد النسكي قبل فترة طويلة من غريغوريوس پالاماس والهدوئيين في جبل آثوس في القرن الرابع عشر. فمن المُحتمل جدّاً، سواء من الناحية التاريخية أو من وجهة نظر دينيّة- نفسيّة، أن هذه الطرائق كانت “اختراعا” شخصيّاً لبعض الأفراد، من المحتمل تقريبا أن يكونوا معاصرين للقدّيس غريغوريوس (كما يعتقد البعض). أمَّا في ما يتعلّق بسوء فَهم معناها، والأكثر شيوعا بين العلماء الأرثوذكس، فهو متأتٍّ أساسا من كون أنَّ ما هو في الحقيقة يؤلِّف عمليات ثانوية وملحقات اعتُمد كجزءٍ أساسيٍّ في هذا النوع من الصلاةxlvi. هنا أيضاً، علينا أن نتذكّر أنَّ هؤلاءِ الكتّاب النسكيين الذين تعاملوا مع الصلاة الفنّية لم يحاولوا أن يقدّموا دراسة شاملة عن عقيدة النسك الأرثوذكسي في مجملها، ولكنهم اقتصروا على تقديم أجزاء لم يتناولها الآخرون بشكل واضح بما فيه الكفاية من قِبَل الآخرين أو الذين لسبب ما أثارت تساؤلات. في أيّ حال، سيكون من الخطإ أن نتصوَّر أنَّ هذه القواعد المُحَدّدة ( في هذه الحالة الصلاة الفنية) قد يحمل في نظرهم بُعداً يَشمل مُجمَل التعاليم النسكية للكنيسة. في الواقع، إنّهم كانوا يجمعون عامة على ما هو مَعروف عن هذا التعليم الذي يُشكِّلُ كُلّاً مُتناسقا، ولم يفكّروا أبداً أنّه كان من الضروريّ الإشارة إلى ذلك باستمرار عند تناول قضيَّة معيَّنة تهمّهمxlvii. وأخيرا ، يجب أن نذكرَ أنَّ التناقضات الظاهرة بين هذه أو تلك المقالة النسكية غالبا ما يعود ذلك إلى حقيقة أنّها كانت مكتوبةً لأناسٍ كانوا على مستوياتٍ مختلفة من النمو الروحي .

فلننتقل الأن من هذه الملاحظات العامة، الى تعليم القديس غريغوريوس پالاماس نفسِهِ عن طرائق الصلاة الفنية. يجب أن نلاحظ، مع ذلك، أنه لا يُعطي في أي مكان عرضا مُفَصَّلاً كما نجد في أعمال مَن سبقوه (كالقديس سمعان اللّاهوتيّ الجديد ، نيكيفورس الراهب أو غريغوريوس السينائي). وهذا ما لم يبدُ له ضروريّا ربّما، حيث كان هذا التعليم في ذلك الوقت معروفاً على نطاق واسع في الأوساط الرهبانية. ومع ذلك، نجد عند القديس غريغوريوس، دفاعا نسكيا-فلسفيّاً رائعاً، من الأكثر إفادة، لبعض من هذه الطرائق الممارَسة في الصلاة. المناسبة الفوريّة لصياغة هذا الدفاع كانت الهجوم الذي شنّه برلعام ضدّ الهدوئيين الآثوسيين، والذي بسبب الاهتمام الذي يبديه هؤلاءِ الهدوئيون للصلاة العقلية، دعاهم omphalo-psychique xlviiiبمعنى أنهم أشخاص مُعتبرون أنهم يعلمون أنًّ الروح موجودة في الصِرّة.

ولكن على الرغم من أنه اصبح ضروريّاً بدافع احتياجات العصر، فإنَّ عمل غريغوريوس الدفاعي قد حصل على مكانة خاصّة بالنسبة لبقية مواقفه النسكية. ويستند هذا الدفاع على هذه الفكرة، التي سبق ذكرها، وهو أن الجسد ليس سيّئاً بحدّ ذاته ولكن الله خَلَقَه ليكون هيكلاً للروح الساكن فينا، فمن الطبيعي جدّاً أن نلجأ لعونه كمُكمِّل لتسهيلِ عمل الصلاة. من هذه الطرق الفرعية المتصلة بالطبيعة الفيزيائية للإنسان، غريغوريوس يدرس خصوصاً ناحيتين :

1) العَلاقة بين الصلاة والتنفس (ἀναπνοή) – على نحو أدقّ الشهيق الذي يساعد على إبقاء الروح في الداخل واتّحادها بالقلب.

2) وضعيّة الجسد في الصلاة (τὸ ἔξω σχῆμα)xlix، بصورة عامّة وضعيّة الجلوس، مع إحناء الرأس وتوجيه النظر نحو الصدر أو اسفل بقليل حتى الصِرّةl.

وفي ما يتعلق بالطريقة الأولى التي تقوم على الشهيقli، القدّيس غريغوريوس يُعلّم أنَّ دورها هو ثانويّ تماما. الغَرَض منه هو مساعدة الإنسان (وبخاصّةٍ المبتدئ ) للحفاظ على روحه في الداخل، من دون تَـشَتُّـت، في القلب الذي يحتلّ، ونحن نَعلَم، مكانة رئيسة في حياته الروحية بأكملها. يجوز الشك في جدوى إنشاء مثل هذه العلاقة بين التنفس والصلاة من أجل تحقيق التركيز. نلاحظ، مع ذلك، أنه يبدو من الناحية النظرية أن لا شيء مستحيل هنا. حتى أنه يبدو، واقعيّاً جدّاً نظراً للارتباط بين الظواهر الفيزيائية والظواهر النفسيةlii، التي نعرفها في حياة كلّ يوم والتي أكدّها علم النفس. أمّا من جهة ما يحدث في الواقع، فلا يمكن أن يُعرف ذلك إلَّا من خلال التجربة في الصلاة. وها القديس غريغوريوس يشير، ” متسائلا لماذا الاستمرار في الحديث حول هذا الموضوع، أولئك الذين لديهم الخبرة، ألا يضحكون من أولئك الذين يُعارِضون بدون خبرة ؟ لأنَّ المِعيار في ذلك ليس الكلام، ولكن العمَل والخِبرة المُكتَسبة مِن العملliii. “وهكذا، بناءً على هذه التجربة التي هي أيضا شخصيّة كما وأيضاً كنسيّة، يقول غريغوريوس أنه” ليس عبثا، وخصوصا عندما يتعلّق الأمر بالمبتدئين، تعليمهم أن يُصغوا ويبحثوا داخل أنفسهم ويركّزوا أذهانهم الى الداخل عن طريق التنفسliv. ” وبخلاف ذلك، فإن الروح عند المبتدئين ستَـشرُد باستمرار حُكماً وتكون مُشَتّـتة، وبالتالي نَنزَع عنها خصوبتها الروحية. ولذلك ينصح بربط الصلاة بالتنفس، وخاصة في البداية، طالما أنَّ الهدوئي hesychaste ليس مُتجذِّراً بعد بنعمة الله في جمع حواسّه وأفكاره والتأمّل الإلهي؛ وبعبارة أخرى، ” حتى، بعون الله، يُتقِن ما هو أفضل، ويحافظ على روحه ثابتة بلا تغير في نفسه ومُجَرّدة عن الكلّ، تصبح موحَّدة في ذاتها ومع الله”lv(ἑνοιδῆ συνέλεξιν – مصطلح لديونيسيوس الآريوباجي). بعد أن يصل إلى هذه الحالة من التأمل، فالهدوئي يحافظ عليها بسهولة بنعمة الله، ولكن الوصول الى ذلك يتطلب عملاً كبيراً والكثير من الصبر، كدليل ونتيجة لحبنا الله. لقد كتب غريغوريوس : “ما من مبتدإٍ novice يقدر أن يحقّق هذه الأمور من دون جَهد وكدّ”lvi. لكن بالنسبة للمتقدّمين و” الذين قد توحَدّت نفسهم تماما، يحدث كلّ هذا بالضرورة من دون جَهد ولا همّ”lvii. ما قيل ينبغي أن يكون كافياً لشرح موقف غريغوريوس تجاه “طريقة التنفّس” في الصلاة.

وأخيرا، نلاحظ في الختام :

1 – أن هذه الطريقة ليست مُلزِمة لجميع أولئك الذين يرغبون في الوصول الى الكمال في الصلاة، ولكن من المستحسن فقط وبخاصّة للمبتدئينlviii

2 – يؤكد غريغوريوس أنَّ هذا الأسلوب هو ثانويّ تماما، وهو مخصّص لتسهيل التأمّل . 3 – نجاح الصلاة يعتمد في نهاية المطاف على الله ( σὺν Θεῷ ἐπί τῷ χρεῖττον προϊόντες ) ، وليس فقط على جهودنا.

4 – جهودُنا تظهر محبّتنا لله.

5 – هذه الطريقة في الصلاة صعبة جدّاًlix

هناك طريقة أخرى للصلاة الفنّية، التي وصفت بأنها “omphaloscopie”، من قِبَل القدّيس غريغوريوس أسهب في شرحِها أكثر. وكما سبق أن قلنا، هذه الطريقة تعرَضّت للهجوم والسُخرية من برلعام وأتباعه بكثيرٍ من العدائية. هذه الهجمات لا تزال مستمرة اليوم ايضا. ويُتَهم الهدوئيون بأنهم يجعلون الصلاة العقلية فقط تأملٌا في الصِرّة (“omphaloscopie”)، وأنهم يعتقدون أنَّ روح الإنسان هي في الصِرّة (من هنا اسم السخرية “omphaloscopes” التي اخترعها برلعام واستُخدِمَت من قِبَل ليون ألّلاتيوس Allatiuslx Léo. ولكن إذا تركنا جانباً هذه الخلافات، ونظرنا اليها بموضوعيّة، نُدرِك أن “omphaloscopie” كان لها معنىً مختلفاً تماماً في ممارسة الحياة الرهبانية الشرقية. أولّاً، قد يكون من الصعب أن نرى فيها جزءاً أساسيّاً من الصلاة العقلية، وذلك بسبب أن هذه الممارسة نادراً ما تُذكر في الكتابات النسكية، إلا سهواً، لا تذكر omphaloscopie، بصرف النظر عن غريغوريوس پالاماس، إلا عند سمعان اللّاهوتيّ الجديد، في مقالته في الطرائق الثلاث للصلاةlxi. لا نيكيفور الراهب ولا القديس غريغوريوس السينائي، اللَّذين درسا بالتفصيل طريقة التنفس، لم يأتيا على ذكرِها. ومع ذلك، كان نساك ذلك الوقت يمارسون omphaloscopie بالتأكيد، كوسيلة ثانويّة للصلاة، وهذا هو السبب الذي من اجله رأى القديس غريغوريوس بالاماس أنه من الضروري الدفاع عنه ضد هجمات برلعام. واستَنَد هذا الدفاع على نفس المفاهيم الأساسية لتلك التي تكمن وراء دفاعه عن طريقة “التنفس” (على الرغم من أن الحجج تَمّ تطويرها بطريقة مختلفة تماما). الفكرة المركزيّة هي أيضاً العلاقة بين النفسي والمادي، وأهمية هذه العلاقة في التركيز والحفاظ على الانتباه. فهو يكتب، “نظراً لحقيقة أنَّه منذ السقوط، من الطبيعي أنَّ الإنسان الداخلي يتوافق من النواحي كافة مع الأشكال الخارجية، فإنّه يمكن أن يكون من المفيد جدّاً للذي يريد التأمّل، بدلاً من السماح لبصره أن يتَـشَتَّـت هنا وهناك. أن يُثَـبتَه كنوع من الدَعم على الصدر أو الصِرّة”lxii. هذا النص يُعَبِّر بجدارة عن المعنى الحقيقي لل omphaloscopie ، فإنّه يدلّ على أن الهدف من ذلك هو التركيز وأنّ الحفاظ على البصر ثابتاً على نقطة ما (بدلا من السماح له بالتشتت) هي وسيلة تخدم هذا الغرض. لاحظ عبارة “مفيدة”(συντελέσειε)، مما يدلّ بوضوح على الأهميّة الثانويّة – لا القصوى – التي تتعلّق بهذه الطريقة. وبالتالي فإنّ حقيقة حفظ أنظارنا ثابتة على المعدة يأتي بعد عبارة ” على صدره “، مما يدلّ بوضوح على أنّه بديل. نلاحظ أيضاً أنّه بالنسبة الى غريغوريوس پالاماس، خارجا عن اتّجاه النظر، وضْعيّة الجسد، المائل والمتواضع، لها دلالة كبرى؛ فبالصلاة على هذا الشكل، يُحاكي الانسان ظاهريّا على الأقل العشار الذي لم يجرؤ على رَفعِ بَصَره، أو مع النبي إيليا الذي كان يصلّي، واضعاً رأسه بين ركبتيه lxiii.

وبالمثل، هناك شيء من هذا الموقف الذي يتوافق مع الحركة الدورية للروح التي يتكلم عليها ديونيسيوس الآريوپاجيlxiv. في ضوء ذلك، فإن “الشكل الخارجي” (τὸ ἔξω σχῆμα)، أي الوضعية التي نتّخِذها في أثناء الصلاة، تبدو للقديس غريغوريوس، حسب خبرته، مفيدة ليس فقط للمبتدئين، ولكن أيضاً للذين هم أكثر تقدّماً. فهو يكتب. ” ناهيك بالمبتدئين، فان البعض حتى بين الأكثر تقدّما، وذلك باستخدامهم هذا النوع من الصلاة استجاب الله لهمlxv. “(لاحظ” بعض “[τῶν τελειωτέρων οἱ]، اذا ليس الجميع). مُفَسِّرا هكذا معنى الصلاة الفنية، غريغوريوس يدحض الخُرافة السخيفة التي نُشرت عن طريق برلعام، مُدَّعِياً أنّه وَفقا للهدوئيين hesychastes الصِرّة هي مقر للروح. داحضاً البرلعاميين barlaamites الذين يُلقبون الهدوئيين ب omphalo-psychiques. يقول “[هذه التسمية] من الواضح أنها افتراء لأنه مَن مِنَ [الهدوئيين] ادّعى قط أن الروح كان في الصِرّةlxvi؟ “

هذا، اختصار، لتعليم غريغوريوس پالاماس عن طرق الصلاة العقلية ” الفنية” . في بعض النصوص المكتوبة في الدفاع عن رهبان جبل آثوس، هذه الطرائق فـُصـِّلت باسهاب، بينما في حالات أخرى، ذات الطابع النسكي والمعنوي الأكثر عمومية (مثل الرسائل إلى الراهبة كسينيا Xénia، والعظات {الميامر} ، الخ ) ، لم يأت على ذكرهم على الإطلاق. ونحن نعتقد أنّه إذا أعطى غريغوريوس الكثير من الاهتمام للوصف والدفاع عن مثل هذا النوع من الصلاة، كان ردّاً على الهجمات التي قُدِّمَت في ذلك الوقت من قـِبَل خصوم الحياة التأملية. كان من الضروريّ الدفاع عن الحق و محاربة التشوهات المُغرِضة .

ولكن كتابات غريغوريوس پالاماس عن الصلاة النسكية لها قيمة خاصة بها بِغَض النظر عن الحاجات الآنيّة؛ نجد لأول مرة في الأدب النسكي وصفاً لاهوتيّاً ونفسيّاً مُنَظّماً عن هذه الطرائق التي بلا شك كانت تمارس قَـبلـَه بوقت طويل.

هذه الأعمال الدفاعية هي من بين المساهمات الأكثر أصالة لغريغوريوس پالاماس في الأدب النسكي الأرثوذكسي. ولكن سيكون من الخطإ الجسيم أن نعتقد أنّ هذه الطرائق للقدّيس غريغوريوس – الثانوية ، وعلى الرغم من انها مفيدة جدّاً – هي الجوهر والمضمون الرئيس للصلاة العقلية. فليس تلك او ذاك العمل النسكي بحد ذاته، ولكن “ارتفاع العقل نحو الله وعلاقته معه ” هو هدف ومضمون كل صلاة روحيّة حقيقيّة كما اعتبرها غريغوريوس والصوفيون الأرثوذكس الآخرون عبر التاريخ. فبالنسبة لغريغوريوس أنَّ اتّحاد الروح بالله هو الأساس وقِمة الحياة الروحية للإنسان كله، وانفصاله عنه يبدو السبب في كلّ سقطاطه. يكتب بحيويته {بهمته،} المميزة ” الروح التي تنفصل عن الله تصبح إمّا حيوانيّة، أما شيطانيّة”lxvii.

“في حالة الاتّحاد المباشَر هذه بالخالق، عندما تخرج روحنا من نطاق أنشطتنا العادية وتبقى، إذا جاز التعبير، خارجاً عن ذاتها، حينئذ يُدرِك الإنسان معرفة الله الحقيقيّة، ” هذه اللامعرفة التي تفوق كل معرفة. مقارنة بهذه اللامعرفة، كل فلسفتنا وكل معارفنا العادية، انطلاقا من مفهوم العالم المخلوق، تبدو غير كافية وجزئية. ” ويقول غريغوريوس أيضا : ” إنّه حقّاً لمستحيل أن نَتَّحِد بالله (Θεῷ συγγενέσθαι)، إلا إذا، بعد تـَطهيرنا، نجد أنفسنا، خارج – أو بالاحرى فوق – ذواتنا، بعد أن نكون قد تخلّينا عَمّا يتعلق بالعالم المحسوس وارتفعنا فوق الأفكار، وأسلوب التفكير وكل معرفة، وحتى فوق العقل نفسه. فنصبح حينئذ بكُلّيتنا تحت تأثير الذهن، بحيث قد نكون بلغنا حينئذ هذه اللامعرفة التي تفوق كل معرفة، وبذات الفعل، فوق كل انواع الفلسفةlxviii. “

هذه الحالة الروحية الفائقة، عندما ينفصل الإنسان عن كلّ ما هو مَخلوق ومُتحوِّل، غير ثابت، وبفعل اتّحاده بالألوهة، هو مستنير بنور الله، ويُسميه القدّيس غريغوريوس” الصمت “أو الهدوء hesychia. ويضيف قائلا، “الهدوء يعني توقف أنشطة الروح، والتجرد عن العالم، ونسيان ما هو دون ذلك، والمعرفة السريّة لِما هو أسمى، واستبدال الأفكار بما هو أفضل منها؛ هذا هو النشاط الحقيقي، والارتفاع إلى التأمّل الحقيقي وإلى رؤية الله […]. وهذا وحده هو علامة نفسٍ سليمةٍ، اجل فإنّ أيّة فضيلة أخرى ما هي إلا علاج لشفاء وَهْنِ النفس […]، في حين أن التأمّل هو ثمرة النفس السليمة […]، فبه يتأله الانسان، وليس بالارتفاع عن طريق العقل والعالم المنظور، أو بلعبة حدسيات {توقعات} التشابه، […] ولكن بالارتفاع بوساطة الهدوء […] أجل فبهذه الطريقة ندخل بمعنى ما في علاقة مع طبيعة الله المبارَكة والمتعذِّر بلوغها .

وهكذا، بعد ان نكون طهّرنا قلوبنا بالهدوء المقدس ومزجناها بشكل لا يوصف بالنور الذي يفوق كلّ إحساس وكلّ فكر، فنرى الله في ذواتنا كما في مرآةlxix. “

هذا التعليم على الهدوء المقدّس، إذ هو الحالة النفسية الأرفع، والوسيلة لبلوغ معرفة الله والاتحاد به، قد عرَضه بالشكل الأوضح القدّيس غريغوريوس في عظته الرائعة حول “تقدّمة والدة الله القديسة الى الهيكلlxx، والتي سبق فذكرناها مرّات عديدة، بحسب غريغوريوس، فالكليّة الطوبى العذراء مريم، التي مَكثَـت منذ الثالثة من عمرها في الهيكل وحدها مع الله، مكرِّسة نفسَها للصلاة الدائمة والتأمّل، منفصلة عن البشريّة والعالم، حقـّقـَت في ذاتها الهدوء المقدس والصلاة العقلية بالطريقة الأسمى والأكمل. ويضيف قائلاً، ” إنّ روح والدة الإله تتّحد بالله من خلال التأمل والانتباه والصلاة الإلهية {الدائمة}[التي لا تنقطع..]. مرتفعة فوق الأفكار المتنوّعة وفوق أيّ تصّور {صورة}. تشقُّ طريقا جديدا نحو السماء ، لم يُسمع به قط، […] الهدوء العقلي [νοητὴν σιγήν] […].انها ترى مجد الله وتتأمّل بالنعمة الإلهية من دون ان تخضَع إطلاقا لسلطان الأحاسيس، مع كونها هي بالذات إناءً مقدَّسا أهلاً لمحبّة الأرواح والنفوس غير الفاسدةlxxi. “وعلاوة على ذلك، فالقديس غريغوريوس يربط التجسد بالذات، بمجرد أن والدة الإله قد دخلت هكذا في طريق الصلاة الصامتة منذ طفولتها المُبّكِرة. “هي وحدها من البشريّة جمعاء كانت هكذا صامتة بشكل فائق الطبيعة منذ طفولتها الأولى؛ هي وحدها قد استحقت ان تَحْبَل بلا دنس ببشرية الكلمة الإلهيةlxxii “في شخص والدة الإله، اذا، فالصمت لم يجد تحقيقا وتبريرا مقدسَين فقط، لكنه يُظهر عظمة سلطانه في توحيد الإنسان باللهlxxiii.

في خلاصة عرضنا للتعليم النسكي المعرفيّ للقديس غريغوريوس پالاماس، نود ان نشير الى النقاط الآتية. أوّلاً، الأهميّة التي يُعلِّقها على دور الجسد في العمل الضروري لإيصال الإنسان إلى معرفة الله والاتحاد به. مفهوم الإنسان هذا ككلّ، مُعبـَّر عنه بطريقة صارخة في تعليم القديس غريغوريوس حول الشَّبَه الإلهي الذي يتمتّع به الإنسان، أكثر من الملائكة، والذي ينعكس في كلّ كيانه النفسي والجسدي.

في مجال النُسك، يُعبَّر عن هذه الفكرة في العقيدة عن تعاون الجسد في الحياة الروحية، وقدرته على أن يكون مُستنيراً بالألوهة ويكون مُتّحدا معها في عمليّة تأمليّة واحدة تضمّ الإنسان

من وجهة نظر معرفيّة، القدّيس غريغوريوس يعارض الإدراك الفكري الجزئي الذي لا طائل منه في معرفة الله، الى معرفة فائقة-العقل في متناول الانسان عندما يكون كيانه كله مُستنيرا وحقّق الاتحاد بالله بكلّيته. هذه الفكرة عن الإنسان ككلّ، يشارك في المعرفة الإلهية هو سِمَة تعليم غريغوريوس. سِمة نموذجية أخرى عنده هي الاتّحاد الذي يجعل بين فكرة الألوهية غير المفهومة والمتعَذّر الوصول إليها وإمكانيّة الاتّحاد بالله بالنعمة والرؤية المباشرة له. نجد هنا، لأول مرة في مجال النسك ونظرية المعرفة، التعارض antinomismelxxiv التي هي من سمات {فكر} غريغوريوس پالاماس. ويكفي أن نشير هنا إلى أن التعارض الواضح عند غريغوريوس بين فكرته عن الله، وكيفية معرفته ليست حالة معزولة في الأدب الآبائي الشرقي. والأقرب إليه في هذا الصدد هو القديس غريغوريوس النيصصي. نادرون همُ الآباءُ القديسون الذين أصّروا مثله، على الطبيعة غير المفهومة والتي لا توصف عند الله، وعدد قليل جدّاً منهم الذين درسوا لاهوتيا بهذا العمق، طبيعته غير المدركة…

i– نشر هذا المقال (باللغة الروسية) فيSeminarium Kondakovianum، مجموعة من الدراسات . علم الآثار وتاريخ الفن، الدراسات البيزنطية، المجلد VIII.((1936، براغ ، ص. 99-154 ، وأدرج في Messager البطريركي الروسي في أوروبا الغربية، رقم 115 (1987 )، ص. 109-174 – تُرجم الى الفرنسية في Messager البطريركي، المرجع نفسه، ص. 45-108

ii- عَرَفَت الأوساط العلميّة، الأخ الصغير باسيليوس من دير القديس بندلايمون في جبل آُوس، في عام 1936، من خلال نشر “التعليم النسكيّ واللّاهوتي للقدّيس غريغوريوس پالاماس”، الأول من ضمن سلسلة طويلة من المقالات والبحوث. بعدها انكبّ على دراسة غريغوريوس النيصصي، باسيليوس الكبير وغيرهم كثيرون، ونشر الأسقف Krivochéine تباعا ” تعاليم ” القدّيس سمعان اللّاهوتي الجديد، في مجموعة “Sources Chrétiennes” ثم كتبَ السيرة الأساسية للصوفي البيزنطي(سمعان اللّاهوتي). في مرحلةٍ ابتدأنا فيها نكتشف بجهدٍ كنوز تراث آباء الكنيسة، منتفعاً من الخزانة الاستثنائية التي أتاحتها له “الجمهورية الرهبانية “(آثوس). هذا المقال هو جزء بسيط من الدراسات الآبائية والروحية التي ألّفها ” الأسقف المثقف الأمثل” L’ évêque cultivé idéal ( التعبير هو لألكسندر شميمن )، والذي أُمكن أن يقال إن “الوطن الحقيقيّ هنا على الأرض، هو إيمان الآباء ” …

iii- لفظة يونانية مؤلفة من Gnosis معرفة وLogos علم أي علم المعرفة

iv-التعليم النسكي واللاهوتي عند القديس غريغوريوس بالاماس هو، بمعنى ما متصل بالتيار الروحي للرهبنة الشرقية المعروفة باسم ” الهدوئية ” hésychasme. ونعتقد أنه من الضروري قول بعض الكلمات حول هذا الموضوع. فالهدوئية، أو الصمت، تشير بصفة عامة إلى تيار الحياة الروحي بين الرهبان الأرثوذكس الشرقيين الموجه كليا إلى التأمل النقي والاتحاد بالله في الصلاة. هذا التيار بلغ أوج توسُّعِه خلال حياة القديس غريغوريوس بالاماس، كان متمركزاً لدى جبل آثوس المقدّس ورهبانه. لكن يجب ألَّا نعتقد أن الهدوئية في جبل آثوس في القرن الرابع عشر، كانت ظاهرة جديدة تماما في تاريخ الرهبنة الشرقية، لأنه منذ العصور القديمة ( منذ بدء الرهبنة في مصر في القرنين الثالث والرابع)، كانت موجودة جنباً إلى جنب مع الشركات الرهبانية التي كانت مزدهرة جدّاً (والتي تمَّ التعبير الأمثل عنها في قوانين القديس باسيليوس الكبير وأعمال القديس ثيودوروس الستوديتي Théodore Studite)، وهو ميل، تأمليّ في الصلاة النقية والصمت. ويتجلى هذا ليس فقط في حياة العديد من القديسين في تاريخ الكنيسة، ولكن أيضا في كتابات النسّاك ذوي الميل الهدوئي hesychaste التي وصلت لنا مثل القديسين أنطونيوس الكبير، إيڤاغريوس البنطي، مكاريوس المصري (القرن الرابع)، نيلوس السينائي، مرقص الناسك والمغبوط ذياذوخوس فوتيكيس (القرن الخامس)، اسحق السرياني (القرن السابع)، إيسيخيوس وفيلوثاوس وHesychius Philotheus السينائيين (القرن السابع- التاسع). بالإضافة إلى ذلك، من قِبَل القديس سمعان اللّاهوتي الجديد، وNicetas Stétathos نيكيتاس ستيتاتوس (القرن الحادي عشر) ونيكيفورس الراهب (القرن الثالث عشر)، هذا التقليد أدى إلى الهدوئية hesychastes في جبل آثوس (القرن الرابع عشر)، مع القديس غريغوريوس السينائي († 1346) والقديس غريغوريوس پالاماس.

ولكن سيكون من الخطإ الاعتقاد بأن التقليد الرهباني “الشركوي” cénobitiques والنسكي érémitiques يعارض بعضُها بعضا وتمثل طرقا مختلفة كليا في الحياة الروحية. هذا ما عبّر عنه الأب إيريناوس هاوسر اليسوعي Irénée HAUSHERR، في طريقة الصلاة الهدوئية (Orientaliachristiana، المجلد التاسع-2، 1927) وحياة الصوفي البيزنطي الكبير، سمعان اللاهوتي الجديد (Orient. Christ. t. XII, 1928). فالحياة المشتركة و”الهدوء” لا يناقض بعضها بعضا، وهذا ما يتضح من كتابات الناسك القديس يوحنا السلمي حيث نجد مزيجا متناغما لهذين النموذجين المثالين (VI-VII)؛ ونحن نعلم، أنه يصف في بعض فصول كتابه السلم الى الله حياة الشركة المرتكزة على أساس الطاعة والتخلي عن الإرادة الذاتية، بينما يتعاطى البعض الآخر طريق الهدوء والتأمل وهي الدرجات الأسمى(الدرجة 27). وحدة الكتاب لا تتأثر بذلك أبدا. نستطيع أن نقول الشيء نفسه عن عمل القديسَين بارسانوفيوس Barsanuphius ويوحنا الغزاوييَن (القرن السادس).

وبصفة عامة، الحياة المشتركة والهدوء يعتبران في الأدب النسكي (كما في كتابات حياة القديسين hagiographiques ) ليسا متباينين في ما بينهم، ولا يعزل أحدهما الآخر، ولكن كدرجات توافق التقدم الروحي للراهب. وقد اعتبر الهدوء دائما بصورة تقريبية كأسمى نمط في الحياة الروحية. وأخيرا، فالحياة النسكية فُهِمت عادة، كاعتزال داخلي وليس كمسكن “جغرافي ” خارج أراضي الدير في الصحراء. لنذكر أن أبرز ممثل للحياة المستيكيّة mystique في الكنيسة البيزنطية – سمعان اللاهوتي الجديد (949-1022) – قضى معظم حياته في أديرة رهبانية “شركوية”. يتوجه القسم الكبير من كتاباته النسكية الى رهبان يعيشون في الشركة، وعلى الرغم من ذلك تم صياغتها وفقا للروح الهدوئية “hesychaste”. مزيج متناغم من الاتجاهات الشركوية والهدوئية hesychastes هو نتيجة طبيعية للوحدة العضوية في الحياة الروحية الأرثوذكسية، حيث يرتبط التعليم النسكي، ارتباطا وثيقا جدا بالعقيدة ويمتلك{تحوز} وحدةً داخلية قوية جدا، على الرغم من تنوع التعبير الخارجي. ولكن في تاريخ الرهبنة الأرثوذكسية، كانت هناك أوقات يسود فيها الواحد على الآخر. يمكننا القول بصفة عامة أنه عندما تنمو روح الجماعة على حساب الهدوئية (ويرجع ذلك أساسا إلى نمو الأديرة الكبرى) كان يُؤَدّي إلى إضعاف الحياة الروحية الرهبانية حيث تمتصهم المصالح الخارجية التي غالبا ما تكون منزلية {تدبيرية}. ويظهر التجديد الروحي، بوضوح في العودة إلى الحياة الداخلية، وروح الصمت والتأمل، واستعادة “الهدوئية”. في جبل آثوس، الحياة التأملية ( التي اندثرت تقريبا في فترة معينة، عادت بفضل عمل غريغوريوس السينائي، الذي قامت قبله شخصيّات تأمليّة بارزة كنيكيفورس الراهب. حياة غريغوريوس السينائي تحتوي وصفا رائعا لأنشطته في جبل آثوس (I POMIALOVSKI Βίος καὶ πολιτεία τοῦ ἐν ἁγίοις πατρὸς ἡμῶν Γρηγορίου τοῦ Σιναίτου [حياة وأعمال أبينا في القديسين غريغوريوس السينائي]، Saint-Pétersbourg.، 1894).

v- . بطبيعة الحال، تَمَّ العثور على هذه العناصر المعرفية في معظم أعمال الآباء ( في هذه الحالة أعمال القديس غريغوريوس پالاماس). ويرجع ذلك إلى حقيقة أن الكتّاب الدينيين عادة ما كان لديهم هدف يعمل للبنيان، وحين يدخلون في مناقشات مجردة بحتة، كان ذلك فقط لدحض هجمات الهراطقة هذه. ونتيجة لذلك، فإنَّ أيّ محاولة لتنظيم ” نظرية المعرفة ” لديهم، تصبح بطريقة أو بأخرى ” تنميقا “. وأخيرا، يتمّ استخدام مصطلح ” نظرية المعرفة ” من قبلنا بأسلوب رخو جدّاً إلى حد ما (نقصد هنا كل ما يمتُّ إلى المعرفة، تحديداً معرفة الله و طرقه ) .

vi- « ἄβυσσος χρηστότητος », Περὶ προσευχῆς, PG 150, col. 1117 B

vii- المرجع نفسه

viii- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., 172

ix- المرجع نفسه

x- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., 172

xi- Κεφ., PG 150, col. 1152 BC (κεφ. 43

xii- Κεφ., PG 150, col. 1152 C (κεφ. 44

xiii- PG 150, col. 1361 C

xiv- المرجع نفسه، PG 150, col. 1370 B

xv- Κεφ., PG 150, col. 1145 D-1148 B (κεφ. 38-39

xvi- Κεφ., PG 150, col. 1148 B (κεφ. 39

xvii- Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων (PG 150, col. 1104 B

xviii- المرجع نفسه، PG 150 ، العمود . 1104 AB .

xix- Ἁγ. Τομ., PG 150, col. 1233 BD

xx- في نفس Tomos الجبل المقدس -المقصود بذلك توموس الجبل المقدس الذي أنشأه غالبا غريغوريوس بالاماس في العام 1341 ووقعه رؤساء أديرة جبل أثوس ومنهم رئيس دير السوريين-، نجد مناقشة حول رأي برلعام الذي يتضمن عدم الهوى في إماتة الأهواء. (في المفهوم الأرثوذكسي في التوموس نفسه نحن لا نميت الأهواء بل نحولها). « τὴν τοῦ παθητικού καθ ‘ ἕξιν νέκρωσιν ἀπάθειαν φησί ، ἀλλά μὴ τὴν ἐπί τὰ κρείττω καθ ‘ ἕξιν ἐνέργειαν » ( Ἁγ . Τομ ، PG 150 ، العمود . 1233 B ) .

xxi- Ἁγ. Τομ., PG 150, col. 1233 C

xxii- Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων (PG 150, col. 1105 C

xxiii- Ibid., PG 150, col. 1105 D

xxiv- « Δεκάλογος τῆς κατὰ Χριστὸν νομοθεσίας ἢτοι τῆς Νέας Διαθήκης », PG 150, col. 1089-1101. في هذا العمل يتحدث غريغوريوس عن وصايا العهد القديم في ضوء الوحي الإنجيلي .

xxv- Κεφ., PG 150, col. 1161 D (κεφ., 57

xxvi- « τῇ κοινωνία τῶν ὁμοίων ἀρετῶν », Περὶ προσευχῆς, PG 150, col. 1117 B

xxvii- « τῇ κοινωνίᾳ τῆς κατὰ τῆν εὐχὴν πρὸς τὸν Θεὸν δεήσεώς τε καὶ ἐνώσεώς », ibid

xxviii- المرجع نفسه.

xxix- Περὶ προσευχῆς, PG 150, col. 1117 C

xxx- Περὶ προσευχῆς, PG 150, col. 1120 A

xxxi- المرجع نفسه.

xxxii- المرجع نفسه.

xxxiii- المرجع نفسه.

xxxiv- Περὶ προσευχῆς, PG 150, col. 1121 A

xxxv- المرجع نفسه.

xxxvi- PG 150, col. 1120 A

xxxvii- « ἡσυχαστῆς ἐστιν ὁ τὸ ἀσώματον ἐν σώματι περιορίζειν σπέυδων », Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων، (PG 150, col. 1109 B).، هذا الاستشهاد، مأخوذ من الدرجة ال27 لكتاب يوحنا السلمي، ليس حرفيا ولكن أعطى المعنى الصحيح بدقة.، المرجع نفسه.صلاة 2 والروحيةء نسيط

xxxviii- Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων, PG 150, col. 1108 C

xxxix- « ἀγνοοῦσί … ὅτι ἄλλο μέν οὐσία νόος, ἄλλο δὲ ἐνέργεια », PG 150, col. 1108 CD

xl- PG 150, col. 1180 CB

xli- PG 150, col. 1056 A

xlii- Ἐπιστημονική”” ترجمها هاوسر ب”العلمي”. في الواقع، هذه الكلمة تعني جيدا علمي” في اليونانية الحديثة، ولكن يبدو أن المصطلح المتّفق عليه في ترجمة الكنيسة السلافية (وبالتالي الروسية) “الفنية يعبِّر بشكل أفضل مما استعمله الكتاب النسكيون. (تقنية téchnique)

xliii- « Λόγος, 27. Περὶ τῆς ἱερᾶς σώματος καὶ ψυχῆς ἡσυχίας », PG 88, col. 1096-1117; « Λόγος 28. Περὶ τῆς ἱερᾶς προσευχῆς », PG 88, col. 1129-1140

xliv- « Λόγος πρὸς Θεόδουλον… περὶ νήψεως καὶ ἀρετῆς », PG 93, col. 1480-1544

xlv- Περὶ τῆς ἀναπνοῆς, PG 150, col. 1316 C-1317 A ; Περὶ τοῦ πῶς δεῖ καθέζεσθαι, PG 150, col. 1329 A-1333 A

xlvi- هذا الخطأ، ارتكبه هاوسر Hausherr، في كتابه La Méthode، فهو يخلط طرائق الصلاة العقلية مع جوهرها. فهو يكتب عن موضوع الصلاة العقلية، “باختصار اذاً، موضوعان يؤلفان الطريقة. التفتيش عن مركز القلب، الذي أعطى للهدوئية hesychastes اسم “omphalo-psychiques” والتكرار المستمرّ ل”صلاة يسوع”. حيث نصل ​​إلى رؤية “ما لا نعرفه”، وهذا يعني، من الناحية اللاهوتية، وفقا لپالاماس “نور تابور” … “(المرجع المشار اليه، III). في أماكن أخرى من الكتاب نفسه، نتفّحص الطرق الخارجية في مزيد من التفاصيل – والomphaloscopie، وتيرة التنفس، الخ – ويصر على أنَّ الهدوئيين hesychastes “من خلال المثابرة على هذه الصلاة العقلية، سوف يجدون في نهاية المطاف ما كانوا يبحثون عنه، مكان القلب، ومعه وفيه كلّ أنواعٍ من العجائب والمعرفة” (المرجع نفسه. ص 102). باختصار، الوصول الى حالات روحية عالية يبدو له (في تفسيره “صلاة الهدوئيين) تكون النتيجة الحتمية، التي لا مفرّ منها (“نجد في نهاية المطاف”) من المثابرة في ممارسة الصلاة العقلية، وليس ثمرة الاتحاد الداخلي للإنسان بالله وعمل النعمة الإلهية الحرّ، وهذا ما علّمه في الواقع جميع أولئك الذين مارسوا هذه الصلاة.

xlvii- في رأينا، إن بعض الكتّاب ك Jugie، Hausherr، لأنهم لم ينجحوا في رؤية الصلاة الفنية بوصفها جزءا عضويا من التعليم النسكي الكنسي العام، يعتقدون أن الهدوئيين استبدالوا الطريق الصعب أي حفظ الوصايا، بالوسيلة السهلة، و”الميكانيكية” للصلاة. في الواقع، الصلاة لم تكن أبدا منفصلة عن الصلاة، وضعها في تعارض مع الوصايا، هو في حدّ ذاته، خطأ لأنها ليس شيئا آخر غير كمال الشريعة الأساسية لمحبة الله والناس.

xlviii- كان الرهبان الآتوسيون يجلسون على كرسي صغيرة ويحنون رؤوسهم وينظرون الى الصرة ويرددون صلاة يسوع وذلك كوسيلة لجمع قوى النفس وتركيزها حول اسم ربنا يسوع المسيح وبذلك تجتمع الروح والجسد في كتلة واحدة (المعرّب)

xlix- Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων, PG 150, col. 1112 B

l- Ibid., PG 150, col. 1112 C.

li- يتحدث القديس غريغوريوس عن طرائق الشهيق، في traité نفسها Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων. هذه المسألة بالذات دقّقها المجمع المنعقد سنة 1341.

lii-هذه الطريقة المسمّاة نفسا-جسدانيّة technique psycho-somatique

liii- Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων, PG 150, col. 1112 B

liv- PG 150, col. 1109 B

lv- PG 150, col. 1109 D

lvi- PG 150, col. 1112 A

lvii- المرجع نفسه.

lviii .(حاشية : القديس ثيوفان الحبيس اطلق العنان لمن يصلّي صلاة يسوع ليصليها كيف ما كان حاله واقفا، او نائما او ماشيا…)

lix- نظرة پالاماس تعتمد على رؤية نفسية جسدية psycho- somatique مهمّة جدّاً الجسد يؤثر بالروح كما أنّ الروح تؤثر في الجسد . بسبب الخطيئة نصاب بشرود الذهن. نستعمل دقة وظائف الجسد لحصر الشرود. فالتنفس وحركة الدم وكل وظائف خلايا الجسد تتمتع بدقة كبيرة إن لم يشوشها (فلتان) الإنسان. پالاماس يقيد شرود الذهن بهذه السلاسل الدقيقة.(المعرّب)

lx- L’appellation ὀμφαλοψύχοι ou umbilicanimi est utilisée à l’égard des hésychastes

par Léo ALLATIUS dans son De Ecclesia Occidentatis et Orientalis perpetuaconcensione (PG 150, col. 898 D).

lxi- HAUSHERR, La Méthode, p. 164; voir aussi PG 150, col. 899 AB (chez ALLATIUS)

lxii- PG 150, col. 1112 B

lxiii- PG 150, col. 1113 CD

lxiv- PG 150, col. 1109 A

lxv- PG 150, col. 1113 C

lxvi- PG 150, col. 1116 A

lxvii- Ὁμιλ. Σοφ., p. 114

lxviii- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., p. 169-170عظة القديس غريغوريوس پالاماس، دخول والدة الإله القديسة الى الهيكل.

lxix- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., p. 170-171

lxx- Ὁμιλ. Σοφ., p. 131-180

lxxi- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., p. 176

lxxii- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., p. 171

lxxiii- هناك موضوع مماثل في عظة للقديس غريغوريوس بالاماس عن حياة القديس بطرس الآثوسي الرائعة. هذا النص هو دفاعٌ حيٌ ولامعٌ عن الطريقة الهدوئية للخلاص. والدليل إن هذا الطريق هو مقبول من الله هو المعجزات التي تمّمها القديس بطرس في جبل آثوس – فهو هدوئي بامتياز. بحسب هذا البحث (traité)، كل إدانةٍ للهدوئية لمصلحة حياةٍ أكثر نشاطا، هي مستوحاة من عدو خلاصنا(الشيطان). ونحن نعلم أن غريغوريوس پالاماس ليس هو مَن ألـَّف حياة القديس بطرس الآثوسي، الذي عاش قبله في الزمن. ما فعله ما كان إلّا أعطاءه شكلا أدبيا بالأكثر، وأعطاه أيضا “إنشاء” هدوئيا hesychaste (دون إجراء تغييرات كبيرة). النص الأصلي من حياته (من المحتمل مؤلفة في القرن التاسع.)،

lxxiv- Kirsopp LAKE, The Early Days of Monasticism of Mount Athos, Oxford, 1909, p. 18-39.

القديسون اﻷرثوذكسيون والحركة المسكونية

القديسون اﻷرثوذكسيون والحركة المسكونية

بالنسبة للمسيحيين، معيار الحقيقة هو اﻷمانة للمسيح والإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ” (يهوذا 3). الآباء القديسون باتحادهم الكامل بالمسيح بالروح في الكنيسة المقدسة، يصيرون بدورهم المرجع التجريبي الذي به تقاس الحقيقة. لهذا السبب، بالنسبة للأرثوذكسيين، تعاليم الآباء القديسين هي سلطة ينبغي اتباعها وتصديقها، أبعد وفوق أي رأي قد يمتلكه شخص أو مجموعة.

إن هذا الاعتقاد التأسيسي هو بمثابة مقدمة لمناقشة مسألة العلاقات بين الكنيسة الأرثوذكسية وروما، والتي ما زالت مكان نقاش في الأوساط الكنسية.

منذ المجمع الفاتيكاني الثاني، طوّرَت روما فكرة أن الانقسام هو مسألة كنائس شقيقةمنفصلة، وبأن الكنيسة الأرثوذكسية ينقصها القليل لتحقيق الملء الذي من شأنه أن يسمح احتفال مشترك من القربان المقدس الرب“. [1] . هل تقبل الكنيسة الأرثوذكسية بهذا الفهم للانشقاق وبوضع الكثلكة؟ للإجابة على هذا السؤال، يجب أن نعود إلى القديسين والقرارات المجمعية، وعندها، فإن الجواب هو لالا لبس فيها.

عندما ندرس الخلافات مع روما في حياة القديس فوتيوس الكبير (القرن التاسع) و القديس مرقس اﻷفسسي (القرن الخامس عشر)، نجد رفضاً واضحاً لروما بسبب ابتداعاتها، طالما أنها تتمسّك بهاوبالتالي رفض إمكانية الوحدة معها لهذا السبب بالذات. الكنيسة الأرثوذكسية، مع أنها لم تعلن قداسة هذين الرجلين، بل اعتبرتهما أيضاً أعمدة اﻷرثوذكسية، وتبنّت تعليمهما عن روما ضد البابوية و الفيليوكفيه (انبثاق الروح القدس) والحركة المسكونية. تعليم القديس فوتيوس ضد الفيليوكفيه وأولوية البابا تبنّته الكنيسة اﻷرثوذكسية رسمياً في المجمع المسكوني في القسطنطينية (879-880 م)، كما أن تعليم القديس مرقس قد ثبّتته الكنيسة وأكّدته في رفضها للاتحاد الزائف في بازلفيرارا فلورنسا.

في هذه المرحلة، قد يفترض البعض أن الكثير تغيّر منذ القرن الخامس عشر، وأنّ الهيئات غير اﻷرثوذكسية قد تكون اقتربت أكثر إلى التماشي مع العقيدة الأرثوذكسية خلال القرون، وبالتالي، هذه المجموعات صارت أقرب إلى الشركة الإفخارستية الكاملة. لكي يتحقق هذا اﻷمر، ينبغي وجود شيء من الحركة الجديرة بالاعتبار ليس في اﻹيحاء أو المواقف، بل في العقيدة والحياة من ناحية الكثلكة نحو الأرثوذكسية، أقله منذ عهد القديس مرقس الأفسسي. ولكن فكرة أن روما قد تحركت في هذا الاتجاه لا يمكن الدفاع عنها. إذا كان هناك من حركة، فهي ابتعدت أكثر في عدد من الجوانب الهامة.

أوضح فيلاريت رئيس أساقفة نيويورك، تعليقاً على الحج الرسولي في عام 1965 (لقاء البابا والبطريرك المسكوني في القدس): الكثلكة اليوم ليست حتى الكنيسة نفسها التي رفضت الكنيسة الأرثوذكسية بقيادة القديس مرقس الأفسسي الدخول في اتحاد معها. الكثلكة الآن أبعد عن الأرثوذكسية، بعد أن أدخلَت المزيد من العقائد الجديدة وتبنّت المزيد والمزيد من مبادئ الإصلاح والمسكونية، والحداثة.

حتى الكثير من الكاثوليك التقليديين يتّفقون مع هذا التقييم الصادق. ومنذ القرن الخامس عشر، تطرّق إلى قضية روما عدد غير قليل من القديسين الأرثوذكسيين، تعاليمها ومكانتها بالنسبة للأرثوذكسية. ما يلفت النظر في هذه التعاليم هو غياب كل أشكال العواطف المسكونية.

القديس نيقوديموس اﻵثوسي (القرن الثامن عشر)

تسمّى معمودية اللاتين معموديةً زوراً. . . لأنهم هراطقة. . . لقد قال عنهم ما فيه الكفاية المتعلقة القديس مرقس الأفسسي في فلورنسا (في الاجتماع الخامس والعشرين)، حيث تحدث بصراحة على النحو التالي: “لقد انفصلنا عن اللاتين لا لسبب سوى حقيقة أنهم ليسوا منشقين وحسب، بل أيضاً هراطقة ولهذا السبب يجب علينا أن لا نفكّر في الوحدة معهم.

القديس ثيوفانس الحبيس (القرن التاسع عشر)

حقيقة الله، وهي الحقيقة الكاملة النقية والخلاصية، لا يمكن العثور عليها لا عند الكاثوليك ولا عند البروتستانت، ولا في الانجليكانيين. يمكن العثور عليها فقط في الكنيسة الواحدة الحقيقية أي الكنيسة الأرثوذكسيةالكاثوليك هم أول من انشقّ عن الكنيسة“.

القديس يوستينوس بوبوفيتش (القرن العشرون)

أول اعتراض جذري باسم الإنسانية ضد المسيح اﻹلهاﻹنسان، والكائن اﻹلهيالبشري أي الكنيسة، ينبغي البحث عنه في البابوية وليس في اللوثرية. البابوية هو في الواقع أول وأقدم بروتستانتية.

الشيخ صوفروني آسكس (القرن العشرون)

ولكن اتحاد الكنائسصعب، إن لم يكن مستحيلاً. أولئك الذين يتحدثون عن اتحاد الكنائسلا يعرفون عقلية غير اﻷرثوذكس ولا سموّ الأرثوذكسيةأنا لا أريد اتحاد الكنائس، على الأقل الآن، لأن الكاثوليك لن يتغيروا و الأرثوذكس لن ينحرفوا.

القديس نيقوﻻ فيليميروفيتش (القرن العشرون) وهو كان قد عبّر عن ميول مسكونيةفي شبابه لكنه ﻻحقاً عاد ليوافق غيره من القديسين

إذا كانت كل طائفة ﻻ تحتوي إﻻ جزءً من العقيدة المسيحية فقط، فإن الكنيسة الأرثوذكسية تحوي مجمل الإيمان الحقيقي بوفرة، وهو الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ” (يهوذا 3). . . لا يمكن أن تتحقق وحدة جميع الكنائس من خلال التنازلات المتبادلة، بل فقط عن طريق التزام الجميع بالإيمان الواحد الصحيح في مجمله، كما وُرِث من الرسل ووُضع في المجامع المسكونية. بعبارة أخرى، من خلال عودة جميع المسيحيين في الكنيسة الواحدة غير القابلة للتجزئة التي انتمى اليها أسلاف جميع المسيحيين في العالم كله في القرون العشرة اﻷولى بعد المسيح. إنها الكنيسة الأرثوذكسية المقدسة.”

هذا التوافق بين القديسين الجدد نسبياً في معارضة الاتحاد مع روما طالما أنها لا تزال ملتزمة أخطاءها، هو بطبيعة الحال، ما كان ليبدو بارزاً لو كان هناك أيضا قديسون يحبّذون المسكونية أو التعددية الدينية. ولكن في الواقع، هؤﻻء ببساطة لا وجود لهم.

قد يبدو حوار روما اللاهوتي مع الكنيسة الأرثوذكسية حول الفيليوكفيه في العقود الأخيرة أمراً معاكساً لهذا الكلام. ولكن من الصعب أن نرى في هذا أكثر مراوغة، خاصةً مع تبنّي روما لتطوّر العقيدة، الذي هو بحد ذاته إشكالية أساسية بالنسبة للكنيسة الأرثوذكسيةفي التزامها التعليم الرسولي: “وَتَحْفَظُونَ التَّعَالِيمَ كَمَا سَلَّمْتُهَا إِلَيْكُمْ.” (1 كو 11: 2).

هذا الكلام، وبدون أي اعتذار، ليس دعوة للعنف أو سوء المعاملة للكاثوليك. على العكس من ذلك، إنه دعوة إنجيلية أساسية إلى الانخراط في الحوار تقوم على قول الحقيقة في المحبة. هذا يشمل الاستماع بإخلاص إلى المخاوف بوِدّية كما يقول القديس بولس: “صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا” (1 كو 9: 19-23).

هذا بالتأكيد (وبشكل اضح) لا يشمل المساس برسالة الانجيل حيث الثالوث والكنيسة مركزيان في العقيدة الأرثوذكسية. ما من محبة في أن تترك أخاك يتمادى في الخطأ المدمر، إذا كان يرغب بالحقيقة بجدية. لا بل إن مزاوجة الحقيقة مع الزيف هي قلّة محبة، وبالتالي تجديف ضد الثالوث الأقدس.

يضع القديس باييسيوس اﻷثوسي اﻷمر على هذا الشكل:

لسنا بحاجة لأن نقول بأن المسيحيين غير الأرثوذكسيين ذاهبون إلى الجحيم أو أنهم ضد المسيح. ولكن أيضاً لا ينبغي أن نقول لهم انهم سوف يخلُصون، لأن هذا يمنحهم تطمينات كاذبة، ونحن سوف نُحاسَب على ذلك. علينا أن نعطيهم قدْراً جيداً من عدم الارتياح، وأن نقول لهم أنهم مخطئون.

حكمة القدّيسين: التعامل مع الغضب والحقد والمرارة

حكمة القدّيسين: التعامل مع الغضب والحقد والمرارة

الأب ثيودور ستيليانوبولوس

نقلتها إلى العربية جولي عطية

لا تأتي السعادة الحقيقية من كثرة الممتلكات بل من نوعية العلاقات الإنسانية. تتميّز العلاقات الصحيّة باحترام الآخر، والتواضع، والصراحة، والوفاء، والإعراب عن استعدادٍ للتكلّم بهدوء، لتوضيح سوء التفاهم وحلّ الخلافات بعدل، والقدرة على التسوية والتجاوز بنيّةٍ حسنةٍ ومسامحة. حين تكون هذه الصفات موجودة ضمن الزواج والعائلة والجماعة أو المجتمع بعامة، نجد الانسجام والاطمئنان والسلام والفرح الحقيقي.

أمّا أعداء العلاقات الإنسانية الصحيّة فهم اللامبالاة، وعدم الاكتراث، والأنانية، والرغبات الشرّيرة، والغرور، والكبرياء الأعمى. فهذه النزعات تؤدي إلى تراجع الحياة الإنسانية، وتسبّب معاناةً وألمًا لا حدّ لهما، وتُنتج كافة أنواع سوء التفاهم والنزاعات والعداوات والمرارة بين الناس. وكون الإنسان ضعيف يميل إلى إساءة الفهم، فأيّ تعبير قاسٍ يُقال، أو أيّ فعل بسيط يُقترف من دون تفكير، من شأنه أن يؤثّر بشدّة على العلاقات الشخصية. لذلك فإنّ اليقظة مطلوبةٌ للحفاظ على الوفاق بين الناس. وحين تُنتهك الثقة، تلزم عناية شديدة لإعادة الأمور إلى طبيعتها.

في مقالة حول الحقد، يعرض القديس دوروثاوس أسقف غزة (القرن السادس) تعليمًا مفيدًا عن الخلافات ونتائجها وكيفية مواجهتها. وأوّل نصيحة للقدّيس دوروثاوس تتعلّق بالمعرفة. فالمعرفة الواضحة تساعد الإنسان على التعامل مع الخصامات بشكل أفضل. ويفصل القدّيس بين مراحل النزاع: الاستياء، اضطراب الذهن، الغضب، الهيجان، والعداوة أو الحقد. ويوضح تعليمه بالمثل التالي:

عندما يوقد أحدهم نارًا، يبدأ بإشعال شرارة، مثلاً بواسطة عود ثقاب. وتمثّل هذه الشرارة كلمةً مهينةً نطق بها أحد الأخوة أو عملاً اقترفه. إذا احتملتَ كلامَ أخيك، فإنك تطفئ الشرارة، أمّا إذا سمحتَ لها بأن تلفتَ انتباهك، فإنّك تشعلها كمَن يرمي حطبًا أو وقودًا في الموقد، فيشتعل الدخان الذي هو اضطراب الذهن“. وكلّما فكرتَ فيها، استحالتْ مشاعرُك غضبًا وتحوّلَ الغضب إلى هيجانٍ داخلي. يشبه ذلك تجميع الحطب فوق النار فتشتعل بشكل خارجٍ عن السيطرة. إنّك تعذّب نفسَك وتهاجم مَن أهانك، والآخرين أيضًا، بسبب اضطرابك الداخلي. وإذا لم تتبدّد مشاعر الغضب هذه، يحوّلها الوقتُ إلى عداوةٍ أو حقدٍ دائمين. تسمّى هذه الحالة mnesikakia باليونانية، وتعني حرفيًّا تذكّر الشرور أو الإساءات، وتتميّز بإرادةٍ مريضةٍ راسخة، وعداوة ناقمة، ومرارة تجاه الآخر.

لكن كيف يجب أن يتصرّف الإنسان بحكمةٍ إزاء الإهانات؟ ينصح القدّيس دوروثاوس الإنسانَ بأن يميّز الفرق بين الاضطراب والهيجان والغضب والسقوط في الحقد. حصِّنْ نفسَك بهذا التمييز، واعتمدِ الخطة الروحية القائمة على قطع الخلاف منذ بدايته. تراجعْ وخذْ نفسًا عميقًا، وفكِّر قبل أن تتكلّم أو تتصرف، واملكْ وسائلَ بديلة للردّ حين توشك الشرارة على الاشتعال. لا تسمحْ للإزعاج بأن يتحوّل إلى غضبٍ ثم إلى حقد. “اقتلعوا أهواءكم ما دامت صغيرة، وذلك قبل أن تركن فيكم وتتعبكم. فاقتلاع نبتة صغيرة شيء واقتلاع شجرة شيء آخر بالكلّية“.

يستطيع كلّ واحد منّا أن يجد وسائل إيجابية للردّ على الإهانات. من الأفضل أحيانًا التزام الصمت وإعادة فتح الموضوع في وقت أنسب. وبإمكان الإنسان أن يتكلّم بهدوء ويستوضح سائلاً: “ما الذي يجعلك تشعر هكذا؟ مِن فضلك اشرحْ لي ماذا تعني“. أو يستطيع أن يعتذر بتواضعٍ قائلاً: “أنا آسف لأنك تشعر هكذا. لم أعنِ أن أسبّب لك الإهانة. لنهدأ ونتكلّم في المسألة“. ويمكننا أن نتغاضى عن الإساءة، وأن نتحاور بصبرٍ في وقتٍ آخر مع الشخص الذي أهاننا: “يوحنا (أو مريم)، ما قلتَه (قلتِه) ذاك اليوم سبّب لي الأذية، هل بإمكاننا التحدّث بالأمر؟ أقدّر علاقتنا، هيّا نحاول توضيح سوء التفاهم“. يجب إيجاد التعابير المناسبة والتكلّم بالنبرة المناسبة لئلاّ تشتعل النار وتلتهم المتخاصمين.

يلفت القدّيس دوروثاوس الانتباه إلى أنّ الإنسان يميل بطبعه إلى التصرّف بعدلٍ ومقابلة الشرّ بالشرّ. يتذكّر المزمور 7: 5 حيث نصلّي إلى الله: “إن كنتُ قابلتُ الشرّ بالشرّ فلأهلك بالكلية ولأسقط أمام أعدائي خاويًا“. عندما يقابل أحدُهم الشرّ بالشرّ، فهو يؤذي نفسه. يشرح القدّيس: “السقوط يفترض فقدان القدرة على النهوض من جديد. أما أن نسقط خاوينيعني أن نفقد كلّ فضيلة تسمح لنا بالنهوض من جديد“. إذًا برغبتنا في العدل، نكون في خطر خسارة قدرتنا على التصرف بفضيلة أو عمل الصلاح“.

هناك وسائل عدّة لمقابلة الشرّ بالشرّ، ليس فقط بالكلمات أو الأفعال بل بالمواقف والحركات والنظرات، وهي وسائل يجب تمييزها وتجنّبها. فالتجاهل يعبّر عن وجود حقدٍ في القلب، ونظرة الازدراء تجرح مثل سهمٍ مسنّنٍ بالخبث. وقد لا يكنّ أحدُهم البغض لأخيه، لكنّه يفرح إن سمعَ أحدًا يشتمه. وآخر لا يضمر في قلبه سوءًا لأخيه، لكنّه لا يطلب له السعادة ويحزن إن رآه مكرَّمًا. تمثّل هذه الحالات، بحسب القديس دوروثاوس، أشكالاً ماكرة لمقابلة الشرّ بالشرّ، وتعبّر عن حقدٍ مخفي. لذلك يجب تمييز هذه الأشكال بعناية، ومكافحتها والاعتراف بها إلى الله. لقد طلبَ المسيحُ منّا أن نحبَّ أعداءنا وأن نصلّي من أجلهم. وعلّم بولس الرسول: “لا يَغلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغلِبِ الشَّرَّ بالخَيرِ“(رو 12: 21).

لكنّ المعرفة ووسائل الدفاع لا تكفي وحدها للتعامل بفعالية مع الاستفزازات والإساءات. نعمة الله أساسيّة للغاية لحدّ الخلاف وجلب المصالحة والشفاء. وعند اشتعال شرارة الخلاف الأولى، تكون الصلاة الردَّ الأكثر إيجابية وفعالية، كونها تُلهِمُ الخطوات المفيدة التالية. الصلاة ملجأٌ داخلي آمنٌ يعمّه السلام والتفكّر، فيه يجدُ الإنسان المساعدة على مواجهة الخلافات والأذية بشكلٍ عميق.

في التقليد الأرثوذكسي، يُنصح بتلاوة صلاة يسوع (ربي يسوع المسيح ارحمني)، بصفتها فأسًا في وجه التجارب والأهواء. ويمكننا اختصارها، وفقًا للحالة، إلى صيغة يا رب ارحم!” أو يا رب امنحني القوة، أو أعطني الصبر، أو امنحني النور للتعامل مع هذه المشكلة“. عند اشتعال الشرارة، تساعد تلاوة صلاة يسوع النفسَ على الالتجاء إلى منزلها الروحي، فنُسيطر على الغضب، ونضبط الكلمات والأفعال التي قد نندم عليها لاحقًا.

يقترح القدّيس دوروثاوس تلاوة صلاة قلبيّة صامتة ومتّضعة، وهذه الصلاة ترفع من شأن الذي أهاننا. “يا رب أعِنْ أخي وأعِنّي بصلواته!”. حين يتوسّل الإنسان، بهذه الكلمات، من أجل أحد الإخوة، فهذا يدلّ على رأفة ومحبة، وإنّه لتواضع مِن قِبله أن يسأل الله العونَ بصلوات مَن أساء إليه. يقول القدّيس دوروثاوس: “حيث تكون الرأفة والمحبة والتواضع، كيف يمكن للغضب ولأيّ هوى آخر أن يسود؟“. ويستشهد بقولٍ لإفاغريوس الناسك: “مَن يصلّي من أجل أعدائه، لا يعرف الحقدَ البتّة“. الصلاة من أجل خير أعدائنا وخلاصهم هي الطريق الأضمن لشفائنا من السخط، ولتهيئة الأرضيّة للشفاء والسلام. ينهي القدّيس دوروثاوس رسالته بهذا الإرشاد الصلاتيّ: “ليعطِنا الله أن نتذكّر هذه الكلمات التي نحن سامعوها، وأن نحفظها ليوم المحاكمة، حتى لا تكون دينونة لنا“. يا قدّيس الله صلِّ من أجلنا.

القديس نكتاريوس كمعلّم للشباب

القديس نكتاريوس كمعلّم للشباب

نقلها عن اليونانية بتصرّف الأب أنطوان ملكي

القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس والعجائبي، لا يزال حتى اليوم منارة مشرقة ينير لنا بفضائله الكثيرة وكتاباته الهامة ومعجزاته التي لا تعد ولا تحصى.

من بين أمور أخرى، لقد كان مربياً ممتازاً ومعلماً للشباب، الذين اعتبرهم الأمل الذهبي للكنيسة والأمة، قاعدة الغد“. وفي خطاب له يحمل عنوان دعوة المراهقين في المجتمعالتي ألقاها لطلاب الثانوية في لاميّا، يصف المراهقة بأنها مهمة وسريعة. “بالواقع إنها هامّة المهمة العظيمة التي خصصت لها، وسريعة في مدتها القصيرة، حيث خلالها ينبغي إنجاز أشياء كثيرة وكبيرة“.

يسمّي قديسنا المراهقين الجيل الجديدوالجيل الوارثالذي تسلّمه الأمة والدولة ودائع الأجداد وكلّ كنوز الأجيال السابقة.” هذا هو سبب حماسه لتشجيع الشباب في نضالهم الروحي وتشديدهم، من خلال حثّهم على ممارسة الفضيلة. كان يعلّمهم مع الكثير من المحبة بأن عليهم الحفاظ على إيمانهم في المسيح، الإله الحقيقي، كوديعة مقدسة. كان عليهم أن يسلكوا في الحياة في المسيح والارتباط به من خلال أسرار الكنيسة الخلاصية.

كان يعرف الصعوبات الكبيرة التي تواجههم في نضالهم الروحي في كثير من الأحيان. وقد أوصاهم باليقظة والاستقرار في حياتهم المسيحية لأنها سلاح الانتصار. في عظته لطلاب المدرسة الثانوية في لاميّا، قال ما يلي: “أولادي الأحباء، إن كفاحكم يتطلب قراراً شجاعاً وروحاً معنوية ثابتة لاكتساب الفضيلة. لأن المترددين، أولئك الذين يبدؤون نضالهم من أجل الفضيلة بالإهمال والكسل، تثبط عزيمتهم بسرعة ويُهزَمون، ويتحوّلون بسهولة إلى جبناء ويفرّون“.

أوصى القديس بالكتاب المقدس كدليل لا غنى عنه لمعرفة الحقيقة والاستنارة والاستعداد للخلاص. كما شدّد بكل قوة روحه على أن عليهم أن يجمعوا بين التقوى والعلم، إذ بهذه الطريقة يتقدمون وينمون في جميع مراحل حياتهم. الفكرة المركزية في توجهه للشباب كانت هذه الحقيقة: “من دون حياة فاضلة، لا يمكن بلوغ الوجهة النهائية للإنسان“.

علّم القديس الشباب دائماً من كلمات الكتاب المقدس وآباء الكنيسة، وغالباً ما استخدم كلمات الكتّاب القدماء. قبل كل شيء، كان همّه أن يعلّم بالقدوة. وقد نجح بالنضال ونعمة الرب. في الواقع، كتب أحد طلابه وأبنائه الروحيين، في رسالة إلى صديقه عام 1897: “من حسن الحظ أنّ هناك في أيامنا روح مديرنا المبجّل الجميلةتراه يعيش في هذا العالم، ومع هذا تشعر بأنه رجل ليس من هذا العالمبدون مبالغة إنه يصلّي ليل نهارحليم، محبٌّ للجميع لا يُقاوَم بنظرته البريئةينسجم مع مختلف الناس الذين يسكّنهم ويوجّههم نحو المخلص المتجسد بلطف غير مسبوق و وداعة لا مثيل لهاإنّه رجل لكنّه يعيش كملاك“.

معنى النسك المسيحيّ

معنى النسك المسيحيّ

الأستاذ قسطنطين سكوتيريس

ترجمة راهبات دير السيدةكفتون

على مدى وجودها التاريخيّ، استمرّت الكنيسة تدلي بشهادتها عبر تبشير لاهوتيّيها، الذي هو عبادتها العقليّة، كما عبر الحياة النسكية الشخصية التي عاشها قدّيسوها وشهادتهم. فالحياة النسكيّة لم تكن قطُّ خاصّيّة بعض أعضاء جسد المسيح. كانت بالأحرى دعوة كلّ مؤمن وطريقة حياته. في حياة الكنيسة القديمة، لم يشكّل اللاهوت والعبادة والممارسة النسكيّة قط ثلاثة مستويات منفصلة من الممارسة الكنسيّة، إنّما جاءت تعابير عن ضمير الكنيسة الواحد.

إنّ آباء الكنيسة لم يفهموا اللاهوت الكنسيّ كفرع من فروع الفلسفة، ولا كمذهب عقلانيّ أكاديميّ لإدراك المعاني المجرّدة. فهموه كخبرة الإيمان المُعاش، كما مارسها وعلّمها القدّيسون، وهم أفضلُ وأصدق حفَظَة للفكر اللاهوتيّ. يشدّد القديس باسيليوس الكبير على أنّ سرّ اللاهوت بحاجة إلى تصديق الإيمان غير المتزعزع: “عسى أن يأتي كلام اللاهوت مَقودًا من الإيمان. الإيمان لا البرهان. الإيمان الذي يجتذب الوسائل العقليّة من النفس إلى التسليم بالله. هذا الإيمان لا يتولّد عن الضرورة المنطقيّة لا يتولّد عن الضرورة المنطقيّة الهندسيّة، إنّما من فعل الروح القدس“. ويشير القديس غريغوريوس اللاهوتيّ إلى أنّ الإيمان هو كمال المنطق. فعلى العموم، الإيمان والحياة العمليّة متشابكتان باللاهوت. يقول:”هل تودّ أن تصير لاهوتيًّا؟ احفظ الوصايا واسترشد بها. فالأمورالعمليّة تستند على الأمور النظريّة“. بالتالي، إنّ لاهوت الكنيسة الحيّ أتى ثمرة الرحلة الروحية للمؤمن، ونتيجة دخوله في خبرة التقديس المتوفّرة له كلّما دخل في شركة مع الله.

إنّ رحلة المؤمن الروحيّة هذه محبوكة بشهادة العهد الجديد، وبشركة الكنيسة، كما تعبّر عنها جماعة المؤمنين يوميًّا في عبادتها العقليّة، لاسيّما في اجتماع الإفخارستيا. بفضل حياة العبادة، والإفخاريستيّا بشكل خاصّ، يرتقي المؤمن إلى مستوى جديد وفريد معًا من العلاقة بالله، وبقريبه، وحتى بنفسه. فدورة العبادة في الكنيسة تشهد لسرّ خلاص الإنسان وتاريخ العالم. في كلّ اجتماع إفخارستيّ للمؤمنين، يتحقّق سرّ الكنيسة، هذا الاتحاد الفريد بين الله والإنسان، بين الإنسان وأخيه، وبين الإنسان والعالم. في الإفخاريستيّا تصبح المجموعة واحدًا. ” فنحن على كثرتنا خبز واحد وجسد واحد، لأنّنا نحن كلّنا نشترك في هذا الخبز الواحد“(1كور10: 17). وليست الوحدة الإفخاريستيّة، أي وحدة الكنيسة، تآلفًا خُلُقيًّا، أعني اتحادًا شكليًّا مبنيًّا على العواطف، أو على الخبرة البشريّة والمصالح، أو على السلوك الخارجيّ، بل هي علاقة جوهريّة بسرّ المسيح. إنّها الخبز الذي يحفظ الحياة وتكامل الجسد. “ما أعطاكم موسى الخبز من السّماء، أبي وحده يعطيكم الخبز الحقيقيّ من السماء. لأنّ خبز الله هو الذي ينزل من السماء، ويعطي العالم الحياةأنا هو خبز الحياة من جاء إليّ لا يجوع، ومَن آمن بي، لا يعطش أبدًا“(يوحنا 6: 32-33، 35).

الحياة في الكنيسة، أعني الاشتراك في خبز الحياة، تفترض التسليم بحرّيّة الإنسان. لا يمكن قصر حرّيّة الإنسان في أيّ ظرف من الظروف. وإنّما يصبح المؤمنون سرّ الجماعةلأنّهم يقبلون بحرّية الحياة الجديدة في المسيح. يعني هذا أنّ كلّ مؤمن يحدّد مَسار وجوده في خطّ مستقيم هو خطّ الحياة في المسيح، وذلك بقدر ما يمكنه، وبحسب عطيّة الله له، لكلّ إنسان هبة خصَّها الله بها، فبعضهم هذه، وبعضهم تلك” (1كور7:7). في الكنيسة، ليس ما يتمّ بالسِّحر، من دون رضى المؤمن وجهاده الشخصيّ. فمشاركة سرّ المسيح عطيّة مجّانيّة ونتيجة جهد المؤمن الخاصّ في آن. وحياة الكنيسة، هذه العطيّة من الله الذي يحيي كلّ شيء” 1تيم6: 13)، هي دعوة دائمة إلى اجتهاد المؤمن الشّخصيّ. هذا يعني أنّ حياة المسيحيّ هي صراع ليس فإنّ مصارعتنا ليست ضدّ لحم ودم، بلضدّ الرّئاسات، ضدّ السلاطين، ضدّ ولاة العالم، عالم ظلمة هذا الدّهر” (أفس6: 12). ينصح القدّيس غريغوريوس النّيصصي الإنسان المستنير حديثًا بأن يأخذ الوزنة ويبذل جهده، مشيرًا إلى الموهبة المجّانيّة التي يتلقّاها المؤمن في المعموديّة. هكذا، تظهر حياة الكنيسة وهي فريدة من نوعها، إلهيّة وبشريّة معًا، تظهر في كلّ مؤمن، على قدر مساهمته الفرديّة. فبقدر ما يدلي المؤمن بشهادته الخاصّة وبرهانه العمليّ، بقدر ما يلقى نصيبًا في الشركة الإلهيةّ. بكلام آخر، الشركة في الكنيسة حقيقة مطروحة أمام كلّ مؤمن، وواقع يكتسبُه باستمرار. لا جمود هنا، بل اطّراد وتقدّم لا يتوقّفان، يحقّقهما المؤمن يوميًّا بجهده الشخصيّ اليوميّ. إنّ عنصر الديناميكيّة من مزايا الحياة المسيحيّة، لأنّ الاتحاد بالله ليس له انتهاءٌ ولا حدود. الله غاية المشتهى، والرحلة إليه مسيرة إلى نهاية الكمال الذي لا ينتهي.

يتوفّر الاتحاد بالله ضمن الكنيسة بحسب العمر الروحيّ لكلّ مؤمن. معنى ذلك أنّ الجهاد الشّخصيّ، والنسك المسيحيّ شرطان مسبقان يحدّدان وجوده كعضو في جسد المسيح. النسك طريقة حياة كلّ الذين نالوا بركة الانتماء إلى الأسرة الجديدة في الكنيسة. إنّه لمن الخطأ أن ننظر إلى النسك كنهج حياة يخصّ الرهبان، أو الذين وقفوا أنفسهم لخدمة الكنيسة، دون سواهم. طبعًا إنّ الرهبان والراهبات منوطين بتكريس ذواتهم لحياة النسك بكلّ ما في كيانهم من طاقة. إلاّ أنّ هذا لا يعني أنّ العلمانيّين الذين يعيشون ويعملون في العالم لا يمكنهم تذوّق ثمار النسك المبارك الطيّبة. فالحياة المسيحيّة تستند أوّلاً وأخيرًا على التعاطي اليومي لتعاليم الكنيسة. وعيش تعليم الإنجيل هذا هو واحد، مطروح من غير تمييز أمام أعضاء جسد الكنيسة كافّة. إذًا فالحياة النسكيّة هي نهج حياة يتّصل بكلّ مسيحيّ، وينفذ إلى كلّ تعبير في السلوك. الممارسة النسكيّة التي يتعهّدها كلّ مؤمن يدخل جسد الكنيسة تعبّر عن خبرته الشخصيّة الحيّة لوديعة الإيمان الواحد وللتصرّف المسيحيّ الفريد. في رئالته إلى أهل أفسس، يحدّد بولس الرسول الصراع الذي يتعهّد المؤمنون خوضه عندما يختارون الانضواء تحت لواء المسيح كجنود وخدّام له:

أخيرًا يا إخوة، تقوّوا في الرب وفي عزّة قدرته، إلبسوا سلاح الله الكامل لتستطيعوا أن تقفوا ضدّ مكايد إبليس، فإنّ مصارعتنا ليست ضدّ لحمٍ ودمٍ، بل ضدّ الرئاسات، ضدّ السلاطين، ضدّ ولاة العالم، عالم ظلمة هذا الدّهر، ضدّ أجناد الشرّ الروحيّة في السماويّات. فلذلك احملوا سلاح الله الكامل لتستطيعوا المقاومة في اليوم الشرّير، حتى إذا تمّمتم كلّ شيء تثبتون. فاثبتوا إذن، ممنطقين أحقاءكم بالحق، ولابسين درع البرّ، وأنعِلوا أقدامكم باستعداد إنجيل السلام، واحملوا علاوة على كلّ ذلك ترس الإيمان الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرّير الملتهبة، واتخذوا خوذة الخلاص وسيف الروح الذي هو كلمة الله” (أفسس6: 10-18).

لم تكن الحياة النسكيّة قط في الكنيسة غاية بحدّ ذاتها. ولا كانت يومًا استعبادًا للجسد يؤدّي إلى نوع من الأنانيّة المريضة. النسك الذي تنادي به الكنيسة هو حفظ وصايا الإنجيل، وهذا غايته أن يرفع الإنسان إلى مستوى دعوته الحقيقيّ. إنّه طريق تقود إلى الشركة مع الله والمشاهدة الإلهيّة (ثيوريا). النسك يستند على الإيمان، يعني على تراث الكنيسة العقيديّ، وهو يرمي إلى الكمال الروحيّ للإنسان. ويتراوح النسك المسيحيّ بين قطبين: “أحبّ الربّ إلهك من كلّ قلبك، ومن كلّ نفسك ومن كلّ عقلك، وأحبَّ قريبك كنفسك” (متى 22: 37-39). فتلعيم الكنيسة كلّه فيما يختصّ بالسلوك المسيحيّ يستند إلى هتين الوصيّتين. وكلّ مؤمن مدعوٌّ إلى بذل قصارى جهده في معركته الروحية الشخصيّة إجابةً إلى تلك الدعوة الإلهيّة. فالنسك إذًا هو أن يقف المرء نفسه كلّها لمحبّة الله ومحبّة إخوته البشر، أعني بكلّ ما يؤتاه الإنسان من قوّة.

إنّ النهج النسكيّ دعوة توجّهها الكنيسة إلى سائر أعضائها. فالنسك فلسفة وموقف من الحياة. عبر طريق النسك يُرفَع الإنسان إلى مستوى الحرّية الحقيقيّة. ينعتق من كلّ الواجبات التي يتطلّبها المجتمع المبنيّ على محوريّة الأنا، لا سيّما المجتمع المعاصر. في الواقع، إنّنا نعيش في عالم يعطي الأولوية لكلّ ما هو سهل المنال ومريح، ولكسب الخيرات المادّيّة وبحبوحة العيش الرغيد. مجتمعنا مجتمع جشع، يعلّق وسام النجاح لكلّ من يعيش في الرفاهيّة، وويتمتّع بوفرة الممتلكات والتسهيلات بأقلّ جهد ممكن. ولكنّ الذهنيّة الجشعة لها عواقب وخيمة على الإنسان، لأنّه، في آخر تحليل، يضيّع حياته جريًا خلف أحلام واهية. إنّما الجشع لا يعرف حدودًا، ولا يوفّر للإنسان السعادة والرضى الداخليّ إطلاقًا. وذلك لأنّ الإنسان الذي يعيش في هذا العالم يبقى يشتهي الأشياء المادّية، مهما يعطى له ، ومهما توفّرُه له فرص الحياة. اإنسان الجشع لا يرضى بما يملكه، ولو ملك كلّ ما يمكن أن تطاله يده في هذه الدنيا. والعكس صحيح، فالإنسان الروحانيّ، يتمتّع بغنى لا حدود له، لأنّه تعلّم أن يرضى بضروريّات المعيشة لا أكثر. “فما جئنا العالم ومعنا شيء، ولا نقدر أن نخرج منه ومعنا شيء. يكفينا القوت والكسوةفحبّ المال أصل كلّ شرّ، وبعض الناس استسلموا إليه، فضلّوا عن الإيمان وأصابوا أنفسهم بأوجاعٍ كثيرة“(1تيم6: 7-9).أمّا الذين أدركوا معنى النسك المسيحيّ وتقشّف الإنجيل، أعني القدّيسين في كنيسة الله، فهؤلاء فقراء ويغنون كثيرًا من الناس، لا شيء عندهم وهم يملكون كلّ شيء” (2كور6: 10).

إنّ غياب الذهنيّة النسكيّة عن الإنسان، عدا عن أنّه يرميه في بحر من الشكوك والقلق الشخصيّ، له عواقب وخيمة على صعيد العالم كلّه. فالمشاكل المتعلّقة بتدمير البيئة وبالمواد الغذائية المغشوشة والمضرّة تُعزى لحدّ كبير إلى الطمع، حيث يتعدّى الإنسان على الطبيعة من أجل كسب مقدار أوفر من الثروة الماديّة. بالتالي، فإنّ الخليقة كلّها تئنّ حتّى اليوم من مثل أوجاع الولادة” (رو8:22). في نهاية المطاف، لقد أدخل الإنسان نفسه، بسبب جشعه، في دوّامة لا يستطيع الخروج منها، إلاّ إذا أدرك بكامل وعيه أنّ طريق النسك المرضيّة لله هي مخرجه من المأزق الذي وصل إليه اليوم. بحياة النسك يتمكّن الإنسان من إدراك قيمة الأمور، وتسبيح الله على هباته، والأهمّ أنّه يدرك حدوده، ويتسنّى له أن يقيس تقدّمه في حياته على ضوء الأبديّة.

لا بدّ من التشديد على أنّ الحياة النسكيّة ليست إطلاقاً انكفاءًا عن الحياة، ولا ازدراءً بالخيرات المادّية التي وهبنا الله إيّاها لنتمتّع بها. إنّما هي مجرّد تقييم للأمور، وجهاد المؤمن حتى يبقى على مسافة منها، فلا يمسي ما يقدّمه له هذا الدهر جوهرَ حياته وغاية وجوده. إنّ النسك يقظة مستمرّة، بها يعي الإنسان أنّ الحياة وأمور هذه الدنية كلّها زائلة، والآن يبقى الإيمان، والرجاء، والمحبّة، وأعظم هذه الثلاث هي المحبة” (1كور13:13). والمؤمن الذي يعيش بحسب شريعة الإنجيل ووعد الكنيسة لا يرفض العالم. فالنسك المسيحيّ يعترف بالجسد وبالخيرات المادّية التيي يهبها الله، شرط ألاّ تُعطى صفةً مطلقة، ولا تصير حاجزاً يحول دون الحفاظ على محّبتنا لله ولأخينا الإنسان، ودون تنمية هذه المحبة. لهذا فالنسك المسيحيّ ينظر نظرة إيجابية إلى الدنيا وإلى الخيرات المادّيّة، عندما لا تحيد بالإنسان عن التكريس لله وعن محبّة القريب.

إنّ تراث آباء الكنيسة يفهَم النسك كعلاج لشخص الإنسان. فالإنسان يحيا حالةَ مرَضٍ منافية لطبيعته بسبب الخطيئة. لقد ابتعد عن الله، وتغرّب عن أخيه الإنسان، وأمسى منقسماً في عمق كيانه. أجل، إنّ الإنسان الخاطىء لمريض، وهو شخصيّة منفصمة، بحاجة إلى تسوية وشفاء. ليس من باب الصدفة أن نجد في عصرنا ازدياداً للأمراض النفسيّة والاضطرابات العصبيّة في المجتمعات الميسورة. ونجد عند بولس الرسول وصفاً لحالة الإنسان الذي يمزّقه هذا الانقسام: “وأنا في أعماقي أبتهج بشريعة الله ولكنّي أشعر بشريعة ثانية في أعضائي تقاوم الشريعة التي يقرّها عقلي، وتجعلني أسيراً لشريعة الخطيئة التي في أعضائي. ما أتعسني أنا الإنسان! فمن ينجّيني من جسد الموت هذا؟!” (رو7: 22-24). ولكن، بالنسك وبالتطبيق الصادق للإنجيل، بلغ القديس بولس من سموّ القداسة ما حمَلَه على القول: “مع المسيح صُلبتُ فما أنا أحيا بعد، بل المسيح يحيا فيّ” (غلا2:20). إنّ النسك المسيحيّ يحرّر الإنسان حقيقةً من تلك القيود والعواقب التي تسمّره في نهج حياة مادّيّ النزعة.

عندما نتكلّم على النسك كوسيلة تمنح الإنسان التوازن والشفاء، طبعاً لا نعني به جَهداً فرديًّا أو تمرينات روحية قائمة على أساس قدرات الناسك الذي يمارسها وطاقته وحدها. إنّما النسك المسيحيّ هبة من الله، عطيّة يخصّ الله بها، ضمن الكنيسة، جميع الذين ينظرون إلى تعاليم الإنجيل بعين الجدّيّة. النسك المسيحيّ يتداخل ونعمة الله، وهو نمط حياة كنسيّ. هذا معناه أنّ النسك لا يتمّ فعلاً ولا يثمر إلى مئة ضعف إلاّ ضمن الكنيسة. هذا لا يتحقّق إلاّ بالوسائل المختبرة الممحّصة التي لا تنفكّ الكنيسة تعلّمها وتطبّقها. في شركة الكنيسة، وبمؤازرة الله، تتوفّر للمؤمن الشروط المسبقة الوافية لكي يفلح في جهاداته. والمؤمن يستمد قوّة من الجهادات التي يبذلها في النسك إخوته وأخواته، ضمن الكنيسة. وله في قدّيسي الكنيسة مثالاً لحياته. إنّ القدّيسين الذين عاشوا في مختلف العصور خبِروا في العمق التجارب نفسها. هؤلاء، بالنسك ومزاولة الكلمة الإلهية بحرارة، ونجحوا في أن يصبحوا لله أصدقاء مختارين. القديسون أمثلةٌ حيّةٌ تضعها الكنيسة إزاء المؤمنين لتؤكّد لهم أنّ طريق النسك والقداسة ليست سراباً بل مكسباً في متناول اليد يجعل من الإنسان صورة حيّةً لله.

إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ النسك المسيحيّ يعمل ضمن إطار شركة الكنيسة. فليس النسك هنا معركة يخوضها فرد منعزل لكي يبلغ إلى درجة معيّنة من كمال الأخلاق. إنّما النسك نمط حياة يتحقّق في إطار العيش مع عدد من الإخوة والأخوات، هم رفاق النسك. ويؤكّد الطابع الكنسيّ الذي يتّصف به النسك المسيحيّ أنّ المؤمن لا يسير في رحلة النسك تلك على مقاييسه الخاصّة، بل يفحص أبوه الروحيّ جهاده، على ضوء ما أوتي هذا الأخير من حكمة وخبرة. من دون أبٍ روحيٍّ ينصح ويعزّي ويوجِّه، مصير النسك فشل محتَّم، وقد يؤدّي إلى التطرّف المتشدّد fanatism أو إلى التركيز المفرط على الأنا. وقد يُستنفَد كلّه في محاولة اكتساب فضائل معيّنة. أمّا النسك ضمنَ الكنيسة فيخضع لحكم الأب الروحيّ، الذي يستطيع أن يحمي الإبن الروحي، ويوجّهه إلى الطريق الصحيحة بفضل خبرته النسكية الخاصّة ونعمة الكهنوت. هذا النسك الذي يمرّ بعلاقة الأبوّة والبنوّة الروحيّتين مبنيّ على تراث الكنيسة العريق وخبرتها الطويلة.

النسك ضمنَ الكنيسة هو مسيرة توبة لا تنتهي، واستعداد مستمرّ للتغيّر والعودة إلى الله. هذا ينطبق على كلّ مسيحييّ من دون اشتثناء، سواءٌ يعيش في العالم او يسلك في التكريس الرّهبانيّ. في الكنيسة، ليس المقياس الذي على أساسه يُدان الإنسان ما عنده من فضائل أو رذائل، بل عزمه الواعي على تغيير حياته بوساطة توبة صادقة، وعلى التوجّه بكامل وجوده نحو حياة الله. بالتوبة يلبّي المرء دعوة المسيح، وهو الذي استهلّ كرازته باستدعاء الناس كافّة إلى التوبة. “وبدأ يسوع من ذلك الوقت يبشّر فيقول: “توبوا لأنّ ملكوت السموات اقترب” (متى4:17). إنّ التوبة، وهي رذل الخطيئة والعودة إلى الله، تشتمل على موقف المسيحيّ بعامّة. التوبة تعني موقفاً من الحياة، وليست وصيّة خلُقيّة يجدر بالمرء اتباعها. إنّها تغيير جذريٌّ للذهن، وخيار وجوديّ حرّ يعود بموجبه المرء إلى أبيه، كالابن الشاطر في المثل الإنجيليّ، الذي كان ميتاً فعاش، وكان ضالاًّ فوُجِد“(لو15:11-32).

إنّ الحياة الرّهبانية، بشكل خاصّ، هي حياة توبة مستمرّة مكثّفة، حياة موجّهة صوب العودة إلى الله. بالعفّة والفقر والصوم والأسهار، وسواها من أعمال النسك، يحاول الرّاهب أن يتخلّص من التفكير الدّنيويّ، وأن يغيّر طريقة تفكيره ويحيا حياة مختلفة من حيث قيمتُها الروحيّة. يرمي الراهب أو الراهبة إلى عيش سرّ التوبة التي بحسب المسيح عيشًا مطلقًا أصيلاً. من هنا أنّ الرهبانيّة هي شكل من أشكال الحياة المسيحيّة يهدف إلى الاشتراك في حياة الله وإلى الصلاة المتواصلة. في الحياة الرّهبانيّة، يتآلف النسك والمحبّة، والعشق الإلهي، كما يقول الآباء الهدوئيّون. ومثل أيّ نسك آخر، ليس النسك الرّهبانيّ أمرًا كرهيًّا، ولا هو رفض لحرّيّة المرء، بل يأتي نتيجة الخيار الحرّ والمحبّة عند الراهب أو الراهبة.

ولا يقتطع النسك والعشق الإلهيّ الراهبَ عن جسد الكنيسة. ليس الرّاهب فقط مَن زهد بالعالم وبأمور الدّنيا. فالراهب لا يترك جماعة الكنيسة، بل يحيا ضمنها، وحياته كلّها انعكاس للحياة الكنسيّة. الراهب مشغوف بالله ويحاول نيل رضى الله بذبائحه النسكيّة، وبهذا يحاول أن يوطّد قداسة جسد الكنيسة بأسره. فقداسة الراهب تنتقل سرّيًّا إلى جسد الكنيسة بكامله، لسَدِّ حاجات الإخوة القدّيسين” (2كور9: 12). بحياة القداسة التي يعيشها، يشفي الراهبُ الإنسانَ ويقدّس الخليقة. إنّ موهبة الراهب الخاصّة ضمن الكنيسة توضحها جليًّا أقوال إفاغريوس البنطيّ الأربعة في الحياة الرّهبانيّة:

  1. طوبى للراهب الذي يرى بفرح وابتهاج خلاص الآخرين كلّهم وتقدّمهم كأنّهما لنفسه

  2. طوبى للراهب الذي ينظر إلى كلِّ إنسان، بعد الله، كأنّه الله نفسه

  3. الراهب دائماً منفصلٌ عن الناس، ومتّحدٌ بهم جميعاً

  4. الراهب هو من يرى نفسه في كلّ إنسان من دون استثناء

إنّ النسك يشفي إرادة الإنسان، أيًّا يكن الشكل الذي يتّخذه ضمن جسد الكنيسة. بالنسك يتّجه الإنسان نحو الله فيأتي عمله للخير طبيعيًّا، لا كمن يطبّق وصيّة خلُقيّة، لأنّ إرادته تحرّرت من سائر العناصر التي تخلّ بكيانه. بالنسك المبارك، الذي يتمّ ضمن الكنيسة ووفقًا لمناهج الكنيسة المجرّبة المختبرة، يُزال الانقسام الناجم عن الخطيئة في مختلف مستوياته، وتُستعاد شركة الإنسان بالله وبأخيه الإنسان، وهكذا يتمّ بناء الإنسان الجديد الذي خلقه الله على صورته” (أفس4:24).